الانتقال الى المشاركة


صورة

التلازم بين العقيدة والشريعة


  • من فضلك قم بتسجيل دخولك لتتمكن من الرد
لا توجد ردود على هذا الموضوع

#1 أم مصعب

أم مصعب

    مستخدم

  • Members
  • Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip
  • 304 المشاركات

تاريخ المشاركة : PM 02:42 | 2010 Feb 08

التلازم بين العقيدة والشريعة
للشيخ
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
مع تعليق لسماحة لشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[شريطين مفرّغين]

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وليّ الحمد والفضل والإحسان، أنعم علينا ببعثة محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام؛ ?ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا?[الجاثية:18]، وأنعم علينا بأن جعل هذا الدين خاتما للأديان، فرضيه جل وعلا دينا، وأمرنا بتصديق أخباره جل وعلا والالتزام بأمره ونهييه ?وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا?[الأنعام:115] في الأخبار وعدلا في الأمر والنهي، فلن يزيغ عنها إلا هالك.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، نشهد أنه بلغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد، وتركنا على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا هالك.
اللهم صل على عبد ورسولك محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن الصلاة عليه الغافلون، وعلى الآل والصحب أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا لي ولكم أن نكون ممن إذا أذنب استغفر وإذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر، وهذه الثلاث عنوان السعادة.
ثم إن هذه المحاضرة موضوعها مهم ويحتاجه الناس في كل وقت وفي كل حال عنوانها:
التلازم بين العقيدة والشريعة


يعني أن الاعتقاد والعمل بينهما تلازم لا ينفك أحدهما عن الآخر، فلا عقيدة صحيحة بدون عمل، كما أنه لا عمل يقبل إلا بعقيدة صحيحة، ?مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً?[النحل:97]، وثبت عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أنه قال «إِنّما الأعْمَالُ بالنّيات، وإِنّمَا لِامْرِئٍ ما نَوَى».
وهذا التّلازم بين العقيدة والشريعة ظاهر في عَقْد الإيمان وفي أصل الديانة؛ لأن الشهادتين -شهادتا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله- كل منهما التلازم بين الاعتقاد والعمل بين العقيدة الصحيحة وبين شرائع الإسلام، وكذلك فيما بين الشهادة الأولى والشهادة الثانية تلازم بين الاعتقاد والعمل والشريعة.
شهادة أن لا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا الله جل وعلا. وهذا النفي لأحقية معبود للعبادة لله جل وعلا يقتضي أن هناك عبادة، والعبادة لا تصح إلا بعقيدة بإخلاص وبتوحيد، والعبادات مختلفة.
فإذن دلّتنا كلمة التوحيد على الارتباط العظيم ما بين العقيدة والدين والتوحيد وما بين الشرائع والعبادات.
وكذلك شهادة أنّ محمدا رسول الله التي معناها أنك تقرّ وتوقن وتعلم وتخبر بأن محمدا بن عبد الله الهاشمي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو رسول الله وخاتم الأنبياء وخاتم المرسلين، ومقتضاها تصديقه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما عنه نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
فقولنا (في مقتضاها تصديقه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما أخبر) هذا متصل بالاعتقاد، فكل أخبر الله جل وعلا به فواجب تصديقه؛ لأن الله سبحانه هو أصدق القائلين ?وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً?[النساء:122]، ولا أحد يخبر عن الله جل وعلا وعن خلقه بأصدق من الله سبحانه وتعالى، كذلك نبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يخبر بوحي من الحق جل وعلا، فلهذا كان كل الأمور الغيبية؛ ما يتصل بالله جل وعلا وصفاته وأسمائه وأفعاله جل وعلا وأمور الجنة والنار والقدر والغيبيات كلها راجعة إلى أن نصدق هذه الأخبار، وهذا هو الاعتقاد والإيمان الباطن.
واتّباع أمره عليه الصلاة والسلام واجتناب نهيه هذا هو الشريعة (طاعته فيما أمر واجتناب ما عنه نهى وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع) يعني في طاعة الأمر امتثال العبادات والإتيان بها تكون على وَفق السنة.
فلهذا دلت شهادة أن محمدا رسول الله على أنه لا انفكاك بين الاعتقاد وبين العمل، لا انفكاك بين الاعتقاد واتباع شريعة الإسلام؛ لأن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ جاء بهذا وهذا، جاء بالعقيدة وجاء بالشريعة.
إذا تبين ذلك فأصل لفظ العقيدة والشريعة مما جاءا مطلقا، ويكون أيضا مقيدا بمعنى، وإيضاح ذلك أن الشريعة تطلق ويراد بها العقيدة ويراد بها الأعمال أيضا مع الاعتقاد، فإن دين الإسلام شريعة كما قال جل وعلا ?ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا?[الجاثية:18]، وقال جل وعلا ?شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ?[الشورى:13]، وقال سبحانه أيضا في السورة نفسها سورة الشورى ?أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ?[الشورى:21] الآية، ففي هذه الآيات يبيِّن أن الشريعة هي دين الإسلام كله، هي دين الإسلام بما يشمل الاعتقاد الباطن وبما يشمل الأعمال الظاهرة.
ولهذا نقول: إن الشريعة تطلق ويراد بها الدين كله.
وتطلق الشريعة ويراد بها ما يقابل العقيدة؛ يعني الأعمال والشرائع التفصيلية العملية كما قال سبحانه في سورة المائدة ?لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا?[المائدة:48]، وثبت عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أنه قال «الأنبياء إخوة لعلات الدين واحد والشرائع شتى»، وألَّف بعض أهل السنة مؤلفات وأسموها الشريعة ويعنون بها في بعض الاعتقاد ويعنون بها في بعض العمليات.
ولهذا نقول:
إن لفظ العقيدة والشريعة قد يترادفان؛ فيكون الاعتقاد هو التشريع والعقيدة هي الشريعة.
وقد يراد بالشريعة ما يكون قسيما للعقيدة فتكون العقيدة بمعنى الإيمان الباطن الذي يعقد المرء عليه قلبه بحيث لا تنفكّ عقدته لشدة يقينه ويعنى بالشريعة الأعمال الظاهرة، كما جاء في الحديث أن رجلا أتى للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي. الحديث؛ يعني إن التفصيلات أي الأوامر كثرت علي فأخبرني. إلى آخر الحديث الذي في ذكر الصلاة والصيام والزكاة والحج إلى آخره.
فإذن حين نقول: التلازم بين العقيدة والشريعة نعني به الارتباط بين ما يعتقده الإنسان، ما يعتقده المسلم وما بين عمله، ما بين عقيدة الإسلام وما بين شريعة الإسلام، ما بين أركان الإيمان الستة وما بين أركان الإسلام وتفصيلات شعب الإيمان.
والإيمان نفسه شعب تجمع الشريعة والعقيدة، كما ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال «الإيمان بضع وستون -أو قال بضع وسبعون شعبة- أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» فذكر عقيدة وذكر فعلا الذي هو إماطة الأذى عن الطريق، ثم قال والحياء شعبة من الإيمان لأنه عمل قلبي.
إذن فمرادنا بهذه المحاضرة ما ذكرته لك من أنَّ اعتقاد المؤمن وعمله بالشريعة لا انفكاك بينهما ويوضِّح لك ذلك أن الله جل وعلا في كتابه بيَّن هذا التلازم بكونه سبحانه وتعالى أمر بهذا وهذا جميعا فقال سبحانه وتعالى?لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ?، هذه أركان للإيمان وذكر البر بذكر العقيدة ثم قال ?وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ? الآية، إلى أن قال ?وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ?[البقرة:177] فجمع في البر ما بين الاعتقاد وما بين العمل وكذلك في قوله جل وعلا ?وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً?[النساء:125]، ?وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله? وهذا الإسلام -إسلام الوجه لله- هو إخلاصه لله سبحانه وتعالى في عباداته وفي ما يتقرّب به إلى الرب ثم قال ?وَهُوَ مُحْسِنٌ? يعني أن يكون عمله حسنا، والعمل الحسن هو ما كان فيه الإخلاص وفيه متابعة السنة.
فإذن لابد من اجتماع الاعتقاد الصحيح واجتماع العمل الصواب حتى يكون المرء من أهل البر ?وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ?[البقرة:177] الآية.
وكذلك في قوله جل وعلا لهذه الأمة ?وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ?[النساء:36] الآية في سورة النساء، فجمع سبحانه وتعالى في الأمر ما بين العقيدة والتوحيد -وهو عبادته وحده لا شريك له- وما بين الإحسان والعمل.
كذلك في قوله جل وعلا في ذكر بني إسرائيل ?وَإِذْ أَخَذْنَا [مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ](1) لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ?[البقرة:83] فأمر سبحانه بني إسرائيل واخذ عليهم الميثاق بأن يكونوا أهل توحيد لا يعبدون إلا الله، وفي قوله ?وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ? هذا نفي؛ نفي لعبادة غير الله جل وعلا.
ومن المتقرر في علم المعاني في البلاغة أن العدول عن النهي إلى النفي فيه التأكيد والشديد على ما عُدل عنه؛ لأن أصل الكلام وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل أن لا تعبدوا إلا الله؛ ولكن عدل عن النهي إلى قوله ?لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ? كأن المنهي عنه صار حقيقة واضحة بحيث ينفى وجوده أصلا، وهذا فيه التأكيد الشديد على هذا الأمر، ثم أمر الله جل وعلا بالإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، فلما أمر بالأفعال الحسنة أمر بعدها بالقوال الحسنة فقال ?وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً?، ثم انتقل إلى الأمر إلى إقامة الصلاة وهي أعظم الأركان العملية.
وهذا بيّن واضح في أن الآيات الكثيرة في كتاب الله جل وعلا جُمع فيها ما بين العقيدة واتباع الشرائع.
فإذن يكون التفريق ما بين العقيدة والشريعة في العمل أو في التصور هذا تفريق بين متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر.
يوضّح لك ذلك أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة بما دلت عليه النصوص يجمع ثلاثة أشياء: يجمع الاعتقاد والقول والعمل. فالإيمان عندنا اعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وقول باللسان.
فالعمل جزء من مسمى الإيمان، والاعتقاد جزء من مسمى الإيمان، كذلك القول جزء من مسمى الإيمان، فلا يصحّ إيمان بعقيدة دون عمل، فمن لم يعمل من شرائع الإسلام بشيء البتة فلا يصح إيمانه، ولهذا كل مؤمن لابد أن يكون معه عمل يصحح به إيمانه، فإن لم يكن معه عمل يصحح به إيمانه، فإنه لا يقبل منه الإيمان؛ بل يكون الإيمان دعوى، وأعظم هذه الأعمال الصلاة فهي الفارقة ما بين الإيمان وبين الكفر كما ثبت في الصحيح من حديث جابر أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال «بين الرجل وبين الشرك -أو قال الكفر- ترك الصلاة» وفي حديث بريدة في السنن «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».
المقصود من هذا أن يتّضح لك أن الإيمان عندنا بما دلت عليه النصوص عقيدة في القلب وعمل بالأركان وقول باللسان.
وهذا الأصل العظيم، يجعل أنه في حال أي أحد لا يُتصور أن يكون ذا عقيدة صحيحة وليس له عمل، لا يُتصور أن يكون ذا إيمان صحيح صادق ولا يعمل خيرا البتة مع تمكنه من ذلك.
ولهذا ضلّت المرجئة وفئام من هذه الأمة حيث قالوا: إن الاعتقاد يكفي في الإيمان، أو إن الاعتقاد مع القول يكفي. على اختلاف أقوال المرجئة في ذلك.
فالعمل من الإيمان والله جل وعلا حين قال ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ?(2) وقال ?وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ?[العصر:1-3]، العطف هذا عطف خاص على عام؛ لأن الإيمان عام يشمل العمل وزيادة والعقيدة والقول، فعطف العمل على الإيمان، لم؟ لينبه أنّ العمل مهم في الإيمان؛ لأن عطف الخاص على العام موجود في القرآن في مواضع ومعروف في اللغة، ويفيد في البلاغة والاهتمام بهذا الخاص الذي أفرد بالذكر وعطف على العام.
وهذا يدلك على أنّ العمل في الإيمان مهم؛ بل إن الله جل وعلا ذكر الإيمان في القرآن مقرونا بالعمل الصالح في أكثر المواضع، فالاستمساك بالعروة الوثقى والاستمساك بالديانة الصحيحة أن يكون المرء مؤمنا بالله جل وعلا وملائكته وكتله ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، ويكون عاملا بما آمن به؛ لأن إيمانه بالله يقتضي العمل، وإيمانه بالرسل يقتضي العمل، وإيمانه بالكتب يقتضي العمل، وإيمانه باليوم الآخر يقتضي العمل، فكل من خاف الدار الآخرة عمل.
فإذن كل ركن من أركان الإيمان يدلنا على التلازم فيما بين العقيدة وفيما بين الشريعة.
والاعتقاد الذي أمرنا به هو الإيمان بالأركان السنة كما جاء في آية البقرة ?وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ?[البقرة:177] الآية، وكما في قوله ?آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا?[البقرة:275] الآية، وكذلك في قوله ?إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ?[القمر:49].
فالإيمان بأركان الإيمان هذه تُنتج أمرا لا محيد عنه ألا وهو العمل، فمن صدق في إيمانه اتجه للعمل؛ لأن هذه الأركان تجعل في القلب عقيدة في الله جل وعلا تُلزمه بالتقرب إلى الله جل وعلا، وكلما قوي إيمانه قوي تقربه إلى الله جل وعلا، وكلما عظم الإيمان في القلب عظم إتيانه لشرائع الإسلام وإتيانه للواجبات وللمستحبات ومن قصّر في شيء من الواجبات، فإنه ينقص من إيمانه بقدر ذلك كما أن من ارتكب بعض المنهيات منقص من إيمانه بقدر ذلك.
العقيدة أيضا مرتبطة بالشريعة مرتبطة بالعمل من جهة أن العمل منشؤه العقيدة، وأن العقيدة تزيد بالعمل وتنقص بالعمل، فالإعتقاد أهله ليسوا في أصله سواء، وإنما يختلفون فيه بقدر ما في قلوبهم من اليقين الذي يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح بما دلتهم عليه النصوص من الكتاب والسنة الكثيرة والمعروفة في مواضعها، كان من اعتقادهم أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، الإيمان بالله يزيد بالعمل وينقص بالعصيان أو بترك العمل الواجب، الإيمان باليوم الآخر يزيد بالعمل وينقص بترك العمل الواجب أو بالإتيان بشيء من المحرمات.
ولهذا أحسن أيَّما إحسان الحسن البصري رحمه الله تعالى إذ دلَّك على أن القلب إذا ورد ما فيه على العمل، زاد العمل ثم رجع العمل على القلب بزيادة في العقيدة وزيادة في التوحيد، فالعقيدة تُلزم صاحبها بالعمل الصالح وكلَّما قويت قوي العمل، وإذا أحسن عمله من أثر الاعتقاد الصحيح والتوحيد الصحيح فإنه يرجع ذلك العمل إلى العقيدة بقوتها وزيادتها.
ولهذا قال الحسن -كما أشرتُ- كلمة عظيمة قال: عاملنا القلوب بالتفكر فأورثها التذكر فرجعنا بالتذكر على التفكر وحركنا القلوب بهما فإذا القلوب لها أسماع وأبصار.
عاملنا القلوب بالتفكر امتثالا لقوله جل وعلا ?وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ?[آل عمران:191]، عاملنا القلوب بالتفكر في آلاء الله، في آياته في دلائل نبوة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في القرآن، في المآل، في الجنة، في النار، عاملنا القلوب بالتفكر، وتخلصنا من الغفلة، فنتج من هذا التفكر التذكُّر لالتزام الشريعة، تذكُّر لالتزام العمل، تذكُّر للازدياد من الطاعة والبعد عن المعصية، فرجعنا بالتذكُّر هذا بالعمل الصالح، على التفكر؛ يعني على العقيدة، وحركنا القلوب بهما؛ يعني لا تزال ما بين توحيد وإخلاص وعقيدة يؤول بك إلى العمل ثم ترجع بالعمل إلى العقيدة فتحرِّك القلب بهذا وهذا.
قال الحسن: وحركنا القلوب بهما فإذا القلوب لها أسماع وأبصار. وهذا من ثمرات الاعتقاد الصحيح أن يجعل العمل لازما لصاحب الاعتقاد، وهذا أمر بيّن واضح.
ويدلك أيضا على أنّ العقيدة والشريعة متلازمة أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بتوحيده وعدم الشرك به والبراءة من الشرك وأهله، وأمرنا بترك المحرمات، في مواضع كثيرة من كتابه جل وعلا، كما قال سبحانه في آخر سورة الأنعام في الآية التي تسمى آية الوصايا العشر ?قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا?[الأنعام:150] الآيات.
فإذن إذا صحَّت عقيدتك صح عملك، وإذا أردت أن يُقبَل عملك فعليك بمتابعة محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فإنّ الله جل وعلا ابتلى الناس جميعا بمحمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، كما ثبت في الصحيح -صحيح مسلم بن الحجاج رحمه الله- من حديث عياض بن حمار أنه قال «قال الله تعالى: يا محمد إنما بعثتك لأبتليك وابتلي بك». وهذا الابتلاء بمحمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ابتلاء لنا بما بُعث به وقد بعث عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بعقيدة؛ يعني بأخبار يجب علينا أن نؤمن بها، وبأوامر ونواهي يجب علينا أن نمتثل بها، فحقيقة الابتلاء ابتلاء الناس بما أنزل الله جل وعلا في كتابه وما أنزله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هل يصدقون بالأخبار أم لا يصدقون؟ هل يعتقدون بالاعتقاد الصحيح بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر أم لا؟ وهل يمتثلون الأمر والنهي أم لا يمتثلون؟
وهذه هي زبدة الرسالة؛ العقيدة والشريعة، عقيدة باطنة يعقد عليها القلب قولَه واعتقادَه، وعمل هو نتيجة تلك العقيدة.
مما يدلك أيضا على ذلك -كما ذكرتُ- أن الله سبحانه ابتلانا بحسن العمل كما قال سبحانه ?الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا?[الملك:2]، وحفظتم تفسير حسن العمل لأن العمل الحسن هو الخالص الصواب خالص من الشرك والرياء فلا يقصد به إلا وجه الله جل وعلا، وخالص أيضا صوابا من متابعة المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خالص من متابعة غيره عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، وصواب على السنة بمتابعة الخليل محمد بن عبد الله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.
فإذن المسألة واضحة في أن العقيدة والشريعة، الاعتقاد والعمل، هذان أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا وُجدت العقيدة الصحيحة وُجد العمل، وإذا وُجد العمل الصحيح وُجدت العقيدة، فهذا وهذا أمران يدل أحدهنا على الآخر.
إذا تقرر هذا، والموضوع له شعب ويطول تقريره، وفي القرآن من الآيات الشيء الكثير، مما يدل على هذا الارتباط العظيم، مما نذكره في هذا المقام أنّ هذا الارتباط ما بين العقيدة والشريعة والتلازم فيما بينهما له آثاره على المؤمنين في أنفسهم وفي تعاملهم مع من حولهم، وكذلك له آثاره على مجتمع أهل الإسلام وأمة أهل الإسلام ودولة أهل الإسلام، فإن الله جل وعلا أمر عباده إذا مكّنهم في الأرض أن يعبدوه وأن لا يشركوا به شيئا وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وأن يقيموا الصلاة وأن يؤتوا الزكاة.
الشق الأول دلت عليه آية النور?يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا?[النور:55].
الشق الثاني الأمر والنهي وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة دل عليه قوله تعالى في سورة الحج ?الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ?[الحج:41].
فعبادة الله وحده لا شريك له هي الإصلاح والصلاح، فنشر العقيدة الصالحة في الناس في أمة الإسلام نشر للصلاح والإصلاح، ونشر ضد ذلك من الخرافة والشرك أو البدع ووسائل الشرك ووسائل البدع هذا إفساد في الأرض بعد إصلاحها، كما قال سبحانه وتعالى في سورة الأعراف ?وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا?[الأعراف:56]، قال أهل التفسير: الإفساد في الأرض بعد إصلاحها بالشرك بعد أن أصلحها الله بالتوحيد ببعثة محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ. فإذا صلُحت الأرض وازدانت وأصبحت جميلة فإنما ذلك بالتوحيد، إنما ذلك بهدم كل مظهر من مظاهر الشرك والوثنية وكل مظهر من مظاهر وسائل الشرك الذي يدعو إلى تعظيم غير الله جل وعلا بما لا يجوز تعظيم ذلك الغير به، ووسائل الشرك محرمة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.
فإذن أثر الارتباط ما بين العقيدة والشريعة يظهر لك في مجتمع أهل الإسلام، ففي عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ظهر ذلك أيّما ظهور، صلاح في الاعتقاد وصلاح أيضا في الأمر والنهي، وتحكيم الشرع، وإقامة حدود الله جل وعلا، والأخذ على يد السفيه و[...] على يد الظالم، وهذا الارتباط لابد منه ولا يجوز أن يظن ظان أنه يكتفي بعقيدة دون تطبيق بشرائع الإسلام، أو يقول نطبق الحدود ولا نقيم توحيد الله جل وعلا، وكلتا المسألتين دعوى ادعاها طائفة من الناس، فإنه يجب على أهل الإسلام في مجتمعهم وفي دولتهم أن يقيموا توحيد الله جل وعلا وأن يتبرؤوا من الشرك قولا فعلا وأن يحكموا شرع الله بإقامة الأمر والنهي وإقامة الحدود وحفظ الدين وحفظ العرض وحفظ المال وحفظ العقل إلى آخر حفظ الضروريات.
وهذا تلازم لا بد منه، فاجتماعهما إصلاح، والإخلال بهما إفساد، وكلما ازداد أهل الإسلام تمسكا بالعقيدة والشريعة في أنفسهم وفي مجتمعهم زاد صلاحهم في أنفسهم وفي مجتمعاتهم، يظهر لك ذلك بآثار إقامة هذا التلازم وهذا الارتباط بين العقيدة والشريعة، فإن الله سبحانه وتعالى وعد الذين آمنوا ولم يَلبسوا إيمانهم بظلم وعدهم بالأمن في الدنيا والأمن في الآخرة، كما قال سبحانه في آية الأنعام ?الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ?[الأنعام:82]، لهم الأمن في الدنيا ولهم الأمن في الآخرة، وهذا الظلم الذي لم يلبسه أهل الإيمان ولم يتلبّسوا به هو الشرك كما ثبت ذلك التفسير على النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في الصحيح.
إذا تقرر لك ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يحب المتقين ويحب الصادقين، والتقوى والصدق جِماعهما راجع إلى العقيدة وإلى العمل، فإن التقوى أُمر بها الناس جميعا ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ?(3) يعني بتوحيده سبحانه وترك الشرك، وأُمر بها أهل الإيمان ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ?[الحجر:18]، بأن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله وأن تترك معصية الله وتبتعد عنها على نور من الله تخشى عقاب الله جل وعلا.
فإذا جمعت في أمرك ما بين الالتزام بتوحيد الله جل وعلا والإنابة إليه والخضوع والإخلاص له وتوطين القلب على أن لا يكون فيه إلا الحق جل وعلا وعملت بما عمل به النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ما استطعت من ذلك فاتقوا الله ما استطعتم، فأنت على خير، وإلا فإنه بقدر النقص في أداء الواجبات أو في ترك المنهيات يكون الوعيد ويكون التهديد، قال جل وعلا بسم الله الرحمن الرحيم ?حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ?[غافر:1-3].
آثار هذا التلازم في حياة الفرد
في حياتك أيها المؤمن في نفسك:
العقيدة الصحيحة من ثمراتها العظيمة أن الله جل وعلا يبارك في عملهم وإن قلّ، فالعمل الصالح وإن كان قليلا مع عقيدة صحيحة يبارك الله جل وعلا فيه ويربي لأهله الحسنات حتى تكون كأمثال الجبال.
ومن أحسن ما قيل في ذلك قول أبي الدرداء رضي الله عنه -حكيم هذه الأمة- إذ قال: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى صومهم، ولمثقال ذرة من بر -يعني من عمل صالح- مع تقوى ويقين -يعني مع عقيدة صحيحة- أعظم وأكثر من أمثال الجبال عبادة من المغترين. رواه الإمام أحمد في الزهد وغيره بإسناد لا بأس له.
فمن فوائد العقيدة الصحيحة من فوائد التوحيد أن العمل وإن قل يبارك الله جل وعلا فيه.
ومن فوائد العقيدة الصحيحة أنّ المؤمن إذا عمل فإنه يرجى به المغفرة قال سبحانه وتعالى ?إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ?(4) وفي حديث أنس المعروف أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «قال الله تعالى: يا عبدي لو أتيتني بقراب الأرض خطايا لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» فلابد من العمل الصالح مع عقيدة صحيحة، فإن كان المرء مع ذلك يخلط عملا صالحا وآخر سيئا فإنه إن صحّ اعتقاده وصحّ عمله الصالح نتيجة لتلك العقيدة فإنه يُرجى له أن تغفر خطيئته.
وما أحسن ما ذُكر عن الأحنف بن قيس -الحكيم المعروف- حيث قيل له: يا أحنف أين تجد نفسك أمِنْ أهل الجنة أم مِّنْ أهل النار؟ فقال: أمهلوني. ثم قال لهم بعد مدة: عرضت نفسي على صفة أهل الجنة، فإذا فيها قول جل وعلا في سورة الذاريات ?إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20)?[الذاريات:15-20] الآيات، فلم أجد نفسي في صفة أهل الجنة، ثم عرضت نفسي على صفة أهل النار فما وجدت نفسي ممن وصف الله جل وعلا من أهل النار، ثم نظرتُ فإذا شأني أني خلطت عملا صالحا وآخر سيئا، عسى اللهُ أن يعفو عني.
وهذا إنما يكون لمن صحّ اعتقاده؛ بأن يكون دائما يرى نفسه مقصِّرا، يرى نفسه مذنبا، يرى نفسه ظالما، فإذا صحت العقيدة وُجد معها عمل في حياتك أيها المسلم ووُجد مع العمل والعقيدة الصحيحة التي تجاهد نفسك عليها وُجد معها خوف، واستحضر دائما قول النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لأبي بكر في تعلميه للدعاء في آخر الصلاة «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي» وهو أبو بكر رضي الله عنه قال له عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا».
فإذن إذا صحت العقيدة صح العمل بالشريعة في حياتك، وكنت مع ذلك على خوف من ألا تكون ممن غفر الله لهم أو تقبّل الله جل وعلا عملهم.
من ثمرات الارتباط في حياتك ما بين العقيدة وما بين العمل والشريعة أن تسعى فيما تعمل لابتغاء وجه الله جل وعلا، وكثير من الناس قد يعمل العمل ولا يجاهد نفسه في أن يكون عمله خالصا ابتغاء مرضاة الله جل وعلا والْحَظْ قوله سبحانه وتعالى ?لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ?[النساء:114]، فأثبت الله جل وعلا أن في هذه الثلاث خير ولكن هل يؤجر عليها قال سبحانه وتعالى بعد ذلك ?وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا?[النساء:114].
إذن فالعمل، إذا صح عندك الاعتقاد وصح عندك العمل جاهدت نفسك في أنه في كل عمل تعمله تريد به ابتغاء وجه الله جل وعلا.
وانظر إلى خاصة ابن مسعود الربيع ابن خثيم رحمه الله تعالى.
وكان مبصرا وكانت بنت ابن مسعود تسميه الأعمى؛ لأنه ما طرق يوما باب ابن مسعود وهو فاتح عينيه خشية أن يرى من بيت معلمه وشيخه ما لا يحب أن يراه فكانت بنته تقول لابن مسعود جاء الأعمى من أنها لم تره إلا مغمضا عينيه، الربيع بن خثيم من سادات التابعين وكان من صالحيهم.
قال مرة لأهله: اصنعوا لي طعاما ووصفه من أنفس أنواع الطعام، فصنعوا ذلك الطعام ظنا منهم أنه سيأكله، فحمله معه رحمه الله تعالى إلى رجل في الكوفة أعمى لا يرى وأبكم وأصم لا يتكلم ولا يسمع ولا يرى، فجلس الربيع بجنبه وأخذ يطعمه الطعام ويأكل معه، فقال له بعض تلامذته: يا ربيع هذا أعمى وأبكم وأعمى وأصم لا يدري هل أتيته أو لم تأته، فلو بعثت إليه وجلست تعلمنا. قال: هو لا يرى ولا يسمع ولكن الله يسمع ويرى.
هذا الارتباط ما بين العقيدة والعمل إصلاح للعمل عمل ومجاهدة في الإصلاح بإخلاص الدين لله جل وعلا بأن لا يكون للناس حظ في عملك البتة، هذا من ثمرات إخلاص العمل، رضوا أو لم يرضوا حمدوك أو لم يحمدوا، المهم أنك صححت عقيدتك وصححت عملك وسرت موافقا للأمر والنهي، وهذا لو جاهدنا أنفسنا عليه لذهبت كثير من مظاهر السوء فيما بيننا من الرياء والسمعة والحسد وأشباه ذلك؛ لأن الله جل وعلا مراقب العباد ألا إنه بكل شيء محيط سبحانه وتعالى.
من ثمرات هذا الارتباط في حياة المؤمن بين العقيدة وما بين الشريعة أن صلته بمن حوله قائمة على إحسان العمل، لهذا قال جل وعلا في قوله ?وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً?[البقرة:83]، قال ?وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً?[البقرة:83، فصحة العمل وصحة الاعتقاد يتبعه أن يكون المرء ذا عفوٍ وعفة، أن يكون ذا خلق حسن؛ لأنه كلما صح الاعتقاد وصح العمل ازدرى المرء نفسه، وكثير من السلف كان يقول: إنه لا يقوم في قلبي إلا أن كل أحد من المسلمين خير مني، فإذا نظرت للناس على هذا الاعتبار فإنك ستأتي إليهم ما تحب أن يأتوا إليك؛ بل ستحب المرء لا تحبه إلا لله جل وعلا.
في المعاملات، في البيع والشراء، في صلة الرحم، فيما تأتي مع في بيتك وأسرتك، وفي أداء الأمانات المختلفة، في الوظيفة، وفي أنواع الأعمال، الارتباط في نفسك ما بين صحة يقينك بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره مؤثر في أنواع عملك، فمن صحَّ اعتقاده في قلبه وآمن إيمانا صحيحا بأركان الإيمان وأخلص لله جل وعلا عمِل في أداء الأمانات وفي معاملته للمسلمين بما أوجب الله جل وعلا عليه، ولو فُعل هذا وانتشر لصحت أفعال المسلمين وصحت أعمالهم وارتباطاتهم، فكل سوء تراه وكل كبيرة تظهر وكل عمل سيئ يظهر إنما هو نتيجة للتفريط في العمل الذي هو نتيجة لضعف الإيمان.
أيضا ننبه على مسألة ومهمة وهو ما يشيع عند بعض الناس في تساهله بالأعمال الصالحة -بأداء الواجبات وفي ارتكاب المحرمات- بأنه صاحب عقيدة صحيحة، فيقال مثلا أهل البلد الفلاني أو أهل القطر الفلاني هؤلاء أصحاب عقيدة، ويعبرون من هذه الكلمة إلى التساهل في ترك الواجبات وارتكاب المحرمات، وهذا جهل عظيم؛ لأنه لو صحت عقائدهم وقويت لقوي عملهم؛ بل إذا ضعف العمل ضعف الإيمان، وإذا قوي العمل قوي الإيمان.
فعندنا الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية
.
فإذا قويت عقيدة أحد قوي عمله -يعني حسن عمله-، وإذا قوي العمل يعني حسن فإن عقيدته صحيحة، إذا كان عمله على الصواب.
وليس المراد كما هو معلوم بقوة العمل كثرة العمل؛ بل المراد أن يكون عملا على وفق الكتاب والسنة عاملا بالأمر والنهي والمؤمنون كما هو معلوم ثلاث درجات ?ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ?[فاطر:32].
فإذن لا يحسن؛ بل لا يجوز أن تظنَّ أن المرء يأتي ما شاء من المعاصي ويترك ما شاء من الواجبات ثم يقول: أنا على عقيدة صحيحة. هذا غلط عظيم بل يجاهد نفسه في العمل الصالح في ترك المحرمات لتقوى عقيدته ويقوى إيمانه. نعم كل مسلم معه من الإيمان ما يصحّح به إسلامه بقدرٍ الذي هو أصل الإيمان؛ لكن كلما ازداد العمل الصالح ازداد الإيمان.
من ثمرات الترابط والتلازم ما بين الشريعة في أحوال المسلمين أن خاصة أهل الإيمان وهم أهل العلم أو طلبة العلم أو الدعاة إلى الله جل وعلا أو المجاهد في سبيل الله جل وعلا أن يكون عنده هذا التلازم ما بين إيقانه بالعقيدة الصحيحة التوحيد الخالص الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله بمتابعة السلف الصالح بالإيمان بما أقره أهل السنة والجماعة وما بين العمل.
وقد يُرى أن طائفة تعظم العمل ولكنها في الاعتقاد ليست على شيء، وهؤلاء لهم سلف، وهم الخوارج فإن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وصفهم بقوله «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
وطائفة قالوا نحن على عقيدة صحيحة وعلى عقيدة أهل السنة والجماعة وعلى اتباع للسلف الصالح؛ لكن إذا رأيت عملهم لم تجده عمل السلف، وإذا رأيت خلقهم لم تجده خلق السلف، ألسنتهم مطلقة في كل شيء، في غيبة وفي نميمة وفي تعد وفي قيل وقال، وعملهم للناس ليس بالحسن، ولهذا تجد أن أهل السنة والجماعة يذكرون فصلا في عقائدهم كما في آخر الواسطية وكما في آخر اعتقاد أهل الحديث الذي ساقه الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين في أنّ من صفات أهل السنة والجماعة أهل الحديث أهل الأثر أنهم يقولون القول الأحسن وأنهم يجتنبون الغيبة والنميمة وأنهم يُصلون ويتقربون إلى الله جل وعلا وأنهم يعفون عن الناس وأنهم يأتون للناس ما يحبّون أن يأتي الناس إليهم، وهذا منه ما هو واجب ومنه ما هو مستحب؛ لكن هذا ثمرات الاعتقاد الصحيح.
فإذن العقيدة -يا أهل العقيدة- إذا صحت في القلوب صار لها أثر على اللسان، صار لها أثر علي العين، صار لها أثر على السمع، صار لها أثر على الجوارح.
فالدعوة بأنك صاحب عقيدة صحيحة وأنك متّبع للسلف الصالح رضوان الله عليهم وأنك على طريقة أهل السنة والجماعة، ومع ذلك لسانك وقّاع في كل محرم، وعينك في كل شيء هذا لاشك أنه نقص في الاعتقاد، ولا يصح أن يوصف هؤلاء بطريقة أهل السنة والجماعة بالإطلاق؛ بل هم من معتقد أهل السنة وطريقتهم بقدر ما حقّقوا وينقصون من ذلك بقدر ما نقصوا.
في هذا الزمن ظهرت دعوى عظيمة ألا وهي أن الإيمان الذي هو اعتقاد باطن يكفي عن تطبيق الشريعة في المجتمعات، ويزعم هؤلاء أن الدِّين إنما الإيمان الباطن، وأما تحكيم الشريعة في المجتمعات فهذا راجع إلى نظر الناس، فإن رؤوا فيه مصلحة فعلوه وإن لم يروا فيه المصلحة تركوه، ويرددون كثيرا هذا مؤمن بالله وهذا خلاف أهل الإيمان مع أنهم يدّعون أو يدْعُون إلى فصل الشريعة عن الحياة وعن التطبيق والله جل وعلا...
نعود إلى ذكر تلك الدعوى التي يدعيها طائفة حتى من المنتسبين للإسلام في أن المجتمعات يمكن أن تكون مؤمنة ولو لم يحكَّم فيها شرع الله جل وعلا؛ يعني لو لم يرضوا بشرع الله جل وعلا أو رفضوه، إنما الإيمان هو العقيدة التي في القلب وهي الكافية، وهذه الدعوى أثّرت في كثير من الناس وفي عوام المسلمين، حتى آل بهم الأمر أنهم لم يكفروا بالطاغوت والعياذ بالله الذي هو الحكم بغير شريعة الإسلام، الذي هو الحكم بحكم البشر من هنا وهناك، فالإيمان عقيدة فيها العمل، الإيمان عقيدة في القلب وعمل، ولا انفكاك في المجتمع ما بين العقيدة والعمل.
فالذي يجب على كل المؤمنين وعلى كل المسلمين أن يعتقدوا أنّ دعوى التفريق ما بين العقيدة والشريعة هذه دعوى للإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، هذه دعوى للكفر دعوى لعدم الإيمان بمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنما بعث محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ للحكم لشريعته ?لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا?[المائدة:48]، ?وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ?[المائدة:44].
وإذا تبين لك ذلك فلا تنخدع بوصف بعضهم لمن يفرق ما بين العقيدة والشريعة بأن هذا يدعو إلى الإيمان، أو الذي يدعو للربوبية دون توحيد الألوهية بأن فعله يقوي الإيمان ونحو ذلك؛ بل العقيدة التي هي أركان الإيمان الست وما اتصل بذلك هذه شيء واحد لو لم يؤمن بالقدر ما نفعه إيمانه كله، لو أنه لم يؤمن باليوم الآخر لم ينفعه إيمانه كله، لو لم يؤمن بتوحيد الله جل وعلا في أسمائه وصفاته لم ينفعه إيمانه، لو لم يؤمن بتوحيد الله في أولهيته أنه المستحق للعيادة وحده دونما سواه فليس من أهل الإيمان.
فهناك مظاهر للتفريق ما بين العقيدة والشريعة، ما بين إلزام الناس بالاعتقاد الصحيح بالإيمان بالله وما بين تحكيم الشريعة في مجتمعاتهم، والله جل وعلا جعل الشهادتين ركنا واحدا، وشهادة أن لا إله إلا الله فيها التوحيد وشهادة أن محمدا رسول الله في الحكم بشريعته، فمن فرق ما بين الإيمان وما بين الحكم بالشريعة فقد فرق بين متلازمين لا انفكاك لأحدهما على الآخر.
والواجب علينا أنه في الإيمان لا عقيدة إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقيدة، وأن العقيدة والشريعة متلازمان لا انفكاك لأحدهما عن الآخر.
وفي الختام أسأل الله جل وعلا لي ولكم العفو والعافية وأن يجعلنا ممن أناب إليه وأخبت إليه وتوكل عليه وفوض أمره إليه جل وعلا.
اللهم ارحمنا وارحم والدينا، اللهم واحفظ وأصلح وولاة أمورنا ودلهم على الرشاد وباعد بينهم وبين بين أهل البغي والفساد واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى.
اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويعافى فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
اللهم وفق علماءنا لما تحب وترضى وخذ بأيديهم إلى البر والتقوى واجعلهم من عبادك المخلِصين المخلَصين، ووفقهم اللهم في أقوالهم وفي أعمالهم وسدّد رأيهم وكلامهم وأفعالهم.
اللهم وارحمنا واغفر جما، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.






عدد المتواجدون الآن فى الموضوع : 1

عدد الأعضاء : ( 0 ) عدد الزوار : ( 1 ) عدد الأعضاء المجهولين : ( 0 )