"إقامة البرهان على ضلال عبدالرحيم الطحان"
للشيخ العلامة مقبل بن هادي الوادعي
رحمه الله
إن الحمد لله , نحمده ونستعينه , ونستغفره , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا , ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فهذه أسئلة من شباب دولة قطر إلى الشيخ الفاضل الوالد مقبل بن هادي الوادعي-حفظه الله تعالى- يستفسرون فيها عن دينهم , ويسألون عن أمور أشكلت عليهم , وشبه قد عرضت عليهم , فيسألونه بالله سبحانه وتعالى أن يأتيهم بالحق الذي يعرفه , وأن يبين لهم الخير الذي عرفه , ويسألون الله عزوجل له الثبات في القول , والسداد في الإجابات والفتوى فيقولون:
أولاً: نسألكم: عن التقليد , فعندنا عبد الرحيم الطحان: يقول بجواز تقليد المذاهب الأربعة التي اختار منها المذهب الحنفي.
يقول: الانتساب إلى مذهب من هذه المذاهبوالتقيد بها والتعصب لها خلق حميد , وهدي رشيد , وما بعد ذلك إلا الضلال البعيد.
ويقول: التعصب لها تعصب للإسلام , والتنكر لها تنكر لدين الرحمن.
ويقول فيمن ذم التقليد: وهذه المذاهب مضى عليها ثلاثة عشر قرناً يتتابع عليها الجهابذة من محدثين وأصوليين , فمن نازعها وضللها فعليه غضب رب العالمين , ومن خرج عنها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً.
ويقول في الشذوذ الذي تصاب به الأمة في هذا الزمان: وهذا الشذوذ يتمثل في دعوات تجديدية تتمثل إلى العودة إلى الكتاب والسنة , ونبذ مذاهب الأئمة الأربعة المتبعة.
ويقول فيمن تمثل ببيت الإمام الذهبي رحمه الله:
العلم قال الله قال رسوله *** والنص والإجماع فادأب فيه
والسؤال: ما هو حكم التقليد ساء كان للخاصة أم للعامة , وما تعليقكم على هذه المقالة وهذا التسفيه؟
جواب: الحمد لله , وصلى الله وسلم على نبينا محمد , وعلى آله وأصحابه ومن والاه , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد
فمنذ أشهر وإخواننا أهل السنة في اليمن وبغير اليمن يستفسرون عن أمر عبد الرحيم الطحان , وأنا أتأخر عن ذلك , وأماطلهم حيناً فحيناً , وإن كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (مطل الغني ظلم) لكن أقول: لعل الرجل يرجع , فهذا أمر.
والأمر الآخر فإني أذكر أشرطته ودعوته عند أن كان في أبها , فله أشرطة قيمة ودعوة قيمة , وكان واقفا في وجه الحزبيين والمتدعة , وأقول: لعل الإخوة الذين بلّغونا عنه مابلَّغونا لم يكونوا متثبتين , ومع كثرة الأخبار عنه فإنني أقول كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء).
ونقول أيضا: إنا لله وإنا إليه راجعون , فأحسن الله عزاءنا فيك ياعبد الرحيم الطحان , رأينا أشرطتك التي سمعناها وسمعها الناس وأستفادوا منها ,وأين دعوتك عند أن كنت بأبها ورحلت من أجل كلمة الحق , ثم يحصل منك ماحصل! فإنا لله وإن إليه راجعون.
* أما مسألة التقليد: فإن معناه في اللغة مأخوذ من القلادة , وكأن الشخص الذي يقلِّد قد وضع نفسه كالقلادة في عنق من يقلده.
وأما في اصطلاح أهل العلم فأحسن تعريف له هو تعريف ابن الهمام وهو: اتباع من ليس بحجة بدون حجة.
* أما قول الطحان: إن الانتساب إلى مذهب من هذه المذاهب والتقيد بها والتعصب لها خلق حميد وهدي رشيد؛ وما بعد ذلك إلا الضلال البعيد.
فأقول: إن التقيد بمذهب من المذاهب يعتبر بدعة حدثت بعد القرون المفضلة -كما قاله محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله في كتابه القيم ((إرشاد الناقد إلى تيسير الإجتهاد)) - ورب العزة يقول في كتابه الكريم: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} {الأعراف: 3}.
ويقول سبحانه وتعالى: { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } {الاسراء:36}
ويقول سبحانه وتعالى حاكيا عن الكفار: { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ }{الزخرف: 23}
ويقول سبحانه وتعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ }{البقرة: 170}
فهذه هي الحجة الملعونة التي جعلت بين الكفار وبين دين الله حاجزًا, وقد أحس الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إذ يقول في كتابه القيم ((مسائل الجاهلية)): التقليد اصل من أصول الكفر. وهو لا يعني أن مقلد الأئمة الأ ربعة كفار, لكن يعني أنه من حجج الكافرين الذين يحتجون بها.
ويقول الله سبحانه وتعالى منكرًا على المقلدة وعلى أهل الكتاب: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } {التوبة: 31}.
فهذه المذاهب فرقت المسلمين وشتت شملهم وجعلتهم شيعًا وأحزابًا, بل أقبح من هذا أنهم تنازلوا عن تقليد الأئمة الأربعة إلى تقليد أتباعهم, ثم إلى تقليد أتباع الأتباع, ثم إلى العكوف على مختصرات خالية من قال الله قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم, ثم إلى تقليد أعداء الإسلام؛ لأن علماء المسلمين ما ربطوا العامة بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والأئمة الأربعة براء من تقليدهم؛ فقد قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: أيها الناس إنا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا, فخذوا من حيث أخذنا. ويقول الإمام مالك: كل يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقال الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
وقال الإمام أحمد: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا تقلد الأوزاعي, وخذ من حيث أخذنا.
وأنت إذا قرأت التاريخ في ((البداية والنهاية)) تجد ما يذهلك من الفتن في المساجد والخصومة, ورب شخص يرحل عن بلده من أجل فتنة المذاهب والتعصب للمذاهب,
حتى قال أبو عبد الله البوشنجي:
ومن شعب الإيمان حب ابن شافع *** وفرض أكيد حبه لا تطوع
أنا شافعي ما حييت وإن أمت *** فوصيتي للناس أن يتشفعوا
وقارن بين وصية البوشنجي وبين وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث جابر الطويل (( إني تاركٌ فيكم ما إن اعتصمتم به: كتاب الله )).
وهكذا وصية الله سبحانه وتعالى:{ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } {النساء: 131} والبوشنجي العالم الفاضل محمد بن إبراهيم يوصي أصحابه بأن يتشفعوا- أي: يكونوا شافعية.
ثم أتى بعده الحنبلي وهو عبد الله بن محمد أبو إسماعيل الهروي فقال:
أنا حنبلي ما حييت وإن أمت *** فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
وبعدهم الحنفي فقال:
فلعنة ربنا تعداد رمل *** على من رد قول أبي حنيفة
ثم يأتي المالكية من هنالك ويقول قائلهم: لولا مالك كان الدين هالك
والله عز وجل يقول: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } {الحجر: 7}.
ثم يأتي بعد ذلك الحنفي وهو مأمون بن أحمد ويرى أن هذه الأشعار وهذه التعصبات لا تكفي بل لا بد أن يخترع حديثًا كما في (الميزان) وغيره حدثني فلان عن عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يأتي على الناس رجل هو أضر عليهم من ابليس يقال له: محمد بن إدريس, وأبو حنيفة سراج أمتي, وأبو حنيفة سراج أمتي, وأبو حنيفة سراج أمتي.
فهذه المذاهب كانت سببًا للوحشية بين المسلمين وللفرقة حتى قال الزمخشري:
و إن يسألوا عن مذهبي لم أبُحْ به***و أكتمه كتمانه ليَ أسلــم
فإن حنفياً قلت؛ قالوا بأنـــني***أبيح السُّلا و هو الشراب المحرم
و إن مالكياً قلت؛ قالوا بأنــني***أُبيح لهم لحم الكلاب و همُ همُ
و إن شافعياً قلتُ؛ قالوا بأنــني***أُبيح نكاح البنت و البنت تحرم
و إن حنبلياً قلتُ قالوا بأنـــني***فقيه حلولي بغيضٌ مجسِّـــمُ
و إن قُلتُ من أهل الحديث و حزبه***يقولون تيسٌ ليس يدري و يفهمُ
تَعَجَّبتُ من هذا الزَّمان و أهلــه***فما أحدٌ من ألسُن النَّاسِ يسلَـمُ
ويقول الصنعاني رحمه الله في (ديوانه):
وأقبـح من كل ابتــداع سمعته *** وأنكاه للقلب الموفق للرشد
مذاهب من رام الخلاف لبعضها *** يعض بأنياب الأساود والأسد
يصب عليه سوط ذم وغيبة *** ويجفوه من قد كان يهواه عن عمد
ويعزى إليه كل ما لا يقوله *** لتنقيصه عند التهامي والنجد
فيرميه أهل الرفض بالنصب فرية *** ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد
وليس له ذنب سوى أنه ***غدا يتابع قول الله في الحل والعقد
ويتبع أقوال النبي محمد *** وهل غيره بالله في الشرع من يهدي
لأن عده الجهال ذنبا فحبذا *** به حبذا يوم انفرادي في لحدي
علام جعلتم أيها الناس ديننا *** لأربعة لا شك في فضلهم عندي
هم علماء الدين شرقا ومغربا *** ونور عيون الفضل والحق والزهد
ولكنهم كالناس ليس كلامهم *** دليلا ولا تقليدهم في غد يجدي
ولا زعموا حاشاهم أن قولهم *** دليل فيستهدي به كل مستهدي
بلى صــرحوا أنا نقابل قولهم *** إذا خالف المنصوص بالقدح والرد
سلام على اهل الحديث فإنني *** نشأت على حب الأحاديث من مهدي
هم بذلوا في حفظ سنة أحمد *** وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد
وأعني بهم أسلاف سنة أحمد *** أولئك في بيت القصيد هم قصدي
أولئك أمثال البخاري ومسلم *** وأحمد أهل الجد في العلم والجد
بحور أحاشيهم عن الجزر إنما *** لهم مد ويأتي من الله بالمد
رووا وارتووا من بحر علم محمد *** وليس لهم تلك المذاهب من ورد
كفاهم كتاب الله والسنة التي كفت *** قبلهم صحب الرسول ذوي المجد
أأنتم أهدى أم صحابة أحمد *** وأهل الكسا هيهات ما الشوك كالورد
أولئك أهدى في الطريقة منكم *** فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي
وشتان ما بين المقلد في الهدى *** ومن يقتدي والضد يعرف بالضد
فمن قلد النعمان أصبح شاربا *** نبيذا وفيه القول للبعض بالحد
ومن يقتدي أضحى إمام معارف *** وكان أويسا في العبادة والزهد
فمقتديا في الحق كن لا مقلدا *** وخل أخا التقليد في الأسر بالقد
وما أكثر العلماء الذين أوذوا بسبب التقليد, فذلك المنذر بن سعيد يقول متوجعًا من أهل عصره المالكية:
عذيري من قوم يقولون كلما *** طلبت دليلا هكذا قال مالك
فان عدت قالوا هكذا قال اشهب *** وقد كان لا تخفى عليه المدارك
فان زدت قالوا قال سحنون مثله ***ومن لم يقل ما قال فهو آفك
فان قلت قال الله ضجوا واكثروا *** وقالوا جميعا انت قرن مماحك
وان قلت قد قال الرسول فقولهم *** اتت مالكا في ترك ذاك المسالك
وأبو محمد بن حزم رحمه الله عند أن تبرأ من التقليد والتمذهب, ولم يستطيعوا أن يناظروه ويقفوا أمامه أغروا به السلطة, فأتت وحرقت عليه كتبه, ثم يقول رحمه الله:
وإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي*** تضمنه القرطاس بل هو في صدري
يسير معي حتى استقلت ركائبي *** وينزل إذ أنزل ويدفن في قبري
دعونا من إحراق رق وكاغد *** وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
وإلا فعودوا في المكاتب بدأة *** فكم دون ما تهوون لله من عذر
وقد سجن شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله من أجل مسألة خالف فيها الأئمة وأتباعهم, وطيف بتلميذه ابن القيم على جمل في الأسواق تعزيرًا له.
وهكذا الشيعة عندنا في اليمن الذين يظنون أنهم الفرقة الناجية, ويستدلون بحديث ضعيف بل موضوع: ( أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ).
فهذه المذاهب أورثت الشحناء والخلاف بين المسلمين, وأهل السنة عدول ومنصفون في هذا, لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ } {النحل: 90}.
ويقول: { وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا } {الأنعام: 152}.
ويقول: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } {المائدة: 8}.
فهم يحبون الأئمة كلهم, حتى معاصروهم فسفيان الثوري كان له مذهب: وإسحاق بن راهويه كان له مذهبٌ, والليث بن سعد كان له مذهبٌ, والأوزاعي كان له مذهب, فكل هؤلاء أئمتنا, وهم يصيبون ويخطئون ويجهلون ويعلمون, ولم يقل أحد منهم: إنني حجة, أو إذا قلت كلامًا فهو حجة.
فأهل العلم يتوجعون من هذه التعصبات من زمن قديم, حتى قال نشوان الحميري متوجعًا من أهل عصره ومن تقليدهم الهادي المقبور بصعدة:
إذا جادلت بالقران خصمي *** أجاب مجادلًا بكلام يحيى
فقلت كلام ربي عنه وحي *** أتجعل قول يحيى عنه وحيا
فالتعصب منبوذ, يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((لَيْسَ مِنّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعا بِدَعْوى الْجاهِلِيَّةِ )).
يقول ابن القيم رحمه الله: إنه يشمل التعصب القبلي والتعصب المذهبي.
وعند أن قال الأنصاري: ياللأنصار, والمهاجري: ياللمهاجرين, وقد حصلت خصومة بين أنصاري ومهاجري كما في (الصحيح) من حديث جابر رضي الله عنه, فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة )).
فهذه الدعوات والتعصبات تعتبر سببًا لتجهيل المسلمين, بل لتشكيك عوام المسلمين, فما أكثر العامة الذين قد سألونا ويقولون: نحن نعجب لكم يا أهل العلم فكتابنا واحد ونبينا واحد وديننا واحد, ثم تختلفون هذا الإختلاف, - فما أحوج الطحان أن يدرسه هذا العامي – فهل جاء في دين الله أن هذا حلال لك إذا كنت شافعيًا, وهذا حرام عليك إذا كنت مالكيًا, ورب العزة يقول في كتابه الكريم: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا } {النسا:82}.
فهذا دليل على أن هذه المذاهب يست كلها من عند الله, بل فيها من عند الله, وفيها من آراء الناس, ونحن لا نتكلم في الأئمة, بل نتكلم في التعصب الأعمى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } {الأنعام:153}.
والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة )), وقالوا في حديث معاوية: من هي يا رسول الله؟ قال (الجماعة).
ثم يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّه سيأتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه )).
فالأهواء هي التي فرقت الناس, وأما كتاب ربنا وسنة نبينا فهي بريئة من تفرقت المسلمين ومن التعصب لغير دين الله.
ويعجبني ماقاله بعضهم في تفسير قول الله عز وجل: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } {آل عمران:104} قال: المقلد لا يدري أيدعوا إلى خير أم لا يدعوا إلى خير.
ورب العزة يقول في كتابه الكريم: { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } {المؤمنون:53}, فالذي يدعوا إلى التقليد يدعوا إلى تعطيل عقول الناس.
ويقول ابن الجوزي كما في (تلبيس إبليس): إن مثل المقلد كمثل رجل أعطي شمعة في ليلة مظلمة فقال: أنا أمشي بدون شمعة ثم أطفأها وبقي يتخبط في الظلام.
هيهات هيهات أن نطيعك ونترك كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لآراء فلان وفلان, فما أنقذنا الله إلا بهذا الدين.
فنحن بحمد الله على هدى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } {الإسراء:9}, ويقول الله عز وجل: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } {الإسراء:82}.
فكلام الرجال يقسي القلب, وإن شككت في كلامي فاقرأ في (متن الأزهار) من كتب الشيعة أو في كتاب (زاد المستنقع) أو كتب الشافعية والحنابلة المختصرات الخالية من الأدلة والتي كأنها أوامر عسكرية: افعل ولا تفعل بدون دليل, ستجد قسوة في قلبك.
ولو كان شخص في سجن وأعطي من هذه المختصرات يدندن فيها يخشى على عقله.
بخلاف كتاب ربنا, فإنك تقرأ في قصة نوح وما حصل له من قومه, وتقرأ قصص سائر الأنبياء, وما حصل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فتعلم أنك في راحة ولو كنت في زنزانة.
فأدعوا الأخ عبد الرحيم إى أن يتوب إلى الله ولا يغتر بالمنصب, فوالله إن مكانته العلمية التي كان فيها أرفع من المنصب.
احترقت يا عبد الرحيم, فقد كان يحضر في مجلسك في قطر نحو ألف شخص قبل أن تحدث ما أحدثت, والآن لا يحضر مجلسك إلا قدر ثلاثين شخص أكثرهم من العامة أو الذين يعملون في المساجد لأنك مسؤل في الأوقاف من أجل أن تبقي عملهم في المساجد.
يقول الله عز وجل: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } {المجادلة: 11}.
ويقول: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ } {الأعراف:157} أخبرت أنه صاحب لسان ذلق فربما يقول: هذا الوادعي سفيه.
فأنا أقول: إنهم قد قالوا هذا من زمن ولا أبالي بهذا.
وأنا أفكر من أيام: هل كان الرجل يخفي هذه العقيدة الخبيثة عند أن كان في أبـها لأنه بين رجال التوحيد, أم طرأت عيه هذه العقيدة الخبيثة عند أن ذهب إلى قطر واغتر بمنصبه, فأنا أفكر في هذا ولا أستطيع أن أجزم بهذا ولا بهذا.
*وبقي مسألة الشذوذ, لتعلموا أن الطحان لم يأتي بشيء جديد, فقد عقد أبو محمد بن حزم رحمه الله فصلاً في كتابه (إحكام الإحكام) ليبين من هو الشاذ ليقول: إن الشاذ هو الذي يخالف الكتاب والسنة أما الذي يتمسك بالكتاب والسنة فلو كان واحدًا لا يعتبر شاذًا.
وصدق أبو محمد بن حزم, فإن عبد الله بن المبارك سئل عن الجماعة فقال هم: أبو حمزة السكري, والحسين بن واقد, ومحمد بن ثابت, ثلاثة.
وأما قوله: التعصب لها تعصب للإسلام, والتنكر تنكر لدين الرحمن.
ويقول: هذه المذاهب مضى عليها ثلاثة عشر قرنًا من الزمان يتتابع عليها الجهابذة من المحدثين والفقهاء وأصوليين, فمن نازعها وضللها فعليه غضب رب العالمين, ومن خرج عنها ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
أقول: أما كون هذه المذاهب تناقلها الناس فلا, فالإمام أحمد ليس متمذهبًا, والترمذي كذلك وأبو داوود, والنسائي وابن ماجه, و الحميدي الذي هو عبد الله بن الزبير صاحب" المسند ", وأبو داوود الطيالسي, فالقرون المفضلة لم يكن فيهم إلا أقل من القليل لم يكونوا متمذهبين, وأما دعوته أن عليه غضب الله فترجع عليه, والحمد لله نحن مقتنعون بالكتاب والسنة وما ضر أهل السنة أن تحامست أو تحاملت عليهم إلا كما قيل:
يا أيها الناطح الجبل العالي ليوهنه*** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل
وكما قال الآخر:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها *** فلم يضرها وأوها قرنه الوعل.
فنحن نستفيد من كلام أئمتنا ونبتعد عن التقليد, والحمد لله فأهل السنة وشباب اليقظة الإسلامية قد سئموا التقليد وقد سئموا التلبيسات من الحاكم, فهم لا يريدون إلا كتاب ربهم وسنة نبيهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقد حاولت الإتصال بعبد الرحيم الطحان وأنا في الحديدة من أجل أن أسمع بأذني, ولكن قدر الله وما شاء فعل, فلم يتيسر لنا الإتصال به.والله المستعان.
*وأما قوله: إن الشذوذ الذي تصاب به الأمة في هذه العصور, يتمثل في دعوات تجديدية, دعوات تدعو إلى العودة إلى الكتاب والسنة ونبذ مذاهب الأئمة الأربعة المتبعة.
فأقول: إن الأئمة الأربعة نعتبرهم من علماء المسلمين, ونأخذ منهم ما وافق الكتاب والسنة, ونستعين بالله سبحانه وتعالى ثم بأفهامهم على فهم الكتاب والسنة, لكن فهم الصحابة عندنا أقوى من فهم الأئمة, لأن الصحابة شهدوا وعرفوا مقاصد التشريع أكثر من غيرهم.
ولو كنا مقلدين هؤلاء لقلدنا أبا بكر أو عمر الفاروق, فنحن نعتبر هؤلاء العلماء علماء من علماء المسلمين نستفيد من أفهامهم, وإذا رأوا أحاديث من طريق الثقات فنقبل أحاديثهم ونستفيد منها, أما أن نقلدهم فإن ربنا حرم علينا ذلك.
*وأما قوله: في رده على من استشهد بقول الذهبي رحمه الله: وأنا أقول لهذا المخرف الضال على رسلك وتأمل قولك,ولا تتكلم بالباطل وإذا زينت لنفسك الباطل فلن يتزين لنا باطلك, إذا خالفت أئمتنا وجعلت خلافك بينهم خلافًا بين أئمتنا وبين ربنا, والله ما حالك إلا كحال القصص والباباوات, وأنت لا تدعوا إلى نصوص الكتاب والسنة, لكنك تدعو إلى اتباعك وتجعل نفسك بمنزلة الله, إن ذلك ضلال ضلال وليس بين الفقهاء وبين رب الأرض والسماء مخالفة, وما هذه الدعوة إلا دعوة لاتباعهم وتقليدهم بالباطل والعدوان لدعوة إلى دعوات تجديدية وإذا كانوا ينتسبون زورًا وبهتانًا إلى السلفية فوالله لا سلف لهم إلا الخوارج. أهـ كلامه.
فأقول: قد تقدمت الإجابة على كثير من هذا, وأهل السنة من زمن قديم لا يدعون إلى تقليدهم واتباعهم بل يدعون الناس إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ونحن نقول للناس لسنا ندعوكم إلى اتباعنا فلسنا أهلًا لأن نتبع, ولكن ندعوكم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نحكم إلا كلام ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وذكرت حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعلى آله وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً بَلِيغَة وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا ، قَالَ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ )).
ففي هذا الحديث وصيتان: الوصية الأولى: تقوى الله, والوصية الثانية: عند الإختلاف عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ.
..... يتبع إن شاء الله .....











