الانتقال الى المشاركة


صورة

التبرك


  • من فضلك قم بتسجيل دخولك لتتمكن من الرد
عدد ردود الموضوع : 1

#1 أبو عاصم

أبو عاصم

    مستخدم

  • Members
  • Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip
  • 1969 المشاركات

تاريخ المشاركة : PM 08:41 | 2005 Apr 02

الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد فهذا جمع وترتيب
لأحكام التبرك



ثانياً : التبرُك وأحكامه


تعريف التبرُك لغة :

يُقالُ تبركَ يتبركُ تبركاً . مأخوذٌ مِن البركة . وأصل البركة : النماء والزيادة .
شرعاً : طلب الخير الكثير وطلب ثباته ولزومه .

والبركةُ بمعناها العام : هي زيادةٌ ونماءٌ في شيءٍ يُريده المُتبركْ في تَبْركهِ بِمَا تبركَ بهِ .
وهذه البركةُ قد تكون في ذوات ، وقد تكونُ في صفات ، وقد تكونُ في أمكنةٍ ، وهذا على مقتضى ورودها اللغوي
.

أدلــــــةُ ذلك :


دليلُ أن البركة قد تكون في الذوات قوله تعالى : ( وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما مُحسنٌ وظالمٌ لنفسِه مُبين ) الصافات 113 .
ودليلٌ البركة قد تكون في الأمكنة قوله تعالى : ( وجَعلَ فيها رواسي مِنْ فوقها وباركَ فيها ) .
وقوله تعالى : ( وقلْ ربِ أنزلني مُنزَلاً مُباركاً ) .
ودليلُ أن البركة قد تكون في الصفات قوله تعالى : ( فسلموا على أنفُسيكُم ْ تحية ً مِن عند الله مباركةً طيبةً ) .
وقوله تعالى : ( وهذا ذكرٌ مباركٌ أنزلناه أفأنتم له منكرون ) .



مِمنْ تكونُ البركة ؟

النصوصُ من القرآن والسُّنة دلتْ على أن البركةَ من الله عز وجل ، فهو وحده الذي يُبارِك ولا تُطلبُ البركةُ إلاَّ منه جلَّ وعلا . وهو يضُعها فيمنْ شاء مِنْ خلْقِه ، وفي ما شاء مِنْ بَريتِه . قال تعالى : ( تباركَ الذي بيده المُلك وهو على كل شيء قدير ) ، وقوله تعالى : ( ألا له الخْلقُ والأمرُ تباركَ الله رَبُّ العالمين ) ، وقوله تعالى : ( فتباركَ الله أحسنُ الخالقين ) . ولفظُ " تبارك " لم ترد في كتاب الله إلاَّ مُسنداً إلى الله تعالى ، وهي صِفةٌ مفيدةٌ أعظمٌ أنواع معنى البركة ، وأكثرُها نفعاً ، وأعمُهَا مُتعلقاً وأثراً . فالبركةُ وكثرة الخيِر ولزومهِ وثباتهِ وزيادته لا تكون إلاَّ لمن بيدهِ الأمر كله وهو الله وحده .
وعليه : فلا يجوز لمخلوقٍ أنْ يقولَ باركتُ على الشيء ، أو أُباركُ فعْلكَم لأن البركة لا تكونُ من المخلوق بل هي من الخالق عز وجل . والله عزوجل جعل هُناك
1- بركةً عامة : يحصلُ بها النفعُ والخيرُ والنماء .
وهذه البركةَ قد تحصل في وقتٍ دون وقت , وفي نوع دون نوع .
ومنها : أ- أن المطر مباركٌ لِما يحصلُ بهِ مِنْ زيادة ٍ في معايش الناس وزرعهم ونماءٌ في ذلك .
قال تعالى : { ونزَّلنا مِنَ السَمآءِ ماءً مُباركاً فأنبتنا به جناتٍ وحبَّ الحصيد ِ} .
ب- ومن ذلك مباركتهُ تبارك وتعالى في الأرض , قال تعالى : { مشارق الأرضِ ومغاربها التي باركنا فيها }.
ج‌- ومنها أيضاً مباركتُه لما يأتي من السماء وما يخرجُ من الأرض . كما قال تعالى : { ولو أنَّ أهل القرى آمنوا واتقواْ لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء ِ والأرض } .
وجعل أيضاً : 2- بركةً خاصــــــة .
أعطاها الله عز وجل لأصنافٍ مِنْ خلقهِ فمن ذلك :
أ – الأنبياء والرسل . كما قال تعالى : {رحمتُ الله وبَركاتُه علَيكُم أَهْلَ البيتِ }. وهذه الآية كانت في إبراهيم  وأهل بيته .
وقال في نوح  :{اهبط بسلامٍ منَّا وبركاتٍ عليك }.
وقال في عيسى  :{ وجعلني مباركاً أينما كنت }.
ب – ومن ذلك وضع البركة في أماكن معينة , كالمسجد الحرام , والمسجد الأقصى , ومسجد رسول الله  .
قال تعالى : { إنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ للذي ببكةَ مُباركاً }.
وقال تعالى : { سُبحان الذي أسرى بعبدهِ ليلاً من المسجد الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حوله } .
وقال  ( لا تُشدُّ الرحالُ إلاَّ إلى ثلاثة مساجد المسجَدَ الحرام , ومسجدي هذا , والمسجد الأقصى ) متفقٌ عليه .
ج – إخباره تبارك وتعالى عن ما أنزلهُ من الذكرِ أنه مبارك قال تعالى : { كتابٌ أنزلناهُ إليكَ مُباركٌ ليدَّبروا آياته }
فالقرآنُ الحكيمُ ذكرٌ مُبارك , وتدَّبر آياتهِ عملٌ مُبارك , ومِنْ هذا التدبر علوم القرآن . والسنة ُ مُبينةٌ لمجٌمل ِ القرآن وهي مباركة وعلومهما الناشئة عنهما مباركة .




البركة في مواردها من الكتاب والسنة قسمان :

الأول : بركــة ذات .
1- وأثرها أن يكون ما اتصلَ بتلكَ الذاتِ مُباركاً وهذا النوع لا يكون إلَّا للأنبياء والمرسلين لا يشاركهم فيه غيرهم حتى أكابرَ صحابة رسول الله  كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي  أجمعين .
2- ولا يتعدى أثر بركة الأنبياء إلا لمن كان على هديهم مستنٌ بسنتُهم ومنته عند نهيهمْ ، لذا فصحابة رسول الله  لم تتعدَّ إليهم بركته في معركة أُحد حين خالفوا أمره وعصوه .
الثاني : بركة عملٍ وإتباع .
وهي عامةٌ لكلِ مَنْ وافق عملُه سُنةَ رسول الله  فكلُ مسلم فيه بركةُ عمل مُقدرةٌ بقدر إتباعِه وموافقتهِ لأمر الله ونهيه . ولذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه ، قول النبي  " وإنَّ من الشجر لَمَا بركتُه كبركة المُسلم " . فلكل مُسلمٍ بركةٌ بقدرهِ ولكنها ليست بركةُ ذاتٍ وإنَّما بركةُ عمل بما معُه من الإيمان والتعظيم لله تعالى والإتباع لرسولهِ  ولا تنتقلُ هذه البركةُ من شخص إلى آخر . فالصالحين من عباد الله المتبعين لهم واتباع بقدْرِ ما فيهم مِنْ مقتضيات تلك البركة .
وبهذا تجتمع النصوص : فما كان من الأنبياء صلوات الله عليهم فهو مما اجتمع فيه نوعا البركة وما كان من غيرهم فهمْ ممَّا بورك فيهم بركة عمل وعلمٍ واتباع .
- لذا قال أُسيد بن الحضير  في سبب مشروعية التيمم " لقد باركَ الله للناسِ فيكم يا آل أبي بكر " أخرجه البخاري في التفسير من صحيحه .
واللفظُ المروي عند الشيخين البخاري ومسلم " ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر " ومعنى اللفظين واحد .
- ومِنْ ذلكَ أيضاً ما قالته عائشة رضي عنها لماَّ تزوج رسول  جويرية بنت الحارث قالت : فما رأيتُ امرأة كانت أعظم بركةً على قومها منها " أخرجه أحمد في المسند وأبو داوود في السنن بإسناد جيد .
- فهذهِ بركةُ عمل ، لتِزوج النبي  بها ، فكانَ أن سبَّب ذلك عِتقَ كثيٌر مِنْ قومها .



أنـــــــــواع التـــــــــبركُ


أولاً : تبركٌ مشروع أو يُقال التبركُ بأمرٍ شرعي . وله عدة أنواع :

أ – التبركُ بذاتِ النبي  وآثارهِ .
النبيُ  ولا شك ُمباركٌ في ذاتِه وآثارهِ كما كان مُباركٌ في أفعالِهِ . فقد ثبتَ أنَ الصحابةَ  تبركوا بذاتِهِ وآثارهِ الحسيةُ المنفصلةُ منُه في حياته ، وأقرَّهم الرسول  على ذلك ولم يُنكرْ عليهم .
الأدلة على ذلك :-
• فقد تبركتْ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بيدِه الشريفة كما جاء هذا في صحيح البخاري " كتاب الطب " عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  كان يَنفْثُ على نفسِه في المرض الذي ماتَ فيه بالمعوَّذات فلمَّا – ثَقُلَ – كنتُ أنْفِثُ عليه بِهنَّ ، وأمسح بيدِه نفسِه لبركتَها .
• وكان الصحابة يمسحون بيديه  ، ويضعونها على وجوههم رجاء بركتها ، كما ثبتَ ذلك في الصحيحين .
• وكانوا يتبركون بشعرهِ  ، كما فَعلَ في الحج حين حَلقَ شعره  ووزعْه بينهم وفي روايةٍ عن أنس  قال : لقد رأيتُ رسول الله  والحلاقُ يحلِقه وأطافَ به أصحابه فما يريدونَ أن تقعَ شعرةٌ إلَّا في يد رجل . ( صحيح مسلم ــــ كتاب الفضائل 15 / 81 ) .
• وثبتَ أيضاً أنهم تبركوا بعَرقهِ  ، فقد جاءَ عن أنس بن مالكِ  قال : دخَلَ علينا النبي  فقَالَ عِنْدنَا فَعِرقَ وجاءت أمي بقارورةٍ فجَعَلتْ تسلِتُ العَرقَ فِيهَا ، فاستيقظ َالنبي  فقال : " يا أُمَّ سُلَيْم ! ما هذا الذي تصنعين ؟ قالت : هذا عَرَقُكَ نجعله في طِيبِنَا ، وهو من أَطْيبَ الطَّيب .
وفي رواية أُخرى " ففزع النبي  فقال : ما تصنعين يا أُمَّ سُلَيْم! فقالت : يا رسول الله نرجوا بركته لصبياننا ، قال : أصْبتِ " . وفي رواية " فكانت تجمع عَرقُه فتَجعُله في الطيب والقوارير ، فقال النبي  يا أُمَّ سُلَيْم ما هذا ؟ قالت : عَرُقك أدُوفُ به طِيبي . ( صحيح مسلم – كتاب الفضائل 15 / 86 ) .
• وتبركوا برِيقه  ، فقد جاء عن أبي موسى  قال : " وُلِدَ لي غلامٌ ، فأتيتُ به النبي  ، فسمَّاه إبراهيم ، فحنَّكه بتمرةٍ ، ودعا له بالبركةَ ودَفعَهُ إلىَّ وكان أكبر ولدِ أبي موسى " . ( صحيح البخاري – كتاب العقيقة – 9 / 726 ) .
وما جاء في صحيح مُسْلم في الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله  ، يوم حفر الخندق ورأى رسول الله  خَمصَاً فدعاهُ وقال : تعالٍ أنتَ في نفرٍ معكِ وذلك لقلة طعامه فصاحَ رسول الله  وقال : " يا أهل الخندق ‍‍‍‍‍‍‍‍إن جابراً قد صَنعَ لكم سُوراً ، فحيهَّلا بِكُمْ "
وقال لجابر " لا تُنزلنَّ بُرْمتَكمْ ولا تخبْزِنَّ عجينْكُمْ حتى أَجِيء " فجاء الرسول  وعَمِدَ إلى البُرْمةِ فبصق فيها وبارك ، وبصقَ في العجينةِ وبارك " . ويقول جابر  : وَهُمْ ألفٌ ، فُأقُسِمُ بالله ! لأكلوا حتى تركُوُه وانحرفوا وإنَّ بُرْمتَنَا لتَغِطُّ كما هيَ وإن عجيننا – أو كما قال الضحَّاك : " لتخُبز كما هو " . رواه مسلم ( 2263 ) .
• كما ثبتَ أنهم تبركوا بنُخامتهِ  من حديث المسوْد بن مخرمةَ وفيه قول عُروة بن مسعود الثقفي حين قال " فوالله ما تَنخَّمَ رسول الله  نُخامةً إلَّا وقعتْ في كفَّ رجُلٍ منهم فَدَلَكَ بها وجَهَهُ وجِلْدَه ، وإذا أمَرهم ابتَدروا أمرَه . وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئهِ ... " . ( صحيح البخاري - كتاب الشروط – باب 15 / 404 ) .
تحقيقُ حديث : في ما جاء مِنْ شُربِ دم الرسول 
جاء في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال : " احتجمَ رسول الله  فأعطاني الدمَ فقال : اذهب فغَّيبُه ، فذهبتُ فشربتُه فأتيت النبي  فقال ما صنعتَ ؟ قلتُ : غيبتُه . فقالَ : لعلَكَ شربتُه ؟ قلتُ شربتُه . قال : مَنْ أمرَكَ أن تشرب الدم ؟؟ ويلٌ لكَ من الناس وويلٌ للناس مِنكَ " .
التحقيق :- هذا الحديث أخرجه البزار والطبراني وأبو نعيم وغيرهم مِنْ طريق هُنيْد ابن القاسم عن عامِر ابن عبد الله ابن الزبير عن عبد الله ابن الزبير . وسكتَ عنه الحاكم والذهبي ، وهُنيْد ابن القاسم ترجمُه ابن أبي حاتم في الجرحِ والتعديل لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً . وقد قال ابن حجر في التلخيص الحبير " وفي إسنادِهِ هُنيْد بن القاسم ولا بأسَ بهِ ولكنه ليس بالمشهور بالعِلم " .

وهُنا إذا سكتَ ابن أبي حاتم في الجرحِ والتعديل لا يدُلَّ على تعديلهِ كما قالَ أبو غُدة وغيره ولكن يبقى في حيز المجهول وله شاهدان من حديثِ سِفينة أخرجه البزار من طريقِ بُريه ابن عمر ابن سفينة عن أبيِه عن جدِه ." وسفينةُ هذا مولى النبي  " .
وفي الحديث جاء أنه " سفينة شرِبَ الدمَ " وسندُه ضعيف ففيه إبراهيم " ضعَّفهُ النسائي والدار قطني وقال : لا يُتابع على حديثِه . وجاء عن ابن عباس عند ابن حِبان ، والحديث من الأحاديث الموضوعة كما قال ابن حِبان والذي يظهرْ أن الحديث لا يصحْ .
وأعظمُ بركةٍ نالها صحابة رسول الله  : اتباعِه  والإفتداءُ به والسيرُ على منهاجهِ .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه ( 11 / 113 ) . " كما كان أهلُ المدينةِ لما قَدِمَ عليهم النبي  في بركتِهِ لما آمنوا به وأطاعوه فببركة ذلك حَصَل لهم سعادة الدنيا والآخرة ، بل كل مؤمنٍ آمن بالرسول  وأطاعه حصَلَ له من بركة الرسول  بسبب إيمانهِ وطاعتِه مِنْ خير الدنيا والآخرةِ مالا يعلمُه إلاَّ الله " انتهى كلامه رحمه الله .
وما سبق من الأدلة يدلُّ دلالةً واضحة ً قطعيةً أن النبي  مُبارك الذات , مُبارك الصفات , مُبارك الأفعال , وهذه البركةُ فيه  أعلى ما يهبُه الله بشراً مِنْ رسُلِه .
سؤال :هل يُتبرك بآثارهِ المكانية ؟
كمكانٍ سارَ فيه , أو بُقعةٍ صَّلى فيها , أو أرضٍ نزل ِبها .
أجاب عن هذا فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله قائلاً :
" لمْ يُعْرف دليل ٌ شرعي يومئ أو يُشيرُ إلى أنَّ بركة َ بدنِ الرسولِ  قد تَعدْت إلى هذا المكان فكانَ مباركاً ويُشرع التبرك به , لِذا لمْ يكن صحابتهِ رضوان الله عليهم يفعلونَ هذا في حياته ولا بَعْدَ مماته ِ .
فما سارَ فيه النبي  , أو نَزَل فيهِ فلا يجوزُ التبركُ بهِ , لأن هذا وسيلة ٌ إلى تعظيم البِقاع التي لم يُشرع ْ لنا تعظيمها, ووسيلة ٌ من وسائل الشرك , وما تَتَبَّع قومٌ آثار أنبيائهِم إلاَّ ضلوا وهلكوا "
قال المعرور بن سويد الأسدي : خرجتُ مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة . فلما أصبحنا صلَّى بنا الغداةَ . ثم رأى الناس يذهبونَ مذهباً فقال : أين يذهب هؤلاء ؟ قيلَ : يا أمير المؤمنين مسجدٌ صلَّى فيه رسول الله  هُمْ يأتون ويصلون فيه . فقال : إنَّما هلَكَ من كان قبلكم بمثل هذا , يتبعون آثار أنبيائهِم فيتخذونها كنائس وبيعاً , مَنْ أدركتُه الصلاةُ في هذهِ المساجدَ فليصل ومَنْ لا فليمض , ولا يتعَمَّدها " .أخرجه سعيد بن منصور في سننه , وابن أبي شيبة في المصنف (2/376 ) ومحمد بن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها , ص41 وقال الشيخ صالح آل الشيخ بإسنادٍ صحيح .
* فهذا القول للخليفة الراشد عُمر  الذي قال عنه رسول الله  " إنَّ الله جَعلَ الحقَّ على قلبِ عمر وَلسانهِ " أخرجه أحمد عن ابن عمر بإسنادٍ صحيح في مسنده (2/ 95 ) , وأبي داود في سننه برقم (2962 ), وراه أحمد عن أبي هريرة وجمعٌ عن هؤلاء وغيرهم من الصحابة .
ولاشكَ أنه من الحقَ الذي جعله الله على لسان عمر  في نهِيه ِ عن تتبع آثار الأنبياء .
وقال ابن وضاح في رسالة البدع والنهي عنها " ص 41 .
" فعليكم بالإتباع لأئمة الهدى المعروفين , فقد قالَ بعضُ مَنْ مضَى : من أمْرٍ هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند مَنْ مضى , ومتُحببٌ إليه بما يُبغضُ عليه , ومَتقربٌ إليه بما يُبعده منهم وكل بدعةٍ عليها زينةٌ وبهجة " .
فالمقصودُ من هذا أن السلفَ كانوا ينكرون التبرك َ بالآثار المكانية والتعلق بها رجاء بركتها . ولم يخالف في ذلك من الصحابة إلاَّ ابن عمر  , فقد كان يتتبع الأماكن التي صلَّى فيها رسول الله  فيصلي حيث صلَّى ونحو ذلك .
وابن عمر  لم يفعلْ هذا طالباً لبركة المكان , بلْ كان يطلب بركة الإقتداء بالرسول  في جميع أحواله . فما كان فعلُه قصداً للتبرك بالبقعة كما يفهمُه المتأخرون بل قَصَدَ تمام الإقتداء .
ثانياً : هذا الفعل لم يفعلُه غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين , ولم يوافقوه عليه , بلْ إنَّ أباهُ نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية وقوله مقدمٌ على رأي ابنه عند الخلاف بإتفاق وهو خلافٌ لا يقومُ مع مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر  . ولا شكَ أن الصواب والحقَ مع عمر  وبقية الصحابة وهو الحريُ بالإتباع والفاصل ُ عن النزاع . والله أعلم " انتهى كلامه رحمه الله ( زاد الداعية , ص536 )


مسألة : هَلْ يتبرك بآثاره  بعد موته ؟ .


إذا ثبتَ أنها آثارهٌ صحيحة ٌ للنبي  فإنه يجوز .ولا دليلَ يُثْبِتْ هذا إذْ أن اليقين بصحة َ هذهِ الآثار الموجودة ذهَبَ مع انقراض قرن الصحابة , وعليه فإن الجواب الواقعي اليوم أنه لا يجوز " .


ثانياً : من أنواع التبرك المشروع :
التبرك بالأقـــــــــــوال والأفعال :



بالأقوال : كالقرآن ِوالدعاء ونحو هما .
قال تعالى : { كتابٌُ أنزلناه إليك َ مباركٌ ليدَّبروا آياته ...... الآية }
1- فمن بركته أنَّ من أخَذَ به حصَلَ له الفتح , فأنقذ الله بهِ أُمماً كثيرةً من الشرك .
2- ومن بركتهِ إنَّ الحرف الواحد بعشر حسناتٍ, قال  " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة , و الحسنةُ بعشر أمثالها , لا أقول ( آلم ) حرف ولكن ألفٌ حرف , ولامٌ حرف , وميمٌ حرف " . صحيح الترغيب (2/161)
3- ومن بركته أنَّه يُقدَّّم صاحبه على الناس في الإمامة َِ, لحدث ابن مسعود  قال : قال رسول الله  "يَؤُمُّ القوم أقرئهم لكتاب الله ...الحديث " رواه مسلم (673) .
4- يُقدَّم صاحبه على غيره في اللحد, كما فعل ذلك رسول الله  في الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله  " أن رسول الله  كان يقول لقتلى أُحد : أيُّ هؤلاء أكثر أخذاً للقرآن ؟فإذا أُشيرَ له إلى رجلٍ قدَّمه في اللحد قبل صاحبه . وقال جابرٌ فكُفَّن أبي وعمي في غرة واحدةٍ " صحيح البخاري " كتاب الجنائز (1348)"
5- ومن بركته أيضاً أن الله تعالى يرفع صاحبه درجةً بكل آيةٍ يحفظها في الدنيا . عن عبد الله بن عمرو بن العاص  قال : قال رسول الله  " يقالُ لصاحبِ القرآن : اقرأ وارقَ , ورتَّلْ كما كنتَ تُرتِّل في الدنيا , فإن منزلكَ عند آخر آية تقرؤها " رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وصححه الألباني (2/165) .
6- ومن بركته أيضاً أن الله تعالى جعل في قراءته شفاءً للمؤمنين سواء من الأمراض الحسية أو المعنوية .قال تعالى { وننزَّل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين } الإسراء (82) .
7- ومن بركته شفاعته لأصحابه يوم القيامة . جاء عن رسول الله  قال :" اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه " صحيح الترغيب (2/164) .
8- زيادةُ الإيمان عند تلاوته , وانشراح الصدر وطمأنينة القلب . قال تعالى : { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليتْ عليهم آياتهِ زادتهم إيماناً } الأنفال (2) .وغير ذلك كثير .
ومن التبرك بالأفعال :
كالشهادةِ في سبيل الله , والإنفاق في سبيل الله , والإحسان إلى مَنْ شُرِع الإحسانُ إليه .
ثالثاً: من أنواع التبرك المشروع :
• التبرك بالهيئات المشروعة .
مثل التبرك بهيئة شرعية مثل الاجتماع على الطعام والأكل من جوانب القصعة , ولعق الأصابع , وكيْل الطعام .
قال  اجتمعوا على طعامكم , واذكروا اسم الله عليه يُباركْ لكمْ فيه " صحيح الترغيب (2/499) .وقال  : " البركةُ تنزل في وسط الطعام فكلوا مِنْ حافتيه ولا تأكلوا من وسطه " صحيح الترغيب (2/499) . وأمر الرسول  بلعق الأصابع وقال : " فإنه لا يدري في أيتَّهِنَّ البركة " صحيح الترغيب (2/511) .
وقال  " وإذا سقطت لقمة أحدكم فَلْيُمِطْ عنها الأذى , ولْيأكُلها ولا يدعها للشيطان " . وأمرنا أنْ نَسْلُت القصعة قال " فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة " صحيح مسلم (5274) .
وقال  " كيلوا الطعام يُبارك لكم فيه " رواه البخاري (4/434) .
رابعا : التبرك بالمطعومات والمشروبات وما في حكمها كالعسل وزيت الزيتون واللبن , والتمر , والحبة السوداء , والكمأة
عن عامرٍ بن سعد بن أبي وقاصٍ ، عن أبيه : أن رسول الله  قال : " مَنْ أكَلَ سَبْعَ تمَراتٍ مِما بَيْنَ لابَتْيهاَ حين يُصبح , لم يضُرهُ سُمٌّ حتى يُمسْيِ " رواه مسلم (13/231) .
وفي رواية ٍ أخرى عند مسلم أيضاً " مَنْ تَصَّبحَ بسبعِ تمَراتٍ عَجْوةٍ , لم يضرَّه ذلك اليومَ سُمٌّ ولا سِحْرٌ "
وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل , قال : قال رسول الله  " الكَمْأةُ مِن المَنَّ الذي أنزل الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل , وماؤها شفاءٌ للعين" .
وللفائدة نذكر تعليق النووي على هذا الحديث :-
قال أبو عبيْد وكثيرون : شبهها بالمن الذي كان ينزل على بني إسرائيل لأنه كان يحصل لهم بلا كلفةَ ولا علاج والكَمْأة تحصلُ بلا كُلفةَ ولا عِلاجٍ ولا زرعٍ ولا بذر ولا سقي ولا غيره .
وقوله " ماؤها شفاءٌ للعين " هو نفس الماء مجرداً , وقد رأيتُ أنا وغيري في زماننا مَنْ كان عمي وذَهَبَ بصَرهُ حقيقةً فكحَل عينيه بماء الكَمْأةِ مجرداً فشُفيَ وعادَ إليه بصرهُ . وهو الشيخ العدل الأيمن الكمال بن عبد الله الدمشقي صاحب صلاحٍ وروايةٍ للحديث , وكان استعمالهُ لماء الكَمْأةِ اعتقاداً في الحديث وتبركاً به والله أعلم " انتهى كلام النووي رحمه الله , شرح صحيح مسلم للنووي (13/234) .
وجاء في زيت الزيتون قول النبي  " كُلوا الزيت وادَّهنُوا بهِ فإنَّه مِنْ شجرةٍ مُباركة " .صحيح الترغيب (2/498) .
وكما جاء في اللبن قوله  " ... ومن سقاه الله لبناً فليقلْ : اللهم باركْ لنا فيه ِ وزدْنا منه , فإني لا أعلمُ شيئاً يجزيء من الطعام والشرابِ إلاَّ اللبن " . السلسلة الصحيحة (2956)
وجاء في الصحيحين قوله  في الحبة السوداء " الحبة السوداء شفاءٌ مِنْ كُل داءٍ إلاَّ السام " أي الموت .
وقد ثبتَ أيضاً بركة ماء زمزم فهو ماءٌ مُباركٌ يستشفي به من الأمراض , ويُستغنى به عن الطعام , ويُستجابُ عنْده الدعاء لِمنْ صَدَقَ مع الله .
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  : " خيرُ ماءٍ على وجه الأرض ماءُ زمزم فيه طعامُ الطَّعم ، وشفاء السُّقم ... " صحيح الترغيب ( 2 / 40 ) .
وعن جابرٍ  أن رسول الله  قال : " ماءُ زمزم لمِا شُرِبَ له ... " صحيح الترغيب ( 2 / 41 ) .
وثبت أيضاً بركةُ أكلةِ السَحَر .
جاء عن النبي  قوله : " تسحَّروا فإن في السحور بركة " صحيح الترغيب ( 1 / 619 ) .
وقوله عليه الصلاة والسلام : " السحورُ كٌله بركة ، فلا تَدَعَوه ، ولو أن يجرع أحدكم جُرعةً من ماءٍ ، فإن الله عز وجل وملائكته يصَّلون على المتسحرين " صحيح الترغيب ( 1 / 621 ) .
خامساً : التـــــــبـرك بالأزمنة
مثل رمضان – وليلة القدر – وثُلثُ الليل الآخر – والاثنين والخميس – ويوم الجمعة – وعشرٍ من ذي الحجة .
ومعنى كوْن الزمانُ مباركاً أي أنَّ مَنْ تعبَّدَ الله فيها ورجىَ خيرُه وفضلُه فإنه ينالَ مِنْ كثرة الثوابِ ما لا ينالُه في غيرها من الأزمنة .
فجاء في فضل رمضان وليلة القدر
قول النبي  : " مَنْ قامَ ليلة القدرِ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه " . " ومَنْ صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه " متفق عليه .
وجاء في فضل يوم الجُمعة
وعن أبي هريرة  عن رسول الله  قال : " الصلواتُ الخمس ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ ، ورمضانَ إلى رمضان مكفَّراتٌ ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر " رواه مسلم ( صحيح الترغيب ( 1 / 583 ) .
وجاء في فضل ثُلثُ الليل الآخر
عن عمرو بن عبْسَة  ، أنه سمع النبي  يقول : " أقربُ ما يكون الربَّ من العبدِ في جوفِ الليل الآخرِ ، فإن استطعت أن تكونُ ممن يذكرُ اللهَّ في تلك الساعة فكن " صحيح الترغيب ( 1 / 401 ) .
وجاء عن أبي الدرداء  عن النبي  قال : " ثلاثةٌ يُحبهم الله ، ويضحكُ إليهمْ ، ويستبشرْ بهم ..... وذكر منهم والذي له امرأةٌ حَسَنةٌ وفراشٌ لَيَّنٌ حَسَنٌ ، فيقومُ من الليل ، فيقولَ يَذَرُ شهوته ويذكرني ، ولو شاءَ رقدْ ... " رواه الطبراني في الكبير – صحيح الترغيب ( 1 / 401- 402 ) .
وجاء في فضل الإثنين والخميس
عن أبي هريرة  عن رسول الله  قال : " تُعرض الأعمال يومَ الإثنين والخميس ، فُأحبِ أنْ يُعرضُ عملي وأنا صائم " صحيح الترغيب ( 1 / 604 ) .
وفي رواية عند مسلم " تُفتح أبوابُ الجنةِ يوم الإثنين ويوم الخميس ، فيُغفر لكل عبدٍ لا يشرك بالله شيئاً ، إلاَّ رجلاً كانتْ بينه وبين أخيه شحناء " . وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت : " كان رسول الله  يتحَّرى صومَ الإثنين والخميس " صحيح الترغيب ( 1 / 605 ) .
وجاء في فضل العشر من ذي الحجة
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  : " ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى الله عز وجل مِنْ هذه الأيام . يعني أيام العشر . قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ، قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلاَّ رجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالهِ ثم لم يرجعْ مِنْ ذلك بشيء " صحيح الترغيب ( 2 / 31 ) .



سادساً : من أنواع التبرك المشروع , التبرك بالأمكنة :

مثل المسجد الحرام , ومسجد رسول الله  , والمسجد الأقصى .
قال تعالى : { إنَّ أول بيتٍ وُضِعَ للناس للذي ببكة مُباركاً وهدىً للعالمين } آل عمران
وقال تعالى :{سبحان الذي أسرى بعبدهِ ليلاً مِن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ..} الإسراء
وقال  " لا تشدُّ الرِحالُ إلاَّ إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام , ومسجدي هذا , والمسجد الأقصى " متفق عليه



ما معنى بركة الأمكنة ؟

معنى كوْن الأرض مباركة أي : أن يكونَ فيها خيراً كثيراً مُلازماً لها , فيكون هذا أشجعُ في أنْ يُلازمُها أهلها الذين جاءوا مِنْ أجل العبادةِ فيها .
وهذا لا يعني أبداً أن يُتمسح بأرضِها وحيطانها ونحو ذلك اعتقاداً أن البركة سوف تنتقل ُإليهم مِنْ هذا الذي تمسحوا بهِ . فلا بُدَّ أن يُفهم أن بركةَ الأماكِن , أو بركةَ الأرض هي بركةٌ مِنْ جِهة المعنى لا مِنْ جِهة الذات , بمعنى أن البركة فيها تكونُ بتعلق القلوب بهذه الأماكن وبكثرة الخير والأجر والثواب الذي يكون لِمنْ جاءها وتعبَّد الله بها . فهذه هي البركة المقصودة .
أدلته : الله عز وجل جعل الكعبة َ مُباركةً . ولكن الكعبة بذاتِها لا تخلق البركة والذي شرفها بالبركة ِهو الله عز وجل
فكيفَ تحصل البركة بالكعبة ؟ بما ينالهُ المسلمون من الأجر العظيم حين يطوف المسلمون بها ويصلون عندها ويجعلونها
في قبلتهم .
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعتُ رسول الله  يقول " مَنْ طافَ بالبيتِ وصلَّى ركعتين كان كعتقِ رقبة " صحيح الترغيب (2/28) .
وقال  "من طاف بالبيت لم يرفع قدماً , ولم يضع قدماً , إلاَّ كتبَ الله له حسنةً وحطَّ عنه خطيئةً وكتبَ له درجة " رواه الحاكم وصححه الألباني (2/27) .
الحجر الأسود : هو حجرٌ مباركٌ ولكن بركته تعبداً لله . أي مَنْ استلمه مُتعبداً لله تعالى مُطيعاً مُقتدياً بالرسول  في استلامه له وتقبيله إياه , فإنه ينال بركةً عظيمة ً بهذا الإقتداء وهذا الإتباع .
وقد قال عمر  حين قبَّل الحجر الأسودَ " إني لأعْلمُ أنَّك حجرٌ لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيتُ رسول الله  يقبلك ما قبلتك "
ما معنى مقولة عمر  " إنك لا تضر ولانتفع " : -
أي أنه لا يجلبْ لِمنْ قبَّله شيئا من النفع ولا يدفع عنه شيئاً من الضُر وإنَّما الحامل على التقبيلُ هو الإقتداء بالرسول  أي تعبداً لله تعالى بالتالي تحصل بركتهُ بالأجر الذي ينالهُ هذا المُستلم والمُقبَّلُ لهذا الحجر .
قال  "والله ليبعثنهُ الله يوم القيامة له عينانِ يُبصرُ بهما ولِسانٌ ينطقُ به يشهدُ على من استلمه بحق " صحيح الترغيب (2/28)
وقال  " مسحُ الحجر والركن اليماني يحطُّ الخطايا حطَّا " صحيح الترغيب (2/27) .
تعليق : لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله على مسألة التمسح بجدران الكعبة والحجر ونحوه ...
قال " التمسح بالكعبة ومسح الخدودِ عليها ومسحها بالكفوف ثم مسح الصدر أو الجسد أو الأطفال فهذه بدعة بكل حال لأنه لم يرد ذلك عن النبي  . وليُعلم ْأن المقصودَ من مسح الحجر الأسود والركن اليماني هو التعبدَ لله تعالى بمسحِهما, لا التبرك ِبمسحهما خلاف ما يظنه الجهلة , إذْ أنه فعْلٌ ليس بمشروع وهو اعتقادٌ لا أصلَ له ففرقٌ بين التعبد والتبرك .
والمقصودُ في مسح الكعبة والحجر هو التعبد وليس التبرك . وغايةَ ما وردَ في هذا الأمر هو الإلتزام ( بحيث يضع الإنسان صدره وخديه ويديه على الكعبة بين الحجر الأسود والباب وليس في جميع جوانب الكعبة ) .
والدليلُ على أن المقصود التعبد المحض دون التبرك قول عمر  حين قبَّل الحجر قال : " إني لأعلمُ أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله  يقبلكَ ما قبلتُك " . أنتهى كلامه رحمه الله – بتصرف -
ومن الأماكن المباركة " مدينة رسول الله 
عن علي بن أبي طالب  قال : خرجنا مع رسول الله  ، حتى إذا كُنا عند السُقيا التي كانت لسعد قال رسول الله  : " اللهم إنَّ إبراهيمَ عبدكَ وخليلَكَ دعاكَ لأهل مكةَ بالبركةَ ، وأنا محمدٌ عبدكُ ورسولُك وإني أدعوك لأهلِ المدينةِ أن تُبارك لهم في صاعِهم ومدَّهم ، مثل ما باركتَ لأهل مكةَ واجعلْ مع البركةِ بركتين " صحيح الترغيب ( 2 / 57 ) .
وجاء في روايةٍ للبيهقي : قال رسول الله  : " من استطاعَ منكم أن يموتَ بالمدينةِ فليمتْ ، فإنه من مات بالمدينةِ شفعتْ له يوم القيامة " صحيح الترغيب ( 2 / 53 ) .
كما جاء عنه  في ذكرِ بركةِ بعض الأماكن أيضاً
1- وادي العقيق : عن عمر بن الخطاب  قال : حدثني رسول الله  قال : " أتاني الليلة آتٍ مِنْ ربي وأنا ( بالعقيق ) أنْ : صلَّ في هذا الوادي المُبارك " والعقيق : ( ببطن وادي ذي الحُليفة ) الذي هو ميقاتُ أهل المدينة .
• هل نذكر هذه الأحاديث أم أن الإستدلال هُنا خاصُ ؟
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : دعا نبي الله  فقال : ( اللهم بارك لنا في صاعِنا ومُدَّنا ، وبارك لنا في شامِنا ويمنِنا ) صحيح الترغيب ( 2 / 58 ) .
وجاء أيضاً في فضل مسجد قُباء وزيارته
عن سهل بن حنيف  قال : قال رسول الله  : " مَنْ تطهَّر في بيِته ثم أتى مسجَدَ قُباء ، فصَّلى فيه صلاةً كان له كأجر عمرةً ) صحيح الترغيب ( 2 / 48 ) . وفي روايةٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : " كان النبي  يزور قباء ، أو يأتي قباء راكباً وماشياً ، زاد في روايةً : فيصَّلي فيه ركعتين ) رواه البخاري ومسلم .



القسم الثاني من التــــــــــــــبرك


التـــــــــــــــــبرك الممنوع
وينقسم من حيث حكمه إلى قسمين :-


أ ) تبركٌ شركي . ب ) تبركٌ بدعي .
التبرُك الشركي : هو أنْ يعتقد المُتبرَّك أن المُتَبَّرك به ( وهو المخلوق ) يهبُ البركةَ بنفسِهِ , فيُبارك في الأشياء بذاتهِ استقلالاً , لأن الله تعالى هو وحده مُوجدِ البركةَ وواهبها , فقد ثبتَ في صحيح البخاري عن النبي  أنه قال " البركة من الله " . فطلبها من غيرهِ واعتقادُ أن غيره يهبها بذاتهِ فهذا شركٌ أكبر .
كالتبرك ِبقبور الأنبياء والصالحين والأولياء والتمسح بهذه القبور والعكوف عندها اعتقاداً في بركتها .
التبرُك البدعي : وهو التبرك بما لم يرد ْدليلٌ شرعي يدل على جواز التبرك به , مُعتقداً أن الله جعل فيه بركة , أو التبرك بالشيء الذي وردَ التبرك بهِ في غير ما وردَ في الشرعِ التبرك به فيه .
حكمه : هذا بلا شك محرم :
1- لأن فيه إحداثُ عبادةٍ لا دليل َعليها من كتاب أو سنة .
2- لأنه جَعلَ ما ليس سبباً سبباً , فهو من الشرك الأصغر .
3- ولأنه يؤدي للوقوع في الشرك الأكبر .




ينقسم التبرُك البدعي إلى ثلاثة أقسام





أولاً : التبرك بالأولياء والصالحين :

1- التبركُ بالذوات لا يكونُ إلاَّ لِمن نص الله عز وجل على إعطائِه البركة كالأنبياء والمُرسلين .
2- أمَّا غير الأنبياء والمرسلين مِنْ عباد الله الصالحين فبركتهم بركةُ عمل . أي ناشئةَ عن علمِهْم وعملهم واتَّباعهم لا عن ذواتهم . فِمنْ بركات الصالحين دعوتهم الناس إلى الخير , ودعاؤهم لهم , ونفعهم . فالعبدُ يكونُ مباركٌ إذا أصلحُه الله وهداهُ ونَفَع به العباد .كما قال الله عز وجل عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم  { قال إني عبد الله آتانيَ الكتابَ وجعلني نبيا  وجعلني مُباركاً أينما كنت } .
3- أمَّا التبركَ بأجساد الصالحين وآثارهم . كالتمسح بِهم , أو لِبسُ ثيابِهم , أو الشربُ بعد شربهم طلباً لبركتهم , أو تقبيل قبورهم والتمسح بها .
كُل هذا يُعتبرُ مِنْ صُور " التبرك البدعي " حيث لمْ يرِدْ عن أحدٍ مِنْ أصحاب النبي  ولا عن أحدٍ مِنْ التابعين أنَّهم تبركوا بأحدٍ من الصالحين , فلم يتبَّركوا بأفضلِ هذه الأُمة بعد نبيها, وهو أبو بكر الصديق  ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنَّة , ولا بأحدٍ من أهل البيت ولا غيرهم , ولو كان خيراً لسبقونا إليه لحرصهم الشديد على فعلِ جميع أنواع البرِ والخير .
وقد أجمعوا كلهم على تركِ التبركِ بجسد أو آثارِ أحدٍ غير رسول الله  فدَّل هذا على عدم مشروعية هذا التبرك .
ولا يجوز أن يُقاس على رسول الله  أحدٌ من البشر لوجوه منها :
1- عدم المقاربة , فضلاً عن المساواة للنبي  في الفضل والبركة , فليس أحدٌ من الأولياء أو الصالحين يُقاس برسول الله  في فضِلِه أو بركتِه .
2- عدم تحقق الصلاح , فإنَّه لا يتحقق إلاَّ بصلاح القلب وهذا أمرٌ لا يمكن الإطَّلاع عليه إلاَّ بنص كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله , أو أئمة التابعين ومن اُشتهِرَ بصلاحٍ ودين , كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهدْ لهم الأئمة بالصلاح أمَّا غيرهم فغايةُ الأمر أن نظن أنَّهم صالحون فنرجو لهم .
3- لو ظننَّا صلاح شخصٍ , فلا نأمن أن ُيختم له بخاتمةِ سوء والعياذ بالله . والأعمال بالخواتيم فلا يكون أهلاً للتبركِ بآثاره ِ.
4- أن الصحابة  لم يكونوا يفعلوا هذا مع غير رسول الله  لا في حياته ولا بعد موته ولو كانَ خيراً لسبقونا إليه .
إذاً القــاعـــــــــــــــــــــدة العامة :



القسم الثاني من التبرك الممنوع :

التبرُك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يردْ في الشرعِ ما يدل على مشروعية التبرُكِ بها :-
أمثلة ذلك :-
1- الأماكن التي مَّر بها النبي  ، أو تعبَّدَ لله فيها إتفاقاً من غير قصدٍ لها لذاِتها ، وإنمَّا لأنه كان موجوداً في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة ولم يردْ دليلٌ شرعي على فضلها . مثل : " جبل ثور – غار حراء – المساجد السبعة – شجرة الرضوان – ونحوها ... " ، وسيأتي تفصيل هذه المسألة إن شاء الله تعالى في المبحث التالي .
2- التبرُك ببعض الأحجار والأشجار والأعمدة والعيون والآبار التي يظُن العامة أن لها فضلاً إمَّا لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقَفَ على ذلك الحجرْ ، أو لاعتقادهم أن نبياً نامَ تحت تلك الشجرة ، أو اغتسَلَ من ذلك البئْر ، أو أنَّ شخصاً اغتسلَ منها فشُفِيَ من مرضه ، ونحو ذلك .
كُلُ هذه محرمٌ بإجماع ِ أهل العِلم ، ولا يفعلُه إلاَّ الجُهَّال لأنه إحداثُ عباداتٍ ليسَ لها أصلٌ في الشرع وهو من أعظم أسباب الوقوع في الشِرك الأكبر .
ومن المعلوم في دين الله تعالى ( أنه ليسَ هُناك حَجرٌ أو غيره يُشرع مسحُه أو تقبيله تبركاً ، حتى مقام إبراهيم الخليل  ، لا يُشرعُ تقبيله مطلقاً مع أنه وقفَ عليه وأثرتْ فيه قدماه وهذا كُله قدْ أجمعَ عليه أهل العِلم ) .
وليعُلمْ أن مسح الحجر الأسود وتقبيله ، وكذلك مسح الركن اليماني أثناء الطواف هو من باب التعبُدْ لله تعالى وإتباع سُنة رسول الله  . ( وقد تقدم البسطُ في هذه المسألة ) .
القسم الثالث من التبرك الممنوع التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة وتخصيصها بما لم يردْ في الشرع :-
وردت نصوص شرعية كثيرةٌ تدل على فضل وبركةِ بعض الأماكن والأزمنة : ( كالكعبة – والمساجد الثلاثة – وليلة القدر – وشهر رمضان – ويوم عرفة ) ، وبركة بعض الأشياء : ( كماء زمزم – والسحور للصائم – ونحو ذلك ) .
والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورَد في الشرع ما يدل على فضلها فيها ولا يجوز التبركُ فيها بغير ما وردْ . وعليه : فإن كل من تبرك بها بتخصيصيها بعباداتٍ أو تبركات معُينة لم يردْ في الشرع ما يدل على تخصيصيها بها فقد خالف المشروع واحدث بدعةً لا أصلَ لها في الدين .
أمثلة : * تخصيص ليلة القدر بعمرة . * تخصيص كل ليلة من ليالي رمضان بعمرة .
أو كمن يتبرك بالكعبة ويتمسح بها من جميع جوانبها ، أو بجدران المسجد الحرام أو المسجد النبوي وأعمدتهما . ونحو ذلك ... ومثلُه أيضاً بمن يتبرك بأحجارٍ أو ترابٍ من المواضع الفاضلة فيتمرغ فيه ، أو يجمعُه ويحتفظ به . كل هذا من البدع المحدثة ، وهذا كله محرمٌ .
مسألة :- ما حكُم التبرك بالقبور وتحت أي قسم من أقسام التبرك يندرج ؟
1- إذا اعتقدَ المتُبرَّك أنَّ لصاحب القبرِ تأثيراً أو قدرةً على جلبِ منفعةٍ أو دفعِ مضرةٍ فهذا شركٌ أكبر .
2- وإذا لم يعتقد هذا الاعتقاد ففعلُه محركٌ ونوعٌ من الشرك ، لأنه إثباتُ تأثيرُ شيء لم يُنزل الله به من سلطان ، ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوه فيكون بدعةٌ محدثة . فتاوى أركان الإسلام للشيخ ابن عثيمين ص ( 168 ) " بتصرف "
قواعـــــــــــــــــــــــــــــــــد عامـــــــــــــــــــــــــــــــة في التــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبرك :-
1- التبرُك عبادة ، والعبادةُ توقيفية على ما جاء في الكتاب والسنة وفِعل صحابةِ رسول الله  فقد قال  : ( من أحدثَ في أمرْنا هذا ما ليس منه فهو رد ) متفق عليه .
وقال  كما جاء في صحيح مسلم : ( أما بعد فإن خيرَ الحديث كتاب الله ، وخيرَ الهدْي هدْي محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) .
2- أن البركة كلها من الله تعالى ، كما أن الرزقَ والنصرَ والعافيةَ من الله ، فلا تُطلب هذه البركة إلاَّ من الله . وطلبها من غير الله شرك .
3- أن البركةَ لا تحصلْ إلاَّ لسببها المشروع .
4- أن ما وردَ شرعاً أن فيه بركة من الأعيان ، والأقوال ، والأفعال ، إنمَّا هو سببٌ للبركة وليس هو مصدرها .
5- أن الذي يدل على وجود البركة من عدِمها بسبب شيء أو في شيء إنما هو الدليل الشرعي فحسب .
6- أن القاعدة العامة في التبركِ الممنوع : ( هو جعل ما ليسَ سبباً سبباً ) . وهو على قسمين :
أ - ينافي أصل التوحيد : حين يتعلقَّ به ويعتمدْ عليه بذاتِه في جلب هذه البركة .
ب - ينافي كمال التوحيد : حين يعتمد على الله ولكنه يجعل ما ليسَ سبباً سبباً .




هذا والله أعلم ،،،،


التبرك


#2 أم نواف

أم نواف

    مستخدم

  • Members
  • Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip Pip
  • 1124 المشاركات

تاريخ المشاركة : PM 10:30 | 2005 Apr 02

[align=center](*)[/align]



[align=center][glow=999966] [glow=99CC99] جزاكم الله خيرا و بارك فيكم شيخنا أبو عاصم[/glow] [/glow]

(***)

[/align]




عدد المتواجدون الآن فى الموضوع : 1

عدد الأعضاء : ( 0 ) عدد الزوار : ( 0 ) عدد الأعضاء المجهولين : ( 0 )


    Bing (1)