شبكة سحاب السلفية
  #1  
قديم 2007-10-01, 04:36 PM
أبو عبد الله غريب الأثري أبو عبد الله غريب الأثري âيه ôîًَىà
مستخدم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
الدولة: الجزائر
المشاركات: 677
الردّ المثالي على ثالوث الجهل: أبو زهرة والقرضاوي والغزالي

الردّ المثالي على ثالوث الجهل: أبو زهرة والقرضاوي والغزالي.



من كتاب (تحريم آلات الطرب) للإمام الألباني رحمه الله تعالى.


أعدّه
أبو عبد الله غريب بن عبد الله الأثري القسنطيني
عفا الله عنه

قال إمام الأئمّة محيي السنّة وقامع البدعة محدّث الأمّة ناصر الدين والملّة الشيخ الهمام والعلامة الإمام بقية السلف الكرام
أبو عبد الرحمن محمّد ناصر الدين الألباني
رحمه الله تعالى:

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله
أما بعد ،
[أولا: محمّد أبو زهرة:]
فقد كنت وقفت سنة ( 1373 هـ ) في مجلة " الإخوان المسلمون " المصرية ، العدد ( 11 ) بتاريخ ( 29 ) ذي العقدة من السنة المذكورة على استفتاء حول الموسيقى والغناء نصه:
" أنا شاب مسلم ، وأقوم بشعائر الدين ( ومخلصٌ جداً ) ، ولكن هناك شيء يستولي على نفسي ، وهو حب الموسيقى والغناء ، بالرغم أني أحفظ القراّن الكريم ، فهل هذه الهواية حرام ؟ " .
فأجاب فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة بما نصه:
" بالنسبة للغناء إذا لم يكن فيه ما يثير الغريزة الجنسية فإننا لا نجد موجباً لتحريمه ، وإنَّ العرب كانوا يرجزون ويغنون ويضربون بالدف ، وورد في بعض الآثار الدعوة إلى الضرب بالدف في الزواج ، وقيل: ( فرق ما بين الحلال والحرام الدف ) ، ومثل ذلك الموسيقى (!!!) . ونجد أنه لما دخل الغناء الفارسي بالألحان في عهد التابعين كانوا فريقينفريقاً يميل إلى الاستماع (!!) ولا يجد فيه ما يمس الدين كالحسن البصري(!)
وفريقاً لا يميل إليه ويجده منافياً للزهادة والورع كالشعبي.

وعلى أي حال ، فإنه من المتفق عليه(!) أنه ما دام لا يثير الغريزة الجنسية ، ولا يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة ، فليس فيه ما يمس الدين " !

قلت (محمّد ناصر الدين والسنّة): وقد كنت كتبت وقتئذٍ رداً على هذه الفتوى لمخالفتها للأحاديث الصحيحة ومذهب جمهور العلماء ، وأرسلتها إلى المجلة ، ولكن حال دون نشره فيما يبدو تعطيل المجلة في عهد عبد الناصر ، ومنعها من الصدور
.
وفي هذه الفتوى على اختصارها من الأخطاء والأوهام المختلفة ما كنت أتصور أن الشيخ أكبر من أن يقع في مثلها !

فلا بد لي من بيانها مع الاختصار قدر الإمكان ، إلا فيما له صلة تامة بموضوع الرسالة فأقول:
الأغاني والموسيقى:
1-الموجب لتحريم الغناء الأحاديث الصحيحة الثابتة في كتب السنة كما سيأتي بيانها مخرجة مصححة من العلماء في هذه الرسالة ، فهل الشيخ وهو من كبار علماء الأزهر يجهلها ، أم هو يتجاهلها كبعض تلامذته كما سيأتي ؟ أحلاهما مر !
2 إن القيد الذي شرعه من عنده: أن لا يثير الغريزة الجنسية ، وقد قلَّده فيه بعض تلامذته كالشيخ القرضاوي والغزالي وغيرهما ، فقال الأول كما سيأتي نقله عنه في هذه المقدمة ، مفصحاً: " ولا بأس بأن تصحبه الموسيقى غير المثيرة " يعني الغناء!

فأقول: هذا القيد نظري غير عملي ، ولا يمكن ضبطه ، لأن ما يثير الغريزة يختلف باختلاف الأمزجة ذكورة وأنوثة ، شيخوخة وفتوة ، وحرارة وبرودة ، كما لا يخفى على اللبيب .

وإني والله لأتعجب أشد العجب من تتابع هؤلاء الشيوخ الأزهريين على هذا القيد النظري ، فإنهم مع مخالفتهم للأحاديث الصحيحة ، ومعارضتهم لمذاهب الأئمة الأربعة وأقوال السلف يختلقون عللاً من عند أنفسهم لم يقل بها أحد من الأئمة المتبوعين ، ومن آثارها استباحة ما يحرم من الغناء والموسيقى عندهم أيضاً ، ولنضرب على ذلك مثلاً ، قد يكون لأحدهم زوجة وبنون وبنات ، كالشيخ الغزالي مثلاً الذي يصرح وقد يتباهى ! بأنه يستمع لأم كلثوم ومحمد بن عبد الوهاب الموسيقار ( ! ) وأضرابهما ، فيراه أولاده بل وربما تلامذته ، كما حكى ذلك هو في بعض كتاباته ، فهل هؤلاء يستطيعون أن يميزوا بعلمهم ومراهقتهم بين الموسيقى المثيرة فيصمّون آذانهم عنها ، وإلا استمروا في الاستماع إليها ! تالله إنه لفقه لا يصدر إلا من ظاهري جامد بغيض ، أو صاحب هوى غير رشيد .
لقد ذكّرني هذا بتفريق المذهب الحنفي بين الخمر المتخذ من العنب ، فهو حرام كله ، لا فرق بين قليله وكثيره ، وبين الخمر المتخذ من غير العنب كالتمر ونحوه ؛ فلا يحرم منه عندهم إلا الكثير المسكر !
أما كيف التفريق عملياً بين القليل غير المسكر فيه ، والكثير المسكر ، وإنأمكن ذلك فمتى ؟ أقبل تعاطيه ؟ ! أم بعد أن يسكر ؟ ! فهذا مما سكتوا عنه ، وتركوا الأمر للشارب !
كما فعل مثل ذلك الشيوخ المشار إليهم من التفريق بين الموسيقى المثيرة المحرّمة ، والموسيقى غير المثيرة المباحة !!
فهل يقول بهذا من يؤمن بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: " . . ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه " . وقوله صلى الله عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنَّة ، التي عليها قامت قاعدة " سد الذريعة " ، والتي تعتبر من كمال الشريعة ، وأشاد بها الشيخ القرضاوي نفسه ، في مقدمة كتابه " الحلال والحرام " ؟ ! وضرب لها ابن القيم عشرات الأمثلة من الكتاب والسنَّة ، فراجعها فإنها هامة .
وأسوأ من هذا التفريق وذاك ، ما كنت قرأته في نشرة لحزب إسلامي معروف أنه يجوز للرجل أن يقبِّل المرأة الأجنبية عند السلام عليها ، وليس مصافحتها فقط ، بل وتقبيلها أيضاً ، قالوا: ولكن بنيَّة طيبة وبغير شهوة !!
فأعرض هؤلاء جميعاً عن تطبيق تلك القاعدة العظيمة المدعمة بعشرات الأدلة ، مع إعراضهم عن الأدلة العامة كما لا يخفى ، بل خالفوا مثالاً آخر لم يذكره ابن القيِّم ، وفيه رد عليهم في الصحيح ، هؤلاء في استباحتهم تقبيل الأجنبيات ومصافحتهن ، وأولئك في الاستماع لأغانيهن ، كالغزالي مع أم كلثوم ! واعتبر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم نوعاً من الزنا ، فقال:
" كُتبَ على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة:
فالعينان زناهما النَّظر .
والأذنان زناهما الاستماع .
واللسان زناه الكلام .
واليدان زناهما البطش ، ( وفي رواية اللمس).
والرِّجل زناها الخُطا .
(والفم زناه القُبَل) .
والقلب يهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفَرْجُ ويكذِّبه " .
رواه مسلم وغيره .
قلت (محمّد ناصر الدين): فتبين مما تقدم بطلان تقييد الشيخ ( أبو زهرة ) ومن قلَّده الموسيقى والغناء المحرم بما يثير الغريزة الجنسية ، وأن الصواب تحريم ذلك مطلقاً ، لإطلاق الأحاديث الآتية ، ولقاعدة سد الذريعة .
ونحوه في البطلان ما يأتي .
3 قوله: " وأنّ العرب كانوا يرجزون ويغنون ويضربون بالدف " !
فأقول: هذا باطل من وجوه يأتي بيانها ، ومن الواضح أنه يريد ب ( العرب ) السلف ، وحينئذ فتعبيره عنهم بهذا اللفظ تعبير قومي عصري جاهلي ، يستغرب جداً صدوره من شيخ أزهري ! فأقول:
الوجه الأول:
أنه كلام مرتجل لا سنام له ولا خطام ، لم يقله عالم منقبل ، فليضرب به عرض الحائط .
الثاني: أنه إذا كان يعني به خاصتهم وعلماءهم كما هو مفروض فيه فهو باطل ، فإن المنقول عنهم خلاف ذلك .
والشيخ غفر الله له ، كأنه حين يكتب لا يكون عنده خلفية علمية ، أو على الأقل لا يراجع كتاباً من الكتب الفقهية ، أو بحثاً خاصاً فيها لأحد محققي الأمة ، كابن تيمية ، وابن قيم الجوزية ، شأنه في ذلك شأن تلميذه الغزالي وأمثاله ، وإلا فأين هو من قول ابن مسعود رضي الله عنه:
" الغناء ينبت النفاق في القلب " ،
ومن قول ابن عباس رضي الله عنه:
" الدف حرام ، والمعازف حرام . . "
ومما ذكره أبو بكر الخلال في كتاب " الأمر بالمعروف " ( ص 27 ) :
" ويروى عن الحسن قال: ليس الدفوف من أمر المسلمين في شيء ، وأصحاب عبد الله كانوا يشققونها "
الثالث: أن الذين كانوا يضربون بالدف ، إنما هم النساء لا الرجال ، وبمناسبة الزفاف، أو بمناسبة العيد ، ولهذا قال الحَلِيمي ، كما في " شعب الإيمان " ( 4 / 283) :
" وضرب الدف لا يحل إلا للنساء لأنه في الأصل من أعمالهن وقد لعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء " .

4 قوله: " وورد في بعض الآثار . . " إلخ: تعبير غير دقيق ، فإنه يعني ب " الآثار " الأحاديث التي أشرت إليها آنفاً ، وأسوأ منه قوله عقبه: " وقيل: ( فرق ما بين الحلال والحرام الدف ) " ؛ فإنَّ " قيل " من صيغ التمريض عند العلماء ، وهو إنما يقال في كلام البشر ، وهذا حديث نبوي معروف ، فإن كان يريد بقوله المذكور تضعيفه ، فقد أخطأ مرتين؛ رواية واصطلاحاً ؛ أما روايةً فالحديث حسن كما قال الترمذي ، وصححه الحاكم والذهبي ، وهو مخرج في المصدر المتقدم وفي " الإرواء " ( 7 / 50 51 ) ، وأما اصطلاحاً ، فإنه إنما يقال في الحديث الضعيف: " روي " ، وليس " قيل " .
وثمة خطأ آخر ، وهو قوله في الحديث: " فرق " وإنما هو عندهم بلفظ: " فصل " .
فتأمل كم في كلام هذا الشيخ الأزهري من جهل بالحديث ومصطلحه ، فلا عجب من تلميذه الغزالي أن يصدر منه ما هو أعجب وأغرب كما سيأتي ، الأمر الذي يدل على أن الأزهر لم يكن له عناية بتدريس الحديث دراية ورواية ، وأكبر دليل على ذلك أننا لا نرى في هذا العصر محدثاً معروفاً ، مشهوراً بآثاره ومؤلفاته تخرَّج من ( الأزهر الشريف ) ، ويكفينا تدليلاً على ما أقول هذا الكلام الهزيل من شيخهم هذا الكبير ! والله المستعان .
5 قوله: " ومثل ذلك الموسيقى " ! فأقول: هذا قياس ، وهو يدل على أن الشيخ كتلميذه الغزالي يرفض الأحاديث المحرِّمة لآلات الطرب ، ومنها حديث البخاري الآتي ، أو أنه يقبلها ، ولكنه لا يُحسن القياس ، لأنه لا قياس في مورد النص كما يقول علماء الأصول ، وهذا ما أستبعده ، كيف لا وقد ألَّف في " أصول الفقه " ، أو أنه من ( العقلانيين ) كتلميذه لا يقف أمامه أصل ولا فرع ، لا حديث ولا فقه ، إنما هي الأهواء تتجارى . . ومع ذلك يقول فيه الزركلي رحمه الله في كتابه " الأعلام " : " أكبر علماء الشريعة الإسلامية في عصره " !!

6 قال: " . . فريقاً يميل إلى الاستماع . . كالحسن البصري ، وفريقاً لا يميل إليه كالشعبي " !
كذا قال الشيخ غفر الله له جعل الغناء المحرَّم قضية ذوقية محضة مثل كل المباحات ، كالأطعمة والأشربة ، من شاء فعل ، ومن شاء ترك ، ولم يكتف بهذا ، بل نسب إلى السلف خلاف الثابت عنهم ، فالحسن البصري بريء مما نسب إليه ، فقد روى ابن أبي الدنيا في " ذم الملاهي " ( رقم 62 و 63 منسوختي ) بإسنادين عنه قال:
" صوتان ملعونان: مزمار عند نعمة ، ورنَّة عند مصيبة " .
وقد صحّ هذا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الشعبي ، فقد روى ابن أبي الدنيا أيضاً ( رقم 55 ) بسند صحيح عنه:
أنه كره أجر المغنية !
وروى ( رقم 45 ) بسند صحيح عن القاسم بن سلمان وثقه ابن حبَّان عنه قال:
" لعن المغني والمغنى له " .
وروى ابن نصر في " قدر الصلاة " ( ق 151 / 2 ) بسند جيد عنه قال:
" إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع ، وإن الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع " .
فهل مثل هذا وذاك يقوله الشعبي بميله الشخصي ؟ ! فاللهم هداك .
وأما قوله: " فمن المتفق عليه . . " فقد ظهر بطلانه مما سبق فلا نطيل الكلام بالرد عليه .

دمشق 24 شعبان سنة 1375 هـمحمد ناصر الدين الألباني .

ذلك ما كنت كتبته منذ أكثر َ من أربعين سنة ، ومع الأسف فقد ازداد الأمر شدة كما كنت ظننت من قبل وكثر البلاء والافتتان بالأغاني والموسيقى ؛ لتيسر وسائل الاستماع كالراديو ، والمسجلات ، والتلفاز ، والإذاعات ، وسكوت كثير من العلماء عن الإنكار ، بل تصريح بعضهم ممن يظن الكثيرون أنّهم من كبار العلماء بإباحتها ، وتكاثرت وتنوعت المقالات التي تنشر في بعض الجرائد والمجلاّت ، في إباحة الآلات الموسيقية ، وإنكار تحريمها ، وتضعيف الأحاديث الواردة فيها ، ضاربين عرض الحائط بالحفاظ المصححين لها ، ومذاهب الأئمة القائلين بمدلولاتها ، لا يتعرضون لذكرها ، حتّى إنّ عامة القرّاء يتوهمون أن لا وجود لها ، أو من كاتبين مغمورين ، ليسوا في العير ولا في النفير كما يقال ، والأمثلة كثيرة وكثيرة جداً ، فحسبي الآن مثالاً واحداً ؛
نشر في جريدة ( الرباط ) الأُردنية عدد ( 9-15 حزيران 1993 ) ، فقد جاء فيها ثلاث مقالات في إباحتها لثلاثة منهم ، أخطرها وأسوأها مقالة المدعو ( حسان عبد المنان ) ، فإنه نصب نفسه محققاً للرد على المحدثين الذين صححوا حديث البخاري الآتي في تحريم المعازف ، بطرق ملتوية وادعاء علل كاذبة لم يقل بها حتى ابن حزم الذي يعتبر إمام هؤلاء المقلدين في التضعيف ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وقد مهد لهم في الإنكار والتضعيف بعض المشهورين من العلماء المعاصرين ، كالشيخ يوسف القرضاوي ، تقليداً منه للشيخ محمد أبو زهرة - وقد تقدمت فتواه في ذلك ، ولعله من تلامذته الذين تخرجوا من مدرسته ، ورضعوا من لبانته - فقد صرّح في كتابه " الحلال والحرام " بقوله ( ص 291 الطبعة 12 ) تحت عنوان ( الغناء والموسيقى):
" ومن اللهو الذي تستريح إليه النفوس ، وتطرب له القلوب ، وتنعم به الآذان: الغناء . . ولا بأس بأن تصحبه الموسيقى غير المثيرة " !
واستروحَ في ذلك إلى مذهب ابن حزم ، وتضعيفه لأحاديث التحريم ، فنقل ( ص 293 ) عنه أنه قال:
" كل ما روي فيها باطل موضوع " !
وتجاهل الشيخ عفا الله عنّا وعنه الردود المتتابعة مرّ السنين على ابن حزم من قِبَل أهل الاختصاص في الحديث وحفاظه ، وممن هو أعلم منه فيه ، كابن الصّلاح وابن تيمية وابن حجر وغيرهم ممن يأتي ذكرهم.
كما تجاهل المبالغة الظاهرة في حكم ابن حزم على الأحاديث بالبطلان والوضع ، فإنه لا يلزم من وجود علّة في الحديث الحكم عليه بالوضع ، ولا سيما إذا كان في " صحيح البخاري " ، كما لا يخفى على المبتدئين في هذا العلم ، فكيف وهناك أحاديث أُخرى صحيحة أَيضاً كما سيأتي ، فلو كانت ضعيفة لأعطى مجموعها للموضوع قوّة ، فالحكم عليها كلها بالبطل والوضع - مما لا شك فيه - أنه ظاهر البطلان !
ولقد سار على هذا المنوال من التجاهل لعلم ذوي الاختصاص صاحبه الكاتب الشهير الشيخ محمد الغزالي المصري ، في كتابه الأخير: " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث " تجلى فيه ما كان يبدو منه أحياناً في بعض كتبه ومقالاته التي يبثها هنا وهناك من الانحراف عن الكتاب والسنّة ، وفقه الأئمة أيضاً ، خلافاً لما يوهم قراءه بمثل قوله في مقدمة كتابه المذكور ( ص 11) :
" وأؤكد أولاً و أخيراً أنني مع القافلة الكبرى للإسلام ، هذه القافلة التي يحدوها الخلفاء الراشدون والأئمة المتبوعون والعلماء الموثوقون ، خلفاً بعد سلف ، ولاحقاً يدعو لسابق"
وهذا كلام جميل ، ولكن أجمل منه العمل به وجعله منهج حياة ، ولكن مع الأسف الشديد هو من الكلام الذي يقال في مثله: ( اقرأ تفرح ، جرِّب تحزن ) إذ أن الرجل قد انكشف مذهبه أخيراً بصورة جليّة جداً ، أنه ليس " مع القافلة الكبرى . . " إلخ ، بل ولا مع الصغرى ! .

وإنما هو مع أولئك ( العقلانيين الشُذَّذ ) الذين لا مذهب لهم إلا اتباع ما تزينه لهم عقولهم ، فيأخذون من كل مذهب ما يحلو لهم؛ مما شذَّ وندَّ ، وقد قال بعض السلف: " من حمل شاذ العلم حمل شراً كبيراً " ، ومع ذلك فهو يحشر نفسه في زمرة الفقهاء الذين يستدركون على المحدِّثين شذوذاً أو علة خفيت عليهم ، والحقيقة أن الرجل لا علم عنده بالحديث ولا بالفقه المستنبط منه ، وإنما هي العشوائية العمياء المخالفة لما عليه علماء المسلمين من المحدثين والفقهاء في أصولهم وفروعهم , فهو إذا صادم رأيه حديث صحيح نسفه بدعوى باطلة من دعاويه الكثيرة ، فيقول مثلاً: ضعفه فلان ، وهو يعلم أن غيره ممن هو أعلم منه أو أكثر عدداً صححه ، كما هو موقفه من حديث البخاري الآتي في ( المعازف ) ، وتارة يرده بدعوى أنه حديث آحاد ! وهو يعلم أيضاً أن خبر الآحاد حجة في الفقهيات والعمليات بالاتفاق ، وإذا لم يستطع رفضه لسبب أو آخر رد العمل به بقوله: ليس قطعي الدلالة ، وهو يعلم أيضاً أنه لا يشترط ذلك عند العلماء ، وإنما يكفي فيها الظن الراجح عندهم ، وإلا قلبْنَا عليه دعواه ورددنا عليه كل مخالفاته لأنها لم تبن يقيناً على دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، وإلا لم يكن هناك خلاف ! وإن كان الحديث في العمليات والغيبيات رده بقوله: " لا يتصل بعقيدة ، ولا يرتبط به عمل " ! أو قد يختلق له معنى من فكره هو في نفسه باطل ، فيلصقه بالحديث ، وهو منه بريء ! وأما كلام العلماء في الدفاع عن الحديث وتفسيره بعلم ، فهو يستعلي عليه ويرفضه طاعناً فيهم بما هو أهل له وأولى به ، كمثل قوله ( ص 29) :
" نقول نحن: هذا الدفاع كله خفيف الوزن ، وهو دفاع تافه لا يساغ !! " .
يعارض به العلماء وهم شرّاح الحديث المازري والقاضي عياض والنووي الذي عنه نقل الكلام المشار إليه ولكنه دلَّس على القرَّاء ، فإنه ابتدأ المنقول بقوله: " قال المازري . . . " . وجاء في آخر المنقول: " واختاره المازري والقاضي عياض " .
وهذا من تمام الكلام المنقول . وإنما نقله عن " شرح النووي لمسلم " ، والنووي هو الذي قال: " قال المازري . . " إلخ .
فكان عليه أن يعزوه إليه ، ولكنه لم يفعل لأنه يعلم منزلة الإمام النووي وشهرته عند المسلمين ، فلم ير من سياسته أن ينبه أيضاً إلى " تفاهته " !!
تلك بعض مواقفه المذبذبة تجاه الأحاديث الصحيحة المرفوضة عنده .
أما إذا كان الحديث ضعيفا أو لا أصل له ، فهو يجعله صحيحاً قوياً مسنداً بعقله المشرِّع ! يبطل به ما صح في الشرع ! فيقول رداً على من ضعَّفه أو قد يضعفه:
" لكن معناه متفق مع آية من كتاب الله ، أو أثر من سنَّة صحيحة . . . " .
انظر كلمته في مقدمة كتابه " فقه السيرة " حول تخريجي لأحاديثه تحت عنوان " حول أحاديث الكتاب " تجد تحته تصريحه بأنه يصحح الحديث الضعيف عند المحدثين ، ويضعِّف الصحيح عندهم ، بناء على ماذا ؟
أَعلى الشروط المعروفة عند علماء الحديث وحكاها هو في أوَّل كتابه "السنَّة "(ص 14 15) ذرّاً للرماد في العيون ؟
كلا فهو في قرارة نفسه لا يؤمن بها ، والله أعلم ولئن آمن بها ، فهو لا يحسن تحقيقها ، وإنما اعتماده مجرد رأيه وزعمه أن معناه صحيح !
ولا يشعر المسكين بمبلغ الضلال الذي وقع فيه بسبب إعجابه برأيه واستخفافه بعلم الحديث وبأهله أنه ألحق نفسه بتلك الطائفة من الكذابين والوضّاعين الذين كانوا كلما رأوا حكمة أو كلاماً حسناً جعلوه حديثاً نبوياً ، فلما ذُكِّروا بقوله صلى الله عليه وسلم: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " قالوا: نحن لا نكذب عليه ، وإنما نكذب له !!
ذلك هو موقف كل ( من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم . . ) الآية .
بل هو قد يزيد عليهم فيبطل بمثله حكماً شرعياً ثابتاً بالأحاديث الصحيحة ، وأعني بذلك قوله ( ص 18) :
" وقاعدة التعامل مع مخالفينا في الدين ومشاركينا في المجتمع أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، فكيف دم قتيلهم ؟ " .
أقول فيه من المخالفات للشرع والعلم ما يأتي:
أولاً: قوله: " لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا " ، يشير إلى حديث ذكره بعض فقهاء الحنفية ممن لا علم عندهم بالحديث ؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله في أهل الذِّمَّة ، وهو حديث لا أصل له في شيء من كتب السنَّة كما أشار إلى ذلك الحافظ الزيلعي الحنفي في " نصب الراية " ، وهو مخرج في المجلد الخامس من " سلسلة الأحاديث الضعيفة " برقم ( 2176 ) وهو تحت الطبع .
ثانياً: هذه الجملة التي صيروها حديثاً مستقلاً ، هي في الحقيقة قطعة من حديث صحيح ، وَرَد فيمن أسلم من المشركين ، فهم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " هكذا هو في " سنن الترمذي " وغيره من حديث سلمان رضي الله عنه ، وفي " صحيح مسلم " وأبي عوانة ، وابن حبَّان ، وابن الجارود من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه ، وهما مخرَّجان في " الإرواء " ( ص 1247 ) و " صحيح أبي داود " ( 2351 2352) .
فأبطل الغزالي هذا الحديث الصحيح برأيه الفج، وجهله الفاضح بالسنَّة متوكئاً على الحديث الذي لا أصل له !
تالله إنه لو لم يكن في كتابه إلا هذه المخالفة بل الطامّة لكان كافياً لإهباط قيمة كتابه ،وإسقاط مؤلفه من زمرة الفقهاء !
أما الكتابة فهي له !
أما العلم والفقه فله رجال !!
فكيف وهناك عشرات بل مئات الطامَّات التي تولى بيان بعضها ( ! ) إخواننا الأساتذة والمشايخ الذين ردوا عليه ، جزاهم الله خيراً .
ومنها:
ثالثاً: لقد أشار بقوله: " فكيف بهدر دم قتيلهم ؟ " إلى إنكاره لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يقتل مسلم بكافر " وهو صحيح أيضاً ، رواه البخاري وغيره عن علي ، والترمذي وغيره عن ابن عمرو وغيرهما ، وهو مخرَّج في " الإرواء " ( 2208 2209 ) ، وبه أخذ جمهور العلماء ، ومنهم ابن حزم في " المحلَّى " الذي قلده فيما أخطأ ؛ وفي إبطاله لحديث ( المعازف ) ، ولم يقلده هنا وقد أصاب ! فاعتبروا يا أولي الألباب .

وأما الحديث الذي يذكره بعض الكتاب المعاصرين كالمودودي رحمه الله تقليداً لمذهبه الحنفي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بذميِّ ! فهو منكر لا يصح كما قال بعض الأئمة ، وقد تكلمت عليه في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " برقم ( 460 ) مفصَّلاً .

ثم إنني لأتساءل أنا وكل ذي لب منصف:
لِمَ أهدر الشيخ الغزالي العمل بهذا الحديث الصحيح وهو موافق لعموم قوله تعالى: ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين . ما لكم كيف تحكمون ) ؟
وإن كان قد سيق في غير هذا السياق ، فإن الغزالي نهم في التمسك بعموم القرآن ولو كان مخصصاً بالأحاديث النبوية !
والأمثلة على ذلك كثيرة ، منها ما تقدم قريباً من إنكاره على كافة العلماء محدِّثين وفقهاء جعلهم ديّة المرأة على النصف من دية الرجل ، ونسبهم إلى مخالفتهم لظاهر الكتاب يعني قوله تعالى: ( النفس بالنفس) !
رابعاً: تأمل معي أيها القارئ الكريم ، تلطُّف الشيخ الغزالي مع أعداء الله: اليهود والنصارى بقوله: " مخالفينا في الدين " وقد يقول فيهم أحياناً: " إخواننا " !
وقابل ذلك بمواقفه العديدة تجاه إخوانه في الدين كيف يشتد على علمائهم الأموات منهم والأحياء ، وبخاصة طلاب العلم منهم ، وقد مرت بك قريباً بعض الأمثلة مما قاله في أهل الحديث وشرّاحه ، فيا ترى أذلك مما أودعه في كتابه " خلق المسلم " ؟ !
أم هو مخالفة صريحة لمثل قوله تعالى: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)؟!وقوله عز وجل: (يا أيها الذي آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون.كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) ؟ !
تلك نماذج قليلة ، من مواقف للشيخ الغزالي كثيرة ، تجاه الأحاديث النبوية الصحيحة ، والأحاديث الضعيفة ، يأخذ منها ما يشاء ، ويرفض منها ما خالف هواه ، دون أن يستند في ذلك على قاعدة تذكر عند أحد من العلماء ، بل هي العشوائية العمياء ، كما تقدم .

ذكرت ذلك ليتبين القراء طريقته في رفضه للأحاديث الصحيحة عند أهل الاختصاص من العلماء ، فلا هو منهم علماً حتى يستطيع معرفة الصحيح من الضعيف انطلاقاً من قواعدهم وكتابه " فقه السيرة " بتخريجي إيّاه ، وما تقدم من الأمثلة دليل قاطع على ذلك ولا هو معهم كما قال الله تعالى: ( وكونوا مع الصادقين ) وقال: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ، ومقدمته لتخريجي المشار إليه وما سبق من الأمثلة أيضاً يؤكد كل ذلك ، فمن لم يكن من أولئك العلماء ، ولا هو معهم ، فالأحرى به أن يكون لسان حاله - على الأقل - كما قال ذلك الشاعر الجاهلي:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت****غويتُ وإن ترشَد غزيّة أرشد

وختام ذلك موقفه من حديث البخاري في المعازف ، وأسلوبه في تضعيفه إيّاه ، فهذا وحده يكفي للدلالة على أنه لا ينطلق في نقده للأحاديث إلاّ من الهوى ، والظن الأَعمى !
فقد قال: ( ص 66- 67 ) لأحد علماء الخليج ، وهو يناقشه في ليلة النصف من شعبان: " أظن الأَحاديث التي وردت في ليلة النصف أقوى من الأحاديث التي وردت في تحريم الغناء " !

وظنه هذا كاف لإدانته بالجهل وإلقاء الكلام على عواهنه ، مما يذكرني بقوله تعالى في الكفار الشاكين في البعث: ( ما ندري ما السّاعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين ) فإن أحاديث ليلة النصف إن كان المقصود منها ما يتعلق بالأمر بقيام ليلها وصيام نهارها - كما هو الظاهر من مناقشته لذلك العالم - فهو حديث واحد لا يوجد سواه ، وإسناده ضعيف جداً- بل هو موضوع في نقدي - كما هو مبين في المجلد الخامس من " سلسلة الأحاديث الضعيفة " برقم ( 2132 ) يسّر الله طبعه .
وإن كان المقصود حديث المغفرة لجميع الخلق إلا من استثني فيه ، فهو حديث واحد أيضاً جاء من طرق عن جمع من الصحابة وبألفاظ مختلفة ، لا يسلم طريق منها من علة ، ولذلك ضعّفها أكثر العلماء كما قال ابن رجب، وصحح أحدها ابن حبّان، وفيه انقطاع، فمن الممكن تصحيحه أو تحسينه على الأقل لتلك الطرق، ومن أجلها خرجته في "السلسلة الصحيحة"
( 1144 ) ، وجعلته من حصة كتابي الجديد " صحيح موارد الظمآن " ( . . . / 1980 ) ، وهو تحت الطبع ، فأين هذا من أحاديث تحريم الغناء والموسيقى وكثرتها ، وصحّة أسانيد الكثير منها ، مع اتفاق ألفاظها على تحريمها ، كما يأتي بيانه ؟ !
فأين هذه الأحاديث من تلك أيّها المُتهوِّك ، ومعذرة من الكاتب الأديب مع غير إخوانه المسلمين ، فهذا الوصف مع كونه بحق، فهو أقل بكثير مما شتمت به سلفنا وعلماءنا ، وطلاب السنّة العاملين بها ، بحيث لو أراد أحدهم أن يرد إليك بضاعتك هذه لما استطاع إلا أن يكون سليط اللسان كاتباً مثلك!
ثم ذكر الغزالي رد العالم الخليجي عليه ، فقال عنه:
" فأجاب مستنكراً: هذا غير صحيح ! إن تحريم الغناء وآلاته ثابت في السنّة النبوية " .
قلت: وهذا حق لا يزيغ عنه إلا هالك .
ثم قال الغزالي:
" قلت له: تعال نقرأ سوياً ما قاله ابن حزم في ذلك الموضوع ، ثم انظر ماذا تفعل . . قال ابن حزم . . " .
كذا قال ، ولم يذكر ما جرى فيما بعد بينهما ، ولعل ذلك العالم أفهمه بأن هذا ليس من أساليب العلماء ، وإنما هو أسلوب الجهلة المقلدين الذين يحتجّون بأقوال العلماء ، ولو كانت مخالفة للكتاب والسنّة ، وإنما العالم الذي يقرع الحجة بالحجة ، فإذا رضيت لنفسك الاحتجاج بابن حزم فماذا تقول في علماء الإسلام من المحدثين والفقهاء الذين ردوا على ابن حزم تضعيفه لحديث البخاري وغيره ، كابن الصّلاح والنووي وابن تيمية وابن القيّم وغيرهم كما يأتي ؟
لو قيل له هذا ، لأبى واستكبر وقال: عنزة ولو طارت !
والمقصود الآن بيان ما في نقل الرجل عن ابن حزم ، لقد سوّد ثلاث صفحات ساق فيها عشرة أحاديث آخرها حديث البخاري الذي أعلّه ابن حزم بعلتين: الانقطاع ، وتردد الراوي في اسم الصحابي كما سيأتي ، فلم يذكر هذه ، وذكر مكانها قوله:
" ومعلقات البخاري يؤخذ بها ( ! ) لأنها في الغالب متصلة الأسانيد، لكن ابن حزم يقول: إن السند هنا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد راوي الحديث " .

وليس غرضي الآن الرد على ابن حزم ، فهو إسناد متصل ، والرد عليه آت ، وإنما بيان جهل هذا الناقل عن ابن حزم فأقول:
أولاً: قوله: " ومعلقات البخاري يؤخذ بها. . " .
فيه خطأ وتدليس:
أما الخطأ ، فلأن الأخذ ليس على إطلاقه في علم المصطلح الذي لا قيمة له عنده مطلقاً ، إلا إذا وافق الرأي أو الهوى ، وإنما ذلك إذا كان التعليق بصيغة الجزم مثل ( روى ) و ( عن ) و ( قال ) كما في هذا الحديث ، وبتفصيل يذكر في محله من هذه الرسالة إن شاء الله ( ص 39 40 ) و ( 82 85 ) من الفصل الثالث .

وأما التدليس فهو قوله: " يؤخذ بها " بالبناء للمجهول أي عند غيره وأما هو فلم يقل: " نأخذ بها " ؛ لأنه قد لا يأخذ بها كما فعل هنا ، وكيف لا ، وهو كثيراً ما لا يقبل ما رواه البخاري موصولاً ، ولو كان معه مسلم وبقية الستة بل الستين من الأئمة ! وقد مضت بعض الأمثلة .

ثانياً: هو يجهل أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري ، فقوله: " قال هشام بن عمار . . . " ليس تعليقاً ، بل هو متصل ، لأنه لا فرق بالنسبة للبخاري بين قوله: " قال هشام " أو: " حدثني هشام " كما سيأتي بيانه في ( الفصل الثالث ) المشار إليه آنفاً ، وبكلام قوي لابن حزم نفسه أيضاً ! .
ثالثاً: لم ينتبه وهو اللائق به لخطأ ابن حزم في قوله: " لم يتصل ما بين البخاري وصدقة " فإن الانقطاع المزعوم إنما هو بين البخاري وهشام ، فإنَّهشاماً بين البخاري وصدقة كما سيرى القرّاء ذلك جلياً في سنده الآتي ( ص 39) .
رابعاً: ومن باب أولى أن لا يتنبه لغلو ابن حزم وشدته في رد ما لا يعلم من حديث نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا غرابة في ذلك فإن الطيور على أشكالها تقع !
فله النصيب الأوفى مما قيل فيه: " لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان " ! أعني ما قاله ابن حزم في الحديث الثامن الذي نقله الغزالي عنه: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوتين ملعونين: صوت نائحة ، وصوت مغنية " . فقال فيه ابن حزم: " لا ندري له طريقاً ، وهذا لا شيء " !
وفي نقل الغزالي عنه ( ص 69 ) : " وسنده لا شيء " !
فقول ابن حزم: " وهذا لا شيء " من تشدده وتنطعه ، فإن العلماء يقولون فيما لم يجدوا له طريقاً أو إسناداً: " لا نعلم له أصلاً " أو مع المبالغة: " ليس له أصل " كما يقول بعض الحفّاظ المتقدمين كالعقيلي ، والأول هو الصواب ، وبخاصة لمن لم يكن من حفّاظ الحديث والمتخصصين فيه كابن حزم ، ذلك هو الواجب في أمثاله ومقلديه كالغزالي خشية أن يقعوا في تكذيب حديث قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يقل إثماً عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال تعالى في المشركين: ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) ، فإن الحديث المذكور ، له إسنادان من حديث عبد الرحمن ابن عوف وأنس بن مالك ، أخرجهما جمع من الحفّاظ المشهورين كما يأتي في محله من الرسالة ، منهم الطيالسي والبزّار وهما من الحفّاظ المعروفين عند ابن حزم ، وممن أشاد هو بمسنديهما ، كما نقلهعنه الحافظ الذهبي في " السير " ( 18 / 202 ) ، والحديث في " الترغيب " وغيره كما يأتي ، فلم لم يرجع الغزالي إليه ، لا أريد أن أقول: إنه كالنعامة مع الصياد !
خامساً: لم يروِ الغزالي غليله في رد الحديث بقول ابن حزم المتقدم: " وهذا لا شيء " ، بل حرّفه فقال: " وسنده لا شيء " كما تقدم .
وهذا من بالغ جهله بهذا العلم ، أو شدة غفلته ، لسيطرة الهوى عليه ، وقديماً قيل: " حبك الشيء يعمي ويصم " ، ذلك لأن هذا القول المُحرَّف لا يلتئم مع قول ابن حزم: " لا ندري له طريقاً " ، إذ لا يصح في عقل إنسان أن يجمع بين هذا النفي المطلق للطريق وهو السّند ، وبين إسناده للسند ولو مع الإشارة لضعفه بقوله: " وسنده لا شيء " !! وذلك في مكان واحد ! فاعرف نفسك أيها الشيخ تعرف ربك ، وتأدب بتأديب رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يجل كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه " . " التعليق الرغيب " ( 1 / 66).
فاعرف أيها الشيخ وأنت على حافة قبرك قدر علماء الحديث والسّنة ، وفقهاء هذه الأمة ، ولا تشذ عنهم قيد شعرة ، مغتراً بجدلك وقلمك وكتابتك ، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه يقول: " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " . متفق عليه .
وأنت تعلم يقيناً أن الحياة المادية بله الحياة الدينية لا تستقيم في مجتمع إذا لم يعتمد أفراده في كل علم على ذوي الاختصاص منهم ، ولا حاجة لضرب الأمثلة على ذلك ، فالأمر بدهيّ جداً فلا يرجع مثلاً من كان يريد معرفة صحة حديث أو فقهه ، إلى كاتب أوداعية إسلامي ، لا يدري ما الحديث وما الفقه ، ولا يدري أصولهما ، ولا المصادر التي يجب الرجوع إليها ، أو يدري ولا يتمكن من ذلك لسبب أو آخر ، كما قيل:

وإذا لم تر القمر بازغاً***** فسلم لأناس رأوه بالأبصار
فلا أنت منهم وما أظن يبلغ بك الكبر أو المكابرة أن تنكر ذلك ، ولا أنت سلمت لهم ، بل نصَبت نفسك للرد عليهم ، مع الاستهزاء بأقوالهم والسخرية بهم ، كأنك لم تعلم ، أو علمت ولم تؤمن بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: " الكبر بطر الحق وغمص الناس " " الصحيحة " ( 134 و 1626 ) . وقوله: " ثلاث مهلكات: شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه " . " الصحيحة " ( 1802 ) . وقوله: " لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب " . " الصحيحة " ( 658 ) . فاخشَ ما خشي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإلا كنت من الهالكين .
هذه نصيحة أوجهها إليك والدين النصيحة وأنت على حافة قبرك مثلي ، وإلى كل من سلك سبيلك في الخروج على المحدثين ، والفقهاء ، وما أكثرهم في هذا الزمان ، كذاك السّقّاف ، وظله المدعو ( حسان عبد المنّان ) الذي اشتط في تتبع الأحاديث الصحيحة وتضعيفها ، مخالفاً لحفّاظ الحديث ونقّادها ، متظاهراً أنه مجتهد في ذلك غير مقلد ، مموهاً على القرّاء بأمور مخالفة للواقع ، وقد تيسر لي الرد عليه في بعض ما ضعّف ، وبينت أنه متسلق على هذا العلم ، يريد البروز والظهور ، ويصدق عليه قول الحافظالذهبي: " وكيف يطير ولما يريش ! " ومن تلك الأحاديث حديث البخاري هذا ، وقد تفنن في تضعيفه ، وجاء بما لم تأت به الأوائل ! حتى ولا ابن حزم ، وقد بينت جهله في ذلك ، وإنكاره وقلبه للحقائق مفصلاً في " الاستدراكات " آخر المجلد الأول من الطبعة الجديدة من " سلسلة الأحاديث الصحيحة " ، ولعله ييسر لي ذكر شيء من ذلك في رسالتي هذه أثناء تبييضها إن شاء الله تعالى .
فيا أيها الشيخ ! لعل هذا المعتدي على الأحاديث الصحيحة وأمثاله ، هم ثمرة من ثمارك المُرّة ، في تهجمك على السّنة الصحيحة وأئمتها ، وعدم الاعتداد بأقوالهم تصحيحاً وتضعيفاً ، حتى انتشرت الفوضى العلمية وضربت أطنابها ، بين صفوف الأمة وشبابها ، وصار الواحد منهم يصحح ويضعّف حسبما يشتهي ويهوى ، فتب إلى الله تبارك وتعالى من هذه السنة السيئة وأمثالها ، وإلا كان عليك وزرها ووزر من اتبعك عليها ، وسله تعالى حسن الخاتمة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
" إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ، وهو من أهل النار ، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس ، وهو من أهل الجنة ، [ وإنما الأعمال بالخواتيم ] " . متفق عليه ، والزيادة للبخاري . " ظلال الجنة " ( 1 / 96 97) .

)ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم( .
وصلى الله تعالى على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .
وسبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك .
عمّان شهر محرم سنة ( 1415 ) محمد ناصر الدين الألباني


عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: مزمار عند نعمة ، ورنة عند مصيبة(وبعد تخريج الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث وتصحيحه بطريقة علمية متقنة كما هي عادته قال: )….
. مع هذا كله قال ابن حزم في " رسالته " ( ص 97) :
" لا يدرى من رواه ؟ " !
وأكّد ذلك في " محلاه " فقال ( 9 / 57 - 58) :
" لا ندري له طريقا ، إنما ذكروه هكذا مطلقا ، وهذا لا شيء " !
فهذا من الأدلة الكثيرة على صحة قول الحافظ ابن عبد الهادي في ابن حزم:
" وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه ، وعلى أحوال الرواة " ،
كما كنت نقلته عنه في " الصحيحة " بمناسبة تضعيف ابن حزم لحديث البخاري المتقدم .
ومنه يعلم القراء الألباء جهل الشيخ الغزالي بمراتب العلماء ، وتفاوتهم في اختصاصهم في العلم ، أو اتباعه لهواه حين يتكئ في تضعيفه كل أحاديث تحريم المعازف على ابن حزم ، وهذه حاله في هذا العلم ! ولم يكتف الغزالي بهذا الاتكاء ، بل حرّف بجهل بالغ ، أو تأكيداً لهواه قول ابن حزم المذكور: " وهذا لا شيء " إلى قوله: " وسنده لا شيء " ...
...قلت: ويشبه ما ذكره عن الحنفية ، تفريقهم بين الخمر المتخذ من العنب فيحرم منه قليله وكثيره ، والخمر المتخذ من التمر وغيره فلا يحرم منه إلا الكثير المسكر !
فهذه ظاهرية مقيتة !
ومثله التفريق بين الموسيقى المثيرة للجنس فتحرم ، وغيرها من الموسيقى فتحل ! كما تقدم بيانه في المقدمة في الرد على أبي زهرة ومن قلّده ! ( ص 6 - 8 ) ، وهذا مع ما فيه من التقييد بالرأي والتعطيل للنصوص الشرعية ، فإن أسوأ منه قول الشيخ الغزالي عقب حديث المعازف الذي رواه البخاري ( 69 - 70) :
" ولعل البخاري يقصد أجزاء الصورة كلها ، أعني المحفل الذي يضم الخمر والغناء والفسوق " .
فأقول للشيخ: " اجعل ( لعل ) عند ذاك الكوكب " ، فإن هذا التعليل والتعبير أعجمي!
رغم أن قائله عربي وكاتب كبير !
كيف لا وهو يخلط بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام البخاري ، فينسب كلامه صلى الله عليه وسلم إلى البخاري !
وهذه في غاية العجب كما هو ظاهر ، فلا أدري أهو خطأ فكري أم غلَطٌ قلمي ؟ وأحلاهما مر….

….والحقيقة المُرة أن الشيخ الغزالي وأمثاله من الدعاة أو الكتّاب المعاصرينليس لديهم منهج علمي ينطلقون منه فيما يذهبون إليه من الأحكام والمسائل ، لا من الناحية الفقهية ، ولا من الناحية الحديثية ، وإنما هي العشوائية العمياء المقرونة في كثير من الأحيان باتباع الأهواء ، فتارة تراه مع الآرائيين أو العقلانيين - كما يقولون اليوم - في مخالفة النصوص الصحيحة الصريحة ، بل إنه تقدمهم في ذلك بأشواط ، فخالف الأئمة والفقهاء جميعاً بدون استثناء ، وقد ذكرت في المقدمة بعض الأمثلة ، وتارة تاره ظاهرياً جامداً كالصخر الجلمود مقلداً لبعض أئمة الظاهرية المتنطعين ، ولو خالف أئمة الحديث والفقه جميعا !
فإنه كما قلده ابن حزم في تضعيفه لأحاديث المعازف الصحيحة ، فإنه كذلك قلده في تأويله لحديث المعازف تأويلاً باطلاً ، ولكنَّ ابن حزم مع ذلك كان أعقل منه في اختيار النص الذي تأوله ، فإنه لم يتجرأ على تأويل حديث البخاري - كما فعل الغزالي - لقوله فيه: " يستحلّون " ، وإنما تأوّل حديث معاوية بن صالح الخالي منه ، وفيه - كما تقدم ( ص 45):
" ويضرب على رؤوسهم بالمعازف . . " . فقال ابن حزم ( 9/57) :
" و ليس فيه أن الوعيد المذكور إنما هو على المعازف ، كما أنه ليس على اتخاذ القينات ، والظاهر أنه على استحلالهم الخمر بغير اسمها " .
ومع أن هذا الذي استظهره تكلف ظاهر ، وتأويل باطل لما تقدم من الأحاديث ، وتفسير ابن القيم ، فقد أجاب عنه الشوكاني بجواب آخر ، فقال في " نيل الأوطار " ( 8 / 85 ) بعد أن حكى تأويل ابن حزم ملخصا دون أن يعزوه إليه وفيه رد ظاهر على الغزالي أيضاً:
" ويجاب بأن الاقتران لا يدل على أن المحرَّم هو الجمع فقط ، وإلا لزم أن الزنا المصرح به في الحديث ( يعني حديث البخاري ) لا يحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف ، واللازم باطل بالإجماع ، فالملزوم مثله ، وأيضا يلزم في مثل قوله تعالى: ( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم . ولا يحض على طعام المسكين ) أنه لا يحرّم عدم الإيمان بالله إلا عند عدم الحضّ على طعام المسكين ! فإن قيل: تحريم مثل هذه الأمور المذكورة في الإلزام قد علم من دليل آخر ، فيجاب بأن تحريم المعازف قد علم من دليل آخر أيضا كما سلف ، على أنه لا مُلجيء إلى ذلك حتى يصار إليه " .

ثمّ قال الإمام محمّد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى:
الفصل الخامس:
مذاهب العلماء في تحريم آلات الطرب
بعد أن أثبتنا فيما سلف صحة الأحاديث في تحريم الآلات ، وبيّنا دلالتها على التحريم ، يحسن بنا أن نُتبع ذلك ببيان موقف العلماء والفقهاء من حيث تبنيها والعمل بها ، ليكون الطالب على معرفة من الناحية الفقهية أيضا ، ويزداد بذلك علماً بانحراف الغزالي في تأليفه " السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث " - ومن سار سيره - عن الفقه وعلمائه ، كما هو منحرف عن السنة وعلمائها!! فقد وصفهم جميعاً - بجهل بالغ ب " الوعاظ " ! ( ص 74 ) لتحريمهم الغناء !! –.....اهـ

فرحم الله الإمام المجدّد محمّد ناصر الدين الألباني لما قام به من واجب البيان والتحدير من دعاة الجهل والباطل.
قاتل الله الهوى ..
وقاتل الله الجهل..
وقاتل الله متبعيهما..
وصلى الله على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.





رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:14 PM.


Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Sahab Network 1997 - 2010