شبكة سحاب السلفية
  #1  
قديم 2003-06-21, 01:38 PM
الواثق
ضيف
 
المشاركات: n/a
ادخل وانظر ما قاله الشيخ صالح آل الشيخ في شرحه للطحاوية ( أول 12 شريط )

(مميز شرح العقيدة الطحاوية
للشيخ العلامة
صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ
حفظه الله تعالى



بسم الله الرحمن الرحيم
... بشرح مختصر في العقيدة؛ مختصر مهمّ لأن أهل العلم يحبذون إقراءَه وشرحه، ويؤكدون على أهمية ما اشتمل عليه مسائل الاعتقاد بلفظ موجز وبيان حسن، وهذه العقيدة التي نبتدئ شرحها في هذه الدروس هي عقيدة العالم المحدِّث:
أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي
المتوفى سنة 321هـ وهي المسماة العقيدة الطحاوية نسبة إليه، وهي عقيدة موافقة في جلّ مباحثها لما يعتقده أهل الحديث والأثر أهل السنة والجماعة، كما سيأتي في بيانه إن شاء اللهُ تعالى.
وهذه العقيدة الطحاوية ذَكر عدد من أهل العلم أنّ أتباع أئمة المذاهب الأربعة ارتضوها؛ وذلك لأنها اشتملت على أصول الاعتقاد المتفق عليه بين أهل العلم، وذلك بالإجمال، لأن ثَم مواضع اُنتقدت عليه كما سيأتي بيانه.
وأبو جعفر الطحاوي من علماء الحديث المعروفين ومن الفقهاء المشهورين أيضا، وكان شافعيا تفقه على المُزَني رحمه الله تلميذ الشافعي، ثم انتقل إلى مذهب الحنفية فصار حنفي المذهب إلا أنه لا يتعصب لقول أبي حنيفة ولا يقلده؛ بل صنيع العلماء المحققين أنْ يتابعه فيما ظهر فيه الدليل وأن يأخذ بالدليل إذا خالف قول الإمام.
وجرت مناظرة في ذلك أو جرى حوار في ذلك بين الطحاوي وبين أحد العلماء في مصر من الحنفية، فقال الطحاوي في مسألة بغير قول الإمام أبي حنيفة، فذاك قال له: ألست من أتباع أبي حنيفة؟ فقال: بلى، ولكني لا أقلده؛ لأنه لا يقلد إلا عصبي. يعني متعصبا، فقال الآخر وغبي أيضا. يعني لا يقلد من أهل العلم إلا عصبي أو غبي، فصارت الكلمة مثلا في مصر تداولها الناس في مقولة هذين العالمين، وذلك يدل على تحرّي أبي جعفر الطحاوي للحق وعلى ابتغائه له، وهو في الفروع كما ذكرنا حنفي المذهب، وأما في الأصول ففي الجملة هو على مذهب أهل السنة والجماعة أتباع أهل الحديث والأثر إلا في مسائل تَبِع فيها مرجئة الفقهاء، وفي جُمَلِ كلامه في هذه العقيدة يوافق معتقد السلف إلا في المواضع التي ذكر فيها مسألة الإيمان في تعريفه حيث قال (والإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان) وقال (وأهله في أصله سواء) وهذه من مقالة المرجئة، وقد ذكر هو في صدر عقيدته هذه أنّ هذا المعتقد الذي كتبه هو اعتقاد أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وهذا ظاهر فيما ذكر من مسألة الإيمان.
فنقول هذا الكتاب –كما سيأتي- كتابٌ مشتمل على أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بعبارة حسنة جيدة وبتقرير لها صيّب، إلا في مسائل انتقدت عليه. ولهذا كان بعض مشايخنا عافاهم الله وختم لهم برضاه يقول هذه عقيدة الطحاوي ولا يقال هذه عقيدة أهل السنة والجماعة إذا أريد الجميع، لأنّه ثَم مسائل خالف فيها معتقد أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر في الأصول وفي التعبير عن الاعتقاد –كما سيأتي بيانه-.
وهذه العقيدة اهتم بها علماؤنا لأجل شرحها العظيم؛ وهو شرح ابن أبي العز الحنفي من تلامذة الحافظ ابن كثير صاحب شرح العقيدة الطحاوية المشهور بينكم، على أن هذه العقيدة لها شروح كثيرة، فالماتريدية شرحوها بشروح متنوعة، ووجهوا الكلام فيها على معتقد أتباع أبي منصور الماتريدي، ولكن شرح ابن أبي العز وجّهها توجيها سلفيا متابعا فيه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية وطريقة ابن القيم رحمهما الله تعالى، وأجاد في ذلك حيث صار هذا الشرح مرجعا في علم الاعتقاد بعامة، ودافع الشارح عن المصنف الطحاوي في مواضع مما عبّر فيه بغير ما ينبغي من التعبير أو فيها قرّره في مسألة الإيمان، بما هو معروف في موطنه وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى عند التعرض لعبارات المصنف.
هذا الكتاب أو هذه الرسالة والنبذة؛ العقيدة الطحاوية فيها كما ذكرنا ذِكر الاعتقاد بعامة ولكنه أُخذ عليه أنه لم يُرَتِّبْهُ، ولهذا وقع الكلام على الصفات مُفَرَّقا، ووقع الكلام على القدر مفرقا، ووقع الكلام على الإيمان مفرقا، وهكذا في نظائر هذه المسائل فهي كانت شبيهة بالإملاء على ما جاء في قلب المؤلف رحمه الله وأجزل له المثوبة دون ترتيب علمي يجمع المسائلَ بعضَها إلى بعض؛ يجمع النظير إلى نظيره، والشبيه إلى شبيهه، ولهذا وقع كلام الشارح علي بن أبي العز الحنفي وقع تبعا للأصل غير مرتّب، وذكر في أواخر شرحه أنه تمنى أنْ لو رتب هذا الشرح على ترتيب أركان الإيمان، ثم ما يتصل بذلك من الكلام، ليكون أبلغ في الانتفاع؛ فيجعل الكلام في الألوهية متتابعا، والكلام في الصفات متتابعا، والكلام في الإيمان متتابعا، وفي القدر متتابعا، وفي النبوات متتابعا إلى آخر ذلك، وهذا لو حصل لكان أنفع وأدعى لاستحضار شرح تلك المسائل.
هذه العقيدة أيضا على جلالتها ووجازة ألفاظها تحتمل شرحا طويلا كما صنع الشارح ابن أبي العز الحنفي، وتحتمل شرحا متوسطا، وتحتمل شرحا مختصرا، ولما كُنَّا قد شرحنا عددا من كتب العقيدة في سِنِيِّنا التي مرت رأيت -والتوفيق بيد الله جل وعلا- أن أجعل الكلام عليها ليس على طريقة الشارح في الاستطراد في الشرح وإدخال المسائل بعضها في بعض، ولكن على طريقة مرتبة متعلقة:
أولا: بألفاظ المصنف.
ثانيا: بالمسائل التي أوردها المصنِّف.
وثالثا: بتحقيق القول أن ما ذكره هو مذهب أهل السنة والجماعة.
ورابعا: في أدلة ما ذكره من المسألة.
خامسا: في ذِكر تفريعات تلك المسألة على اعتقاد أهل الحديث والأثر.
وسادسا: في ذِكر الأقوال المخالفة؛ أقوال أهل الفرق، وأدلتها والرد عليها.
وكما تنظر في هذا التقسيم يحتمل تطويلا، ويحتمل توسطا، ويحتمل اختصارا.
فأسأل الله جل وعلا أن يوفقني لما ينفعني وأن ينفعكم بما تسمعون إن شاء الله وأرجوا أن يكون منكم الاجتهاد بمتابعة الشرح والتفريع على هذه المسائل من جهة النظر في الفروع من كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأئمة الدعوة رحمهم الله جميعا؛ لأن متابعتك الدرس ومراجعتك للدرس ما يؤكد هذه المسائل ويبينها، لأن التطويل والتفصيل قد يُذهب بعضُه بعضا عند المبتدئ والمتوسط، لكن إذا راجعت وأكدت على نفسك بالمراجعة المستمرة الأسبوعية كان في ذلك إن شاء الله تعالى خير كثير واستحضار تلك المسائل.
اللهم لا حول لنا ولا قوة إلا بك فعلِّمنا من أمرنا رشدا، اللهم لا يسير إلا ما يسّرت، ولا سهل إلا ما جعلته سهلا أنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وسددنا في القول والفهم والعمل إنك على كل شيء قدير . نعم

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر الورّاق الطحاوي –بمصْر- رحمه الله:
هذا ذكرُ بيانِ عقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ على مذهبِ فقهاءِ الملّةِ: أبي حنيفة النعمانِ بن ثابت الكوفي، وأبي يوسُف يعقوب بن إبراهيم الأنصاريّ، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، رضوان الله عليهم أجمعين، وما يعتقدون من أصول الدين، ويدينون به رب العالمين.
[الشرح]
هذه المقدمة اشتملت على مسائل:
الأولى: منها أن هذه عقيدة، والعقيدة فَعِيلَة بمعنى مفعول؛ يعني معقودا عليه، والمسائل منقسمة إلى أخبار وأحكام، كما قال جل وعلاوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا[الأنعام:115]، تمت كلمة الله على هذين القسمين: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي. فالأخبار يجب تصديقها وما كان مرجعه إلى التصديق والإيمان به ولا دخل للعمليات به فإنه يسمَّى عقيدة؛ لأن مرجعه إلى علم القلب، فسُمِّي هذا عقيدة لأنه معقود عليه القلب؛ يعني أنه دخل إلى القلب فعُقِد عليه فلا يخرج منه من شدة الاستمساك به ومن شدة الحرص عليه، لأن لا يخرج أو ينفلت.
وهذا اللفظ لفظ (العقيدة) كما ذكرتُ راجع إلى علم القلب؛ لأنه هو الذي يُعقد الشيء الذي فيه، وأما العمليات فهذه من الإيمان -كما هو معروف- لكن موردها عمل الجوارح لذلك لن تدخل في العقيدة، وهناك ألفاظ مرادفة للعقيدة للدلالة على ما ذكرنا وهي: التوحيد، السنة، الشريعة، وأشباه ذلك. فمنها ما يكون مختصًّا بالعقيدة كالتوحيد، ومنها ما يكون لها ولغيرها كالسنة والشريعة، فإن لفظ الشريعة يشمل العقيدة أيضا؛ لأن الله جل وعلا بيّن لنا أن الأنبياء اجتمعوا على شريعة واحدة فقال جل وعلاشَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى:13]، فهذه شريعة أُجمع عليها بين المرسلين، والمقصود بها التوحيد والعقيدة الواحدة.
وتأتي الشريعة ويراد منها العمليات كما قال جل وعلالِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا[المائدة:48]، وكما ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال «الأنبياءُ إِخْوة لعَلاّتٍ الدين واحد والشرائع شَتّى».
نخلص من ذلك إلى أنّ التصانيف في العقيدة قد تكون باسم العقيدة أو باسم التوحيد أو باسم السنة أو باسم الشريعة كما هو موجود فعلا في تصانيف أئمة أهل السنة والجماعة.
المسألة الثانية: قوله (أهلُ السنَّة والجماعة) وأهل السنة والجماعة، هذا لفظ أُطلق في أواخر القرن الثاني الهجري على أتباع الأثر والمخالفين للفرق المختلفة الذين خرجوا عن طريقة الصحابة والتابعين، وأول من استعمله بعض مشايخ البخاري رحمهم الله تعالى، وجمع بين لفظين، بين (السنة) و(الجماعة)؛ لأن هناك من يدعي اتّباع السنة ولكنه لا يكون مع الجماعة، وهناك من يدعو إلى الجماعة دون اتّباع السنة، فصارت طريقة أهل الحديث والأثر أتباع السلف الصالح مشتملة على شيئين اتّباع السنة والجماعة، وكل منهما في الحقيقة لازم للآخر، فاتّباع السنة هو اتّباع الجماعة، واتّباع الجماعة هو اتّباع السنة، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام صح عنه في الحديث الذي في السنن أنه قال « وَسَتَفْتَرِقُ هذه الأمَّة عَلَى ثلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. كُلّهَا فِي النّارِ, إِلاّ وَاحِدَةً. وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» فصارت الفرق في النار؛ يعني متوعدة بدخولها في النار، والناجية فرقة واحدة هي الجماعة، وهم المتبعون للسنة الممتثلون لقول النبي عليه الصلاة والسلام «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الْخُلفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيين مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكوا بها، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» الحديث، وإذا أُفرد أهل السنة فقد يطلق ويراد بهم ما يقابل الرافضة والشيعة؛ لأن لفظ (أهل السنة) يطلق ويراد به ما يخالف التَّشيُّع، ويُطلق ويراد به أهل الحديث والأثر، ولهذا زادوا على السنة (الجماعة)، مع أن كلا منهما ملازم للآخر لأجل أن يكون هناك تحديد في الإطلاق، فيكون المراد بالإطلاق ما يخالف الفرق كلها؛ الرافضة والخوارج والجهمية، المرجئة والقدرية، والجبرية إلى آخر أصول الفرق.
وقد ذكرنا لكم في أول شرح الواسطية تفصيل معنى أهل السنة والجماعة، ومعنى الجماعة؛ جماعة الدين وجماعة الأبدان في ما يُرجع في ذلك إليه.
المسألة الثالثة: أنّ هذه العقيدة التي ذكرها الطحاوي رحمه الله بُنيت على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن. وهؤلاء عند أهل الحديث والأثر وافقوا السنة والجماعة في أكثر المسائل، لكنهم خالفوهم في أصل عظيم من أصول الدين ألا وهو الإيمان، ولهذا أُطلق عليهم مرجئة الفقهاء، فهُم مرجئة لأن كلامهم في الإيمان كلام المرجئة لأنهم أرجَؤُوا العمل عن مسمى الإيمان، وقالوا (إنّ أهله في أصله سواء)، وقيل لهم مرجئة الفقهاء؛ لأنهم فقهاء، اُشتهروا بذلك .
فإذن يظهر من هذا التقسيم أن هذا المؤلَّف مبني على كلام أهل السّنة والجماعة بعامة، وعلى مذهب مرجئة الفقهاء في الإيمان بخاصة.
وهذا هو الواقع فِعلا؛ فإن كلامه في الإيمان هو كلام المرجئة.
فإذن قوله (أهل السنة والجماعة) يُدخِل فيهم المرجئة؛ مرجئة الفقهاء، وهذا منه يدلّ على أنّ مدلول (أهل السنة والجماعة) يشمل أهل الحديث والأثر ويشمل الماتُريدية والأشاعرة، وهذا باطل، وهذا القول صرح به بعض الشُّراح من المتقدمين ومن المتأخرين كالسَّفَّاريني في ”لوامع الأنوار“( ) حيث قال في أصل له: اعلم أنّ أهل السنة والجماعة ثلاث طوائف؛ أهل الحديث والأثر والأشاعرة والماترودية. وهذا باطل؛ لأن أهل السنة والجماعة هم الذين أخذوا بالسنة والجماعة في كل المسائل؛ في كل أصول المسائل، وأعظم المسائل التي حصل فيها الاختلاف أولا هي مسألة الإيمان ومسائل الأسماء والأحكام، وخالف فيها الخوارج، كما هو معلوم، ثم تبع ذلك ظهور المرجئة إلى آخر ما حصل.
فإذن هذه المسألة مسألة الإيمان من مسائل الأصول العظيمة لا يكون من نفاها –يعني من نفى دخول العمل في مسمى الإيمان- على طريقة أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر؛ لمخالفة قولهم للنصوص الكثيرة الدالة على أنّ العمل من الإيمان كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى.
المسألة الرابعة: قوله (وما يعتقدون من أصول الدِّين) وهذه الكلمة (أصول الدِّين) يُعبر بها عن العقيدة لأنّ التعبير عن العقيدة صار فيه اضطراب، فيعبَّر عنها –العقيدة- عند أهل الحديث بما ذكرنا لك من العبارات: العقيدة، السنة، التوحيد، الشريعة. وعبّر عنها المخالفون بعلم الكلام، والذين تركوا الفلسفة وما أصّله علماء الكلام ببيان العقيدة إلى ما دلّ عليه كلام معظَّميهم كالأشعري والماتريدي عدلوا عن (علم الكلام) إلى (أصول الدين)؛ لأن كلمة أصول الدين فيها مخالفة للفظ علم الكلام المذموم، وفيها توسط ما بين الألفاظ الشرعية: سنة، العقيدة، التوحيد، الشريع. وما بين قولهم: علم الكلام. فأَتوا بهذا اللفظ الذي هو بيْن اللفظين لهذا نقول هذا اللفظ إن كان دليله ومأخذه هو مأخذ التوحيد والسنة والعقيدة والشريعة فلا بأس باستعماله، فلهذا يستعمله أهل السنة والجماعة، ويريدون به المعنى الصحيح وهو أن (أصول الدين) المقصود بها أصول الإيمان الستة وما يندرج في ذلك من المسائل الأصلية والتّبعية.
إذن فكلمة (أصول الدين) كلمة مركّبة مضافة، لذلك يقولون هي مركب إضافي؛ أُضيف فيه الأصل إلى الدين، و(أصول الدين) كلمة معناها العقيدة، يريدون بكلمة (أصول) ما يخالف الفروع وهي العمليات، وإذا كان اللفظ محدثا أو مصطلحا عليه فنقول لا مشاحّة في الاصطلاح إذا كان لم يختص به أهل البدع، فاستعمله طائفة من علماء الحديث والسنة ويعينون به ما دلت عليه الألفاظ الشرعية؛ السنة، العقيدة، التوحيد، الشريعة.
فإذن (وما يعتقدون من أصول الدين) فهي المقصود بها أصول الإيمان المعروفة، وما يتصل بذلك من مباحث، وما خالف فيه أهل السنة أهل البدعة. نعم

 نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ.
[الشرح]
قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)، قوله (نقُولُ) هذا لأنه لا يُكتفى في الاعتقاد باعتقاد القلب؛ بل لا بد من قول اللسان، وأعظم قول اللسان وكافيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ لأن العقيدة الصحيحة اعتقاد بالجنان، وقول باللسان حتى يكون الإيمان صحيحا، ثم امتثال العمليات في الأمر والنهي.
وقوله (مُعتَقدينَ) هذه حال من (نقُولُ) يعني أقول حَالَ كوني معتقدا هذا الكلام عاقدا عليه قلبي غير متردد فيه ولا مرتاب، فـ(مُعتَقدينَ) ولو تأخرت فهي حال من الضمير في (نقُولُ).
وقوله(بتوفيق الله) هذه استعانة بالله جل وعلا أن يوفقه في القول الحق في ذلك، والتوفيق اختلفت فيه التفسيرات بما سيأتي بيانه إن شاء الله مفصلا في ذكر مسائل القدر، فأهل السنة لهم تفسير للتوفيق وللخذلان، وأهل البدع كل له مشربه في تفسير التوفيق والخذلان.
قال (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) اشتملت هذه الجملة على ذِكر التوحيد وعلى تفسيره، وكلمة (التوحيد) هذه مصدر: وَحَّدَ، يُوَحِّدُ، تَوْحِيدًا؛ يعني جعل الشيء واحدا، قد جاء في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في حديث معاذ «إنّك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أنْ يوحدوا الله»، وجاء أيضا في قول الصحابي رضي الله عنه ”فأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد“في قوله«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» التلبية المعروفة في أول الحديث، ”فأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد“، فإذن كلمة (التوحيد) جاءت في السنة ومعنى التوحيد كما ذكرنا جعل الشيء واحدا في اللغة، فتوحيد الله معناه أنْ تجعل الله واحدا؛ واحدا فيما وحد الله جل وعلا به نفسه فيه بما دلت عليه النصوص، والنصوص دلّت على أنه واحد في ربوبيته، واحد في إلهيته، واحد في أسمائه وصفاته، فالتوحيد إذن في الكتاب والسنة راجع إلى توحيد الربوبية، توحيد الإلهية، توحيد الأسماء والصفات، وهذا على التقسيم المشهور، وقسّمه بعض أهل العلم إلى تقسيم آخر وهو أن توحيد الله ينقسم إلى قسمين؛ ينقسم:
1- إلى توحيد في المعرفة والإثبات.
2- وإلى توحيد في القصد والطلب.
وعَنَى بقوله ”في المعرفة والإثبات“ في معرفة الله جل وعلا بأفعاله، وهذا هو الربوبية و”الإثبات“ له فيما أثبت لنفسه، وهذا هو الأسماء والصفات.
وقوله ”في القصد والطلب“ وهو توحيد الإلهية.
وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. جاء في عبارات المتقدمين من أئمة الحديث والأثر، فجاء عند أبي جعفر الطبري في تفسيره وفي غيره من كتبه، وفي كلام ابن بطة، وفي كلام ابن منده، وفي كلام ابن عبد البر، وغيرهم من أهل العلم من أهل الحديث والأثر، خلافا لمن زعم من المبتدعة أنّ هذا التقسيم أحدثه ابن تيمية، فهذا التقسيم قديم يعرفه من طالع الكتب أهل العلم الذين ذكرنا.
إذا تقرر ذلك:
فمعنى توحيد الربوبية: اعتقاد أنّ الله واحد في أفعاله سبحانه لا شريك له, وأفعال الله جل وعلا منها خَلْقُه سبحانه، ومنها رَزقه وإحياؤه وإماتته, وتدبيره للأمر وإغاثته للناس ونحو ذلك, يعني أن توحيد الربوبية راجع إلى أفراد الربوبية التي هي السيادة والتصرف في الملكوت، وكل ما رَجَع إلى السيادة والتصرف في الملكوت رجع إلى توحيد الربوبية. الإيمان بتوحيد الربوبية معناه أنه إيمان بأنّ الله وحده لا شريك له هو المتصرف في هذا الملكوت أمر ونهيا، هو الخالق وحده، وهو الرزاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده، وهو القابض الباسط وحده في ملكوته، إلى آخر مفردات الربوبية، كما قال جل وعلا قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ[يونس:31]، فأثبت أنهم أقروا بالربوبية، وأنكر عليهم أنهم لم يتقوا الشرك به وترك توحيد الإلهية.
وتوحيد الإلهية: هو توحيد الله بأفعال العبيد، توحيد في القصد والطلب؛ بأن يُفرد العبد ربه جل وعلا في إنابته وخضوعه ومحبته ورجائه، وأنواع عبادته من صلاته وزكاته وصيامه ودعائه وذبحه ونذره إلى آخر أفراد العبادة بما هو معوم بتوحيد الإلهية.
وتوحيد الأسماء والصفات: هو جعل الله جل وعلا واحدا لا مِثْل له في أسمائه وصفاته كما قاللَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[الشورى:11] وكما قالوَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص:4]، وكما قال جل وعلاهَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[مريم:65].
إذن قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله) هنا ذكر التوحيد لأن الخلاف فيه، ففي الربوبية قام الخلاف مع الدُّهرية والفلاسفة الذين يقولون: إنّ هذا العالمَ قديم لم يزل، وأنه ليس له خالق، بل وُجد هكذا العالم باتفاق. وغير ذلك من مقالات نُفاة الرب جل وعلا، وكذلك مخالفة للذين جعلوا الله ربا ولكن جعلوا معه شريكا في الربوبية، وهم طوائف من الملل مختلفة، وفي هذه الأمة دخل ذلك في غلاة المتصوفة الذين يقولون: إن لهذا العالم فيه من يتصرف فيه من الأولياء؛ ولي، أقطاب الذين لكل بلد قطب يمنع ويعطي فيها ويرزق ويحيي ويميت. إلى آخر ما يعتقدون فيه.
في الإلهية ثَم من خالف، في الأسماء والصفات ثَم من خالف كما سياتي تفصيله.
هنا سؤال: أنه قدم القول في الاعتقاد على الله جل وعلا، لما؟
والجواب عن ذلك أنه قدَّم ذلك لأمرين:
الأول منهما: أنّ الإيمان بالله مقدم على غيره من أركان الإيمان كما قال جل وعلا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ[البقرة:177]، فقدّم الإيمان بالله على غيره، وكما في قوله جل وعلا آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ[البقرة:275]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل المعروف: الإيمان «أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُِلهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرَّهِ».
الأمر الثاني: أنّ الاعتقاد في الله جل وعلا هو أصل الإيمان، وبه يصير المرء مؤمنا، بالاعتقاد في الله جل وعلا بالوحدانية، بما دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنّ ذلك هو أول واجب على العبيد.
وفي هذا مخالفة للذين زعموا أن أول واجب على العبد ويقدمونهم في عقائدهم أن يعرف الله، أو أن يستدل على معرفة الله، أو ما يسمونه بالنظر للتوحيد أو للمعرفة، أو بالقصد للنظر، فلما كان أول واجب هو التوحيد قدّمه، مخالفة لمن قال إن أول واجب هو أن تنظر في الدلائل وفي الملكوت لمن كان أهلا لذلك.
قال (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)، (إنَّ الله واحدٌ)، لفظ (واحدٌ) هذا من أسماء الله الحسنى، كما قال الله جل وعلا هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[الزمر:4]، وأيضا من أسمائه الحسنى الأحد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ[الإخلاص:1]، و(واحدٌ) يعني أنه لا شريك له، ولذلك كانت كلمة (لا شريكَ لَهُ) هذه مؤكِّدة تأكيدا بعد تأكيد، قال الحافظ ابن حجر وغيره في قوله (واحدٌ لا شريكَ لَهُ): هذا تأكيد بعد تأكيد لبيان عظم مقام التوحيد. وكلمة (واحدٌ) هذه راجعة عند أهل الاعتقاد إلى أَحَدِيَّتِه سبحانه، ونقول الصحيح أنه لا فرق بين واحد وأحد، والمتكلمون يفرقون ما بين الواحد والأحد؛ فواحد وأحد، فيرجعون الواحدية للصفات، والأحدية للأفعال، ولكن الصحيح أن اسم الله الواحد يرجع إليه أَحديته سبحانه في الذات وفي الصفات وفي الأفعال؛ في الربوبية وفي الألوهية وفي الأسماء والصفات.( )
(شريكَ لَهُ) هذا تفسير لـ(واحدٌ) وتأكيدا له، ولهذا قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) على أن التوحيد أعظم ما يفسّر به ففي الشريك عن الله جل وعلا، (نقُولُ في تَوحيدِ الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) فالتوحيد يُفسّر بضده وهو نفي الشرك كما قال الشاعر:
وبضدها تتبين الأشياء
وقد لا يستقيم معرفة التوحيد بتفاصيله إلا بالإيقان بنفي الشرك بأنواعه، لهذا نقول هنا قوله (لا شريكَ لَهُ) هذا عام يشمل نفي الشريك في الربوبية، ونفي الشريك في الألوهية، ونفي الشريك في الأسماء والصفات.
والشَّرِكَة في الربوبية راجعة إلى جعل المخلوق له من صفات الرب جل وعلا في صفات الربوبية؛ يعني أنْ يجعل للمخلوق تصرفا، إذا جعل للمخلوق تصرفا في الكون مما يختص به الله جل وعلا، فهذا ادعاء للشريك معه في الربوبية، أو أن يعتقد أن الله معه معين أو ظهير أو وزير، وهذا كله منفي، وكل هذا داخل في الاشتراك في الربوبية، كما قال جل وعلا قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ[سبإ:22]، فذكر أنواع الاشتراك في الربوبية:
 إما شركة مستقلة (لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) يعني استقلالا.
 أو معاونة.
 أو اتخاذ ظهير ووزير لله جل وعلا.
وهذه المعتقدات هذه موجودة في طوائف من هذه الأمة.
والإيمان بتوحيد الربوبية ونفي الشَّرِكة في الربوبية على درجتين:
الدرجة الأولى: واجبة على كل مكلَّف، ومن لم يأتِ بها فليس بموحّد، بل هو مشرك، وهو ما ذكرنا من الاعتقاد بأنّ الله واحد في ربوبيته؛ في أفعاله سبحانه، فهو الخالق وحده، وهو الرزّاق وحده، وهو المحيي المميت وحده، وهو النافع الضار وحده جل وعلا، وهو مدبّر الأمور وحده، وهو خالق الخَلق وحده، إلى آخر أفراد ذلك، فهذه واجبة على كل أحد.
المرتبة الثانية من توحيد الربوبية: وهي مرتبة للخاصة ولأهل العلم وهي شهود آثار الربوبية في خَلْق الله جل وعلا، وهذه بحيث لا يرى غير الله جل وعلا مؤثرا في هذا الملكوت، ولو كان تأثير معلولات عن علل، أو تأثير مسببات عن أسباب، فإنّه يرى ألا مؤثر في الحقيقة ولا خالق إلا الله جل وعلا، وينظر لذلك في الملكوت متفكرا، متدبرا، وهذه الحال الخاصة وهي مستحبة، وهي لأهل العلم ولأهل الإيمان، وليست واجبة على كل أحد، كما قال سبحانه  إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا[آل عمران:190-191]، وكما وصف الله جل وعلا بعض عباده بالتفكر والنظر والتدبر في خلق الله جل وعلا، بل أمر بذلك في بعض الآيات بقوله قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ[يونس:101]، وكقوله أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا[الأعراف:184]، وكقوله جل وعلا  قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا[سبإ:46]، فهذا التفكر في ربوبية الله جل وعلا، في خلق الله يدل على توحيده في الربوبية، وهو حال الخاصة، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى ”عاملنا القلوبَ بالتفكر فأورثها التذكر، فرجعنا بالتذكر على التفكر، وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار“.
وهذه عند أهل البدع وأهل الكلام مطلوبة وواجبة لمن كان أهلا لها فيوجبون النظر، ويوجبون التفكر، ولا يصح إيمان أحد عندهم ممن –عند طائفة منهم- كان أهلا للنظر إلا بالنظر، فلو مات المتأهل للنظر من غير نظر لم يكن مؤمنا بربوبية الله جل وعلا، وإنْ كانت تجري عليه أحكام الإسلام في الدنيا فإنهم لا يجرون عليه أحكام أهل الإسلام في الآخرة على تفصيل مذهب أهل الكلام في ذلك.
النوع الثاني أنْ يعتقد بأن الله جل وعلا لا شريك له في إلهيته سبحانه وتعالى: والإلهية معناها العبادة، يعني لا شريك له في عبادته، كما دلت عليها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله وحده لا شريك له)، فيعتقد أن الله جل وعلا ليس معه إله يستحق العبادة، وأنّ كل من أُدعي فيه الإلهية وأنه يُعبد، فإنما عُبد بالبغي والظلم والعدوان والتعدي، وكل من أشرك بالله جل وعلا فهو ظالم أبشع الظلم وأكبر الظلم؛ لأنه سبحانه توعَّد أهل الشرك بالنار، بل أوجب لهم النار في قوله إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ( ) وكما قال المسيح عليه السلام وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ[المائدة:72].
لبيان هذا التوحيد وما يتصل به، كتب توحيد العبادة المعروفة ومن أعظمها وأشملها كتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
الثالث من أنواع نفي الشريك المشتمل عليه (لا شريك له) نفي الشريك لله في الأسماء والصفات: وذلك بأنْ يعتقد أنّ الله جل وعلا لا شريك له في كيفية اتصافه بالصفات؛ يعني لا مُماثل له سبحانه و تعالى، ولا مشابه له في كيفية اتصافه بالصفات، وأنه سبحانه لا شريك له في المعنى المطلق لصفاته سبحانه ولأسمائه، ولا مشابه له في المعنى المطلق لأسمائه وصفاته، وأنّ اشتراك بعض خلقه معه سبحانه في الصفات إنما هو اشتراك في مطلق المعنى وفي أصله لا في المعنى المطلق ولا في كماله ولا في الكيفية، فيعتقد أنّه لا شريك له في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله سبحانه، بل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11]، لأجل هذا المعنى العام، عطف عليها المصنف بقوله (ولا شيء مثله ولا شيء يعجزه ولا إله غيره) كما سيأتي تفصيل الكلام على هذه المسائل في ذكر معنى هذه الجُمل الثلاث.
إذن هذا إجمال لمعنى التوحيد ونفي الشريك، ويأتي تفصيلها مع بيان كل مسألة: توحيد الربوبية وأبحاثه، توحيد الأسماء والصفات وأبحاثه، توحيد الإلهية وأبحاث توحيد الإلهية.
بقي أن نقول: إنّ في قوله(نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) إنّ هذه العبارة ( لا شريكَ لَهُ) تفسيرها على طريقة أهل السنة ذكرناها، وأما أهل البدع فيقولون في تفسير (واحدٌ لا شريكَ لَهُ) عبارات مختلفة تجدونها في التفاسير، ويُكثر منها أهل البدع، فيقولون في تفسير (واحدٌ): واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شريك له وواحد في أفعاله لا نِدَّ له. وفي قولهم في أولها (واحد في ذاته لا قسيم له) هذه من التعبيرات المحدثة، وإن كان يمكن أن تحتمل معنى صحيحا؛ لكن التوحيد والأَحدية تُفسر بواحديته وأحديته في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته، وأهل البدع في التوحيد اختلفت عباراتهم؛ وسبب اختلاف عباراتهم في التوحيد أنهم نظروا في تعريف التوحيد إلى حال النصارى وأهل الملل، ففسروا التوحيد بما يخالف ما عليه بعض الطوائف، فقالوا: واحد في ذاته لا قسيم له. يعني نفيا للأقانيم الثلاثة التي هي صور لله جل وعلا مختلفة كما هو اعتقاد النصارى أو طائفة من النصارى، وكذلك اعتقاد السِّنَوِيَّة والذين يقولون أن ثَم إلهين هو إله واحد لكن له أقنومان شيء للخير وشيء للشر.
والله سبحانه وتعالى واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى.
سيأتي إن شاء الله مزيد بيان لقول المخالفين في تفسير الربوبية والألوهية والأسماء والصفات فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.
نكتفي هذه الليلة، ونسأل الله سبحانه أنْ يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يزيدني وإياكم من العلم النافع والعمل الصالح، وأن يختم لنا برضاه، اللهم اغفر لنا جميعا ووفقنا لعلم يكون حجة لنا، وترفع به درجاتنا، ونكون فيه من الذين قلتَ فيهم يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ[المجادلة:11]، اللهم فاغفر...
صلّ الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئلة: نختار خمس أسئلة فقط.
 قد يُفهم من الدرجة الثانية من توحيد الربوبية نفي الأسباب وآثارها؟
لا يُفهم ذلك؛ لأن المقصود أن يرى، أن يشهد آثار الأسماء والصفات، وشُهود آثار الأسماء والصفات، هذا ليس نفيا للأسباب، بل هو جعل الأسباب أسبابا، وعدم مجاوزتها لكونها أسبابا، فيرى أنّ الفاعل هو الله جل وعلا، وأنه سبحانه أخرى الأسباب بجعلها أسبابا، وأنتج سبحانه عنها مسبباتها، وأنّ العلل تُنتج معلولاتها، وأنّ المؤثرات تنتج الآثار إلى غير ذلك مما هن معلوم من اعتقاد أهل التوحيد.
ما نكاد نقرأ كتابا من كتب السنة، كالسنة لعبد الله، واللالكائي، والإبانة إلا ونجد فصلا أو بابا في طعن الأئمة في أبي حنيفة فما هو السبب؟ وما موقفنا من هذه الآثار؟
هذا كان في ذلك الزمان لأن أبا حنيفة رحمه الله تعالى خالف السنة والآثار في مسائل كثيرة جدا، وردّ عليه أهل السنة والحديث حتى لا يأخذ الناس بكلامه في ذلك، فالتآليف هذه لأجل انتشار مذهب الحنفية في البلاد، فكتبوا ذلك تحذيرا من اتّباعه فيما أخطأ فيه، لكن لما استقرت المذاهب، واستقرت الفرق، وصار أبو حنيفة أحد الأئمة الأعلام الذين يشار إليهم، والذين يتبعون في مسائل الفقه، ترك أهل السنة إيراد ذلك بعد نهاية القرن الخامس، واجتمعوا على عدم ذكرها، بل عدوه من الأئمة الأعلام، كما عقد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف ”رفع الملام عن الأئمة الأعلام“ وذكر منهم أبا حنيفة رحمه الله.
فأخطأ هو في مسائل، وخالف هو في مسائل، وعُدَّ من مرجئة الفقهاء، لكن ما ورد في تلك الكتب من شتمه ولعنه وسبه أو نحو ذلك، هذا تركه أهل السنة؛ فلم يصر من شعار أهل السنة أن يُفعل ذلك، كما قرره الأئمة وفي كتبهم يُترك في مؤلفاتهم بعد نهاية القرن الخامس.
 بعض أهل العلم يقسّم التوحيد إلى أربعة أقسام: توحيد الإلهية، توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الحاكمية. فهل هذا التقسيم صحيح أم لا؟
توحيد الحاكمية داخل إما في توحيد الربوبية أو في توحيد الإلهية أو فيهما معا؛ لأن الله جل وعلا جعل الحكم إليه سبحانه بقوله إِنْ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ( )، وقال جل وعلا وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[الشورى:10]، ونحو ذلك من الآيات، وكقوله فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ[غافر:12]، فالحاكمية من جهة تحاكم الناس هذا فعْل العبد، وفعْل العبد داخل في توحيد الإلهية، لهذا أَدخل إمام الدعوة مباحث هذا النوع من التوحيد في ”كتاب التوحيد“ فعقد عدة أبواب في بيان هذه المسالة العظيمة المهمة، ولهذا نقول إن إفراده بالذكر لا يصلح؛ لدخوله في توحيد الإلهية، فهو من ضمن مسائله الكثيرة. لكن قد يُقسم التوحيد عند طائفة من أهل العلم إلى أربعة أقسام ويجعلون الرابع توحيد المتابعة؛ يعني متابعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهم يقصدون بهذا التقسيم ما دلت عليه الشهادتان فإذا قالوا: توحيد الله. قالوا: ينقسم إلى ثلاثة أقسام. وإذا قالوا: التوحيد. بدون الإضافة إلى الله جل وعلا، جعلوه أربعة أقسام؛ ثلاثة مختصة بالله جل وعلا، والرابع هو توحيد المتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام، لأنْ لا يُتّبع في التشريع غير المصطفى عليه الصلاة والسلام.
 هذا يقول نرجوا أن تعيد الكرسي ليتسنى للجميع المشاهدة؛ لأنها أدعى للفهم والإدراك.
إن شاء الله يكون الخير.
وفقكم الله لما يحب ويرضى.
بسم الله الرحمن الرحيم
 نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ. وَلا شيءَ مثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ.
قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بِلا انْتهاء.
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ودعاء مسموعا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا من العلم والعمل يا أرحم الراحمين.
أما بعد:
فهذه الجمل الثلاث وهي قوله(وَلا شيءَ مثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ.) تفصيل لما يعتقده في توحيد الله جل وعلا، والتوحيد -كما ذكرنا- منقسم إلى الأقسام الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الإلهية. فذكر هذه الأقسام الثلاث في قوله(وَلا شيءَ مثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ.)؛ فقوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) راجع إلى توحيد الأسماء والصفات والأفعال، وقوله(وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) راجع أو مُثْبِتٌ لتوحيد الربوبية، وقوله(وَلا إلهَ غَيْرُهُ) مثبت لتوحيد العبادة والألوهية.
وقدَّم رحمه الله ما يدل على توحيد الأسماء والصفات بعد ذكر لتوحيد الإلهية في قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)؛ لأن النزاع كائنٌ في توحيد الإلهية وفي توحيد الأسماء والصفات؛ فَمَعَ أهل الشرك النزاع في توحيد الإلهية، وهو الذي كان النزاع ما بين الرسل وبين أقوامهم، ولهذا قدّم ما يعتقده بقوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)؛ لأن هذا هو حقيقة النزاع بين الرسل وبين أقوامهم، ثم قال (وَلا شيءَ مثْلُهُ) لأن هذا هو حقيقة النزاع ما بين أهل السنة والجماعة وما بين مخالفيهم من المبتدعة على أصنافهم من المجسمة والمعطلة والنفاة وأشباه هؤلاء، وأيضا قرن بينهما لأن البدع بريد الشرك، فإن ترك تنزيه الله جل وعلا عن مماثلة المخلوقين تؤدي إلى الشرك به جل وعلا، ولهذا قال من قال من أهل السنة ”المعطِّل يعبد عدما والممثل يعبد صنما“ فالتمثيل ثَم اقتران بينه وبين الشرك؛ لأن الممثل اتخذ صورة جعلها على صفات معينة فصارت صنما له، كما أن المشركين عبدوا الأصنام واتخذوها آلهة. وأما قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) فهو توحيد الربوبية كما سيأتي ذلك مفصلا.
إذن فترتيب المصنف الطحاوي رحمه الله لهذه الجمل الأربع ترتيب مناسب، وهو متنقل بفهمٍ في أمور الاعتقاد وموقف أهل السنة وأهل الإسلام من مخالفيهم.
الجملة الأولى في هذا اليوم هي قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) والكلام عليها يكون في مسائل:
المسألة الأولى: أن قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) مأخوذ من قول الله جل وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11]، ومن قوله جل وعلا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص:4]، ومن قوله حل وعلا هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا[مريم:65]، ومن قوله سبحانه فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال َإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[النحل:74]، وأشباه هذه الأدلة التي تدل على أن الله سبحانه لا يماثله شيء من مخلوقاته.
والمسألة الثانية: أنّ قوله(وَلا شيءَ مثْلُهُ) راجع لنفي المماثلة، وهذا هو الذي جاء في الكتاب والسنة أنْ يُنفى عن الله جل وعلا أن يماثل أحدا أو شيئا من خلقه، وكذلك يُنفى عن المخلوق أن يكون مماثلا لله جل وعلا، وإذا كان كذلك، فالمماثلة أو التمثيل أو المِثلية تُعَرَّف بأنها المساواة في الكيف والوصف:
 والمساواة في الكيفية راجعة إلى أن يكون اتصافه بالصفة من جهة الكيفية مماثل لاتصاف المخلوق، كقولهم: يد الله كأيدينا وسمعه كأسماعنا وأشباه ذلك.
 وأما المماثلة في الصفات فهي أن يكون معنى الصفة بكماله التام في الخالق كما هو في المخلوق.
إذا تقرر ذلك، فإن اعتقاد المماثلة في الكيفية أو في الصفات على النحو الذي ذكرتُ هذا تمثيل يَكْفُر به صاحبه، فلهذا كفّر أهلُ السنة النصارى، وكفّر أهلُ السنة المجسمة؛ لأن النصارى شبّهوا المخلوق بالخالق، وشبّهوا عيسى بالله جل وعلا، والمجسمة شبّهوا الله جل وعلا ومثّلوه بخلقه.
المسألة الثالثة: الفرق ما بين المماثلة والمثلية وبين التشبيه، ولتقرير ذلك فانتبه إلى الذي جاء نفيه في الكتاب والسنة إنما هو نفي المماثلة، أما نفي المشابهة؛ مشابهة الله لخلقه فإنها لم تُنْفَ في الكتاب والسنة؛ لأن المشابهة تحتما أن تكون مشابهة تامة، ويحتمل أن تكون مشابهة ناقصة، فإذا كان المراد المشابهة التامة فإن هذه المشابهة هي التمثيل وهي المماثلة، وذلك منفي، لقوله تعالىلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[الشورى:11]، فإذن لفظ المشابهة ينقسم:
إلى موافق للمماثلة الشبيه، موافق للمثيل وللممثل.
وإلى غير موافق.
يعني قد يشترك معنى الشبيه والمثيل ويكون المعنى واحدا، إذا أُريد بالمشابهة المشابهة التامة في الكيفية وفي تمام معنى الصفة.
وأما إذا كان المراد بالمشابهة المشابهة الناقصة وهي الاشتراك في أصل معنى الاتصاف، فإن هذا ليس هو معنى التمثيل المنفي، فلا يُنفى هذا المعنى الثاني، وهو أن يكون ثم مشابهة بمعنى أن يكون ثم اشتراك في أصل المعنى.
وإذا كان كذلك فإن لفظ الشبيه والمثيل بينهما فرق -كما قررتُ لك- ولفظ المشابهة لفظ مجمل لا ينفى ولا يثبت، وأهل السنة والجماعة إذا قالوا: إن الله جل وعلا لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء. يعنون بالمشابهة المماثلة، أما المشابهة التي هي الاشتراك في المعنى فنعلم قطْعا أنّ الله جل وعلا لم ينفها؛ لأنه سبحانه سمّى نفسه بالملكمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4]، الْمَلِكُ الْحَقُّ( ) وسمى بعض الخلق بالملكوَقَالَ الْمَلِكُ( ) وأشباه ذلك من الآيات، وكذلك سمّى نفسه بالعزيز، وسمّى بعض الخلق بالعزيز، وكذلك جعل نفسه سبحانه سميعا، وأخبرنا بصفة السمع له، والبصر، والقوّة، والقدرة، والكلام، والاستواء، والرحمة، والغضب، والرضا وأشباه ذلك، وأثبت هذه الأشياء للمخلوق؛ للإنسان فيما يناسبه منها، فدل على أن الاشتراك في اللفظ وفي بعض المعنى ليس هو التمثيل الممتنِع؛ لأن كلام الله جل وعلا حق وبعضه يفسر بعضا، فنفى المماثلة سبحانه بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11]، وأثبت اشتراكا في الصفة، وإذا قلتُ اشتراكا ليس معنى ذلك أنها من الأسماء المشتركة في الصفات، لكن أثبت اشتراكا في الوصف يعني شركة فيه، فإن الإنسان له ملك والله جل وعلا له الملك، والإنسان له سمع والله جل وعلا له سمع، والإنسان له بصر والله جل وعلا له بصر، وهذا الإثبات فيه قدْر من المشابهة، لكنها مشابهة في أصل المعنى، وليست مشابهة في تمام المعنى ولا في الكيفية، فتحصّل من ذلك أن المشابهة ثلاثة أقسام:
الأولى: مشابهة في الكيفية، وهذا ممتنع.
والثاني: مشابهة في تمام الاتصاف ودلالة الألفاظ على المعنى لكمالها، وهذا ممتنع.
والثالث: مشابهة في معنى الصفة؛ في أصل المعنى، مطلق المعنى وهذا ليس بمنفي.
ولهذا صار نفي التمثيل، ونفي المثيل، ونفي المثلية صار شرعيا؛ لأنه واضح دلالته غير مجملة، وأما لفظ المشابهة فإن دلالته مجملة فلم يأتِ نفيه.
ونحن نقول إن الله جل وعلا لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء سبحانه وتعالى. ونعني بقولنا (ولا يشابهه شيء) معنى المماثلة في الكيفية أو المماثلة في تمام الاتصاف بالصفة وتمام دلالة اللفظ على كمال معناه.
المسألة الرابعة: على قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) أنّ إثبات الصفات لله جل وعلا قاعدته مأخوذة من هذه الجملة (وَلا شيءَ مثْلُهُ)، فإثبات الصفات مأخوذ من قوله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[الشورى:11]، فنفى سبحانه وتعالى وأثبت، وعند أهل السنة والجماعة أن النفي يكون مجملا (لا شيءَ مثْلُهُ)، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، وأنّ الإثبات يكون مفصلا (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، وهذا بخلاف طريقة أهل البدع فإنهم يجعلون الإثبات مجملا، والنفي مفصلا، فيقولون في صفة الله جل وعلا: إن الله ليس بجسم ولا بشبح ولا بصورة ولا بذي أعضاء ولا بذي جوارح ولا فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن شمال ولا قُدّام ولا خلف وليس بذي دم ولا هو خارج ولا داخل. إلى آخر تصنيفهم للمنفيات، وإذا أتى الإثبات، إنما أثبتوا مجملا، فصار نفيهم وإثباتهم على خلاف ما دلت عليه الآية (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
فطريقة أهل السنة أن النفي يكون مجملا وأن الإثبات يكون مفصلا على قوله سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، والنفي المجمل فيه المدح، والإثبات المفصل فيه مدح، والنفي المجمل والإثبات المفصل من فروع معنى استحقاق الله جل وعلا للحمد، والله سبحانه أثبت أنه محمود ومسبَّح في سماواته وفي أرضه جل وعلا، كما قال سبحانه وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[الإسراء:44]، وكقوله وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[الروم:18]، وكقوله فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ[الروم:17]، يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ( ) ونحو ذلك، والجمع بين التسبيح والحمد هو جمْعٌ بين النفي والإثبات؛ لأن التسبيح نفي النقائص عن الله فجاء مجملا، والحمد إثبات الكمالات لله جل وعلا فجاء مفصلا، فإثبات الكمالات من فروع حمده سبحانه وتعالى، ولهذا صار محمودا جل وعلا على كل أسمائه وصفاته، وعلى جميع ما يستحقه سبحانه، وعلى أفعاله جل وعلا، وتنزيهه سبحانه بالنفي؛ يعني بالتسبيح أنْ يكون ثَم مماثل له سبحانه وتعالى؛ فمعنى (سبحان الله) تنزيها لله جل وعلا عن أن يماثله شيء أو عن النقائص جميعا، والحمد إثبات الكمالات بالتفصيل.
فإذن من نفى مجملا وأثبت مفصلا، فإنه وافق مقتضى التسبيح والحمد الذي قامت عليه السموات والأرض.
ومن نفى مفصلا وأثبت مجملا، فقد نافى طريقة الحمد والتسبيح الذي قامت عليه السماوات والأرض.
لهذا صارت طريقة القرآن أن يكون النفي مجملا والإثبات مفصلا، وطريقة أهل البدع بعكس ذلك.
المسألة الخامسة: أن قوله تعالىلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[الشورى:11]، الذي هو دليل (وَلا شيءَ مثْلُهُ)، قد اختلف فيه المفسرون في معنى الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، والكاف هنا، على أي شيء تدل؟ على أقوال:
الأول منها: أن الكاف هذه بمعنى مِثْل، فيكون معنى قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ليس مِثْلَ مِثْلِه شيء، مبالغة في النفي عن وجود مِثْل المِثْل، فكيف يوجد المِثْل، فنَفْيُه من باب الأولى.
ومجيء الكاف بمعنى الاسم هذا موجود في القرآن وكذلك في لغة العرب:
 فأما مجيئه في القرآن -مجيء بمعنى الاسم، وهي حرف- كما في قوله جل وعلاثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً[البقرة:74]، فقوله (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) عَطَفَ الاسم على الكاف التي هي في قوله (كَالْحِجَارَةِ)؛ (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ)، ومعلوم أن الاسم إنما يعطف على الاسم فقوله (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) يعني فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.
 ومجيئه في اللغة أيضا ظاهر ومحفوظ، كقول الشاعر:
لو كان في قلبي كقدر قلامة حبا لغيركِ ما أتتك رسائلي
وقوله(لو كان في قلبي كقدر قلامة) هذا جعل شبه الجملة الجارّ والمجرور (في قلبي) مقدم، وجعل الاسم (كقدر) لكون الكاف بمعنى (مِثْل)؛ يعني لو كان في قلبي مِثْل قدر قلامة.
وهذا التوجيه الأول لطائفة من المفسرين في أن الكاف بمعنى (مِثْل) على ما ذكرنا، وهذا التوجيه لهم وجيه وظاهر في اللغة ومستقيم المعنى أيضا في الآية.
الثاني: أنّ الكاف في قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) هذه صلة، وهي التي تسمى عند النحويين زائدة؛ وزيادتها ليس زيادة للفظ، وإنما زيادة لها لكون المعنى زائدا، ليست زائدة بمعنى أن وجودها وعدم وجودها واحد، حاشا وكلا أنْ يكون في القرآن شيء من ذلك، وإنما تُزاد ليكون مبالغة في الدلالة على المعنى، فقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) تكون الكاف صلة ومجيء الصلة في مقام تكرار الجملة تأكيدا، كما حرره ابن جِنِّي النحوي المعروف في كتابه ”الخصائص“ حيث قال: إنّ الصلة والزيادة تكون في الجمل لتأكيدها وتكون مقام تكريرها مرتين أو أكثر. أو كما قال، فيكون معنى قوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ): ليس مِثْلَه شيء، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، وهو السميع البصير. وهذا تفهمه العرب في كلامها.
جاءت الزيادة بالصلة في مواضع كثيرة من القرآن كقوله جل وعلافَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[آل عمران:159]، فقوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ)يعني: فبرحمة من الله لنت لهم، فبرحمة من الله لنت لهم. يعني ليس من جهتك وإنما هو رحمة من الله سبحانه وتعالى، وكقوله جل وعلا فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ[المائدة:13] يعني: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم، فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. وكقول لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ[القيامة:1] في أحد وجهي التفسير.
إذا تقرر لك ذلك فالوجه الأَوْلى من هذين التفسيرين هو الثاني من كون الكاف صلة زائدة في مقام تكرير الجملة؛ يعني أنّ النفي أُكِّد لتكون أبلغ من أنْ يُنفى مِثْل المِثْل؛ لأنه قد يشكل في نفي مثل المثل أن يكون( ) نفي المِثْلية الأولى ليس مستقيما دائما، أو ليس مفهوما دائما. أما الثاني فإنه واضح من جهة العربية، وواضح من جهة العقيدة، وواضح من جهة دلالته على تأكيد النفي الذي جاء في الآية.
هذا خلاصة الكلام على قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ).
ثم قال رحمه الله تعالى(وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) ومعنى (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) يعني أنه سبحانه وتعالى لا شيء مما يصح أن يُطلق عليه أنه شيء يعجزه جل وعلا ويُكْرِثُه ويثقله ولا يكون قادرا عليه، بل هو سبحانه و تعالى الموصوف بكمال القدرة وكمال العلم وكمال اتصافه بالصفات وكمال القوة، فلذلك لا شيء يعجزه سبحانه وتعالى، (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)فيها تقرير توحيد الربوبية كما ذكرنا آنفا؛ لأن نفي العجز لأجل كمال القدرة، كمال الغنى، وكمال قوته سبحانه وتعالى، وهذا راجع إلى أفراد توحيد الربوبية.
وفي الكلام على قوله(وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) مسائل:
المسألة الأولى: أن هذا منتزع من قوله الله جل وعلا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا[فاطر:44]، فنفى سبحانه أن ثَم شيءٌ يعجزه في السماوات وكذلك في الأرض، وعلل ذلك بكونه (عَلِيمًا قَدِيرًا)، ونفي العجز في الآية جاء معللا بكمال علمه وقدرته؛ وذلك لأن العجز في الجملة:
 إما أن يرجع إلى عدم علم، ولأجل عدم علمه بالأمر عجز عنه.
 وإما أن يرجع إلى عدم القدرة، فعلم ولكن لا يقدر على انفاذ علم أو ما يريد.
 وإما أن يرجع إليهما معا.
ولذلك لما قال (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) عَلَّلَه بقوله (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)، ومن المتقرر في علم الأصول في مسائل العلة في أبواب القياس: أنّ التعليل في القرآن والسنة يستفاد من جهات؛ ومنها مجيء (إنَّ) بعد الخبر أو بعد الأمر والنهي، وهنا لما أخبر عن نفسه بعدم العجز، وعلل ذلك بكونه سبحانه عليما قديرا، علمنا أن سبب عدم العجز هو كمال علمه سبحانه وكمال قدرته.
المسالة الثانية: أن هذه الجملة نأخذ منها قاعدة قَعَّدها أئمة أهل السنة والجماعة وهي أن النفي إذا كان في الكتاب والسنة فإنه لا يُراد به حقيقة النفي، وإنما يُراد به كمال ضده؛ يعني أنّّ كل نَفْيٍ نُفِيَ عن الله جل وعلا؛ أنَّ كل نفي أضيف لله جل وعلا ونُفِيَ عنه سبحانه ما لا يليق عن جلاله في القرآن أو السنة، فإن المقصود منه إثبات كمال الضِّد؛ لأن النفي المحض ليس بكمال، فقد يُنفى عن الشيء الاتصاف بالصفة؛ لأنه ليس بأهل لها، فيقال: فلان ليس بعالم. لأنّه ليس أهلا لأن يتّصف بذلك، يقال: فلان ليس بظالم. لأنه ليس بقادر أصلا، كما قال الشاعر في وصف قوم يذمهم:
قُبَيِّلَةٌ لا يَغْدِرُونَ بِذِمَّــةٍ وَلاَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْذَلِ
لأنهم لا يستطيعون أصلا أنْ يظلموا أو أن يعتدوا لعجزهم عن ذلك؛ لأن العرب كانت تستخف بأنّ من يَظلم يُظلَم كقول الشاعر وهو زهير:
وَمَنْ لاَ يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
فتقرر أن النفي المحض ليس بكمال، ولذلك نقرر قاعدة: أنّ النفي في الكتاب والسنة إنما هو لإثبات كمال الضد. وأخذنا وذلك من قوله جل وعلا (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا)، فصار النفي نفي العجز عنه سبحانه فيه إثبات كمال علمه وقدرته، وهذا خُذه مطّرِدا في مثله قوله جل وعلاوَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا[البقرة:255]، وفي قوله جل وعلا في أول آية الكرسي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ[البقرة:255]، لكما حياته وكمال قيومته سبحانه، (وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) فيه كمال قدرته سبحانه وتعالى وكمال قوته، وفي قوله وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا[الكهف:49] لكمال عدله سبحانه، وفي قوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[الإخلاص:4] وذلك لكمال اتصافه بصفاته، بقوله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ[الإخلاص:3] لكمال استغنائه سبحانه، ففي كل نفي جاء في الكتاب والسنة تأخذ إثبات الصفة التي هي بضد ذلك النفي، ولهذا تُثْبَت بعض الصفات وتثبت بعض الأسماء عند طائفة من أهل العلم بألفاظ لم ترد صراحة وأخذوها من النفي الذي جاء في الكتاب والسنة.
المسألة الثالثة: أنّ قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) كما ذكرتُ لك من أفراد توحيد الربوبية، والتمثيل عن العام ببعض أفراده في التوحيد صحيح؛ لأن دِلالة الخاص على العام مؤكَّدة وواضحة لا يمكن أن تخرج دلالة الخاص عن الأمر الكلي العام، ولهذا يجيء الإثبات مفصلا كما ذكرنا لأجل أن الإثبات العام لله جل وعلا في جميع الصفات حق، فيُثْبَت في كل موضع بحسبه، فمن مثل في موضع ببعض أفراد الربوبية، فإن تمثيله لذلك حق وإن لم يُمَثِّل بجميع أفراد الربوبية، بخلاف الأسماء والصفات فإنّ الأسماء والصفات تُمَثِّل عليها بأنواعها، أهل السنة إذا ذكروا الأسماء والصفات تمثيلا في هذا المقام فإنهم يذكرون تلك الأسماء والصفات والأفعال التي تدل على أنواع الصفات؛ فيذكرون مثالا للصفات الذاتية، ومثالا للصفات الاختيارية، ومثالا للصفات الفعلية حتى يكون ذلك عامّا لأجل أن لا يشترك أهل السنة مع أهل البدعة في التعبير. إذا أتى مثلا في إثبات الصفات لا يقولون إننا نثبت صفات الرب جل وعلا كالحياة والقدرة والسمع والعلم والبصر والإرادة والكلام ويسكتون، لأن هذه السبعة هي التي أثبتها الكلابية والأشاعرة وطائفة، ولا يقولون نثبت الحياة والكلام لله والسمع والبصر ويسكتون، ولكن يذكرون هذا فإذا ذكروا هذه السبع يقولون أيضا معها فهو سبحانه سميع بصير أو موصوف بالسمع والبصر والقدرة والكلام والإرادة والحياة والاستواء والنزول والرحمة والغضب والرضا فيجمعون -والوجه واليدان، إلى آخره– في الصفات ما جرى عليه الاتفاق وما لم يجرِ عليه الاتفاق؛ يعني بينهم وبين أهل البدع تمييزًا لقول أهل السنة عن غيرهم وأما في الربوبية لأجل انه لم يجر فيها الخلاف يسوغ أن يمثل في بعض أفرادها.
المسالة الرابعة: على قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ) أنّ العجز هنا كما في الآية؛ جاء نفيه متعلقا بالأشياء، ودِلالة الآية على النفي أبلغ وأعظم في قول المصحف (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، لأنه جاء في الآية زيادة (مِنْ) التي تنقل العموم من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه، فقال الله سبحانهوَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ[فاطر:44]، فقوله (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ) لو قال: وما كان الله ليعجزه شيء. لصَحَّ النفي وصار ظاهرا في العموم، وأما لما قال (مِنْ شَيْءٍ) جاءت زيادة (مِنْ) هذه، لتنقل العموم المستفاد من مجيء النكرة في سياق النفي من ظهوره إلى النَّصِّيَّة فيه.
ومعنى الظهور في العموم: أنّه قد يتخلّف بعض الأفراد على سبيل النُّدْرَة.
وأما النَّصِّيَّة في العموم: فإنه لا يتخلّف عن العموم شيء.
فلما نفى بمجيء النكرة في سياق النفي وجاء بزيادة (مِنْ) التي دلت على انتقال هذه النكرة المنفية من ظهورها في العموم إلى كونها نصا صريحا في العموم.
إذا تقرر فالمنفي أن يعجزه سبحانه وتعالى هو الأشياء، والأشياء جمع شيء، والشيء الذي جاء في الآية (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ)، وفي قوله هنا (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، وكذاك في قوله قبل (وَلا شيءَ مثْلُهُ)، تعريف شيء عندنا: أنّه ما يصح أن يُعلم أو يؤول إلى العلم، سواء كان في الأعيان والذّوات، أو كان في الصفات والأحوال.
فكلمة (شيء) في النصوص تُفَسَّر عند المحققين من أهل السنة بأنها: ما يصح أن يُعلم أو يؤول إلى العلم. قولنا ”يصح أن يعلم“ مما هو موجود أمامك أو ما يؤول إلى العلم لعدم وجوده ذاتا ولكنه موجود في القدر، كقول الله جل وعلا  هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا[الإنسان:1]، وقد كان شيئا لكن لا يذكره الناس؛ لأنه لم يروه، ولكنه شيء يعلم في حق الله جل وعلا، وسيؤول إلى العلم في حق المخلوق والذكر، ولهذا في قوله (وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ)، كقوله(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) راجع هنا إلى ما هو موجود وإلى ما ليس بموجود من الذوات والصفات والأحوال؛ لأنها جميعا إما أن تكون معلومة، أو تكون آيلة إلى العلم.
قال بعدها رحمه الله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ)، فقوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) هذا منتزع من قول الله جل وعلا اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ( ) هذه جاءت بها الرسل جميعا؛ جاء بها نوح، وجاء بها هود، وجاء بها صالح، وجاءت بها الأنبياء والرسل جميعا، وهذا في المعنى كقوله جل وعلا كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ[هود:1-2]، وكقوله جل وعلا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[النحل:32]، وكقوله جل وعلا وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ[الأنبياء:25].
وفي قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) مسائل:
الأولى: أنّ هذه الكلمة هي معنى كلمة؛ أو هي مطابقة لكلمة التوحيد ”لا إله إلا الله“، ولكلمة التوحيد ”لا إله إلا الله“ معناها (وَلا إلهَ غَيْرُهُ)، والإله في كلمة التوحيد وفي قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) هذا دخل عليه النفي، فالمنفي جنس الآلهة التي تستحق العبادة، والله جل وعلا ليس داخلا في هذا النفي -كما سيأتي بيانه في إعراب كلمة التوحيد-، وكلمة ”إلا الله“ موافقة لـ(غَيْرُهُ)؛ لأن الغيرية:
ربما كانت غيرية في الذوات كقولك: ما دخل رجل غيرُ زيد. فهنا ذات الرجال غير ذات زيد.
أو في الصفات كقولهم: جاءكم بوجه غير الذي ذهب به. الوجه من حيث هو واحد لكن من حيث الصفة اختلف.
فإذن الغيرية قد ترجع إلى غيرية الذات، وقد ترجع إلى غيرية الصفات، وفي النفي لا إله إلا الله هنا الإله المنفي هو جنس الآلهة التي تستحق العبادة، وإلا الله ليس هذا مخرجا من الآلهة؛ لأنه لم يدخل أصلا فيها حتى يخرج منها لأن النفي راجع إلى الآلهة الباطلة
المسألة الثانية: أن قوله (لا إلهَ غَيْرُهُ) مشتمل على كلمة (إله) وكلمة (إله) هذه اختلف الناس في تفسيره.
التفسير الأول لها: أنّ الإله هو الرب، وهو القادر على الاختراع، أو هو المستفتي عن من سواه، المفتقر إلى كل ما عداه. وهذا قول أهل الكلام، في أنّ الإله هو الرب؛ يعني هو الذي يَقْدِرُ على الخَلْقِ والاختراع والإبداع، وهو الذي يستغني عما سواه وكل شيء يفتقر إله، كما ذكرنا إليكم مرارا عبارة صاحب السَّنوسية وعبارة أهل الكلام في ذلك، وهذا التفسير بكون الإله هو القادر على الاختراع وهو الرب لأهل الكلام، من أجله صار الافتراق العظيم في فهم معنى كلمة التوحيد وتوحيد العبادة وفي فهم الصفات في تحديد أول واجب على العباد.
التفسير الثاني: نأتي للجملة هذه... ( ) هو الإله، إله فِعَال بمعنى مفعول يعني مألوه، سُمي إله لأنه مألوه، والمألوه مفعول من المصدر وهو الإلهة، والإلهة مصدر أَلَهَ يَأْلَهُ إِلَهَةً وأُلُوهَةً إذا عبد مع الحب والذل والرضا، فإذن صارت كلمة الإله هو المعبود، والإلهة والألوهية هي العبودية إذا كانت مع المحبة والرضا، فصار معنى الإلهة إذن هو الذي يعبد مع المحبة والرضا والذل، وهذا التفسير هو الذي تقتضيه اللغة؛ وذلك لأن كلمة ”إله“ هذه لها اشتقاقها الراجع إلى المصدر إلهة، الذي جاء في قراءة ابن عباس في سورة الأعراف وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَك[الأعراف:127] يعني ويذرك وعبادتك، وأما مجيءُها في اللغة فهو كقول الشاعر كما ذكرنا لكم مرارا:
لله درّ الغانيات المـُــدّهِ سبّحن واسترجعن من تألهي
يعني من عبادتي، فالإله هو المعبود، ولا يصح أن يفسَّر الإله بمعنى الرب مطلقا؛ لأن الخصومة وقعت بين الأنبياء وأقوامهم، بين المرسلين وأقوامهم في العبودية لا في الربوبية، فالمشركون أثبتوا آلهة وعبدوهم، كما قال جل وعلا وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا(81)كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا[مريم:81-82]، وكقوله أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا[ص:5] يعني أجعل المعبودات معبودا واحدا.
وهذا يدلك على أن هذا النفي في قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) راجع إلى نفي العبادة، وهذا القول الثاني هو قول أهل السنة وقول أهل اللغة وقول أهل العلم من غير أهل البدع جميعا، وهو المنعقد عليه الإجماع قبل خروج أهل البدع في تفسير معنى الإله، وهذا هو معنى كلمة التوحيد ”لا إله إلا الله“ يعني لا معبود بحق إلا الله جل جلاله.
المسألة الثالثة: راجعة إلى كلمة التوحيد ”لا إله إلا الله“ ما معناها؟ معناها: لا معبود حق إلا الله جل وعلا. وكما هو معلوم الخبر في قولك (لا)، خبر (لا) النافية للجنس محذوف (لا إله)، ثم قال (إلا الله)، وحذف الخبر؛ خبر (لا) النافية للجنس شائع كثير في لغة العرب كقول النبي صلى الله عليه وسلم «لاَ عَدْوىَ، وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ، وَلاَ نَوْءَ، وَلاَ غُولَ» فالخبر كله محذوف، وخبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا وبشيوع إذا كان معلوما لدى السامع، كما قال ابن مالك في الألفية في البيت المشهور: وشاع في ذا الباب –يعني باب لا النافية للجنس-:
وَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ الخَبَر إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَــر
فإذا ظهر المراد مع السقوط جاز الإسقاط، وسبب الإسقاط؛ إسقاط كلمة حق، ”لا إله حق إلا الله“ أنّ المشركين لم ينازعوا في وجود إله مع الله جل وعلا، وإنما نازعوا في أحقِّية الله جل وعلا بالعبادة دون غيره، وأنّ غيره لا يستحق العبادة، النزاع لما كان في الثاني دون الأول؛ يعني لما كان في الاستحقاق دون الوجود، جاء هذا النفي بحذف الخبر لأن المراد مع سقوطه ظاهر وهو نفي الأحقية في (لا إله) صار الخبر راجعا أو صار الخبر تقديره حق نعم كما قال تعالى قالذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج:92]، وفي الآية الأخرى قال جل وعلا  ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30]، فلما قال سبحانه (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) قرن بين أحقّية الله للعبادة وبطلان عبادة ما سواه، دلّ على أن المراد في كلمة التوحيد ”لا إله إلا الله“ هو نفي استحقاق العبادة لأحد غير الله جل وعلا.
فإذن صار تقدير الخبر بكلمة ”حق“ صوابا من جهتين:
 الجهة الأولى: أنّ النّزاع بين المشركين وبين الرسل كان في استحقاق العبادة لهذه الآلهة، ولم يكن في وجود الآلهة.
 والثاني: أنّ الآية بل الآيات دلت على بطلان عبادة غير الله وعلى أحقية الله جل وعلا بالعبادة دون ما سواه .
إذا تقرر ذلك فكما ذكرت لك الخبر مقدر بكلمة ”حق“؛ (لا إله حق)، و(لا) نافية للجنس، فنفت جنس استحقاق الآلهة للعبادة، نفت جنس المعبودات الحقّة، فلا يوجد على أرض ولا في السماء معبود عبده المشركون حق، ولكن المعبود الحق هو الله جل وعلا وحده وهو الذي عبده أهل التوحيد، وتقدير الخبر بحق كما ذكرنا لك هو المتعين خلافا لما عليه أهل الكلام المذموم، حيث قدروا الخبر بـ”موجود“ أو بشبه الجملة بقولهم ”في الوجود“ (لا إله في الوجود) أو (لا إله موجود)، وهذا منهم ليس من جهة الغلط النحوي، ولكن من جهة عدم فهمهم لمعنى ”الإله“ لأنهم فهموا من معنى ”الإله“ الرب، فنفوا وجود رب مع الله جل وعلا، وجعلوا آية الأنبياء دليلا على ذلك وهي قوله جل وعلا لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا[الأنبياء:22]، وكقوله في آية الإسراء قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا[الإسراء:42]، وفسروا آية الأنبياء وآية الإسراء بالأرباب؛ بالرب، ولكن هي في الآلهة كما هو ظاهر لفظها.
إذا تقرر ذلك فنقول إن عبادة غير الله جل وعلا إنما هي بالبغي والظلم والعدوان والتعدي لا بالأحقية.
المسألة الرابعة: في إعراب كلمة التوحيد لا إله إلا الله.
لا: نافية للجنس .
إله: هو اسمها مبني على الفتح.
و(لا) النافية للجنس مع اسمها: في محل رفع مبتدأ.
وحق: هو الخبر؛ وحق المحذوف هو خبر، والعامل فيه هو الابتداء أو العامل فيه (لا) النافية للجنس على الاختلاف بين النحويين في العمل.
وإلا الله:
إلا: استثناء؛ أداة استثناء.
الله: مرفوع، وهو بدل من الخبر، لا من المبتدأ؛ لأنه لم يدخل في الآلهة حتى يُخرَج منها؛ لأن المنفي هي الآلهة الباطلة، فلا يَدخل فيها -كما يقوله من لم يفهم- حتى يكون بدلا من اسم لا النافية للجنس، بل هو بدل من الخبر، وكون الخبر مرفوعا والاسم هذا مرفوعا، يُبين ذلك أن التابع مع المتبوع في الإعراب والنفي والإثبات واحد.
وهنا تَنْتَبِهْ إلى أن الخبر لما قدّر بـ”حق“ صار المُثبت هو استحقاق الله جل وعلا للعبادة، ومعلوم أنّ الإثبات بعد النفي أعظم دلالة في الإثبات من إثبات مجرد بلا نفي، ولهذا صار قوله ”لا إله إلا الله“ وقول (لا إله غير الله) هذا أبلغ في الإثبات من قول: الله إله واحد. لأن هذا قد ينفي التقسيم لكن لا ينفي استحقاق غيره للعبادة، ولهذا صار قوله جل وعلا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[البقرة:163]، وقول القائل ”لا إله إلا الله“ بل قوله تعالى إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ[الصافات:35] جمعت بين النفي والإثبات، وهذا يسمى الحصر والقصر، ففي الآية حصر وقصر، وبعض أهل العلم يعبر عنها بالاستثناء المفرّغ وهذا ليس بجيد، بل الصواب فيها أن يقال هذا حصر وقصر، فجاءت (لا) نافية وجاءت (إلا) مثبتة ليكون ثَم حصر وقصر في استحقاق العبادة في الله جل وعلا دون غيره، وهذا عند علماء المعاني في البلاغة يفيد الحصر والقصر والتخصيص، يعني أنه فيه لا في غيره، هذا أعظم دلالة فيما اشتمل عليه الأمر والإثبات.
ومعنى كلمة التوحيد وتفصيل الكلام عليها ترجعون إليه في موضعه من كلام أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى.
المسألة الأخيرة: على قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ) أن هذه الكلمة فيها إثبات توحيد العبادة لله جل وعلا كما ذكرنا، وتوحيد العبادة لله جل وعلا لا يستقيم إلا بشيئين كما ذكرنا: بنفي وبإثبات. فالنفي وحده لا يكون به المرء موحدا، والإثبات وحده لا يكون به المرء موحدا، حتى يجمع ما بين النفي والإثبات، نفي استحقاق العبادة لأحد من هذه الآلهة الباطلة، وإثبات استحقاق العبادة الحقة لله وحده دون ما سواه، وهذا هو معنى الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، فلا يستقيم توحيد أحد حتى يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، ومن كان إيمانه بالله صحيحا كان كفره بالطاغوت صحيحا، يسمى ملازمة ما بين هذا وهذا، وإثبات توحيد الإلهية على هذا المعنى بين النفي والإثبات يتضمن إثبات توحيد الربوبية؛ لأن كل موحد لله في الإلهية موحد لله جل وعلا في الربوبية، وكذلك مستلزم لإثبات صفات الكمال لله جل وعلا؛ لأنه لا يُعبد إلا من كان متصفا بصفات الكمال.
فهذا خلاصة ما يشتمل عليه قوله (وَلا إلهَ غَيْرُهُ).
وفي هذا القدر كفاية وأسأله؛ الله جل وعلا لي ولكم النور في الدنيا وفي الآخرة والإقتداء التام والأمن التام إنه كريم جواد سميع الدعاء، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسئـــلة: نجيب على ثلاث أسئلة فقط.
 بعض الأسئلة يكون خطها سريع ما نفهم إيش يقول، كلام على مسألة التشبيه من حيث الكيفية والمعنى، والأصل أن توضحها وتمثل.
هذه المسالة كما هو معلوم بسطها أهل السنة وخاصة شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه، وكذلك هو في شروح الواسطية المطولة تذكر هذه المسألة:
التشبيه من حيث الكيفية هو التمثيل كقول المجسمة: إن الله جسم كأجسامنا، ويده كأيدينا، وقدمه كأقدامنا، واستوائه كاستوائنا، في كيفية الاستواء مماثل لنا مشابه لنا. فهذا تشبيه من حيث الكيفية.
وتشبيه من حيث تمام المعنى كأن يقول معنى استوى الله هو معنى استوائنا تماما، المعنى في هذا هو هذا، معنى سمع الله هو معنى سمعنا تماما، لا فرق بين هذا وهذا، وهذا أيضا تشبيه مذموم باطل.
ولكن المشابهة التي لا تُنفى هي ما كان من جهة الاشتراك في أصل المعنى؛ لأن المعنى كما هو معلوم يوجد كليا في الأذهان، وأما في الخارج فيكون مختلفا بحسب الإضافة والتخصيص، فإذا كان المعنى الكلي هذا له جهتان:
 جهة مطلق المعنى أقل درجة في المعنى فهذه هي أو هذا هو القدر المشترك بين كل من اتصف بالصفة، فمثلا في السمع: البعوضة لها سمع، والذباب له سمع، والضأن له سمع، والنمل له سمع، والإنسان له سمع، هؤلاء اشتركوا في أصل معنى السمع؛ لكنهم يتفاوتون فيه بقدر ما هم عليه، بقدر ما يناسب ذواتهم، بقدر ما يناسب أبدانهم، بقدر ما يناسب استعداداتهم التي جعلها الله جل وعلا لهم، فسمع البعوض ليس هو كسمع الإنسان، وسمع النمل ليس كسمع الإنسان، لكن أصل معنى السمع مشترك بين هذه المخلوقات، فكذلك جنس المخلوقات التي لها سمع يُثبت لها أصل السمع كما هي عليه؛ ولكن سمع الله جل وعلا يناسب ذاته، كما أن ما بين الإنسان وما بين النمل في السمع قدر مشترك في هذا المعنى؛ معنى السمع ومعنى البصر، فما بين المخلوق وبين الله جل وعلا هو قدر مشترك في أصل المعنى، أما في تمام المعنى فكل له ما يناسبه؛ فالله جل وعلا يناسب ذاته العلية العظيمة الجليلة الاتصاف بالصفات الكاملة المطلقة؛ الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص في وجه من الوجوه، والمخلوق له ما يناسب ذاته من نقص وحال. فهذا معنى الكيفية تمام المعنى أصل الاتصاف بالصفات.
تمام المعنى غير مضاف كلي والكيفية تمثيل:
فإذا قلت السمع هو كالسمع صار هذا تمثيلا.
وإذا قلت سمعه جل وعلا أو بصره في كيفية الإتصاف هو ككيفية اتصاف المخلوق بالسمع والبصر صار هذا تكييفا.
وإذا قلت السمع والسمع صار هذا تمثيلا، تمثيلا في المعنى.
وإذا قلت اتصف بالسمع بكيفية اتصافنا بالسمع، واتصف بالبصر بكيفية اتصافنا بالبصر، صار تجسيما أو صار هذا من جهة الكيفية.
لأن السمع إدراك المسموعات، أنت تدرك المسموعات بواسطة أذن وطبلة إلى آخره، والله جل وعلا إدراكه للمسموعات ليس بكيفية إدراك المخلوق للمسموعات، كذلك البصر؛ عين الله جل وعلا ليست كعين المخلوق في الكيفية، نثبت لله عينا كما يليق بجلاله وعظمته؛ لكن لا نقول عينه سبحانه كعين الإنسان في الكيفية؛ فيها سواد، بياض، أو لها حدقة، شبكية إلى آخره. فإثبات المعنى هذا كمال المعنى لله جل وعلا والكيفية التمثيل فيها هذا تجسيم وهو من المكفرات، لأنه تمثيل للمخلوق بالخالق.
 ما رأيك في كتاب المنحة الإلهية تعريف شرح الطحاوية؟
ما شفت الكتاب هذا.
 قولك المنفي جنس الآلهة التي تستحق العبادة؟
المقصود تستحق العبادة تستحق العبادة في ظن العابدين وإلاّ (لا إله حق) فنفت كلمة التوحيد أحقية الآلهة في العبادة، المقصود بحسب ظنهم، أو نقول المنفي جنس استحقاق الآلهة للعبادة.
 هذا سؤال في الأصول ومتعلق بكلمة الكاف في كَمِثْلِهِ[الشورى:11].
والجواب عليها تقسيم الألفاظ إلى شرعي ووضعي وعرفي ونقص وزيادة ونقل واستعارة
............. ( ) وكازدياد الكاف في (كَمِثْلِه)
هذا البحث فيه معروف لكن هذا يحتاج إلى بسط آخر.
 قال أهل السنة كما ذكرتم قاعدة أهل السنة: أن النفي مجمل والإثبات مفصل، وأن أهل البدع عكس لأهل السنة، فما القول عندما يقول أحد من أهل البدع (....( ) نفيا ولا تقل بإثبات) فيكون الإثبات عندهم والإثبات مجمل، أنا ما أفهم الكلام، ....( ) ( ولا تقل بإثبات) يعني لا تفصل، هذا موافق لقولهم إن النفي مفصل والإثبات مجمل.
نكتفي بهذا القدر وصل اللهم وبارك على نبينا محمد. ( )

بسم الله الرحمن الرحيم
 قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء..
لا يَفنَى ولا يَبيدُ، ولا يكونُ إلا ما يُريدُ.
لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْركُهُ الأفْهَامُ.
وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ.
حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ.
خَاِلقٌ بِلا حَاجَة، رَازقٌ بلا مَؤُونَة.
مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ.
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد:
فأسـأل الله جل وعلا لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح، اللهم اجعلنا من عبادك المتّقين، نعوذ بك من الضلال بعد الهدى، من الكفر بعد الإيمان نسأل الله الثبات على الإيمان حتى الممات.
هذه الجمل من هذه العقيدة المختصرة؛ عقيدة الإمام الطحاوي رحمه الله وأجزل له المثوبة، اشتملت على جملة من صفات الله جل وعلا، وهي ليست راجعة إلى ترتيب معين؛ يعني في ذكر صفات لله جل وعلا أو في ذكر قواعد في الصفات، أو فيما يخالف فيه أهل السنة والجماعة غيرهم، إلا في بعضها كما سيأتي، وهذا كما ذكرنا لك من قبل راجع إلى أنه لم يرتّب هذه العقيدة على ترتيب موضوعي منهجي بحيث ينتقل من أنواع الإيمان إلى غيرها وبين أنواع الإيمان يعني أركان الإيمان وهكذا، ولهذا نذكر البيان على كل جملة بحسب ما اشتملت عليه، وفي ذلك إن شاء الله تعالى فوائد.
قال رحمه الله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء.) أراد رحمه الله بذلك أن يبين أن الله جل وعلا منزّه عمّا خلق، فهو سبحانه خلق الزمان، والزمان لا يحويه، وكذلك خلق المكان، والمكان لا يحويه، سبحانه وتعالى، وذكر هنا أنّ الله جل وعلا سبق الزمان، وأيضا سيدوم بعد انتهاء الزمان بلا انتهاء، وهذا المعنى الذي أراده عبّر عنه بتعبير المتكلمين في أبدية الزمان في الماضي وفي المستقبل، وهذا خروج منهم عمّا جاء في النص من التعبير عن أبدية الزمان من الجهتين؛ وذلك أنّ أبدية الزمان يعني أنّ الله جل وعلا لا يوصف بأنه ابتدأ في زمان ولا أنه ينتهي في زمان لأن الزمان محدود مخلوق، والله سبحانه وتعالى كان قبل خلقه، وسيبقى سبحانه بلا انتهاء، هذا المعنى يُعبر عنه المتكلمون ويعبر عنه أهل العقائد المختلفة بأنواع من التعبير منها هذا الذي ذكره الطحاوي، ومن المعلوم أن التعبير الذي جاء في الكتاب والسنة وقول الحق جل وعلا ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[الحديد:3]، وقوله سبحانه (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ) هذا في المعنى الذي أراده الطحاوي، فهذا فسره النبي عليه الصلاة والسلام في دعائه «أنت الأول ليس قبلك شيء، وأنت الآخر ليس بعد شيء» فليس قبل الرب جل وعلا زمان، وليس بعده سبحانه وتعالى زمان، كما أنه ليس قبله شيء من المخلوقات، ولا بعده شيء أيضا من المخلوقات، وهذان الاسمان (الْأَوَّلُ) وَ(الْآخِرُ) دلاَّ على أنه سبحانه (قَديمٌ -كما ذكر- بلا ابتدَاء) وأنه (دَائمٌ-سبحانه- بلا انْتهاء)، وما جاء بوصف الله جل وعلا في القرآن وفي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم هو الأكمل؛ بل هو الصحيح، وأما ما ذكر من الوصف، فسيأتي ما فيه في المسائل المتعلقة بهذه الجملة.
فإذن قوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء.) من جهة المعنى ومن جهة الدليل عرفتها، والمتكلمون يعنون بكلمة (قَديمٌ) غير ما يُعنى بها في اللغة، فإنهم يعنون بالقديم الذي تقدّم على غيره، والغيريّة هنا مطلقة بلا تقييد فتشمل كل ما هو غير الله جل وعلا يعني من جميع المخلوقات، فيكون قولهم في وصف الله بأنه (قَديمٌ) أو في أسماء الله بأنه سبحانه القديم يعنون به المتقدم علة غيره مطلقا، وهذا التقدم يشمل كل الأزمنة الماضية وزيادة، وبذلك احترز المصنف رحمه الله بقوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء)؛ لأن كونه متقدما على غيره قد يكون من جهة التقسيم العقلي أنّ له ابتداء سبحانه معروف، وهذا مما لم يأذن الله جل وعلا لنا بعلمه، ولا تدركه أوهامنا ولا عقولنا ولا قلوبنا فلذاك قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) وهذا كما ذكرت لك اسم الله (الأول الذي ليس قبله شيء).
فإذن تعبير المتكلمين عن الرب جل وعلا عن اسمه الأول بكونه قديم وأنه القديم هذا أرادوا به غير المعنى اللغوي، وأما المعنى اللغوي فإنّ القديم هو الذي صار متقدما على غيره، وسيعقبه غيرُه، وقد سبقه غيره، كما قال جل وعلا ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾[يس:39] وكقوله الحق جل وعلا ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾[الأحقاف:11]، وأشباه ذلك، والقِدم أو التقدم أو القَدم في اشتقاق هذه المادة في اللغة راجعة إلى ما تقدم على غيره، وهذا في اللغة, ومعلوم أن اللغة موضوعة للأشياء المحسوسة التي رآها، أو عرفها العرب، ولهذا دخل في اسم القديم المخلوقات، وإذا كان كذلك فإن القديم لا يوصف الله جل وعلا به كما سيأتي في المسائل.
إذن فكلمة (قَديمٌ بلا ابتدَاء) هذه عند المتكلمين لها معنى غير المعنى في اللغة، ومعناها عند المتكلمين كما ذكرتُ لك هو المتقدم على غيره. وفي اللغة المعنى أخص، المتقدم أو ما كان متقدما على غيره وتقدمه غيره، وهذا يجوز في اللغة، وهم لم يريدوا هذا المعنى، فلذلك جعلوا القديم من أسماء الله، وجعلوا القدم صفة للحق جل وعلا.
إذا تبين لك ذلك فقوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء) هذا راجع إلى ما سُمِّي بالأزلية؛ بأزلية الرب جل وعلا، وقوله (دَائمٌ بلا انْتهاء) راجع إلى أبديته جل وعلا.
ولفظ (أزلية) هذا مركب أو منحوت من (لم يزل)، فلما أرادوا النسبة جعلوها للأزل؛ يعني الزمان الماضي القديم جدا الذي لم يزل، لا يعرف له بداية، فيقال هم يعبرون أنه أزلي جل وعلا، أو أن صفات الرب جل وعلا أنها أزلية، والتعبير عن هذه الأشياء بما جاء في الكتاب والسنة هو الحق، فلا يُعبر عن هذه الأشياء بما لم يرد في الكتاب والسنة؛ لأنه قد يشتمل على باطل، والمرء لا يعلم ذلك، حتى من جهة الاحتمالات العقلية أو الاحتمالات اللغوية.
المؤلف احترز فقال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) وهذا فيه احتراز، جعل الجملة حق في نفسها لكن فيها مخالفة، وعَبّر عن الأبدية بقوله (دَائمٌ بلا انْتهاء).
إذا تبين لك ذلك، فعندهم أن القِدَم هو قِدَم الذات؛ يعني عند المتكلمين وعند الأشاعرة وأشابه هؤلاء، والمعتزلة عندهم القِدم حينما يطلقونه يريدون به قد الذات، وأما قد الصفات فهذا فيه تفصيل، فقوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء) يعنون به قِدَم الذات، ودائم الذات، وأما الصفات فلهم فيها تفصيل، وكأنّ الطحاوي درج على ما درجوا عليه لأنه عبّر بتعبيرهم.
إذا تقرر لك ذلك، ففي قوله (قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء) مسائل:
المسألة الأولى: في وصف الله بالقِدَم، واسم القديم: وهذا كما ذكرت من الأسماء التي سمَّى اللهَ جل وعلا بها المتكلمون، فإنهم هم الذين أطلقوا الاسم القديم على الرب جل وعلا، وإلا فالنصوص من الكتاب والسنة ليس فيها هذا الاسم، وإدراج اسم الله وإدراج اسم القديم في أسماء الله هذا غلط، ولا يجوز، وذلك لأمور.
أما الأمر الأول: فإن القاعدة التي يجب اتّباعها في الأسماء والصفات ألاّ يُتجاوز فيها القرآن والحديث، ولفظ أو اسم القديم أو الوصف بالقدم لم يأتِ في الكتاب والسنة، فيكون في إثباته تعدٍّ على النص.
والثانية: أنّ اسم القديم منقسم إلى ما يُمدح به، وإلى ما لا يمدح به، فإنّ أسماء الله جل وعلا أسماء مدح؛ لأنها أسماء حسنى واسم القديم لا يمدح به؛ لأن الله وصف به العرجون، والقديم هذا قد يكون صفة مدح وقد يكون صفة ذم.
والثالث: أن اسم القديم لا يدعا الله جل وعلا به، فلا يدعا الله بقول القائل يا قديم أعطني، ويا أيها القديم، أو يا ربي أسألك بأنك القديم أن تعطني كذا، والأسماء الحسنى يدعى الله جل وعلا بها فذلك لقوله ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾[الأعراف:180]، فالأسماء الحسنى يدعى بها؛ يعني تكون وسيلة لتحقيق مراد العبد، ولهذا لم يدخل الوجه في الأسماء، ولم تدخل اليدان في الأسماء، ولا أشباه ذلك، لأن هذه صفات وليست بأسماء، والأسماء هي التي يدعا الله جل وعلا بها.
وإذا تبين ذلك فننتقل إلى:
المسألة الثانية: وهي ما ضابط، أو المسألة الثانية هي ضابط كون الاسم من الأسماء الحسنى؟
والاسم يكون من أسماء الله الحسنى إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط، أو اجتمعت فيه ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون قد جاء في الكتاب والسنة، يعني نُصّ عليه في الكتاب والسنة، نُصّ عليه بالاسم لا بالفعل، ولا بالمصدر، وسيأتي تفصيل لذلك.
الثاني: أن يكون مما يدعى الله جل وعلا به.
الثالث: أن يكون متضمِّنا لمدحٍ كاملٍ مطلقٍ غير مخصوص، وهذا ينبني على فهم قاعدة أخرى من القواعد في منهج أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات؛ هي أن باب الأسماء الحسنى أو باب الأسماء أضيق من باب الصفات، وباب الصفات أضيق من باب الأفعال، وباب الأفعال الإخبار. واعكس ذلك فتقول: باب الإخبار عن الله جل وعلا أوسع، وباب الأفعال أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء الحسنى.
وهذه القاعدة نفهم منها أن الإخبار عن الله جل وعلا بأنه (قَديمٌ بلا ابتدَاء) ولا بأس به، لكن لا بأس به لأنه مشتمل على معنى صحيح، فلما قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء) انتفى المحذور فصار المعنى حقا، ولكن من جهة الإخبار، أما من جهة الوصف وصف الله بالقدم فهذا أضيق لأنه لا بد فيه من دليل، وكذلك باب الأسماء وهو تسمية الله بالقديم هذا أضيق فلا بد فيه من اجتماع الشروط الثلاثة التي ذكرتُ لك.
والشروط الثلاثة غير منطبقة على اسم القديم، وعلى نظائره كالصانع والمتكلم والمريد وأشباه ذلك، فإنها:
أولا: لم تَرِدْ في النصوص فليس في النصوص اسم القديم، ولا اسم الصانع، ولا اسم المريد، ولا اسم المتكلم، ولا المريد، ولا القديم، أما الصانع فله بحث يأتي إن شاء الله.
والثاني: اسم القديم لا يدعا الله جل وعلا به؛ يعني لا يُتوسل إلى الله به؛ لأنه في ذاته لا يحمل معنى متعلقا بالعبد فيسأل الله جل وعلا به، فلا يقول يا قديم أعطني، لأنه لا يتوسل إلى الله بهذا الاسم، كما هي القاعدة في الآية ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾[الأعراف:180]، فثَم فرق ما بين التّوسل بالأسماء والتّوسل بالصفات.
والثالث من الشروط الذي ذكرناه: هو أن تكون متضمنة على مدح كامل مطلق غير مختص، وهذا يعني به أنّ المدح، أن أسماء الله جل وعلا هي متضمنة لصفات، وهذه الأسماء لابد أن تكون متضمنةً للصفات الممدوحة على الإطلاق، غير الممدوحة في حال والتي قد تذم في حال، أو ممدوحة في حال وغير ممدوحة في حال أو مسكوت عنها في حال، وذلك يرجع إلى أنّ أسماء الله جل وعلا حسنى؛ يعني أنها بالغة في الحسن نهايتَه، ومعلوم أن حسن الأسماء راجع إلى ما اشتملت عليه من المعنى؛ ما اشتملت عليه من الصفة، والصفة التي في الأسماء الحسنى والمعنى الذي فيها لا بد أنْ يكون دالا على الكمال مطلقا بلا تقييد وبلا تخصيص. فمثل اسم القديم، هذا لا يدلّ على مدح كامل مطلق، ولذلك لما أراد المصنف أنْ يجعل اسم القديم أو صفة القِدم مدحا قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء)، وحتى الدائم هنا قال (دَائمٌ بلا انْتهاء)، لكن لفظ القديم قيّده بقوله(بلا ابتدَاء) فهذا يدل على أن اسم القديم بحاجة إلى إضافة كلام حتى يُجعل حقا وحسنا ووصفا مشتملا على مدح حق، لهذا نقول إنّ هذا الأسماء التي تُطلق على أنها من الأسماء الحسنى يجب أن تكون مثل ما قلنا صفات مدح وكمال ومطلقة غير مختصة، وأمّا ما كان مقيدا أو ما كان مختصا المدح فيه بحال دون حال، فإنه لا يجوز أن يدخل في أسماء الله.
ولهذا مثال آخر أبْيَن من ذلك، مثل المريد والإرادة، فإن الإرادة منقسمة إلى:
 إرادة محمودة؛ إرادة الخير إرادة المصلحة، إرادة النفع، إرادة موافقة للحكمة.
 والقسم الآخر إرادة الشرّ، إرادة الفساد، إرادة ما لا يوافق الحكمة، إلى آخره.
وهنا لا يسمى الله جل وعلا باسم المريد، لأنّ هذا منقسم، مع أن الله جل وعلا يريد سبحانه وتعالى، فيُطلق عليه الفعل، وهو سبحانه موصوف بالإرادة الكاملة، ولكن اسم المريد لا يكون من أسمائه لما ذكرنا.
وكذلك اسم الصانع لا يقال أنه من أسماء الله جل وعلا؛ لأن الصنع منقسم إلى ما هو موافق للحكمة، وإلى ما هو ليس موافقا للحكمة، والله سبحانه وتعالى يصنع وله الصنع سبحانه، كما قال ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾[النمل:88] وهو سبحانه يصنع ما يشاء وصانع ما شاء كما جاء في الحديث «إِنّ اللّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ» سبحانه وتعالى، ولكن لم يسمَّ الله جل وعلا باسم الصانع لأنّ الصُّنع منقسم.
أيضا اسم المتكلم، المتكلم لا يقال في أسماء الله جل وعلا المتكلم؛ لأن الكلام الذي هو راجع إلى الأمر والنهي، منقسم: إلى أمر لما هو موافق للحكمة؛ أمر محمود، وإلى أمر بغير ذلك، ونهي عمّا فيه المصلحة؛ نهي عمّا فيه الخير، ونهي عما فيه الضر، والله سبحانه وتعالى نهى عمّا فيه الضرر، ولم ينهَ عما فيه الخير جل وعلا، بل أمر بما فيه الخير، ولذلك لم يسمَّ الله جل وعلا بالمتكلم.
هذه كلها أطلقها المتكلمون على الله جل وعلا، فسموا الله بالقديم، وسموا الله جل وعلا بالمتكلم، وسموا الله جل وعلا بالمريد، وسموا الله جل وعلا بالصانع، إلى غير ذلك من الأسماء التي جعلوها لله جل وعلا.
فإذا تبين لك ذلك فإن الأسماء الحسنى هي ما اجتمعت فيها هذه الشروط، واسم القديم لم تجتمع فيه الشروط؛ بل لم ينطبق عليه شرط من هذه الشروط الثلاثة.
والمؤلف معذور في ذلك بعض العذر؛ لأنّه قال (قَديمٌ بلا ابتدَاء).
الخالق غِير والصانع غِير.
الخالق أولا جاء في النص، والصّانع ما جاء.
ومن جهة المعنى الصُّنع فيه كَلَفَة؛ فليس ممدوحا على كل حال، والخَلق هذا إبداع وتقدير فهو ممدوح.
الخلق منقسم إلى مراحل، وأمّا الصنع فليس كذلك؛ والله الخالق البارئ المصور، فالخلق يدخل من أول المراحل، والصنع لا، الصنع ليس كمالا، ممكن يصنع ما هو محمود ويصنع ما هو مذموم، يصنع بلا برء ولا إنفاذ، وقد يصنع شيئا لا يوافق ما يريده.
فلهذا اسم الخالق يشتمل على كمال ليس فيه نقص، وأما اسم الصانع فإنه يطرأ عليه أشياء فيها نقص من جهة المعنى ومن جهة الإنفاذ، لذلك جاء اسم الله الخالق ولم يجيء اسم الله الصانع .
المسألة الثالثة والأخيرة: المتعلقة بهذه الجملة أن قوله (قَديمٌ) و(دَائمٌ) كما ذكرنا عند أهل السنة يعبّر عنه بالأول والآخر كما جاء في النص، والله سبحانه وتعالى أوليته عند أهل السنة في ذاته وفي صفاته، وآخر سبحانه في ذاته وفي صفاته، فهو سبحانه لم يزل متصفا بالصفات، وهو أولٌ بصفاته، وهو سبحانه لن ينقطع اتصافه بصفاته سبحانه وتعالى من الجهة الأخرى؛ يعني أن آخريته سبحانه آخرية ذات وصفات، وأوليته سبحانه أولية ذات وصفات، فنقول عِلْم الله سبحانه وتعالى أَوَّل، ورحمة الله جل وعلا أُولى، وخلقه سبحانه أول يعني اتصافه بهذه الصفات كذاته سبحانه، فهو الأول الذي ليس قبله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، وهذا سيأتي له مزيد بيان عند قوله (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً قَبْلَ خَلْقِهِ، لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئاً، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ، وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا).
المقصود أنّ التعبير عن صفات الله جل وعلا بكونها أُولى والله جل وعلا أوّل بذاته وصفاته هذا الموافق للنص، أما نقول الكلام القديم أو خلْقه القديم أو حكمته القديمة وأشباه ذلك فإنّ هذا يرد وأيضا يحتمل معنى غير صحيح.
الجملة الثانية قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ)، وكونه سبحانه (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) ذلك لكمال حياته جل وعلا ولكما قيوميته دلّ على ذلك قوله سبحانه ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن:26-27] ويدل عليها قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص:88] بأحد التفسيرين، ويدل عليها قوله جل وعلا ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾[البقرة:255] وذلك لكمال حياته وكمال قيوميته، وإذا انتفى الأدنى انتفى الأعلى من باب أولى، ولهذا قال (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) سبحانه وتعالى، وأراد المصنف بقوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) أراد شيئين فيما يظهر:
الأول: أن هذا فيه مزيد وقر لله جل وعلا بكمال الحياة وكمال القيومية جل وعلا، وتفسير لقوله (دَائمٌ بلا انْتهاء).
والثاني: أنّ بعض أهل البدع زعموا أنّ بعض صفات الله جل وعلا تفنى، أو أن بعض آثار أسمائه جل وعلا يبيد، ونحو نطلق القول لأنه جل وعلا لا يفنى ولا يبيد سبحانه وتعالى في ذاته وفي أسمائه وصفاته، ولا نقيّد ذلك بالزمن المستقبل بشيء، بل نقول وعلى إطلاقه لأنه سبحانه آخر ليس بعده شيء، وأنه لا يزال متصفا بصفاته بمشيئته وقدرته جل وعلا.
فإذن قوله (لا يَفنَى ولا يَبيدُ) هذا لكمال ربوبيته سبحانه وكمال اتصافه بالصفات.
ثم قال (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) وهذه الجملة الأدلة عليها كثيرة من الكتاب والسنة؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[الإنسان:30]، وقال سبحانه ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[التكوير:29]، و«ما شَاءَ الله كَانَ وَما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْنْ » والله سبحانه يشاء الأشياء فتكون كما شاءها جل وعلا، ولا تخرج مشيئة العبد عن مشيئة الله جل وعلا للأشياء.
وقوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) يريد به المشيئة؛ يعني لا يكون إلا ما يشاءه سبحانه، فالإرادة هنا المعني بها الإرادة الكونية، وأراد بهذه الجملة الرد على القدرية الذين يزعمون أنّ الرب جل وعلا أراد طاعة المطيع، وأراد إيمان المؤمن؛ أراد إيمان المكلف، ولكن المكلف أراد الكفر وأراد المعصية فكان ما لم يرد الله جل وعلا، وهذا قول الذين يقولون إنّ العبد يخلق فعل نفسه كما هو قول المعتزلة وبعض الطوائف أيضا من القدرية، يقولون إن العبد يخلق فعل نفسه وأنّ الله جل وعلا لا يخلق الفعل، فيحصل في الكون ما لا يريده جل وعلا لأن الله سبحانه لا يريد الكفر ولا يريد الضلال ولا يريد المعصية، وهذا القول باطل كما ذكرنا لك لأن الإرادة المراد بها هاهنا الإرادة الشرعية.
وهنا نخلص في هذه الجملة إلى مسائل:
المسألة الأولى: أنه أراد بقوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) أراد بالإرادة هنا المشيئة، والإرادة؛ إرادة الله جل وعلا منقسمة إلى:
 إرادة كونية؛ يعني فيما يحصل في كون الله جل وعلا.
 والإرادة شرعية.
أما الإرادة الكونية فكثيرة في النصوص وهي مرادفة للمشيئة، فمشيئة الله هي الإرادة الكونية، فإذا قلنا شاء الله كذا؛ يعني أراده كونا.
أما المشيئة فلا تنقسم إلى مشيئة كونية وإلى مشيئة شرعية؛ بل هي نوع واحد هو مشيئة في كونه، أما الشرع فإنما يوصف بإرادة شرعية.
وهذا يعني أنّ الإرادة الكونية التي هي المشيئة هي التي لا يخرج أحد عنها، فقد يقع الشيء مأذونا من الله جل وعلا؛ شاءه الله سبحانه وتعالى كونا وقدرا، ولكنه لم يُرده شرعا ولم يُرده دينا، فتختلف الإرادتان إذا تعلقت بمعصية العاصي وكفر الكافر، فمِن جهة معصية العاصي وقعت بإرادة الله الكونية ولكنها لم تقع بإرادة الله الشرعية، والله سبحانه قال ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾[غافر:31] وقال سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾[البقرة:185]، وفي المشيئة قال جل وعلا ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[الأنفال:29] وهذا راجع إلى عِلم الله جل وعلا فيهم بأنه سبحانه ما شاءه وما لم يشأه لم يكن سبحانه وتعالى، ولو عَلم الله سبحانه فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون؛ يعني في عِلم الله جل وعلا فيما لم يقع، ولن يقع، لو وقع، ولو شاءه كيف يكون.
فإذن صارت مشيئة الله جل وعلا هي الإرادة، والإرادة مرتبطة بالعلم وبالحكمة، وهذا خلاف الإرادة الشرعية فإن الإرادة الشرعية مطلوبة من العبد؛ أَمْر، أَمَرَ بكذا، وَنَهَى عن كذا، فصار المأمور به والمنهي عنه مرادا له شرعا.
فإذا تبين هذا فإذن قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا راجع إلى الإرادة الكونية فقط، والذين لم يفرقوا ما بين الإرادتين وقع منهم الغلط في معصية العاصي وضلال الكافر فيما سيأتي بيانه إن شاء الله في موضعه من مباحث القدر.
المسألة الثانية: أن قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) فيه تداخل مابين إرادة الله جل وعلا وإرادة العبد، وإرادة العبد هي مشيئته، وهي خارجة عن رؤية الحكمة، وأما إرادة الله جل وعلا الكونية فيه منظور فيها بالحكمة، فالله سبحانه يريد بما يوافق الحكمة، والعبد يريد ما لا يوافق الحكمة وقد يريد ما يوافق الحكمة، وإذا كان كذلك فإرادة الله جل وعلا بالعبد موافقة للحكمة سواء تعلقت بالمعين أو تعلقت بالمجموع، وهذا يعني أنّ إرادة العبد فيما يريده خارجة عن مقتضى حكمة الله جل وعلا؛ إذا أراد شيئا في نفسه له يعني له بخصوصه، والله جل وعلا يريد من العبد ما يوافق حكمته، فقد تجتمع الإرادتان فيما فيه حكمة لله جل وعلا، وقد تختلف الإرادتان فيما كان يريده العبد ولا يوافق حكمة الله جل وعلا، وهذا يعني أن العبد قد يتجه بإرادته إلى شيء فيصرف عنه لعدم موافقة حكمة الله جل وعلا في نفسه؛ يعني فيما يتعلق بالعبد أو فيما يتعلق بالمجموع، والله جل وعلا قد يريد الشيء كونا، ولا يكون إلا ما يريد لموافقته للحكمة في خصوص العبد في نفسه، أو ظهور الحكمة في نفسه أو لظهور الحكمة في المجموع؛ يعني في غيره.
ولهذا نقول ما من شيء يريده الله سبحانه وتعالى في ملكوته إلا وهو موافق للحكمة، والشر ليس إلى الله جل وعلا؛ بل الله سبحانه لا يوصف أو لا يضاف إليه إلا الخير، وأما العبد فقد يريد الشيء فيكون بالنسبة له شرا فيخرج من هذه الجهة عن كونه موافقا للحكمة؛ يعني حكمة العبد ومصلحته، ولكنه بالنسبة لفعل الله جل وعلا وإرادته يوافق الحكمة التي هي منظور فيها إلى المجموع.
وهذا يعني أن إرادة الله جل وعلا في ملكه إنما تكون على وفق الحكمة، وحكمة الله هي القاضية لهذه الأشياء جميعا في الإرادات، وهذا فيه رد على طوائف كثيرة من المبتدعة في مسائل القدر يأتي بيانها مفصلا إن شاء الله في موضعها في تعريف الظلم والعدل، وفي التحسين والتقبيح، وفي أيضا الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وفي وقوع المعصية ووقوع الكفر، وفي فعل العبد بنفسه، هذه مسائل كبيرة تحتاج إلى بيان وتفصيل في موضعها.
المقصود من ذلك أنّ قوله (ولا يكونُ إلا ما يُريدُ) هذا موافق لما -أو تضيف عليها عبارة- أنّ ما يريده موافق لمقتضى الحكمة المطلقة سواء وافقت العبد العين أو وافقت المجموع، فالله سبحانه الشر ليس إليه كما وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الدعاء «وَالشّرّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ففعله سبحانه خير محض، وقد يأذن بالشر المضاف إلى العبد، ولا يكون شرا بالنسبة إلى إرادته سبحانه، والله ما يريد ظلما للعباد، ولا يريد شرا بالعباد، وإنما العباد أرادوا ذلك بأنفسهم، وإذا وقع ذلك فإنما يقع بالإضافة إلى فعل العباد، وليس مضافا إلى الله سبحانه لأنّ فعله سبحانه خير محض.
قال في الجملة بعدها (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) هذا يَرُد به على المجسمة والمعطلة جميعا، (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) يعني أنّ تفكير المفكر ونظرَه بخياله لا يمكن أن يبلغ بخياله وفكره وصف الله جل وعلا ولا كُنْهَ ذاته سبحانه وتعالى، فليست الأفهام موضوعة لإدراكه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾[الأنعام:103] سبحانه.
و(لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) يعني مهما فكر العبد فلن يبلغ كُنْهَ ذاته سبحانه ولا كُنْهَ اتصافه بصفاته جل وعلا، ولا يمكن للأفهام مهما عَلَت أن تدرك ذلك.
ففيه رد على المجسمة الذين جعلوا الله جل وعلا جسما كالأجسام.
وفيه رد على المعطلة الذين جعلوا الله جل وعلا معطَّلا عما وصف به نفسه، لأنه شبهوا أولا، ثم عطلوا ثانيا، فقام بقلوبهم في صفات الله أنها على صفة شيء معين، فمنعوا ذلك، فدخلوا بأوهامهم وأفهامهم في تحديد كُنْه الاتصاف بالصفة، ثم عطلوا ونفوا ثانيا.
وفيه رد على المتصوفة؛ غلاة المتصوفة أيضا وهي الطائفة الثالثة الذين زعموا أنّ العبد بالرياضة قد يبلغ إلى مرتبة يرى فيها الرب جل وعلا، وأنه يمكن إذا فَنِي عن المحسوسات أن يدرك بوهمه غير المحسوسات يعني الغيبيات، وهذا هو الذي يسمونه الفناء بالدرجة العليا عندهم، وهو أن يفنى عن المخلوق فيبقى في رؤية الخالق جل وعلا.
إذا تبين ذلك، ففي قوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) مسائل:
المسألة الأولى: أن القاعدة العقلية المتفق عليها ( ) .........﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل:78]، فمعرفة الإنسان باتفاق العقلاء والحكماء واتفاق أهل الشرع أنها إنما تكون شيئا فشيئا، وهذا هو الذي يسمى عند الفلاسفة بنظرية المعرفة، أو نظرية حصول المعارف، وهي كما قلنا تأتي شيئا فشيئا وهي مبنية على قسمين:
القسم الأول: أن هناك أشياء يدركها بحواسه؛ بالمس، بالبصر، بالشم، بالذوق، بالسماع, بحواسه يدرك، وهذا نوع من تحصيل المعارف، نوع من المعارف يحصل للإنسان بحواسه، هذا أول ما يبدأ بها الصغير.
والقسم الثاني: ما يحصل بعقله وإدراكه، وهذا مبني على المقارنة.
هذا القسم الثاني مبني على الأول، وهو أنه يقارن الأشياء مع ما أحسها، فالمحسوسات أدركها بعينه وبشحمه وبذوقه وبسمعه وبلمسه للأشياء، هذه سمي ضرورية؛ لأن وجودها لا يحتاج إلى برهان، وغيرها مما يحصل به المعرفة، إنما يكون منسوبا عنده بهذه الأشياء، فيرى مثلا هذا العمود، فيراه بإحساسه ذا حجم، ثم يرى عمودا آخر أصغر منه، فيراه مختلفا عنه بالطول، فعقد المقارنة فقال هذا أصغر من هذا، ثم عقد المقارنة فقال هذا أكثر من هذا، عقد المقارنة بين الألوان فقال هذا أبيض وهذا أسود وهذا أحمر, عقد المقارنة بين الأشياء الحرارية فقال هذا بارد وهذا متوسط وهذا دافئ وهذا حار إلى آخر ذلك، وهذا نتحصّل منه على القاعدة المتفق عليها بين القائلين بنظرية المعرفة، وهي صحيحة شرعا على القدْر الذي ذكرتُ لك بأنه لا يمكن للوَهَم؛ وهم الإنسان، ولا يمكن لفهمه أن يدرك شيئا ولا أن يبلغه وهمه وفهمه إلا:
إذا رآه.
أو أحس بأحد الحواس.
أو رأى ما يماثله ويشابهه ويقيس عليه.
أو رأى ما يقيسه عليه ولو لم يَرَ ما يماثله أو يشابهه إذا أمكن القياس.
فمثلا نذكر صفة حيوان ما, إذا قيل لك هناك حيوان اسمه.... ( )أي اسم، فأنت مباشرة تتصور ولو لم تعرف حقيقته، أنه ما دام حيوان يمكن أن تقيس لتخرج بعض الصفات لأن ابتدأنا وقلنا حيوان، فإذا قلت أنه أكبر من الفيل ذهبت إلى شيء آخر, إذا قلت أنه أصغر من الفيل بدأت تحدد تقرب عندك؛ لأنك أدركت هذه الأشياء بما رأيت، أو بما يمكنك أن تقيس عليه، لهذا يمكن أن نقول لا يمكن لأحد أن يدرك شيئا ولا أن يتحصل منه على معرفة يبلغها وهمه ويدركها فهمه: إلا إذا رآه، أو رأى مثيله وشبيهه، أو رأى ما يقاس عليه. المثيل والشبيه، مثلا تقول أكلنا خبزا في بلد كذا، ما دام ذكرت الخبز. نحن أكلنا الخبز, هناك إذا قلنا لك الخبزة طولها ثلاثة أمتار فنأخذها ونقطعها، تعرف أن الخبز دقيق أوبر إلى آخره، فعرفت مثيله أو شبيهه، فيمكن أن تدرك الآخر برِؤيتك لما يدخل معه في الشبيه أو في المثلية.
الله سبحانه وتعالى لن تدركه الحواس سبحانه وتعالى ولم يُرَ مثيل له أو شبيه له، ولم يُرَ ما يمكن أنْ يقاس الحق عليه جل وعلا.
ولذلك دخول المعرفة أو إدراك المعرفة أو حصول المعرفة بالله جل وعلا لا يمكن أن تكون بالأوهام أو بالأفهام أو بالأقيسة أو بما تراه.
ولهذا احتاج الناس إلى بعثة الرسل تبين لهم صفة ربهم جل وعلا وصفة خالقهم؛ لأنه جل وعلا لم يُر، ولم يدرك مثله، ولا ما يشبهه سبحانه، ولا ما يمكن أيضا أن يقاس على شيء، كذلك كان لابد من بعثة الرسل لبيان ذلك، وهذا يعني أنه سبحانه (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ) كما ذكرها المصنف.
فإذن كونه (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) مُنْطلِق من مسألتين كبيرتين ذكرتهما لك في هذه المسألة.
المسألة الثانية: أنّ (الأوْهَامُ) و(الأفْهَامُ) هذه عَبَّر عنها بقوله (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ) في (الأوْهَامُ)، وفي (الأفْهَامُ) قال (ولا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ)، وهذا راجع إلى أن الوهَم يعني ما يتوهمه الإنسان غير ما يفهمه، فالوهم راجع إلى الخيال، والفهم راجع للأقيسة والمقارنة، ولهذا الرب جل وعلا لا يمكن تخيله، ولا يمكن أيضا أنْ يُفَكر فيه فيدرك، هذا معنى قول الله جل وعلا ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾[الأنعام:103] سبحانه وتعالى، (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) سبحانه، هنا الأبصار يأتي معنى البصر؛ هو سبحانه لا يحيط به البصر لأهل الإيمان في الآخرة، وفي الدنيا لا تدركه الأبصار أيضا التي هي الرؤى والعيون، وكذلك الأبصار التي هي الأفهام والأوهام لا تدركه جل وعلا، فالفهم إذن منقطع، والوهم إذن منقطع، لهذا قال بعض السلف ”ما خطر ببالك فالله جل وعلا بخلافه“, لما؟ لأنه ما ذكرتُ لك أنّه لا يمكن أنْ يخطر ببالك أن تتخيل إلا شيء مبني على نظرية المعرفة من قبل، وهذا مقطوع يقيني.
إذن فصار الأمر أنّ إثبات الصفات لله جل وعلا بأنواعها مع قطع الطَّمع في بلوغ الوهم لها من جهة الكيفية والكُنْه، وكذلك من جهة إدراك الأفهام لتمام معناها, فمن الجهتين:
كنه الصفة؛ الكيفية.
وكذلك تمام المعنى.
هذا لا يمكن أن تبلغه الأفهام، ولا يمكن أن تدركه الأوهام.
نقف عند هذا القدر وهذه الجمل في أولها، مثل ما ذكرت لك راجع إلى مسائل مختلفة لا ينتظمها زمام، ويأتي بعد ذلك المسائل العقدية بتفصيلها إن شاء الله تعالى.
الأسئــــلة:
 ذكر سؤال, سؤال يرجع إلى شرح كشف الشبهات ذكرناه بتفصيلها: ما الفرق بين بلوغ الحجة وفهم الحجة.
 يقول عن القاعدة التي ذكرتم؛ وهي أن الاسم إذا كان منقسما فإن فان الاسم لا يطلق على الله، فماذا يقال في الباسط والقابض، فإن هذين الاسمين منقسمين فالبسط يمكن أن يكون بالخير ويمكن أن يكون بالشر, وكذلك القبض قد يكون للخير وقد يكون للشر؟
هذا سؤال جيد، وجوابه راجع إلى معرفة أنّ الأسماء الحسنى منها ما لا يكون كمالا إلا مع قرينه، مثل الخافض الرافع، الرافع لما اقترن بالخافض صار كمالا, ومثل القابض الباسط، الله جل وعلا قال﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ﴾[البقرة:245] القابض الباسط سبحانه وتعالى, الضار النافع جل وعلا، فثَم من الأسماء الحسنى ما لا يكون دالا على الكمال بمفرده، ولا يسوغ التعبيد له، مثل الضار هو من الأسماء الحسنى، ما نقول عبد الضار وأشباه ذلك، مثل المميت، المحيي المميت، ما نقول عبد المميت؛ لأن هذه الأسماء تطلق على وجه الكمال وتكون حسنى مع قرينتها، لهذا تجد أنها ملازمة للاسم القرين، لهذا نقول الباسط صار كمالا بالقابض، فيطلق منفردا لأن كماله باسم الله القابض، والقابض أيضا هو كمال باسم الله الباسط لكنه لا يعبّد له كما يعبد للباسط، ومثله النافع والضار، الضار كماله بالنافع والنافع كماله بالضار، وأنه يدل على القهر والجبروت لله جل وعلا، وكذلك المحيي والمميت. وهذا يأتينا عند قوله إن شاء الله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ).
 لماذا تقولون أنّ عقيدة أهل السنة والجماعة من عقيدة التابعين، ونجد كثيرا من التابعين قد غلط في الأسماء والصفات؟ وهل نقول عقيدة الصحابة ولا نقول عقيدة التابعين؟
أولا من حيث الأدب في السؤال لا يناسب بطالب العلم أن يسأل بقوله (لماذا تقولون؟) (لماذا) فيه منافاة لأدب المتعلم مع المعلم، هذه واحدة.
الثانية قوله (نجد كثيرا من التابعين قد غلط في الأسماء والصفات) التابعون إذا أراد بالذين غلطوا في الأسماء والصفات من أدركوا الصحابة، فليس هؤلاء بالتابعين للصحابة بإحسان، لهذا قال جل وعلا ﴿ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾[التوبة:100] فليس كل من تبع فجاء تابعا للصحابة يكون محمودا، لهذا نقول عقيدة الصحابة والتابعين. المراد بالتابعين الذين أثنى الله عليهم بأنهم تبعوهم بإحسان، أما الذين تبعوا الصحابة زمانا وخالفوهم عقيدة، وابتدعوا في الأسماء والصفات أو في القدر أو في الإيمان، كالخوارج والمرجئة والقدرية وأشباه هؤلاء، هؤلاء لا يدخلون أصلا في التابعين بإحسان، خير الناس قرن الرسول صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، والمراد من كان منهم على الحق.
إن أراد السائل بعض الغلط المروي عن التابعين من أهل السنة؛ يعني من الذين تبعوا أهل السنة بإحسان، فإنه لا يقال أنهم غلطوا في الأسماء والصفات، وإنما حصل بعض العبارات التي يُنازعون فيها؛ لأنهم اجتهدوا، ولا يقال إنهم غلطوا في ذلك، ولكن لهم اجتهدوا فينسب إليهم اجتهادهم ولا يعابون لا يعتبرون غلطوا، ما فيه مسألة يقال غلطوا فيها في الصفات؛ التابعين بإحسان، ولا غلطوا في الأسماء؛ لأنه من غلط في هذا الأمر في أصل من أصول الصفات أو من الأسماء فإنه يكون من التابعين بإحسان.
 ورد في الحديث «نعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِك الْقَدِيمِ »؟
هذا معروف في البحث، السلطان هنا المقصود به الخَلق؛ يعني الملكوت أو يقصد به الصفة المتعلقة بذلك، وهذا فيه بحث زيادة على ما ذكرت، ولكن هذه الكلمة لا تعني أن القديم من أسماء الله جل وعلا، أو أنه من صفاته سبحانه؛ لأنه وصف به سلطانه سبحانه «أَعُوذُ بِوَجْهِ الله الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ» سلطان الله القديم الذي هو صفة تدبيره سبحانه، وهذه ليست راجعة إلى الاسم القديم الذي يدل على الذات، كما هو معلوم أن الأسماء تدل على الذات وتدل على الصفات.
ما الفرق بين الصفات والأفعال في قولك باب الصفات أضيق من باب الأفعال؟
يعني قد يكون هناك أفعال تضاف إلى الله جل وعلا، ولا نشتق منها صفة نصف بها الرب جل وعلا، فباب الأفعال أضيق من باب الصفات،( ) فليس كل فعل أطلق أو أضيف إلى الله جل وعلا من فعله سبحانه نشتق منه صفة من الصفات، كذلك ليس كل ما جاز أن يُخبَر به عن الله جل وعلا جاز أن نجعله اسما له سبحانه، أو أن نجعله صفة له سبحانه، وكذلك ليس كل صفة لله جل وعلا يجوز أن نشتق منها اسم، مثل مثلا الصُّنع الله جل وعلا قال في آخر سورة النمل ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾[النمل:88] فالصنع هذا صفة (صُنْعَ اللَّهِ)، (صُنْعَ اللَّهِ) لكن لا يجوز أن نشتق منها الصانع، لأنه كما ذكرنا الشروط لا بد أن تكون:
أولا: جاء في الكتاب والسنة.
والثاني: أن يكون يدعى بها، واسم صانع لا يدعى به الرب جل وعلا، لا نقول يا صانع اصنع لي كذا؛ لأنه لا يتوسل إلى الله به.
والثالث: أنه ليس مشتملا على مده كامل مطلق غير مختص.
باب الأفعال مثل ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾[البقرة:15]، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وهنا ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾[الأنفال:30]، (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) جاء إضافة الأفعال هذه إلى الله جل وعلا، ما نقول نشتق منها صفة فيوصف الله بالمكر ويوصف اله بالاستهزاء وأشباه ذلك، هذا غلط؛ لأن باب الأفعال كما ذكرنا أوسع من باب الصفات، وباب الصفات أضيق؛ لأن المكر منقسم (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) جاء هنا إضافة (يَمْكُرُ) إلى الله جل وعلا (يَمْكُرُ اللَّهُ) لكن المكر صفة منقسمة إلى:
 المكر الذي هو بحق، وهو ما دلّ على كمال وقهر وجبروت وهو المكر بمن مكر به سبحانه، أو مكر بأوليائه، أو مكر بدينه، هذا مكر حق.
 ومكر مذموم وهذا ما كان على غير وجه الحق.
فإذا كان كذلك، ما نقول أن من صفة الله الاستهزاء، كذلك الملل لا نقول من صفات الله الملل، وأشباه ذلك «إِنّ الله لاَ يَمَلّ حَتّى تَمَلّوا» أُطلق الفعل لكن لا نشتق منه الصفة؛ لأن الصفة منقسمة، كذلك من الصفة إلى الاسم، وهذا فيه قواعد ذكرها ابن القيم رحمه الله في أول ”بدائع الفوائد“.
نقف عند هذا...

بسم الله الرحمن الرحيم
 نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله:
إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ.
وَلا شيءَ مثْلُهُ، وَلا شَيْءَ يُعْجزُهُ، وَلا إلهَ غَيْرُهُ.
قَديمٌ بلا ابتدَاء، دَائمٌ بلا انْتهاء.
لا يَفنَى ولا يَبيدُ، ولا يكونُ إلا ما يُريدُ.
لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْركُهُ الأفْهَامُ.
وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ.
حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ.
خَاِلقٌ بِلا حَاجَة، رَازقٌ بلا مَؤُونَة.
مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ.
مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً قَبْلَ خَلْقِهِ، لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئاً، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ، وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا.
ليسَ منذُ خَلَقَ الخلْق اسْتَفَادَ اسمَ ”الخَالِق“، ولا بِإحْدَاثِ البريَّةَ استفادَ اسمَ ”الباري“.
له معنى الرُّبُوبيَّةِ ولا مَرْبُوبَ، ومعنى الخالق ولا مخلُوقَ.
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
اللهم نسألك العلم النافع، والعمل الصالح، والدعاء المسموع، والقلب الخاشع، اللهم تقبل منا أعمالنا، وثبتنا على ما يرضيك، واجعلنا من عبادك المخلصين.
أما بعد:
فهذه الجمل التي سمعنا من هذا المتن العظيم -الذي هو متن العقيدة الطحاوية- متصلة بما قبلها، والكلام فيما تقدَّم كان عن وصف الله جل وعلا بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال.
فقال رحمه الله تعالى في وصفه سبحانه وتعالى (لا تَبلُغُه الأوْهَامُ، ولا تُدْركُهُ الأفْهَامُ، وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ.) وهذه كما ذكرنا لك فيما سلف عامة في جميع الصفات، وأنّ صفات الحق جل وعلا لا تشبه صفات الأنام بالقيد الذي ذكرناه لك مفصلا فيما سلف، وبعدها ذكر جملة من ما يُفارق به وصف الله جل وعلا صفة المخلوق فقال بعد قوله (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ): (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ، خَاِلقٌ بِلا حَاجَة، رَازقٌ بلا مُؤونَة، مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) وهذه الصفات هي صفات وأسماء للحق جل وعلا، فإنّ صفة الحياة ثابتة له جل وعلا، وكذلك صفة القيومية وصفة الخلق والرَّزق والإماتة والبعث له سبحانه، وهو سبحانه المحيي والحي وهو القيوم جل وعلا كما قال سبحانه ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾[البقرة:255]، ﴿الـم(1)اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[آل عمران:1-2]، وكذلك صفة الخَلق وصفة الرَّزق وغير ذلك من الصفات، فالأسماء، أسماء الله جل وعلا كما هو معلوم مشتملة على صفات، وصفات الحق جل وعلا مباينة لصفات المخلوق من جهات:
الجهة الأولى: أنّ الرب جل وعلا يتصف بالصفة على وجه الكمال، والمخلوق يتصف بالصفة على وجه النَّقص.
والوجه الثاني: أن الرب جل وعلا صفاته متلازمة؛ لأنه سبحانه له الكمال المطلق، وله الصفات العلا الكاملة من كل وجه، وأما المخلوق فصفاته غير متلازمة بل قد يكون فيه جملة من صفات النقص، ويكون ثَم فيه بعض الصفات التي هي كمال قي حقه، وإن كانت في الجملة لا يتصف بها إلا لنقصٍ فيه.
والوجه الثالث: أنّ اتصاف المخلوق بالصفات وإن كان في أصل المعنى اشترك مع صفات الحق جل وعلا لكنه اتصف بها على وجه الحاجة إليها، وأما الرب جل وعلا فهو متصف بصفاته لا على وجه الحاجة إلى آثار الأسماء والصفات؛ فمثلا المخلوق يُقدِّر أو يقيم الأشياء لحاجته، ويخلق ما يخلق لحاجته، والله سبحانه وتعالى (خَاِلقٌ بِلا حَاجَة) ويهب المخلوق ويرزقه لحاجته، والله سبحانه وتعالى يهب ويرزق ويُعطي وهو الغني جل وعلا ﴿أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[فاطر:15]، وهكذا في بقية الصفات.
فإذن اتصاف المخلوق بالصفات التي يشترك فيها من حيث أصل المعنى مع الرب جل وعلا هو اتصاف على سبيل النقص، وهذا الاتصاف مع ضميمة ما سبق أنْ ذكرنا لك فيما سلف لا يشبه فضلا أن يماثل صفات الرب جل وعلا.
لهذا فصَّل الطحاوي رحمه الله بعد قوله (وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ) بعض صفات الحق جل وعلا التي يتصف بها وفارق بها صفة المخلوق الذي ربما اتصف بتلك الصفات، فقال رحمه الله(وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ. حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ) وكونه جل وعلا حيا، هذا دل عليه العقل ودل عليه السمع؛ يعني دل عليه الكتاب والسنة، وقبل ورود الكتاب والسنة فالعقل يدل على أن الله جل وعلا موجود بفطرة الدلائل وتواترها وتتابعها على وجود الحق جل وعلا، وكونه سبحانه وتعالى موجودا يدل باللازم الذي لا انفكاك منه على أنّه حي سبحانه وتعالى، وحياته جل وعلا تدل على أنه متصف بصفات كثيرة.
فإذن صار اسم الله ”الحيّ“ يدل عليه العقل قبل ورود السمع، وكذلك اسم الله ”القيوم“ وصفة القيومية له جل وعلا هذه أيضا يدل عليها العقل ويدل عليها السمع لأنه سبحانه هو الذي أقام الأشياء، فكونه هو الخالق للأشياء يدل عقلا أنه هو الذي أقامها وأنّ قيوميتها به جل وعلا.
إذا كان كذلك فنقول هذان الاسمان ”الحي“ و”القيوم“ قد قيل فيهما -وهو قول قوي، وله حظ من الترجيح- أنهما اسما الرب جل وعلا الأعظمان، فالاسم الأعظم الذي إذا دُعي به الرب جل وعلا أجاب، وإذا سئل أعطى كما جاء في الحديث، هو في سورة البقرة وسورة آل عمران، وفيهما قول الله جل وعلا ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾( )، وهذا له معنى وذلك أن الحي والقيوم بلوازمه؛ بلوازم اسم الحي وما يلزم من اسم القيوم يقتضي جميع الأسماء التي هي من أفراد الربوبية والصفات التي هي من أفراد الربوبية، ولهذا عُلِّق إعطاء السائل سؤله في هذين الاسمين الأعظمين؛ لأن إجابة السؤال وإجابة السوَّال وإعطاء الداعي ما دعا هذا متعلق بربوبية الله جل وعلا، فإذا انظم إليها إدانة العبد وإقراره بتوحيد الإلهية وأن الله جل وعلا لا إله إلا هو، صار هذا الدعاء (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) متضمنا لتوحيد الإلهية ولتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات، لهذا فإن اسم الحي واسم القيوم هما اسما الله الأعظمان اللذان إذا دُعي بهما أجاب وإذا سئل بهما أعطى، في قول قوي مرجَّح لأحد القولين في اسم الله الأعظم.
إذا تبين لك ذلك ففي قوله (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ) مسائل:
المسألة الأولى: أنّ صفة الحياة مشتركة بين كل مخلوقات الله جل وعلا، وكل حياة لها ما يناسبها، حتى الجماد له حياة تناسبه؛ حتى الشجر والحجر له حياة تناسبه، وإنما سمي جمادا لأنه جامد في الظاهر؛ ليس له حركة ظاهرة، وإلا فإنه ليس بميت يعني لا حراك فيه ولا حياة، وإنما هو ميت باعتبار عدم الحركة، وجماد باعتبار عدم الحركة، ولهذا فإنّ المخلوقات مع الرب جل وعلا في هذا الاسم وفي صفة الحياة هذا اشتراك في أصل المعنى فكل له حياة تناسبه، على حسب القاعدة المعروفة: وهي أن الصفات بما يناسب الذوات. فإثبات الصفات إثبات وجود لله جل وعلا لا إثبات كيفية، وصفات المخلوقات تناسب ذواتهم الوضيعة الضعيفة الفقيرة، وهذا ظاهر أيضا في صفتي السمع والبصر كما قد قررناه لكم مرارا في قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فإنّ صفة السّمع وصفة البصر مشتركة بين أكثر الكائنات الحية، وكذلك الحياة فهي مشتركة بين جميع الكائنات الحية، منها ما حياته بالروح والنفس، ومنها ما حياته بالنماء، ومنه ما حياته خاصة به كالصخور والتراب، وأشباه ذلك ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول كما رواه مسلم في الصحيح «إني لأعلم حجرا بمكة كلما مررت عليه إلا.... ( )
...العبودية، فإذن قول المؤلف رحمه الله (خَاِلقٌ بِلا حَاجَة) ذلك لكمال غناه سبحانه وتعالى وكمال حمده سبحانه كما قال جل وعلا ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾[الذاريات:56-58]، وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث القدْسي «قَالَ اللهُ تعَالَى: يَا عِبَادِي إِنَّي؛ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» إلى أن قال «فإنَّكم لَنْ تَبْلُغُوا ضُرَّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» وقد قال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[فاطر:15].
وكذلك قوله (رَازقٌ بلا مَؤُونَة) وكونه سبحانه يرزق بلا نفقة ينفقها تُنقص مما عنده سبحانه، وبلا تعب، فهو سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، وما يفتح للناس من رحمة فإنه لا ممسك لها، فقد قال سبحانه وتعالى ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾[فاطر:2]، وقال جل وعلا ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64]، وفي حديث أبو ذر المعروف قال «أَرَأَيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السّمَاوَاتِ والأرض, فَإِنّهُ لَمْ يَغِضْ ممّا فِي يَمِينِهِ شَيْئًا»، وهذا لا شك أنه صفة الرب جل وعلا، وأما المخلوق فإنه إذا رزق يرزق بكلفة وتعب، ويرزق لحاجته أن يرزق، ويرزق أيضا لمؤونة تنقص وتزيد، والله سبحانه له الملك الأعظم في ذلك.
فتبين أن معنى قوله (رَازقٌ بلا مَؤُونَة) يعنى بلا كلفة ولا مشقة، أو بلا مؤنة يأخذ منها فتحتاج إلى أن تموَّن، بل هو سبحانه لا ينقص ما يعطي خلقه من ملكه شيئا، ولا يزيد فيه شيئا، وهو سبحانه الرازق بلا مؤونة.
نكتفي اليوم بهذا القدْر، ونكمل إن شاء الله تعالى الأسبوع القادم.
الأسئلـــة:
 هل يوصف المخلوق بكونه خالقا للأشياء؟
الجواب: لا، خلْق الأشياء هذا مختص بالرب جل وعلا، فهو سبحانه وتعالى هو الذي يخلق الأشياء، أما أن يوصف بكونه خالقا، فنعم، لكن لا يقال خالق للأشياء، الأشياء بيد الله جل وعلا، لكن يخلق ما يناسب، كما قال سبحانه ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾[المؤمنون:14]، ويُعنى بالخلق هنا التقدير أو التصوير أو ما يناسبه، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري وغيره «مَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» فأثبت لهم خلقا قال (يَخْلُقُ كَخَلْقِي)، ثم نفى عنهم خلقا فقال (فَلْيَخْلُقوا حَبّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً)، فدلّ على أنّ المخلوق يخلق أشياء؛ بمعنى يصورها أو يقدرها، أما برء الأشياء، أو برء الأمور؛ بمعنى إخراج الصور وجعل فيها حياة فهذه لله جل وعلا، وأما تصنيع الجمادات فهذا نوع من الخلق؛ لأنه تقدير وتصوير.
 يستدل أهل التعطيل والتجسيم بقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى:11] على باطلهم، وقد رد أهل السنة والجماعة بردود عليهم في ورود الكاف والمِثل في الآية، فما هو وجه استدلال المعطلة والمجسمة؟ وما هو الرد الصحيح والوجه الصحيح من ردود أهل السنة في زيادة الكاف؟
سبق أن ذكرناه أظن في الدرس الماضي، أو الذي قبله، في أول الدروس، أو عند قوله ولا يشبهه شيء أو(وَلا يُشْبِهُ الأنَامَ)، أو في أوله عند قوله (وَلا شيءَ مثْلُهُ) ( ).
المقصود أن استدلال المبتدعة بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) مصيرٌ منهم إلى أن المثلية هنا قد تكون ناقصة، فيكون هناك مطلق التشابه منفيا، وهذا سيكون مطلق التشابه منفيا، وقد ذكرنا لكم أنّ المراد هنا المماثلة والمماثلة منفية في كل حال، والمشابهة في الكيفية أو في كمال المعنى؛ يعني في المعنى المطلق أيضا منفي، وأما المشابهة في مطلق المعنى وهو أصله الذي حصل به الاشتراك فإن هذا ليس منفيا؛ لأن هذا أثبته الرب جل وعلا.
 ما هو أفضل كتاب شرح الأسماء الحسنى واعتنى بمعناها؟
أحسن ما أُلف في ذلك فيما أعلم كتاب ”النهج الأسمى“ لأحد طلبة العلم في الكويت محمد الحمود، وهو من أنفع ما كتب في ذلك، ويليه ما فرقه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في كتبه من معاني الأسماء و الصفات.
هل الله جل وعلا محتاج إلى عبادة العابد كما قال﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾[الذاريات:56-57]، فهو لا يحتاج سبحانه للرَّزق ولا للإطعام لكن أثبت العبادة ؟
ما أدري ما وجه السؤال.
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) اللام هنا هذه لام (كي) لام الحكمة وليست لأجل الحاجة.
من صلى الصلاة وهو جنبا حياء؟
من صلى الصلاة وهو جنبا غير متوضئ غير مغتسل، فيجب عليه الإعادة، يسأل أنه صلى بعض الصلوات وهو جنب اكتفى بالتيمم، فيجب أن يعيد الصلوات جميعا، وأن يستغفر الله جل وعلا من كونه صلى صلاة بلا طهارة شرعية كاملة، والله جل وعلا أحق أن يستحيا منه.
 هل يقال أن الصفات الذاتية راجعة إلى صفة الحياة، والصفات الفعلية راجعة إلى صفة القيومية؟
لا، لا يقال ذلك من مثل صفة الرحمة ذاتية باعتبار وفعلية أيضا، ولكنها راجعة أيضا لقيوميته، فهو سبحانه أقام خلقه على الرحمة.
كيف نعرف أن نفي صفة من صفات النقص تدل على الكمال المطلق؟
أي نفي جاء في الكتاب والسنة؛ نفي صفة عن الله جل وعلا فالمراد من هذا النفي إثبات كمال الضد؛ لأن النفي المجرد ليس مدحا وليس كمالا، نفي الصفة عن المتصف أو عمن يتصف بها أو عمن يقال أو تنسب إليه قد يكون لنقصه ولعجزه؛ لعدم علمه و لعدم قدرته، فيقال مثلا فلان لا يسيء إلى أحد؛ لأجل أنّه ضعيف، حتى الكافر المشرك المعاند لا يسيء إليه لضعفه، ويقال فلان مثلا ليس كثير الكلام قد يكون لعجزه عن الكلام بما ينفع، ولهذا قال الشاعر في ذم قبيلة من القبائل:
قُبَيِّلَـة لا يخفـرون بذمـة ولا يظلمون الناس حبة خردل
(قبيلة لا يخفرون بذمة) لعجزهم.
و العرب كانت تفتخر بالاعتداء والقوة، وهو نفى عنهم صفة لأجل عجزهم عنه، وقال (ولا يظلمون الناس حبة خردل) لعجزهم ولهذا وصف الرب جل وعلا إذا نفي... ( )
قوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾[البقرة:255] لكمال حياته، لا لأرقه مثلا أو لاهتمامه بخلقه أو لعدم إرادة تركهم حتى لا يفسد الملك أو نحو ذلك، بل (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) لكمال حياته، يتضمّن النفي إثبات كمال الصفة التي هي ضد ذلك، والنفي المحض كما هو معروف وذكرناه لكم سابقا ليس كمالا.
كذلك ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾[مريم:64] لكمال علمه وإحاطته.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾[الإخلاص:3] لكمال غناه سبحانه وتعالى، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الإخلاص:4] لكمال أَحديته سبحانه، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[الإخلاص:1]، وهكذا لغير ذلك من الصفات.
 الحقيقة الأخ يذكر مسألة يقول أن الصوت غير واضح في المكبر، حبذا لو يشوف إخواننا المؤذن أن يغيروا هذا الجهاز أو يشوفون حل، حتى أنا إذا ارتحت في الإلقاء يكون الاستحضار أكثر.
 بودي لو شرحت كتاب ”عقيدة السلف وأصحاب الحديث“ للصابوني فهو أجمع من شرح متن الطحاوية؛ لأنه حسب علمي لم يُشرح؟
لا، أظن أنّ عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني سبق أنه شرحه بعض المشايخ موجود مسجلا، وأما متن الطحاوية فإنه مرجع، والاهتمام به منهجيا أولى من الاهتمام بعقيدة السلف وأهل الحديث للصابوني؛ لأننا نمشي على منهجية في قراءة الكتب، الشرح يكون على كتاب له صلة فيكون الطالب علميا، وشرح الطحاوية، المقصود أنه يشتمل على مسائل لم تذكر في الواسطية، يشتمل على مسائل لم تذكر في لمعة الاعتقاد ولا في الحموية، فهو مهم من هذه الجهة إضافة إلى أن ثم استدراكات عليه، وهذا مما ينمي طالب العلم، ومشايخنا رحم الله الميت وحفظ الحي يعتنون بشرح الطحاوية لذلك قرر في جامعات المملكة.
 ما حكم تعريف الاسم المضاف إلى الله جل وعلا مثل العبد اللطيف؟
هذا لا يجوز، هذا نبهنا مرارا أنه لا يجوز كتابة هذه، ولا نطقها على هذا الشكل، كتابتها العبد اللطيف أو العبد الله، أو العبد العزيز، أو العبد الكريم بهذا الشكل، أن تكون العبد هكذا معرفة، واللطيف معرفة؛ لأن هذا يجعل اسم الله جل وعلا مشتبها أن يكون نعتا للعبد، هذا لا شك يجب دحضه ويجب رده، وتكتب آل منفصلة، ثم عبد اللطيف، حتى تقرأ: آل عبد اللطيف، آل عبد الكريم، آل عبد العزيز، آل عبد الله، آل عبد الوهاب، وهكذا في نظائرها، طلبة العلم ينبغي ينبهون على ذلك، وربما يجري تنبيه من الجهات الرسمية على هذا الأمر، أنّ هذا فيما يظهر لي أنه من المنكرات لأنه فيه الامتهان لأسماء الله جل وعلا.
أسأل الله لي ولكم العافية وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم
 خَاِلقٌ بِلا حَاجَة، رَازقٌ بلا مَؤُونَة.
مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ.
مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً قَبْلَ خَلْقِهِ، لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئاً، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ، وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا.
ليسَ منذُ خَلَقَ الخلْق اسْتَفَادَ اسمَ ”الخَالِق“، ولا بِإحْدَاثِ البريَّةَ استفادَ اسمَ ”الباري“.
له معنى الرُّبُوبيَّةِ ولا مَرْبُوبَ، ومعنى الخالق ولا مخلُوقَ.
وكما أنَّه مُحيِي الموْتَى بَعْدَما أَحْيَا، استحقَّ هَذَا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهم، كذلِكَ استحقَّ اسْمَ الخَالِق قبْلَ إنْشَائِهم.
ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ، وكلُّ شَيْءٍ إليهِ فَقِيرٌ، وكلُّ أمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ. لا يحتاجُ إلى شَيْءٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد:
فهذه تكملة وصِلة لما تقدم الكلام عليه من بيان معاني جمل هذه العقيدة النافعة؛ عقيدة العلامة أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى.
ووقفنا عند قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) وهذا كالجمل التي قبله، فيها إثبات كمال الرب جل وعلا، وأنه في كمالاته وصفاته غير مماثل لخلقه، بل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فذكر فيها تقدم جملة من صفات الرب جل وعلا وأنه في اتصافه بتلك الصفات لا يماثل المخلوق الذي إذا اتصف بصفة فهو لحاجته لمقتضى تلك الصفة ولضعفه ولافتقاره، والله جل جلاله متَّصف بصفات الكمال التي مرجعها إلى أنه سبحانه هو الغني الحميد، هو الغني غير محتاج لمقتضى صفاته وغير محتاج سبحانه لأثر تلك الصفة، بل هو سبحانه وتعالى فيما يفعل يفعلُ لحكمة لا لحاجة جل وعلا، وخَلْقه سبحانه وتعالى للخلق بلا حاجة، ورَزْقه سبحانه وتعالى لهم لحاجتهم إليه لا لحاجته سبحانه وتعالى إليهم، كما مرّ معنا على حد قول الله جل جلاله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[فاطر:15].
وجميع صفات الكمال ترجع إلى صفة الغنى وصفة الحمد له سبحانه، وإلى هذين الاسمين العظيمين الغني والحميد، سواءٌ في ذلك صفات الجلال، أو صفات الجمال، صفات الربوبية، أو الصفات التي ترجع إليها معاني العبودية للرب جل جلاله.
قال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) يعني أنّه سبحانه يميت من شاء أنْ يميته، ويُفقد من شاء أن يُفقده الحياة، لا لخوف من هذا الذي أفقده الحياة أن يعتدي على مقام الربّ جل وعلا؛ ولكن لحكمته سبحانه، فهو الذي أحيا وأمات، وهو الذي أفقر وأغنى سبحانه لحكمته البالغة العظيمة، فهو فيما يُحيي لم يُحيِ لحاجة، وفيما أمات سبحانه ما أمات لمخافة؛ بل هو سبحانه الذي يحيي ويميت لحكمة بالغة.
فقال هنا (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) والمخلوق البشر أو غير البشر يعتدي بالإماتة على من يخاف من شره، وهذا دليل النَّقص في المخلوق؛ لأنه لما لم يكن دافعًا عن نفسه إلا بهذا الفعل صارت في المخلوق هذا من صفات النقص في أنه مميت لمخافته هذا، لا يدخل فيه معنى مشروعية الجهاد لأن هذا لمعنىً آخر لا يتعلق بالمخلوق، بل يتعلق بحق الله جل وعلا وإقامة دينه وعلاء كلمته.
فهذا معنى قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ).
وأنه سبحانه (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) باعث الخلق بعد موتهم سواءٌ في ذلك بعث المكلَّفين أو بعث غير المكلَّفين بلا مشقة تلحقه سبحانه، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾[لقمان:28]، وهذا الكمال صفة الرب جل وعلا.
إذا تبين لك ذلك، فإنه في هذه الجملة من كلامه مسائل أعني قوله (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ) فيها مسائل:
المسألة الأولى: أن (مُمِيتٌ) اسم فاعل من (أمات) المتعدي والاسم للرب جل وعلا المميت، هو سبحانه المحيي المميت، والمميت صفة كمال مع قرينتها المحيي، المميت اسم كمال مع قرينه المحيي، فهو سبحانه والموصوف بكونه أحيى وأمات جل وعلا.
المسألة الثانية: معنى (مُمِيتٌ) أي خَلَقَ الموت، فيمن شاء سبحانه يعني جعل من شاء من خلقه ميِّتا بعد أن كان حيا، والموت عند جمهور أهل السنة ومن وافقهم من غيرهم مخلوق موجود، وهو الذي يعبِّرون عنه بأن الموت صفة وُجودية.
وذلك لقول الله جل وعلا ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الملك:2] فجعل الموت مخلوقا وتسلَّط عليه الخلق، وهذا يدل على أنه موجود، خَلَق الموتَ، وخَلْقه يدل على أنه صفة وُجودية.
وكذلك ما جاء في السنة من أحاديث كثيرة فيها أن الموت يؤتى به يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح على قنطرة بين الجنة والنار، هذا يدل على أنّ الموت موجود وله صفة الوجود.
وهذا له أدلة أيضا كثيرة تدل على ما ذكرنا من أنّ الموت ليس عدما للحياة، وإنما هو وجودٌ لصفةٍ ليست هي الحياة، فالحياة وصف صفة، وهو وجود لصفة أخرى، وهذه الصفة الأخرى هي الموت، هذا هو الذي قرره جمهور أهل السنة.
وقال غير أهل السنة من الفلاسفة وبعض من وافقهم من أهل السنة وهو قول أهل الكلام فيما ذكروه في كتبهم الخاصة بالكلام، قالوا في تعريفهم للموت: الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا. وهذا التعريف تجده في كثير من كتب التفسير التي ينحو أصحابها منحى أهل الكلام، حتى إن بعضها المنتسبين لمنهج السلف ظن أن هذا التعريف يمشي فنقل بعض النقولات فيها هذا التعريف، وهذا هو تعريف أهل الكلام والفلاسفة يقولون: الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا. ويجيبون عن الآية في قوله ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾[الملك:2] بأنّ الخلق هنا بمعنى التقدير، فيكون عندهم معنى الآية الذي قدّر الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهذا مصيرٌ منهم إلى أن الموت عدمٌ محض، وهذا خلاف الأدلة الكثيرة من السنة وأيضا من القرآن التي تدل على أن الموت حياة أخرى، لهذا نقول لمن مات إنه في الحياة الرزخية وليس في عدمٍ.
فالحياة؛ حياة الإنسان متعلقة بروحه ومتعلقة بجسده، وحياة الجسد بحلول الروح فيه، فإذا فارقت الروح الجسد صار الجسد عديم الحياة، لذلك تندثر أجزاؤه في التراب ويذهب، وأما الروح وهي داخلة في جملة تسمية الإنسان إنسانا، أما الروح فهي مخلوقة للبقاء لا للعدم، لهذا إذا قيل ماتَ يعني صار جسمه لنوع من العدم أو صار جسمه للفناء، وأما روحه فهي للبقاء، لكن لها حياة تخصُّها، والجسد عند أهل السنة في القبر له تعلق بالروح؛ فإن الحياة البرزخية للروح عند أهل السنة، والجسد تبع لها؛ تبع للروح، ليست الحياة للروح فقط؛ بل هي للروح والجسد تابع، عكس الحياة الدنيا؛ فإن الحياة فيك الآن للجسد والروح تبع، فيألم الجسد فتألم الروح، وهكذا يسعد الجسد فتسعد الروح إلى غير ذلك من التفصيل، وأما بعد الحياة البرزخية يعني بعد الموت، فإن الموت حالة، صفة وُجدت أدَّت إلى انفصال الروح على البدن، فصارت الروح بالموت لها حياة تخصُّها، وصار البدن بالموت له صفة تخصه، وبين هذا وهذا تعلق.
يدلُّكَ هذا على صحة ما اختاره أهل السنة لما دلتهم الأحاديث وظاهر القرآن من أن الموت صفة توجد وليس عدما محضا، بل هو موجود له خصائصه، والموت بالآية مخلوق ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾[الملك:2]، وقولهم إن الموت والحياة هنا تَسَلَّط عليها فعل (خلق) فيكون بمعنى التقدير، نقول هذا غير مستقيم لأنه علل ذلك بعده بقوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الملك:2]، وحُسن العمل إنما يكون بعد الوجود، ولهذا قدّم الموت على الحياة؛ لأنّ الموت يكون بعده الجزاء على حُسن العمل، ولما جاء في السنة من الأدلة.
المسألة الثالثة: أنّ الموت متعلِّق، يعني إماتة الرب جل وعلا متعلقة بكل شيء، كما قال سبحانه ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص:88]، فكل شيء كُتب عليه الموت، فلا بد أن يموت، (كُلُّ شَيْءٍ) يعني مما حلته الحياة بالروح فلا بد أن يفنى، وهناك ما استثني مما يموت وذلك في قوله جل وعلا ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾[الزمر:68]، والاستثناء هنا في قوله (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) اختلف فيه أهل العلم على عدة أقوال ترجعون إليها في التفسير، ومنها أن يكون المستثنى أرواح الشهداء لأن الشهداء أحياء بنص الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾[آل عمران:169-170] الآيات في آل عمران، وهذا هو أظهر الأقوال؛ أنّ المستثنى أرواح الشهداء، فيكون عموم قوله جل وعلا (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) على ظاهره في أنه يهلك كل شيء إلا الرب جل وعلا، وهذا قد جاء في تفسير قوله تعالى ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ(14)رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ إلى قوله ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[غافر:14-16]؛ لأنّ الرب جل وعلا إذا أمات الملائكة المقربين نادى (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ ثم أجاب نفسه العلية بقوله جل جلاله (الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، (لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، ثم قال ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[غافر:17]، وهذا يدلّ على أنّ المخلوقات جميعا ضعيفة محتاجة إلى ربها وكل من استحضر صفة الموت الذي سيحل به وسيحل أيضا بغيره من المخلوقات، فإنه يظهر له عظم الرب جل وعلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وأنه سبحانه وتعالى هو المحيي المميت، وأنه هو جل وعلا الواحد الأحد الغني الكامل في صفاته ونعوت جلاله وعظمته.
وأمّا قول الطحاوي (بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ) فهذا فيه صفة البعث لله جل وعلا وفي موضعه سيأتي إن شاء الله تعالى ذكر مسائل البعث والنشور بتفصيلاتها.
قال بعدها (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً قَبْلَ خَلْقِهِ، لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئاً، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ)، قوله (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً قَبْلَ خَلْقِهِ...) إلى آخره، أراد به أنه جل وعلا لم يزل بصفاته؛ متصفا بصفاته قبل أن يخلق الخلق، وصفاته سبحانه ثابتة له قبل وجود المخلوقات المنظورة، التي تراها الآن، والتي لا ترى مما هو موجود، قال (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديماً) هذا فيه بحث مرّ معكم في اسم القديم أو في وصف الله جل وعلا بالقدم( )
(لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئاً، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ) تركيب هذه الجملة كالتالي: لم يزدد شيئا جل وعلا من صفاته، لم يزدد شيئا بكونهم؛ يعني بوجودهم وإيجادهم وخلقهم لم يزدد شيئا، وهذا الشيء وصف أنه لم يكن قبلهم من صفته؛ يعني أنّ الرب جل وعلا ما ازداد شيئا لما عليه سبحانه قبل أن يخلقه؛ بل هو سبحانه بصفاته قبل أن يخلق الخلق وبعد أن خلق الخلق؛ لأنه لا يجوز أن يعطَّل الرب من صفاته؛ لأن تعطيل الرب من صفاته نقص، والله سبحانه متنزه عن النقص بأنواعه.
وهذا الكلام منه مع ما بعده متصل ولذلك سنذكر ما يتعلق به من المسائل متتابعا بعد بيان هذه الجمل الآتية:
قال(وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) يعني أنّ صفات الرب جل وعلا كما أنه لم يزل عليها وهو أولٌ بصفاته وهو أيضا جل وعلا آخرٌ بصفاته سبحانه وتعالى، فصفات الرب جل وعلا أبدية أزلية لا ينفك عنه الوصف في الماضي البعيد ولا في المستقبل، بل هو سبحانه وتعالى لم يزدد بخلقه شيئا، لا في جهة الأولية ولا في جهة الآخرية، بل هو سبحانه وتعالى لم يزل بصفاته أولا سبحانه وآخرا.
قال(ليسَ منذُ خَلَقَ الخلْق اسْتَفَادَ اسمَ ”الخَالِق“، ولا بِإحْدَاثِ البريَّةَ استفادَ اسمَ ”الباري“) أراد بذلك أنه جل وعلا من أسمائه الخالق ومن صفاته الخلق قبل أن يَخلق، فلم يصر اسمه الخالق بعد أن خلق؛ بل هو اسمه الخالق جل وعلا قبل أن يخلق، ولم يكن اسمه الباري بعد أن برأ الخليقة بل اسمه الباري قبل أن يبرأ الخليقة، لهذا قال بعدها (له معنى الرُّبُوبيَّةِ ولا مَرْبُوبَ، ومعنى الخالق ولا مخلُوقَ) وقبل أن يكون سبحانه خالقا للخلق؛ يعني قبل أن يكون ثم مخلوق هو خالق، وقبل أن يكون ثَم مربوب هو جل وعلا هو الرب سبحانه وتعالى.
قال (وكما أنَّه مُحيِي الموْتَى بَعْدَما أَحْيَا، استحقَّ هَذَا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهم) فهو سبحانه المحيي قبل أن يكون ثم ميت، قبل أن يميت الموتى هو المحيي، وكذلك هو المستحق لاسم الخالق قبل إنشائهم ذلك بأنه على كل شيء قدير.
هذه الجمل مترابطة في الدلالة على المعنى الذي ذكرته لك، وهذا المعنى الذي دلّ عليه كلام الطحاوي ترتبط به مسائل مهمة جدا بهذا الموضع، وهذا الموضع مما يظهر منه أنّ الطحاوي رحمه الله خالف ما عليه أهل الحديث والأثر في هذه المسألة العظيمة، وذلك أنّ أصول هذه المسألة قديمة في البحث بين الجهمية وبين المعتزلة وبين الكلابية والأشاعرة وبين الماتريدية وبين أهل الحديث والأثر، والمذاهب فيها متعددة، لهذا نبين ما في هذه الجمل من مباحث على مسائل إيضاحا للمقال.
المسألة الأولى: أنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله جل وعلا بصفاته هل هو متصاف بها بعد ظهور آثارها وأسماء الرب جل وعلا سمي بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحى نحوهم مِنْ أنه جل وعلا لم يَصِر له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارها، فلما خلق صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق، وذلك على أصل عندهم، وهو أن أسماء الله جل وعلا مخلوقة، فلما خلق سماه الناس الخالق، وخلق له اسم الخالق، فعندهم أنّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات، فقبل أن يكون ثم سامع لكلامه فليس هو سبحانه متكلما، فلما خلق سامعا لكلامه خلق كلاما عند المعتزلة والجهمية فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام لمّا خلق مَنْ يسمع كلامه، كذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النعم والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أن الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.
المذهب الثاني: هو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب جل وعلا كان متصفا بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمانا طويلا طَويلا معطلا عن الأفعال جل وعلا له صفة الخلق وليس ثم ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئا، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير منجزة وهكذا، فمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثم منعَم عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثم من أحيى، ومن أسمائه الباري وليس ثم برأ، وهكذا حتى أنشأ الله جل وعلا وخلق جل وعلا هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله في كتابه، ثم بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته، فعندهم أن الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالم المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته، وهذا فِرارا من قول الفلاسفة الذين زعموا أن هذا العالم قديم، أو أن المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم مع الرب جل وعلا.
والمذهب الثالث: هو مذهب أهل الحديث والآثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب جل وعلا أولٌ بصفاته، وصفاته سبحانه وتعالى قديمة، يعني هو أول سبحانه وتعالى بصفاته، وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته)- وأنّ صفات الرب جل وعلا لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، والرب جل وعلا له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد سبحانه وتعالى، فما أراده كونا لابد أن يكون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خلق أنواعا من المخلوقات وأنواعا من العوالم غير هذا العالم الذي نراه، فجنس مخلوقات الله جل وعلا أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَم مخلوقات أوجدها الله جل وعلا و[أثناها] ظهرت فيها آثار أسمائه وصفاته جل وعلا، فإن أسماء الرب جل وعلا وإنّ صفات الرب جل وعلا لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، فما أراده سبحانه فعله، ووصف نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾( )، فما أراده سبحانه كان، وهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا)، وهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب جل وعلا.
وقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته؛ يعني أن الله جل وعلا كان بلا صفة وبلا أسماء، وأنه لما فعل وُجدت صفات الرب جل وعلا، وهذا نسبة النقص لله جل وعلا لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله سبحانه وتعالى كمالاته بصفاته.
وأمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحى نحوهم، هذا أيضا فيه وصف الرب جل وعلا بالنقص؛ لأن أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة، ومعلوم أن هذا العلم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجد قريبا، فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال عليه الصلاة والسلام «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» جل وعلا فالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله جل وعلا لا يحدّه زمان، فهو أول سبحانه وتعالى ليس قبله شيء جل وعلا، وفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه، وأما هذا العالم المنظور فإنه محدث وحدوثه قريب.
ولهذا نقول إن قول الآشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفا بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئا أن بعد وجد هذا العالم، نقول معناه أن ثم زمانا مطلقا طويلا طويلا جدا ولم يكن الرب جل وعلا فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات، ولا بد أن الله جل وعلا له سبحانه وتعالى من يعبده جل وعلا من خلقه، ولا بد أن يكون له جل وعلا مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأن (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.
بقي أنْ يقال إن قولهم أراد ولكن إرادته كانت معلقة غير منجزة، ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحى نحوهم بقدم هذا العالَم المنظور، وهذا الإلزام ولا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إن العوالم التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله جل وعلا يعلمها.
وهذا ما قيل إنه يسمى بقِدم جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختصر.
المهم أن يتقرر في ذهنكَ أن مذهب الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ جل وعلا، وأن غير قولهم فيه تنقّص الرب جل وعلا بكونه معطَّلا أو لكونه سبحانه وتعالى معطلا أن يفعل وأن يظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.
المسألة الثانية: أنّ الطحاوي رحمه الله كأنّه يميل إلى المذهب الثاني؛ وهو مذهب الماتريدية، وهذا من أغلاط هذه العقيدة التي خالف فيها مؤلفها منهج أهل الحديث والأثر، هذا ظاهر كلامه كما اعترف به الشارح، ومن شرح هذه العقيدة من الماتريدية قرّروا هذا الكلام على أن كلامه موافق لكلام أبي منصور الماتريدي والأشعري ومن نحى نحوهم.
المسألة الثالثة: متصلة بهذا البحث، وهذا البحث من أصعب المباحث التي ستعرض لك في شرحنا لك لهذه العقيدة، لكن نعرضها بشيء من الوضوح والاختصار، وهو ما يسمى بمسألة التسلسل.
والتسلسل معناه: أنه لا يكون شيء إلا وقبله شيء ترتَّب عليه، أو لا يكون شيء إلا بعده شيء ترتب عليه.
والتسلسل على اعتبارات:
فالجهة الأولى المعتبرة في بحث التسلسل صفات الرب جل وعلا: وللناس في التسلسل المتعلق بصفات الرب جل وعلا مذاهب:
الأول: من قال أنّ الرب جل وعلا يمتنع تسلسل صفاته في الماضي، ويمتنع تسلسل صفاته في المستقبل، فلا بد من أمد يكون قد ابتدأ في صفاته أو قد ابتدأت صفاتُه، ولا بد أيضا من زمن تنتهي صفاته، وهذا هو قول الجهمية -والعياذ بالله- وقول طائفة من المعتزلة كأبي الهذيل العلاَّف وجماعة منهم.
الثاني: التسلسل في الماضي ممتنع، والتسلسل في المستقبل لا يمتنع، يعني أنّ الاتصاف بالصفات لا بد أن يكون له زمن ابتدأ فيه، وهذا الزمن قريب من خلق هذا العالَم والذي تعلّقت به الأسماء والصفات أو الذي ظهرت فيه آثار الأسماء والصفات، في المستقبل هناك تسلسل في الصفات يعني عدم انقطاع للصفات، وهذا هو قول أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية.
القول الثالث: المذهب الثالث؛ مذهب أهل السنة والحديث وهو أنّ التسلسل ثابت في الماضي وثابت في المستقبل، وثبوته في الماضي غير متعلق بخَلقٍ تتسلسل فيهم الصفات وتظهر فيهم آثار الصفات، بل يجوز أو نقول بل تتنوع التعلقات باختلاف العوالم، وفي المستقبل يعني في الآخرة هو جل وعلا آخر بصفاته سبحانه وتعالى، فهناك تسلسل في جهة المستقبل.
مقتضى القسمة أن يكون ثَم قسم رابع: وهو أنه لا تسلسل في المستقبل وهناك تسلسل في الماضي، هذا مقتضى السبر والتقسيم في القسمة، وهذا لا قائل به من المذاهب المعروفة، يعني لا يعرف أن أحدا قال بهذا القسم.
إذا تبين لك ذلك، فإن هذه المسألة بُحثت أولا -مسألة التسلسل- قبل بحث المسألة الأولى التي ذكرناها لكم من جهة مذاهب الناس في الصفات وتعلقها بالخلق؛ يعني ثلاثة المذاهب التي ذكرناها، فلما بحث التسلسل نتج منه البحث الأول، لهذا إذا أردت أن تفهم جهة التسلسل تفهم أثرها الذي ذكرته لك في الأول؛ لأن كُلاًّ من هاتين المسألتين مرتبطة بالمسألة الأخرى.
الجهة الثانية من الاعتبار تسلسل المخلوقات: تسلسل في صفات الخالق ذكرناه، والجهة الثانية من الاعتبار التسلسل في المخلوقات، و التسلسل في المخلوقات للناس فيه مذهبان فيما أعلم:
الأول: تسلسل في الماضي، وهذا ممتنع عند عامة الناس إلا الفلاسفة الذين قالوا إنه لا عالَم إلا هذا العالم، وأن هذا العالم لم يزل في الماضي، وأنه ما من عِلَّة فيه إلا وهي مأثرة لمعلول فيه أيضا، وأن هذا العالم ترتب التسلسل فيه الآخر عن الأول والثاني عما قبله وليس ثم غيره.
نقول إن هذا من هذه الجهة عامة الناس عدا الفلاسفة على ما ذكرنا، يعني اتفق عليها معتزلة وأهل السنة على أنّ التسلسل؛ تسلسل المخلوقات في الماضي أنه ممتنع إلا قول الفلاسفة، والفلاسفة كما هو معلوم من قالوا بهذا القول خارجون عن الملة؛ لأنهم يرون قِدم هذا العالم مطلقا، وأن المؤثر فيه الأفلاك في علل مختلفة يبحثونها.
المذهب الثاني: في المستقبل التسلسل في المخلوقات غير ممتنع عند الجمهور إلا في خلاف جهم وبعض المعتزلة في أنّ تسلسل الحركات والمخلوقات في المستقبل أيضا ممتنع وأنه لا بد أن يصيروا إلى عدم أو إلى عدم تأثير؛ إمّا عدم محض أو عدم تأثير.
الجهة الثالثة في الاعتبار في التسلسل؛ تسلسل الأثر والمؤثر والسبب والمسبَّب والعلة والمعلول: وهذا لابد من النظر فيه وأيضا نقول أشهر المذاهب فيه اثنان:
الأول: مذهب نفاة التعليل والعلل والأسباب الذين يقولون لا أثر لعلة في معلولها، ولا أثر لسبب في مسبب، وإنما يفعل الله جل وعلا عند وجود العلة لا لكونها علة، وهذا هو مذهب نفاة التعليل، كقول الآشاعرة، القدرية، وابن حزم، وجماعات.
الثاني: أن الأسباب تنتج مسبباتها ويتسلسل ذلك، وأن العلة تنتج معلولها ويتسلسل ذلك يعني جوازا، ولكن ذلك كله بخلق الله جل وعلا له، وأنّ التسلسل في الآثار ناتجا عن مؤثرات ليس لذاتها بل لسنة الله جل وعلا التي أجراها في خلقه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾[فاطر:43].
المسألة الرّابعة: قوله (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا)، وهذا القول في قوله (كانَ بصفاته) هذا حق؛ لأن أهل السنة يعبرون عن الله جل وعلا بأنه سبحانه وتعالى بصفاته، فيعبرون بالباء المقتضية للمصاحبة؛ لأن الله جل وعلا لن تنفكّ عنه صفاته، (وكما كانَ بصفاته) سبحانه وتعالى فلم يكن سبحانه وتعالى ولا صفة، بل كان بصفاته، والباء هنا للمصاحبة؛ يعني أنه سبحانه وتعالى كان أزليا بصفاته التي هو جل وعلا موصوف بها.
والمعتزلة وأشباههم يعبِّرون في مثل هذه المسائل عن الصفات بالواو، فيقولون: الله وصفتُه، الله وعلمه، والله وقدرته، والله وحِلمه، الله ورحمته، الله وقهره، وهكذا، فيعبرون بالواو؛ لأن الصفة عندهم منفكة عن الموصوف، فعندهم الصفة غير ملازمة للموصوف وليست قائمة به، ولهذا بحث الشارح عندك هل الصفات غير الذات؟ والاسم هل هو عين المسمى ونحو ذلك عرض لذلك فيما نستفيده من بحثه لأنه نوع من الاستطراد، ولكن ننبهك لقوله (كانَ بصفاته) هو الاستعمال الذي يستعمله أهل السنة، ولا نقول الله جل وعلا وقدرته، فإن الله فَعَل وقدرته مثلا، أو نقول الله جل وعلا وعلمه، فاستعمال الواو في هذا المقام لا يسوغ، بل نستعمل الباء، نقول الله جل وعلا بعلمه، الله سبحانه وتعالى بقدرته؛ لأن الباء تدل على المصاحبة؛ لأن هذه الصفات قائمة بذات الرب جل وعلا.
قوله (أزَليًّا) مرّ معنا في بحث وأنه منحوت من كلمة (لم يزل).
المسألة الخامسة: قوله في آخر الكلام (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ، وكلُّ شَيْءٍ إليهِ فَقِيرٌ، وكلُّ أمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ. لا يحتاجُ إلى شَيْءٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]) هذا تعليل لما مرّ (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) على إحياء الموتى وعلى إفنائهم، وعلى رَزق المخلوقات وجميع ذلك، وقوله (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) تتعلق به المسألة الخامسة هذه، وهي أنّ أهل السنة يجعلون قدرة الرب جل وعلا متعلقة بكل شيء، واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله جل وعلا غير محصورة، بل هو سبحانه قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ جل وعلا، وهذا هو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء القرآن العظيم وكلّ ما في القرآن تعليق القدرة بكل شيء ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾( ) ﴿[وَكَانَ] ( ) اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾[الكهف:45]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾[النساء:133]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾( ) ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليق القدرة بكل شيء.
أهل البدع وأهل الكلام يعلّقون القدرة بما يشاؤه الرب جل وعلا فيقولون تعلق قدرة الرب جل وعلا بما يشاؤه ولذلك ترى أنه يعدلون عما جاء في القرآن، بكون (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إلى قولهم والله على ما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله وليست متعلقة بما لم يشأه، فعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لا تتعلق به القدرة، فإذا قيل هل الله قادر على أن لا يوجد إبليس؟ فيقولون: لا غير قادر. هل الله قادر على أن ى توجد السموات؟ يقولون: لا، غير قادر. لأنّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه جل وعلا، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته مما لم يحصل بعد أو مما حصل خلافه فإنّ القدرة غير متعلقة به، فلذلك فيقول قائلهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان. لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله جل وعلا.
وهذا القول باطل بوضوح وذلك لدليلين:
أما الأول: فإن الذي جاء في القرآن كما ذكرنا لك، تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفا منها.
الثاني: أن الله جل وعلا قال في سورة الأنعام ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾[الأنعام:65]، ولما نزلت هذه الآية تلاها عليه الصلاة والسلام فقال (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قال عليه الصلاة والسلام «أعوذ بوجهك» ثم تلا (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) فقال عليه الصلاة والسلام «أعوذ بوجهك» ثم تلا (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قال عليه الصلاة والسلام «هذه أهون»، والله جل وعلا لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذابا من فوقها أو من تحت أرجلها، فيهلككم بسَنَة بعامّة، بل جعل بينهم بأسهم شديد، لحكمته سبحانه وتعالى العظيمة العلية، فدلت الآية على أنّ قدرة الله جل وعلا تتعلق بما لم يشاء أن يحصل (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ)، وهذا لم يشأه الله جل وعلا ومع ذلك تعلقت به القدرة، وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالُها فليتنبه أنها من آثار قول الاعتزال.
في بعض الأحاديث جاء «والله على ما يشاء قادر» و«إني على ما أشاء قادر» وهذا الجواب عنه معروف بأنه متعلق بأشياء مخصوصة، وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال قدرته على ما يشء لا تنفي قدرته على ما لم يشأ جل وعلا.
نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والسداد.
في هذا القدر كفاية وإن شاء الله نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله وفقكم الله جميعا( )

بسم الله الرحمن الرحيم
 خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ.
وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا.
وَضَرَبَ لهم آجَالاً.
ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم.
وأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِهِ.
وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِتقْديرِهِ ومَشيئتِهِ, ومَشيئتُهُ تَنْفُذُ، لا مَشيئَةَ للعبادِ إلا ما شاءَ لهم، فما شاءَ لهم كان، وما لم يَشأ لم يَكُن.
يَهْدي مَنْ يشاءُ، وَيَعْصِمُ ويُعَافِي فَضْلاً، ويُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَخْذلُ ويَبْتلي عَدْلاً.
وكُلُّهُم يتقلَّبُون في مَشيئتِهِ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ.
وَهُوَ مُتَعَالٍ عَن الأضداد والأندَاد.
لا رَادَّ لقضَائِه، ولا مُعَقِّبَ لحُكْمِه، ولا غالبَ لأمرِه.
آمَنَّا بذلِك كُلِّهِ، وأَيْقَنَّا أنَّ كُلاًّ مِنْ عِنْدِهِ.
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا وإياك أن يعيذني وإياك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع ومن دعوة لا يستجاب لها.
اللهم إنا نعوذ بك أن نزل أو نزل أو نضل أو نضل أو نجهل أو يجهل علينا، اللهم فأعذنا.
شرع الطحاوي رحمه الله في ذكر بعض صفات الرب جل وعلا المتعلقة بقدره السابق، وبمشيئته العامة، وأنه سبحانه ذو العلم الكامل المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه، وأنه سبحانه أجرى كل شيء أراده على وفق ما أراد، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وهذه المسائل التي سمعتم والجمل المتصلة ببحث القدر، والمؤلف الطحاوي لم يجمع الكلام في القدر موضع واحد، بل فرقه في نحو ثلاثة واضع، ولهذا كان من عيوب هذه الرسالة أنها جرت على وفق ما تيسر لمؤلفها، والترتيب ينفع المتلقي لكن بالنسبة لنا سنجري على وفق ما جرى هو عليه، ونذكر ما يفيد إن شاء الله في كل موضع بحسبه.
قال هنا (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ، وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا، وَضَرَبَ لهم آجَالاً.)
قال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) هو سبحانه خلق المخلوقات عالما غير جاهل بما هي عليه ومتى يؤول إليها أمرها، وأورد هذه الجملة الطحاوي مخالفا أهل الاعتزال الذين لا يجعلون العلم مصاحبا لصفات الله جل وعلا ولأفعاله، وعلم الله سبحانه وتعالى صفة ملازمة، هو سبحانه وتعالى عالم بعلمٍ، وخالق بعلمٍ، ورحيم بعلمٍ، يرحم من يشاء عن علمٍ، وهذا العلم صفته جل وعلا الملازمة له لا تنفك عنه، وعلمه سبحانه أوّل قبل خلق الخلق كان عالما، بما يصلح لهم وما تقتضيه حكمته فيهم، لهذا قال (خَلَقَ الخَلْقَ بعِلْمِهِ) ففي هذا رد على المعتزلة من جهة الصفات، وفيه ردّ أيضا على القدرية أعني بهم الذين ينفون علم الله السابق القدرية الغلاة؛ نفاة القدر الذين يقولون إن العلم حدث بعد وجود الأشياء فهو سبحانه علم بعد وقوع الأشياء، فخلق الخلق ففعل الناس فعلم جل وعلا ذلك، واستدلوا على هذه النحلة بقوله جل وعلا ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾[المائدة:94]، وبقوله جل وعلا في تحويل القبلة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾[البقرة:143]، ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليل بعض الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية وحصول الأشياء بأن يعلم الله جل وعلا ذلك، ذلك ليعلم قال جل وعلا في هذه الآية (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ) فزعموا أنّ هذه الآيات وأشباه هذه الآيات تدلّ على أنه جل وعلا لا يعلم الأشياء إلا بعد أن تقع، وأهل السنة مثبتون لعلم الله جل وعلا الكلي بالأشياء، ولعلم الله جل وعلا التفصيلي لأجزاء الأشياء وحوادثها المفردة، وإذا عُلِّل شيء في القرآن أو في السنة لكي يعلم الله جل وعلا ذلك الشيء فإن معناه عندهم بما دلت عليه الأدلة معناه حتى يظهر علم الله في الأشياء في هذه الأمور ليقع حسابُه وليقع تعذيبه أو تنعيمه أو نحو ذلك، يعني إظهار ما تنقطع به الحجة، فقوله سبحانه (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) إلا ليظهر علمنا فيمن اتبع الرسول ممن انقلب على عقبيه؛ لأن الله جل وعلا لو آخذ العباد، آخذهم وحاسبهم على علمه السابق فيهم لكان لهم حجة، فهو سبحانه جعل هذه الأشياء مع علمه السابق فيما سيفعله السابق في العباد لكي يظهر علمه فيهم، فجاء إذن هنا (لكي) في قوله (لِنَعْلَمَ) حتى يظهر العلم فيكون ذلك حجة على الناس، وهذا ظاهر بين أن علم الله سبحانه وتعالى للأشياء قبل وقوعها، قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[الحج:70]، هذا وفي الآية الأخرى ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[العنكبوت:52]، وهذا يدلك على أن الله سبحانه وتعالى عَلِم قبل الكتابة، والكتابة متأخرة على العلم، وهذا الذي يجعلنا نقول أنّ علم الله جل وعلا أول بالأشياء، وهنا يقيد ذلك بعلم الله جل وعلا فيما أراده سبحانه وتعالى فإذا أراد الله سبحانه شيئا علم تفصيلاته، وخلق المخلوقات وخلق الأشياء بعلمه؛ يعني على وفق علمه سبحانه وتعالى بها، وهو عالم بها غير جاهل بها، ولهذا قرأتم ما في، أو قرأ بعضكم ما في مناظرات المعتزلة مع أهل السنة في أن المعتزلة يقولون في أسماء الله جل وعلا إنه سبحانه مثلا عالم بغير علم، وخالق بغير خلق، وحي بغير حياة، وهكذا، يجعلون الصفات مخلوقات منفصلة فعندهم العلم هو المعلومات، فتعلقت الصفات التي يثبتونها بالمعلوم فصار عالما، لا لعلم حدث فيه، وذلك فرارا منهم من مسألة حدوث مفردات العلم؛ لأن العلم له مفردات وإذا حلت المفردات؛ يعني علم هذه، معناه أنه حل به علم بهذا الشيء الذي حصل، أو تعلق به خلق هذا الشيء، فكأنه جل وعلا صارت له صفة لم تكن له من قبل، وهذا يستلزم والتركيب، والتركيب يستلزم الجسمية، والجسمية تنافي ألوهية الرب جل وعلا كما هو مقرر في موضعه، المقصود أنه خلق الخلق بعلمه ظاهر معناه أنه خلق سبحانه المخلوقات وهو عالم بها، وهو جل وعلا علم قبل خلقها، وأيضا يعلمها بعد خلقها.
ثم قال رحمه الله تعالى (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) يعني قدّر للخلق أقدارا، وذلك لقول الله جل وعلا ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[القمر:49]، ولقوله سبحانه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[الفرقان:2]، وقال سبحانه وتعالى أيضا ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1)الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾[الأعلى:1-3]، والإيمان بقدر الله جل وعلا هذا ركن من أركان صحة الإيمان، فهو واجب لأن التكذيب به باطل كما سيأتي مفصلا في موضعه.
فقول المؤلف (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) يعني أنه جعل للمخلوقات أقدارا لا تحصِّل المخلوقات ما هي عليه بلا ترتيب سابق بلا تقدير سابق، وهذا يشمل أشياء يعني تقدير الأقدار لهم، يشمل أشياء:
الأول: تقدير ما به تمام خلقهم، فإن الله جل وعلا قدّر لكل مخلوق خِلقة يكون عليها، ووصوله إلى غاية هذه الخلقة أيضا يحتاج إلى تقدير، فالجنين لا يخرج من بطن أمه إلا وقد سبقه تقدير تفصيلي لكل المراحل التي سيمر بها وما يعرض له من كمال أو نقص، كما قال جل وعلا ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾[الرعد:8].
الثانية: أن مقادير المخلوقات مقدرة في الصفات التي تكون عليها المخلوقات من الغرائز والأحوال التي يسميها الآخرون الأعراض، وكل الأعراض التي تعرض على الذوات الله جل وعلا قدّرها، فقّدر الألوان بتفصيلاتها، وقدر الصفات من الحرارة واليبوسة، وقدر الذكاء، وقدر تفصيلات الحياة التي في المخلوق بجميع أحواله، سواء لذلك المخلوقات التي حياتها بالروح، أو المخلوقات التي حياتها بالنماء، أو المخلوقات الجامدة عن الحركة الظاهرة.
الثالث: قدّر الله جل وعلا على المكلَّفين من مخلوقاته ما هم عليه من الشقاوة ومن السّعادة ومن الهدى ومن الضلال، ولهذا قال ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾[الأعلى:2-3]، فرتّب الهداية بعد التقدير لأنه عني بالتقدير هنا المرتبيتين الأوليين؛ لأنه جعلها بعد قوله (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى) يعني جعل الخلق على نهايته يعني سواه، يعني جعله على نهايته المقدرة له، ثم قال (وَالَّذِي قَدَّرَ) يعني ما خلق من الأشياء الغريزية والخلقية فهذى للطريقين.
إذا تبين لك ذلك فالله سبحانه وتعالى قدّر للأشياء المقادير، وتعبير المؤلف بقوله (قَدَّرَ لهمْ) هذا مناسب من لو قال: قدر عليهم أقدار. لأن تقدير لهم يشمل ما سيكونون عليه من خير أو شر.
إذا تبين هذا نفى قوله (وَقَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) مسائل:
الأولـى: القدر معناه في اللغة تهيئة الشيء لما يصلح له, فإذا هيأت شيئا لما يصلح له فقد قدرته, وتقول أقدر أن يكون كذا وكذا، يعني هيأت هذا الأمر على أن يكون كذا وكذا، فتكون داخلا في الأمر بتقدير إذا دخلت فيه بتهيئة, وهذا هو المعنى اللغوي العام, كما قال سبحانه ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾[فصلت:10]، والآيات في هذا كثيرة ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾[الرعد:8]، ونحو ذلك.
أما في الشرع فالقدر سرّ الله جل وعلا الذي لم يطلع عليه أحدا، لم يطلع عليه ملكا مقربا، ولم يطلع عليه نبيا مرسلا، بل هو سر الله جل وعلا، لا يعلمه على وجه الكمال أحد.
وتعريف القدر اختلف فيه الناس، وحتى تعريفه عند المنتسبين للسنة مختلف، لكنه عرف بتعريف أخذ من مراتب القدر التي جاءت الأدلة على مفرداتها.
فقيل في تعريف القدر عند أهل السنة: إنه علم الله السابق للأشياء قبل وقوعها، وكتابته ولذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخلقه جل وعلا لكل ما قدر، أو خلقه جل وعلا لكل شيء.
وهذا يشمل المراتب جميعا وسيأتي ذكر مراتب القدر ودرجاته في موضعه فيما نستقبل في هذه الرسالة.
المسألة الثانية: أنّ القدر لما كان هذا أول موضع فيه يجب أن يبحث من جهة النصوص فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحّ عنه أنه قال «إذا ذُكر القدر فأمسكوا» يعني فأمسكوا عن الخوض فيه بما لم يدلكم عليه كلام الله جل وعلا أو كلام نبيكم عليه الصلاة والسلام، فإذا تكلمنا في القدر أو خاض المرء فيه بعقله وفهمه فيجب أن لا يتعدى ما دلت عليه النصوص، وذلك لأن تجاوز ما دلت عليه النصوص في باب القدر بسببه ضل الناس، وهذا الخوض يسبّب الضلال إذا تعرّض لأمور؛ يعني إذا تعرض الناظر لأمور تسبب له الضلال في القدر:
الأمر الأول: الخوض في أفعال الله جل وعلا بالتعليل، إذا خاض في أفعال الله جل وعلا بالتعليل الذي يظهر له دون حجة فإنه يضل، لأنّ أفعال الله جل وعلا صفاته سبحانه وتعالى، وهي مرتبطة عندنا بعلل توافق حكمة الربّ جل وعلا، والمخلوق لا يفهم من تعليل الأفعال إلا بما أدركه أو بما يصل إليه إدراكه، بما أدركه يعني يرى مثيله، علل هذا بهذا لأنه مرّ عليه، أو أدركه بما شاهد، أو أنه يصل إليه إدراكه بالمعلومات المختلفة التي يقدّرها، وقد قدمنا لكم أنّ الأساس في صفات الله جل وعلا أنه لا يُدرَك كيفية الاتصاف بالصفات، كما لا يدرك كمال معرفة حكمة الله ولا كمال التعليل، ولهذا من خاض في التعليلات في الأفعال بالعلل فإنه لابد أن يخطئ إذا تجاوز ما دل عليه الدليل. والعلل قسمان: علل كونية وعلل شرعية.
وأفعال الله معلّلة لاشك أن أفعال الله في ملكوته معللة، أفعال الله جل وعلا في شرعه يعني أحكام الله جل وعلا في الشرعية معللة، يعني الشرعيات في الغالب معللة.
إذا تبين لك ذلك فإن الخوض في التعليلات، بالعلل هو سبب ضلال الفرق المختلفة في باب القدر، هو سبب ضلال القدرية المشركية، وهو سبب القدرية الغلاة النافية للعلم، وهو سبب ضلال القدرية المتوسطون أو المعتزلة؛ لأن الفرق الرئيسية في القدر ثلاث كما سيأتي بيانه:
قدرية مشركية ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾[الأنعام:148].
وقدرية غلاة نفاة العلم الذين قالوا إن الأمر أنف ولا يعلم الأشياء.
وقدرية متوسطة وهم المعتزلة في باب القدر الذين لم ينفوا كل مراتب القدر، لم ينفوا العلم السابق كما سيأتي تفصيله في موضعه.
وكل هذه الفرق خاضوا في مشيئة الله وإرادته والتعليلات بعقولهم، فلما لم يفهموا التعليل ضلوا، كما قال شيخ الإسلام في تائيته القدرية:
وأصلُ ضلالِ الخَلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ هو الخوضُ في فعْلِ الإلـهِ بعلَّةٍ
فإنَّهمُ لـم يَفْهَمُـوا حِكْـمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ
فإذن الأمر الأول من أسباب الضلال في هذا الباب الخوض بالأفعال، لِمَ أغنى؟ ولِمَ أفقر؟ ولِم أصحّ؟ لِمَ خلَقَ هذا الشيء على هذا النحو؟ لِم أعطى؟ لِم شرع؟ لِم جعل هذه الأمة كذا وهذه الأمة؟ لِم جعل الأرض كذا؟ لِم جعل الجنة كذا؟ لِم جعل مصير هذا كذا؟ إلى آخره، كل هذا إذا خاض فيه العبد فإنه باب ضلال لأنّ القدر سر الله في خلقه.
الأمر الثاني: لا يخاض فيه في باب القدر قياس أفعال الله جل وعلا على أفعال المخلوقين، أو جعل ميزان تقدير الله على وجه الكمال والصحة هو ميزان تقدير المخلوقين، فإن العباد إذا نظروا في فعل المخلوق وفي تقديره وتصرفاته فإنهم يجعلون الصواب والكمال في حق المخلوق على نحوٍ ما، فإذا نقلوا هذا الذي أدركوه في المخلوق إلى فعل الله جل وعلا فإنه أتى باب كبير من أبواب الضلال؛ يعني حصل باب كبير من أبواب الضلال، كما حصل للقدرية من المعتزلة وأشباههم، فإنهم قاسوا أفعال الله بأفعال خلقه، فأوجبوا فعل الله جل وعلا فعل الأصلح بما عهدوه من فعل الإنسان، وأوجبوا على الله جل وعلا العدل ونفوا عنه الظلم بما عهدوه من فعل الإنسان، ولهذا قالوا إن الله جل وعلا يجب عليه فعل الأصلح، وأنه يَحسن في فعل الله كذا، ويقبح كذا، فما حسنته عقولهم بما رأوه في البشر حسنوه في فعل الله، وما قبحته عقولهم من أفعال المخلوقين قبحوه في فعل الله، فنفوا أشياء عن الله جل وعلا ثابتة له لأجل هذه المسائل الثلاثة التي ذكرتها لكم:
مسألة التحسين والتقبيح.
مسألة الصالح والأصلح.
مسألة الظلم والعدل.
فهذه المسائل الثلاث هي أعظم أبواب الضلال القدرية، ولهذا يجب أن لا يدخل فيها المكلف إلا بما دلت عليه النصوص، والأصل في هذا أن الله سبحانه لا يشبه في خلقه في أفعاله ولا في صفاته، كما قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].
الأمر الثالث: مما ينبغي مراعاته في بحث القدر وإذا قرأت في هذا الباب، أن العلماء الذين تكلموا في مسائل القدر من المتقدمين من علماء السلف، فصنفوا فيه كابن أبي داوود، بل قبله ابن المبارك، ومن كتب في ذلك من مصنفات مستقلة، أو ضمن كتب السنة الأخرى، أو من صنف من المتأخرين، في هذا الأمر يجب أن تنظر في كلامه على أنه قابل للأخذ والرد إذا دخل في أمر عقلي لا دليل عليه، إذا دخل في أمر عقلي لا دليل عليه من كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم فتوقف؛ لأننا وجدنا أن طائفة من الناس أخذوا كلام من وثقوا به من كلام أهل العلم في مسائل القدر على أنه مسلم لما كان منتسبا للسنة؛ لكنه خاض باجتهاده في بعض المسائل من جهة العقل، فيأتي الناظر فلا يدرك كلامه على وجه التمام، أو يكون ذلك مخطئا فيتابعه هذا وينسبه إلى السنة، والسنة في باب القدر هي ما دل عليه القرآن وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فحسب، وما زاد عنه فيجب الإمساك عنه، قد يحتاج طالب العلم إلى التفصيل العقلي بما دلت عليه النصوص والإلزامات، بما علم من النصوص في مقام الرد على المخالفين، لا في مقام التقرير.
فإذن ينبغي أن يفهم كلام أهل العلم على مرتبتين:
المرتبة الأولى: مقام تقرير مسائل القدر. –هذا واحد-.
والثاني: مقام الرد على الخصوم في القدر.
فإذا كان المقام مقام تقرير للاعتقاد الصحيح للقدر فلا يجوز أن يتجاوز القرآن والسنة، لا يجوز أن يتجاوز كلام الله جل وعلا وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن القدر سر الله جل وعلا.
المسألة الثالثة: أن الفِرق في باب القدر -قبل أن نخوض أو نبحث في الموضوع نعطيك تصور عام وسيأتي له تفصيل-، فالفرق في هذا الباب المنتسبة للأمة ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: القدرية.
الفرقة الثانية: الجبرية.
الفرقة الثالثة: أهل السنة والجماعة.
والقدرية طوائف كثيرة منهم الغلاة، ومنهم المتوسطون، وقولنا عنهم قدرية، نعني به نفاة القدر، ننسبهم للقدر؛ لأنهم نفوه، قال أهل العلم عنهم قدرية لأنهم نفوا القدر منهم من نفى العلم، ومنهم من نعى عموم المشيئة، أو عموم خلق الله جل وعلا لكل شيء.
ومنهم الجبرية الذين قالوا إنّ العبد مجبور، وهؤلاء الذين قالوا إن العبد مجبور منهم الغلاة كالجهمية وغلاة الصوفية الذين يقولون هو كالريشة في مهب الريح، ومنهم المتوسطون الذين قالوا هو مجبور في الباطن ومختار في الظاهر وهم الماتريدية والأشاعرة.و
المؤلف الطحاوي ينتهج في الجملة المسائل المشكلة إلى الماتريدية، ولهذا ينبغي أن يُنتبه لكلامه في المواطن ذات الزلل كمسألة القدر، هل قررها على وجه الجبر أم على وجه كلام أهل السنة والجماعة كما سيأتي.
المسألة الرابعة: نختم بها قوله (قَدَّرَ لهمْ أَقْدَارًا) أن هناك ألفاظا تستعملها الطوائف جميعا في بحث القدر، ولكل طائفة قصد ومصطلح في استعمالها، وهذه يجب عليك أن تنتبه لها، مثال ذلك ستأتي مفصّلة في موضعها إن شاء الله تعالى.
مثال ذلك مسألة الكف، فإن الكف عند أهل السنة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند المعتزلة له معنى، فلفظ واحد يرد في كتب أهل السنة، ويرد في كتب الأشاعرة والماتريدية، ويرد في كتب المعتزلة، وكل له في هذا المقام اصطلاحه ومعناه.
كذلك نفوذ المشيئة، مشيئته نافذة، هذا عند المعتزلة له معنى، وعند الأشاعرة والماتريدية له معنى، وعند أهل السنة له معنى، نفوذ المشيئة، عموم المشيئة، شمول المشيئة، فالقدرية يعنون بذلك معنى، وهم المعتزلة ومن نفوا القدر، والجبرية يصرفونهم لمعتقدهم، وأهل السنة يذكرونه على ما دلت عليه النصوص.
المقصود من هذه المقدمات دخول لك في هذه المباحث المهمة؛ لأننا في تقرير هذه العقيدة الطحاوية نريد أن ننتقل بكَ من سرد المعلومات التفصيلية فقط في معتقد أهل السنة إلى ما يفتح لك آفاقا في رؤية كتب أهل العلم في الاعتقاد بها؛ لأننا الأصل أن الذين يحضرون معنا سبق أن حضروا كتب كثيرة يعني كالواسطية وما قبلها في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة.
فانتبه إلى أنّ الألفاظ في باب القدر متشابهة لكن المعاني مختلفة إذا قرأت كتابا من كتب التفسير في الآيات التي فيها عموم المشيئة، في الهدى والضلال، في عموم خلق الله جل وعلا، الله خالق كل شيء، في التفضيل، إذا قرأت كلاما لمفسر سلفي قد يستعمل العبارات التي يستعملها الأشعري أو يستعملها المعتزلي، وكل له اصطلاحه، ولهذا قال من قال عن كتاب ”الكشّاف“ للزمخشري إنه بثّ فيه منهج المعتزلة في الصفات وفي القدر وهو أعظم بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير.
هذه المسائل بتفصيلاتها تأتي إنشاء الله تعالى في مواضعها.
قال رحمه الله بعد ذلك (وَضَرَبَ لهم آجَالاً) ضرب لهم آجالا, الآجال جمع أجل, وضرب الآجال معناه: أنه جل وعلا جعل لكل شيء أجلا ينتهي إليه, فما من شيء إلا وله أجل ينتهي إليه المراد من خلقه، فالسماوات لها أجل والأرض لها أجل تنتهي إليه، وهكذا مخلوقات الله جل وعلا، ومنها ما جعله الله جل وعلا له أجل يعلمه سبحانه ولا يعلمه العباد، قد يطول جدا وقد لا يكون له نهاية، بعلم الله سبحانه وتعالى له.
الآجال غير الأعمار, فالعمر أخص من الأجل، فلهذا قال من قال من أهل العلم إن الأجل في القرآن لا يقبل التغيير ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[يونس:49]، ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾[يونس:49] في الأمم، وقال جل وعلا في العمر ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾[فاطر:11]، وهذا يدلك على أن الله سبحانه وتعالى ضرب آجالا وجعل أعمارا، والجمع بين هذا وهذا عند طائفة من المحققين من أهل العلم أن الأجل لا يقبل التعديل ولا التغيير، وأما الأعمار فهي قابلة لذلك، لأسباب أناط الله جل وعلا بها التغيير في قدره السابق، كما قال سبحانه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾[الرعد:38]، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[الرعد:39].
فإذن أجل العباد أجل المخلوقات، أجل الأمم هذا هو الذي في اللوح المحفوظ، لا يقبل التغيير، ولا يقبل التبديل، جعله الله جل وعلا على هذا النحو على ما اقتضته حكمته سبحانه وتعالى، وأما الأعمار فإنها تقبل التغيير، وقبلولها للتغيير لما في التقدير السنوي للعباد؛ لأن القدر منه قدر عام وهو الأصل العظيم، وهو ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام «قدر مقادير الخلائق قبل أن يخل السموات والأرض بخمسين ألف سنة» هذا التقدير العام في اللوح المحفوظ، ومنه تقدير خاص، التقدير الخاص يختلف فيه تقدير لكل مخلوق في رحم أمه، وثَم تقدير سنوي في ليلة القدر، وثَم تقدير يومي أيضا لما يفعله العباد.
إذا تبين ذلك فإن التقدير الذي يقبل التغيير هو ما في صحف الملائكة وهذا الذي يحمل عليه قول الله جل وعلا ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾[فاطر:11]، بعض أهل العلم في التفسير فهم الآية أن معناها وما يعمر من معمر ولا يُنقص من عمر معمر آخر إلا في كتاب، وأنّ تعمير المعمر يكون بسببٍ قد قدر هو التعمير معا، فيكون قد عُمِّر، لا بالنسبة إلى أنه كان عمره ليس بطويل فأطيل فيه، وهذا يخالف ما جاءت به السنة الصحيحة من قول المصطفي عليه الصلاة والسلام «من سرَّه أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه»، وبقوله عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه «ما يزيد العمر إلاّ البِر»، قال هنا (من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره) يعني أن زيادة الأرزاق منوطة بسبب، وأن تعمير المعمر زيادة في عمره نَسْءُ الأثر هذا مربوط بسبب، وهذا الذي ارتبط بالأعمار، بالآثار، أما الآجال فلا، الآجال لا تقبل تغييرا، لأنها هي الموافقة لما في اللوح المحفوظ، يعني الأجل الذي إليه النهاية، أما العمر فهذا يقبل التغيير، فلهذا صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله تعالى في سورة الرعد ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾[الرعد:39] أنه في صحف الملائكة، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[الرعد:39] يعني اللوح المحفوظ وهذا واضح.
وقول المؤلف رحمه الله (وَضَرَبَ لهم آجَالاً) يعني ما كان من التقدير السابق قبل خلق السموات والأرض.
قال (ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم.) (ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم) هذا عام يعني من الطاعات ومن المعاصي، من الخير ومن الشر، مما سيعملون، ومما لم يعملوه لو عملوه كيف يكون، فإنه سبحانه وتعالى يعلم أحوال الخلق على وجه التفصيل، فيما سيعملون وفيما لم يعملوه، ومثاله قول الله جل وعلا ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا(80)[فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا]( ) خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾[الكهف:80-81].
إذن فالله سبحانه وتعالى تعلق عمله بكل شيء، قال (ولم يَخْف عَليهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم. وَعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُم.) لم؟ لأنه سبحانه بكل شيء عليم، كما قال جل وعلا ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾( ) وقوله (كُلِّ شَيْءٍ) هذا عموم لا يخرج منه شيء، والأشياء كما فسّرناها لكم قبل ذلك جمع شيء، والشيء ما يصح أن يعلم أو يؤول...( )
هو بكل شيء عليم سبحانه وتعالى، لهذا قال علماؤنا علم الله جل وعلا متعلق بكل شيء:
علم ما سيكون. واحد.
وعلم ما لا يكون. اثنين.
وعلم ما قدر ألا يكون، لو حصل كيف يكون.
فهذه الثلاث فيها مخالفة للقدرية والمعتزلة في مذاهبهم.
علم ما سيكون وما لم يكن يعني والذي لا يكون أيضا علمه جل وعلا لأنه اختار أن يكون الأمر على نحو كذا، وهو علم ما سيكون والذي لا يكون أيضا علمه جل وعلا، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما قال جل وعلا ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[الأنفال:23].
قال رحمه الله بعد ذلك (وأَمَرَهُم بِطَاعَتِهِ، ونَهَاهُم عَنْ مَعْصِيتِه) هذا تعليق للأشياء بالأمور الشرعية يعني أنّ الخلق والعلم والتقدير السابق وضرب الآجال هذا نافذ فيهم، ومع ذلك أمرهم سبحانه بطاعته ونهاهم عن معصيته جل وعلا.
وهذا الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية أراد منه مخالفة المعتزلة في أنّ الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي أنه جاء عقليا وليس شرعيا، ولكن الحق أنه إنما جاء بالشرع لا بالعقل.
لبسط هذه المسائل تفصيل يأتينا إن شاء الله في موضعه.
هذه كلها الذي قدمناه من أول العقيدة إلى الآن وإلى قوله (وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى) هذه كلها مقدمات, ما دخلنا في تفصيل الكلام في معتقد أهل السنة والجماعة في مواضعه.
لذلك أنا أرجئ الكلام على تفصيلات القدر ومسائله في موضعه حتى يكون لك في مكانه مجتمعا غير ما ذكرنا في هذا الموضع.
نقف عند هنا، وننبه على أنّ هذا الدرس هو آخر الدروس في هذا الفصل، وإن شاء الله نستقبل إتمام شرح هذه العقيدة في الفصل القادم، وفي الصيف إنشاء الله سوف يكون هناك دروس يُعلن عنها بعد الاختبارات في هذا المسجد إنشاء الله تعالى.
الخميس الأسبوع القادم ن الأسبوع القادم فقط ننهي فيه الحموية التي قاربت الانتهاء، ننهي فيه الحموية، الفرقان أظن باقي فيه؟ باقي الكثير، إذن الحموية، وفقكم الله تعالى.
الأسئـلة:
فيه كثير من الإخوة سألني في المسائل التي كنا تكلمنا فيها الأسبوع الماضي كمسألة التسلسل؛ التسلسل الماضي والمستقبل وحلول الحوادث، وكلام الشارح أيضا في هذا الموضع، في هذا الموطن، والمسألة يعني شائكة لكن [ما قدمت] هو الحد الأدنى في فهمها، فينبغي أن لا تكثر من الخوض فيها لأنها عكرة بعض الشيء.
1/ يقول: ما أفضل كتاب تكلم على القدر وتعريفه ومراتبه وجميع ما يتصل به؟
أفضل كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم, ومن الكتب المعاصرة كتاب القدر للدكتور عبد الرحمن المحمود, كتاب قرّب فيه المسألة لطالب العلم فهو كتاب نافع في هذا الباب جدا.
2/ ألا نستفيد من قوله سبحانه ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[الرعد:39-38], ألا نستفيد منه تغيير الأجل لقوله سبحانه(يَمْحُوا)؟
لا، (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) يعني ما في صحف الملائكة أما الآجال فهي ثابتة.
3/ لا يرد القدر إلا الدعاء؟.
هذا جاء في الحديث الذي رواه الحاكم وغيره, وهو حديث صحيح.
4/ ذكرتم في الدرس السابق أن الخلق يشمل مراتب منها التقدير، فأرجو إيضاح هذه المرتبة بتفصيل أكثر؟
لعلي أرجع إليها لأنها تحتاج إلى تفصيل.
5/ ذكرتم في الدرس السابق أن صفات الله سبحانه وتعالى متلازمة وله الكمال المطلق، معنى قولكم متلازمة؟ وهل تجوز العبارة( إن الله على ما يشاء قدير)؟.
أما كون الصفات متلازمة فنعم, الصفات بعضها ملازم للآخر، أو الصفة تدل على الصفة الأخرى بالتلازم؛ يعني لا يُتصور أن صفة الرحمة بلا صفة الحياء، ولا يتصور أن هناك صفة قهر بلا صفة القدرة, ولا يتصور أن هناك صفة علم بلا صفة إرادة، ولا أن هناك صفة الكلام بلا صفة إرادة وملك وقوة.
إذن فصفات الله جل وعلا متلازمة، فأهل العلم لما تكلموا على الأسماء الحسنى قالوا إن الاسم من أسماء الله الحسنى يدل على مسمى ومعناه جميعا للمطابقة، ويدل على أحدهما بالتضمن، ويدل على الصفة الأخرى أو على الاسم الآخر باللزوم، كما هو معروف في موضعه.
قال هل تجوز العبارة (إن الله على ما يشاء قدير) كنا ذكرنا لكم تفصيلات الكلام عليها، (على ما يشاء قدير) هذه عبارة الأشاعرة وأشباههم؛ لأنهم علقوا القدرة قدرة الله جل وعلا بما يشاؤه، وأما ما لم يشأه فعندهم أن الله جل وعلا ليس بقادر عليه، هذا كلام الأشاعرة، المعتزلة علقوا القدرة بما هو مقدور له، وما لم يكن مقدورا له فليس بقادر عليه، عندهم أن ثَم أشياء ليست بمقدورة لله جل وعلا، فليس بقادر عليها، مثل الظلم، أصل الظلم هو ليس قادر عليه،لم؟ لأنه ليس ظالما فهو سبحانه ليس بمقدور له أن يظلم جل وعلا، وعندنا الله جل وعلا قادر على كل شيء، ما يشاؤه هو وما لم يشأه، والظلم لم يشأه سبحانه بل حرمه على نفسه « حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا.».
إذن هذه المسائل تعلق الصفات، يعني القدرة لها متعلَّق، العلم له متعلَّق عند الطوائف جميعا, الكلام عنده متعلق، الرحمة لها متعلق، وهكذا فتعلق الصفات هذه تختلف فيها الفرق المختلفة، وهو معلوم في موضعه.
المقصود أن قول القائل إن الله على ما يشاء قدير هذا من البدع التي لا تجوز، وقائلها ينبه على مخالفته لما جاء في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾( ).
6/ هل أوضحتم ثمرة الخلاف، المرتبة الناتجة عن الاختلاف لكون الموت صفة وجودية أو عدمية؟
المقصود الكلام على هل الموت صفة وجودية أو صفة عدمية؟ هذا متعلق بحياة الروح والعذاب والنعيم، هذا الخلاف بين أهل السنة والفلاسفة الذين يقولون إن الموت عدم أو الموت حياة، يعني هل أن الموت حياة جديدة أو هو عدم حياة وزوالها؟
الفلاسفة لهم مذهب في هذا، في أن الموت هنا موت البدن، الروح هذه تذهب إلى مكان لها ثم تعود في جسد جديد تناسبه، فعندهم الموت عدم الحياة انتهى.
عندنا لا، الروح كل روح مستقلة، روح المكلف هذه باقية، خُلقت للبقاء، لا تنتقل من فلان إلى فلان كما هو قول الفلاسفة ومن شابههم، بعض من ينطق لهذه الكلمة يعني بأن الموت صفة أعدمية قد لا يستحضر أو قد لا يقول بهذا المذهب، لكن هو من أنشأ هذا الكلام ويقول بهذا المذهب من أن الأرواح محدودة والأجساد متعددة فالأرواح تنتقل فيها، يعني مثلا عندهم نعيم الروح، كيف روح منعمة؟ يقول الروح تعذب بمصيرها في جسد حياته شقاء، يعني الآن فلان مثلا- أعوذ بالله نقلق أسماعكم بهذا الباطل نعوذ بالله منه - لكن ما من يسأله نتكلم عنها إلا ولها ثمرات، يعني في العقيدة ما فيه خلاف لا ثمرة له خذها كلية.
7/ كيف عرف ميل الإمام الطحاوي إلى مذهب الأشاعرة في مسألة أسمائه وصفاته.
لا، ليس في مسألة الصفات، مسألة التسلسل.
8/ هل يصح أن يقال إن العلم بالله لا يكون إلا بالعلم النظري، لا العلم الضروري؟
يعني يصح مع أحد الاعتبارات، لكنه قد يصل العكس إلى أن يكون علمه بالله ضروريا ما يحتاج معه إلى استدلال، صار عنده واضحا بحيث يحتاج منه إلى نظر، نظر واستقر الإيمان في قلبه واتضح له حتى صار عنده وجود الله جل وعلا ضرورة لا يحتاج إلى استدلال، ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[إبراهيم:10] أصبح ضروريا؛ لأن الضروري هو ما لا يحتاج له إلى استدلال، والنظري الذي يحتاج إلى إثباته إلى نظر واستدلال.
9/ ذكرت أن الروح لها صفة البقاء، فكيف نوفق بين هذا وبين المراد من المستثنى عند قوله تعالى (إلا من شاء الله) وهل معنى ذلك أن أرواحهم غير ميتة؟
لا، ما لها علاقة (إلا من شاء الله) في الاستثناء يعني أرواح الشهداء أو أشبه ذلك، الأرواح لا يحلها الموت، تجتمع في الصور فيُنفخ فيه فتعود إلى الأجساد.
10/ هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟
الموت صفة إذا سميت الصفات أعراض فلا بأس، الموت حياة جديدة؛ حالة فيها حياة جديدة، يعني سمي الانتقال من الحياة البرزخية سمي موتا، هو انتقال إلى حياة جديدة، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[آل عمران:169] وكذلك كل مؤمن حي عند ربه يرزق.
هل الموت عرض أو عين؟ أو عرض يقلبه الله عينا؟
في الآخرة يؤتى الموت على صفة كبش فيكون قد قلب إلى عين.
11/ هل لابد أن يكون لله مخلوقات ليوصف بالخلق أو أنه يوصف بالخلق ولو لم يخلق شيئا أبدا؟
هذا سؤال في غير مكانه لأنه سبحانه وتعالى خالق وله مخلوقات، ولم يزل سبحانه وتعالى خالقا جل وعلا يعني هذه صفة ملازمة له سبحانه.
12/ هل ابن حزم من أهل السنة والجماعة؟
لا، ابن حزم ليس سنيا بل له مذهب خاص.
ابن عبد الهادي وغيره يعتبرونه من الجهمية، طائفة تعتبره من الفلاسفة يعني خليط، هو العقيدة مخلّط لا يشهد مذهب من المذاهب عنده تجهم، وعنده أشعريات، وعنده فلسفة يعني مختلط.
13/ ما هو الرد على من استدل بحديث «إن أول شيء خلقه الله القلم» على عدم التسلسل في الماضي بالنسبة للمخلوقات؟
الأخ سألني دبر الصلاة أظن عن ذلك، وقلت اترك المسألة لوقت آخر، وحديث «إن أول شيء خلق الله القلم» هذا لفظ، واللفظ الآخر المعروف «إن أول ما خلق الله القلم» أول هنا بمعنى حين، إنه حين خلق الله القلم قال له أكتب، لماذا فسرنا بهذا التفسير؟ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» هذا التقدير هل هو راجع إلى العلم علم الله؟ الجواب: لا؛ لأن علم الله لا يعلق بقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، إذن يتعلق بالكتابة، كتب الله مقادير الخلائق قبل خلقها بخمسين ألف سنة، هذا الحديث «إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب» وفي رواية «فقال له أكتب» هنا يعني خلق القلم فأمره بالكتابة؛ يعني التقدير، فكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة، فالمراد من الحديث أن الله جل وعلا خلق القلم فأمره بكتابة المقادير فوْر خلقه له، هذا الذي نفهمه له مع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأن التقدير هناك لابد أن يكون للكتابة، والأولية هنا إن كانت أولية مطلقة قبل المخلوقات يعني وُجد القلم وليس ثم مخلوق البتة، فقوله «فقال له أكتب» تقتضي الترتيب «خلق فقال»وهذا يعني أنه هناك زمن طويل بين خلقه وما بين ابتداء الكتابة، وهذا يشوش على الموضوع.
إذن فهذا الحديث فهم منه منع التسلسل في الماضي كما هو معلوم، وأن أول المخلوقات القلم وهذا عند المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم الذين ضمّوا أحاديث الباب وفهموها من صفات الله جل وعلا وما دل عليها من الآيات وكلام السلف، فهموا أن القلم في هذا الحديث أوليته هنا بالنسبة إلى الكتابة، فحين خُلق القلم كتب، «إن أول ما خلق الله القلم قال له أكتب» يعني حين خلق القلم قيل له أكتب فجرى بما هو كائن على قيام الساعة، فالحديث ليس في أولية المخلوقات، الأولية بالنسبة لغيرها وإنما الأولية من جهة التقدير والكتابة.
ولهذا تنازع العلماء مع ورود هذا الحديث، تنازعوا في أول هذه المخلوقات من هذا العالم المعلوم في الكتاب والسنة.
هل أول المخلوقات من هذا العلم المعلوم العرش أو القلم؟
والصواب أنّ العرش كان قبل لأنه في حديث عمرو بن العاص قال عليه الصلاة والسلام «قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» صار عندنا خلق للعلم كتابة المقادير، وجود العرش على الماء، وهذا هو الذي عقده ابن القيم في النونية بقوله:
والناس مختلفون في القلم الذي سبق القضاء به من الديـان
هل كان قبل العرش أو بعده قولان عند أبى العلا الهمداني
والحق أن العرش قبـل لأنـه عند الكتابة كان ذا أركـان
والمسألة فيها بحث أطول من هذا نرجئه إلى وقته إن شاء الله تعالى.
وفقكم الله ونلتقي إن شاء الله على خير وتقوى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من المتقربين إليه بما يحب ومن المخلصين له دينهم، وأن يجعلنا من أهل الدعاء المسموع والقلب الخاشع، وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
وقد جرت العادة أنه في ابتداء هذه الدروس أن نقدم بمقدمة نافعة في آداب المتعلم في طلبه للعلم، ومع مشايخه، وفي صلته بالكتب، وبالحفظ وأشباه ذلك مما يحتاجه المتعلمون.
ولا شك أن الأدب العام لطالب العلم مهم كأهمية العلم؛ لأن من لم يدرك الأدب ولم يكن متأدبا بآداب أهل العلم فيما يأتي وفيما يذر وفي منهجه وفي طريقته، فإنه يفوته الانتفاع بالعلم كثيرا؛ لأنه هناك صلة قوية متينة ما بين الأدب والعلم؛ أدب طالب العلم وما بين العلم نفسه، وقد ذكروا أنه كان يُحصى في مجلس الإمام أحمد رحمه الله تعالى -الإمام أحمد بن حنبل- يُحصى فيه عدد من الألوف كلهم يسمعون كلامه وكان الذين يكتبون منهم قريبا من خمسمائة وأما الباقي فيستفيدون الأدب والهدي والعلم؛ يعني العلم العام، وهذا ملاحظ فإنه ليس كل من يحضر متحققا للعلم، متحققا بطريقة تحصيله، ولكن لن يعدم خيرا وفائدة، وقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه ”لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين متكلم عالم أو صامت واعٍ“ وهذا ظاهر بيّن فيما تلاحظه فإن الدنيا لا خير فيها إلا لعالم متكلم يفيد أو صامت كافٍّ عمّا لا يعنيه واعٍ للعلم النافع الذي يلقى إليه، كما قال ربنا جل وعلا ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النساء:114]، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَومِ الآخر: فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَو لِِيَصْمُتْ« وهذا كما قال أبو الدرداء (لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين صامت واعٍ أو عالم متكلم) أو كما قال.
لهذا عرضنا فيما سبق عددا من الآداب في صدر هذه الدروس التي ينبغي لطالب العلم أن يتعاهدها وأن يتعلمها.
ونذكر في هذه الليلة آداب طالب العلم مع مشايخه ومعلميه.
وقبل هذا نذكر بعض الكتب التي عُنيت بآداب طالب العلم بعامة ومع المشايخ بخاصة، فمن ذلك:
• كتاب ابن عبد البر الجامع.
• وكتاب الخطيب البغدادي أيضا الجامع.
• ومن ذلك كتاب ابن جماعة تذكرة السامع والمتعلم.
• ومن ذلك مقدمة المجموع شرح المهذب للنووي رحمه الله.
• ومن ذلك أيضا ما تفرق في كتاب سير أعلام النبلاء.
• ومنها ما جاء في مقدمة سنن الدارمي أيضا.
وفي عدد من الكتب التي ذكرت فيها آداب كثيرة لطالب العلم، وقد صُنّف في هذا الوقت المتأخر يعني في زماننا هذا كُتبت مؤلفات كثيرة ما بين من أجاد ومن توسط ومن كان ضعيفا.
والمقصود من ذلك أن يحصل طالب العلم مع العلم الأدب، ونعني بالأدب الهدي والسمت الذي يكون عليه، ولهذا كان من الأصول العامة التي ينبغي التواصي بها أن يكون طالب العلم ذا سمت حسن وذا هدي ودل، فقد قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم: ما كان أحد أشبه هديا وسمتا ودلاًّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن مسعود. وقال بعض أصحاب ابن مسعود: ما كان أحد أشبه سمتا لابن مسعود من الربيع بن خثيم. وهكذا في أمثلة كثيرة يكون المتعلم يأخذ مع العلم الهدي والسمت والأدب؛ لأن هذه لا يحصلها المتعلم من القراءة للكتب ولا يحصلها بالإطلاع ولا يحصلها بكثرة السماع المجرد عن الاختلاط، ولهذا كان كثير من طلاب العلم الذين لا يخالطون المشايخ ولا يقتربون منهم يفقدون كثيرا من الهدي والسمت والمنهج لأجل عدم القُرب من أهل العلم والمشايخ.
فالأصل العام أن يكون طالب العلم حريصا على الهدي وعلى السمت وعلى العلم وأن يكون متأدبا بآداب المشايخ، وكلما كان المرء أصحب للمشايخ وأقل صحبة لأقرانه كلما كان أقرب إلى العلم؛ لأنه هناك صلة وثيقة ما بين إدراك العلم والمخالطة، فإذا خالط من هو أكبر منه من أهل العلم والمشايخ فإنه يكون هديه وفهمه وفكره يكون قريبا من هديهم وعلمهم وفكرهم وسمتهم ورؤيتهم للأشياء وكيف تعلموا وكيف أخذوا وكيف يتعاملون مع الكتب ومع الناس إلى آخر ذلك، مما لا يدركه من قرأ في الكتب وحدها.
ولهذا قال بعض المتقدمين كما ذكره العسكري في بعض كتبه وذكره غيره قال: من أعظم البلية تشيّخ الصَّحفيَّ. يعني الذين أخذوا العلم عن الصحف ولم يخالطوا المشايخ فإن تصدرهم يحدث بلاء وإن انتفع الناس بهم، لكن عدم مخالطتهم لأهل العلم وأخذهم الهدى والدلّ والسمت من أهل العلم فإنه يُفقدهم ذلك شيئا كثيرا، لهذا في هذا الدرس الموجز كمقدمة لهذه الدروس نعرض لبعض آداب طالب العلم مع المتعلم ومع شيخه وذلك إكمالا لجملة آداب عرضنا لها فيما مضى في صدر هذه الدروس.
أول الأدب مع المشايخ والمعلمين أن يكون الطالب حَسَن الظن بشيخه في العلم الذي يتعلمه منه: وهذا يعني أن ينتقي لنفسه من يحسن العلم الذي يتعلمه، معلوم أن أهل العلم لا يدركون كل العلوم، فليس من شرط العالم أو الشيخ الذي يعلم أن يكون متصدرا في كل فن وفي كل علم، هذا قلّ من يؤتاه، ولكن المهم أنه إذا تكلم في علم من العلوم أجاد، يحسن تقرير العقيدة، يحسن تقرير الفقه، يحسن تقرير الحديث، ويحسن التفسير، الأصول، النحو، إلى آخر العلوم، فتأخذ العلم ممن يحسن تقريره، وهذا إذا تحريت وأقبلت على العالم عالما بمنزلته في العلم الذي يعلمه فإن الذي ينبغي عليك أن تحسن الظن به فيما يقول؛ يعني أن تأخذ ما يقول أخذ المستفيد لا أخذ المعترض.
وهذا كتقعيد عام ينفع في حسن التلقي وقَبول العلم واستقرار العلم في الصدر؛ لأن من المتعلمين من يحضر عند شيخ مثلا، وهذا المعلم أو الشيخ إذا تكلم تجد أن المتعلم يورد الاعتراضات على هذا الشيخ، وهو يتكلم يورد الاعتراضات فيما بينه وبين نفسه، فتجد هذه الاعتراضات التي يوردها على كلامه تفوّته ربط الكلام بعضه ببعض، وتفوّته أيضا الاستفادة من الشيخ فيما يقول وفيما يقرر.
لهذا أولا انتقاء المشايخ، وأن تنتقي العالم الذي يحسن تقرير العلم الذي يدرسه كل في مجاله، فإذا اخترت فتحسن الظن به في أن الأصل فيما يقوله هو الصواب في هذا العلم، وألا تكثر الاعتراضات عليه فيما يقول وفيما يقرر.
الثاني من الآداب أن يكون طالب العلم متأدبا مع شيخه في لفظه وفي جلسته وفي فعله، وهذا أخذه أهل العلم من قصة جبريل مع المصطفي عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور المعروف؛ وهو أن جبريل لما أتى النبي عليه الصلاة والسلام في صورة رجل جاء إليه متعلما، فأقبل النبي عليه الصلاة والسلام وثنى ركبتيه بين يديه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه وجعل يديه على فخذيه، وهذا أدب الجلسة بين يدي المعلم، وهذا الأدب يفيد فوائد منها:
أولا أن يتعلم طالب العلم الصبر في التعلم.
والثاني أن يكون هذا داعيا لإقبال الشيخ على المتعلم للإجابة؛ لأن للمشايخ حبّ ورغبة فيمن يكون متأدبا في الكلام معهم؛ لأنه من سنن أهل العلم المتوارَثة أن العلم إنما يكون في المتأدبين.
ابن عباس رضي الله عنهما أمسك بزمام ناقة زيد بن ثابت فقالوا له هذا وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا.
وقد جاء في بعض الآثار أن من السنة توقير العالم، وهذا له شواهده العملية من هدي الصحابة رضوان الله عليهم.
فإذن الجِلسة أمام العالم لها أثر، والتكلم معه في طريقته له أثر على المتعلم وعلى العالم جميعا: أما أثره على المتعلم وهو أن يوطن نفسه على احترام العلم وأهله، وإذا العالم احترم العالم الذي يكون أمامه فإنه سيحترم العلماء الأولين، وكم رأينا من ذوي فضاضة وغلظة على العلماء العابرين السابقين، والأمر من جهة ما يَقَرُّ في نفس المتعلم واحد؛ فإذا تعلم الأدب في اللفظ فإنه يكون متأدبا في العلم...
كان رجلان أتيا إلى الأعمش أحدهما صاحب حديث والآخر ليس بصاحب حديث، فأغلظ الأعمش –وكان فيه نوع حدّة- على صاحب الحديث بكلام فيه غلظة، فلما انتهوا قال الآخر لصاحب الحديث في حضرة الأعمش: لو قال لي ما قال لك لم أحضر إليه أبدا. فقال الأعمش: أوَ يكون أحمق كمثلك يترك خيري الدنيا والآخرة لغلظتي. إذا كان هذا تركب في نفس بعض المشايخ أو في كلامه أو في طريقة تعامله أن فيه غلظة، فهل يترك المتعلم الأدب لشدة الشيخ أو لأجل تعنيفه أو نحو ذلك؟ هذا ليس بصحيح لأن طالب العلم ما أخذ في طريق العلم إلا وهو مؤثر له على الدنيا مؤثر له على الراحة، ومن جملة الدنيا والراحة أن يكون الكلام معه دائما بعبارة لا تسوءه، ولهذا يدخل ذلك في التأدب في اللفظ بحيث أنه إذا سأل يسأل متأدبا، ينتقي أحسن العبارات، وإذا تكلم بحضرة شيخه تكلم بأحسن العبارات، وإذا أراد المعلم أو الشيخ أن يعنف أو عنّف أو تكلم فإن ذلك الطالب يحتمله ولا يرد عليه مقالته.
من الأدب أيضا مع الشيخ الأدب في الأفعال: وهو أن لا يرى العالم طالب العلم على هيئة لا تحسن؛ في لباسه أو في مشيه أو في قصة في تصرفاته أو في نقص في الأدب معه وهو يكلمه فيكون معه في فعل حسن، قالوا ومن الأدب أن لا يمشي المتعلم بين يدي شيخه إلا بأمر شيخه، وأن يكون وقورا في مماشاة المشايخ غير مكثر للحديث غير مكثر للحركة، وهذا لا شك له أثر على المتعلم وعلى الشيخ فيما يفيد به الشيخ المتعلم.
فإذن هذه الثلاث الأقوال والأفعال والزلفى، هيئة الجلوس لها أثر في إقبال المتعلم على العلم واحترامه أهله وفي إقبال المعلم على إفادة المتعلم.
من الآداب وهو الأدب الثالث أن يكون طالب العلم متأدبا مع شيخه في السؤال عمر رضي الله عنه كما في الصحيح أراد ابن عباس أن يسأله عن المرأتين اللتين تضاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ابن عباس: مكثتُ سنة أتحين الفرصة لأسأله حتى إذا كان وقت قفولنا من الحج ذهب عمر إلى شجرة أراد ليقضي حاجة له فانتظرت فلما رجع سألته فقلت له: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تضاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هما عائشة وحفصة. فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين لقد كان هذا في نفسي سنة أريد أن أسأل عنه وما أريد هيبة لك. قال له عمر: لا تفعل أبدا ما بدا لك فسل وما كان عندي من علم أخبرتك به. أو كما قال عمر رضي الله عنه, هذا الكلام من عمر وهو الرجل المهيب من أثر أدب ابن عباس, فانفتح الباب لأجل هذا الأدب وهذه الهيبة التي كانت عند ابن عباس لعمر رضي الله عنهم أجمعين.
هذا الأدب في المخاطبة وفي السؤال وتحري الوقت المناسب, هذا مهم جدا في طالب العلم مع شيخه لم؟ أولا ليس كل وقت يكون بال المعلم وبال الشيخ جيدا محبذا لإجابة السؤال، هو بشر يعتريه ما يعتري البشر، وأعظم إذا كان السؤال بالهاتف في مثل هذا الزمان فإن المتصل لا يدري ما حال الشيخ فقد يكون جوابه ليس تاما وقد يكون لا يريد الجواب ونحو ذلك، فالطالب يكون عاذرا لشيخه في كل ما يحصل منه من جهة السؤال والجواب، وأن يكون ذا هيبة وأن يتحرى الوقت المناسب للسؤال، فلا يسأله مثلا وهو متعب، لا يسأله في وقت يكون من حقوقه؛ يعني من حقوق الشيخ مع نفسه أو مع أهله، لا يسأله في وقت يريد الانصراف؛ لأن باله يكون مشغولا، قد لا يستحضر الجواب من كل جهة ومراد المتعلم من السؤال أن يستفيد من شيخه، وهذا إنما يكون في حال يكون فيها الشيخ مع طلابه حسن الاستحضار مرتاح البال فيفيض عليهم مما عنده، أما إذا كان باله غير جيد فينبغي لطالب العلم أن يتحرى وأن يكون شيخه محسا بأن هذا يهابه ويحترمه ويحبه فإنه يختصه ويخصه بـأشياء قد لا يفيضها على الآخرين، وهذا ظاهر بين في سيرة كثيرة من أهل العلم، أنظر مثلا كم نقل ابن القيم رحمه الله عن شيخ الإسلام ابن تيمية من مسائل لم ينقلها غيره؛ بل كان يخصه بكلمات وبفوائد وبعلوم لم يعطها غيره، وكذلك أهل العلم فيما يتواردون فإنهم يختصون بعض طلابهم بأشياء، وهذا إنما كان نتيجة لحسن أدب الطالب، وحسن إظهار هيبة الشيخ ووقت السؤال ونحو ذلك مما هو من الآداب العامة.
صيغة السؤال أيضا مهمة، عدم الاعتراض في الجواب هذا مهم، فإذا كان مثلا في الدرس فلا يحسن إذا أجاب الشيخ إجابة أن يعترض الطالب؛ بل يذهب معه وينبهه إلى رأيه في المسألة، إذا كان هو مثلا يعني الشيخ ترك شيئا أو ما استحضر الجواب أو أخطأ أو ذهب ذهنه إلى شيء آخر ونحو ذلك من عوارض البشر، ينبهه والأصل في أهل العلم أن يكونوا رجّاعين إلى الحق، فإذا استبان الصواب إلى الشيخ من جرّاء كلام الطالب عنده فإنه ينبه الطلاب بعد ذلك على هذا الأمر.
فإذن نخلص من هذا إلى شيئين:
الأول أنه لا يُشترط أن يكون العالم مصيبا دائما مفصلا للمسائل دائما، قال كنا –يعني في رواية الحديث- إذا نشطنا أسندنا وإذا كسلنا أرسلنا. يعني قد يكون الحديث مسندا عند العالم فيختار أن يكون مرسلا، فيقول مثلا عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كذا وكذا، أو يقول الزهري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، وإذا نشط أسند، وهذا يعني أن العالم قد يكون عند الجواب مفصلا؛ لكن لأجل شيء في باله، أو ضيق المجلس، أو ما يعتري المرء عادة يختصر الجواب، وقد يكون ثم في الاختصار شيء من الخلل. ( )
يأخذ الجواب ويعرف اجتهاد العالم أو رأيه في هذه المسألة أو جوابه على السؤال؛ لأن الشيخ والعالم أو المعلم ليس دائما نشيطا أن يقول كل ما عنده، فتارة يكون نشيطا وتارة لا يكون نشيطا، فتجد الجواب مختصرا وأحيانا ربما كلمة واحدة.
من الآداب أيضا وهو الرابع أن يكون طالب العلم مع شيخه صبورا:
والصبر يعني في التعلم.
والصبر على أخلاق شيخه.
والصبر على انتزاع الفوائد منه.
هذه ثلاثة أشياء:
• أما المسألة الأولى فصبره على التعلم: في أن يكون صابرا على حضور الدرس، كما قلنا إذا كان واثقا بعلم شيخه فلا يحكمن على شيخه أو يزهَد فيه إذا حضر درسا أو درسين أو ثلاثة، فهذا ربما تأتي عوارض، أو نوع الدرس يحدده، أو المتن ما فيه مجال للتفصيل وللإفادة، فلا يكن الطالب عجِلا غير صبور في الحكم في التعامل مع شيخه وفي الحكم عليه، وهذا كثير عند الشباب في أنهم يستعجلون في الحكم ولا يصبرون خاصة مع المشايخ الكبار الذين لهم علم بالعلوم الأصلية في الشريعة، والصبر عليهم ومعهم يفيد الطالب كثيرا.
• أما الثانية فالصبر على الشيخ من جهة أخلاقه، فقد قدمنا طرفا منه؛ ما يشير إشارة إلى أصل ذلك، وقصة موسى عليه السلام مع الخضر معلومة لديكم, كيف أنّ موسى عليه السلام كما روى البخاري وغيره «سئل فقيل له من أعلم أهل الأرض فقال موسى: أنا. فأوحى الله إليه إيتي عبدَنا خضرا, فإنه أعلم منك». في القصة المعروفة وموسى عليه السلام لما صحِب الخضر لم يصبر عليه, قال في المرة الأولى له -ركب السفينة فخرقها الخضر- فقال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾[الكهف:71-72], لأن الأصل الصبر، المرة الثانية سأل فكرر عليه الجواب، فقال الخضر لموسى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾[الكهف:75] هذه فيها تخويف وفيها غلظة, ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا﴾[الكهف:75] ثم فارق الكليم الخضر بسبب عدم الصبر, ولو صبر- وددنا أن موسى صبر – لأخذ منه علما كثيرا.
فهذا الأصل العام؛ وهو أن الطالب مع الشيخ يكون صبورا ولا يستعجل عليه في مسائل لا يحسنها الطالب, هذا وجدناه من بعض الإخوان؛ أنهم يستعجلون، خُذْ مثلا علم قبل مخالطته لهذا العالم, هذا الشيخ, علم مسألتين أو ثلاث مثلا في مصطلح الحديث علم حكم المرسل أو حكم الحديث الضعيف والاستدلال به أو نحو ذلك أو الحديث هذه ضعيف أو الحديث هذا ليس بصحيح، أو علم أن الراجح في المسألة كذا، فإذا خالط هذا عالما وابتدأ هذا بكلام ذهب ذاك لعدم صبره يعارضه، فيقول مثلا معترضا هذا حديث مرسل، أليس هذا الحديث مرسل يا شيخ؟ -مثلا-، يقول هذا الحديث أليس حديثا ضعيفا؟ ونحو ذلك، وهذا الطالب لقلة صبره وأيضا لقلة العلم فإنه اعترض وهذا الاعتراض الذي هو من جراء عدم الصبر يسبب المفارقة وعدم إحسان الشيخ الظن بهذا الطالب وعدم إفادته، ومعلوم كما قلنا أن العلوم مختلفة وأن المشايخ مختلفون في استعداداتهم وفي علومهم وأيضا الطالب قد يكون متأثرا بكلام عالم فيأخذ هذا الكلام ويدلي به على عالم فيقع عدم الصبر والاستعجال.
• الثالث في مسائل عدم الصبر ترك الصبر الذي يفضي إلى خسارة في اقتناص الفوائد: العلم مراتب؛ هناك علم هو تقرير للعلم مثل تحضر تسمع شرح كتاب وتقرير على متن أو تقرير على كتاب مطوّل، هذا علم يمكن أن يؤدى والطالب يسمع؛ لكن هناك فوائد لا يجدها الطالب في كتاب بسهولة؛ فوائد متنوعة حصَّلها الشيخ من مشايخه المتنوعين ومن معلومات كثيرة ومن قراءات متنوعة بضوابط وفوائد ونحو ذلك، وهذه الفوائد والضوابط والنُّكات الرصينة هذه لا يوصلها الشيخ للطالب لأي طالب؛ بل يخص بها طلابه؛ لأنها من الفوائد المهمة عنده، فلا يظهرها لكل أحد، لهذا إذا صبر المتعلم على العالم فإنه يخصه بأشياء تفتح له باب العلم، بل ربما الواحدة من تلك الفوائد تساوي رحلة كما يقال.
لهذا ينبغي لطالب العلم أن يكون صبورا وأن يعلم أنه كلما طالت صحبته لشيخه وكلما طال حسن أدبه معه وكلما كان صبره عليه أكثر كلما أعطاه من العلم؛ من العلم الخاص الذي قد لا يكون ثم مناسبة لإبدائه لكل أحد، رأي العالم في الناس، رأي العالم في الأوضاع، رأي العالم في بعض المسائل الخاصة ونحو ذلك، هذه قد لا يحسن أن تهدى في الدروس، وإنما قد يخص بها بعض الطلاب، وهذا إنما يكون لمن عنده الأدب مع الشيخ وحسن ظن الشيخ بالطالب في أنه حافظ لكلامه مستفيد منه.
الأدب الذي يلي هذا وهو الخامس أن يعلم الطالب أنّ حضوره لمجلس الشيخ إما في علم أو في مجلس ليس من مجالس العلم؛ يعني في مجلس معتاد في بيته أو يصحبه في رحلة أو يمشي معه في وعظ أو إلقاء دروس أو محاضرات أو علم أو نحو ذلك، أو يصحبه في حج أو في سفر إلى آخره، أنْ يكون طالب العلم مع الشيخ متحريا للاستعداد؛ يعني أن لا يبتدئ الكلام دون استعداد منه لذلك، بل يقتنص هذا الوقت ولو كان ضئيلا في أن يأتي الأسئلة المهمة المشكلة، أو أن يتحرى الفوائد التي لا يكون المجال مفتوحا أن يلقيها دائما، وهذا يحتاج إلى استعداد، معلوم أنّ كل طالب علم إذا قرأ فإن لديه مشكلات يشكل عليه قراءة في الكتاب الفلاني وكلام العالم ويشكل عليه فتوى العالم ولا يدري ما وجه هذا؛ هذا الحديث كيف يوجه، الفتوى على كذا والحديث فيه كيف نوجه هذا، أنت قلت –مثلا- مرة كذا والسنة دلت على كذا، بما توجه هذا؟ وأشباه ذلك من المشكلات التي تعترض طالب العلم في قراءاته، ومن المشكلات التي تعترض طالب العلم فيما يسمع من الفتاوى والعلم، فإن هذه تحتاج منه إلى وقت مناسب إلى السؤال، وهذا كما ذكرت يحتاج إلى استعداد.
فإذن صلة طالب العلم بشيخه في مجلس العلم أو في خارج مجلس العلم لا بد أن يكون على استعداد لا يأتيه للمجلس هكذا عفوا، وخاصة في هذا الزمن الذي الوقت في أصبح أقل من القليل، فإذا أراد طالب العلم أن يستفيد من المعلم أو من شيخه أو من العالم فيكون مستعدا للحضور فيما يفكر به وفيه وفيما سيعرضه قبل حضوره من الناس مثلا من يظهر على باله سؤال وقت الجلوس فيلقيه وهذا غير مناسب؛ لأنه قد لا تكون أنت مفكرا في السؤال من كل جهة فيأخذ العالم أو الشيخ الانطباع عنك بأنك تستعجل في السؤال وبالتالي قد لا يفتح لك ويفصل لك أو يعطيك المنزلة اللائقة بعلمك، فينبغي أن يكون طالب العلم مستعدا في مخالطته للعلماء وللمشايخ في أن يكون حذرا في الكلام هائبا بأن يسأل إلا بشيء يحسن السؤال عنه لا يورد إشكال إلا بإشكال يحسن الاستفهام عنه وهكذا، وأما أن يحضر ويلقي أي سؤال أو أي كلام ونحو ذلك فهذا ليس مناسبا لأنه قد يعطي الشيخ نظرا للطالب العلم ليس بحسن.
هذه بعض آداب عامة مع المشايخ، والأدب الذي ينبغي حفظه وتجده في الكتب التي ذكرنا بكثرة أن موالاة طالب العلم لشيخه أنها واجبة، ومعنى الموالاة يعني أن يحبه وأن ينصره وأن يذبّ عنه ونحو ذلك بما يعلمه هو، ولهذا جاء في كتب الآداب أو في بعضها أنه يُحرم الطالب من علم الشيخ إذا كان مغتابا له، وهذه مجربة لأن غيبة طالب العلم للشيخ تُفقد محبته وتفقد الاستفادة من علمه بعد ذلك، والأمور تأتي شيئا فشيئا؛ لأن القلب كلما كان أكثر محبة وأكثر قبولا لما يُقال ورغبة في هذا المعلم أو في هذا الشيخ أو العالم كلما كان أذب عنه واحفظ لعرضه وأكف اللسان عنه، وما علمنا أحد من خاصة طلبة أحد من أهل العلم المتقدمين أو المتأخرين إلا وينشرون محاسنهم، معلوم أن العلماء أو طلبة العلم ليسوا بأنبياء ولا يشترط فيهم الوَلاية؛ يعني أن يكونوا من كُمَّل المؤمنين وإنما يستفاد منهم على ما فيهم، وكلما كان العالم أو الشيخ أكثر إتباعا وأكثر استقامة وأكثر مجاهدة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر فهو أعلى لمقامه، لكن يؤخذ من العالم ما عنده وألا يتْبع العالم بزلته، فالعالم لا يتَّبع في زلته، وكذلك لا يُتْبَع في زلته، فلا يشنع عليه بأشياء يقولها مثلا وتنشر عنه ويترك الخير الكثير الذي يقوله فلو تتبع الناس سقطات العلماء في الماضي من الأموات رحمهم الله تعالى ورفع درجتهم لوجدوا شيئا كثيرا، فما من عالم إلا وله زلة ولما ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة قتادة بعض ما رُمي به مع أنه فيما ذكر كلام لكن قال لو –بل هو في ترجمة محمد بن نصر المروزي ليس في ترجمة قتادة- لما ذكر بعض ما قيل قال: ولو فتحنا هذا الباب يعني ما يقال لما سلم لنا محمد بن نصر المروزي ولما سلم لنا ابن منده ولما سلم لنا فلان وفلان. فإذن العلم يغتفر قليل خطئه مع كثير صوابه كما قال ابن رجب في فاتحة كتابه القواعد حيث قال: فلقد سنح بالبال –يعني يصف كتابه- على جناح الاستعجال في أيام يسيرة وليال والمنصف من اغتفر قليل خطإ المرء في كثير صواب. وهذا هو المنصف، يعني كل عالم لابد أن يكون له غلط هل يشترط في العالم أن يحرر كل مسألة أو أن يكون إماما في كل مسألة ولو ذكرنا ما نقل فمال رحمه الله تعالى نقلت عنه أشياء كما هو معلوم، الشافعي رحمه الله نُقلت عنه أشياء، أحمد رحمه الله نقلت عنه أشياء، أبو حنيفة رحمه الله نقلت عنه أشياء، وهكذا، العلماء ما منهم أحد إلا وثَم شيء، قال بعض أهل العلم هذا فيه حكمة من الله جل وعلا حتى لا يظن الناس بعالم أنه وصل مرتبة الأنبياء في أنه يؤخذ قوله كله، وأن يقبل بعمله في الإقتداء كله؛ يعني أن يقبل بعلمه كله في الإقتداء، فلا بد من ظهور بعض النقص، وكلما قل النقص كلما ظهرت إمامة العالم وازدادت مكانته للناس وكلما زاد النقص كلما قلت مكانته وهكذا.
فإذن ينبغي لطالب العلم أن يتحقق قول الله جل وعلا ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾[التوبة:71]، وأن يتحقق قول الله جل وعلا ﴿يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:11]، وأن يعلم أن أهل العلم هم أهل الرفعة في هذه الدنيا وأن أهل العلم درجات فلا يجعلنهم في مرتبة واحدة وأن يطلب الكمال في العالم أو في المعلم أو في شيخه, هذا لا يكون، وما من أحد إلا وله قصوره إما في مقاله أو في أفعاله أو تصوره للمسائل أو في إلقائه للعلم، فيأخذ الطالب من العالم أحسن ما يجده والحَكم في ذلك كله سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
هذه كلمات مختصرة في ابتداء هذا الدرس.
وأسأل الله جل وعلا أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا متأدبين مع علمائنا مشايخنا، وأن يلحقنا بالصالحين، وأن يجعلنا بزمرة العلماء العالمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
الأسـئلة:
1/ سؤال يكتب لثالث مرة ورد عن الإمام أحمد أنه كان يترك السنة الراتبة، فإذا سئل عن ذلك قال اكتفينا بدرس أبي زرعة أو كلمة نحوها, -(اكتفينا عن الرواتب بمذاكرة العلم مع أبي زرعة) هذه كلمة الإمام أحمد- فهل ينطبق هذا على وضعنا في هذا المسجد؟
الجواب: لا، لا يُتصور في عالم أو في طالب علم أو في رجل صالح يرجو ما عند الله جل وعلا ويحب المصطفي صلى الله عليه وسلم أنه يترك النوافل، فمن ترك النوافل ردت شهادته كما قال أهل العلم، وإنما قد يترك العالم أو طالب العلم بعض النوافل لمصلحة راجحة؛ لأن النوافل نفعها قاصر، وقد ينشغل طالب العلم بما نفعه متعدٍ ويفوت وقته، فأبو زرعة من أهل الرأي فلما قدم بغداد تذاكر العلم مع أحمد ليلة كاملة حتى أصبح من بعد صلاة العشاء وفي النهار فترك الإمام أحمد الرواتب والوتر فيما يُذكر، وهذا لأجل أن مذاكرة العلم مع أبي زرعة هذا نفعها متعدٍ للأمة مصلحتها عامة في العلم وفي الإرشاد وفي نقد الأحاديث وفي تعليلها ونحو ذلك، والرواتب قاصرٌ نفعها على من أداها وأيضا مذاكرة أبي زرعة تفوت والرواتب يمكن أن يزيد من النوافل المطلقة في وقت لاحق ويأتيه الثواب؛ يعني أنّ الأصل المتابعة في السنة، الأصل أداء هذه الرواتب، وقد يعرض لطالب العلم، قد يعرض للشيخ ما يرجحه من جهة أنه أفضل شرعا لا من جهة هواه أو من جهة رغبته، ومعلوم أن الرواتب أنها ليست مفروضة لكن من جهة المصلحة التي يرجوها في تركها المصلحة المتعدية، فهذا يسوغ، لكن لا يكون ديدنا له ولا هديا له.
وهذه لها نظائر فبعضهم ترك قيام الليل لأجل التفكر، وبعضهم ترك بعض الصلوات لأجل التأليف يعني الرواتب لأجل التأليف، ونحو ذلك مما هو معلوم.
2/ ما حكم تحية المسجد ماذا أفعل لو دخلت المسجد في وقت نهي؟
تحية المسجد سنة مؤكدة وليست بواجبة على الصحيح، وإذا دخلت المسجد وقت نهي فالعلماء اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا طويلا، والاختلاف من جهة الترجيح فيه صعوبة.
ومن أهل العلم قال النهي مقدم؛ النهي عن الصلاة في هذه الأوقات يعني أوقات النهي، وتحية المسجد سنة والنهي يدل على التحريم فلا تصلي وقت النهي، وهذا مذهب الإمام أحمد وجمع من أهل الحديث.
وآخرون من أهل العلم قالوا إن النهي عن الصلاة في وقت النهي هي الأوقات الخمسة المعروفة، ثلاثة أوقات مضيقة ووقتان واسعان، هذا لغير الصلوات ذوات السبب، أما إن كانت الصلاة لها سبب مثل ركعتي الوضوء ومثل تحية المسجد والاستخارة وركعتي الطواف وركعتي الدخول في الإحرام عند من قال به ونحو ذلك، فإن هذا يعتبر من ذوات السبب فتُفعل وقت النهي، وهذا مذهب طائفة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وينصره طائفة من أهل العلم في هذا الزمن.
والشوكاني رحمه الله لما عرض إلى هذه المسالة ذهب مذهبا غريبا، هو أصولي وتعارضت عنده الأدلة؛ لأن الدليل الذي فيه الأمر بصلاة المسجد فيه الأمر بتحية المسجد هذا فيه عموم، فيه أنه إذا دخل في أي وقت فيركع ركعتين، والنهي عن الصلاة هذا فيه خصوص الأوقات ولكنه فيه عموم الصلوات، وذاك فيه عموم الأوقات وفيه خصوص الصلاة، فأي العمومين يقضى به على الآخر وأي الخصوصين يقضى به على الآخر؟ نظر فيه نظر أصولي ولم يترجح له شيء –في نيل الأوطار-، وقال: إن قلتَ ما الذي تحصل لكَ في هذه المسألة المشكلة؟ قلتُ: تحصل لي أن لا تدخل المسجد وقت النهي، حتى لا تصلي تحية المسجد. يعني لا تدخل المسجد أصلا.
وهذا يبين لك أن المسألة مشكلة من جهة الترجيح لتعارض العمومين فيها والخصوصين، وإذا أعملنا القاعدة أن الاحتياط يقضي بالترك لأجل النهي، وأن درأ المفسدة مقدم وإذا اجتمع حاظر ومبيح فيقدم الحاضر ونحو ذلك من القواعد، فإنه يرجح بذلك عدم أداء الصلاة وقت النهي كما هو مذهب الإمام أحمد, ومن نظر أنها ذات سبب وأنّ النبي عليه الصلاة والسلام أمر الرجل الذي أتى وهو يخطب في الجمعة وقال له «أصليت ركعتين» فقال: لا, فقال «قم فصليهما», وأن ذلك كان وقت نهي, جعل ذلك من ذوات الأسباب.
وتبقى المسألة فيها هذه المذاهب.
3/ ما رأيك يا شيخ في الإكثار من الأسئلة على الشيخ من باب الأخذ أكبر كمية من العلم, أي حرصا من الطالب؟
أولا العلم ليس بالسؤال, العلم بالتعلم, السؤال كاشف عما يشكل في العلم، وإذا كان طالب العلم يُكثر من السؤال لأخذ العلم فلن يحصّل علما؛ لأن الأسئلة لا يجمعها زمام، ومعلوم أنّ تقرير العلم من جهة الكتب غير الجواب على الأسئلة، وقد نأتي تقرر المسألة في كتاب ونفصل الكلام فيها ويأتي السؤال ويكون الجواب عليها مقتضبا أو يكون الجواب له منحنى آخر.
فإذن العلم التأصيلي ليس بالأسئلة، هذا كأصل تأخذ معك، الأسئلة إنما تنفع لكشف ما يشكل، شيء يشكل عليك في العلم تسأل عنه لكشفه، وأما إذا كان السؤال للتعلم فليس كذلك، فالعلم ليس بالسؤال وإنما يؤخذ العلم بالتعلم والسؤال بالعلم في كشف ما يشكل من العلم.
4/ من الملحوظ قلة من يتصدى لتدريس علوم الآلة من أهل العلم فما هو السبب، وما هو الحل بالنسبة للطالب؟
علوم الآلة محدودة، ولا ينبغي للطالب أن يُكثر من علوم الآلة على حساب العلوم الأصلية؛ علوم الشريعة العقيدة، التوحيد، الفقه، الحديث التفسير، هذه هي العلوم الأصلية التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، ويأخذ من علوم الآلة ما يحتاجه لفقه الكتاب والسنة، هذا هو الأصل الذي ينبغي لطالب العلم أن يتعاهده.
علوم الآلة طويلة عريضة ليس لها طرف، بحر لا ساحل له، وهي علوم اصطلاحية، والتحقيق فيها وفهمها يحتاج منك إلى وقت طويل وإلى أخذ عن عدد من العلماء؛ لأن استيعاب تلك العلوم متنوع، وعرض تلك أيضا متنوع، فمنهم من يعرضها بتوسط، ومنهم من يعرضها بطول، من أهل العلم من يعرضها لحاجة الطالب لما هوفوق حاجة الطالب إلى آخر ذلك، فلذلك أنت تأخذ منها ما ينفعك في فقه الكتاب والسنة، وخاصة النحو وأصول الفقه، النحو وأصول الفقه هذه ينبغي على كل طالب علم أن يعتني بهما، ولم أذكر أصول الحديث يعني المصطلح؛ لأن الغالب يهتم بالمصطلح، غالب من نرى من الإخوان الاهتمام بالمصطلح، لكنهم لا يهتمون بالنحو ولا بأصول الفقه، وهما علمان مهمان فالعلوم الثلاثة هذه: أصول الفقه، أصول الحديث، أصول العربية يعني النحو، هذه أهم علوم الآلة.
5/ قد يوجد تقرير لبعض العلوم عند بعض الأصاغر بما لا يجده المرء عند الأكابر، فيترك هؤلاء ويلزم هؤلاء في أخذ العلوم؟
الجواب: أن العلم يؤخذ ممن يفيد فيه، فقد يكون الصغير أكثر إفادة، لكن لا يترك طالب العلم أهل العلم الكبار لا يسألهم ولا يحضر دروسهم ولا يأخذ من هديهم ولا يحضر مجالسهم، هذا يعطي خللا في بِنية طالب العلم في نفسه، الذي ينبغي أن يأخذ العلم ممن يفيده، إذا كان طالب العلم الذي هو أقل في سنه أكثر إفادة للطالب فيأخذ منه، ولكن لا يترك أهل العلم الكبار والمشايخ.
فهنا مسألة ينبغي التنبيه عليها، وهي أنه ليس تقييم طالب العلم من جهة الفائدة الكبرى أو كَثرة الفوائد يكون بكثرة الكلام، قد يكون الشرح طويلا لكن الفائدة قليلة، مثل ما قال ابن رجب في كتابه ”فضل علم السلف على علم الخلف“ وهو كتاب مفيد ومهم جدا –فضل علم السلف على علم الخلف- قال: كلام السلف قليل كثير الفائدة، وكلام الخلف كثير قليل الفائدة. قد يكون المعلم الذي سماه الأخ السائل سماه من الأصاغر يعني ممن يصغر الكبار في سنه أو نحو ذلك قد يكون أكثر تفصيلا أو أكثر معلومات لكن طريقته لا تفيد الطالب هذا لا يعني أنه أكثر إفادة، قد تكون المعلومات أكثر ولكن الإفادة أقل، قد يكون كلامه من جهة التفصيل ومن جهة الاستطراد أكثر ولكن إفادته أقل؛ لأن العالم يربي طالب العلم في العلوم، يريبه شيئا فشيئا يعطيه ما ينفعه وما يحتاجه في فهم المتن، في فهم الكتاب الذي يُقرأ عليه، وهذا لابد فيه من رعاية لهذا، ذكر العلماء في قوله تعالى ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾[آل عمران:79]، أن الربانية هو الذي يربي الطلاب بصغار العلم قبل كباره يعني في التربية (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) ففي تعليم الكتاب وفي الدرس يحتاج إلى تدرج، فإذن ينبه الطالب لأن الأصاغر لا يعني كثرة كلامهم وكثرة تأصيلاتهم أنها أنفع، فقد تكون أنفع وقد لا تكون أنفع بحسب المنهجية والطريقة.
6/ بعض الطلاب يهتمون كثيرا بالدروس في المساجد ولا يهتمون بالدراسة المنهجية في الجامعة، فيكون الطالب متعثرا في الدراسة المنهجية بحجة أنّ العلم يؤخذ من المساجد؟
هذا غير صحيح؛ بأن الدراسة الجامعية ليست مفيدة، لا الدراسة الجامعية مفيدة، ولكن:
كثرة المعلومات واحد،
عدم بروز المعلمين فيما يعلمون اثنين.
وعدم ثقة الطالب في مشايخه في الجامعة لأسباب، ثلاثة.
أيضا ضعف بعض الأساتذة في الجامعة في المستوى العلمي يجعل الطالب لا يتفاعل مع الدرس في الجامعة.
أيضا الهدي العام، والسمت وملازمة السنة، وإذا سأل الطلاب بعض الأساتذة في الجامعة وجاءت إجاباتهم ليست بمستقيمة فإنه لا يحسن الظن به أوْلا يستفيد منه.
فيه عوامل كثيرة وأسباب كثيرة، تجعل الطالب لا يحسن أو لا يحبذ الدراسة في الجامعة من جهة الجد، وهذا ليس جيد.
الكتب التي تدرسها في الجامعة في الإجمال كتب منهجية عظيمة لكن قد تكون أعلى من مستوى بعض الطلاب فهي موضوعة لمستوى الطلاب قبل ثلاثين سنة، نفس الكتب التي درسها الآن يدرسها الطلاب مثلا في الشريعة يدرسوها في أصول الدين هي نفس الكتب التي كانت تدرس منذ عشرين سنة ثلاثين سنة لما كان الطلاب يقرؤون على المشايخ وكانوا أقوى وكانوا يتخرجون من المعاهد العلمية ومستواهم أعلى.
فإذن الخلل متنوع، فكثرة المعلومات التي يتلقاها الطالب في الكلية تجعله ما يتحمل، ويجد أن الدراسة في المسجد أيسر، أيضا من الدراسة في الجامعة يجد أنها ليست بالطريقة التي يرتاح إليها.
هذه نظرة عامة، يبقى ولا شك أنّ المسجد يبقى له بركته، مكان عبادة وهو أحب البقاع إلى الله جل وعلا، واجتماع الطلاب وهم جالسون على الأرض ويسمعون ويثقون بالمعلم ويأخذون منه، وكلٌّ يحرص على هذا الدرس هذا أمر نفسي وأيضا عبادي ويجعل النية فيه صالحة، ولهذا يستفيد أكثر، فإذن المسألة تحتاج من طالب العلم إلى تعاهد في نفسه وكل يقيّم نفسه.
7/ هل يصح أن يقال إن من صفات طالب العلم كثرة الشيوخ حتى يتجرد طالب العلم من التعصب للرجال كما يظهر من حال أهل الحديث بخلاف كثير من حال أهل الفقهاء؟
التعصب مذموم بالاتفاق، التعصب مذموم بالاتفاق؛ باتفاق المحدثين والفقهاء وجميع أصناف العلماء، لكن ما هو التعصب؟
التعصب أن تأخذ بقول وتنصره وتدفع غيرَه مع عدم وضوح الدليل عليه، هذا هو التعصب تأخذ بقول فلان لأنه قال، والأصل عندنا أن الحق لا يعرف بالرجال، ولكن الرجال يعرفون بالحق، هذا الأصل العام عند السلف؛ يعني أن قبول كلام المتكلم إذا كان على إطلاقه وتدفع عنه وتنصره سواء وافق الحق أم لم يوافقه ولو ظهر لك الدليل بخلافه، فهذا هو التعصب المذموم هذا هو الذي يقال فيه تعصب، أما أن يكون الرجل محبا لشيخ من المشايخ ويأخذ بأقواله لظهور دليلها عنده، أو يأخذ طائفة من الناس بمذهب من المذاهب لظهور الدليل عندهم فيه أو لمتابعتهم لتأصيل المذهب هذا ليس بتعصب إذا لم يردوا القول الحق إذا ظهر الدليل.
فإذن ثَم فرق ما بين المتابعة والتقليد، فقد يتابع المذهب في مسالأة ويتابع شيخا معينا في مسألة لاقتناعه بكلامه مع كون السنة تكون بخلافه، لكنه هو مقتنع بكلام هذا العالم ويوجهه نظره في هذا الدليل وبتوجيهه لهذا الاستدلال ونحو ذلك فيأخذ به هذا لا يعد تعصبا، فلو كان كذلك لقيل في كل من أخذ يقول أحد من أهل العلم إنه يتعصب له، وهذا ليس بصحيح.
فإذن كثرة الشيوخ قد تكون محمودة وقد تكون مذمومة؛ قد تكون محمودة إذا كانت في تنوع العلوم، وقد تكون مذمومة إذا كانت كثرة الشيوخ تسبب الإرباك لطالب العلم في طلب العلم، بعض الناس يذهب هنا يحضر لعشرة أو لستة أو ثمانية من أهل العلم هنا وهناك وفي النهاية ماذا حصّل؟ تجد أنه لم يحصّل، والأفضل أنه يجعل له شيخا مختصا في التوحيد والعقيدة فيأخذ طريقته حتى ينهيها معه، ثم بعد ذلك يريد أن ينتقل إلى غيره لا بأس، هو يأخذ له شيخا في الفقه ويأخذ ما عنده، ويأخذ له شيخا يثق به في السنة؛ الحديث ويأخذ ما عنده في ذلك، ثم كل طالب علم تتكون شخصيته بقدر تأثير الشيخ المعين فيه، هو يميل لفلان في الفقه، يميل إلى فلان في الحديث بحسب استعداداته وما جعل له، طلاب شيخ الإسلام ابن تيمية منهم المتخصص في العقيدة، ومنهم المتخصص في الفقه كابن مفلح، ويكون في غير ذلك أقل، ومنهم المتخصص في الرد على المتصوفة ومنهم المتخصص في الرجال ونحو ذلك.
فإذن لا يعني الأخذ من شيخ والذب عنه وتلقي ما يقول أن يكون الرجل الطالب كهيئة شيخه في كل شيء لا يعني ذلك بل يكون هو باستعداداته وبما وهب الله جل وعلا وما يسر له وما قدر له «واعملوا فكل ميسر لما خلق له» يكون ينصبغ بصبغة جديدة بحسب ما كتب الله جل وعلا له، كما يظهر من حال أهل الحديث بخلاف حال كثير من الفقهاء، بعض أهل الحديث يتعصبون أكثر من تعصب الفقهاء، وبعض أهل الفقه يتعصبون أكثر، وهذا ليس على إطلاقه أن كل من كان من أهل الحديث ليس بمتعصب وكل من من أهل الفقه فهو متعصب هذا ليس بصحيح، ولا يقول هذه من يفقه العلم ويعرف مدارك أهله؛ لأن أصلا التقليد يجري مثلا أخذ قول العالم الفلاني بأن الحديث صحيح؛ أحد العلماء قال هذا الحديث صحيح وبناء عليه نأخذ كذا وكذا، طيب هل هو شارك العالم الفلاني الذي أخذ قوله هل شاركه في صحة الحديث؟ هل شاركه في البحث وصارت صحة الحديث عنده عن دليل لا عن تقليد؟ سؤال .
الثاني هل إذا نظر في الرجال نظرا متجردا سيشارك هذا العالم؟ لا، الخلاف في درجات الحديث وهل هذا الحديث حسن أو ضعيف بين أهل العلم في الحديث أكثر من خلاف الفقهاء؛ لأنها مبنية على الحكم على الرجال، ومعلوم أن الرجال من الرواة المتفق عليهم قليل؛ قليل جدا وأكثر الرواة مختلف فيهم، إما من جهة الثقة والضعف عل هو ثقة أو ليس بثقة، وإما من جهة صحة حديثه مطلق في بعض الأحيان كحال المختلطين، وإما من جهة صحة حديثه في بلد وعدم صحته في بلد آخر كحال عدد مثل معمر وغيره، معمر من رواة الصحيح لكن حديثه في البصرة إذا علمت أن الحديث هذا في البصرة فإنه ضعيف وإن كان من رواة الصحيحين، وهو من الأفذاذ في العلم، وهل هذا الحديث معلل؟ ومعلوم أن العلل والتعليل يدخلها الاجتهاد، هل يرجح قول يحيى القطان في هذا الرجل على قول أحمد؟ هل يرجح قول بلدي الرجل؛ يعني إذا كان الرجل كوفيا نرجح قول العالم من الكوفة نوثقه أو نرحج قول البغدادي في توثيقه؟
هذه مسائل كلها تبين لك الكلام في صحة الإسناد أيضا فيه خلاف وميدان فيه اجتهاد والأخذ والنظر.
هل يؤثر العمل في صحة الحديث أم لا يؤثر؟ هل تؤثر رواية الصحابي في تقوية المرفوع أم لا؟ وهذه مسائل كثيرة تحتاج إلى نظر.
ولهذا نقول إنّ التقليد يكون من أهل الحديث في صحة الأحاديث وفي قبولها كما يكون في أهل الفقه في قبول الفتوى ونحو ذلك، فالتقليد موجود لن يسلم أحد من التقليد لكن هو درجات والتعصب هو المذموم.
8/ كيف نفسر قبول كثير من السلف عند النظر في بعض شيوخهم أنهم أهل نحل وملل من غير أهل السنة والجماعة مع أن المشهور عن السلف انتقاء الشيوخ؟
هذا الكلام ليس صحيح على إطلاقه، فالسلف في رواية المبتدعة لم يجعلوا المبتدعة على درجة واحدة، بل التحقيق أن المبتدعة من أهل الرواية درجات، فإذا علموا أنّ هذا الراوي الذي اُتهم بالبدعة أنه صادق في قوله صادق في روايته فإنه يقبل حديثه ولا يقبل مطلقا، بل يقبل بعض حديثه انتقاء كما خرج البخاري لعمران بن حطان كما خرّج لقتادة وكان يرى القدر إلى آخره، هناك عدد من أهل العلم من رواة الحديث لم تؤثر بدعتهم في صدق حديثهم، وكان منهم من أثَّرت بدعته في صدق حديثه، كما قال أحدهم كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا.
بعض أهل العلم يقول لا يؤخذ برواية المبتدع فيما يؤيد بدعته أما في غيرها فلا بأس.
والتحقيق عند أهل العلم عند المحققين كما ذكرها ابن رجب رحمه الله وكلامه متين في آخر شرح علل الترمذي أنّ المسألة فيها تفصيل، وأنه لا يُطلق القول بقبول رواية المبتدع ولا يُطلق القول بردها، بل لابد من التفصيل.
والمذاهب في المسألة متعددة:
منها من ذهب من يرد أحاديث المبتدع مطلقا هذا مذهب شائع.
ومنها يقول العمدة في رواية المبتدع صدقه فإذا ثبتت ثقته من جهة الصدق فلا ننظر إلى عدالته من جهة البدعة، وهذا مذهب بعض المتأخرين وليس بجيد.
ومذهب المحققين من أهل العلم كالبخاري ومسلم والإمام أحمد وجماعة أنهم ينظرون إلى هذا المبتدع فيما يروي بحسب بدعته، فلا يجعلون البدع مرتبة واحدة فبدعة الإرجاء لا يجعلونها كبدعة الخروج؛ يعني أن يكون مرجئا ليس كأن يكون خارجيا، فالقدري حال، الجهمي حال، المعتزلي حال... ( )

بسم الله الرحمن الرحيم

وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى.
وإنَّه خَاتمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ، وحَبيبُ ربِّ العالَمين.
وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى.
وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء.
[الشرح]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين، أما بعد:
أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من أهل العلم النافع وممن يتعلم لوجه الله، كما أسأله سبحانه أن يقرّ في قلوبنا، وأن يعيذنا من مضلات الفتن ومن الأهواء ما ظهر منها وما بطن.
أما بعد:
فقول المصنف رحمه الله (وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى. وإنَّه خَاتمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ، وحَبيبُ ربِّ العالَمين. وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى. وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء) هذه الجملة من كلامه من التوحيد، وذلك أنه قال في أول الكلام؛ يعني في أول هذه العقيدة (نقُولُ في تَوحيدِ الله مُعتَقدينَ بتوفيق الله: إنَّ اللهَ واحدٌ لا شريكَ لَهُ) ثم مضى في ذلك وأتى في مقام الرسالة والكلام على النبوة فقال (وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى)، فهي معطوفة على قوله (إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ)، و(إِنَّ) هنا مكسورة لأنها معمول القول، ومن المعلوم في النحو أنّ (إِنَّ) تكسر إذا كانت تقدر مع ما بعدها بجملة؛ يعني أنّ (إِنَّ) مع ما دخلت عليه تقدر بجملة لذلك تُكسر إذا كانت بعد كلام يقدر ما بعده بجملة، ومعلوم أنّ القول له مقول، ومقول القول جمل وليس بمفردات، وهذا بخلاف فتح الهمزة في (أَنَّ) فإن القاعدة فيها أنها تفتح إذا كانت في تقدير المفرد أو المصدر، كما هو مقرر في النحو كما هو معلوم لكم جميعا.
المقصود أن قوله (وإِنَّ مُحَمَّداً) هذا بكسر همزةِ (إِنَّ)؛ لأنها مقول القول في أول الرسالة وهو قوله (نقُولُ في تَوحيدِ الله).
وبحث الرسالة والنبوة هو من توحيد الله جل وعلا:
• ووجه ذلك أنّ توحيد الله جل وعلا يطلق ويعنى به العقيدة بعامة فكل العقيدة بأركان الإيمان تدخل في توحيد الله، فتوحيد الله جل وعلا هو الإيمان، وهو المشتمل على أركان الإيمان الستة، والكلام على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام من ضمن ذلك.
• والوجه الثاني أنّ نبوة محمد عليه الصلاة والسلام هي طريق التوحيد؛ لأنّ توحيد الله جل وعلا لم يعلم إلا عن طريق الرسل، وفي ذلك تقريرُ أنّ العقول لا تستقل في معرفة توحيد الله جل وعلا وما يتضمنه ذلك وما يستلزمه ذلك، بل إنّه لا بد من بعثة رسلٍ وأنبياء للبيان ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء:165]، وبعثة الرسل بها عُلم حق الله جل وعلا وتوحيده؛ توحيد الإلهية، وبها عُلم نعت الله جل وعلا وأسماؤه وصفاته الكاملة الجليلة.
فإذن بعثة محمد عليه الصلاة والسلام وبعثة الرسل جميعا هي طريق توحيد الله جل وعلا ولهذا قال هنا (نقُولُ في تَوحيدِ الله [مُعتَقدينَ بتوفيق الله]: إنَّ الله واحدٌ لا شريكَ لَهُ) واستمر ومرّ حتى قال (وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى) يعني ونقول في توحيد الله: (إِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى). وهذه الجملة من كلامه رحمه الله تعالى فيها تقرير عقيدة عظيمة، وهي أنّ محمدا عليه الصلاة والسلام جُمعت له أوصاف ونعوت ومراتب:
• فمنها أنه عبد.
• ومنها أنه نبي.
• ومنها أنه رسول.
• ومنها أنه خاتَم الأنبياء والمرسلين.
• ومنها أنه حبيب رب العالمين وخليله.
• ومنها أنّ بعثته عامة للجن والإنس، وكافة الورى.
وسيأتي بيان هذه الجمل والصفات في شرح كل جملة بما تقتضيه.
نخصّ الآن من هذه الجمل المتعلقة بالنبوة قولَه (وَإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى) فذكر ثلاث مقامات لمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
وقوله (إِنَّ مُحَمَّداً) بدون أوصاف زائدة كسيدنا محمد ونحو ذلك فيه إتّباع لما جاء في الأحاديث الكثيرة من ذكر التعبد باسم النبي عليه الصلاة والسلام مجردا عن وصف السيادة وغير ذلك، وهذا هو المسنون والمشروع كما في دعاء المصلي في التحيات إذا جلس للتشهد وأشباه ذلك، وكما في قول المؤذن، وكما في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة وفي غيرها، فالسنة التي جاءت بها الأحاديث الكثيرة وعمل السلف أنّ مقام المصطفي عليه الصلاة والسلام أرفع ما يوصف به أنْ يوصف بمقام العبودية والنبوة والرسالة، وذلك لأن الله جل وعلا وصف نبيه بذلك في أعلا المقامات في أجلها، فقال سبحانه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾[الإسراء:1]، فوصفه في هذا المقام العظيم وهو مقام الإسراء وما تبعه من المعراج إلى رب العالمين بأنه أسرى بعبده، وقال سبحانه في وصف نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وتذللـه ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾[الجن:19] فقال سبحانه في المعراج وقُرْبِ محمد عليه الصلاة والسلام من رب العالمين قال ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾[النجم:10]، وهذا الوصف -وصف العبودية الخاصة- هو أعلا المقامات التي يوصف بها الإنسان، فإذا زاد عليه وصف النبوة ووصف الرسالة كان ذلك أعلا الكمال، ولهذا يعظم العبد بتحقيق كمال العبودية لله جل وعلا، وتحقيق كمال العبودية إنما هو في الأنبياء والمرسلين.
فإذن وصف محمد عليه الصلاة والسلام بأنه (عَبْدُهُ المصطَفى) هذا فيه رفعٌ له وإكرام للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنّ الله جل وعلا هو الذي رضي له هذا الوصف وهذا النعت وهذا المقام.
وهذا هو الذي ينبغي لمن يكتب ويصنف أو يخطب أو يحاضر أن يتبع السنة في الألفاظ، فنقول: إن محمدا عبده المصطفي. دون زيادة لسيدنا وأشباه ذلك وإن كان هو عليه الصلاة والسلام هو سيد المرسلين كما ذكر، هنا وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام.
قال (إِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى) والاصطفاء هو الاختيار ومحمد عليه الصلاة والسلام اُصطفي للرسالة، وهذا اللفظ مأخوذ من قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ﴾[الحج:75]، فكل مرسل مصطفى لأن الله اصطفاه يعني اختاره وقربه من مقام الرسالة ولمقام العبودية الخاصة.
قال (ونبيُّه المجْتَبى) والاجتباء هو الاختصاص، اجتباه ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ﴾[الأنعام:87]، هذا معناه الاختصاص؛ يعني جعله نبيا فاجتباه، جعله حبيبا له وخليلا ومختارا ومختصا بالمقامات العالية.
والوصف الثالث قال (ورَسُولُهُ المُرْتَضَى) وهذا مأخوذ من قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾[الجن:27-28].
هذا البيان لمعاني تلك الكلمات نُتبعه بأنّ هذا الكلام، هذه الجمل من المصنف فيها تقريرٌ لعقيدة عامة، وهي أنّ محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام عبدٌ ونبي ورسول، وأنّه خاتم الأنبياء، وأنّ كل دعوة لنبوة فغيٌّ وهوى، وهذا من جملة ما يدخل في أركان الإيمان، فلا يصح إيمان عبد حتى يعتقد بأنّ محمدا عليه الصلاة والسلام عبدٌ نبيٌ رسول، وأنه خاتم الأنبياء وخاتم المرسلين، وأنه لا تصح دعوة للنبوة بعده، وكل دعوة للنبوة بعده فكذب وضلال وغيٌّ وهوى، إلى آخر ما سيأتي في بيان تلك الجمل.
وهذه الجملة فيها تقرير لـ: أنّ النبوة مختلفة عن الرسالة، وأن النبوة تسبق الرسالة كما قال (ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ [المُرْتَضَى]( )) وهذا هو المعروف عندكم فيما هو مقرر من أن محمد عليه الصلاة والسلام نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، فالنبوة مرتبة دون مرتبة الرسالة، كما سيأتي، وجعل العطف متغايرا أولى من جعله –يعني متغايرا بالذات- أولى من جعله متغايرا لفظيا؛ يعني أن المصنف الطحاوي يرى أن النبوة غير الرسالة وأن غير الرسول، وهذا هو الحق كما سيأتي بيانه.
هذه الجملة فيها تقرير ما ذكرت من العقيدة المعروفة، ويدخل تحتها مسائل:
المسألة الأولى: تعريف النبي والرسول.
والنبي والرسول لفظان موجودان في لغة العرب، فتعريفهما في اللغة يؤخذ من موارده في اللغة.
وهو أن النبي مأخوذ من النَّبْوَة وهي الارتفاع وذلك لأنَّه بالإيحاء إليه وبالإخبار إليه أصبح مرتفعا على غيره.
والرسول هو من حُمِّل رسالةً فبُعث بها.
ولهذا نقول إنَّ كلمة نبي جاءت في القرآن في القراءات على وجهين؛ يعني على قراءتين متواترتين الأولى (النبي) بالياء، والثانية (النبيء) ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ﴾، والفرق ما بين (النبي) و(النبيء) أنّ النبيء هو من نبئ وكلا الأمرين حاصل في النبي عليه الصلاة والسلام وفي كل نبي، فهو مرتفع ولأجل ذلك فهو نبي، وهو منبأ ولأجل ذلك فهو نبيء، لهذا نقول إن كلمة (نبي) صارت من الرفعة لأجل (نبيء) لأجل أنه نبيء؛ يعني أنه نبئ فصار في نبوة وارتفاع عن غيره من الناس.
أما في الاصطلاح -التعريف الاصطلاحي للنبي والرسول- فهذا مما اختلف فيه أهل العلم كثيرا، والمذاهب فيه متنوعة:
• فمنها قول من قال إنه لا فرق بين الرسول والنبي، وكل نبي رسول وكل رسول نبي.
• والقول الثاني أن النبي والرسول بينهما فرق، وهو أن النبي أدنى مرتبة من الرسول وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا.
• والمذهب الثالث أن النبي أرفع من الرسول، وهو قول غلاة الصوفية وأن الرسول دون النبي.
المذهب الأول: قال به طائفة قليلة من أهل العلم من المتقدمين ومن المتأخرين، ومنهم من ينسب إلى السنة.
والقول الثاني: وأنه ثمة فرق بين النبي والرسول وأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، هذا قول جمهور أهل العلم وعامة أهل السنة، وذلك لأدلة كثيرة استدلوا بها على هذا الأصل مبسوطة في موضعها، ونختصر لكم بعضها:
الأول منها قوله جل وعلا في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾[الحج:52].
قال سبحانه هنا (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) ووجه الاستدلال أن الإرسال وهو فعل (أَرْسَلْنَا) وقع على الرسول وعلى النبي، فإذن الرسول مرسل والنبي مرسل؛ لأنّ هذا وقع على الجميع.
وجه الاستدلال الثاني أنه عطف بالواو فقال (مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ)، والعطف بالواو يقتضي المغايرة؛ مغايرة الذات أو مغايرة الصفات، وهنا المقصود منه أن الصفة التي صار بها رسولا غير النعت الذي صار به نبيا، وهو المقصود مع تحقق أن الجميع وقع عليهم الإرسال.
والوجه الثالث من الاستدلال أنه عطف ذلك بـ(لَا) أيضا في قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ)، ومجيء (لَا) هنا في تأكيد النفي الأول؛ في أول الآية وهو قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا)، فهي في تقدير تكرير الجملة منفية من أولها، كأنه قال: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا أرسلنا من قبلك من نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته.
هذا هو الدليل الأول.
والدليل الثاني أنّ النبوة ثبتت لآدم عليه السلام فآدم كما صح في الحديث نبي مكلّم وأن هناك أنبياء جاؤوا بعد آدم عليه السلام كإدريس وشيث وكغيرهما، وإدريس ذكره الله جل وعلا في القرآن، والرسل أولهم نوح عليه السلام، وجعل الله جل وعلا أولي العزم من الرسل خمسة، وجعل أولهم نوحا عليه السلام، فهذا يدل على أنّ آدم عليه السلام لم يحصل له وصف الرسالة، بل جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام «آدم نبي مكلم»، ووُصف نوح بأنه رسول، ووُصف إدريس بأنه نبي فدل هذا على التفريق بين المقامين.
الدليل الثالث الذي أورده أصحاب هذا القول ما جاء في حديث أبي ذر من التفريق ما بين عدد الأنبياء وعدد المرسلين، فجُعل عدد الأنبياء أكثر من مائة ألف؛ مائة وأربعة وعشرين ألف ونحو ذلك، وجُعل عدد الرسل أكثر من ثلاثة مائة بقليل؛ بضعة عشرة وثلاثمائة رسول، والله جل وعلا قص علينا خبر بعض الرسل وحجب عنا قصص البعض الآخر فقال جل وعلا ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾[النساء:164]، وهذا الحديث -حديث أبي ذر- حسّنه بعض أهل العلم وإن كان إسناده عند التحقيق فيه ضعف؛ لكن فيه جمل صحيحة وهو حديث طويلة رواه ابن حبان غيره.
وثَم أدلة أخرى في هذا المقام، قد لا تكون دالة بوضوح على المراد.
إذا تبين لكَ ذلك، وأنَّ الصحيح هو قول الجمهور وأن ثمة فرقا بين النبي والرسول، فما تعريف النبي وما تعريف الرسول في الاصطلاح؟
قلنا إن النبي يقع عليه الإرسال؛ ولكن لا يسمى رسولا عند الإطلاق.
والرسول يقع عليه الإرسال وهو الذي يسمى رسولا عند الإطلاق.
والله جل وعلا جعل ملائكة مرسلين، وإذا قلنا الرسول فلا ينصرف بالإطلاق على المبلغ للوحي جبريل عليه السلام، والله جل وعلا أرسل الريح وأرسل المطر وأرسل أشياء من العذاب، ولا يقع عند الإطلاق أنْ يقال هذه مرسلة أو هذه رسالة الله أو هذه الأشياء رسول من إطلاق المفرد وإرادة الجمع به.
لهذا نقول قد يقال عن هذه الأشياء كما جاء في القرآن، قد يقال عنها إنها مرسلة ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾[المرسلات:1]، ولكن إذا أُطلق لفظ الرسول فلا ينصرف إلى من أرسل من الملائكة وإنما ينصرف إلى من أرسل من البشر، وهذا يدل على أن الفرق قائم بين النبي وما بين الرسول، وأنّ النبي إرساله خاص وأن الرسول إرساله مطلق، فلهذا نقول دلّت آية سورة الحج (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ) على أنّ كلا من النبي والرسول يقع عليه إرسال.
فما الفرق بينهما من جهة التعريف؟ الجواب: أن العلماء اختلفوا على أقوال كثيرة في تعريف هذا وهذا، ولكن الاقتصار في ذلك مطلوب:
وهو أن تعريف النبي: –وهي مسألة اجتهادية- تعريف النبي هو من أَوْحَى الله إليه بشرعٍ لنفسه أو أَمرَه بالتبليغ على قوم موافقين؛ يعني موافقين له في التوحيد.
والرسول: هو من أَوْحى الله إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه إلى قوم مخالفين.
وتلحظ أن هذا التعريف للنبي وللرسول أَنه لا مدخل لإيتاء الكتاب في وصف النبوة والرسالة، فقد يُعطى النبي كتابا وقد يعطى الرسول كتابا، وقد يكون الرسول ليس له كتاب وإنما له صحف ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾[الأعلى:19]، وقد يكون له كتاب.
فإذن من جعل الفيصل أو الفرق بين النبي والرسول هو إيتاء الكتاب وحي جاءه بكتاب منزل من عند الله جل وعلا، فهذا ليس بجيد، بل يقال كما ذكرت لك في التعريف أن المدار على:
أولا الإيحاء النبي موحى إليه والرسول موحى إليه.
والثاني أنه موحى إليه بشرع أو بفصل في قضية؛ شرع يشمل أشياء كثيرة وكذلك الرسول يوحى إليه بشرع.
النبي يوحى إليه لإبلاغه إلى قوم موافقين أو ليكون في خاصة نفسه يعمل به في خاصة نفسه كما جاء في الحديث «ويأتي النبي وليس معه أحد»، والرسول يبعث إلى قوم مخالفين له، ولهذا جاء في الحديث أن العلماء ورثة الأنبياء ولم يجعلهم ورثة الرسل، وإنما قال «وإن العلماء ورثة الأنبياء»، وذلك لأنّ العالم في قومه يقوم مقام النبي في إيضاح الشريعة التي معه، فيكون إذن في إيضاح شريعته، في إيضاح الشريعة يكون ثَم شبه ما بين العالم والنبي، ولكن النبي يُوحى إليه فتكون أحكامه صوابا؛ لأنها من عند الله جل وعلا، والعالم يوضح الشريعة ويعرض لحكمه الغلط.
يتعلق بهذه المسألة بحث أنَّ الرسول قد يكون متابعا لشريعة من قبله، كما أنّ النبي يكون متابعا لشريعة من قبله.
فإذن الفرق ما بين النبي والرسول في إتباع الشريعة -شريعة من قبل- أنّ النبي يكون متابعا لشريعة من قبله، والرسول قد يكون متابعا -كيوسف عليه السلام جاء قومه بما بعث به إبراهيم عليه السلام ويعقوب-، وقد يكون يبعث بشريعة جديدة.
وهذا الكلام ؛ هذه الاحترازات من أجل أن ثمة طائفة من أهل العلم جعلت كل محترز من هذه الأشياء فرقا ما بين النبي والرسول.
فإذن كما ذكرت لكم الكتاب قد يعطاه النبي وقد يعطاه الرسول، بَعْثه به لقوم موافقين او مخالفين هذا مدار فرق ما بين النبي والرسول.
الرسول قد يبعث بشريعة ما قبله بالتوحيد بالديانة التي جاء بها الرسول ممن قبله، لكن يرسل إلى قوم مخالفين، وإذا كانوا مخالفين فلا بد أن يكون منهم من يصدقه ويكون من يكذبه؛ لأنه ما من رسول إلا وقد كُذِّب، كما جاء في ذلك الآيات الكثيرة.
المسألة الثانية: نبوة الأنبياء هل هي واجبة أو ممكنة؟ الصواب أن نبوة الأنبياء وإرسال الرسل مما جعله الله جل وعلا على نفسه، كما قال سبحانه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء:165]، وقد اختلف الناس في ذلك:
• فقالت طائفة إرسال الرسل جائز.
• وقالت طائفة إرسال الرسل واجب على الله جل وعلا.
• وقالت طائفة إرسال الرسل ونبوة الأنبياء لا يقال فيها جائزة ولا واجبة بل هي تبع للمصلحة.
• وكما ذكرنا أنّ قول أهل السنة في ذلك: أن إرسال الرسل جعله الله جل وعلا حجة على الناس كما في الآية، ولا يُطلق القول بوجوبها ولا بإمكانها أو جوازها أو رد ذلك، بل يُتَّبع في ذلك أن [الوارد] لأنّ أفعال الله جل وعلا والإيجاب عليه والتحريم إنما يكون من عنده جل وعلا.
المسألة الثالثة: نبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تحصل؟ وكيف يعرف صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يدعي أنه نبي أو رسول أو من يأتي بالأخبار المغيبة أو يجري على يديه شيء من الخوارق؟
والجواب عن ذلك: أنّ المتكلمين في العقائد نظروا في هذا على جهات من النظر، ونقدم غير قول أهل السنة، ونبين لكم قول السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة، وهي من المسائل التي يقل تقريرها في كتب الاعتقاد مفصّلة.
فنقول: إنّ طريقة إثبات نبوة الأنبياء وإرسال الرسل للناس فيه مذاهب:
المذهب الأول: أن الرسل والأنبياء لديهم استعدادات نفسية راجع إلى القوى الثلاث والصفات الثلاث وهي السمع والبصر والقلب، فإنه يكون عنده قوة في سمعه، فيسمع الكلام؛ كلام الملأ الأعلى، وعنده قوة في قلبه، فيكون عنده تخيلات أو يتصور ما هو غير مرئي، وعنده بصر أيضا قوي يبصر ما لا يبصره غيره، وهذه طريقة باطلة، وهي طريقة الفلاسفة الذين يجعلون النبوة من جهة الاستعدادات البشرية، لا من جهة أنها وحي وإكرام واصطفاء من الله جل جلاله.
والثاني: قول من يقول إنّ النبوة والرسالة طريق إثباتها والدليل عليها هو المعجزات وهذا قول المعتزلة والأشاعرة وطوائف من المتكلمين، وتبعهم ابن حزم وجماعة، وجعلوا الفرق ما بين النبي وغيره هو أن النبي يجري على يديه خوارق العادات، فمنهم من إلتزم -وهم المعتزلة وابن حزم- وهو أن ما دام الفرق هو خوارق العادات وهي المعجزات فإذن لا يثبت خارق لغير نبي، فأنكروا السحر والكهانة، وأنكروا كرامات الأولياء، وأنكروا ما يجري من الخوارق؛ لأجل أن لا يلتبس هذا بهذا وجعلوا ذلك مجرد تخييل في كل أحواله. وأما الأشاعرة فجعلوا المسألة مختلفة، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله عند كرامات الأولياء .
المذهب الثالث: هو مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح فيما قرره أئمتهم وهو أن النبوة والرسالة دليلها وبرهانها متنوع، ولا يُحصر القول بأنها من جهة المعجزات الحسية التي تُرى أوتجري على يدي النبي والولي، فمن الأدلة والبراهين لإثبات النبوة والرسالة:
• أولا الآيات والبراهين.
• والثاني ما يجري من أحوال النبي في خبره وأمره ونهيه وقوله وفعله مما يكون دالاًّ على صدقه بالقطع.
• الثالث أن الله جل وعلا ينصر أنبياءه وأولياءه ويمكِّن لهم ويخذل مدعي النبوة ويُبيد أولئك ولا يجعل لهم انتشارا كبيرا.
وهذه ثلاثة أصول.
أما الأول: فمعناه أن من قرّر نبوة الأنبياء عن طريق المعجزات، فإننا نوافقهم على ذلك؛ لكن أهل السنة لا يجعلونه دليلا واحدا، لا يجعلونه دليلا فردا؛ بل يجعلونه من ضمن الدلائل على النبوة، وهذا الدليل وهو دليل المعجزات -كما يسمى- يعبر عنه أهل السنة بقولهم الآيات والبراهين، وذلك لأن لفظ (المعجز) لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لفظ (المعجزة) وإنما جاء في النصوص الآية والبرهان ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾( )، ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾[النمل:12]، وقال ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾[القصص:32]، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾[البقرة:111]، ونحو ذلك من الآيات التي تدل على أن ما يؤتاه الأنبياء والرسل إنما هو آيات وبراهين، وبعض أهل العلم جعل لفظ المعجز نتيجة؛ لأن آية النبي وبرهان النبوة معجز، لكن لفظ الإعجاز فيه إجمال، وذلك لأنه معجز لمن؟ فيه إجمال وفيه إبهام، فإعجاز ما يحصل لمن هو معجز؟ فإذا قلنا معجز لبني جنسه فهذا حال، معجز لبني آدم فهذا حال، معجز للجن والإنس فهذا حال، معجز لكافة الورى فهذا حال، ولهذا جعل المعتزلة والأشاعرة بخلاف ما بينهم في المعجزات جاءت من هذه الجهة؛ أن لفظ معجز اختلفوا فيه، معجز لمن؟ كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله، ولهذا نعدل عن لفظ الإعجاز إلى لفظ الآية والبرهان.
ونقول الآية والبرهان التي يؤتاها الرسول والنبي للدلالة على صدقه تكون معجزة للجن والإنس جميعا، فما آتاه الله جل وعلا محمدا عليه الصلاة والسلام يكون معجزا للجن والإنس جميعا، كما قال تعالى ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء:88].
أما إعجاز بعض الإنس دون بعض أو الإنس دون الجن، فهذا هو الذي يدخل في الخوارق ويدخل في أنواع ما يحصل على أيدي السحرة والكهنة وما أشبه ذلك.
أما الفرق ما بين الآية والبرهان الدال على صدق النبي مع ما يؤتاه مع أهل الخوارق، أنَّه هل هو معجز عامة الجن والإنس أم لا؟ فإن كان معجز لعامة الجن والإنس فهو دليل الرسالة والنبوة، هذه الآيات والبراهين التي آتاها الله جل وعلا محمدا عليه الصلاة والسلام أنواع:
النوع الأول منها البرهان وهو حجة الله جل وعلا وآيته العظيمة على هذه الأمة، فتحدى الله جل وعلا به الجن والإنس، ولم يستطيعوا ذلك مع أنهم متميزون في الفصاحة والبلاغة وأشباه ذلك، فإذن الآية والدليل الأول هو القرآن العظيم وهو الحجة الباقية.
الثاني آيات وبراهين سمعية؛ يعني تكون دالة من جهة ما يُسمع، ومن ذلك تسبيح الحصى، تسبيح الطعام على عهده صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري في الصحيح أن ابن مسعود قال: كنا نسمع تسبيح الطعام ونحن نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنها آيات وبراهين راجعة إلى البصر وهو ما يُبْصَر من أشياء لا تحصل لغيره؛ بل هي آية وبرهان على عجز الثقلين عن ذلك، مثل نبع الماء ما بين أصابعه، ومثل حركة الجمادات وأشباه ذلك.
ومنها أدلة وبراهين فيها نُطق ما لم ينطق وهذه تشمل الأول المسموعة، وتحرك ما لم يتحرك بالعادة ويشمل حركة الجمادات، وشعور ما لم يُعرف بشعوره وهذه إنما يخبر عنها نبي وتحصل للرسل والأنبياء، مثل حنين الجذع وتسليم الحجر وأشباه ذلك...( )
... وأمر ونهي وللرسول قول وفعل فهذه خمسة أشياء، وهذا النوع من الدلائل أهم من الدلائل التي ذكرت لك فيما قبل عدا القرآن فهو أعظم الأدلة؛ وذلك أنّ محمدا عليه الصلاة والسلام جاء بأخبار -هذه تصدق على جميع النبوات والرسالات-.
جاء بخبر عن الله جل وعلا، وهذا الخبر: منه ما يتعلق بالماضي، ومنه ما يتعلق بالحاضر، ومنه ما سيتعلق بالمستقبل.
وجاء بأمر ونهي، وهذا الأمر والنهي وما يدخل في الشريعة، والأوامر متنوعة والنواهي متنوعة.
وجاء بأقوال هو قالها في التبليغ وأفعال له.
وكل هذه بمجموعها تدل للناظر على أن من قال وأخبر عن الله وفعل وأمر ونهى فإنه صادق فيما قال؛ لأنّ كل مدَّعٍ للخبر والأمر والنهي وله أقوال وله أفعال وليس على مرتبة النبوة فلابد أن يظهر لكل أحد أن يظهر كذبه فيما ادعاه وتناقضه في أقواله وأفعاله وضَعْفُ أمره ونهيه وعدم إصلاحه وأشباه ذلك.
ولهذا محمد عليه الصلاة والسلام جعل الله جل وعلا له الكمال فيما أخبر به، وفيما أمر به، وفيما نهى، وفي أقواله وأفعاله، فجعل إتّباعه في الأقوال والأفعال إتّباعا مأمورا به ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾[آل عمران:31]، وقال ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[الأحزاب:21]، وجعل ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو في خبر الله جل وعلا؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، ونحو ذلك، فاستقام أمره عليه الصلاة والسلام في هذه الأمور الخمسة، ولم يُعْرَف أن أحدا طعن في شيء من هذه الأشياء واستقام على طعنه ولم يستسلم؛ بل كل من طعن في واحد من هذه الأشياء فإنه آل به أمره إلى الاستسلام، أو أن يكون طعنه مكابرة دون برهان.
لهذا نقول إن هذا الدليل من أعظم الأدلة التي تُفَرِّق ما بين النبي والرسول الصادق وما بين مُدّعي النبوة، فإنّ الرسول له أحوال كثيرة يُسمع في أقواله، يُرى في أفعاله، أوامره ونواهيه جاءت بماذا؟ أخباره جاءت بماذا؟ ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام أخبر عن أشياء حدثت في الماضي لم يكن العرب يعرفونها، وجاء تصديقها من أهل الكتاب وما كان يقرأ عليه الصلاة والسلام كتب أهل الكتاب، وجاء بأخبار عما سيحصل مستقبلا، وجاء بأخبار عما سيحصل بين يدي الساعة وحصلت بعده عليه الصلاة والسلام شيئا فشيئا، منها ما حصل بعد موته سريعا، ومنها ما يحصل شيئا فشيئا، ومنها ما سيحصل بين يدي الساعة، وكل هذه الأخبار في تصديقها دالة على أنه لا يمكن أن يعطاها إلا نبي.
كذلك ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام وما نهى عنه فهو موافق للحكمة البالغة التي يعرفها أهل الدين ويعرفها أهل العقل الراجح، حتى إنَّ الحكماء شهدوا في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر بأن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام هي شريعة ليس فيها خلل لا من جهة الفرد في عمله ولا من جهة التنظير في المجتمع بعامة.
وكذلك ما في أفعاله عليه الصلاة والسلام فكان عليه الصلاة والسلام له المقام الأكمل في التخلص من الدنيا والبعد عن الرفعة؛ يعني والترفع على الناس بل كان عليه الصلاة والسلام أكمل الناس في هديه وفي تواضعه وفي قوله وفي عمله عليه الصلاة والسلام، وكان أكمل الناس في عبادته، وكلّ دعوى لمن ادعى النبوة فلا بد أن يظهر فيها خلل في هذه الأشياء.
أيضا هو عليه الصلاة والسلام تحدّى الناس في قوله فيما أتى به، وأخذ يدعو كما يظهر لك من قصة هرقل مع أبي سفيان وسؤالات هرقل لأبي سفيان، وأخذ يدعو غير ملتفت لخلاف من خالف، والناس يزيدون وأعداؤه ينقصون، وهذا مع تطاول الزمن مع نصرة الله جل وعلا له، فإن هذا دليل على صدقه فيما أخبر وفي أمره ونهيه وقوله وفعله عليه الصلاة والسلام.
الدليل الثالث -كما ذكرنا- هذه جنس أجناس الأدلة أن الله جل وعلا هو صاحب الملكوت وهو ذو الملك والجبروت، وهو الذي ينفذ أمره في بريته، فمحال أن يأتي أحد ويدعي أنه مرسل من عند الله، ويصف الله جل وعلا بما يصفه به، ويذكر الخبر عن الله وأسمائه ونعوته، ثم هو في ملك الله جل وعلا يستمر به الأمر إلى أن يشرِّع ويأمر وينهى وينتشر أمره ويغلب من عاداه ويسود في الناس ويُرفع ذكره دون أن يعاقب، ولهذا قال جل وعلا في بيان هذا البرهان ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَ ا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)[ثُمَّ] ( ) لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾[الحاقة:44-47]، لو كانت الدعوة في ملك الله جل وعلا وهذا يدعي أنه مرسل ونبي ويأتي بأشياء هو يقول هي من عند الله، فإنّ مالك الملك لا يتركه وهذا بل ربما جعل هذا امتحانا للناس، ولكن لا ينصر وتكون الشريعة وتكون شريعته هي الباقية ويكون ذكره هو الذي يبقى، ويكون الخبر عن الله وعن أسمائه وصفاته ودينه وشرعه وعن الأمم السالفة وعما سيحصل والذي يبقى في الناس، فإن هذا مخالف لقول الله جل وعلا (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَ ا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)[ثُمَّ] لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) والمشركون لما كذّبوا النبي عليه الصلاة والسلام قالوا﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾[الطور:30]، لأنّ السنة ماضية عند العقلاء أن من يدعي عن الله جل وعلا فإنما يتربص به الهلاك والإفناء (شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) فجاء البرهان ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾[الطور:31]، لأنّ هذا البرهان صحيح، فتربصوا فغني معكم من المتربصين (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ) وقد صدقتهم في هذا البرهان؛ لأنه لو كان كما تقولون كاذب فإنه يتربص به ريب المنون وأن يهلكه الله جل وعلا وأن يجعله مخليا وأن يجعله عبرة لمن اعتبر، فالنبي عليه الصلاة والسلام وسائل الأنبياء والمرسلين جعلهم الله جل وعلا حملة لرسالته وشرفهم ورفع ذكرهم ونصرهم بين الناس، ولهذا تجد أن الرسالات هي الباقية في الناس كرسالة موسى عليه السلام ورسالة إبراهيم ورسالة عيسى عليه السلام ورسالة محمد عليه الصلاة والسلام، وكل واحدة منها دخلها من التحريف ما دخلها، فأتباع إبراهيم من [....] حرفوا في دينهم حتى أصبحوا على غير ملة إبراهيم، وأتباع موسى من اليهود الآن على غير دين موسى، وأتباع عيسى عليه السلام الآن على غير دين عيسى، وأتباع محمد عليه الصلاة والسلام هم الذين حفظهم الله جل وعلا وجعل منهم طائفة ظاهرين بالحق يقومون به إلى قيام الساعة .
هذا ما يتعلق بالمسألة الثالثة.
المسألة الرابعة: وهي آخر المسائل، أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجوز في حقهم ما يجوز في حق البشر مما هو من الجبلة والطبيعة، لهذا في القرآن يكثر وصفهم بأنهم بشر وأنّ محمدا عليه الصلاة والسلام بشر لكن يوحى إليه، وأما من جهة الذنوب والآثام ونجعل البحث هذا يعني رأس المسألة منقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول من حيث الأمراض والعاهات: فعند أهل السنة والجماعة أن الرسل والأنبياء يُبتلون ويمرضون مرضا شديدا، وعند الأشاعرة أنهم يمرضون ولكن بمرض خفيف ولا يمرضون بمرض شديد، هذا غلط بيّن فإنّ ابن مسعود دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إني أرك توعك. يعني فيك حمى شديدة، قال «أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» قال ابن مسعود: ذلك بأن لك أجرين؟ قال «نعم» إلى آخر الحديث، والأنبياء يضاعف عليهم أو يشتدّ عليه البلاء بأنواع.
فإذن من جهة الأمراض والسقام التي لا تؤثر على التبليغ وصحة الرسالة فإنهم ربما أُبتلوا في أجسامهم وأبدانهم بأمراض متنوعة شديدة.
المسألة الثانية من جهة الذنوب: الذنوب أقسام:
1. فمنها الكفر وجائز في حق الأنبياء والرسل أنْ يكونوا على غير التوحيد قبل الرسالة والنبوة.
2. والثاني من جهة الذنوب فالذنوب قسمان كبائر وصغائر:
• والكبائر جائزة فيما قبل النبوة، ممنوعة فيما بعد النبوة والرسالة؛ فليس في الرسل من اقترف كبيرة بعد النبوة والرسالة أو تقحّمها عليهم الصلاة والسلام بخلاف من أجاز ذلك من أهل البدع.
• أما الصغائر فمن الأكثرون فعل الصغائر من الأنبياء والرسل والصواب أن الصغائر على قسمين:
 صغائر مؤثرة في الصدق؛ في صدق الحديث وفي تبليغ الرسالة وفي الأمانة، فهذه لا يجوز أن تكون في الأنبياء، والأنبياء منزهون عنها؛ لأجل أنها قادحة أو مؤثرة في مقام الرسالة.
 والثاني من الأقسام صغائر مما يكون من طبائع البشر في العمل أو في النظر أو في ما أشبه ذلك، فهذه جائزة إن لم تكن من جهة النقص بتحقيق أعلا المقامات وأشباه ذلك، فهذه جائزة، ولا نقول واقعة؛ بل نقول جائزة، والله جل وعلا أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1)لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الفتح:1-2] الآية، فالنبي عليه الصلاة والسلام غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
المسألة الأخيرة نجعلها الخامسة: –تذكرتها الآن- هي أنّ الرسول والنبي فيهم شروط أو أوصاف عامة جاءت في القرآن والسنة:
أولا أن الرسول يكون ذكرا وكذلك الأنبياء ذكور، فليس في النساء رسولة ولا نبية، وإنما هم ذكور.
الثاني أنهم من أهل القرى يعني ممن يسكنون القرى ويتقرون ويجتمعون، وليسوا من أهل البادية يعني ممن يبدون كما جاء في آية يوسف.
الثالث أنّ الرسول لابد أن يُكذَّب، فلم يأتي رسول إلا وكُذِّب كما قال جل وعلا ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾[يوسف:110].
مباحث النبوة والرسالة كثيرة متنوعة، وهذه بعض المسائل المتعلقة بها، وقد لا تجد ذلك مجموعا في موضع واحد، ولاشك أنّ هذا البحث خاصة دلائل النبوة بحث مهم، واعتنى به أئمة السنة والسلف، وصنف فيه عدد من العلماء في دلائل النبوة وفي آيات وبراهين النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
نكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (وإنَّه خَاتَمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ) إن شاء الله.
ننبه أنّه قبل أن يقوم أحد أن الدرس القادم أنا غير موجود في الرياض ونعوضكم عن الدرس إن شاء الله بدروس متعددة يعني درس الخميس ودرس السبت كلها مَانِي موجود.


الأسئلة:
1/ يقول ذكرتم أن العطف بالواو يقتضي المغايرة فهل فصلتم أكثر وكيف تكون المغايرة في قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾[الحجر:1]؟
أنا ذكرتُ أنّ المغايرة نوعان: مغايرة في الذات، ومغايرة في الصفات.
مغايرة في الذّات: تقول هذان قلم وكتاب، خُذ القلم والكتاب، معلوم أنّ القلم شيء في ذاته والكتاب شيء في ذاته، دخل محمد وخالد، هذا شيء وهذا شيء، فالعطف بالواو يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه في هذه الأمثلة؛ مغايرة ذات، هذه ذات وتلك ذات، هذا له حقيقة وهذا له حقيقة، هذا له ماهية وهذا له ماهية
النوع الثاني من المغايرة مغايرة في الصفات: أن يكون المعطوف والمعطوف عليه في الدلالة على مسمى واحد، ولكن يكون ثمة فرق بين الصفات، كما ذكر في المثال قوله تعالى ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾[النمل:1]، الكتاب المبين هو القرآن، لكن العطف في اختلاف الصفات، فالقرآن سمي قرآنا لأنه صار مقروءا، وسمي كتابا مبينا لأنه يكتب فيستبين به كل شيء كما قال ﴿ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾[النحل:89].
فإذن حقيقة المصحف في كونه قرآنا غير حقيقة المصحف في كونه كتابا،هذا وصف له وهذا وصف له كما ذكرنا في الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾[الحج:52]، فالنبي والرسول قد يجتمعان في شخص واحد فيكون الرسول والنبي العطف لتغاير الصفات،كن مقام النبوة غير مقام الرسالة كما نقول في نبينا عليه الصلاة والسلام نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر،وقد يكون هنا الرسول والنبي في الفرق ما بين الذاوت، الرسول واحد أحد المرسلين والنبي المقصود به نبي آخر، وهكذا في نظائرها.
مثل هذه المباحث ترجعون فيها إلى كتب اللغة ومن أمْثَلِها في [....]كتاب المغني عن كتب الأعاريب لابن هشام وأفضل الكتب في حروف المعاني.
الكتب التي في دلائل النبوة منها كتاب دلائل النبوة لأبي نعيم وقد طبع مختصرا في مجلدين معروف، ودلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة للبغوي، وفي كتب الحديث أبواب أو كتب تتعلق بدلائل النبوة.
2/ ما معنى قول بعض السلف النبوة العلم والعمل، وهل هذا صحيح أم لا؟
الجواب أنّ هذا القول ليس بقول لبعض السلف بل قاله ابن حبان صاحب الصحيح وغُلِّط في ذلك وهُجر بسبب هذه الكلمة؛ فإنه سئل عن النبوة فقال لنبوة العلم والعمل.
وهذا كقول الفلاسفة؛ لأن الفلاسفة عندهم أن النبوة ليست اصطفاء واجتباء واختيارا إنما هي كسبية يكتسبها الحكيم، هذا لما سئل ابن حبان رحمه الله وقيل له ما النبوة؟ فقال: العلم والعمل. اتهم بالفلسفة وكان رحمه الله ربما طالع بعض كتبها لذلك صنف كتابه في الصحيح على التقاسيم والأنواع، قالوا إنه تأثر بما في المنطق من الترتيبات ونحو ذلك، التقاسيم والأنواع كتاب ابن حبان معروف انه غير موجود ولكنه رتبه الفارسي ابن بلبان، وهو المطبوع رتّبه على الأبواب، ولكن نفس كتاب ابن حبان ليس على هذه البابة، لكن الواقع أن ابن حبان سليم مما رمي به رحمه الله فإن تصنيفه للكتاب ليس مأخذه مأخذا فلسفيا، ولكنه رأى طلاب العلم يعتمدون على الكتب يعتمدون على ما في الكتب وتركوا الحفظ فصنف لهم كتابا جمع فيه صحيح السنة -بحسب رأيه، بحسب اجتهاده في التصحيح- وجعله غير مبوب على الأبواب المعهودة حتى يحفظ رغبة في الحفظ وتوجيه الناس للحفظ وإلزام الطلبة بالحفظ، ومعلوم أن حسن الظن بأهل العلم هذا أولى من إساءة الظن بهم.
وأما قوله النبوة العلم والعمل يعني أنّ النبوة فيها كمال العلم وكمال العمل، وهذا كما هو معروف في ذكر الشيء بأعظم صفاته كما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الحج فقال «الحج عرفة» يعني مع بقية الأركان والشروط، فلا ينفي أن النبوة وحي من الله جل وعلا وأنها اصطفاء وأنّ النبي هو من أوحي إليه ونحو ذلك، لا ينفي ذلك وإنما ذكر الصفة التي يبلغها النبي؛ كمال العلم وكمال العمل، وهذه ليست إلا في الأنبياء، رحمه الله، لكن ليس قول للسلف فلينتبه لذلك.
3/ أشكل عليَّ قولك: النبي قد يكون على غير التوحيد قبل الرسالة؟
نعم النبي قد يكون على غير ذلك، فيصطفيه الله جل وعلا وينبهه؛ يعني ما فيه مشكل في ذلك، قد يكون غافل.
4/ لم تذكروا ما إذا كان هناك رسول من الجن أولا؟
الصواب إن الجن ليس فيهم رسول وإنما الجن تبع للإنس في الرسالة، كما قال جل وعلا ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾[الأحقاف:29]، صرفهم الله جل علا إلى محمد حتى يسمعوا الرسالة (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ) فالصارف هو الله جل وعلا والمصروفون هم الجن لسماع الرسالة، قال ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29)قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍا﴾[الأحقاف:29-30] الآية، فدلّ على أنهم متبعون إلى موسى قبل ذلك، متبعون للأنبياء، فلما جاءت رسالة محمد عليه الصلاة والسلام خوطبوا بذلك، فهذا هو الصحيح في الآية ، وأما قوله ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾[الأنعام:130]، المقصود التغليب لأن الجنسين جنس واحد في التكليف.
5/ أرجو بيان بعض الكتب التي بحثت هذا الموضوع.
إن هذا الموضوع تفرّق في بيان الآيات في تفسير الآيات التي فيها ذكر النبوة والرسالة والآيات والبراهين، وشيخ الإسلام ابن تيمية كتب كتابة عظيمة في هذا الباب خاصة في المعجزات والآيات والبراهين والفرق بين النبوة والرسالة في كتابه النبوات، لكنه طويل يحتاج إلى اختصار من طالب علم يقربه لطلاب العلم.
6/ ما رأيكم في عبارة أشرف الأنبياء؟
هذه العبارة ما جاءت في الأحاديث، والشرف متنوع، الشرف نوعان:
 شرف كسبي.
 وشرف نَسَبي.
وهذا من حيث تقسيم الشرف؛ يعني في تعريفه.
الشرف النَّسَبي: هذا النبي عليه الصلاة والسلام قال «إنّ الله اصطفى من قريش كنانة» إلى أن قال «فأنا خيار من خيار من خيار».
الشرف الكسبي أو شرف النبوة: هو الكمال، كمال العبودية، كمال الصفات، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام فيه كمال الصفات؛ الصفات الكاملة التي صار بها أكمل من غيره -وإن كما لا نقول إنه أفضل من غيره في جهة الموازنات- لكن هو اجتمعت فيه صفات الكمال، لهذا الناس يأتون يوم القيامة إلى كل أولي العزم من الرسل فيمتنعون من إجابتهم -في حديث الشفاعة المعروف- ويأتون إلى محمد عليه الصلاة والسلام فيقول أنا لها، فقد كمله الله جل وعلا في صفات لم يجعلها في غيره عليه الصلاة والسلام.
فإذن الشرف هنا شرف الصفات، ولهذا يقول أهل العلم وأشرف الأنبياء والمرسلين.
وحدثني الشيخ عبد العزيز بن صالح بن [....] رحمه الله تعالى وكان من مشايخنا العباد الزهاد رحمه الله ورفع درجته في الجنة، أنه كان يقرأ على شيخه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وكان يقول هذه الكلمة والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين فقال له أحد الإخوان هذه ما جاءت؛ يعني كيف تقول أشرف الأنبياء والمرسلين، فعظمت عليه يقول فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، فقال لي أنا أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين، وهذه لها حُكم المنامات التي هي للبشرىـ وإلا المعنى كما ذكرت لكم صحيح.
6/ هل أرسل للعرب رسول غير محمد عليه الصلاة والسلام ؟
الجواب: لا.
نكتفي بهذا القدر وأسأل الله لي ولكم التوفيق وصلى الله وسلم على ونبينا محمد

بسم الله الرحمن الرحيم
قبل البدء بعض الإخوة اقترح أن يكون أول الدرس خمس دقائق أسئلة إما فيما مضى أو في غيره؛ لأجل أن يحضر الذين يصلون في أماكن بعيدة، فما أدري، الحق لكم يا الذين تحضرون مبكرين، هو مناسب أو لا؟ الذي عنده أنه غير مناسب يرفع يده، الذي يرى أنه غير مناسب يرفع يده. فكان إجماعا.
طيب، فيه أسئلة عندك، انتهت؟ طيّب.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
1/ قال: ظهرت قبل فترة أشرطة تكلمت بالتفصيل على ما وقع بين الصحابة من فتن، واسم هذه السلسلة قصص من التاريخ الإسلامي، فما رأيكم فيها؟
لم أستمع لها ولكن ذُكر لي من عدد من الإخوة أن عليها ملاحظات، والذي ذكر لي ذلك كان يوردها ويناقش على الأشرطة فإذا كانت لا توافق طريقة أهل السنة ما وقع بين الصحابة من شجار وجب منعها حينئذ.
ذكر الأخ أنّ سماحة الشيخ يقول أن منعناها، فالحمد لله. فهذا شيء طيب.
2/ هل تارك العمل بالكلية مسلم؛ تارك الأركان وتارك غيرها من الواجبات والمستحبات والأعمال الظاهرة بالجوارح ؟
الجواب: أن العمل عند أهل السنة والجماعة داخل في مسمى الإيمان؛ يعني أن الإيمان يقع على أشياء مجتمعة وهي الاعتقاد والقول والعمل، ولذلك من ترك جنس العمل فهو كافر؛ لأنه لا يصحّ إسلام ولا إيمان إلا بالإتيان بالعمل.
3/ هل يتصور وجود مطلق الانقياد في القلب ولا يظهر له أثر على الجوارح؟
والجواب: أن هذا فرع المسألة التي قبلها، فإن الانقياد في أصله عقيدة واجب وهو من عمل القلب، ولا يصح الإيمان حتى يكون الانقياد ظاهرا على الجوارح؛ يعني حتى يعمل.
4/ ما هو التوجيه الصحيح للحديث الذي في مسلم «لم يعمل خيرا قط»؟
وردت عدة أحاديث بهذا اللفظ، فينبغي أن يحضر النص لأن لكل جوابه.
5/ ما حكم تغير الصوت عندما يقرأ متنا ثم إذا وصل آية وتلاها ؟
لم تكن على هذا سنة أهل العلم.
6/ كيف نجمع بين أن الله –الخط غير واضح – يتربص –إيش- بكذا، وبين ما جاء في الخبر أن بني إسرائيل كانت تقتل الأنبياء؛ كيف نجمع بين أن الله يتربص بأعداء الأنبياء، وبين ما جاء في الخبر أن بني إسرائيل كانت تقتل الأنبياء؟
الله جل وعلا يتولى أولياءه بنصره وانتقامه وإظهارهم على أعدائهم، وأعداء الأنبياء هم أشد الناس عداوة لله جل وعلا، وقد قال تعالى ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا(30)وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾[الفرقان:30-31]، وهداية الله جل وعلا ظاهرة للنبي في نفسه ولأمته ولبيان ظلال واعتداء من اعتدى عليهم، وكذلك نصره جل وعلا ظاهر لهم، ولكن قد يؤخر النصر كما قال جل وعلا ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾[يوسف:110]، فحكمة الله جل وعلا ماضية، وسنته سبحانه وتعالى فيما يفعل لأعدائه أيضا ماضية، وقد يؤخر ذلك سبحانه، فهو سبحانه يمهل ولا يهمل، قد دلّت على هذا الأصل آيات وأحاديث كثيرة.
7/ ما حكم الصلاة في مسجد فيه قبر، وهل تجوز الصلاة في هذه المساجد بغية الدعوة إلى الله، إلى آخره؟
الجواب: أن الصلاة في مسجد فيه قبر فيها تفصيل:
فإن كان المسجد وجد فيه أولا ثم اُدخل القبر في المسجد: فهنا يجب إخراج القبر من المسجد؛ لأن الحق للمسجد والمسجد بأرضه وقف، والقبر لا يدخل في المسجد؛ لأن الحق للمسجد.
ثم إذا وجد القبر المتأخر الذي أدخل في المسجد:
فإن كان في قبلة المصلي فلا تجوز الصلاة إليه ولا تجوز الصلاة حينئذ في المسجد.
وأما إذا كان في ظهر المصلي أوْ لا يستقبله فإنّ الصلاة فيه جائزة، وتركها أولى لأجل ألا تحدث شبهة.
وأما إذا كان القبر موجودا أوّلا ثم بني المسجد على القبر: فهذا يجب هدم المسجد وأن يبقى القبر؛ لأن القبر له الحق، والقبور منازل الأموات ومساكنهم فلا يُعتدى عليهم فيها، كما أن اتخاذ المساجد على القبور منهي عنه بالآي والحديث قال جل وعلا ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾[الكهف:21]، والذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف هم أصحاب النفوذ والأمراء المعاندين لأهل الإيمان أو المشركون وليسوا بالمسلمين، قد ثبت على النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال في وصيته قبل وفاته عليه الصلاة والسلام «أَلاَ فَلاَ تَتّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. فإِنّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»، وسببها أن أهل الكتاب كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك ودعا بقوله «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد».
المقصود أن المسألة فيها هذا التفصيل فإن كان القبر وجد أولا ثم بني عليه المسجد وجب هدم المسجد وإبقاء المقبرة، ثم إن الصلاة في مسجد فيه قبر وكان المسجد متأخرا عن القبر فإن الصلاة فيه باطلة؛ لأن النهي يقتضي الفساد.
8/ هل يشترط في مسائل العقيدة معرفة الدليل حتى للعامي، وهل يسوغ التقليد في مسائل العقيدة ؟
هذا بحث يطول سبق أن تكلمنا عليها في بعض الشروح، ويأتي إليه بحث إن شاء الله في هذا الكتاب شرح العقيدة الطحاوية بإذنه تعالى.

نعم اقرأ.
 وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى.
وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ، وحَبيبُ ربِّ العالَمين.
وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى.
وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء.
[الشرح]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
فأسأل الله جل وعلا أن يُقْرّ في قلبي وفي قلوبكم العلم النافع وأن ينور به قلوبنا، وأن يجعلنا ممن إذا علم عمل وثبت علما وعملا يا أرحم الراحمين.
قال الطحاوي رحمه الله (وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى.
وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ، وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ، وحَبيبُ ربِّ العالَمين.
وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى.
وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء.) تكلمنا على الجمل الأولى وهي قوله (وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى، ونبيُّه المجْتَبى، ورَسُولُهُ المُرْتَضَى.) عليه الصلاة والسلام.
ووقفنا عند قوله (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ) وهذه الجملة فيها تقرير أنّ محمدا عليه الصلاة والسلام به خُتمت النبوة، (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ) يعني الذي ختمهم فصار خاتما لهم، ليس بعده أحد، وهذا مجمع عليه بين طوائف هذه الأمة جميعا حتى الطوائف الخارجة أو الفرق الخارجة عن الثنتين والسبعين فرقة كالجهمية والرافضة وأشباه هؤلاء من المتقدمين فإنهم مقرون بأن بعثة محمد عليه الصلاة والسلام بها ختمت النبوة وأنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء وخاتم المرسلين عليه الصلاة والسلام. فهذا إجماع، وقد ادعت طوائف خلاف هذا؛ ادعت طوائف من المعاصرين كالقاديانية وأشباههم خلاف هذا، وبعض المتقدمين أشار إلى أن النبوة قد لا تُختم وهذا سيأتي له البحث إن شاء الله فيما نعرض من مسائل، ولكن لا ينسب إلى طائفة عامة، ولكن قد يكون نسب إلى بعض الأشخاص أوبعض الأفراد المنتسبين إلى الفلسفة أو الغلو أو أشباه ذلك.
فقول المؤلف رحمه الله (وإنَّه خَاتِمُ الأنبياءِ) يعني النبي صلى الله عليه وسلم هذا كما قلنا مجمع عليه لدلالة القرآن والسنة على ذلك ولإجماع أهل السنة عليه، قال ربنا جل وعلا ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[الأحزاب:40]، قرأ قوله (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) عاصم وحده من بين القرّاء بفتح التاء؛ (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وقرأ الباقون من السبعة (وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ) وبأحد القراءات كان يقرأ الطحاوي ولذلك اخترنا الكسر على الفتح لاتباع الآي قراءة الآية على ما يقرأ به المصنف رحمه الله.
وهذا موضوع يحتاج من طلاب العلم إلى التنبه إليه وإلى التنبيه عليه، وهو أن كثيرين إذا نشروا كتبا أو حققوا رسائل ضبطوا الآيات بما يقرأ به المحقق أو يقرأ به الباحث.
وهذا غلط؛ لأن حق المؤلف أن تورد الآية بحسب قراءته، فإذا عرفت قراءته التي كان يقرأ بها، فإنه تورد الآية على نحو ما كان يقرأ، فإن كان يقرأ بحفص فتُثبت بحفص، وإن كان يقرأ بأبي عمر أثبتت كذلك، وإن كان يقرأ على قراءة نافع فتثبت كذاك، وهكذا.
فينبغي التنبه في ذلك؛ لأن بعض العلماء يورد آية ويذكر وجه الاستدلال، وقد لا يذكره فيقع إشكال في أن وجه الاستدلال أو أنّ الدليل لا يطابق القضية التي تبحث، وذلك من جهة أن الناظر أو المحقق أو الناشر أورد الآية على نحو ما يقرأ هو، ولذلك يقع في إشكال.
وهذه بالمناسبة قضية كبيرة فالذين نشروا كتبا متنوعة أو ينشرون ينبغي لهم العناية بهذا الأمر.
وأعظم منها إذا نشروا تفسيرا للقرآن فإنهم قد يجعلون التفسير بقراءة ليست هي قراءة المؤلف، كما في عامة طبعات ابن كثير، فإن ابن كثير الحافظ المفسر لم يكن يقرأ بقراءة حفص عن عاصم، وكما في غير ذلك.
وكذلك في كتب السنة كتب الحديث معلوم أنها روايات، والروايات مختلفة لكتب الحديث، فالبخاري له روايات متعددة، وأبو داوود له روايات قد تكون عن أبي داوود نفسه وقد تكون عن من تلقى عنه باختلاف، يأتي الناشر ويثبت نصا للكتاب يخالف النص الذي شرح عليه الشارح، ولهذا كل النشرات أو الطبعات لكتاب فتح الباري ليست موافقة لرواية صحيح البخاري المثبت معها، فإن الحافظ ابن حجر رحمه الله لم يشرح البخاري على واحدة من الروايات المثبتة طبعا مع نسخ فتح الباري.
وهذه المسألة ينبغي لطلاب العلم أن يتنبهوا عليها.
وخُذْ ما جرّه الأمر في صحيح مسلم حيث أدخل بعض الناشرين التبويب في داخل صحيح مسلم، وكأن مسلم رحمه الله هو الذي بوب صحيحه، ومعلوم أن مسلما رحمه الله لم يبوّب كتابه وإنما جعله كتبا، وأما التبويب الداخلي فإنه من صنع الشراح فلا ينبغي ( )... ينبغي أن تراعى أيضا هل ذكرها في أولها أو لم يذكرها.
المقصود من هذا أنّ الله جل وعلا قال ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[الأحزاب:40]، وفي القراءة الأخرى التي قرأ بها ستة من السبعة القراء (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ)، وفي هذه الآية دلالة على أنّ النبي عليه الصلاة والسلام خُتمت به النبوة، وخَتم النبوة يدل على خَتم الرسالة من باب أولى عند من يقول إنّ الرسول أرفع رتبة من النبي وأنّ كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، وهو من قبيل دِلالة المساواة عند من يقول إنّ الرسول والنبي بمعنى واحد، والآية تدل على التفريق؛ لأنه قال (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ).
وفي السنة دلت أحاديث كثيرة على النبي صلى الله عليه وسلم على أن بعثته بها خُتمت الرسالات والنبوات، فثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيح أنه قال من حديث ثوبان «إِنّهُ سَيَكُونُ كَذّابُونَ ثَلاَثُونَ كُلّهُمْ يدّعي أَنّهُ نَبِيّ -أو كُلّهُمْ يَزْعَمُ أَنّهُ نَبِيّ-، ولا نَبِيّ بَعْدِي»، وأيضا دل قوله عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح «إنّه لاَ نَبِيّ بَعْدِي» على ذلك، ودل أيضا قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه بعض أصحاب الصحيح وبعض أصحاب السنن؛ بل هو في مسألة ستأتي ليس فيها لفظ الختم.
المقصود أنّ الأدلة من السنة التي فيها ذِكر ختم النبوة كثيرة متنوعة دالة على ما دلت عليه الآية من أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم به خُتمت النبوة وكما ذكرنا لكم أن هذا إجماع.
إذا تبين ذلك ففي هذا البحث مسائل:
المسألة الأولى: أنّ قوله جل وعلا ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾[الأحزاب:40]، بكسر التاء، هو فاعل من ختَم، ختم الشيء يختمه فهو خاتِم له؛ يعني جاء آخرا فختمه فهو الآخر منهم، وهذا دلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام «وأنا العاقب» يعني الذي لا نبي بعده، وأما قوله جل وعلا (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) بالفتح ففسره العلماء على أوجه منها:
أن الخاتَم في هذا (خَاتَمَ النَّبِيِّينَ) أنه كالطابَع على مسألة النبوة، والطابَع على الشيء يأتي آخر ما يأتي، الذي يرسل الرسالة يجعل الخاتم آخر شيء، فتكون دلالة (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) دالة على أنه هو الآخر؛ لأن الخاتم إنما يأتي آخره.
وفيه أيضا أن الخاتم هو زين الشيء وما يتزين به، فهو البارز حلية وزينة وفضلا.
وهذا الوجه ذكره الشوكاني وغيره.
فدلّ هذا على أن القراءتين (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ)، والقراءة الأخرى (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) أن دلالتهما على ختم النبوة واحدا، وأن قراءة (وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) تزيد على القراءة الأخرى بزيادة معنى وفضل دلالة.
المسألة الثانية: أن مسألة ختم النبوة الكلام فيها راجع إلى بعض الكلام في مسألة النبوة والنبي والرسول التي مرت معنا، وذلك أن من الأفراد المنتسبين إلى الفلسفة وإلى الصوفية الغالية من قال إن النبوة مكتسبة، وإنْ تكتسب النبوة بأشياء:
 منها أشياء علمية.
 ومنها أشياء عملية.
 ومنها استعدادات ومواهب فطرية.
كما قد يكون غير الأنبياء مساوين لهم في تلقي الأوامر وتلقي الوحي كما يزعمون، وهذا القول لا ينسب إلى طائفة معروفة بحيث يقال إن الفلاسفة قالوا هذا أو إن الصوفية قالوا هذا؛ بل ربما وجد عند بعض أفرادٍ منهم.
المسألة الثالثة: أنّ الكلام على ختم النبوة هو الكلام نفسه على ختم الوحي، فإنّ النبوة إنما كانت بالوحي، فمن ادعى أنه يسمع كلام الله جل وعلا فقد ادعى أنه يوحى إليه، وانقطاع الوحي بموت النبي صلى الله عليه وسلم دال على أنّ الوحي لا يكون لأحد بعده عليه الصلاة والسلام، فلهذا كفّر طائفة من المحققين من أهل السنة من ادعى أنه يوحى إليه وأنه يسمع كلام الله جل وعلا مباشرة أو بواسطة جبريل ونحو ذلك؛ لأن حقيقة سماع الوحي هي حقيقة النبوة.
فإذن من ادعى أنه يوحى إليه فقد ادعى أنه نبي، ولو نفى النسبة عن نفسه.
المسألة الرابعة: أن ادعاء الوحي كفر كدعوى النبوة، وهذا باتفاق أهل السنة، فمن ادعى أنه يوحى إليه فقد ادعى منزلة النبوة، وهذا يدخل في عدم التصديق بختم النبوة وبالكذب على رب العالمين، وهذا هو الكفر.
المسألة الأخيرة: أنّ ختم النبوة وكون النبي عليه الصلاة والسلام خاتِم الأنبياء وخاتَمهم لا يعارض نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان، فإنّ نبوته عليه السلام كانت قبل نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وإذا نزل فالنبوة السابقة ملازمة له عليه السلام، ولكنه يأتي مؤمنا بمحمد عليه الصلاة والسلام حاكما بشريعته قاتلا الخنزير كاسرا الصليب واضعا الجزية على النصارى واليهود، كما ثبت في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال «لَيُوشِكَنّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ عيسى بْنُ مَرْيَمَ حَكَما عدْلا. فَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَكْسِرُ الصّلِيبَ, وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ» وإذا نزل عليه السلام جعل إمام هذه الأمة منها وصلى مأموما عليه الصلاة والسلام، وقال في ذلك إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة.
فلا ينظر من ادعى بطلان تقرير ختم النبوة بنزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان فإن نبوته والوحي فيه كان سابقا لبعثة محمد عليه الصلاة والسلام، وإذا نزل في آخر الزمان فإنه ينزل حاكما بالشريعة، حاكما بالقرآن، مؤمنا بمحمد عليه الصلاة والسلام، ولا يوحى إليه بشيء جديد.
الحديث الذي ذكرتُ لكم نسيته، جاء الآن، هو قوله عليه الصلاة والسلام « مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبياءِ قبلي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى دَاراً فََحَسَّنَهَا وزينها إلا مَوْضِعَ لَبِنَةِ منها, فَجَعَلَ النّاسُ يطوفون بهذه الدار، ويقولون ما أحسنها ما أجملها لو كملت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وبي ختم النبيون» عليه الصلاة والسلام.
قال المؤلف رحمه الله بعدها (وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ) وكونه عليه الصلاة والسلام إماما، يعني أنه يؤتم به، والأتقياء هم صفوة هذه الأمة، وفي قوله هذا إبطال لقول من قال: إنّ من الأتقياء من قد يخرج عن الائتمام بمحمد صلى الله عليه وسلم كقول بعض غلاة الصوفية من أهل الزندقة الذين رأى بعضهم أنه يسعه الخروج على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام، فكل تقي جاء بعده عليه الصلاة والسلام فلا يكون تقيا إلا بالائتمام بمحمد عليه الصلاة والسلام، وهذا الائتمام يكون بالإتباع كما قال جل وعلا ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب:21]، وقال جل وعلا ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[آل عمران:31]، والأتقياء جمع تقي والتقي هو من حصل التقوى.
والتقوى في القرآن جاءت على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن يتقي العذاب المؤبد بتحقيق التوحيد؛ بالإتيان بالتوحيد وبنبذ الشرك وبتركه، يعني بالإسلام، وهذه هي التي جاءت في مثل قول الله جل وعلا ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾( ) فخوطب الناس جميعا بالتقوى؛ يعني باتقاء العذاب المخلد بالإيمان بتوحيد الله جل وعلا وبترك الشرك والبراءة منه ومن أهله.
المرتبة الثانية: من مراتب المتقين أنّ المتقي هو الذي يفعل الواجب ممتثلا ويترك المحرم ممتثلا وهذه هي مرتبة المقتصدين الذين جاء فيهم قول الله جل وعلا ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[فاطر:32]، من ترك المحرم امتثالا وأتى بالواجب امتثالا فهو من المتقين؛ لأنه اتقى العذاب والعذاب يكون يترك الواجب أو بفعل المحرم.
المرتبة الثالثة: أن يتقي الله جل وعلا بترك صغائر الذنوب وبترك ما به بأس وبترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وهذه هي تقوى الله حق تقاته، كما قال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾[آل عمران:102]، يعني خوفوه واحذروه حق الخوف والحذر، وهذه المرتبة إنما هي للسابقين بالخيرات الذين يتركون المكروهات ويسعون في كل المستحبات.
قال بعدها رحمه الله (وسيِّدُ المرسَلينَ) قوله (وسيِّدُ المرسَلينَ) معناه أنه عليه الصلاة والسلام هو المقدم في المرسلين وهو أفضلهم؛ لأن السيادة فرع الفضل بكمال الصفات المحمودة في السيد، (وسيِّدُ المرسَلينَ) من السيادة كما ذكرنا، والسيادة معناها يجمع أمورا، ومنها أن يكون أمره نافذا وأن يكون المرجع هو، وهذا إذا قيل في محمد عليه الصلاة والسلام (وسيِّدُ المرسَلينَ) بهذا المعنى؛ يعني أنه هو المرجع فبالنظر إلى شيئين:
الأول: قوله عليه الصلاة والسلام «أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ» وولد آدم داخل فيهم المرسلون.
والثاني: أن رجوع الأمر إليه بالنسبة إلى الأنبياء يكون في عرصات القيامة؛ حيث يذهب الناس إلى آدم ثم إلى نوح إلى آخره، ثم يأتون محمدا عليه الصلاة والسلام يطلبون منه تعجيل الحساب، فيقول «أنا لها، أنا لها، فيخر تحت العرش فيحمد الله» إلى آخر الحديث.
وهنا في معنى السيادة كما ذكرنا، في معنى السيادة التفضيل، ولهذا بحث الشارح هاهنا ابن أبي العز مسألة التفضيل بين الأنبياء في هذا الموضع؛ لأن من فروع السيادة أو من أسباب السيادة الفضل، وكون النبي عليه الصلاة والسلام سيد المرسلين حق -كما ذكرنا- للدليل وهو قوله عليه الصلاة والسلام « أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ».
إذا تبين ذلك ففي المسألة مسائل:
الأولى: أن التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال جل وعلا ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾[البقرة:253]، والرسل كثيرون وأفضلهم أولي العزم من الرسل وهم خمسة: نوح ثم إبراهيم، -يعني في الزمان- نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء ذكرهم في سورتي الأحزاب والشورى.
وهؤلاء الخمسة أفضلهم محمد عليه الصلاة والسلام، فقد فُضِّل إبراهيم بالخُلّة ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾[النساء:125]، والله جل وعلا جعل محمدا عليه الصلاة والسلام خليلا له، فَفَضْلُ إبراهيم جاء لمحمد عليه الصلاة والسلام، وفضِّل موسى بالتكليم ومحمد عليه الصلاة والسلام أيضا مكلم كما في حديث المعراج.
المسألة الثانية: أن الفضل والتفاضل والتخيير بين الأنبياء له حالتان: حالة عامة وحالة خاصة.
فالحالة العامة: يجوز فيها ذلك بمعنى أن يقال محمد عليه الصلاة والسلام أفضل المرسلين سيد المرسلين، أشرف الأنبياء والمرسلين.
وأما في مقابلة نبي بحسب شخصه في مقابلة نبي بذاته فهذا يكون خصوص فلا يجري التفضيل على وجه الاختيار، ولهذا جاء في السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «لا تخيروني على موسى فإن الناسُ يصعَقون يومَ القِيامةِ فأكونُ أولَ مَن يُفِيقُ, فإِذا أنا بموسى آخذٌ –أو قال باطش- بقائمةٍ من قوائم العرشِ, فلا أدرِي أأفاقَ قبلي أم جُوزِيَ بصَعقةِ الطّور» فقوله عليه الصلاة والسلام هنا (لا تخيروني على موسى) وفي رواية (لا تفضلوني على موسى) دلّ على عدم جواز التفضل الخاص.
المسألة الثالثة: أن هذا البحث وهو بحث التفضيل بين الأنبياء جاءت فيه أحاديث، منها هذا الحديث (لا تفضلوني على موسى)، (لا تخيروني على موسى)، ومنها حديث عام «لا تخيروا بين الأنبياء»، ومنها حديث خاص ليونس عليه السلام وهو قوله عليه الصلاة والسلام «لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى» وفي رواية قال «من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب»، وهذا اختلفت فيه أنظار العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث والتفضيل وما جاء في القرآن من قوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾[البقرة:253]، وأحسن الأجوبة على ذلك أن يقال:
أولا: أن قوله (لا تخيروني على موسى) هذا قاله لسبب قصة وردت، وهو أن اليهودي والمسلم اختلفا فافتخر اليهودي على المسلم بموسى، والمسلم ردّ على اليهودي ولطم، فإذن يكون النهي إذا كان التفضيل الخاص جاء على جهة العصبية والحمية والفخر، ولهذا جاء في الحديث «أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ»، فدلّ على أن التفضيل إذا كان مورده الفخر والعصبية فإنه يمنع منه.
الثاني: أنَّ جهات الفضل متنوعة، والتفضيل من جهة الجنس؛ جنس الفضائل سائغ، ومن جهة كل فَضيلة فضيلة بحسبها متعدد ولهذا يقال إن تفضيل محمد عليه الصلاة والسلام من جهة مجموع الفضائل، ولا ينص على أنه أفضل من غيره من الرسل في كل فضيلة عند جميع الرسل؛ يعني من حيث النظر العام.
الجواب الثالث: أن يقال إنّ التفضل بين الأنبياء لا حاجة إليه؛ لأنّ الأنبياء والرسل رسالتهم واحدة، والله جل وعلا وصف المؤمنين بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله، والرسل وصفهم النبي عليهم الصلاة والسلام بقوله «الأنبياء إخوة لعلات الدين واحد والشرائع شتى»، وتَوَلِّي الرسل جميعا فرض، ومحبتهم جميعا فرض.
فإذن الدخول في التفضيل دخول فيما لا طائل تحته، فالواجب أن يبقى في ذلك على النص وهو ما ذكرناه أولا من التفضيل العام دون التفضيل الخاص.
أما قوله عليه الصلاة والسلام «من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب» فهذا لأجل أن بعض الناس قد يظن أن يونس عليه السلام فعل ما يلام عليه، وأنه عوقب بأن كان في بطن البحر وفي بطن الحوت، ثم قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فقال إن هذه الكلمة ربما تكون لمن فعل شيئا يلام عليه وعوقب، فقال: إن يونس بن متّى قالها لأنه فعل ما فعل. وهذا في الحقيقة غلط؛ لأنه لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى، كما قال عليه الصلاة والسلام، فيترك الدعاء بهذا الدعاء العظيم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فهذا قد دعا به آدم عليه السلام، ودعا به موسى عليه السلام، ودعا به غيرهما من الأنبياء والمرسلين.
فإذن هذا الدعاء وحال يونس بن متّى ليس فيها نص في حقه عليه السلام أعني يونس بن متّى عليه السلام، فإذن لا ينبغي أن يقال إنّ فلانا أفضل من يونس من جهة الاستحباب، لا ينبغي أن يقال ذلك، يعني لا ينبغي أن يقال إن محمدا أفضل من يونس بن متّى على جهة الاستحباب، والدليل دلّ على عدم الجواز فيمن يقوله لنفسه فلا يجوز لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى. والنبي عليه الصلاة والسلام ترك ذلك، وهو أكمل الخلق عليه السلام.
هذا البحث ربما لم تظهر حاجتُه لكن بحَثَه العلماء في هذا الموضع؛ لأن هناك مِن مَن يعتقد الكمال في الولاية من يظن أنّ حالتَه أرفع من حالة يونس بن متّى عليه السلام.
قال رحمه الله بعد ذلك (وحَبيبُ ربِّ العالَمين)، فوصف النبي عليه الصلاة والسلام بأنّه (حَبيبُ ربِّ العالَمين)، والمحبة محبة رب العالمين محبة الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام هذه متحققة، وإنما نُظِر في مسألة الخُلَّة، والمحبة لفظ عام يدخل تحته مراتب في اللغة، وأعلى مراتب المحبة الخلّة، فالتعبير بـ(حَبيبُ ربِّ العالَمين) عند المصنف مال إليه لأجل ما ورد في بعض الأحاديث أنّ إبراهيم عليه السلام خليل الله ومحمد حبيب رب العالمين.
والجواب أن الاقتصار على مرتبة المحبة العامة للنبي عليه الصلاة والسلام فإن هذا قصور؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو حبيب رب العالمين وهو خليل رب العالمين أيضا، فإبراهيم عليه السلام خليل الرحمن كما قال جل وعلا ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾[النساء:125]، وكذلك محمد عليه الصلاة والسلام خليل الله كما ثبت ذلك في السنة قال عليه الصلاة والسلام «لَوْ كُنْتُ مُتّخِذاً خَلِيلاً لاَتّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، إِنّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرحمن -أو قال خَلِيلُ اللّهِ-» فدل هذا مع أحاديث أخر في الباب على أن المحبة ثابتة للنبي عليه الصلاة والسلام، وفوقها مرتبة الخلة ثابتة له عليه الصلاة والسلام.
إذا تبين ذلك ففي هذه الجملة مسائل:
المسألة الأولى: أنّ المحبة بمراتبها التي تضاف إلى رب العالمين جل وعلا إنما هي ما ورد، وبعض الناس غَلَوْا في ذلك فوصفوا الله جل وعلا بكل مراتب المحبة، وهذا باطل وغلو وبعضهم جفا كالجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم فنفوا المحبة بمعناها الظاهر وما يكون من مراتبها؛ فنفوا حقيقة محبة الله لعبده ونفوا حقيقة اتخاذ الله جل وعلا لعبده خليلا، وأوَّلوا ذلك كما سيأتي في مواضعه في بيان أصولهم في الصفات.
وأهل السنة والجماعة بين هاتين الطائفتين فلم يغلو في المحبة؛ يعني في محبة الله لعبده ولم يكونوا من الجفاة في ذلك، بل [...] الأصل الذي أصلوه وأن هذه المسائل تبع لما ورد في النصوص.
فمن المراتب مراتب المحبة التي جاءت في النصوص وتُثبت لله جل وعلا:
 الإرادة؛ الإرادة الخاصة التي هي بمعنى المحبة.
 والمحبة بلفظها.
 والمودة.
 والخلة.
وما ثبت من غير ما ذكرت هذه التي أذكرها الأربعة: إرادة، المحبة، المودة، الخلّة.
المسألة الثانية: أنّ من ألفاظ المحبة التي هي من مراتبها لفظ ‹العشق› وهذا اللفظ استعمله طائفة من أرباب السلوك فيما بين العبد وبين ربه، فقالوا: إنّ الله يُعشق ويعشق. وقالوا: إنني -يعني المتكلم الذي تكلم- أعشق الله جل وعلا.
ولفظ العشق هو من مراتب المحبة -كما هو معلوم-؛ ولكنه يُمنع في إطلاقه من العبد على ربه ومن الرب للعبد، وذلك لأمور:
الأول أنّ لفظ العشق لم يرد في النصوص؛ لا في الكتاب ولا في السنة، لا من جهة العبد لربه ولا من جهة الرب لعبده، فيمتنع إطلاق هذا اللفظ واستعماله في المحبة لأجل الاتّباع.
الثاني: -وهو تعليل لفظي أيضا- أن لفظ العشق إنما تستعمله العرب فيما إذا كان لصاحبه شهوة في المعشوق، ومعلوم أنّ الشهوة إنما تكون لمن يَنكح أو يُنكح يعني للرجل أو المرأة، فإذن استعمال اللفظ في حق الله جل وعلا ممتنع لفظا؛ لأنه لا يستعمل هذا اللفظ إلا في ذلك المعنى.
الثالث: -في رد لفظ العشق واستعماله- من جهة المعنى، وهو أن العشق فيه من جهة العبد أو في إطلاقه على من وصف به فيه تعلُّق بالإرادة وبالإدراك، فلا عشق يحصل إلا وهو مؤثر في الإرادة لإضعافها ومؤثر في الإدراك لحصول خلل فيه، ولهذا أجمع أهل اللغة في أنّ معاني العشق لابد أن يكون في آثارها ما هو نوع اعتداء؛ إما على النفس وإما على الغير، اعتداء على النفس بضعاف الإدراك أو بإضعاف الإرادة، واعتداء على الغير بأنه لو أشعره بذلك فتعاشقا لصار عنده ضعف في الإدراك وضعف في الإرادة. والله جل وعلا لا يجوز أنْ يُقال في محبته إنها تنتج ضعفا في الإرادة أو ضعفا في الإدراك؛ بل محبة الله جل وعلا تبلغ بالعبد -يعني محبة العبد لربه- تبلغ بالعبد كمال الإرادة المطلوبة المحمودة وكمال الإدراك المطلوب المحمود؛ يعني في الإيمان، ولهذا امتنع أنْ يوصف الله جل وعلا بأنه يعشق عبدَه أو أن العبد يعشق ربَّه.
قال رحمه الله بعدها (وكُلُّ دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ فَغَيٌّ وَهَوى) وهذا فيه تقرير أنّ كل دعوى للنبوة بعده عليه الصلاة والسلام فهي ضلال وكذب، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث ثوبان «وَإِنّهُ سَيَكُونُ بعدي كَذّابُونَ ثَلاَثُونَ كُلّهُمْ يَزْعَمُ أَنّهُ نَبِيّ، وإنه لا نَبِيّ بَعْدِي» فكل دعوى للنبوة كذب ولا شك؛ للإجماع المنعقد على ختم النبوة بمحمد عليه الصلاة والسلام كما ذكرت لك من قبل.
قوله (وَهَوى) يعني أنها ناشئة عن الهوى فليس ثَمّ شبهة فيها يعني من ادعى النبوة فلا شبهة له، وإنما هي هوى مجرد فلن ينزل عليه وحي ولن يكون معه معجزات -معجزات نبوة من عند الله- وإنما هي هوى، وقد يسخر الشياطين لنفسه فتعينه على بعض الخوارق إلى آخر ما ذكرنا في البحث السابق في الدرس الماضي.
(دَعْوى النُّبوةِ بَعدَهُ -عليه الصلاة والسلام- فَغَيٌّ وَهَوى) يعني وكفر، والذي يدعي أنه نبي أو أنه يوحى إليه أو أنه رسول فإنه كافر يجب قتله، وهل يستتاب فتقبل توبته إن تاب؟ هذا خلاف بين العلماء في توبة الزنديق، والذي يرجّح في هذا أنه لا تقبل توبته ظاهرا، فإن صادقا في الباطن فإن الله جل وعلا يقبل توبته، لكن ظاهرا لا تقبل توبته بل يجب قتله، وهذا هو الراجح وهو الصحيح، فيقتل لما دعاه من النبوة ولو قال إني تبت ظاهرا، وذلك لأنه قد يدعي ثانٍ وثالث ورابع وخامس كل يدعي النبوة والرسالة ثم يقول: تبتُ. فيكون بذلك خلل في الأمة، فإذن الزنديق الذي يظهر الكفر يسب الله جل وعلا أو يسب رسوله صلى الله عليه وسلم أو يدعي النبوة أو أشباه هذه الأشياء أو يدعي الوحي، فهذا يقتل على كل حال ولا تقبل توبته.
الجملة الأخيرة قال رحمه الله تعالى (وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء)، قوله (وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى) يعني أنه عليه الصلاة والسلام هو المبعوث إلى الجن والإنس أجمعين، وبعثته عليه الصلاة والسلام للإنس والجن جميعا ذكر عدد من أهل العلم الإجماع عليها، فنُقل عن ابن عبد البر وعن ابن حزم في [...] أنهم ذكروا الإجماع على عموم بعثة النبي عليه الصلاة والسلام للجن والإنس، وذكرها تقي الدين السبكي أيضا في رسالة خاصة في عموم رسالته عليه الصلاة والسلام.
والدليل على ذلك يعني على عموم بعثته الدليل على قول المؤلف (وَهُو المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّة الوَرَى) أدلة كثيرة من القرآن ومن السنة:
فمن القرآن:
قوله جل وعلا ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾[الأنعام:19]، والإنذار بلغ الجن كما في آيات أخر، فإذن هو نذير للجن وللإنس.
والدليل الثاني قوله جل وعلا ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[الفرقان:1]، والعالمون اسم لكل ما سوى الله جل وعلا، وخرج من ذلك الملائكة على الصحيح كما سيأتي، فيكون من العام المخصوص، والعام المخصوص دالّ على ما بقي بعد التخصيص كما هو معلوم، فيكون كل الجن والإنس داخلين في لفظ العالمين ولم يُستثنوا ولم يخرجهم دليل فيبقون داخلين في عموم النِّذارة.
وهذا الدليل أعترض عليه بأن قوله جل وعلا (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) لأن هذا هو القرآن وليس هو بمحمد عليه الصلاة والسلام، وهذا وإنْ كان وجها لاحتمال رجوع الضمير في قوله (لِيَكُونَ) للقرآن في قوله في أول (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ- يعني القرآن- لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) فهذا الوجه وإن كان محتملا؛ لكنه خلاف الأولى والأولى عند أهل العربية أن الضمير يرجع على أقرب مذكور وهو قوله (عَلَى عَبْدِهِ)، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ –عبده- لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) .
والدليل الثالث على ذلك قوله جل وعلا في سورة الأحقاف ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29)قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾[الأحقاف:29-30]، إلى آخر الآية..... ( )
بعثة النبي عليه الصلاة والسلام قيل فيها إنها تشمل الملائكة، وذلك لعموم قوله (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) وهذا ليس بجيد، هذا القول ليس بجيد؛ بل يترجح أنّه غلط وذلك لأمور:
الأول: أنّ قوله جل وعلا (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) هذا فيه الإنذار، والملائكة مقيمون على عبادة الله جل وعلا وعلى توحيده وعلى تسبيحه كما قال عليه الصلاة والسلام «أَطّتْ السّمَاءُ وَحُقّ لَهَا أَنْ تَئِطّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ إِلاّ وَمَلَكٌ قائم أو مَلَكٌ سَاجِد أو مَلَكٌ راكع» فالملائكة موحدون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، الملائكة عبّاد لله جل وعلا، الملائكة متقربون لله جل وعلا ومن كانت هذه حاله فلا يصلح له الإنذار، ولهذا قوله جل وعلا (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) ليس فيه دليل لمن ذهب إلى أنّ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم عامة للجميع؛ لأن الآية فيها تعليق بالإنذار والملائكة لا ينذرون.
الوجه الثاني: أنّ الملائكة جنسُهم أو نقول منهم من أتى بالرسالة إلى محمد عليه الصلاة والسلام وهو جبريل عليه السلام، وأمَرَه أن يبلِّغها للناس، ودخول الآمر في مثل هذا في الأمر يحتاج إلى دليل؛ لأنّ الأصل أنّ الآمر إذا أَمر غيره فإنه لا يدخل في الأمر، فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أنْ يُعلن الرسالة للناس جميعا بل للثقلين فإدخاله -إدخال جبريل- عليه السلام بلا دليل.
الثالث والأخير: أنّ الملائكة ﴿يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾[الشورى:5]، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾[غافر:7]، وهم أنصار الأنبياء يرسلهم الله جل وعلا إليهم لنصرتهم وهم أولياؤهم، وهذا يدل على أنهم خارجون عن الاتّباع؛ لأنهم لو كانوا تابعين لصارت نصرتهم للنبي عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين متعيّنة بلا أمر لأجل عقد نصرة الرسالة.
قال هنا (المبعوثُ إلى عَامَّةِ الجِنِّ وكَافَّةِ الوَرَى)، (وكَافَّةِ) هذه في إضافتها للورى، (الوَرَى) يعني الناس صحيحة، وجاءت في لغة قليلة عن العرب، واستعملها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي صحيحة، خلافا لمن قال إن (كَافَّة) لا تستخدم إلا منصوبة على وجه الحال. يعني أن تكون حالا، كما قال جل وعلا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾[سبإ:28]، فالأصل أن تكون منصوبة حالا، ويجوز أو بلغة قليلة استعملت مضافة.
قوله (بالحقِّ والهدى، وبالنُّور والضِّياء) هذه الأربع أوصاف وأسماء للقرآن.
وبهذا نختم هذا الدرس.
أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أتباع محمد عليه الصلاة والسلام.
مباحث النبوة سبق أن ذكرنا لكم أنها لم تجمع في كتاب عام لكل مباحث الأنبياء تعريف النبي والرسول والمعجزات والبراهين وختم النبوة والرد على المخالفين في كل ما يتعلق بالنبوات، ولا شك أن الحاجة داعية إلى ذلك، فهذه مباحث قد لا توجد في كتاب مجموع، لهذا حبذا لو يتوجه إلى هذا البحث بجمع كل مسائل النبوة، بعض طلبة العلم حتى يكون تناوله يسيرا في أيدي إخوانهم من طلبة العلم.
نكتفي بهذا القدر.
[الأسئلة]
نجيب على سؤالين أو ثلاثة.
1/ إذا ركع الإمام قبل انتهاء المأموم من الفاتحة فهل يسجد أم يكملها؟
الجواب: أن هذا مبني على البحث في قراءة الفاتحة هل هي واجبة على المأموم أم أنّ الإمام يتحملها، والذي قاله جمهور أهل العلم جمهور الصحابة كما عزى ذلك إليهم شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم أنّ قراءة الفاتحة يتحملها الإمام عن المأمومين في الصلاة الجهرية.
وإذا كان كذلك فإن المأموم لا يقرأ الفاتحة على هذا القول، وإذا قرأ بعضها فإنه يكفي.
والقول الثاني وهو الذي رجحه عدد من المحققين لظهور الدليل من السنة فيه وهو قوله عليه الصلاة والسلام؛ بل نذكر القول قبل الدليل هو أن قراءة الفاتحة واجب على الجميع الإمام والمأموم والمنفرد أو ركن، ودل عليها قوله عليه الصلاة والسلام «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: عبدي الحمد لله رب العالمين» إلى آخره، فتسمية الفاتحة بالصلاة وهي جزؤها دال على أنه ركن فيها، وكذلك قوله عليه السلام «أُراكم تقرؤون خلف إمامكم» قالوا: نعم يا رسول الله. قال «لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» دلّ هذا على وجوب قراءة الفاتحة، وعلى هذا القول فإنّ المصلي يأتي بما يمكنه بما يستطيعه بما يمكّنه من اتباعه للإمام، فإذا تمكن من قراءة بعض الفاتحة سقط عنه البعض الآخر بتكبيرة الإمام.
تحصّل لك من هذا أنه على كِلا القولين فإن المأموم إذا ركع الإمام وجب عليه أن يتابعه، ويترك قراءة الفاتحة لأن الإمام انتقل إلى ركن آخر وهو الركوع.
2/ ما عورة المرأة لمحارمها وللنساء الأخريات؟
عورة المرأة لمحارمها ما يظهر منها غالبا كالوجه والرأس وأطراف اليدين وبعض الرجلين، ما يظهر غالبا مما جرى عليه العرف في البيت لأنها بحاجة إلى ذلك.
وأما عورتها بالنسبة للنساء فإن المرأة بالنسبة للمسلمة عورتها من السّرة إلى الركبة، والثديان لا يدخلان في العروة بالنسبة للمسلمة؛ لأنه ربما احتاجت إلى كشفها حال الرَّضاع أو أشباه ذلك، وقد كانت نساء الصحابة يرضعن بحضرة أخريات من أخواتهن المؤمنات، فدلّ على عورة المرأة لا يدخل فيها الثديان، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام أحمد وأصحابه وطائفة من أهل العلم.
وأما إذا كانت المرأة ليست بمسلمة وهنّ نساء أهل الكتاب كافرة نصرانية أو وثنية أو نحو ذلك، فقد اختلف أهل العلم في ذلك فمنهم من قال إن قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى أن قال ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾[النور:31]، دال على تخصيص إبداء الزينة للإباحة في نسائهن وهن المسلمات وبقي ما عداهن على الأصل وهو المنع، ويقول إنه لا يجوز للمرأة أن تتكشف عند المرأة الكافرة، وهذا القول قال به طائفة من العلماء لكنه ضعيف من جهة أن المشركات وبعض أهل الكتاب كن يدخلن على بيت النبي عليه الصلاة والسلام وكنّ يدخلن بعض بيوت الصحابة ولم تؤمر الصحابيات بالاحتجاب عنهن كالرجال.
فإذن تكون المرأة المسلمة عورتها بالنسبة للمرأة الكافرة عورتها ما يظهر منها غالبا كعورة المرأة بالنسبة لمحارمها.
هذا كله إذا لم يظهر ثم فتنة فإن كانت المرأة تفتتن بجزء من بدن المرأة -والعياذ بالله- لمرض في نفسها فإنه يجب تغطيته، فإذا كانت المرأة تنظر إلى الأخرى بشهوة، فإنه يجب على المرأة أن تصون عورتها من أن ينظر إليها أحد بشهوة حتى المحارم وحتى النساء المسلمات.
3/ ما حكم تكفير الكافر المعين والحكم عليه بالخلود في النار بعد الممات، وما معنى قول أهل السنة ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلى من شهد له، إلى آخره؟
الجواب: أن قول أهل السنة ولا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني من هذه الأمة من المنتسبين للقبلة، أما المشرك الأصلي أو الكافر اليهودي أو النصراني فهو يستصحب الأصل الذي كان عليه؛ فإذا مات على الكفر فإننا نقول هو كافر ومات عليه وهو من أهل النار، والنبي عليه الصلاة والسلام قال لنا «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» أبشر بالنار، فهذا لا يدخل في قول أهل السنة لأن المقصود من ذلك أهل القبلة، لا نشهد لمعين بجنة يعني من أهل القبلة ولا معين لأهل القبلة بنار، إلا من شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام في الذين يدخلون الجنة وفي الذي غلّ وفي الذي قتل نفسه؛ وجع نفسه بحديدة ونحو ذلك، من شهد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنار من أهل القبلة فنشهد عليه بالنار وأما المشركون والكفار من أهل الكتاب فلا كرامة لهم فإذا ماتوا شهدنا عليهم بالنار وكفرناهم بحياتهم وبعد مماتهم، ولا يقال في حقهم لا نكفر إلا من بلغته الحجة أو لا نشهد عليهم بالنار إلا من قامت عليه الحجة ونحو ذلك، كما بينا ذلك مرة في هذا المسجد حينما رددت على صاحب مقالة كفرية.
4/ ما هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في تارك الصلاة؟
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن تارك الصلاة تهاونا وكسلا، -تهاونا أو كسلا لأنها صورتان- يكفر الكفر الظاهر، ولا يكفر الكفر الظاهر الباطن جميعا إلا إذا حكم عليه بذلك، قد فصل الفرق بينهما في شرحه على العمدة عمدة الفقه لابن قدامة وفي موضع من الفتاوى.
5/ هل الملائكة أفضل أم الأنبياء؟
يأتينا البحث مطولا إن شاء الله في آخر العقيدة الطحاوية، والجواب باختصار الأنبياء أفضل من الملائكة.
6/ هل يُقال أن أفضل الصحابة أبو بكر وأفضل أمة محمد عيسى عليه السلام؟
الجواب أن عيسى عليه السلام نبي من الأنبياء ومن أولي العزم من الرسل، وأيضا يصدق عليه حد الصحابي، ولذلك يلغز بعض العلماء يقول مَن مِن هذه الأمة من هو أفضل من أبي بكر؟ فيقال عيسى عليه السلام، من جهة أنه لقيه لقي النبي عليه الصلاة والسلام لما أسري به وآمن به وإذا نزل يكون مؤمنا وحاكما بشريعة محمد.
7/ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾[يوسف:110]، ما معنى (كُذِبُوا)؟
مرّ علينا الجواب فيما مضى.
8/ ما رأيكم في كتاب الإيمان بالرسل لفضيلة الدكتور عمر الأشقر فقد استوفى كثيرا من الموضوعات ؟
الجواب: أن كتب الدكتور عمر الأشقر في العقيدة في الجملة جيدة، وشاملة للمباحث وهو يتحرى في نقوله فهي نافعة لطالب العلم والاستفادة منها طيبة.
9/ ما حكم العمليات التجميلية؟
عمليات التجميل فيها تفصيل:
إن كانت العملية لتغيير خلق الله؛ للتحسين فقط، هذه لا تجوز؛ لأن الله جل وعلا ذكر أن الشيطان يأمر العباد بتغيير خلق الله قال سبحانه ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا [إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا]( ) شَيْطَانًا مَرِيدًا(117)لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا(118)وَلَأُضِلَّن َهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾[النساء:117-119]، وثبت في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام «لعن النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله»، وهي التي تنشر السن سنها ليتباعد ما بين السنين فإذا ضحكت تفلّج أو ظهر شيء من الحسن كما هو عند أهل ذلك الزمان، فهذا النوع من عمليات التجميل وهو أن تُعمل العملية لأجل التجميل فقط فيغير خلق الله جل وعلا لأجل الزينة، فهذا لا يجوز؛ فهو محرم وفاعله ملعون، وهذا يدل على أنه من الكبائر والعياذ بالله.
النوع الثاني أن تكون عملية التجميل لحادث في شيء خارج مشوه أو ضار بالإنسان كظهور أصبع زائدة في قطعها أو ظهور تهاليل في الوجه أو في البدن وهي قطع لحم زائدة أو نحو ذلك من عظم زائد يؤذي فيما فيه مضرة للعبد، أو تشويه ظاهر يبعث على الاشمئزاز منه أو تنكره، فهذا لا بأس به، لا بأس بأن يفعل لأن هذا من قبيل العلاج لا من قبيل تغيير خلق الله للحسن، فقول النبي عليه الصلاة والسلام «المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» هذا ضابط بأنّ من غير خلق الله يعني لأجل الحسن دون حاجة أخرى فإنّه داخل في اللعنة.
10/ ما الفرق أن نقول أن هذه لصفة على سبيل الإخبار وبين أن نقول هذه صفة على سبيل الإقرار؟
هذا يأتينا في بحث الصفات إن شاء الله والقواعد.
11/ ثبت في سنن أبي داوود أن النبي سابق عائشة في السفر، فهل نستفيد منه سنية المسابقة على الأقدام، نعم المسابقة على الأقدام مشروعة، النبي عليه الصلاة والسلام سابق على الأرجل فعله بنفسه وسابق، وسابق على الخيل، وهذا مما يقوي وينفع بإذن الله .
12/ هل في العمرة طواف وداع؟
الجواب: أن العمرة لا وداع فيها وإنما يستحب للمرء أن يوادع إذا أنهى عمرته، والعلماء لهم في ذلك قولان منهم من يرى أنّ العمرة يجب لها طواف وداع كما يجب للحج، ويستدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام «لا ينفر أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت»، وهذا المتنسك داخل في هذا الخطاب في أنه لما أدّى النسك فإنه لا ينصرف حتى يكون آخر العهد بالبيت، فيجعل هذا الدليل دالا على وجوب طواف الوداع في العمرة كما هو في الحج.
والقول المختار أنه لا يجب في العمرة إنما يجب في الحج وحده، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام (لا نفر أحدكم) خطاب للحجاج الذين حجوا معه وليس خطابا للمعتمرين بلا حج، وهذا من بساط الحال الذي يرعى في دلالة النص، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر عُمرا لم يطف بعدها طواف الوداع.
ويرد على من أوجبه إيرادات كثيرة لا مجال لذكرها هنا.
13/ أقرأ في كتب أهل العلم لكن أحس في قرارة نفسي أني لا أستفيد، فما هو الحل؟
هذا سؤال جيد.
أولا: قولك لا أستفيد، هذا فيه نظر، فمن حضر مجالس أهل العلم فقرأ كتبهم فلابد أن يستفيد إن استفاد علما أو استفاد عملا وصحبة للأخيار وحضور مجلس ذكر.
والثاني أنّ العلم طويل واستعدادات الناس، استعدادات طلاب العلم أو من يرغب في العلم أو من يرغب في العلم لإدراكه متنوع، فمنهم من يكون استعداهم جيدا يدرك سريعا، ومنهم من يكون استعداداتهم ضعيفة فيدرك متأخرا؛ لكن من لزم هذه الجادة فإنه سيدرك، فقد قال بعض –لقد ذكرت لكم هذه القصة مرارا – رواها الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع قال كان فلان -سماه من طلبة الحديث- وكان يحضر مجالس الحديث ولكنه رأى أنه لم يحصل شيئا فانصرف وترك، قال هذا الراوي قال فمررت مرة على ماء يتقاطر على صخرة، وقد أثّر فيها حفرة فقلت يا هذا هذه عظة فليس لعلم بأخف من الماء وليس قلبي بأثقل من الصخر؛ يعني أن العلم إذا جاء وكَسر وكسر لابد يحفّر، فرجع إلى العلم وصار من علماء الحديث.
لا تسئ بالعلم ظنا يا فتى إن سوء الظن بالعلم عطب
العلم من أراده جاء بإذن الله.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
فبين يدي الدرس نجيب عن بعض الأسئلة.
س1/ يقول السؤال للمرة الثانية ما هو الفرق بين الفعل لله والصفة لله، ما هو الفرق بين الاسم والمسمّى مع الأمثلة؟ وحبذا ذِكر المرجع الذي تكلم على هذه المسألة.
ج/ الجواب: الفرق بين أفعال الله وصفاته أنّ الأفعال مشتملة على صفة وعلى زمن؛ لأنّ الفعل يشتمل على حدث وعلى زمن، والحدث هذا وصف، ولما كان كذلك كان الفعل المضاف إلى الله جل وعلا لا يدلّ على الصفة التي اشتمل عليها هذا الفعل بإطلاق، بل قد يوصف الله جل وعلا بها وقد لا يوصف؛ لأنّ باب الأفعال أوسع بمن باب الصفات.
مثاله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾[الفرقان:59]، فاستواء الله جل وعلا صفة أخذناها من فعل استوى؛ لأن استوى مشتمل على حدث وهو الاستواء (الصفة)، ومشتمل على زمن وهو الماضي، ويُثبت هنا الاستواء صفة لله جل وعلا كما يليق بجلاله وبعظمته لأنه متضمن كمالا، فيقال من صفات الله الاستواء على العرش.
المثال الثاني ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾[الأنفال:30]، (يَمْكُرُ اللَّهُ) هذا فعل مضارع مشتمل على حدث على صفة وهو المكر؛ يعني على مصدر وهو المكر، ومشتمل على زمن وهو المضارع، لكن لا يقال هذا الفعل يدلّ على إثبات صفة المكر؛ لأنّ صفة المكر ليست دائما صفة كمال، فلهذا قال أئمة أهل السنة رحمهم الله تعالى: إن باب أوسع من باب الصفات؛ فقد يضاف الفعل إلى الحق جل وعلا ولا تثبت الصفة التي تضمنها هذا الفعل، كما أن باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ فقد تطلق الصفة على الله جل وعلا ولا يطلق الاسم. من مثل الاستواء والمستوي، وممثل المكر بحق والماكر وأشباه ذلك.
إذن ثَمّ فرق بين أفعال الله جل وعلا وبين صفاته من هذه الجهة.
أما من جهة قيامها جميعا بالله جل وعلا فالصفة قائمة بالله جل وعلا ولها أثر في الخارج لها أثر، مثل صفة الخلق لها أثر هو المخلوق، صفة الرحمة لها اثر في المرحوم، وهكذا، والفعل في تعقله بالله جل وعلا قد يكون متعديا وقد يكون لازما.
وللمسألة مزيد تفصيل المقصود أن باب الفعال أوسع من باب الصفات، وأنه لا يطرد القول بالمساواة بيت الفعل القائم بالله جل وعلا وبين الصفات القائمة بالله جل وعلا.
ما هو الفرق بين الاسم والمسمى؟
الاسم والمسمى إذا اجتمعت فيعنى بها بحث كلامي بحث عند أهل الكلام ودخل فيه أهل السنة ردا على أهل الكلام وبيانا للحق فيها، وإلا فبحث الاسم والمسمى ليس من البحوث الموجودة في الكتاب والسنة ولا في كلام الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما الكلام فيها حادث؛ لكن جرّ إلى الكلام فيها أن المعتزلة خاضوا في ذلك توطئة لنفي الصفات ولتحريف الأسماء لله جل وعلا.
وتلخيص المسألة:
أنّ الاسم مثل الرحمن الرحيم الكريم ونحو ذلك، المسمى بهذا الاسم هو الله جل وعلا، محمد المسمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، الكأس اسم المسمى هو هذا الذي ترى.
فإذن الاسم دلالة عامة والمسمى انطباق هذا الاسم على العين أو على الذات.
إذا تبين ذلك، فإن المسألة التي اختلفوا فيها هي: قولهم هل الاسم عين المسمى أم أن الاسم غير المسمى؟ وهذه المسألة مبسوطة وطويلة الذيول؛ لكن اختصار القول فيها أن مذهب الأئمة أن الاسم لا يطلق القول بأنه عين المسمى ولا أنه غير المسمى؛ بل المسألة فيها تفصيل في دلالة الاسم على المسمى وأن الأسماء مختلفة؛ لأنّ كل اسم يدل على المسمى وزيادة صفة، فهو يدل على الذات ويدل على الصفة التي تضمنها هذا الاسم، كما ذكرنا لكم الرحيم تدل على ذات الله جل وعلا المتصفة بالرحمة، والذين قالوا إن الاسم هو عين المسمى جعلوا أنه لا فرق بين الأسماء في دلالتها على المسمّى فجعلوا العليم هو الرحيم مطابقة، وجعلوا الملك هو الودود، ونحو ذلك، بدون تفرقة بين الاسم والصفة، يعني جعلوا أن الأسماء دالة على الذات كما قال المعتزلة عليم بلا علم، رحيم بلا رحمة، وهكذا وهلم وجرّ.
والمسألة فيها طول لكن هذا بيان لأصلها.
س2/ يتعرض كثير من الشباب لبعض من الشبهات من خلال دراسته للعقيدة والفرق، أرجو حل هذه المشكلة كيف يتعامل الشخص مع هذه الشبهات؟
ج/ لاشك أن هذا كائن وكثير من المسائل يرغب المعلم ربما في تفصيلها للخاصة من طلاب العلم، لكن لحضور من ليس مستواه مهيئا لتلقي العلم العالي فإنه يُحجم، فذكر المسائل العقدية وذكر التفصيل وكلام أهل الفرق والشبهة وردها الحقيقة الأصل أنه لا يناسب؛ لا يناسب المبتدئ في طلب العلم بل لابد أن يتلقاه من علم أصول أهل السنة والجماعة وفهم مذهبهم وطريقتهم وسنتهم في ذلك بعد قراءته الكتب الأولى، لهذا نوصي دائما بالمنهجية، إذا علم مذهب أهل السنة والجماعة من خلال لمعة الاعتقاد كمنهج عام في تقرير مسائل الإيمان بأجمعها؛ عرف مذهبهم في الإيمان، مذهبهم في الصفات، مذهبهم في الأسماء، في القدر، في الغيبيات، في الصحابة، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في ولاة الأمر، وهكذا المسائل التي يعرضونها، في القدر، في اليوم الآخر، فيما يعرض، علم قول أهل السنة، بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة تلي ذلك؛ حتى لا يطلع على بعض الشبهات يظن أن هذه مؤثرة على مذهب أهل السنة والجماعة، فيعرض له شيء من التفصيل من الزيادة بقول أهل البدع مع الرد عليهم، ثم يترقى حتى يتوسع في ذلك.
فلهذا من رأى أن حضوره لمجالس العلم التي فيها تفصيل يورد عليه الشبهات فينبغي له أن لا يحضر، وأن يبتدئ العلم من أوله، وأن لا يعرض نفسه للشبهة؛ لأن الشبهة ربما استحكمت فأثرت.
س3/ ما موقف طالب العلم في المسألة التي فيها قولان، وكل قول يستند على حديث صحيح؟
ج/ أما في مسائل التوحيد والعقيدة فليس ثَم صورة تطابق ما ذكر أن حديثا صحيحا يعارض حديثا صحيحا آخر في مسألة، وذلك أن الكل من مشكاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من رب العالمين، والحق لا يعارض حقا بل يؤيده، فلا يمكن أن يكون في مسألة قولان من مسائل الاعتقاد ويكون القولان يعتمد فيها على أحاديث صحيحة.
أما إذا كانت المسألة من مسائل الفقه العمليات ونحو ذلك فطالب العلم لابد أن يرجع إلى من يثق به من أهل العلم فيرجح له أحد القولين، فيذكر له وجه الاستدلال الذي به رجح هذا القول على غيره.
س4/ ما معنى التغني بالقرآن وما حكمه؟
ج/ التغني بالقرآن اختلف فيه أهل العلم على أقوال أصحها أن التغني هو تحسين الصوت بالقرآن «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» يعني من لم يحسن صوته بالقرآن وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «ما أذن الله في شيء أذنه لنبي يقرأ القرآن يجهر به يتغنى به» يعني يحسن صوته بالقراءة، وتحسين الصوت بالقراءة هو التغني؛ يعني على حسب ما جاء في قراءة القرآن، لا يجعل القرآن ألحان غناء، ولكن يجعل القرآن محسنا الصوت به بتطبيق التجويد على ذلك، كما قال تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾[القيامة:18].
س5/ هل الرافضة والجهمية ليستا من الاثنين والسبعين فرقة وكيف؟
ج/ أما الجهمية فأهل السنة جميعا على أنهم ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة ليسوا من فرق الأمة.
وأما الرافضة فجمهور أهل السنة على خروجهم من الثنتين والسبعين فرقة، والمقصود من الرافضة الغلاة؛ غلاة الشيعة الذين يلعنون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، والذين يتدينون بسب الصحابة ويبغضون بعض أمهات المؤمنين ويقذفون عائشة ونحو ذلك، من معتقداتهم المعروفة.
س6/ ما حكم قول البعض شاءت الأقدار، ساقته الأقدار، اقتضته حكمة الله، شاءت إرادة الله، ونحو هذه العبارات؟
ج/ شاءت الأقدار، الأقدار جمع قدر، والقدر تبع المقدِّر وهو الله جل وعلا، والذي يشاء القدر هو الله سبحانه وتعالى، فقول القائل شاءت الأقدار وأشباه ذلك، فإنّ هذا غلط لأن الأقدار ليس لها مشيئة، المشيئة لله جل وعلا هو الذي شاء القدر وشاء القضاء سبحانه وتعالى.
وساقته الأقدار هذه محتملة، محتملة لهذا وهذا، وتجنبها أولى.
اقتضته حكمة الله، هذه صحيحة لا بأس بها استعملها أهل العلم؛ لأن الاقتضاء خارج عن الشيء؛ يعني حكمة الله نشأ عنها شيء هو مقتضاها، اقتضت حكمة الله أن يكون كذا وكذا؛ يعني من القضاء الذي حصل؛ يعني أن ما حصل موافق لحكمة الله جل وعلا.
شاءت إرادة الله، هذا أيضا مثل ما سبق فإنّ الإرادة الكونية هي المشيئة، فقول القائل شاءت إرادة الله كقوله شاءت مشيئة الله تكرار لا وجه له.
س7/ ما ضابط إدراك تكبيرة الإحرام؟
ج/ هذه المسألة من المسائل التي فيها نظر واختلاف وعدم وضوح من حيث الاستدلال، ولأهل العلم فيها مذاهب:
منها -وهو المشهور عندهم- أن إدراك تكبيرة الإحرام يكون بأن تكبر بعد تكبير الإمام، من كان في المسجد فكبر الإمام تكبيرة الإحرام فكبر بعده فقد أدرك تكبيرة الإحرام «وإذا كبّر فكبروا».
والقول الثاني أن تكبيرة الإحرام تدرك إذا لم يبدأ الإمام في الفاتحة؛ يعني ما كان قريبا منها لأنه ما انتقل من الركن إلى ركن بعده، الركن الذي يلي تكبيرة الإحرام هو قراءة الفاتحة عند من قال بركنيتها، ولهذا يقال -يعني عندهم- إنه يدرك تكبيرة الإحرام ما لم يشرع الإمام في الفاتحة.
والقول الثالث أنّ المأموم يدرك تكبيرة الإحرام إذا أدرك آمين مع الإمام؛ لأنّ بلالا رضي الله عنه كان يقول للنبي عليه الصلاة والسلام لا تسبقني بآمين.
ونرجئ بقية الأسئلة إلى وقتها.

 وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله، منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلاً، وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْياً، وَصَدَّقهُ المؤمنون على ذلك حَقًّا، وأَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوقٍ ككلام البَرِيَّةِ، فمن سمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ بسَقَر، حيث قال تعالى ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾[المدثر:26]، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾[المدثر:25]، عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر.
[الشرح]
هذه الجمل من كلام الطحاوي رحمه الله اشتملت على تقرير قول السلف وأئمة الحديث والسنة وأهل السنة والجماعة والأثر في مسألة القرآن وكلام الله جل وعلا، وأنّ القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، وأنّ القرآن ليس بمخلوق، وأنّ من زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، وأنّ من زعم أن القرآن كلام البشر فهو كافر بتوعد( ) الله جل وعلا على ذلك بقوله ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾[المدثر:26].
وهذه المسألة وهي مسألة القرآن وكون القرآن كلام الله جل وعلا منزل غير مخلوق، هذه أكبر المسائل التي اختلف فيها المنتسبون إلى القبلة، ولأجلها وكثرة الكلام فيها سُمِّي أهل الكلام بأهل الكلام، فهي مسألة شرَّقت وغرَّبت في القرن الثاني الهجري، وكثر الكلام فيها وإثبات ذلك ونفيه؛ يعني إثبات أن القرآن كلام الله وأن الله يتكلم حقيقة وما أشبه ذلك، والكلام في نفي ذلك، حتى صارت عنوانا على الانحراف في التوحيد بما سمي بعلم الكلام.
ومذهب أهل السنة والجماعة الذي دلّت عليه النصوص من القرآن والسنة ودل عليه إجماع سلف هذه الأمة هو ما ذكره الطحاوي فيما سمعت وهو قوه (وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله، منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلاً، وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْياً، وَصَدَّقهُ المؤمنون على ذلك حَقًّا)، وهذه الجمل إلى آخرها اشتملت على مسائل؛ يعني اشتملت على موضوعات:
الموضوع الأول: أنّ القرآن كلام الله.
والثاني: أنه ليس بمخلوق.
والثالث: أن من زعم أن القرآن كلام البشر فهو كافر.
المسألة الأولى وهي قوله (وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله...) إلى آخره، هذه نذكر فيها بعض التعريفات المهمة لتصورها ولتصور مذهب أهل السنة والجماعة فيها.
أولا قوله (القرآن) بل قبل ذلك نقول قوله (وإِنَّ القرآنَ) هذه الكلام في كسر همزة (إِنَّ)كالكلام في كسر الهمزة قبلها في قوله (وإِنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ المصطَفى) يعني: نقُولُ في تَوحيدِ الله: إِنَّ القرآنَ كَلامُ الله. لأنّ توحيد الله هو الإيمان والكلام في القرآن كلام في ركن من أركان الإيمان وذلك أن الإيمان هو إيمان بالله وملائكته وكتبه، فالكلام في القرآن وأنه كلام الله كلام في التوحيد؛ في توحيد الله تعالى.
التعريفات:
قال (وإِنَّ القرآنَ كَلامُ الله).
القرآن في اللغة: مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا، فالقرآن مصدر قرأ، كما قال الشاعر في وصف عثمان رضي الله عنه:
ضحوا [...............]( ) به يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
يعني قراءة، رضي الله عنه وأرضاه.
وأما في الاصطلاح: فالقرآن اسم لكل كتاب يُتلى أنزله الله جل وعلا على نبي من أنبيائه، وذلك يدل على أنّ تخصيص القرآن بالاسم بما انزل على محمد عليه الصلاة والسلام هو كتخصيص الدين الذي أنزل عليه بالإسلام، فالقرآن هو الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، كما أن الإسلام هو الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام، وإن اشترك في الإسلام دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، وكذلك القرآن، دلّ على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما ثبت عنه وصح «ما أذن الله لشيء أذنه لنبي يقرأ القرآن يجهر به يتغنى به» دلّ على أن قراءة النبي لما أنزل عليه والتغني بذلك على أن هذا قراءة للقرآن.....، هي مصدر قرأ قراءة وقرآنا لكن هو لما فيه شرف ومنزلة.
(كَلامُ الله) هذا اللفظ الثاني، كلام الله هو صفة من صفاته.
والكلام أصله في اللغة: ما سمع من الأقوال وتعدى قائله، وهذا مأخوذ من اشتقاق المادة أصلا، مادة (الكاف واللام والميم) فإن (كَـ ـلَـ ـمَ) هذه تدل على قوة وشدة في تصريفاتها وتفريعاتها في لغة العرب كما حرر ذلك العلامة ابن جني في كتابه خصائص اللغة، وهذا يدل على أن حديث النفس لا يسمى في اللغة كلاما، وعلى القول الذي يسمعه صاحبه دون غيره -يعني ما يجريه على نفسه- لا يسمى كلاما في اللغة، أو يحرك به لسانه لا يسمى كلاما حتى يُسمع غيره، هذا يدل عليه من حيث الاشتقاق الأكبر والأوسط أن هذه الأحرف الثلاثة هذه (كَـ ـلَـ ـمَ) حيثما فرقتها لا تدل على خفاء ولا تدل على لين ولا تدل على رخاوة؛ بل هي تدل على قوة وصلابة وشدة، فخذ مثلا كَلَمَ بمعنى جَرَحَ، وكَلَّمَ بمعنى تحدّث وقب هذه الكلمة مَلَكَ فيه قوة، ولَكَمَ فيه قوة، وكمُلَ فيها قوة، فحيث صرّفت هذه المادة وقلبتها مستخدما الاشتقاق الأكبر أو الاشتقاق الأوسط فإن هذا يدل على قوة وشدة، ولا يدل على خفاء ورخاوة ولين، وهذا أصل مهم في هذا الباب في فهم معنى الكلام لغة.
وسيأتي مزيد تفصيل عند الرد على قول الجهمية والمعتزلة في هذه المسألة.
قوله (كَلامُ الله) الكلام صفة من صفات الله وإضافته إلى الله جل وعلا هنا إضافة صفة إلى متصف بها.
والذي جاء في القرآن والسنة أن ما يضاف إلى الله جل وعلا نوعان:
النوع الأول: إضافة مخلوقات على الله سبحانه أعيان قائمة بنفسها، وهذا كإضافة البيت بيت الله، وإضافة الناقة ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾[الشمس:13]، وإضافة العبد ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾[الجن:19]، وكل هذه إضافة مخلوق إلى خالقه، ولكن هذه الإضافة لتخصيصها بالله جل وعلا تدل على شرف المضاف إلى الله جل وعلا؛ يعني على شرف البيت، شرف الناقة، شرف محمد عليه الصلاة والسلام.
النوع الثاني: معاني وليست بأعيان معاني لا تقوم بنفسها مثل الرحمة لا يوجد أمامنا شيء يسمى رحمة مستقل عن من يقوم به، لا يوجد أمامنا شيء يسمى كلام مستقل عن المتكلم أو السامع، هذه المعاني والصفات إذا أُضيفت إلى الله جل وعلا فإنها إضافة صفة لمتصف بها، وهذا أخذ بقواعد اللغة العربية.
قال بعدها (منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلاً)، هذه الكلمة (منْهُ بَدَا بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلاً) أوردها لاستعمال طائفة من أئمة أهل السنة والحديث والأثر لهذه الكلمة، وهو أنهم قالوا: القرآن كلام الله منزه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود. فاستعملها كما استعملها الأئمة من قبل.
قوله (منْهُ بَدَا) بدأ منه (من) هنا ابتدائية، و(من) لها استعمالات كثيرة في اللغة، ومنها أن تكون للابتداء وقدمها الناظم في حروف المعاني جمع معاني (من) في اللغة العربية جمعها اثني عشرة معنى، وهي تزيد عن ذلك فقال:
أتتنا من لتبيين وبعض وتعليـل وبدءٍ وانتـهاء
وزائدة وإبدال وفصل ومعنى عن وعلى وفي وبعد
فأول معاني (من) التبيين ثم التبعيض والتعليل والبدء هذه رتبها، ومعنى (من) الابتدائية أن يكون الفعل بدأ من المسند إليه، وقوله هنا (منْهُ بَدَا) يعني أنه ابتدأ من الله جل وعلا، يعني من الله ابتدأ فيعني بـ(من) أن ابتداءه كان من الله جل وعلا، وهذا دلت عليه آيات كثيرة كقوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾[النحل:102]، وكقوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت:42]، وغير ذلك كما سيأتي بيانه.
قوله (بَدَا) هكذا بدون همز (منْهُ بَدَا) تفسيرها يعني ظهر، (منْهُ بَدَا) يعني كان ابتداء ظهوره وخروجه من الله جل وعلا ويقال فيها أيضا (منْهُ بَدَأَ)، بَدَأَ بالهمز يعني به الابتداء، منه ابتدأ، وأن الله سبحانه هو الذي بدأه لم يُبتدأ تنزيله من غير الله جل وعلا؛ بل نزل من الله ابتداء.
قال (بلاَ كَيْفِيَّة قَوْلاً) تقدير الكلام أو سياق سبر الكلام؛ المراد منه: منه بدا قولا بلا كيفية. منه بدا؛ لم يبتدئ منه معنى ولكن بدأ منه قولا، ظهر وخرج القرآن منه قولا، فهو كلامه وقد ظهر وخرج أو ابتدأ منه قولا، ففي قوله قولا إخراج لمن ادعى أنه معنى من المعاني جُعل في نفس جبريل.
قوله (بلاَ كَيْفِيَّة) يعني بلا كيفية معقولة، وإلا فإن كلام الله جل وعلا لاشك أن له كيف ولكن الكيف غير معقول فيصدق على هذا قول الإمام مالك في الاستواء: إنّ الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول.
قال (وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْياً)، (أنْزلَه) يعني الإنزال من الله جل وعلا، والإنزال في القرآن والسنة جاء على نوعين:
النوع الأول: إنزال مطلق وهذا يكون من الله جل وعلا، وقد يذكر من الله وقد لا تذكر فيكون الإنزال المطلق من الله جل وعلا.
وتارة وهو النوع الثاني: أن يكون إنزالا مقيدا؛ يعني أنه يقيد ابتداء الإنزال من شيء مخلوق، ﴿وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ﴾[ق:9]، فصار هنا ابتداء الإنزال أو التنزيل من السماء، ونحو ذلك من الآيات التي فيها التنزيل المقيد.
إذن قوله (وأنْزلَه على رَسُولِهِ) هذا لأجل أنّ الآيات فيها ذكر التنزيل، والتنزيل مطلق منه جل وعلا، كقوله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾[النحل:102]، وكقوله ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ(194)بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾[الشعراء:192-195]، وفي آية الشعراء هذه قوله (عَلَى قَلْبِكَ) لأنّ القلب به تتميز المدركات؛ لأن القلب به تتميز المدركات المسموعة أو المدركات المرئية أو المدركات المعقولة، فذِكْر القلب في آية الشعراء لأجل تمييز المدركات بأنواعها؛ تمييز المسموعة عن المسموع، وتمييز المرئي عن المرئي، وتمييز المعقول عن المعقول وهكذا، وكذلك قوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت:42]، وكذلك قوله ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾[يس:58]، والآيات في هذا الباب كثيرة متنوعة.
قال (وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْياً) والوحي هنا المقصود به أن الإنزال كان وحيا (أنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْياً) أوحي على محمد عليه الصلاة والسلام.
والوحي في اللغة -يعني تعريف الوحي في اللغة-: إلقاء الخبر أو العلم في خفاء وسرعة، ولهذا سميت الكتابة وحيا وسميت الإشارة وحيا، وهكذا، وهذا بحث معروف في اللغة واضح.
والوحي من جهة الاصطلاح: اختلفت التعاريف فيه بحسب اصطلاح مذهب القائل، ولهذا تجد في كثير من كتب التفسير تعريف للوحي لا ينطبق على مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، وربما نقله من لا يحسن.
فإذن لابد من معرفة تعاريف الوحي في الاصطلاح يعني عند أهل السنة والجماعة.
فعُرِّف الوحي اصطلاحا عند أهل السنة والجماعة: هو إعلام النبي بشيء إما بكتاب أو برسول أو بمنام أو بإلهام. وفي كل من هذه خلاف لبعض المخالفين.
قال (وَصَدَّقهُ المؤمنون على ذلك حَقًّا) يعني آمن به المؤمنون.
(وأَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة) وقوله هنا (أَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة) استعمل لفظ (بالحقيقة) ردًّا على قول من قال إنه كلام الله تعالى مجازا كما هو قول المعتزلة وغيرهم، هذا من جهة استعمال لفظ الحقيقة بما استعملت فيه عند أهل هذه البحوث.
(ليس بمخلوقٍ ككلام البَرِيَّةِ) يعني أن الله سبحانه تكلم بهذا الكلام وهو صفته ليس بمخلوق؛ بل هو وحي منزل كلام الله جل وعلا صفته، وأما المخلوق هو كلام البرية.
إذا تبينت لك هذه التعاريف سنقف عند هذا، ونرجع إلى تقرير ما اشتملت عليه.
هذه الجمل فيها تقرير أنّ القرآن كلام الله جل وعلا وأنه منه بدأ، وأنه وحي، وأنه كلامه حقيقة، وأنه ليس بمخلوق، وهذه المسائل التي ذكرت هي التي قررتها الأدلة في الكتاب والسنة بحيث إنه من نظر فيها أيقن أن كل قول خلاف هذا القول هو باطل، ولبيان ذلك سنقول:
الكلام على ما اشتمل عليه كلامه السابق ينتظم في مسائل:
المسألة الأولى: نشأة القول بخلق القرآن أو أن كلام الله مجاز وأشباه ذلك؛ ما منشأ القول بهذه المسألة؟ ولم خالف المخالفون في ذلك؟
من المعلوم أن أول من تكلم في هذه المسألة هو الجعد بن درهم وضُحِّي به؛ ضحى به خالد القصري، وكان يقول إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، كما رواه البخاري في خلق أفعال العباد.
هذه المسألة تطورت عند الجهمية وعند جهم بخصوصه فأصل لها أصلا، وهو أنه نظر في أصل الدين ووجد أنه مبني على إثبات وجود الله جل وعلا –وانتبه! معي في سياق ما أذكرباختصار- نظر أن أصل الدين مبني على إثبات وجود الله جل وعلا قد ابتلي هو بطائفة من منكري وجود الإله سبحانه وتعالى، وحيروه فيما أوردوا عليه من الأسئلة، فقالوا له: أقم لنا برهانا عقليا على أن الله سبحانه وتعالى أو على أن هذا الخلق له رب وله خالق وأنه موجود. فتحير ونظر في هذه المسألة، ثم قال لهم: وجدتها. فأقام البرهان بما يسمى عند أهله بحلول الأعراض في الأجسام، وهو أصل الانحراف في مذهب الجهمية ثم المعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية، ولهذا السلف ينسبون كل من انحرف في الصفات إلى جهم فيقولون هو جهمي؛ لأنه ما انحرف إلا لموافقته لجهم في هذا الأصل الذي أصله وانحرف به عن منهج السلف، وهذه المسألة وهذا البرهان الباطل وليس ببرهان بل هو دليل باطل، قال في تقريره: إن الجسم تحُلّ فيه الأعراض -الجسم هو المتحيز، كتاب متحيز، كرسي متحيز، مبنى متحيز، إلى آخره- الأجسام تحل فيها الأعراض، والأعراض مثل البرودة الحرارة مثل الارتفاع، مثل الطول العرض العمق، مثل الحركة فيه والتحرك إلى آخره، هذه هي معلوم أنها لا توجد بنفسها وإنما وجدت بالجسم، والجسم حلت فيه هذه الأعراض دون اختياره، فلهذا صار هذا الجسم جسما محتاجا إلى العَرَض؛ لأن العرض لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالأجسام، وما دام أنه محتاج لوصف صفاته بوجوده محتاج لصفات فمعنى ذلك أنه غير...( ) وصار إذن الجسم محتاجا لغيره فصار إذن مخلوقا مُوجَدا .
إذا تبين هذا قالوا له هذا دليل صحيح في أن الجسم لم يوجد نفسه يعني الجسم المعين عين المعين هذه لم يوجد نفسه وأنه موجود واقتنعوا بهذا البرهان، مع أنه في حقيقته غير مقنع وغير مستقيم، فأثبت لهم وجود خالق وجود رب لهذه الأشياء، فلما نظروا في هذا قالوا له: هذا دليل صحيح، فصِفْ لنا ربك. كان جهم فقيها عنده علم بالكتاب والسنة، ولما سألوه هذا السؤال، نظر في الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة فتحيّر في أنّه لو أثبت هذه الصفات لعادت على هذا الدليل الذي لم يجد غيره في إثبات وجود الله عادت عليه بالإبطال؛ لأنه وجد في الكتاب والسنة أن من الصفات الاستواء، من الصفات العلو، من الصفات الرحمة، من الصفات الانتقام، من الصفات الإعطاء، من الصفات الغضب، من الصفات الرضا إلى آخره، وهذه كلها معاني لا تقوم بنفسها، وهي تأتي وتذهب يعني من حيث هي، فلهذا قال إنه لو قال لهم إن الصفات صفات الرحمن جل وعلا هي التي جاءت في الكتاب والسنة على ظاهرها فإنه يؤول إلى أن يقال له إذن فالذي يتصف بهذه الصفات إذن هو محتاج، إذن هو مثل الجسم فهو جسم كالأجسام، فلهذا قال لهم إن الله سبحانه لا صفة له إلا صفة الوجود المطلق، وعلى هذا الأصل مشى جهم نفي الكلام ونفي جميع الصفات، حتى أسماء الرحمن جل وعلا يفسرها بالآثار المخلوقة.
جاء بعده المعتزلة فقالوا هذا البرهان صحيح، ولكن ثمّ صفات دلّ عليها العقل لا يمكن أن يكون الرب جل وعلا موجودا دون هذه الصفات.
جاء الأشاعرة وقالوا كلام المعتزلة صحيح لكن الصفات أكثر من الثلاث التي أثبتها المعتزلة فهي سبع وتؤول إلى عشرين عندهم.
بعد ذلك جاء الماتريدية وقالوا الصفات ثمان لابد من الزيادة على السبع صفة التكوين وهكذا.
إذن أنشأ الضلال في هذه المسألة هو هذا البرهان الباطل على وجود الله جل وعلا الذي جعل فيه دليل الأعراض هو الدليل على حدوث الأجسام، ومنه أبطل وصف الله جل وعلا بصفاته ونفى الكلام.
ولهذا مسألة الكلام هي أعظم المسائل التي بُحث فيها لأنه ورثها جهم من الجعد بن درهم وكانت أصل المسائل التي يفكر فيها من جهة الصفات، فلما أقام برهانه صارت هذه المسألة أو هذه الصفة من أوائل الصفات التي نفاها لأجل إقامة برهانه واستقامه.
إذا تبين لك ذلك فثَم تعبيرات مختلفة عن منشئ الضلال في هذه المسألة:
فتارة تجد من يقول -وكلها حق- أن من يقول إن منشأ الضلال هذه المسألة هو أن إثبات صفة الكلام يستلزم التجسيم، وهي راجعة إلى ما ذكرنا.
ومنهم من يقول إن صفة الكلام المضافة إلى الله صفة تشريف يعني إضافة تشريف لا إضافة صفة إلى موصوف.
وهذان القولان هما اللذان ذكرهما الشارح ابن أبي العز في هذا الموضع يعني شبهة الذين قالوا إن كلام الله جل وعلا مخلوق.
المسألة الثانية: أنّ الناس اختلفوا في مسألة الكلام هذه إلى أقوال كثيرة يهمك منها عدد –يعني لا نستوعب الأقوال لأنها طويلة وبعضها لا فائدة منه-:
الأول: قول أهل السنة والجماعة وهو الذي سمعت؛ وهو أن القرآن كلام الله جل وعلا سمعه منه جبريل فنزل به على محمد عليه الصلاة والسلام فسمعه منه محمد عليه الصلاة والسلام وأسمعه الناس وتلاه عليهم، وأنه منه بدأ جل وعلا وإليه يعود، وأن كلام الله سبحانه وتعالى يُسمع، وإذا كان جبريل قد سمعه ونزّله فإذن هو صوت سمعه بصوت وليس معنًى قذف في داخل جبريل أو أخذه من اللوح المحفوظ، وأن كلام الله سبحانه هو كلامه حيث وجد، وأنه إذا تُلي فالكلام كلام الباري والصوت صوت القاري، فهو كلامه الموجود في المصاحف، وهو كلامه الموجود الذي يسمع في تلاوة التالي، وهو كلامه الذي يستدل به إلى آخره، لا يخرج من هذه الحالات عن كونه كلام الله جل وعلا.
وهذا هو الذي قرر في هذا الموضع من الطحاوية.
المذهب الثاني: مذهب الجهمية وهو أن الله سبحانه لا يوصف بكلام أصلا وليس بمتكلم ولا بذي كلام، فيسلب عنه هذا الوصف، ويفسر الكلام بمخلوق منفصل، يقال له كلام، فخلق الله هذا القرآن وسماه كلاما له، فيكون الكلام كلام الله جل وعلا، يكون خلقا من خلقه.
المذهب الثالث: مذهب المعتزلة وهو شبيه بمذهب الجهمية إلا أنهم قالوا إن القرآن مخلوق خلقه الله جل وعلا في نفس جبريل، فعبّر به جبريل أو نقل جبريل ما خُلق في نفسه، فهو مخلوق في نفس جبريل، وكلام الله جل وعلا يُخلق في أحوال مختلفة؛ من جهة كلام موسى خلق في الشجرة ويُخلق في كذا، ويُخلق في كذا إلى آخر قولهم.
فإذن يتفقون على أنه مخلوق مع الجهمية ويجعلون زيادة عليهم أنه مخلوق في موضع يناسبه، وهذا منهم فقه أعظم من فقه جهم؛ لأنه حتى لا يعارض عليه بأن القرآن تنزيل وأنه أنزل، فقالوا إنه أنزل ولكنه خلق في نفس جبريل أو رُوع جبريل.
المذهب الرابع: هو مذهب الكلاّبية أتباع ابن كلاب؛ بل مذهب ابن كلاب نفسه وأتباعه من الأشاعرة وغيرهم، وهو أن كلام الله جل وعلا معنىً واحداً وكتب الله تعبير عن هذا المعنى الواحد فتارة يعبر عنه بالعربية فيسمى قرآن وتارة يعبر عنه بالسريانية فيسمى إنجيل فتارة يعبر عنه بالعبرانية فيسمى توراة، وهكذا.
فإذن هو معنى وليس ثم صوت يسمع ولا كلام حقيقة، ولكن هو معنى قائم بنفس الرب جل وعلا ألقاه في روع جبريل فنزل به جبريل، عبّر عنه جبريل بهذه التعبيرات المختلفة.
المذهب الخامس: هو مذهب الفلاسفة وطائفة من الصوفية، وهو أنّ كلام الله جل وعلا هو ما يُفاض أو ما يفيضه على النفوس من المعاني الخيّرة معاني الحكمة، وهذه الإفاضة قد تكون مباشرة منه إلى العقل الفعال –عندهم-، والعقل الفعال يفيضه على النفوس حسب استعداداتها، وقد تكون هذه الإفاضة منه جل وعلا مباشرة على قلب الرجل، كقول طائفة من الصوفية، وقد تكون هذه الإفاضة في وقائع مختلفة.
المقصود من هذا تقريب المذاهب المشهورة في هذه المسألة، وإلا فثم مذاهب أخرى لهذه المسألة، وكما ذكرت لك فإن هذه المسألة من كبريات المسائل التي تكلم فيها الناس.
المسألة الثالثة: أدلة أهل السنة والجماعة على قولهم وردّ واستدلال المخالفين؛ بل نقول أولا أدلة أهل السنة والجماعة على قولهم.
فكما سمعت المسألة فيها أشياء:
ففيها أنّ القرآن كلام الله، وهذه أدلتها كثيرة معلومة لكم، ومنها قوله جل وعلا ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾[التوبة:6].
وقوله (منْهُ بَدَا... قَوْلاً) هذا دليله قوله جل وعلا ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾[النحل:102]، وقوله جل وعلا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ(41)لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت:41-42]، قال(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) ثم وصفه، ثم قال (تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)، ولهذا حرف (مِنْ) هذا من الأحرف المهمة في تقرير العقائد السلفية، فينبغي لطالب العلم أن يعتني به في كتب النحو وكتب المعاني؛ لأنه يفيد فيما ذكرنا في مواضع كثيرة، يفيد في هذا الموضع وفي غيره من المواضع.
قال (بلاَ كَيْفِيَّة) يعني أن الكيف غير معقول، وهذا يدل عليه قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].
(وأنْزلَه على رَسُولِهِ وَحْياً) يعني أنّ القرآن وحي وهذا أمر ظاهر متواتر معروف للجميع.
قال (وأَيْقَنُوا أنَّه كلامُ الله تعالى بالحقيقة) هذه الكلمة دليلها قوله جل وعلا ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾[النساء:164]، فتكليم موسى أُكِّد بالمصدر فقال (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) قال علماء العربية إن تأكيد الفعل بالمصدر يدل على إرادة حقيقته وألا يراد به غير الظاهر والحقيقة، هذا القول من باب التنزل معهم على حسب لغتهم، وإلا فإن استعمال الحقيقة والمجاز في هذا الموضع لا يصلح تأسيسا، وإنما إذا كان في الرد على المخالفين فلا بأس به من باب حدثوا الناس بما يعرفون، قارِن بين هذه الآية وبين قوله ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾[التوبة:6]، فإذن كلام الله جل وعلا الذي تكلم به هو حقيقة جمعا بين الآيتين آية براءة وآية سورة النساء.
المسألة الرابعة: أقوال أهل البدع نخصّ منها قول المعتزلة وقول الأشاعرة، أما الأقوال الأخر الجهمية والفلاسفة هذه نطويها.
قول المعتزلة مشهور وهو أن القرآن مخلوق، استدلوا بدليل عقلي -كما ذكرنا-، وهو أنه لو أثبت الكلام وأن الكلام يُسمع فمعنى ذلك أن الرب جل وعلا جسم؛ لأن الكلام لا يصدر إلا بتغيّر وهذا التغير إذا حلّ في شيء فإنه يدل على أنه جسم على الذي ذكرنا لك من قولهم، وهذا القول يدلكم على أن الرب جل وعلا يجب أن ينزه على جميع المظاهر الجسمية بأنواعها لأن وصفه جل وعلا بأنه جسم كفر، وهذا القول يرد عليه من جهتين:
الأول: أن ذكر صفة الكلام لله جل وعلا وارتباط الجسمية بها، هذا ليس بصحيح؛ وذلك أنّ المقدمة التي بُني عليها هذا القول هي البرهان بما سموه حلول الأعراض في الأجسام، وهذا البرهان لم يدل عليه القرآن ولا السنة؛ بل دلّ القرآن والسنة على بطلانه، وذلك من جهة أن الجسم موجود بأعراضه، وأنه إذا كان العرض يحِلُّ في الجسم فدل على أن الجسم غير مختار لحلوله –لاحظ معي-، إذا كان الجسم يحل فيه العرض والجسم لم يختر حلول العرض فيه فدل على أنه محتاج، لا ينطبق على الصورة التي فيها الكلام؛ لأنّ من قال إنّ القرآن كلام الله تكلّم به، فلو قيل إنه عرض فيقال اتصافه به كان بمشيئته وقدرته واختياره سبحانه وتعالى، فخالف من هذه الجهة البرهان، فدل أولا على أن البرهان في نفسه غير صحيح على هذه المسألة يعني تطبيق البرهان غير صحيح في مسألة الكلام، ودل ثانيا على أنهم حينما أصّلوا البرهان لم يطبقوه على وجه الصواب في الصفات جعلوا الجسمية والعرضية متلازمة دائما مع الحاجة، وهذا فيه نظر كما ذكرت لك.
الرد الثاني: أنّ النصوص دلت على أن القرآن كلام الله جل وعلا، وعلى أن الله يتكلم، وعلى أن هذا أُكِّد بمؤكدات، ومجموع هذه النصوص، إذا أريد تأويلها فإنه:
أولا: لا يستقيم في كل المواضع.
والثاني: أنه يلزم منه نفي الصفات التي وصف بها المعتزلة رب العالمين.
أما الأول: فلا يستقيم في كل موضع، فمثل ما قالوا في قوله (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، قالوا إن معناه (كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) عند المعتزلة بأنّ معنى كلم الله موسى يسعني أنه سمع كلامه المخلوق في الشجرة، وهذا السماع أُكِّد في حق موسى لأنه سمع كلاما تكليما؛ يعني أن التكليم ليس تأكيدا للفعل الذي بدا من الله جل وعلا ولكنه لإحساس موسى بما سمع، وقال بعض الناس في هذا (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) يعني جرحه بأظافير الحكمة تجريحا، أخذوه من كلّم يعني جرّح،وقد جاء بعض المعتزلة إلى أبي عمر بن العلاء -وهو أحد القراء الذين جعلوا قراءتهم معتمدة على النحو- فقال له في هذا الموطن: اقرأ وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا. قال: هبني قرأت ذلك فما تصنع بقوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾[الأعراف:143]، وما تصنع بقوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾[البقرة:253]. وهذا يدل كما ذكرنا لك على أنه لا يستقيم مع الآيات الأخر.
المسألة التي بعدها: قول الأشاعرة فهذا هو أخطر الأقوال لأن قول المعتزلة جمهور الأمة يقول بخلافه يعني جمهور المنتسبين للقبلة يقولون بخلافه في زماننا هذا ما فيه من يقول بقول المعتزلة إلا ثلاث طوائف: الرافضة والإباضية أو الخوارج والزيدية.
قول الأشاعرة ذكرنا لكم أن كلام الله معنى وأن القرآن ألقي في نفس جبريل فعبر عنه وهذا القول منهم لا شك أنه أخص من قول المعتزلة ولذلك تجد أن الأشاعرة هم الذين أخذوا زمام الرد على المعتزلة في خلق القرآن في القرون المتوالية بهد زمن السلف كالإمام أحمد والبخاري والأئمة هؤلاء تولوا الرد وعثمان بن سعيد وغيره ومن صنف، لكن من رد على المعتزلة بردود عقلية وتوسّع في ذلك هم الأشاعرة وبينهم وبينهم مناظرات، ولأجل خلاف المعتزلة والأشاعرة في هذه المسألة كان أهل الحديث والأشاعرة في أول الأمر متفقين غير مختلفين حتى حدثت فتنة ابن القشيري المعروفة في أواخر القرن الخامس، فصارت المنابذة العظيمة ما بين الأشاعرة وأهل السنة، فكان الأشاعرة لا يعلنون مذاهبهم في كل المسائل على التفصيل حتى حدثت الفتنة.
المقصود من هذا أن الأشاعرة ردوا على المعتزلة في خلق القرآن، وأصل مذهب ابن كلاب في هذه المسألة أنه توسط ما بين قول أهل الحديث -لأنه خالط أهل الحديث- وما بين قول المعتزلة فأتى بهذا الشيء الذي هو: أن القرآن معنى؛ لأن الذي من أجله قيل إن القرآن مخلوق هو أن كلام الله جل وعلا أصوات وحروف وأنه يُسمع فقال ننفي هذه ونبقي كلام الله جل وعلا غير مخلوق وأنه على حقيقته؛ ولكن نقول هو معنى دون لفظ، دون سماع.
إذا تبين ذلك فنأخذ من هذا تفصيل وهو أن دلالة الكلام على اللفظ والمعنى فيها مذاهب:
مذهب أهل السنة والجماعة وأهل الحديث والأثر: أن الكلام والقول إذا أُطلق يعني إذا قيل الكلام كلام فلان قول فلان قول الله جل وعلا فإنه يراد به شيئان معا دون تفريق بين والواحد والآخر؛ يراد به اللفظ والمعنى جميعا.
والثاني مذهب المعتزلة: وهو أن الكلام هو في المعنى وفي اللفظ مجاز.
والثالث وهو مذهب الكلابية: وهو أن الكلام للمعاني ولكن الحديث إخراجه هذا دليل عنه، واستدلوا على هذا بقول الأخطل في الشعر المشهور المعروف عندهم في الاستدلال:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
والكلام على هذا البيت ورد الاستدلال به إلى آخره مرّ معنا في الواسطية فنحيلكم عليها؛ لأنه معروف مشهور كررناه أكثر من مرة.
نرجع على أصل المسألة وهو أن الكلابية والأشاعرة قالوا إنّ الكلام معنى؛ كلام الله جل وعلا معنى، ألقاه في روع جبريل، وهذا لأجل أنهم أصلوا تأصيلات، ومنها أن الكلام لا يدل على الإخراج وإنما يدل على ما قام في النفس، كما استدلوا بهذا البيت، لهذا ذكرت لكم في أول الكلام تعريف كلّم وكَلَمَ وهذه المادة واشتقاقها ليبطل معه قول من قال إن الكلام معنى، فإن اللغة دلت على أن الكلام لابد أن يكون لفظا ومعنى، وحتى كلمة لفظ تدل على شيء ملفوظ مفرد، وما أحسن قول المعري وإن كان ليس مجال احتجاج قال:
من الناس من لفظه لؤلؤ يبادره اللقط إذ يلقـط
وبعضهم قوله كالحصى يقال فيلغى ولا يصغى له
يعني من الناس من لفظه لؤلؤ يعني اللفظ لابد أن يلفظ يخرج، فكيف يكون الكلام والقول يكون في الداخل دون الخارج؟ وكيف يكون المعنى يدل عليه في الإنسان بلا لفظ؟ وإذا كان ثَم لفظ فإذن ثم معنى واللفظ لابد أن يلفظ ويخرج، فدل ذلك على أن قولهم بن الكلام معنى وأن هذا هو الأصل فيه هذا لاشك أنه معارض باللغة في تأصيلاتها أو اشتقاقاتها وأيضا معارض بالنصوص التي سقنا لك بعضا منها.
الكلابية ورثهم أبو الحسن الأشعري والماتريدي في الكلام في هذه المسألة:
 تارة يعبرون عنه بقولهم الكلام صفة نفسية.
 وتارة يعبرون عنه بأن الكلام كلام الله جل وعلا قديم؛ يعني قبل أن يخلق الخلق، قبل أن يوجد شيء، تكلم بكلام قديم وانتهى.
 تارة يعبرون عنه بأنه معنى قائم بالنفس.
 وتارة يعبرون عنه بأنه عبارة يعني القرآن عبارة عن كلام الله؛ يعني عُبِّر به عن كلام الله.
إذا تبين لك ذلك، فحاصل معتقد هذه الطوائف -الكلابية الأشاعرة والماتريدية- أنّ القرآن قديم كلام الله جل وعلا قديم؛ يعني تكلم الله جل وعلا به في الأزل ثم لما أرد إنزاله على محمد عليه الصلاة والسلام قام ما تكلم به في الأزل به معنى فألقاه في روع جبريل فنزل به جبريل وعبّر عنه، وإلاّ فكلام الله عندهم ليس بالعربية وليس بالسريانية وليس إلى آخره لتنزهه عن اللغات.
إذا تبين ذلك، فمن أحسن الردود عليهم ما استشكله الآمدي، الآمدي من حذاق الأشاعرة المعروفين ومن الأذكياء، قال: إني نظرت في هذا القول وهو أنّ كلام الله قديم، وأنّ القرآن قديم، وأنه حين أوحي إلى محمد عليه الصلاة والسلام إنما أوحي بالعبارة وبما ألقي في نفس جبريل، فأشكل علي أنّ القرآن فيه آيات كثيرة فيها التعبير عنه بلفظ الماضي ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾[المجادلة:1]، وهل كان ثم مجادِلة؟ وهل كان ثم زوج؟ وهل كان ثم صوت حتى يسمع الله؟ قال (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) فإذا كان الله قال هذا القول في الأزل ولا زوجة ولا مجادِلة ولا قول، فما الذي سمع؟ فيلزم منه أن قوله (قَدْ سَمِعَ) وكل أفعال الماضي في القرآن أنها غير مطابقة للواقع، وهذا هو الكذب، وهذا لاشك أنه رد منطقي جميل لأنه يلزمهم على أصولهم ولا فرار لهم منه.
إذا تبين لك ذلك، فنقول خلاصة الرد على هذه الطوائف يكمن في أشياء:
الأول: الاستدلال باللغة في معنى كلّم في معنى الوحي، هذا واحد.
الثاني: الاستدلال بالنصوص من القرآن والسنة التي فيها الإضافة، والقاعدة الفرق ما بين إضافة المخلوقات وإضافة المعاني.
والثالث: أنه يرد ما استدلوا به من أنواع الأدلة مثل ما أبصلوه في أن الكلام يدل على المعنى فقط في اللغة، وأنّ الوحي يكون بالمعنى والإلقاء في الروع، وغير ذلك من الاستدلالات، ونفي قولهم يلزم التشبيه يلزم التجسيم إلى آخره.
وأيضا بقول الآمدي في التفريق ما بين الماضي والحاضر.
أطلنا عليكم، والكلام يطول لأن هذه المسألة فيها طول يعني، وأكثر المسائل وأعظم المسائل بحثا وتفصيلات هي هذه.
على العموم نقف عند هذا؛ لأن الوقت تأخر، ونكمل إن شاء الله تعالى المسائل في الدرس القادم.
هو دائما إذا أوضحت [حصل] مثل هذا الواحد يتألم من جهة وهو أن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يقرر في المذاهب الأخرى أقوال الأقوام؛ لكن لابد منه لأنه مع الأسف المجتمعات يعني مجتمعات المسلمين وفي بلادنا بخاصة وكل من سيصلهم هذا الكلام عن طريق الأشرطة، المجتمعات اختلطت، فصار فيها من أتباع الفرق جميعا ولا يحسن أن يبقى طالب العلم السني السلفي عريا عن قوة الحجة وقوة الدليل وعن فهم كلام الناس في ذلك؛ لأنه قد يقال إنكم لا تفهمون تقلدون إلى آخره فإذا فهم المسائل وضبطها واستطاع أن يرد على أولئك فقد نصر الحق، إضافة على أن كتب التفسير المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة أكثر من كتب التفسير السلفية، وأكثر كتب التفسير والحديث وإلى آخره شروح الحديث يعني، وكتب الأصول كلها على منهج الأقوام؛ لا تجد كتابا في الأصول من الكتب المتقدمة إلا ما شذّ أثبت مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الكلام، حتى كتب الحنابلة تجد فيها ضلال في هذه المسألة؛ لأنهم وافقوا الأقوام في أن القرآن عبارة أو معنى ونحو ذلك.
[الأسئلة]
نجيب عن بعض الأسئلة في ثلاث دقائق.
س1/ هذا يسأل عن أدلة المعتزلة عن مرادهم.
ج/ أدلة المعتزلة كثيرة، مما استدلوا به أن الله جل وعلا قال ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾[الزخرف:3]، ونحو ذلك فذكر الجعل، والجعل قالوا هو بمعنى الخلق ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾[الرعد:3]، يعني خلقها، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾[الأعراف:189]، يعني خلقها وهكذا، الجواب على كلامهم معروف وهو أن الجعل في اللغة إذا تعدى إلى مفعول واحد صار بمعنى خلق، وإذا تعدى إلى مفعولين صار بمعنى صيّر (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) يعني صيّرناه قرآنا عربيا يعني غير خلقناه، والآيات على هذا كثيرة وهذا من أضعف حججهم لأنها منقوضة باللغة.
س2/ العلم والكلام النفسي؟
ج/ من هذه الجهة عندهم ما فيه فرق؛ يعني كل ما قام بالنفس فهو معنى قائم بالنفس، العلم الفرق بينه وبين الكلام، العلم راجع إلى المعلومات، وأما الكلام راجع إلى ما سينسب إليه الكلام، عندهم ما قام بالنفس من الكلام هذا موافق لما تكلم به، فإذن هو تكلم في الأزل بكلام بالقرآن، والآن يعني حين أراد الوحي قام بنفسه المعنى الذي تكلم به فأوحى إلى جبريل هذه المعاني في نفسه فعبر عنها جبريل، واضح.
س3/ ما رأيكم فيمن [....] الكلام على الاستواء؟
ج/ ذكرت لكم في إشارة أو ربما ما ذكرتها؛ لكن منهج السلف في الكلام أن الكلام قديم النوع حادث الآحاد؛ يعني أصل صفة الكلام لم يزل الله سبحانه وتعالى متصفا بها سبحانه وتعالى، واتصافه بالكلام أول سبحانه وتعالى اتصافه بالكلام أزلي، لذلك يقولون كلام الله جل وعلا قديم النوع حادث الآحاد، وكلامه نوعان جل وعلا :
كلام كوني قدري: وهذا الذي به تكون الأشياء ويتصرف سبحانه وتعالى في ملكه وهو الذي جاءت فيه الاستعاذة: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وفي مثل قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾[لقمان:27]، ونحو ذلك من الآيات هذه الكلمات الكونية القدرية.
والنوع الثاني من كلام الله جل وعلا الكلام الشرعي الديني وهو الذي تعبد الناس جل وعلا أن يعملوا به في العمليات وأن يصدقوا بأخباره.
وهذا الأشاعرة يقولون قديم؛ كله قديم.
س4/ هل القرآن الكريم شروحه ومعانيه مكتوب في اللوح المحفوظ؟
ج/ نعم، كما قال سبحانه ﴿[بَلْ هُوَ قُرْآنٌ]( ) مَجِيدٌ(21)فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾[البروج:21-22]، وقال جل وعلا ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾[الواقعة:75-78] الله جل وعلا جعل القرآن في اللوح المحفوظ مكتوبا قبل أن يتكلم به فما في اللوح المحفوظ هذه مرتبة الكتابة، مرتبة الكتابة لا علاقة لها بالكلام كما أنه سبحانه جعل في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء وثم تقدير سنوي وتقدير عمري وتقدير يومي إلى آخره، فكذلك جعل الله جل وعلا كلامه الذي هو القرآن، جعله في اللوح المحفوظ تكرمة له ويصان، يعني مجموعا كاملا، ثم هو جل وعلا تكلم به وسمعه منه جبريل، ولهذا نقول إن ترتيب الآيات في السور توقيفي، وكذلك ترتيب السور توقيفي، ما يجوز أن نقول الترتيب اجتهادي لأنه هكذا أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام وجاءت العرضة الأخيرة الموافقة لما في اللوح المحفوظ والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في أول الأمر البقرة ثم النساء ثم آل عمران كما جاء في الحديث حذيفة وغيره، فهذا في الأمر الأول، ثم لما كمل القرآن وتمت آياته وعرض على النبي عليه الصلاة والسلام عرضه النبي عليه الصلاة والسلام على جبريل في العرضة الأخيرة على هذا الترتيب ..... ( ) قال عليه الصلاة والسلام اجعلوها بعد آية كذا وقبل آية كذا كما هو معروف.
س5/ هل نزل القرآن على جبريل منطوقا أو مكتوبا؟
ج/ لا، منطوقا يعني مسموعا سمعه جبريل، أما المكتوب فلا علاقة لجبريل عليه السلام به، هذا من أقوال الأشاعرة أنهم قالوا إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ، وقاله السيوطي وغيره، وهذا باطل لأن الكتابة لا علاقة لجبريل بها، جبريل سمع فأدى.
س6/ من سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له وأن يطلب له المغفرة من الله بعد موته، هل هذا شرك؟
ج/ الجواب: نعم، وهو شرك اكبر لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا يدعى بعد موته، فطلب الدعاء من الميت، وطلب الدعاء بالإغاثة أو الاستسقاء؛ يعني أن يدعو الله أن يغيث، أو أن يدعو الله أن يغفر، أن يدعو الله أن يعطي ونحو ذلك، هذا كله داخل في الدعاء في لفظ الدعاء والله جل وعلا قال﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن:18]، والذي يقول إنّ هذه الصورة وهي طلب الدعاء تخرج عن الطلب الذي به يكون الشرك شركا فإنه ينقض أصل التوحيد كله في هذا الباب، فكل أنواع الطلب؛ طلب الدعاء يعني طلب الدعاء من الميت، طلب المغفرة من الميت، أو طلب الدعاء من الميت أن يدعو الله أن يغفر، أو طلب الإغاثة من الميت أو طلب الإعانة أو نحو ذلك كلها باب واحد هي طلب، والطلب دعاء فداخلة في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾[المؤمنون:117]، وفي قوله (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)، وفي قوله ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾[فاطر:13]، ونحو ذلك من الآيات، فالتفريق مضاد للدليل، ومن فهم من كلام بعض أئمتنا التفريق أو أن هذا طلب الدعاء من الميت بدعة لا يعني أنه ليس بشرك بل هو بدعة شركية؛ يعني ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، وإنما كانوا يتقربون ليدعوا لهم، لكن أن يطلب من الميت الدعاء هذا بدعة ما كانت أصلا موجودة لا عند الجاهليين ولا عند المسلمين فحدثت فهي بدعة ولاشك، ولكنها بدعة شركية كفرية وهي معنى الشفاعة، إيش معنى الشفاعة التي من طلبها من غير الله فقد أشرك؟ الشفاعة طلب الدعاء، طلب الدعاء من الميت هو الشفاعة.
نكتفي بهذا القدر نلتقي إن شاء الله، وفقكم الله لما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على نبينا محمد. ( )

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
اللهم إنا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ودعاء مسموعا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا، يا أرحم الراحمين.
وكالعادة ريثما يجتمع الإخوة نجيب عن بعض الأسئلة.
س1/ قال: ما حكم سب الدهر؟
ج/ سب الدهر محرم؛ لأنه إيذاء لله جل وعلا، كما قال جل وعلا في الحديث القدسي «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار»، فسب الدهر بمعنى أن يتنقّصه أو أن ينسب إليه الأفعال القبيحة وأشباه ذلك، فهذا في الواقع لا يتوجه للدهر؛ لأن الدهر يقلَّب الدهر ليس يفعل شيئا، وإنما يتوجه إلى من جعل الدهر على هذه المثابة، ومن جعل الدهر على هذه الصفة، وهو الله جل وعلا، لهذا قال «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار»، فمسبة الدهر حرام وإيذاء لله جل وعلا.
وقوله جل وعلا في الحديث القدسي (وأنا الدهر) لا يُفهم منه أن الدهر من أسماء الله جل وعلا؛ بل يعلم أن الذي سب الدهر وقعت مسبته على الله جل وعلا؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يُصرِّف الدهر كيف يشاء.
إذا تبين ذلك قد ذكرنا مرارا أنّ وصف الدهر بأوصاف مما يقع فيه من الأوصاف المشينة ليست مسبّة للدهر، فقول القائل هذا يوم أسود أو هذا الشهر شهر نحس أو نحو ذلك، فإن هذا ليس بمسبة للدهر لأن هذا وصف لما يقع في الدهر لما يقع في اليوم أو ما وقع فيه، لما يقع في الشهر أو لما يقع فيه، وهذا كما قال جل وعلا ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾[القمر:19]، وقال سبحانه ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[فصلت:16] فوصف الله جل وعلا الأيام التي عزز بها الكفرة أنها أيام نحيسة، فمثل هذا ليس بسب للدهر؛ لأن هذا لأنه وصف لما وقع فيه بالإضافة إلى المخلوق.
س2/ قال: هل يدخل في سب الدهر قول القائل الدهر باطل والزمان غدار ونحو ذلك؟
ج/ الجواب: نعم أن هذا من التنقص، وهذا من سب الدهر؛ لأن الدهر لا يبغي على أحد ولكن الذي قدر الدهر وقدر فيه ما قدر هو الله جل جلاله.
س3/ هل آية الرجم المعروفة تعتبر من كلام الله، غير أنها منسوخة ولا يجوز التعبد يتلاوتها؟
ج/ الجواب: نعم، كل آية نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام فهي من كلام الله جل وعلا، سواء أكانت باقية أم كانت منسوخة، كما قال جل وعلا ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾[البقرة:106]، وفي القراءة الأخرى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فالآية التي نُسخت قرآن ولكن نسخت تلاوتها والتعبد بذلك، وحكمها منسوخة، وهذا إذا كانت منسوخة، وإذا لم تكن الآية منسوخة فإنه قد تُترك آية بغير النسخ كما قال (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).
س4/ يستخدم بعض الكُتاَّب ألفاظ منسوبة إلى القرآن كقولهم: قال القرآن، أو تحدث القرآن، فَنَّدَ القرآن هذه الشبهة، هل يصح الحكم عليها بأنها متفرعة عن القول بخلق القرآن؟
ج/ الجواب:لا؛ لأنّ هذه الكلمات جرت على كثير من أئمة أهل العلم السابقين، يقولون قال القرآن، ورد القرآن ونحو ذلك، فينسبون الفعل إلى القرآن، ومعلوم أن القرآن كلام الله جل وعلا، وفي الحقيقة القائل هو الله جل وعلا، كأنهم قالوا قال الله في القرآن، تحدث الله بالقرآن، وردّ الله في القرآن، وأشباه ذلك.
س5/ ما حكم تقليد الأئمة أثناء قراءة الإمام في الصلاة؟ بلغنا عنك أنك تحرم ذلك ونريد التأكد.
ج/ المشكلة في بعض الشباب أنه يأخذ الحكم وما يفهم الصورة التي انجر الكلام عليها، تقليد الأئمة!! إيش معنى تقليد الأئمة، ما معناه؟ سمع مقطع بحث في الموضوع بحثناه هنا في المسجد، وما فهم المسألة فقال أنت تحرم تقليد الأئمة، ولو سألناه ما معنى تقليد الأئمة؟ ما عرف الجواب، لهذا دائما أوصيكم بأن تحرص على فهم المسألة قبل الحكم؛ لأنك قد تنزل الحكم الحل أو التحريم على غير المسألة التي تكلم عليها العلماء، فالكلام ينبغي أن يفهم أولا تفهم الصورة، ما الذي تتحدث عنه قبل أن تعرف الحكم والدليل، حتى إذا اتضحت الصورة بعد ذلك يأتي الدليل ويأتي الحكم، وقد ذكرنا لكم في كيفية دراسة الفقه، كيفية دراسة العقيدة، أنّ أول مرحلة لدراسة العقيدة ولدراسة الفقه:
 أن تعرف ألفاظ الكلام لغة أهل العقيدة، لغة أهل الفقه التي يتحدثون بها.
 ثم ثانيا أنْ تفهم صورة المسألة التي تتحدث بها.
ذكرنا لكم سبع نُقاط في الفقه وفي العقيدة التي من تدرج فيها أحسن تصور المسائل وفهم الدليل والتدليل والخلاف إلى غير ذلك.
فهذه المسألة تقليد الأئمة أثناء القراءة -قراءة الإمام في الصلاة- هذه غير واضحة وإن كنت أعرف ماذا تحدثنا به، تقليد الأئمة ما معناه، تقليد الأئمة، الذي تكلمنا عنه التلفيق بين قراءة القرّاء في الصلاة الواحدة؛ يعني أن يقرأ قارئ بقراءة عاصم برواية حفص ويقرأ أيضا بورش، هذا تلفيق ولا يصلح، يقرأ بالقراءة التامة حتى وهو منفرد يعني في غير جماعة، إذا قرأ منفردا ما يجوز له أن يلفق يقرأ آية بقراءة حفص عن عاصم ثم يقلب بقالون عن نافع ثم يقلب إلى كذا، هذا تلفيق، والقراءة سَنَن قال جل وعلا ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾[القيامة:18]، أنت تتبع قراءة القارئ التي نقلها عن الصحابة رضوان الله عليهم ولا تلفق في القراءة، التلفيق في القراءة لا يجوز.
نعم... إذا كان يقصد تقليد الأئمة يعني محاكاة الصوت: أن يقرأ مثلا بقراءة الشريم أو بقراءة السديس أو بقراءة علي جابر، هذا ما [ظننت] أن تكلمت فيه بحل أو بحرمة.
س6/ كان من الردود على المعتزلة في الدرس الماضي أنهم إذا أرادوا تأويل صفة الكلام فإنه يترتب عليه نفي الصفات التي أثبتها المعتزلة، مع أنه قد تقرر في كثير من الدروس أنّ المعتزلة لا يثبتون أي صفة من الصفات، فما الجواب؟
ج/ الجواب: أن الذي قررناه وهو المعروف أنّ المعتزلة يثبتون ثلاثة صفات، وأنّ الذين لا يثبتون إلا صفة الوجود المطلق بشرط الإطلاق هم الجهمية.
وكل من اثبت صفة من الصفات ونفى الباقي فإنه يطعن بإثباته على ما نفاه.
مثلا يقال لمن أثبت صفة الوجود قالوا إن الله جل وعلا ليس له إلا صفة الوجود فقط؛ الوجود المطلق، يقال له: لم نفيتَ غيرها من الصفات؟ لم نفيت صفة العلم؟ لم نفيت صفة الكلام؟ لم نفيت صفة المحبة؟ بل سيقول: إن هذه الصفات تستلزم المشابهة التمثيل أو التشبيه، فيقال: لم؟ فيقول: لأن المخلوق يتكلم، فكيف نقول إن الله يتكلم والمخلوق يتكلم، معناه فيه تشبيه. يقول: إن الله يحب والمخلوق يحب معناه إن هذا فيه تشبيه. فكذلك يقال: الصفة التي أثبتها وهي الوجود أيضا مشتركة، فالمخلوق موجود وتقول الله جل وعلا موجود، المعتزلة يثبتون القدرة لله جل وعلا، والمخلوق عنده قدرة، فما الفرق ما بين ما أثبت وما بين ما نفى؟ الوجود أيضا مشترك في التشبيه، إذا قلنا إن وجود الصفة من حيث هي في المخلوق في الله جل وعلا هذا تشبيه فإذن الوجود فيه تشبيه، والله جل وعلا موجود والبشر موجودون إذن ثَم تشبيه، فالصفة التي أثبتها فيها تشبيه وهو يريد أن ينفي التشبيه أن ينفي الصفات الأخرى لأجل التشبيه.
كذلك نأتي للأشاعرة نقول أنتم أثبتم سبع صفات السمع والبصر والعلم والكلام... إلى آخره، فنقول لم أوَّلتم صفة الوجه؟ لم أوَّلتم صفة اليدين؟ لم أوّلتم صفة الغضب، صفة الرضا، صفة المحبة، صفة الرحمة، إلى غير ذلك، يقولون؛ لأنّ هذه تستلزم التشبيه، نقول: كذلك صفة السمع تستلزم التشبيه، كذلك صفة البصر تستلزم التشبيه، كذلك صفة الإرادة؛ الله جل وعلا يريد والإنسان يريد، لماذا نقول إن هذا فيه تشبيه؟ يريد الجميع منهم على اختلاف فرقهم بأن إرادة الله جل وعلا مختلفة عن الإرادة المخلوق، وأن قدرة الله جل وعلا مختلفة عن قدرة المخلوق.
نقول إذن كل باقي الصفات مثل هذا الأصل فكلام الله جل وعلا يختلف عن كلام المخلوق ورحمة الله تختلف عن رحمة المخلوق فإثبات الصفات إثبات وجود؛ إثبات لفظ ومعنى لا إثبات كيفية، فلا اشتراك في الكيفية، الله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فكما أنه سبحانه له سمع يليق بجلاله وعظمته فكذلك له بصر يليق بجلاله وعظمته، له كلام يليق بجلاله وعظمته، وسمع الإنسان وبصر الإنسان وكلام الإنسان هذا يليق بحال الإنسان.
فإذن الاشتراك في أصل الصفة، أما الكيفية وتمام المعنى فهذه لا اشتراك فيها.
فإذن كل مؤول للصفات من الفرق يلزمه التناقض، كل من أول يلزمه التناقض؛ بل كل أهل البدع دائما في التناقض؛ لأنه يتناقض، ولو أعملوا القاعدة وأمعنوا النظر للقرآن والسنة وما قاله السلف والصالح لما صار التناقض في أبواب الاعتقاد أبدا، ولكنهم تارة يثبتون وتارة يتأولون بعقولهم لأنهم خلطوا قولا سنيا وآخر عقليا.
س7/ هل معنى قول من قال أن القرآن مخلوق يعني مثل أعضائنا وغير ذلك من المخلوقات ؟
ج/ الجواب: لا، يقولون القرآن مخلوق؛ يعني أنّ الله سبحانه خلق هذا الكلام وسماه قرآنا، أو أنّ الله جل وعلا خلقه في نفس جبريل فعبر جبريل بذلك، ليس يعني أن ثَم شيء مخلوق صفته يعني يمس ويحس مثل الأعضاء، لا، خلق هذا شيء يعني أنه ليس صفة له خلقه في نفس جبريل وعبر جبريل عما وجده في نفسه.
س8/ كيف نوفق بين كون الله تكلم بالقرآن وأنّ القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ؟
ج/ الجواب: أن مرتبة الكتابة أو جهة الكتابة للقرآن غير جهة الكلام، فالله جل وعلا يعلم ما سينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾[هود:14]، فالله سبحانه يعلم أن هذا القرآن -هذا الكلام- سينزله على عبده عليه الصلاة والسلام، فجعل هذا الذي سينزله مكتوبا تشريفا له وتعظيما لمكانته لمكانة هذا القرآن؛ ولأنه حجة الله الباقية إلى قيام الساعة، أما التكلم فكلام الله جل وعلا بالقرآن إنما هو حين أراد أن يبعث محمدا عليه الصلاة والسلام، أو حين أراد أن ينبهه.
أما نزول القرآن جملة في السماء الدنيا فهذا أيضا عند من قال به مكتوب لا نزول مسموع.
س9/ هذا يقول: إذا خلوت بنفسي تراودني نفسي على فعل المعصية وأحاول المجاهدة لكنها تغلبني، مع أن ظاهري الصلاح، فهل يعدّ هذا من الخلوة بمحارم الله علما بأني أستر على نفسي؟
ج/ الجواب: أن العبد المؤمن إذا من الله عليه بالنفس اللوامة فإنه على خير، النفس التي تلومه على فعل الذنب وتحسن له فعل الخير، وقد جاء في الأثر: إذا سرّتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت المؤمن، أو المؤمن تسره حسنته وتسوؤه سيئته.
وإذا ابتلى الله جل وعلا العبد بذنب فإنه إذا عمله في خلوة أيسر مما إذا عمله في علن أو جهر به؛ لأن الله جل وعلا يستر على عبده، قد ثبت في صحيح البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «كل أمتي معافى -يعني يغفر له بالأسباب- إلا المجاهرون»، «كل أمتي معافى إلا المجاهرون»، قالوا: ومن المجاهرون يا رسول الله؟ قال «من يصبح وقد ستر الله عليه ذنبه فيصبح يتحدث للناس بما فعل في ليلته»، فالعبد إذا أبتلي بمعصية فإن المعصية إذا كانت سرا لم تضر إلا صاحبها، ويمنّ الله جل وعلا على عبده المنيب بالمغفرة، وأما إذا تحدث بها فإنها المجاهرة بمعصية الله يتحدث فعلت وفعلت من باب الاستعلاء وعدم رعاية حق الله في المعصية والاستهانة بالمعصية والتهاون بها.
لهذا قال بعض أهل العلم: إن العبد قد يعمل كبيرة من الكبائر فتظل نفسُه تلومه وتلومه وتلومه حتى يغفر الله جل وعلا له تلك المعصية الكبيرة باستغفاره وبإنابته، وإن العبد ليفعل المعصية من الصغائر فيظل يتهاون بها يتهاون بها ولا يراها شيئا حتى تؤول به إلى كبيرة.
وقد ثبت في الصحيح أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الرجل الكافر -أو قال المنافق- إذا همّ بالمعصية فكأنما مرّ على أنفه ذباب فقال به هكذا –يعني ليست بشيء، بعد فترة قليلة كأنه ما عمل شيئا- وإن العبد المؤمن أو قال الصالح إذا فعل معصية فكأنما على رأسه جبل يخشى أن يقع عليه. فالعبد المؤمن إذا كان تسرّه حسنته..... ( ) وفعلت وقابل ونظر وغشيت وكذا وكذا وإلى آخر ذلك مفاخرا بذلك متهاونا به.
نسأل الله جل وعلا للجميع المغفرة والتوبة والإنابة وأن يمن علينا بالعمل الصالح وبمغفرة الذنوب جميعها. اقرأ

 فمن سمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ بسَقَر، حيث قال تعالى﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾[المدثر:26]، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾[المدثر:25]، عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر.
وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته ليسَ كالبشر.
[الشرح]
الحمد لله حق حمده وصلى الله وسلم على نبيه وعبده، وعلى آله وصحبه وسلم اللهم تسليما مزيدا.
أما بعد:
قد مضى الكلام في الدرس الماضي عن كلام الله جل وعلا، وعلى أن القرآن كلام الحق سبحانه وتعالى، وعلى أنّ القرآن كلام الله جل وعلا بحروفه ومعانيه، وأنّ الله سبحانه تكلم به، فمنه بدأ فسمعه منه جبريل عليه السلام، وبلغه إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
وتقدم لنا إبطالَ قول القائل إن القرآن مخلوق، أو أنَّ الكلام عبارة عن كلام الله، أو قال أن كلام الله جل وعلا [محدث] وكلام الله جل وعلا قديم، ونحو ذلك من أقوال أهل البدع والضلالات؛ من أقوال المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة وغلاة الصوفية، وتقدم لنا ذلك مختصرا في أوجه الرد على أولئك.
وفي مسألة الكلام النفسي ذكرنا بعض الأوجه، وسبق أن تقدم لنا في شرح الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ردود مزيدة على ما ذكرنا، وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية على من قال بالكلام النفسي بتسعين وجها، في رسالة مطبوعة سميت التسعينية؛ لأنها اشتملت على تسعين وجها تردّ قول من قال إن كلام الله جل وعلا نفسي؛ يعني أنه لم يتكلم بصوت يسمع وإنما ألقى ما أراده بروع جبريل.
هذه الجملة التي سمعناها الليلة متصلة بالبحث نفسه، قال (فمن سمِعَهُ-يعني القرآن- فَزَعَمَ أَنَّهُ كلامُ البشرِ، فَقَدْ كَفَرَ، وقد ذمَّهُ الله وعابَهُ وأوعَدهُ بسَقَر، حيث قال تعالى﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾[المدثر:26]، فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرٍ لمنْ قال ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾[المدثر:25]، عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته ليسَ كالبشر.)
هذه الجمل مشتملة على تقرير مسألة عظيمة، وهي أن كلام الله جل وعلا لا يشبه قول البشر، وكيف يشبه قول البشر وهو كلام الباري جل وعلا الذي لا يشبه بصفاته البشر، فالبشر لهم صفاتهم في كلامهم وفي سمعهم وبصرهم وإدراكاتهم وأعضائهم، والله جل وعلا له صفات في كلامه وفي سمعه وبصره وجميع صفاته فلا يشبه في صفاته -التي منها كلامه- لا يشبه صفات البشر.
فمن قال عن القرآن إنه قول بشر، أو إنه مخلوق، أو هو قول جبريل، أو نحو ذلك، وليس بقول الله جل وعلا، أو أنه كلام جبريل وليس بكلام الله جل وعلا فإنّ هذا كافر بالله العظيم؛ لأن من قال إنّ القرآن كلام البشر فإن هذا كفر، كما قال سبحانه ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ(25)سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾[المدثر:25-26] لقول الوليد.
إذا تبين لك ذلكن فإنهم قالوا أيضا -أي المشركون- قالوا: إنما يعلمه بشر. كما قال سبحانه ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾[النحل:103]، فالذين أبوا هداية القرآن وأبوا الإذعان له وصفوا القرآن بصفات:
 قال بعضهم: هو كِهانة.
 وقال بعضهم: هو شعر.
 وقال بعضهم: هو قول بشر.
 وقال بعضهم: أساطير الأولين.
وكل هذه الأقوال يعلمون أنما هي لتنفير الناس عن قبول هذا القرآن، فلقد تواعد كما هو معلوم في القصة ثلاثة من كفار قريش ألا يأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل قبل ذلك وكلهم كان يراد بالقرآن، ذهب أحد هؤلاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام في الليل يسمع قراءته للقرآن، ولما ذهب وجد فلانا وفلانا فإذا بهم ثلاثة يسمعون القرآن لما له من سلطان على نفوسهم، ثم لما رجعوا تقابلوا في الطريق، فتواعدوا ألا يسمعوا مرة أخرى لهذا القرآن؛ لأجل ألا يراهم بعض العامة وبعض الناس فلا يقبل قولهم في رد القرآن، ثم لما جاء من الليلة الثانية اجتمعوا أيضا ثم صارت أيضا ثالثة حتى رأوا أنهم لابد أن يتفارقوا على ذلك، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ(26)فَلَنُذِيقَن َّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾[فصلت:26-27].
كذلك لما أرسل الوليد أو عقبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفاوضه في شأن القرآن وأن يترك هذا الأمر، قال له: يا محمد إن أردت ملكا ملكناك، وإن أردت مالا جمعنا لك من المال ما تكون به أغنى العرب، وإن أردت نساء نظرنا في أجمل نساء العرب فأتينا بهن إليك. فقال عليه الصلاة والسلام له هذا الذي عندك؟ اسمع فتلا عليه صدر سورة فصلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ حم(1)تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2)كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(3)بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾[فصلت:1-4] ومر عليه الصلاة والسلام في التلاوة حتى بلغ قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾[فصلت:13] فالتفت إليه الرجل وقال حسبك الآن، فرجع إلى قومه لما رأوه مقبلا، قالوا لقد أتاكم فلان بوجه غير الوجه الذي ذهب به، فلما حضر، قالوا ما عندك يا فلان؟
فقال: إني سمعت كلاما ليس هو بالشعر، وليس هو بالكهانة، وليس هو بالكلام الذي نألف، إن له لحلاوة، وإن عليه لطُلاوة -أو طَلاوة أو طِلاوة مثلثة- وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه.
فتبين بذلك أن أولئك الذين قالوا هو كهانة هو شعر وهو قول البشر أنهم هم الذين ردوا على أنفسهم ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾[النمل:14].
هذه المسألة يمكن أن نمر عليها فيما ذكر بشيء من التقرير العام كما فعل الشارح؛ لكن هذه المسألة متصلة ببحث عظيم، وهو بحث دلائل النبوة؛ لأن كون القرآن لا يشبه كلام البشر ولا يشبه قول البشر هو المسألة الموسومة عند العلماء بمسألة إعجاز القرآن وأن القرآن معجز، وهذه ولاشك مسألة مهمة قلّ بل أن تتعرض لها كتب العقائد، ولها صلة ببحث دلائل النبوة فهي في التوحيد؛ لأن صلتها تارة بدلائل النبوة من كون القرآن معجزا ودليلا على صحة نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه منزل من عند الله، ومن جهة أخرى لها صلة بمبحث كلام الله جل وعلا وهو أن القرآن لا يشبه كلام البشر وأن كلام الله جل وعلا ليس ككلام البشر.
فلا بأس إذن أن نقرر هذه المسألة وهي المسألة الموسومة بإعجاز القرآن؛ لأجل ندرة الكلام عليها في كتب العقائد مفصلة، ونذكر منها بعض ما يناسب هذه الدروس المختصرة.
لتقرير هذه المسألة وهي مسألة إعجاز القرآن، وقد تكلم فيها أنواع من الناس من جميع الفرق والمذاهب، نجعل البحث فيها في مسائل، نقول:
المسألة الأولى: أن لفظ الإعجاز لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وإنما جاء في القرآن وفي السنة أنّ ما يعطيه الله جل وعلا للأنبياء والرسل وما آتاه محمد عليه الصلاة والسلام هو آية وبرهان على نبوته، فلفظ المعجزة لم يأتِ كما ذكرنا من قبل في الكتاب ولا في السنة وإنما هو لفظ حادث ولا بأس باستعماله إذا عني به المعنى الصحيح الذي سيأتي.
الذي جاء في القرآن الآيات والبراهين؛ لكن العلماء استعملوا لفظ الإعجاز لسبب، وهو أن القرآن تحدى الله جل وعلا به العرب، تحدى الله جل وعلا العرب بأن يأتوا بمثله، أو أن يأتوا بعشر سور مثله أو أن يأتوا بسورة من مثله، فلما تحداهم فلم يغلبوا، ولم يأتوا بما تحداهم به، فدل ذلك على عجزهم، وذلك بسبب أن القرآن معجز لهم فلم يأتوا بمثله، قال جل وعلا ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء:88]، وقال جل وعلا ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(13)فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[هود:13-14].
إذا تبين ذلك فالتحدي لما وقع وعجزوا، وهم يريدون أي وسيلة لمعارضة القرآن وإثبات أنه قول البشر، فاتوا بمثل عشر سور، ائتوا بمثله، ائتوا بسورة من مثله، لما عجزوا سمى العلماء فعلهم ذلك أو عجزهم سموه: مسألة إعجاز القرآن؛ لأجل التحدي وعجز الكفار أن يأتوا بمثله.
المسألة الثانية: أن كلام الله جل وعلا هو المعجز، وليس أنّ الله جل وعلا أعجز لأجل السماع، أعجز لما أنزل القرآن.
والفرق بين المسألتين أن الإعجاز صفة القرآن، ولكن لا يقال أن الله جل وعلا أعجز البشر عن الإتيان بمثل هذا القرآن؛ لأن هذا القول يتضمن، بل يدل على أنهم قادرون لكن الله جل وعلا سلبهم القدرة على هذه المعارضة.
فإذن الإعجاز والبرهان والآية والدليل في القرآن نفسه لم؟ لأنه كلام الله جل وعلا، ولا يقال إنّ الله جل وعلا أعجز الناس، أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو صرفهم عن ذلك، كما هي أقوال يأتي بيانها.
فإذن تنتبه على أن تعبير أهل العلم في بهذه المسألة أن القرآن آية فآية محمد عليه الصلاة والسلام القرآن، آية نبوته وآية رسالته القرآن؛ بل محمد عليه الصلاة والسلام لما سمع كلام الله جل وعلا خاف عليه الصلاة والسلام، فلما فجأه الوحي وهو بغار حراء فأتاه جبريل فَقَالَ له: اقْرَأْ. قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». قَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾[العلق:1-2] إلى آخر ما أنزل في أول ما نبئ النبي عليه الصلاة والسلام، فرجع بها عليه الصلاة والسلام يرجف بها فؤاده؛ لأن هذا الكلام لا يشبه كلام أحد، ولم يتحمله عليه الصلاة والسلام لا في ألفاظه ومعانيه ولفظه، ولا أيضا في صفة الوحي والتنزيل، فما استطاع عليه الصلاة والسلام أن يتحمل ذلك فرجع بهن -يعني بالآيات- يرجف بها فؤاده عليه الصلاة والسلام إلى آخر القصة.
إذن فالنبي عليه الصلاة والسلام أول ما جاء الوحي لم يتحمل هذا الذي جاءه، لم؟ لأنه كلام الله جل وعلا، وأما كلام البشر فإنه يتحمله لما سمع منه.
المسألة الثالثة: أقوال الناس في إعجاز القرآن.
مسألة إعجاز القرآن -كما ذكرنا- لها صلة بدلائل النبوة، والقرآن معجز لمن؟ للجن والإنس جميعا؛ بل معجز لكل المخلوقات لم؟ لأنه كلام الله جل وعلا، كلام الله جل وعلا لا يشبه كلام الخلق، وكون القرآن معجزا، راجع إلى أشياء كثيرة يأتي فيها البيان.
فاختلف الناس في وجه الإعجاز لجل أن إعجاز القرآن دليل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام في أقوال:
القول الأول: ذهب إليه طائفة من المعتزلة ومن غيرهم حتى من المعاصرين الذين تأثروا بالمدرسة العقلية في الصفات والكلام، قالوا: إنّ القرآن الإعجاز فيه إنما هو بصرف البشر عن معارضته، وإلا فالعرب قادرة على معارضته في الأصل؛ لكنهم صُرفوا عن معارضته، فهذا الصرف هو قدرة الله جل وعلا، لا يمكن للنبي عليه الصلاة والسلام أن يصرفهم جميعا عن معارضته، وهذا الصرف لابد أن يكون من قوة تملك هؤلاء جميعا وهي قوة الله جل وعلا.
فإذن الصرفة التي تسمع عنها، القول بالصرفة؛ يعني أن الله صرف البشر عن معارضة هذا القرآن، وإلا فإن العرب قادرون على المعارضة.
وهذا القول هو القول المشهور الذي ينسب للنظام وجماعة بما هو معلوم.
وهذا القول يرده أشياء نقتصر منها على دليلين: الدليل الأول سمعي نقلي من القرآن، والدليل الثاني عقلي.
أما الدليل القرآني فهو قول الله جل وعلا ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء:88]، فالله جل وعلا أثبت أنّ الإنس والجن لو اجتمعت على أن تأتي بمثل هذا القرآن وصار بعضهم لبعض معينا بالإتيان بمثل هذا القرآن أنهم لن يأتوا بمثله، وهذا إثبات لقدرتهم على ذلك؛ لأن اجتماعهم مع سلب القدرة عنهم بمنزلة اجتماع الأموات لتحصيل شيء من الأشياء، فالله جل وعلا بيّن أنهم لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وكان بعضهم لبعض معينا وظهيرا على المعارضة، فإنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فأثبت لهم القدرة لو اجتمعوا قادرين وبعضهم لبعض يعين، لكنهم سيعجزون عن قدرهم التي ستجتمع وسيكون بعضهم لبعض معينا على المعارضة، وهذه الآية هي التي احتج بها المعتزلة على إعجاز القرآن، ففيها الدليل ضدهم على بطلان الصرفة.
أما الدليل الثاني وهو الدليل العقلي أن الأمة أجمعت من جميع الفرق والمذاهب أن الإعجاز ينسب ويضاف إلى القرآن ولا يضاف إلى الله جل وعلا، فلا يقال إعجاز الله بالقرآن، وإنما يقال باتفاق الجميع وبلا خلاف هو إعجاز القرآن، فإضافة الإعجاز إلى القرآن تدل على أن القرآن معجز في نفسه، وليس الإعجاز من الله بصفة القدرة؛ لأننا لو قلنا الإعجاز إعجاز الله بقدرته الناس عن الإتيان بمثل هذا القرآن، فيكون الإعجاز بأمر خارج عن القرآن، فلما أجمعت الأمة من جميع الفئات والمذاهب على أنّ الإعجاز وصف للقرآن علمنا بُطلان أن يكون الإعجاز صفة لقدرة الله جل وعلا؛ لأن من قال بالصرفة بأن الله سلبهم القدرة هذا راجع الإعجاز -يعني تعجيز أولئك- راجع إلى صفة القدرة وهذه صفة الربوبية.
إذن لا يكون القرآن معجزا في نفسه، وإنما تكون المعجزة في قدرة الله جل وعلا على ذلك، وهذا لاشك أنه دليل قوي في إبطال قول هؤلاء.
لهذا المعتزلة المتأخرون ذهبوا على خلاف قول المتقدمين في الإعجاز بالصرفة؛ لأن قولهم لا يستقيم لا نقلا ولا عقلا.
المذهب الثاني: من المذاهب في إعجاز القرآن، من قال القرآن معجز بألفاظه، فألفاظ القرآن بلغت المنتهى في الفصاحة؛ لأنّ البلاغيين يعرفون الفصاحة:
فصاحة المفرد في سلامته من نُفرة فيه من غرابته
فالقرآن مشتمل على أعلا الفصيح في الألفاظ، ولما تأمل أصحاب هذا القول جميع أقوال العرب في خطبهم وأشعارهم، وجدوا أن كلام المتكلم لابد أن يشتمل على لفظ داني في الفصاحة، ولا يستقيم في كلام أي أحد -في المعلقات وفي خطب العرب ولا نثرهم ولا في مراسلاتهم إلى آخره- لا يستقيم أن يكون كلامهم دائما في أعلى الفصاحة، فنظروا إلى هذه الجهة فقالوا الفصاحة هي دليل إعجاز القرآن لأن العرب عاجزون.
وهذا ليس بجيد؛ لأن القرآن اسم للألفاظ والمعاني، والله جل وعلا تحدى أن يؤتى بمثل هذا القرآن، أو بمثل عشر سور مثله مفتريات -كما زعموا- وهذه المثلية إنما هي باللفظ وبالمعنى جميعا وبصورة الكلام المتركبة.
فإذن وكونه معجزا بألفاظه نعم لكن ليس وجه الإعجاز الألفاظ وحدها.
القول الثالث: من قال إنّ الإعجاز في المعاني وأما الألفاظ فهي على قارعة الطريق، مثل ما يقول الجاحظ وغيره؛ يعني فيما ساقه في كتاب الحيوان يقول: الشأن في المعاني أما الألفاظ فهي ملقاة قارعة الطريق. يعني أنّ الألفاظ يتداولها الناس؛ لكن الشأن في الدلالة بالألفاظ على المعاني، وهذا لاشك أنه قصور لأن القرآن معجز بألفاظه وبمعانيه وبصورته العامة كما سيأتي في وق من القوال الآتية.( )
القول الرابع: من قال إن القرآن معجز في نظمه، ومعنى النظم الألفاظ المتركبة والمعاني التي دلت عليها الألفاظ وما بينها من الروابط؛ يعني أن الكلام يحتاج فيه إلى أشياء، يحتاج فيه على ألفاظ وإلى معانٍ في داخل هذه الألفاظ يعبر بها، يعبر بالألفاظ عن المعاني وإلى رابط يربط بين هذه الألفاظ والمعاني بصور بلاغية، وفي صور نحوية عالية، وهذا المجموع سماه أصحاب هذا القول النَّظم.
وهذا هو مدرسة الجُرجاني المعروفة العلامة عبد القادر الجرجاني فيما كتب في دلائل الإعجاز وفي أسرار البلاغة، وهذا القول لما قال به الجرجاني وهو مسبوق إليه من جهة الخطّابي وغيره يعني في كلمة، هو أراد به الرد على عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني، فإنه ألف كتاب المغني وجعل مجلدا كاملا في إعجاز القرآن، وردّ عليه بكتاب دلائل الإعجاز وأن الإعجاز راجع إلى اللفظ والمعنى والروابط؛ يعني إلى النظم نظم القرآن جميعا، المقصود بالنظم يعني تآلف الألفاظ والجمل مع دلالات المعاني البلاغية واللفظية وما بينها من صلات نحوية عالية.
وهذا القول قول جيد؛ ولكن لا ينبغي أن يُقصر عليه إعجاز القرآن.
القول الخامس: من قال في إعجاز القرآن فيما اشتمل عليه، فالقرآن اشتمل على أمور غيبية لا يمكن أن يأتي بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ بأمر الماضي وبأمر المستقبل، واشتمل القرآن أيضا على أمور تشريعية لا يمكن أن تكون من عند النبي عليه الصلاة والسلام، واشتمل القرآن على هداية ومخالطة للنفوس لا يمكن أن تكون من عند بشر، وهذا قول لبعض المتقدمين وجمع من المعاصرين بأن القرآن محتمل على هذه الأشياء جميعا..
ولكن هذا القول يُشكل عليه أنّ إعجاز القرآن الذي تُحديت به العرب، والعرب حينما خوطبوا به خوطبوا بكلام مشتمل على أشياء كثيرة، وكان التحدي واقعا أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة أو بعشر سور مثله مفتريات كما زعموا، وهذا يؤول إلى ما تميزت به العرب، وهو مسألة البلاغة وما تميزوا به من رِفعة الكلام فصاحته وبلاغته، والعرب لم تكن متقدمة عارفة بالأمور الطبية ولا بالأمور الفلسفية ولا بالأمور العقدية ولا بالغيبيات، وليس عندهم معرفة بالتواريخ على تفاصيلها ونحو ذلك، حتى يقال إن الإعجاز وقع من هذه الجهة؛ لكنهم خوطبوا بكلام من جنس ما يتكلمون به -يعني من جهة الألفاظ والحروف-؛ لكنهم عجزوا عن الإتيان بذلك كلام الله جل وعلا.
القول الأخير –والأقوال متنوعة؛ لأن المدارس كثيرة-: أن القرآن معجز لأنه كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا لا يمكن أن يشبه كلام المخلوق، وهذا القول هو الذي ذكره الطحاوي هنا قال (عَلِمْنَا وأَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر، وَمَنْ وَصَفَ الله بِمعنَى مِنْ مَعاني البشر، فقدْ كَفَر، فمن أبْصَرَ هذا اعْتَبر، وعَنْ مِثْلِ قول الكفَّارِ انْزَجَر، وعَلِمَ أنَّه بصفاته-التي منها القرآن- ليسَ كالبشر) وهذا القول الذي أشار إليه لو يتفرغ إليه الشارحون -شارحوا هذه الرسالة سواء من السلفيين أو من المبتدعة من الماتريديين وغيرهم- في تقرير هذه المسألة، وهو من أرفع وأعظم الأقوال؛ بل هو قول الحق في هذه المسألة: أنّ كلام الله جل وعلا لا يمكن أن يشبه كلام البشر.
خذ مثلا فيما يتميز به المخلوقات ترى فلانا فتقول هذا عربي، وترى آخر فتقول هذا أوروبي، وترى ثالثا فتقول هذا من شرق آسيا، لم؟ لأنّ الصفة العامة دلت على ذلك، ولو أخذ الآخذ يعدد لأخذ يعدد أشياء كثيرة متنوعة دلته على أن هذه الصورة هي صورة عربي، وهذه الصورة صورة أوربي، وهذه الصورة الخَلقية صورة من شرق آسيا وهكذا.
فإذن الصورة العامة بها تتفرق الأشياء، فالذي يدل على الفرقان ما بين شيء وشيء، وأهمها الصورة العامة له.
كلام الناس –إذا انتقلنا من الصورة الخَلقية- كلام الناس يختلف بعضه عن بعض، قول الصحابة إذا سمعنا كلاما نقول هذا من قول الصحابة أو من قول السلف؛ لأن كلامهم لا يشبه كلام المتأخرين، كما قال ابن رجب: كلام السلف قليل كثير الفائدة وكلام الخلف كثير قليل الفائدة. فكلام السلف له صورة عامة تعلم أن هذا من كلام السلف، فلو أتينا بكلام إنسان معاصر وبكلمات له كثيرة وقارناها بكلام السلف لاتضح الفرق.
فإذن المخلوق البشر في كلامه متباين إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس كلام ابن تيمية، ترى كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تقريره تقول هذا ليس بكلام مثلا النووي، إذا رأيت كلام الإمام أحمد تقول هذا ليس كلام أبي حنيفة وهكذا.
فإذن الكلام له صورة له هيئة من سمعها ميز هذا الكلام، وهذا هو الذي أشار إليه الطحاوي بأنّ كلام الله جل وعلا لا يشبه كلام البشر.
إذا تبين ذلك فإن كلام الله جل وعلا صفته، فهذا القرآن من سمعه أيقن بأنه ليس بكلام البشر، ولهذا بعض الأدباء الغواة مثل ابن المقفع والمعري ونحو ذلك أرادوا معارضة القرآن بصورة أدبية فظهر؛ بل افتضحوا في ذلك فغيروا منحاهم إلى منحى التأثير إلى ما أشبه ذلك في كتبهم المعروفة وهي مطبوعة، أرادوا المعارضة من جهة المعاني من جهة الألفاظ أن يأتوا شيء لكن افتضحوا لأن كلام البشر لا يمكن أن يكون مثل كلام الله جل وعلا.
العرب عندهم معرفة بالبيان هم الغاية في البيان، هم الغاية في معرفة الفصاحة هم الغاية في معرفة تركيب الكلام؛ لكنهم لما سمعوا القرآن ما استطاعوا أن يعارضوه لم؟ لأنّ الكلام لا يشبه الكلام، لا يمكن، لا يمكن أن يعارضوا؛ لأن كلام الله جل وعلا لا يشبه كلام المخلوق.
إذا تبين لك ذلك، فنقول إذن: ما نقرره هو أنّ وجه الإعجاز في كلام الله جل وعلا هو أن كلام الله سبحانه وتعالى لا يشبه كلام البشر، ولا يماثل كلام البشر، وأن البشر لا يمكن أن يقولوا شيئا يماثل صفة الله جل وعلا، والناس لا يستطيعون على اختلاف طبقاتهم وتنوِّع مشاربهم أن يتلقوا أعظم من هذا الكلام، وإلا فكلام الله جل وعلا في عظمته لو تحمّل البشر أعظم من القرآن لكانت الحجة أعظم؛ لكنهم لا يتحملون أكثر من هذا القرآن، لهذا تجد التفاسير من أول الزمان إلى الآن وكل واحد يُخرج من عجائب القرآن ما يُخرج، والقرآن كنوزه لا تنفذ ولا يفتر على كثرة الرد لا من جهة التِّلاوة ولا من جهة التفسير.
إذا تبين لك ذلك فكلام الطحاوي هذا من أنفس ما سمعت وأصح الأقوال في مسألة إعجاز القرآن وهو أن الكلام لا يشبه الكلام.
إذا تبين هذا فنقول كلام الله جل وعلا في كونه لا يشبه كلام البشر له خصائص، فأوجه إعجاز القرآن التي ذكرها من ذكر، نقول هي خصائص لكلام الله جل وعلا أوجبت أن يكون كلام الله جل وعلا ليس ككلام البشر.
مثل ما يقول الواحد:والله هذا الشعر موزون هذا البيت فيه كسر، حرف واحد نقص قال فيه كسر، أو هذا البيت ما يمكن أن يكون كذا، لماذا؟ في هيئته العامة؛ لكن برهان يأتيك، يقول لأنه كذا، وكذا، وكذا.
فلان بخصاله دلنا بصفاته حركاته تصرفاته على أنه ليس بعربي، هذه القضية العامة لم؟ له أدلة عليها؛ لكن هذه الخصائص العرب وما تميزوا به عن غيرهم.
نقول هذا الحديث ضعيف أو هذا الحديث معلول، ما وجه علته؟ مثل ما قال أبو حاتم وغيره ممن تقدمه: إنّ أهل الحديث يعرفون العلة كما يعرف صاحب الجوهر الزيف من النقي، أنت ترى هل هذا الألماس نقي أو ليس بنقي؟ يأتيك صاحب الخبرة ويقول هذا ألماس ليس بنقي، أنت ترى ما تعرف تفرق هل هذا نقي؟
هذا الكتاب طبعته طبعة حجرية، الذي لا يعرف ما يعرف، هذا الكتاب مطبوع في روسيا كيف عرفته أنه مطبوع وليس فيه اسم البلاد؟ هذا الكتاب مطبوع في بلدة كذا في الهند لماذا؟ هذه البرهان ولكن الصفة العامة هي هذه.
ولهذا نقول وانتبه لهذا حتى تخلص من إشكال عظيم في هذه المسألة -مسألة إعجاز القرآن- لتنوع الخطاب فيها وتنوع المراس فيها نقول:
إنّ كلام الله جل وعلا ليس ككلام البشر، وكلام الله جل وعلا له خصائص ميزته عن كلام البشر.
ما هذه الخصائص كل ما قيل داخل في خصائص القرآن:
أولا: القرآن كلام الله جل وعلا، واشتمل القرآن على ألفاظ العرب جميعا، تجد القرآن فيه كلامات بلغة قريش، وفيه كلامات بلغة هذيل، وفيه كلمات بلغة تميم، وفيه كلمات بلغة هوازن، وفيه كلمات بلغة أهل اليمن، وفيه بلغات كثيرة بلغة حِمْيَر، ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾[النجم:61]، قال ابن عباس: السمود الغناء بلغة حمير.
بعض قريش خفي عليها بعض الكلمات مثل ما قال عمر رضي الله عنه لما تلا سورة النحل في يوم الجمعة -يعني في الخطبة-، تلا سورة النحل فوقف عند قوله تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[النحل:47]، نظر فقال: ما التخوف؟ فسكت الحاضرون، فقام رجل من هذيل فقال: يا أمير المؤمنين التخوّف في لغتنا التَّنَقُّص قال شاعرنا أبو كبير الهذلي:
تخوّف الرَّحْلُ منها تامكا فردا كما تَخَوَّف عودُ النّبعة السَّفِنُ
تنقص، يعني (أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ) يعني يبدأ يتنقص شيئا فشيئا، ينقصون عما كانوا فيه من النعمة شيئا فشيئا، حتى يأتيهم الأجل، عمر القرشي خفيت عليه هذه الكلمة؛ لأنها بلغة أخرى.
هل يستطيع أحد من العرب أن يحيط بلغة العرب جميعا؟ لا يمكن، أن يحيط بلغة العرب جميعا بألفاظتها وتفاصيلها؟ لا يمكن، ولهذا تجد في القرآن الكلمة بلغة مختلفة، وتجد فيه التركيب النحوي بلغة من لغات العرب، فيكون مثلا على لغة حمير في النحو، أو على لغة [سدوس] في النحو، أو أعلى لغة هذيل في النحو.
فإذن الألفاظ والمعاني والتراكيب النحوية والبرهان تنوَّعت ودخلت كل لغات في العرب، هذا لا يمكن أن يكون من كلام أحد، لا يمكن أن يحيط هذه الإحاطة إلا من خلق الخلق وهو رب العالمين.
الثاني: الألفاظ، كما ذكرنا ألفاظ القرآن بلغت الأعلى في الفصاحة، والقرآن كله فصيح بألفاظه، والفصاحة راجعة إلى الكلمات جميعا؛ الأسماء والأفعال والحروف، حتى ﴿الـم﴾( ) فصيح.
إذن من خصائص القرآن التي دلت على إعجازه أن ألفاظه جميعا فصيحة، وما استطاع أحد -من العرب الذين أنزل عليهم القرآن- أن يُعيبوا القرآن في لفظه مما فيه كما عابوا كلام بعضهم بعضا، بل قال قائلهم: إن له لحلاوة وإن عليه لطُلاوة. إلى آخر كلامه.
الوجه الثالث: من خصائصه المعاني، المعاني التي يتصورها البشر عند قول كلامه لابد أن يكون فيها قصور، فإذا تكلم البشر في المعاني العَقدية فلابد أن يكون عنده لاشك قصور، إذا تكلم في العاني التشريعية لابد أن يظهر خلل، إذا تكلم في المعاني الإصلاحية التهذيبية لابد أن يكون فيها خلل، ولهذا قال جل وعلا ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[النساء:82].
فإذن تنوع المعاني على هذا الوجه الثاني بما يناسب المعاني الكثيرة التي يحتاجها الناس يدل على أن هذا كلام الله جل وعلا؛ يعني أنه صفته.
هذه خصائص كرم الله جل وعلا، فلو قيل تقديرا: إننا سنصف القرآن الذي هو كلام الله جل وعلا وبه فارق كلام البشر فستعدد هذه جميعا، فهي خصائص أو أوجه للإعجاز بها صار القرآن معجزا بجميعها، لا بواحدة منها.
الوجه الرابع: أو الخصيصة الرابعة للقرآن: أنَّ القرآن فيه النَّظم مثل ما قال الجرجاني وهو من أحسن النظريات والكلام في إعجاز القرآن من جهة البيان، القرآن فيه القمة في فصاحة الألفاظ وفي البلاغة، البلاغة متركبة من أشياء؛ متركبة من ألفاظ ومن معاني ومن روابط -الحروف التي تربط بين ألفاظ والمعاني وتصل الجمل بعضها ببعض-.
فالقرآن إذن من أوجه إعجازه أو من صفاته وخصائصه أن نظمه؛ يعني أن تركيب الكلام والآيات وتركيب الجمل في الآية الواحدة يدل على أنه الغاية في البيان، ولا يمكن لبشر أو لا يمكن للجن والإنس لو اجتمعوا أن يكونوا دائما على أعلى مستوى في هذا النظم، ولهذا تجد أن تفاسير القرآن حارت في القرآن، حتى التفاسير المتخصصة في النحو تجده ينشط في أوله تجده يعجز في آخره، ما تجده ينشط، آخر تجده في البلاغة يريد أن يبين بلاغة القرآن فيجود في موضع ثم بعد ذلك تأتي مواضع يكسل، ما يستطيع أن يبين ذلك.
لهذا قال من قال من أهل العلم: العلوم ثلاثة:
 علم نضج واحترق.
 وعلم نضج ولم يحترق.
 وعلم لم ينضج ولم يحترق.
والثالث هو التفسير، لم ينضج ولم يحترق؛ لأنه على كثرة المؤلفات في التفسير وهي مئات فإنها لم تأتِ على كل ما في القرآن، لم؟ لأن الإنسان يعجز، يعجز المبين أن يبين عن كل ما في القرآن.،
إذن نظرية النظم التي ذكرها أبي الطاهر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة -على تفصيل ما فيها- لا شك أنها دالة على صفة من صفات القرآن.
الوجه الخامس: أنَّ القرآن له سلطان على النفوس، وليس ثَمَّ من كلام البشر ما له سلطان على النفوس في كل الكلام، ولكن القرآن له سلطان على النفوس بما تميز به من كلام الله جل وعلا؛ لأنه كلام الله جل وعلا، مثل ما صار السلطان على ذلك المشرك؛ يعني أنه يرغم الأنوف.
ولقد كان مرة أحد الدعاة يخطب بالعربية وفي أثناء خطبته يورد آيات من القرآن العظيم يتلوها، فكانت امرأة كافرة لا تحسن الكلام العربي ولا تعرفه، فلما انتهى الخطيب من خطبته استوقفته -وكانت خطبته في سفينة-، لما انتهى من خطبته استوقفته، وقالت: كلامك له نمط، وتأتي في كلامك بكلمات مختلفة في رنتها وفي قرعها للأذن عن بقية كلامك، فما هذه الكلمات؟ فقال: هي القرآن.
وهذا لاشك إذا سمعت القرآن تجد له سلطان على النفس ينبئ النفس على الاستسلام له، إلا لمن ركب هواه.
هذا السلطان تجده في أشياء:
أولا أن آيات القرآن -الدرس قد يطول عشر دقائق بقي مسألتان- أن آيات القرآن في السورة الواحدة -كما هو معلوم- لم تجعل آيات العقيدة على حدا، وآيات الشريعة على حدا؛ الأحكام، وآيات السلوك على حدا، إلى آخره؛ بل الجميع كانت هذه وراء هذه، فآية تخاطب المؤمنين، وآية تخاطب المنافقين، وآية تخاطب النفس، وآية فيها العقيدة، وآية فيها قصص الماضين، وآية تليها فيها من سيأتي، وآية فيها الوعد وآية فيها الوعيد، وآية فيها ذكر الجنة وذكر النار، وآية فيها التشريع، وثم يرجع إلى آية أخرى فيها أصل الخلق قصة آدم، وهكذا في تنوع.
وهذا من أسرار السلطان الذي يكون للقرآن على النفوس؛ لأن الأنفس متنوعة، بل النفس الواحدة لها مشارب، فالنفس تارة يأتيها الترغيب وتارة يأتيها الترهيب، وتارة تتأثر بالمثل، تارة تتأثر بالقصة، تارة هي ملزمة بالعمل، تارة هي ملزمة بالاعتقاد، فَكَوْنُ هذه وراء هذه وراء هذه تُغْدِقُ على النفس البشرية أنواع ما تتأثر به، وهذا لا يمكن أن يكون إلا من كلام من خلق هذه النفس البشرية، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14]، فتجد أن القرآن يحاصرك، فأيُّ إنسان أراد أن يفر لا يمكن أن يفر من القرآن، سيأتيه قوة بآية فيها وصف الكافرين، آيات فيها قوة بوصف الكافرين، آيات فيها قوة بوصف المؤمنين، آيات فيها العقيدة، فيها الماضي، فيها الحاضر، فيها النبوة، فيها الرسالة، فيها الدلائل، فيها حال المشركين، إلى آخر ما يحصل على النفس الحية والعقل الواعي الذي يتحرك وعنده همة يحصر عليه الهروب، وهذا لا يمكن أن يحصره في أنواع النفس البشرية الواحدة إلا من خلق هذه النفس وتكلم بهذا القرآن لإصلاحها، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء:9].
فكيف إذن بأنواع الأنفس المختلفة، هذا الذي يصلح له الترغيب، وهذا الذي يصلح له الترهيب، وهذا الذي يصلح له وصف الجنة، وهذا الذي ينشأ عنده الإيمان بالحب وإلى آخره، وذلك الذي ينشأ عنده الإيمان بالجهاد، ونحو ذلك، تنوع الأنفس وخطاب القرآن للناس جميعا على تنوع أنفسهم هذا دليل ثانٍ على أن القرآن له سلطان على النفوس.
أيضا تجد أن القرآن خُوطب به من عنده فن الشعر وما يسميه بعض الناس موسيقى الكلام؛ يعني رنات الكلام، بعض الناس عندهم شفافية بالتأثر باللحن، بالرنات، بالصعود والنزول في نغمة الكلام، هذا أيضا هذا النوع من الناس تجد في القرآن ما يجبره على أن يستسلم له.
لَبيد بن رَبيعة صاحب معلقة وصاحب ديوان مشهور، قيل له: ألا تنشدنا من قصائدك، لم وقفت عن الشعر؟ قال أغناني عن الشعر وتذوقه -أو كما قال- سورتا البقرة وآل عمران؛ لأن هذا الشيء هو له تذوق في هذا الفن بخصوصه، فيأتي القرآن فيجعل سلطانه على النفس فيقصره قصرا، لهذا قال جل وعلا ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ(41)لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت:41-42]، وقال سبحانه ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾[فصلت:44].
الوجه السادس: أو الصفة السادسة للقرآن أو الخاصية السادسة للقرآن التي تميز بها عن كلام الناس، أن القرآن فيه الفصل في الأمور الغيبية، فثم أشياء في القرآن أُنزلت على محمد عليه الصلاة والسلام وكان أميا عليه الصلاة والسلام، ما لم يظهر وجه بيانها وحجتها في كمال أطرها إلا في العصر الحاضر، وهو الذي اعتنى به طائفة من الناس وسموه الإعجاز العلمي في القرآن، والإعجاز العلمي في القرآن حق؛ لكن له مواضع توسع فيه بعضهم فخرجوا به عن المقصود إلى أن يجعلوا آيات القرآن خاضعة للنظريات، وهذا باطل؛ بل النظريات خاضعة للقرآن لأن القرآن حق من عند الله والنظريات من صنع البشر، لكن بالفهم الصحيح للقرآن، فثَم أشياء من الإعجاز العلمي حق لم يكن يعلمها الصحابة رضوان الله عليهم على كمال معناها وإنما علموا أصل المعنى، فظهرت في العصر الحاضر في أصول من الإعجاز العلمي.
الإعجاز الاقتصادي، الإعجاز التشريعي، الإعجاز العَقدي أشياء تكلم عنها الناس في هذا العصر -ما نطيل في بيانها- وكل واحدة منها دالة على أن هذا القرآن من عند الله جل وعلا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[النساء:82].
الوجه السابع والأخير وبه تختم هذا الدرس: أنّ القرآن من صفاته أنّ الإنسان المؤمن كلما ازداد من القرآن ازداد حبا في الله جل وعلا، وهذا راجع إلى الإيمان، وراجع إلى أن صفة القرآن فيها زيادة في الهدى والشفاء للقلوب، فالأوامر والنواهي والأخبار التي في القرآن هي هدى وشفاء لما في القلوب، كما قال سبحانه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾[فصلت:44]، وهذا سلطان خاص على الذين آمنوا في أنه يهديهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور في المسائل العلمية وفي المسائل العملية، لهذا ما تأتي فتنة ولا اشتباه إلا وعند المؤمن البصيرة لما في هذا القرآن؛ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء:9].
فإذن صفة كلام الله جل وعلا في أن المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعلم حدوده ويعلم معانيه، أن عنده النور في الفصل في المسائل العلمية والعملية، وهذه لا يُلقاها إلا أهل الإيمان ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾[فصلت:44]، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾[الإسراء:82]، وهذا أيضا سلطان خاص يزيد المؤمن إيمانا، لهذا إذا تليت على المؤمن آيات الله جل وعلا ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾[الأنفال:2]، زادتهم إيمانا لما فيه من السلطان على النفوس.
إذا تبين لك ذلك فكلام الله جل وعلا قديم النوع حادث الآحاد، والقرآن من الحادث الآحاد وقت التنزُّل كما قال جل وعلا ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2)لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[الإسراء:2-3] إلى آخر الآيات؛ يعني أنّ الله جل وعلا تكلم به وكلام الله جل وعلا أوسع من الكلام بالقرآن، والقرآن جاء على هذا النحو؛ لأنه هو الذي يتحمله الإنسان، الإنس والجن لا يتحملون أكثر من هذا، وإلا لصار عليهم كلفة وعنف.
بهذا يتبين لك ما ظهر لي من تحصيل أقوال أهل العلم بهذه المسألة العظيمة التي خاض فيها المعتزلة، وخاض فيها الأشاعرة، وقل بل نذر من أهل السنة من خاض فيها على هذا النحو، بل لا أعلم من جمع فيها الأوجه على هذا النحو في كتب العقائد؛ بل تجدها متفرقة في كتب كثيرة في البلاغة، وفي الدراسات في إعجاز القرآن، وفي التفسير، وفي كتب متنوعة.
وما أجمل قول الطحاوي رحمه الله رحمة واسعة (أَيْقَنَّا أنه قولُ خالقِ البَشرِ، ولا يُشْبِهُ قولَ البشر) وهذا هو الحق فالقرآن بصورته وهيئته وصفته لا يمكن أن يشبه قول البشر، حتى في رسمه وتنوع آياته وسوره بل لا يشبه قول البشر.
أسال الله جل وعلا أن يغرس الإيمان في قلوبنا غرسا عظيما، وأن يجعلنا من أوليائه الصالحين، وأن يهيئ لنا من امرنا رشدا.
وأسأله سبحانه أن يوفقنا وأن يوفق ولاة أمورنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى.
كما أسأله سبحانه أن ينور قلوبنا بالدعاء وأن يجعلنا من أوليائه إنه سبحانه جواد كريم، وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[الأسئلة]
نجيب على ثلاثة أسئلة.
نريد أن نرجع إلى موضع في مسألة إعجاز القرآن، مسألة طويلة الذيول وما ذكرت متفرق بين مراجع كثيرة.
س1/ ما هي [...] أبا العتاهية؟
ج/ رحم الله أبا العتاهية، فهو من الصالحين، ولا تسل عن شيء ليس فيه مصلحة، أبو العتاهية شاعر من الشعراء الزهاد وديوانه مطبوع.
س2/ هل يوجد في القرآن ألفاظ أعجمية، وما معنى ﴿حم﴾، ﴿المر﴾؟
ج/ الجواب: الكلمات الأعجمية في القرآن أعجمية الأصل لكنها عربية الاستعمال، ومعلوم أنّ العرب لما استعملوا هذه الكلمات صارت عربية كالسندس والإستبرق وأشباه ذلك؛ لأنها لم تأت على أوزان العرب.
فأهل العلم في هذه المسألة لهم قولان:
 منهم من ينفي وجود الكلمات الأعجمية أصلا.
 ومنهم من يقول هي موجودة لكنها بالاستعمال صارت عربية، وهذا هو الصحيح.
وأما الأحرف المقطعة في أوائل السور ﴿الم﴾، ﴿الر﴾، ﴿حم﴾ فهي دالة على إعجاز القرآن، فالحجة فيها عظيمة (الر)، (الم) فصيحة ألفاظُها؛ يعني هذه الأحرف من حيث الاستعمال، ودالة على أعظم أنواع الإعجاز، أو عن دليل عظيم من أدلة الإعجاز، كيف ﴿المر﴾، ﴿حم﴾، ﴿كهيعص﴾ هذه الأحرف هي الأحرف التي بها يتكلم العرب وينشئون بها الكلام الذي يفاخرون به، فأشعار العرب من هذه الأحرف، وكلمات العرب وخطب العرب من هذه الأحرف، وما تفاخروا فيه من البيان والبلاغة والخطاب والفصاحة إنما هو مكوَّن من هذه الأحرف، فالله جل وعلا في بعض السور -في أول بعض السور- افتتحها بالأحرف المقطعة لينبه أنّ هذا القرآن كلماته وآياته من هذه الأحرف التي بها تنشئون كلامكم البليغ الذي تتحدون به، فهيا استعملوا هذه الأحرف في إنشاء كلام مثل هذا القرآن، ولهذا تجد أنَّ الأحرف المقطعة في افتتاح السور أغلبها والغالب منها يكون بعد الأحرف المقطعة يكون ذكر الكتاب والقرآن، لا تجد سورة فيها ذكر الأحرف المقطعة إلا فيها ذكر القرآن، والأغلب أن تكون بعد الحرف المقطعة مباشرة.
خُذ مثلا ﴿الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾[البقرة:1-2]، ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾[ق:1]، ﴿حم(1)وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، ( ) ﴿يس(1)وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾[1-2]، ﴿حم(1)تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[فصلت:1-2]، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾[هود:1]، ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾[الرعد:1]،( ) كلما ذكر الكتاب كلما ذكرت الأحرف ذكر بعدها الكتاب، وتارة تكون بعد ذلك كسورة مريم ﴿كهيعص﴾ يأتي ذكر القرآن بعدها.
فإذن إيراد هذه الأحرف المقطعة في أوائل السور لتحدي العرب لتكوين كلام من هذه الأحرف التي يكونون منها كلامهم وينشئون بها خطبهم وأشعارهم وأن يعارضوا القرآن بمثل هذا الكلام.
س3/ ما رأيكم بمن يقول إن الله ليس له لغة بدليل أنه يخاطب جميع البشر كلا حسب لغته؟
ج/ نقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللغة اصطلاحية، اللغة من آياته ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾[الروم:22]، البشر احتاجوا للغات ليتفاهموا فيما بينهم، الله جل وعلا هو الذي خلق البشر وخلق لغات البشر وجعل اختلاف الألسن دليلا على عظم الباري جل وعلا.
الله سبحانه أعظم من أن يقال فيه إنه يتكلم بكل اللغات، أو أنه ليس له لغة الله جل وعلا أعظم وأجل من ذلك أو نحو ذلك، وما قدروا الله حق قدره سبحان ربي وتعالى، سبحان ربي وتعالى.
س4/ ما رأيك بقول الشخص الآخر –هذا مو متعلق بالدرس لكن الجواب عليه مهم- قول الشخص الآخر: لك خالص شكري؟
ج/ الجواب: هذا نبهنا عليه مرارا أنّ الشكر عبادة؛ الشكر عبادة لله جل وعلا، أمر الله بها ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾[لقمان:14]، ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾[البقرة:152]، ولما أمر الله جل وعلا به فهو عبادة عظيمة من العبادات التي يتقرب إلى الله جل وعلا بها، والعبادات من الدين، والدين الخالص لله جل وعلا، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾[الزمر:3]، فلا يجوز أن يقال لأحد: لك خالص شكري. لأن خالص الشكر لله سبحانه وتعالى، أو: لك خالص تحياتي. أو: خالص تقديري. هذه كلها لله جل وعلا، خالص التحيات وخالص التقدير والقدر والتعظيم، وخالص الرجاء، ومثل ما يقول وفيك خالص رجائي، الرجاء والشكر، ومثل هذه الأشياء هي عبادة وخالصها لله جل وعلا.
فلا يجوز أن يقول القائل مثل ما هو شائع في كثير من الرسائل والمؤلفات وتقبل خالص شكري وتقدري؛ لأن هذا إنما هو لله جل وعلا.
فالشكر الخالص لله، يقال للبشر ولك عظيم شكري، أو يقال له مع عظيم شكري لك مع جزيل شكري، ونحو ذلك، نعم يشكر البشر على ما يقومون به من أنواع الخير، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله جل وعلا.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل مني ومنكم، وأن يزيدنا من العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. ( )

بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: نجيب على بعض الأسئلة.
س1/ يقول: قول الرسول صلى الله عليه وسلم «إنما أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني»، في الوصال، هل الإطعام حقيقي، وما هي الأقوال في ذلك؟
ج/ الجواب: أن الأمور المضافة على الله جل وعلا من الأفعال، الأصل فيها -ككل فهم للغة- أن يُفهم ظاهر الكلام، وظاهر الكلام هو ما يتبادر إلى الذهن -ذهن العربي- من سماع الكلام، والظاهر تارة يكون بإفراد الكلام، وتارة يكون بتركيبه، والصحابة رضوان الله عليهم واصلوا الصيام، فنهاهم النبي عليه الصلاة والسلام، وسبب نهيه عليه الصلاة والسلام الصحابةَ عن المواصلة الإبقاء عليهم وعدم تكليفهم؛ لأن في الوصال مشقة ترك الطعام الذي به قوام الإنسان، فقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث حينما نهاهم قالوا: يارسول الله إنك تواصل، قال «إني لست كهيأتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» فدل هذا على أن ظاهر الكلام: أن الله جل وعلا يطعم الرسول صلى الله عليه وسلم ويسقيه، معلوم أن الإطعام والسقيا ليست بالأكل والشرب المعتاد؛ لأن هذا يُفَطِّر.
فإذن يكون ظاهر الكلام دل على شيئين:
الأول: أن الإطعام والسقيا هذا حقيقي على ظاهره، وأنه طعام به يقوى البدن ولكن ليس على طريق الفم.
والثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس إطعامه من ربه جل وعلا بالأكل والشرب المعروف؛ لأنه بهذا يُفطر الصائم.
الأقوال في هذا متعددة؛ لكن هذا القول هو الذي يوافق ظاهر الحديث، والحديث ليس من أحاديث الصفات؛ لكن هذا الذي يوافق الحديث.
س2/ إذا تضرر الناس من المطر واضطروا إلى الاستصحاء، هل يصلى لها صلاة أو يدعو الإمام في الجمعة؟
ج/ الاستصحاء هو طلب الصحو، والنبي عليه الصلاة والسلام جاءه رجل وهو يخطب فشكا إليه الحال فدعا فاستغفر، فخرجت سحابة مثل الترس فملأت السماء فأمطروا إلى الجمعة القادمة، ثم أتى رجل -قيل لأنس هل هو ذلك الرّجُلُ الأَوّلُ؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي -، فقال: يا رسول الله انقطعت السبل، إلى آخره. فدعا النبي عليه الصلاة والسلام بقوله «اللّهُمّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. اللّهُمّ عَلَى الآكامِ وَالظّرَاب, وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ, وَمَنَابِتِ الشّجَرِ» وأشار بيده هكذا وهكذا وهكذا، فصارت المدينة كالجوبة؛ يعني كسبحة من إشارة أن تفرق السحاب، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام.
فإذا احتيج على ذلك دعا الإمام في هذا، وهذا مشروع كما دلت عليه السنة.
س3/ ما حكم تعليق المشيئة على أمر متأكد أنه واقع كقوله هذا فلان الواقف أمامك إن شاء الله، كذلك حكم تعليقها على أمر قد حصل وانتهى؛ كقوله أكلتم إن شاء الله؟
ج/ المشيئة في استعمال المسلم لها على درجتين:
الأولى: أنه يقصد بها حقيقة التعليق؛ يعني أن ما سيفعله معلق بمشيئة الله كما قال جل وعلا ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[التكوير:29]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[الإنسان:30]، وقال ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23)إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾[الكهف:23-24]، فإذا كان الأمر يُعلق على المستقبل فإنه يتأكد استعمال المشيئة، يعني أن يعلق الأمر على مشيئة الله؛ لأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وورد في الثانية: أن تقول إن شاء الله لتحبيب تحقق الأمر بمشيئة الله؛ لأن الأمر وقع ووقوعه ليس بمشيئتي ولكن بمشيئة الله، ولا بأس أن يؤكد أي أمر وقع بكلمة (إن شاء الله) ويقصد بها أنه تحقق ووقع بمشيئة الله جل وعلا، وعلى هذا جاء في القرآن قول الله جل وعلا ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾[يوسف:99]، بعد أن دخلوا، وكقوله جل وعلا ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾[الفتح:27].
بالمناسبة بتعليق المشيئة: الكلمة المعروفة التي تروى عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لما حض الناس على جهاد التتر وقال: إنكم منصورون. فقال: له أحد القضاة قل إن شاء الله. قال: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا؛ يعني أنتم منصورون والنص بمشيئة الله يتحقق، وهذا لأجل أن الله جل وعلا وعد عباده ووعده حق أن ينصرهم ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾[غافر:59]، وقال جل وعلا ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾[المجادلة:21]، وقال سبحانه ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ(171)إِنَّهُم لَهُمْ الْمَنصُورُونَ(172)وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ﴾[الصافات:171-173]، ونحو ذلك من الأدلة.
س4/ ما حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المكروهات وترك المستحبات، مثل أن يترك الإنسان النوافل بعد الصلاة، فإذا حاجه أحد قال: هذا بقضاء الله وقدره؟
ج/ القدر لا يجوز الاحتجاج به على المعايب، فإذا كان لإنسان فعل فيه عيب من ترك فريضة أو فعل محرم، أو من ترك نافلة أو فعل مكروه، فإنه لا يجوز أن يحتج على ذلك بالقدر.
وإنما يجوز الاحتجاج بالقدر على المصايب؛ إذا أصيب الإنسان بمصيبة علق ذلك بقدر الله جل وعلا؛ لأنه بتعليقه للقدر تطمئن النفس ويكمل الإيمان والهدى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾[التغابن:11]، ما شاء الله كان، قدر الله وما شاء فعل، هذا في المصائب.
أما في المعايب فإن هذا من وسائل الشيطان؛ لأن الاحتجاج بالقدر على المعايب ليس فيه في الحقيقة حجة بل حجة على صاحبه الذي احتج به؛ لأن الإنسان مخير هل يعمل هذا أو يعمل الأمر الثاني؟ فكونه اختار أحد الأمرين بإرادته التي توجهت إلى أحد الأمرين، وبقدرته التي توجهت إلى أحد الأمرين، فإن احتجاجه بالقدر حينئذ احتجاج للخروج من التبعة؛ لأنه كان عنده إرادة، ولو صح الاحتجاج بالقدر في المعايب ما بقي معنى للتشريع ولا للحساب؛ لأنّ وهذا هو معنى قول الجبرية.
س5/ ما الفرق بين معجزات الأنبياء ومعجزة القرآن؟ وهل معجزات للأنبياء معجزة بنفسها كالقرآن أم لا؟
ج/ معجزات الأنبياء ومنها معجزات المصطفي صلى الله عليه وسلم، ذكرنا لكم أنها آيات وبراهين ودلائل، ولفظ المعجزة لفظ حادث، ولهذا تارة يقع الإشكال في توجيه بعض الأمور؛ لأنه يُنتقل من استعمال العلماء لها في أحد معانيها أو في كثير من معانيها إلى أن تُجعل حقيقة شرعية عامة، وهذا يُنتبه له، فإن كلام العلماء تقرير للحقائق فإذا كان الاستعمال الاصطلاحي جعل الألفاظ لم يأت في القرآن ولا في السنة فينبغي أن يجعل بقدره، وألا يزاد على ما استعملوه فيه، فلهذا لفظ المعجزة -كما ذكرنا لكم- لم يأتي في القرآن ولا في السنة، وإنما فهم ذلك فهما وهذا الفهم صحيح إذا قدر بقدره الشرعي ولم يُنتقل عنه إلى ما لم يأت به دليل.
ولهذا نقول آيات الأنبياء والبراهين الدالة على صحة رسالاتهم وعلى أنهم مرسلون من عند الله وأن ما جاؤوا به حق، هذه كلها دليل صدقها في نفسها؛ لأنها شيء خارج عن قدرة الإنس والجن في ذلك الزمان جميعا، فكل معجزة، كل آية، كل برهان، اقترن بدعوى النبوة فهو خارج عن قدرة الإنس والجن جميعا، في النبي محمد عليه الصلاة والسلام وفي جميع الأنبياء والمرسلين؛ لأننا نقول إنَّ كل نبي يخاطب به؛ يعني يخاطب برسالته الإنس الذين بعث فيهم وكذلك يخاطب برسالته من سمع برسالته من الجن، ولهذا يقع الإعجاز وتقع الحجة بأن تكون الآية والبرهان خارجا عن مقدور الإنس والجن جميعا.
وهذا هو في آيات وبراهين الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، وكذلك القرآن، فكلها آية وبرهان حجته في نفسه قاطع في نفسه لمعارضة المعترض.
وتدبر هذا في جميع الآيات التي أوتيها الأنبياء والمرسلون عليهم صلوات الله وسلامه.
نكتفي بهذا. اقرأ

 والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ، بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفيَّةٍ، كما نَطق به كتابُ ربِّنا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]، وتَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ.
وكلُّ ما جاءَ في ذَلك مِنَ الحديث الصَّحيح عَن الرسولِ صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، وَمَعناهُ على ما أراد، لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا، فإنَّهُ مَا سَلِم في دينه إلاَّ مَنْ سَلَّمَ لله عَزَّ وَجَلَّ ولرسُولِه صلى الله عليه وسلم، وردَّ علْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ.
[الشرح]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
اللهم نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ودعاء مسموعا.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا، يا أرحم الراحمين.
قال الطحاوي رحمه الله تعالى (والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ، بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفيَّةٍ، كما نَطق به كتابُ ربِّنا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]، وتَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ، وكلُّ ما جاءَ في ذَلك مِنَ الحديث الصَّحيح عَن الرسولِ صلى الله عليه وسلم فهو كما قال، وَمَعناهُ على ما أراد، لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا) هذه المسألة مسألة عظيمة جدا، فهي مسألة رؤية الرب جل وعلا في الجنة.
ورؤية الله جل جلاله في جنات النعيم هي أعلا ما يلتذُّ به أهل الجنة، فأهل الجنة أعلا نعيمهم رؤية الله جل وعلا، وذلك لأنه منتهى الجمال؛ ولأنّ في الرؤية الرضا، ولأنّ في الرؤية الإكرام، ولأنّ في الرؤية صلاح القلب برؤية محبوبه جل وعلا، وكل أنواع الجمال التي يتعلق بها المتعلقون إنما هي بعض جمال صفات الرب جل وعلا؛ يعني أنها [تبهر] من جمال الصفات، كما أن رحمة الله جل وعلا منها جزء يتراحم به الناس، وكذلك جمال الحق جل وعلا في ذاته وصفاته وأفعاله من جماله أفاض على هذا الوجود، فصارت الأشياء جميلة لما أفاض عليها جل وعلا من جماله سبحانه وتعالى، كما قال ابن القيم رحمه الله:
وهو الجميل على الحقيقة كيف لا وجمال سائر هذه الأكوان
من بعض آثار الجميل فربهـا أولى وأجدر عند ذي العرفان
فكل جمال يطمع إليه الطامع...... مخلوقات الدنيا أو........
عند الرؤية والتلذذ بمن أصاب ذلك........
قال بعض أهل العلم: أن الرؤية هي التي شمر إليها المشمرون. فإذا كانت الجنة غاية في تشمير المشمر وفي تعبد العابد، فإن أعلى نعيم الجنة وأعظم نعيم الجنة أن يرى المؤمنون ربهم جل وعلا، كما قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]، نظرت إلى الرحمان فاكتسبت الوجوه نظرة وجمالا وبهاء وحسنى تبارك ربنا وتعالى.
قال(والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ) يعني أن الرؤية ثابتة، وهي حق لا مِرْيَة فيه، ولا [.....] وهي حق لأهل الجنة فأهل الجنة يرون ربهم جل وعلا ويتلذذون بذلك النعيم.
قال(بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفيَّةٍ) فنفى الإحاطة؛ لأنّ رؤية الله جل وعلا لا يمكن أن تكون بإحاطة للمرء، كما قال سبحانه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الأنعام:103]، فرؤية الله جل وعلا رؤية عيان؛ لكن لا يمكن أن يحاط بالله جل وعلا رؤية كما لا يمكن أن يحاط بالله جل وعلا علما ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾[طه:110]، ولكن أهل العلم بالله جل وعلا ثابت، وكذلك الرؤية لا يحاط بها فلا تُدرك؛ لا تدرك الرب جل وعلا الأبصار، لا تدركه الأبصار، ولكن أصل الرؤية موجود.
فالمنفي إذن في الآيات الإحاطة، وهذا ليس في الرؤية وحدها لكن في كل صفات الله جل وعلا؛ فإن الله سبحانه بذاته وبصفاته لا يحاط به علما ولا يحاط بالله جل وعلا إدراكا ورؤية.
قال (ولا كَيْفيَّةٍ) يعني لا تُكيَّف رؤية الناس لربهم جل وعلا؛ إنّما هي حق على ما جاء في الأدلة، والكيفية منفية؛ لأن رؤية الناس لله جل وعلا -يعني بالناس المؤمنين بالجنة- فإن رؤية المؤمنين لله جل وعلا للجنة تبع لصفاته، وصفات الرب جل وعلا لا تعرف كيفيتها، فرؤية الرائي للرب جل وعلا في دار النعيم الخلود والسعادة ليست رؤية إحاطة ولا تكيف بكيفية؛ لأن الله جل وعلا في علوه لا يعلم كيف ذلك؛ ولأن الله جل وعلا في رؤية الخلق في رؤية المؤمنين إليه لا تعلم كيفية ذلك؛ ولأن الله جل وعلا [....] الحجاب الذي يحجبه عن رؤية الخلق لا تعلم كيفية ذلك، فربنا أعلى وأعظم مما يدور في الذهن أو مما يحوم عليه الخاطر أو يتوهمه المتوهم.
فلذلك نثبت الرؤية دون نظر فيه، كيف تكون هذه الرؤية، لكنها رؤية بالعيان رؤية بالعينين ليست رؤية قلب، وإنما هي رؤية عينين، كما سيأتي ذلك في الأدلة.
وكما استدل المصنف رحمه الله بقوله (كما نَطق به كتابُ ربِّنا) ذكرنا لكم أن هذا من الذي استعمله أهل العلم كثيرا أن ينسب القول والنطق والكلام للقرآن يعنون بذلك من تكلم به وهو الرب جل وعلا، فقوله (كما نَطق به كتابُ ربِّنا) لا بأس به ويستعمله كثير من أهل العلم بما فيهم المحققين والأئمة.
قال جل وعلا (﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]) هذه الآية فيها إثبات رؤية أهل الجنة للرب جل وعلا، وأن وجوه من رأى الرب جل وعلا ستكون (نَاضِرَةٌ) يعني حسنة بهية تعلوها النُّضرة والنَّضرة، كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام بقوله «نضّر الله وجه امرئ »أو قال «نضّر الله امرَأً –امرؤا- سمع مقالتي فأداها كما سمعها» الحديث، دعا له بنضارة الوجه يعني بالحسن والبهاء والزينة والجمال وهذا إنما لأهل الإيمان.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ) يعني يوم القيامة تلك الوجوه ناضرة حسنة بهية، وتلك الوجوه (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ناظرة إلى الرب جل وعلا؛ يعني رائية ربها جل وعلا، تنظر الوجوه إلى الرب جل وعلا، ووجه استشهاد المصنف بهذه الآية، آية سورة القيامة من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن النظر عُدِّي بـ(إِلَى)، وتعدية النظر بـ(إِلَى) تفيد أن معناه الرؤية -كما سيأتي بيان ذلك في مسائل-، قال ناظرة إلى ربها، وناظرة والنظر يأتي بمعاني فإذا عدي بـ(إِلَى) كان المراد الرؤية.
الوجه الثاني: أنه جعل النظر إلى الرب جل وعلا مضافا على الوجوه، فجعل الوجوه هي التي تنظر إلى ربها، قال(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فالوجوه ناظرة إلى ربها، ومحل الرؤية والنظر في الوجه هو العينان.
الوجه الثالث: أنه قال(يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ)، والنضرة: وهي الحسن والبهاء والسرور و[...] الذي يعلو الوجوه والاطمئنان، هذا إنما يكون بالرؤية لأنها من تمام نعيم اللذة، لا من الانتظار الذي لا يدرى هل بعده نعيم أم بعده غير ذلك؟ فكون الأوجه بالنظر صارت ناضرة يعني حسنة بهية دلّ على أن هذا إنما هو الرؤية لأنه أثر الرؤية، وأما مجرد الانتظار وليس كل منتظر للرب جل وعلا يُنضَّر وجهه، بل من المنتظر من يكركر في جهنم والعياذ بالله.
وسيأتي مزيد بيان أوجه الاستدلال في المسائل إن شاء الله تعالى.
قال(وتَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ)، (تَفْسيرُهُ) يعني تفسير النظر إلى الرب جل وعلا (عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ)، التفسير هنا يراد به أحد نوعي التفسير:
وذلك أنه جعل الرؤية حق ونفى في الرؤية التي هي حق ويثبتها: الإحاطة والكيفية، فدل على أنه يثبت معنى الرؤية الذي يعلمه السامع للكلام من ظاهر الكلام، فلما نفى الإحاطة والكيفية دل على أن قوله (والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ) أن الرؤية على ظاهرها، وهذا هو المعنى الأول للأشياء، هو المعنى المتبادر للذهن في الصفات، نقول على ما يتبادر إلى الذهن، فصفة الرحمة معروفة، صفة الكلام معروف إلى آخره.
والنوع الثاني من التفسير هو تفسير لتمام المعنى وللكيفية، فإن تمام المعنى والكيفية لا يعلمها إلا الله جل وعلا، كما قال سبحانه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾[آل عمران:7]، على من وقف هنا فأراد بالتعليل الذي هو التفسير تمام لمعنى والكيفية.
فإذن تفسير النظر إلى وجه الله الكريم، تفسير النظر إلى الرب الكريم جل وعلا لتمام معناه لا نعلمه، تفسيره على ما أراده الله جل وعلا هو حق، وتمام المعنى لا نعلمه كيف ذاك، هل كيف تعطى العيون القدرة، النبي عليه الصلاة والسلام قيل له: أرأيت ربك؟ قال «نُورٌ أَنّىَ أَرَاهُ»؟ وقال «رَأَيْتُ نُوراً» كما في الصحيح من قول أبي ذر، وموسى عليه السلام سأل ربه قال ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾[الأعراف:143]، قال طائفة من السلف: كشف الله جل وعلا من الحجاب قدر هذه؛ أنملة واحدة، فساح الجبل، فردت الرؤية على موسى لأنه لن يقدر على ذلك.
وكذلك قال عليه الصلاة والسلام «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».
فإذن الناس ليس لديهم القدرة على الرؤية، فكيف تكون عندهم القدرة على الرؤية؟ وكيف تكون قواهم؟ وكيف تكون قدرهم؟ وكيف يُعطون؟ وعلى أي حال تكون الرؤية وتفسير ذلك على تمام معناه؟ هذا كله لا يعلم كما قال (تَفْسيرُهُ) يعني بتمام معناه لما يزيد على إثبات الرؤية وأنها حق على ما أراد الله تعالى وعلمه، لا ندخل في ذلك متأولين ولا متوهمين، كما ذكر بعد ذلك.
وهذه الكلمة تشبه ما ذكره ابن قدامة وغيره عن الإمام أحمد وعن الإمام الشافعي في الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الصفات؛ صفات الرب جل وعلا، أنهم قالوا: أمروها كما جاءت لا كيف ولا معنى. وهذه استدل بها بعض أهل التأويل على أنهم يعني الإمامين يعنون بذلك التأويل، لا كيف فلا نكيف الصفات، ولا معنى لا نثبت المعنى بل نفوض المعنى والكيفية، وهذا ليس بمراد، بل المراد من قولهم لا كيف ولا معنى أن إمرار الصفات كما جاءت معناه إثبات الصفات على ما دل عليه ظاهر الكلام؛ لأن الصفة لا تثبتها إلا بما دل عليه ظاهر الكلام، ونفي الكيفية عن الصفة يعني الكيفية التي نحى إليها المجسمة، ونفي المعنى بقولهم لا كيف ولا معنى؛ يعني المعنى الذي ذهب إليه المؤولة الذي يخالف ظاهر الكلام، ويخالف الإمرار كما جاءت، فإذا الإمرار كما جاءت بما يفهم، فمن كيَّف فقد صار مجسما أو صار مكيفا، ومن تأول المعنى فقد دخل بالكلام بما يخرج اللفظ عن ظاهره.
لهذا قول القائل لا كيف ولا معنى؛ يعني لا كيف كما يقول المجسمة ولا معنى كما يقول المؤولة بما يخرج تلك الآيات والأحاديث عن ظاهرها المتبادر منها من إثبات صفات الرب جل وعلا والأمور الغيبية بعامة، وهذا كما قال هنا (تَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ).
قال (وكلُّ ما جاءَ في ذَلك مِنَ الحديث الصَّحيح عَن الرسولِ صلى الله عليه وسلم فهو كما قال) وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا بالتواتر؛ عُدَّ ذلك متواترا في أكثر من عشرين حديثا جاءت عن المصطفي صلى الله عليه وسلم في إثبات الرؤية، بأحاديث متنوعة، مختلفة في ألفاظها وفي طرقها عن عدد كبير من الصحابة، فهي متواترة، ولهذا كفّر طائفة من أهل السنة من أنكر رؤية الرب جل وعلا لأنه إنكار للمتواتر من القرآن وللمتواتر من سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
قال (فهو كما قال، وَمَعناهُ على ما أراد، لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا)، (نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا) يعني نُخرج هذا الظاهر بتأويل، (ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا) بما يجعل للرؤية كيفية معينة، فنُثبت الرؤية بكيفية أو لأجل الكيفية ننفي الرؤية كما ذهب إليه المعتزلة وكما ذهب إليه المجسمة، فالمعتزلة و[...] ظنوا أن الرؤية تكون بكيفية فنفوا، والمجسمة توهموا أن الرؤية تكون بكيفية فأثبتوها على تلك الكيفية.
إذا تبين لك هذا المعنى لك الآن لكلام الماتن رحمه الله تعالى فبهذه المسألة العظيمة مسألة الرؤية مسائل:
المسألة الأولى: أنّ المؤمن بتعلقه بربه جل وعلا في عبادته سبحانه بأنواع العبادة القلبية والعملية يرى أنّ الإنعام عليه بأن يكون من أهل الجنة هذا أعظم إنعام؛ لأن من دخل الجنة قد رضي الله عنه ومتعه بملاذّها و[....] وأفاض عليه الزيادة وهي رؤية وجه الله الكريم، ومن أحب تعلق بالمحبوب، وإذا تعلق القلب بالمحبوب لم يهدأ له بال ولم يقر له قرار حتى يلقى محبوبه راضيا عنه متمتعا بلذة النظر إليه ومحادثته وتحيته، كما قال سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43)تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾[الأحزاب:43-44]، وهذا أعلى أنواع التمتع، والقلب إذا خشع لله جل وعلا وتلذذ بتلاوة القرآن وبالصلاة، وعلم أن هذه من اللذات الحاضرة التي هي التلاوة والصلاة، فكيف بأعظم اللذات وهو رؤية الرب جل وعلا؟ وهي الغاية كما ذكر العلماء التي شمر إليها المشمرون، الذين تعلقت قلوبهم بالرب جل وعلا.
المسألة الثانية: أن أهل السنة والجماعة جعلوا الرؤية حق، والرؤية بالعينين، وهذه الرؤية جاءت فيها آيات كثيرة وأحاديث متواترة عنه عليه الصلاة والسلام، وأجمع أهل التفسير من الصحابة والتابعين على القول بالرؤية، ولم ينكرها أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم.
ومن الأدلة على أن الرؤية حق قول الله جل وعلا ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:103]، وقوله جل وعلا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾[يونس:26]، وقوله جل وعلا ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾،( ) وقوله جل وعلا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]، وقوله جل وعلا عن الكفار ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾[المطففين:15]، وقوله جل وعلا ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾[ق:35]، ونحو ذلك من الأدلة.
وكذلك الأدلة التي فيها لقاء الله جل وعلا كلها صالحة للاحتجاج بها على رؤية الله سبحانه، كقوله سبحانه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف:110]، فسرها طائفة من العلماء من السلف فمن بعدهم بأن لقاء الله هي رؤيته وهو المعروف لغة، وكذلك في قوله جل وعلا ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾[الأحزاب:44] قال ثعلب -وهو من علماء اللغة المبرزين العارفين-: أجمع أهل اللغة –قال: أجمع أهل اللغة- على أن لِلُّقْيَا هاهنا هي الرؤية، وذلك لأنه لا يمكن الملاقاة والتحية والخطاب باللغة إلا برؤية.
والأدلة على ذلك متنوعة، في كل دليل فيه ذكر الرؤية لله جل وعلا أو فيه ذكر اللقاء، أو ما فسر بالسنة برؤية الله جل وعلا.
وأما من سنة النبي عليه الصلاة والسلام فكما ذكرت لكم الأدلة كثيرة جدا بلغت مبلغ التواتر، فمنها قوله عليه الصلاة والسلام «إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ يوم القيامة كَمَا تَرَوْنَ البدر ليلة التمام لاَ تُضَامّونَ فِي رُؤْيَتِهِ».
والحديث الآخر قال فيه عليه الصلاة والسلام «هل تَرَوْنَ الشمس في وسط النهار، هل تُضَامّونَ فيها؟» قالوا: لا. قال «هل تَرَوْنَ القمر ليلة الْبَدْرِ، هل تُضَامّونَ فيه؟» قالوا: لا. قال «فإِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كما تَرَوْنَ الشمس وسط الظهيرة لا تُضَامّونَ فيها وكما تَرَوْنَ القمر ليلة التمام لا تُضَامّونَ فيه».
وفيه أيضا قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم في الصحيح في تفسير قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾[يونس:26]، من حديث صهيب رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام في حديث طويل «الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم».
وأيضا في الباب قوله عليه الصلاة والسلام في وصف الجنة «جنتان من ذهب وما فيهما، وجنتان من فضة وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا أن يكشف الحجاب».
نسأل الله سبحانه المنّ والكرم لرؤيته جل وعلا، وأن يغفر ذنوبنا وآثامنا، وأن نلقاه وهو راض عنا، سبحانه إنه جواد كريم.
هذه الآيات والأحاديث فيها تقرير لقول أهل السنة واضح الدلالة، ولا نخوض في ذلك بتقرير الأوجه اللغوية لما ذكر؛ لأن [...] وشواهدها بلغت مبلغ القطع في هذه المسألة حيث إن المسالة ليست بخفية حتى قال الإمام أحمد لمن قال له عن فلانا ينفي الرؤية قال: كافر، كافر. لأن هذه لا تحتمل التأويل، وليس فيها ثَم شبهة.
المسألة الثالثة: أن قول أهل السنة في الرؤية؛ أن الرؤية حق لأهل الجنة وللمؤمنين في عرصات القيامة.
والرؤية التي للمؤمنين هو رؤية سرور وتلذذ وإكرام، واختلف أهل السنة في رؤية الله جل وعلا في الموقف:
 هل هي للمؤمنين وحدهم.
 أم للمؤمنين والمنافقين.
 أم للناس جميعا.
على ثلاثة أقوال، وكل القوال في مذهب أهل السنة؛ يعني قال بها طائفة، وكما قال الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: إن الخلاف في هذه المسألة -يعني هل يرى الكفار ربهم يوم القيامة أو لا يرونه؟ هل يراه المنافقون أو لا يرونه؟- لا ينبغي أن تكون من المسائل التي يشدد فيها الخلاف؛ بل الأمر فيها خفي. هذا نص عبارته.
والمذاهب فيها كما ذكرت لكم ثلاثة، وجمهور أهل السنة والحديث على أن الرؤية للمؤمنين في عرصات القيامة، وقال طائفة.... ( )
.....للمؤمنين والمنافقين والكفار، واستدلوا على أن الكافر يُحجب، استدلوا على ذلك بأن الكافر يحجب ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾[المطففين:15]، قالوا: فكونه حجب يومئذ دل على أنه قبل ذلك لم يكن محجوبا؛ لأن الكلام في الآخرة، وأما في الدنيا فالكل محجوب عن رؤية الرب جل وعلا.
وهذه الأقوال جمعت النظر في الرؤية، ويبقى أن رؤية الرب جل وعلا نوعان:
رؤية إكرام ولذة ونعيم وإنعام و[...] وسرور، وهذه للمؤمنين في الجنة وللمؤمنين في عرصات القيامة، فهي من الطمأنينة لهم.
والنوع الثاني من الرؤية؛ رؤية حساب وتقرير وتعريف، فهذه هي التي يمكن أن يقال: إنها مرادة في حديث المنافقين فيما ثبت في الصحيح «أن الله جل وعلا يأتي الجنة وفيه المنافقون، ثم يأتيهم بغير الصورة التي رأوها من قبل، ثم يأمرهم بالسجود فلا يسجدون، فيقولون نحن هنا حتى يأتي ربنا، ثم بعد ذلك يكشف ربنا عن ساق، فيعرفونه فيسجد المؤمنون، ويبقى من لم يكن مخلصا في الدنيا فيعود ظهره طبقا واحدا» فهذا يدل على أنّ هذه الرؤية رؤية تعريف ورؤية استفتاح وهذا النوع من الرؤية لا ينبغي أن يكون الخلاف فيه؛ لأن الحديث دل عليه.
فإذن الرؤية التي نقول أنه أجمع أهل السنة على أنها للمؤمنين هي رؤية التنعم والتلذذ ، وكذلك رؤية التعريف.
وأما رؤية الله جل وعلا للتعريف والحساب فهذه كل يراه بحسب حاله فالله أعلم بكيفية ذلك وتفسيره.
أما الكفار فعامة أهل العلم إلا من شذَّ وقلَّ يقولون أن الكافر لا يرى الله جل وعلا لا رؤية تعريف ولا رؤية تلذذ من باب أولى؛ لأن الكافر محل العذاب والنكال، وأجابوا عن استدلالهم بقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾[المطففين:15]، بأن هذا استدلال بالمفهوم بمفهوم (يَوْمَئِذٍ)، (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) وهم محجوبون في الدنيا عن الرؤية وكذلك محجوبون في الآخرة عن الرؤية، وكلمة (يَوْمَئِذٍ)، ليس لها مفهوم كما قال جل وعلا ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾[الحاقة:17]، وكما في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾[التكاثر:8]، وفي آيات كثيرة علقت أشياء تحصل يوم القيامة بـ(يَوْمَئِذٍ)، وقد يكون جنسها أو بعض أطرافها يحصل في الدنيا إما في بالعموم أو بالخصوص.
المقصود من [ من هذا أن (يَوْمَئِذٍ)] ليس لها مفهوم، لا نفهم منه أنه حجبوا يومئذ فمعنى ذلك أنهم قبل ذلك [....يرونه....] ثم صاروا محجوبين، لكن توعدهم وبين ذلك بقوله.........
المسألة الرابعة: مذاهب الناس في الرؤية، المذاهب فيها متعددة -يعني المخالفة لمذهب أهل السنة- أشهرها مذهبان:
مذهب من منع الرؤية وتأول كل النصوص الواردة في ذلك: وهم المعتزلة، قبلهم الجهمية، والخوارج بعامة، والإمامية من الروافض؛ بل الروافض بعامة؛ لأن الزيدية ينكرون الرؤية، وهذا القول له حججه واستدلالاته ستأتي.
الثاني من أثبت الرؤية ولكن قال: الرؤية ليست إلى جهة، وإنما تكون إدراكا، وهذا هو قول الأشاعرة ومن نحى نحوهم. فردُّوا قول المعتزلة في أن الرؤية ممتنعة في إثباتها، ووافقوهم في أن ليس على العرش رب وأن الله سبحانه ليس في جهة؛ جهة العلو فقالوا الرؤية لا إلى جهة. فكيف تكون رؤية إذا وليس إلى جهة؟
أما قول المعتزلة والخوارج، ويُكثر هذا القول في زمننا هذا غلاة الروافض والزيدية والإباضية من الخوارج فيستدلون له، فمن أدلتهم قوله جل وعلا حينما سأل موسى عليه السلام الرؤية ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾[الأعراف:143]، إلى آخره، قالوا: وجه الاستدلال أنه نفى رؤية لله جل وعلا، والمرسلين أحق الناس بالرؤية، والنفي إذن يفيد التأبيد.
والجواب عن هذه الحجة التي أدلى بها أوائل المعتزلة من شابههم إلى يومنا هذا: أن النفي إذن في اللغة لا يفيد التأبيد، وإنما يفيد النفي المجرد، وأما من قال إنه يفيد التأبيد وهو الزمخشري في الكشاف وفي كتابه المفصل في النحو فإنه باطل، وردَّه ابن مالك في الكافية الشافية بقوله:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعبدا
ورده أيضا ابن هشام في أوضح المسالك قال: ولا تفيد تأبيد النفي خلافا لمن قاله.
ويدل على ذلك أن الله جل وعلا قال ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾[البقرة:95] يعني الموت، فقال (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) فنفى بالتأبيد بكلمة (أَبَدًا) وباستعمال (لَنْ) نفى التمني، وأثبت أنهم يتمنونه يوم القيامة قال جل وعلا ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾[الزخرف:77] يعني ليميتنا ربك قال (إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)، فدل على أن نفيه بـ(لَنْ) وبكلمة (أَبَدًا) لم يفد التأبيد المستغرق للدنيا والآخرة معا.
فإذن أفاد:
أولا: أن قوله (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) أن لما استعمل (أَبَدًا) دل على أن (لَنْ) لا تفيد التأبيد.
والثاني: على أن كلمة لن لم تفد التأبيد؛ لأنهم تمنوا الموت في الآخرة، فدلت على أنها تفيد النفي في الدنيا.
ومن أدلتهم أنهم قالوا: إن النظر في القرآن وفي اللغة يفيد الانتظار، وهو أصله، وليس أصل النظر الرؤية، فالآيات التي فيها ذكر النظر تفيد الانتظار، فقوله جل وعلا ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا﴾( ) يعني فهل ينتظرون، وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]؛ يعني منتظرة الفرج ويستدلون عليه بقول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمن يأتي بالفلاح
ناظرات إلى الرحمن، قالوا معناها منتظرات.
وهذا القول في الاستدلال بمعنى النظر والإتيان عليه بهذا الشاهد اللغوي، ليس على ما قالوا.
وذلك أن اللغة فيها أفعال تختلف في التعبير كثيرا جدا، فيكون للفعل معاني متعددة مختلفة بأنواع التعبير، ومنها فعل: انتظر ونظر، ومصدر ذلك اسم الفاعل ناظرا، وهكذا تبيين ذلك أن يقال أن كما وضحه [الشارح] وغيره من أهل اللغة أن كلمة النظر وما اشتق منها:
 تارة تتعدى بنفسها فيكون المعنى الانتظار؛ يعني تصل إلى المفعول بنفسها فيكون معناه الانتظار.
 وتارة تتعدى بـ(في) فيكون المعنى التفكر والاختبار.
 وتارة تتعدى بـ(إلى) فيكون المعنى الرؤية، وقد يكون مع الرؤية الانتظار بحسب السياق، ولكن لا يمكن أن تتعدى بـ(إلى) ويكون انتظارا بلا رؤية، لا يمكن، ولم يأتِ في أي شاهد في لغة العرب لا في القرآن ولا في السنة أن النظر يتعدى بـ(إلى) ويكون معناه الانتظار المجرد من الرؤية بل النظر إذا تعدى بـ(إلى) صار معناه الرؤية، وقد يكون على قلة مع الرؤية الانتظار، وهذا له نظائر في اللغة يطول الكلام ببيانها.
فإذن قوله جل وعلا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]، كونه عدّى اسم الفاعل (نَاظِرَةٌ) الذي يعمل عمل فعله عداه بـ(إِلَى) دل على معناه الرؤية، وكونه أضاف النظر إلى الرؤية التي هي الوجوه التي هي مكان الرؤية دلّ على أن الرؤية تكون بآلة في هذا الوصف وهي العينان.
من أدلتهم أيضا قوله جل وعلا ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾[الأنعام:103]، قالوا: فنفى الإدراكات، ونفي الإدراك مستلزم لانتفاء الرؤية.
والجواب أن هذا غلط كبير؛ لأن نفي الإدراك لا يستلزم انتفاء الرؤية، فإنه قد ترى الشيء ولا تدركه؛ يعني لا تحيط به، فهذه السماء نراها ولا أحد يدركها بأنه يرى السماء، ولو قلت لأي أحد يرى السماء: هل تدرك السماء رؤية وتحيط بها؟ فسيكون جواب كل أحدا: لا، يعني لا يدركها رؤية، وإنما يرى منها ما يمكنه أن يرى وكما قال جل وعلا ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)قَالَ كَلَّا﴾[الشعراء:61-62] ووجه الدلالة أنه نفى الإدراك، ومع نفي الإدراك أثبت الله جل وعلا الترائي وهو رؤية كل جمع لآخر فقال (فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ) هذا الجمع رأى الجمع وذاك الجمع رأى الجمع ومع ذلك (قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) فقال موسى (كَلَّا) يعني لن ندرك يعني لن يحاط بنا، فالإحاطة؛ نفي الإحاطة لا يستلزم أن تنفى الرؤية؛ بل نفي الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية نقيض ما قالوا، وهو الوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية، وهو أن نفي الإدراك ليس تماما، والقاعدة المعروفة أن كل نفي في القرآن فكماله بإثبات ضده، فربنا جل وعلا قال (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ)، وذلك لكمال سعته سبحانه وتعالى وكمال علوه وكمال استغناه عن خلقه، إلى غير ذلك من أسرار صفات الجلال للرب جل وعلا.
فلا يقال إنه لا يُدرك ويكون المراد كمالا إلا وأصل ذلك ثابتا، وهو أنه [...] يرى أو [...] الرؤية.
فمثال ذلك أنك لو قلتَ: إنني لم أر العقل، ولم أر الفهم، ولم أر القلب، ولم أر الإبصار، وهكذا الصفات ولم أر الرحمة، ولم أر الرأفة، إلى آخرها، فإن نفي هذه الرؤية ليس كمالا في أن هذه الأشياء تُرى، لأنك لو قلت في شيء إنك تراه أو لا تدركه رؤية فإنما يكون كمالا إذا كان في محل ما يمكن أن يرى، أما الأشياء التي لا ترى أصلا فإنه ليس من الكمال أن تنفي الرؤية عنها، فكونك تنفي الرؤية عن الرحمة لا يعد هذا كمالا في الرحمة، وإنما على هذا هكذا يجب وإنك تنفي الرؤية عن الإبصار والإدراك فلا يدل على كمال فيها.
فإذن دل نفي الإدراك عن الرب جل وعلا أن نفي الإدراك لأجل أنه عظيم جل وعلا فإنه يرى، ولكنه لا يُدرك.
والإدراك ينقسم على قسمين:
 إدراك برؤية
 وإدراك بعلم
والإدراك بعلم: نفاه الله جل وعلا بقوله سبحانه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾[طه:110].
وإدراك الرؤية: نفاه الله جل وعلا في هذه الآية.
وهذه الآية في إدراك الرؤية لا في إدراك العلم، دل عليه قوله بعد النفي ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الأنعام:103]، وقوله سبحانه (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) يعني يرى، وأبطل الإدراك بإدراك الأبصار لأن الأبصار هي محل نفي الإدراكات، فقال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾[الأنعام:103]، فلما قال (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) دلنا على أن المنفي هو إدراك الرؤية لا إدراك العلم.
الأدلة التي استدلوا بها متنوعة كثيرة، لا نشغلكم بها معروفة وهذه المسألة من أطول المسائل التي فيها الكلام، لكن دائما المؤمن أحق بالحجة من غيره، وفهم الحجة يكون بالأناة، تتأنى في فهم احتجاجنا بالسمع، فإننا -ولله الحمد- بتجرد لا نعلم مسألة قال فيها أهل السنة قولا واستندوا فيها إلى الأدلة، ويكون ثَم فيها شبهة لا في الأصول أصول صفات الرب جل وعلا ولا في الغيبيات بعامة؛ لأن قولهم مبرأ من الهوى، لا يأخذون متوهمين بأهوائهم ولا متأولين بآرائهم وعقولهم، وإنما يثبتون ما ثبت في الكتاب والسنة، وإنما هم مستمسكون بنصوص الوحي، كما سيأتي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
من العجيب أن الحجج عند المعتزلة يحتجون بما ذكرنا ويردون حجج أهل السنة على حسب أقوالهم بتفسير النظر كما قلنا بأنها ناظرة يعني منتظرة، إلى آخر ما ذكرت لكم.
لكنهم إذا [...] السنة والأحاديث من تفسير الآيات وفي إثبات الرؤية وهي بالغة مبلغ التواتر فإنهم يشرحون ولا يستطيعون حتى الإبانة عن وجه ربها يعني أنهم يقلقون ولا يحسنون إبانة ولا تفقه لهم قولا، وقد سمعت كلام بعضهم سمعته بأذني وقرأت كلام بعضهم أيضا يعني فما أحسنوا جوابا ولا خلصوا إلى قول يردون به الأدلة من السنة.
لهذا قال طائفة من المحققين من أهل السنة : إن تأويل نصوص المعاد والبعث والقبر والصراط والجنة والنار ونحو ذلك -يعني ما يحصل في عرصات يوم القيامة وما يحصل في السماء- أسهل بكثير من تأويل آيات وأحاديث الرؤية؛ لأنها بلغت مبلغ التواتر وأكدت بأنواع من التأكيدات، وعرضت بأنواع من البيان بما يقطع معه السامع أن المراد بها ظاهرها على حقيقتها حتى عند قول من يجيز القول بالمجاز أو التأويل الذي [...] إليه[...]، فإن هذه لا يمكن أن يجري عليها ما يجري على غيرها [...].
فإذن الحجة فيها قوية وقاطعة وإنما هو الهوى، نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية، ولكن يجب على المؤمن الموحد أن يعلم الأدلة ووجه الحجة حتى يدلي بحجته في تلك المسائل.
أما قول الأشاعرة في المسألة وهو أنهم قالوا يرى إدراكا لا إلى جهة فإنه عجيب، فإن قول المعتزلة بنفي الرؤية أقرب إلى العقل؛ يعني إلى عقل وفهم السامع، خلافا لقول الشارح أن قول الأشاعرة أقرب إلى العقل من قول من نفاه؛ بل الحقيقة العكس، من نفى الرؤية وأنه لا يثبت العلو قال ما دام أننا لا نثبت العلو فالرؤية لا يمكن أن تكون إلا لجهة، الإنسان كيف يرى؟ لابد على جهة يراه، أما يرى شيئا ليس أمامه ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله وليس بأعلى منه ولا أسفل منه فكيف يراه؟ وأين يراه؟ لاشك أن هذا العقل يرده.
ولهذا نقول قول الأشاعرة إنه يرى لا إلى جهة يعني لا يرى في جهة العلو ويرى إدراكا، فإن هذا ليس إثباتا للرؤية بل هو غير مقبول عقلا ولا وقبول سمعا، والواجب إثبات النصوص التي جاء فيها ذلك وإثبات ما دلت عليه من أن الرؤية تكون على ما أخبر الله جل وعلا، وأن الله سبحانه يطَّلع إلى أهل الجنة وأنه يكشف الحجاب فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى الرب جل وعلا، وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، وأن عرش الرحمن فوق الجنة؛ يعني سقف الجنة، وهذا في أدلة كثيرة.
فمن نفى علو الرحمن جل وعلا وقال هو –سبحانه- في كل مكان، فكيف يقبل إثباته للرؤية؟ لاشك أن قول الأشاعرة عجيب وليس لهم حجة من جهة سمعية ولا من جهة عقلية، إلا شيئا واحدا وهو أنهم أبطلوا: نفي علو الله جل وعلا؛ وأنّه سبحانه في كل مكان. وفرعوا عليه أن الرؤية ما جاءت فيها الأدلة قالوا يرى لا على جهة وهذا باطل.
المسألة الخامسة: أن رؤية المؤمنين في الجنة لربهم جل وعلا عامة في الإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضا، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾[الرعد:23-24]، فالملائكة في الجنة يعني طائفة من أهل الجنة، وفي الجنة المؤمنون من الجن والإنس من الرجال والنساء، ولم يدلَّ دليل على اختصاص الرؤية بالرجال دون النساء ولا على اختصاص الرؤية بالإنس دون الجن، وهذه فيها أقوال:
فمن أهل العلم من قال: إن الرؤية للإنس دون الجن، وهذا خلاف الصواب كما ذكرنا؛ لأن الآيات عامة في الرؤية في كل الناس فمن دخل الجنة رآه.
قال طائفة أيضا من أهل العلم: إن الرؤية للرجال دون النساء، واستدلوا على ذلك بقوله جل وعلا ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾[الرحمن:72] وأن القصر في الخيام يدل على......... وأنَّ الاستدلال بالآية....... وأن الآية في الحور، والحور خلق ....... لأن الله جل وعلا قال ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾[يس:56]........
لهذا نقول غلط من قال إن الرؤية للرجال دون النساء، فالنساء يرون ربهم جل وعلا كما يراه الرجال؛ لأنهم مكلفون متعبدون، والنعيم عام للإنسان الذي يدخل الجنة من الرجال والنساء، نسأل الله الكريم من فضله.
المسألة السادسة: رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه، وهل حين المعراج رأى ربه أم لا؟
اختلف فيها أهل العلم على أقوال:
القول الأول: من ينفي رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لربه جل وعلا؛ يعني بالعين.
القول الثاني: من يثبت الرؤية إما بالقلب أو بالعينين.
والقول الثالث: التوقف.
والتوقف لا ينبغي أن يكون قولا؛ لكن هكذا قيل.
أما القول الأول: وهو أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لم ير ربه، فهذا هو القول الذي عليه الجماهير، ولما قال مسحوق لعائشة رضي الله عنها: إن قوما يقولون إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى ربه. فقالت عائشة: لقد قَفّ شَعْرِي -يعني وقف شعري- مما قلتَ، هذا مما يدل على تعظيم الصحابة لربهم جل وعلا، وأنهم قدروه سبحانه حق قدره، وأن منزلة النبي عليه الصلاة والسلام في قلوبهم مهما علت وعظمت فإنه يعلمون عظمة الرب جل وعلا وعظيم صفاته سبحانه وتعالى، قالت: لقد قَفّ شَعْرِي مما قلت، من زعم أَنّ مُحمداً عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ رَأَى رَبّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ على الله الفِرْيَةَ.
وفي حديث أبي ذر عند مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل فقيل له: هَلْ رَأَيْتَ رَبّكَ؟ قال «رَأَيْتُ نُوراً»، وفي الرواية الأخرى «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»؟ قوله (رَأَيْتُ نُوراً) يعني الحجاب، فإن الله جل وعلا نور وحجابه نور، (رَأَيْتُ نُوراً) يعني رأيت حجابا، ولم ير الرب جل وعلا، ولهذا في الرواية الثانية قال (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)؟ يعني ثَم نور حاجب فكيف أراه؟ وهذا هو الصحيح في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام لم يرى ربه؛ بل لا يرى أحد ربه بعينيه في الدنيا.
وأما من قال إن محمدا عليه الصلاة والسلام رأى ربه بعينيه أو بقلبه وهو قول ابن عباس وفئة قليلة من الناس، فهذا بناء على آية في سورة النجم، والاستدلال بها به نظر.
أما قول التوقف فلا يصلح؛ لأن الحديث دال على نفي الرؤية مع كلام عائشة رضي الله عنها.
نكتفي بهذا القدر، وثَم مسائل كثيرة في رؤية الله جل وعلا نرجئها أو نطويها، والمسألة من أراد المزيد فيها أن يراجعها في مظانها.
نسأل الله سبحانه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.( )

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
سنجيب على بعض الأسئلة بين يدي الدرس.
س1/ سؤال يقول: هل يجب على طالب العلم أن لا يُحَدِّث بحديث عن الرسول r إلا عالما صحته ودرجته ومن خرجه، وكذلك الآثار عن السلف؟
ج/ الجواب أن هذا لا يلزم فإذا سمع بحديث أو قرأه في كتاب، سمعه من مأمون من عالم، أو قرأه في كتاب عالم يوثق به فإن له أن يحدث بذلك وإن كان لا يدري [من حدَّث به] جاء في الحديث ونحو ذلك، والآثار أسهل من الأحاديث يعني الآثار عن الصحابة أو عن السلف أو الأحاديث المرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكن ينبغي لطالب العلم أن يجزم بحديث وهو لا يعلم صحته؛ يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وهو لا يعلم صحته؛ يعني لا ينسب له قولا -للنبي عليه الصلاة والسلام- أما إذا قال جاء في الحديث، ذكر العالم الفلاني الحديث كذا وكذا، أو في الأثر، فهذا لا بأس به جرى سنة أهل العلم، يقولون وفي الحديث كذا أو يُروى كذا وهذا لا بأس به.
وفي أحد الرسائل التي أرسلها إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لأحد علماء عصره، وذكر فيها حديثا يعني ذكر المرسل إليه حديثا فأجاب الشيخ محمد رحمه الله بقوله: إن المرء أو طالب العلم لا ينبغي له أن يجزم بنسبة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يكون متثبتا في ذلك؛ لأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد. بل يقول يُذكر أو يُروى رواة الحديث، وذكر أن التثبت والإسناد أولى.
س2/ يقول ذكر العلماء أن لفظ الجلالة أصله إله فأدخلت الألف واللام وقلبت الهمزة وأدغمت اللام في التي تليها، والسؤال: ألا يتنافى هذا مع كون أسماء الله عظيمة؟
ج/ لفظ الجلالة واسم الله: الله اختلف العلماء فيه؛ هل هو مشتق أم هو غير مشتق؟ والخلاف الوسع.
والذي يرجحه جمع كثير من المحققين وهو المعتمد عند أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى أن لفظ الجلالة مشتق، ومعنى كونه مشتقا أن اسم الله دال على المعبود بحق دلالة مطابقة؛ يعني أنَّ كلمة الله أصلها الإله والإله هو المعبود.
وأما الذي يقول أنه ليس بمشتق فيقول إن الله علم على الذات -ذات الرب جل وعلا- وليست فيه معنى.
والقاعدة عامة عندنا أن اللغة في الأسماء لابد أن تكون دالة على معاني، الاسم يكون دال على معنى، أسماء الله الحسنى دالة على معاني فيها، فليس ثَم اسم ليس له دلالة على معنى، والدلالة على المعنى تارة تكون دلالة جامدة وتارة تكون دلالة مشتقة.
وهذا اسم الله الأعظم أو اسم الله (الله) لفظ الجلالة العظيم هذا مشتق من إله؛ لأن العرب تُسهل في مثل هذا كثيرا.
والبحث فيه بحث نحوي وصرفي أَكْثَرَ العلماء منه.
المقصود منه -من الجواب- أن اسم الله مشتق ولا ينافي من هذا تعظيم لفظ الجلالة؛ لأننا كما نقول إن الجبار يتنوع إلى عدة معاني أو يدل على عدة معاني ومشتق من كذا واسم الله العظيم مشتق واسم الرحمن مشتق من الرحمة، وهكذا.
فالذين يقولون إن الاشتقاق ينافي التعظيم هذا ينخرم الكلام فيما أوردوه بجميع الأسماء الحسنى، فأسماء الله الحسنى كلها مشتقة، واسم الله مشتق من الألوهة وهي العبادة؛ لأن الله عَلَمٌ على المعبود بحق.
.. هذا بحث آخر؛ يعني هل تظن أن أسماء الله جل وعلا هي قبل اللغات؟ لا، اللغات دالة على أسماء الله جل وعلا وصفاته، كما تدل اللغات على أشياء أخر، ولا يعني أنها مواضعة؛ أنَّ الناس اصطلحوا عليها، ليس كذلك؛ لأن الله جل وعلا علم آدم الأسماء كلها، فالأسماء ومن ضمنها أسماء الله جل وعلا معلمة، وكذلك في اللغات دلالة الكلمة على أنها اسم من أسماء الله هذا بالتعليم، وليس العباد الذين يضعون أسماء لله جل وعلا، فهذا لا يعني أن أسماء الله جل وعلا بالمواضعة؛ يعني بالاصطلاح، الناس وضعوها واشتقوا هذا من هذا إلى آخره، يعني أنهم هم الذين فعلوا ذلك، لا، أسماء الله جل وعلا، الله سبحانه لم يزل له الأسماء الحسنى والصفات العلا قبل أن يخلق الخلق.
.. هذا على كل حال بحث لغوي طويل، لا أظن يسع مثل هذا المقام أن يُفَصَّل فيه، اللغات في نشأتها، كيف نشأت اللغات؟ اللغة العربية كيف نشأت؟ هل آدم عليه السلام كان يتكلم باللغة العربية؟ ما قبل إبراهيم عليه السلام هل كان يتكلم باللغة العربية؟ نوح عليه السلام هل كان يتكلم باللغة العربية؟
الله جل وعلا جعل من آياته اختلاف الألسن، أنواع، فأصل اللغات أسماء علمها ربُّنا جل وعلا آدم، ثم حصل هناك من الاشتقاق لما تفرقوا في اللغات، اللغات بعضها يأخذ من بعض، وعند العلماء المعاصرين يعني علماء اللغة، علماء فقه اللغة وخاصة اللغات السامية دلتهم البحوث والكتابات القديمة التي وجدوها في الجدران وفي الآثار القديمة على أن مجموعة من الكلمات كانت مشتركة ما بين اللغات، وهذا طبعا يدل على أن أصل اللغات واحد، وهذا لا شك فيه، ثم بعد ذلك بدأت تتوسع اللغات وتختلف. فلهذا جاء في الحديث «أول من فتق لسانه عن العربية الفصحى إسماعيل عليه السلام»، فُتِقَ اللسان، من الذي فَتَقَ اللسان؟ يعني هذه القواعد التي أوردها العلماء -قواعد النحو- هذا استنتاج، لا يُتصور أن قواعد النحو اجتمعت العرب في مؤتمر عام وطلبوا أن يضع قواعد في لغتهم، مُو موجود.
كذلك أغرب منه في العلل والاشتقاق، ولهذا قال بعض العلماء في العلل الضعيفة هذه أضعف من علة نحويّ؛ لأنها مستنتجة.
فإذا قال العالم أنَّ مثلا تقول: محمد قادم، ثم تقول: لمحمد قادم، ثم تقول: إنَّ محمدا لقادم.
محمد قادم خبر، أُكد باللام الذي هو لمحمد قادم، واللام هذه هي لام التأكيد يعني الابتداء لها حق الصدارة، إن محمدا لقادم، هنا أُخّرت لذلك سميت المزحلقة؛ لأنها زُحلقت من المبتدأ حينما كانت فيه -لمحمد قادم- إلى الخبر فصارت -إن محمدا لقادم-، هنا لماذا حصل هذا؟
يأتي النحاة ويوجهون ذلك، وثَم كتب كثيرة في علل النحو، وهي عدة مدارس في تعليل الأحكام النحوية، يقولون: إن العرب من عادتها أن تكرم الضيف، فلما أتت اللام ضيفا على محمد قادم كان لها حق الصدارة، فلما أتى الضيف الجديد إن تأخرت اللام؛ لأنها كانت في الجملة موجودة وتأخرت وتقدمت إن، هذه كلها التماسات.
كذلك إذا قال كان لماذا كان نصبت الخبر ورفعت الاسم؛ لأنها مشبهة بالفعل وهي فعل ماضي ناقص، وكذلك أخواتها.
إن وأخواتها إن وليس إلى آخره، طيب هذه انعكست فيها القضية؛ مُخالِفةً لـ(كان)؛ لأنها تقعدت كان وهذه وهذه بعضها يشبه بعضا، يعني كان وأخواتها وإن وأخواتها بالدخول على الجملة الاسمية ففرقوا بينها.
إذن كل هذا نخلص به على شيء مهم جدا في علم اللغة وهو: أنَّ صنعة العلوم إنما أتت بعد انتهاء اللغة، فإذن هي التماس، إذا قال لك عالم: إن كلمة الله كانت إله ثم أُدخلت، هذا من جهة التحليل، لا أن العرب صنعت ذلك على مراحل؛ لكن هذا من جهة التحليل، يقول لك: ولكثرة الاستعمال صارت كذا. يعني هذا من جهة التحليل؛ يعني اعكس المسألة وقل: لأن لفظ الجلالة الله موضوع لكثرة الاستعمال فجاء على لفظ الله ولم يأت على لفظ الإله؛ لأنه موضوع لكثرة الاستعمال، وهذه تجد لها قاعدة في اللغة.
ولهذا يخطئ بعض الذين يعتنون بمباحث الاشتقاق ويستغربون بعضها من هذه الجهة، يظنون أن العرب اجتمعت ووضعت للغتها قواعد، والصحيح الذي لا ينبغي المحيد عنه: أنه ليس ثَم وضع في اللغة. وعلم الوضع الذي يسمى علم الوضع إنما هو تقريب للعلوم التي صُنفت في هذه الأمة، وليس هو وضع العرب، العرب ما اجتمعت، العرب متفرقة، العرب كانت في اليمن ثم تفرقت، والعرب القديمة يعني العرب العاربة ثم العرب المستعربة تفرقت، واللغة بدأت تتدرج وتنمو وتصل إلى مراحل في نموها.
فاللغة مثل الإنسان، اللغة مثل الإنسان، مرَّ به طفولة، ثم مرَّ به شباب، ثم مرّ به فتوة وقوة ثم يمرُّ به اكتهال إلى آخره، فهذه اللغات تمر بهذه المراحل.
أما اللغة العربية فثبتت وقويت ولم تمر بها فترة الكهولة التي تسمى فترة الكهولة؛ لأن فيها القرآن، القرآن هو الذي أبقاها حية قوية في شبابها.
فلهذا كل ما تراه من التعليلات عند النحويين أو الذين يعتنون بالنحو ويوغلون فيه بحثا هي كلها في ظنهم أنهم فيما يستبعدون أو يقبلون أن المسألة أنها ليست هكذا وإنما هي هكذا، كيف يكون إله؟ أو كيف يشتق هذا من هذا؟ العرب ما اشتقت هذا من هذا، وإلا الوضع الأول هو كذا، الوضع الأول في الأسد هو كذا، الوضع الأول في الجناح هو في الطائر، من الذي يقول هذا؟ كل هذا من الذي يقوله؟ يقولون الجناح للطائر من الذي قال أن الجناح للطائر؛ من؟ هل ثَم برهان؟ لذلك يكون عند قوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾[الإسراء:24] يقولون استعارة؛ لأن الجناح للطائر استعير للإنسان استعارة يعني مجاز، من الذي قال إن العرب وضعت الجناح للطائر، من؟ واضح.
فإذن الذين يبحثون المباحث اللغوية -هذه تنتبه لها-؛ لأن من أوغلوا في المباحث اللغوية دون معرفة لأصولها والتحقيق فيها قد تدخل عليه إشكالات في العقيدة، لهذا اعتنى المعتزلة بالمباحث اللغوية لصد كثير من الناس عن الحق في مسائل الاعتقاد، ظنا منهم أنهم حققوا المسائل العقدية.
فينتبه إلى هذه القاعدة أنه لا يتصور بالقواعد التي وُضعت في هذه الأمة -القواعد العينية في النحو أو في الأصول أو في أي فن أو في المصطلح أنها وضعت هكذا باجتماع واتفق العلماء على هذا، لا، هي التماس ولهذا المجتهد إذا بلغ في الاجتهاد مبلغا عظيما وصارت عنده آلات الاجتهاد له أن يخالف.
ابن جرير الذي ذكرتَ أنتَ المثال عنه، ابن جرير لا يمثل مدرسة البصريين في النحو، ولا يمثل مدرسة الكوفيين في النحو، وإنما له مدرسة مستقلة في تفسيره؛ تارة يذهب إلى هؤلاء وتارة يذهب إلى هؤلاء، عندما يملي عليه الراجح أو ما يسمعه ربما يحفظه من كلام العرب.
كذلك في القراءات ما عنده شيء اسمه قراءات سبع ولا قراءات عشر، وإنما عنده قراءات أنصاف، لماذا يصنع هذا؟ لأنه لا يتقيد بمصطلحات أهل العلم وبمواضعات أهل العلم، نحن إذا تقدمنا في العلم ترى أنك تمرُّ على العلم، وترى أن العلم يسبح في قرون، يسبح في القرون هكذا بين مد وجزر، مثل صنيع أهل العلم؛ لكن هل هذا هو العلم أو هو وضع لقواعد العلم؟ هو وضع لقواعد العلم؛ لأن العلم موجود قبل ذلك، العلوم موجودة قبل ذلك؛ العلوم اللغوية والشرعية والحديث كلها موجودة قبل ذلك، وإنما وضعوا القواعد، ووضع القواعد هذا هل هو إجماع أو اجتهاد؟ اجتهاد؛ ليس ثَم قواعد علم من العلوم مجمع عليها، وإنما تجد في العلم ما هو مجمع عليه؛ في النحو فيه مسائل مجمع عليها، في الفقه فيه مسائل مجمع عليها، في المصطلح فيه مسائل مجمع عليها، في الأصول ثَم مسائل مجمع عليها، وتجد أن المسائل مجمع عليها في كل فن قليلة.
إذن ننتبه إلى أنَّ التعليلات التي تجد في العلوم المختلفة إنما هي التماس هذه تعتمدها.
فإذن الذي أتى يحلل لك هي التماس، قد يكون صاحبه مصيبا في التماسه وفي تعليله، وقد لا يكون كذلك.
مثلا الكلمة المشهورة أو البحث عند قوله تعالى ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾[طه:63] (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) في قراءة سبعية متواترة (إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ)، طيب (إِنَّ) تنصب الاسم، لماذا ما صارت إن هذين لساحران؟ بدؤوا يعللون منهم من يخطئ، يقارن، هذا غلط علمي كبير، لماذا؟ لأنك تحكم قواعد وضعها النحاة في الحق المطلق الذي هو القرآن؛ لأنها قراءة متواترة هي الحق، يجب أن تبحث في القواعد لا العكس، فالقواعد اصطلاحية.
يأتي في مسند أبي يعلى في مطالعتي عند حديث قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام «إن هذان لشيطانان» في الحديث الذي في المتن قال: إن هذين لشيطانان-لأني بحثت في الآية، وأعرف كلام المحققين عليها وما يتعلق بها-، استغربت (إن هذين لشيطانان) يخرم القاعدة، وإذا في الحاشية يقول: في الأصل «إن هذان لشيطانان» وهذا يخالف القاعدة النحوية فغيرتها إلى إن هذين لشيطانان.
طبعا سيطرة القواعد النحوية على الحق المطلق، سيطرة القواعد الاصطلاحية كلها على الحق المطلق قضية كبيرة في العلم وفي نشأة العلوم وتوسع العلوم، فطالب العلم ينبغي له يرتقي في هذه المسائل ولا يعجل.
فمسائل الاشتقاق في أسماء الله جل وعلا هي من هذا الباب، فينبغي أن يُنظر إليها نظرا.
س3/ هل [نصلي مع] الذين يتأخرون عن الصلاة؟ جزاك الله خيرا.
ج/ الأخوان الذين لا تدركهم الصلاة ينبغي أن يصلوا في مساجدهم مع الجماعات، ثم بعد ذلك يدركون معنا الدرس، لكن يأتون بعد الصلاة أربع خمس جماعات هذا لا يطاق.
فنرجوا من المرة القادمة ما نرى جماعات في الصلاة، صلوا في المساجد وأتوا إن شاء الله.
س5/ ما هي ضوابط خوارم المروءة؟
ج/ المروءة ملكة تحمل على البعد عما يسيء.
وإذا كان كذلك فالمروءة فيها الخرم.
فخوارم المروءة هي المسائل التي من تعاطاها وقامت به صار مقدوحا فيه عند أهل الإيمان أو عند المستوين -أهل الاستواء في القصد والاعتدال من أهل الإيمان-، لهذا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
لهذا مثلا تجد أن أهل الحديث ماذا قالوا؟ بعض أهل الحديث قدح في فلان لأنه رآه مرن يأكل في السوق، وقالوا: الأكل في السوق يخرم المروءة. يعني رآه أمام الناس في الشارع يأكل، أو مثل الآن يأكل في المطعم عندهم سابقا هو من خوارم المروءة؛ لكن الآن اختلف الحال فقد يحتاج المرء مثل هذه الأشياء ولا يعد خارما لمروءته.
خوارم المروءة هذه تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فإذا كان هذا الشيء لا يفعله أهل المروءة ومن فعله قُدح فيه فهذا يعد خارما من خوارم المروءة، والعدل من الناس هو الذي يجتنب خوارم المروءة.
س6/ صلينا لغير القبلة ثم علمنا ذلك قبل خروج الوقت هل تلزمنا الإعادة؟
ج/ هذا فيه تفصيل.
إذا كانت الصلاة صليتم لغير القبلة في الحضر في البلد، لغير القبلة اجتهادا منكم فإنَّ هذا تعيدوا الصلاة سواء كنت في الوقت أو خارج الوقت.
وأما إذا صليت لغير القبلة في البرية باجتهاد منك لعدم وجود محاريب لعدم وجود من يدلك على القبلة الصحيحة فقد أديت ما عليك ولا يلزمك أن تعيد، سواء في الوقت أو خارج الوقت.

˜˜¹™™
/ لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا، فإنَّهُ مَا سَلِم في دينه إلاَّ مَنْ سَلَّمَ لله عَزَّ وَجَلَّ ولرسُولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وردَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ.
ولا تَثْبتُ قَدَمُ الإسلام إلاَّ على ظَهْرِ التَّسْليم والاسْتِسْلاَمِ. فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُه، ولم يَقنعْ بالتَّسلِيم فَهْمُهُ، حَجَبَه مَرامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيد، وصَافي المعرِفةِ، وصَحيح الإيمانِ؛ فيَتَذَبْذَبُ بينَ الكُفرِ والإيمانِ، والتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، والإقْرارِ والإنكارِ، مُوَسْوَسًا تَائِهًا، شَاكًّا، زائِغًا، لا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، ولا جَاحداً مُكَذِّباً.
[الشرح]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
اللهم نسألك علما نافعا، وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ودعاء مسموعا.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا، يا أرحم الراحمين.
أما بعد:
فهذه الجمل من كلام العلامة الطحاوي رحمه الله جاءت بعد الكلام على الرؤية؛ رؤية الرب جل وعلا في الجنة في العرصات فيما سبق لنا شرحه في الدرس الماضي، وأيضا بعد هذه الجمل التي سمعنا تكلم على الرؤية متعلقا بهذا البحث قال(وَلا يَصحُّ الإيمانُ بالرُّؤْية لأهْل دارِ السَّلامِ لِمن اعْتَبَرَهَا مِنْهُم بِوَهْمٍ أوْ تأوَّلَها بِفَهْمٍ..) إلى آخر ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الدرس القادم.
هذه الجمل التي سمعنا تشتمل على أصل عظيم من أصول الدين الذي تميز به أهل السنة والجماعة -في مسائل العقيدة بعامة وفي مسائل العمل-.
والعقيدة والعمل مبناهما واحد من جهة الإيمان، وذلك أن العقيدة والعمل الجميع يُعمل به ويُعلم من جهة أنه من الله جل وعلا ومن رسوله عليه الصلاة والسلام، فالكل كلمة الله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[الأنعام:115]، (تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا) من مثل الأخبار، (وَعَدْلًا) في الأمر والنهي، (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ).
فالشريعة بابها واحد ولا تفريق ما بين باب الاعتقاد وباب العمل -يعني الأبواب العلمية والأبواب العملية- من جهة مصدر التلقي وهو الكتاب والسنة ما كان من الوحي، لهذا قال هنا رحمه الله (فإنَّهُ مَا سَلِم في دينه إلاَّ مَنْ سَلَّمَ لله عَزَّ وَجَلَّ ولرسُولِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وردَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ) وذلك أنّ الأمور -أمور العقيدة في الاعتقاد، وأمور الفقه في العمل- لابد أن يكون ثم إشكال في عللها أو في القناعة بها ولا مجال لذلك في الإيمان إلا أن يكون على ظهر التسليم والاستسلام، وهذا ينبني على مسألة عظيمة من مسائل الاعتقاد والعمل وهي: أنّ الدين قائم على البرهان، والأمور التي يتعاطاها الناس ثلاثة:
 أمور عاطفية؛ يعني برهانها العاطفة الغرائز، يعرف الجوع، يعرف العطش، يعرف الخوف، يعرف الرحمة بعاطفته وفترته.
 والنوع الثاني برهان عقلي وهي الأمور التي يتعاطاها بعقله فيقيس ويُعَلِّم ونحو ذلك من الأمور العقلية، وهي التي خدمها المنطق بشكل عام.
 والنوع الثالث من البراهين: البراهين الدينية، والبرهان الديني مبني على مقدمة، وهي مقدمة الاستسلام لمصدر التلقي.
ولهذا لا يصح أن يخلط بين هذه البراهين، فالدين ليس مصدره العقل وليس مصدره العاطفة، وإنما مصدره نوع من البراهين لذلك لم يتكلم عليه الفلاسفة ولا المناطقة وهو البرهان الديني المنبني على مقدمات دينية بحتة، وهذه المقدمات الدينية الشرعية -في التصديق بها- مبنية على براهين متنوعة؛ التصديق بوجود الله، استحقاقه للعبادة، التصديق بالرسول عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، التصديق بالرسل الآيات التي أوتيها والبراهين، فيما ذكرنا لك كل هذه براهين، وهذه البراهين عقلية في أولها ودينية في ثانيها؛ يعني أننا حين نستسلم سنستسلم للبرهان الذي استسلمت له الأمم التي قبلنا، فالصحابة رضوان الله عليهم رَأَوا هذه البراهين واستسلموا لها بصدق عن قناعة وعن ديانة، ثم بعد ذلك تبعهم من تبعهم في التسليم لأنهم سلَّموا، ثم تبعهم من بعدهم في التسليم؛ لأن من قبلنا سلم في كثير من الدلائل، ويبقى الدليل العام للشريعة في العقيدة وفي الفقه وهو أنه ما كان في كتاب الله جل وعلا أو في سنة الرسول r فهو حق وهو البرهان، وما قبل هذا البرهان ثَم براهين أُخر لا مجادلة في هذه الملة -يعني في أتباع الفرق- على صحة هذا البرهان من الكتاب ومن السنة؛ لأن الجميع يُقرون بهذا البرهان ما جاء في كتاب الله وما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه حق، فإنه هو برهان؛ لكن هل هو البرهان الأول أو هو البرهان الثاني؟ هل يُسلَّط العقل على الكتاب والسنة أم لا يسلط والعقل تبع ونحو ذلك؟ هو جاء من جهة الخلط ما بين أنواع البراهين الثلاثة التي ذكرتها لك.
هذه مقدمات بين يدي المسائل؛ مسائل البحث.
العقلانيون خلطوا بين البراهين الثلاثة، فجعلوا البرهان العقلي والبرهان الديني واحد؛ بل جعلوا البرهان العقلي متسلطا على البرهان الديني، وظنوا أنه إذا تسلَّط عليه وسُلِّط عليه أنَّه..؛ لأنَّ العقل به عُرف الشرع به عُرفت صحة الشرع، وهذا ليس بصحيح كما سيأتي في رد هذه المقالة.
الطحاوي رحمه الله استحضر القسمين معا: استحضر مسائل العقيدة ومسائل الفقه، وجعل هذه الكلمات مناسبة لهذا البحث -بحث الرؤية-، لهذا قال (فإنَّهُ مَا سَلِم في دينه إلاَّ مَنْ سَلَّمَ لله عَزَّ وَجَلَّ ولرسُولِهr) يعني أنَّه بدأ من حيث إن الكتاب والسنة هما البرهان، بدأ من هذه، فإذا صدَّقت وأيقنت أن الكتاب والسنة هما الحق المطلق؛ لأنها من عند الله جل وعلا -فالسنة وحي-، فإذن الرجوع في البرهان والدليل يكون إلى الكتاب والسنة، وإذا كان ثَم شك أو ثَم تردد فإن المرء لا يسلم في دينه؛ لأن العقول لأن البراهين كما ذكرنا لك ثلاثة:
 برهان عاطفي.
 وبرهان عقلي.
 وبرهان ديني.
والبرهان العاطفي لا ينضبط -عواطف الناس مختلفة-.
البرهان العقلي لا ينضبط؛ لأن القائل حينما قال -وهم العقلانيون من المعتزلة والأشاعرة وجماعات- حينما قالوا: العقل ينبغي أن يُقدم على الشرع. فالعقل غير منضبط، عقل من؟ هل ثم عقل واحد أُجمع عليه في النظر إلى الأشياء؟ لا، في النظر إلى الكونيات ليس ثَم عقل واحد عند الفلاسفة، اختلفوا في النظر إلى الطبيعيات في الأرض، الذين قدسوا العقل اختلفوا في مقتضيات ذلك، اتفقوا على قاعدة: العقل، لكن عقل من؟ هل اجتمعوا؟ لا، ولذلك اختلف أصحاب المدرسة العقلية إلى أنواع شتى:
فالجهمية من أصحاب المدرسة العقلية.
والمعتزلة من أصحاب المدرسة العقلية.
والأشاعرة أيضا من أصحاب المدرسة العقلية إلى حد ما، ونحو ذلك.
ولكنهم مختلفون في عقولهم وإدراكاتهم.
إذا كان البرهان العاطفي غير منضبط، والبرهان العقلي غير منضبط، فإذن البرهان الديني يجب أن يبدأ من المستوى أو يبدأ من المقدمة التي هي ثابتة بيقين، وهذه المقدمة الثابتة بيقين هي الكتاب والسنة؛ لأنَّ الكتاب وحي الله جل وعلا، وآمنا بذلك عن برهان، وبراهين سبق أن ذكرنا لكم ذلك في الكلام على الإعجاز وبرهان النبوة في الكلام على معجزات وبراهين وآيات الأنبياء، فإذن المقدمة التي يُتفق عليها ويمكن أن يجمع عليها هي التسليم والاستسلام للكتاب والسنة، فإذا كان كذلك كان البرهان الذي يصح أن يقال إنه يُتفق عليه بلا خلاف هو برهان الكتاب والسنة.
ولهذا إذا جاء إشكال في الاعتقاد ترجعه إلى التسليم لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فالكتاب والسنة برهان صحيح، فإذا لم تدرك العلة فإن ذلك ليس معناه أنه خلل في البرهان إنما هو خلل في التلقي، خلل في إيضاح ذلك البرهان، أو لأن البرهان الذي هو الدليل لم يوضح لنا هذه الأسرار.
كذلك في أمور العبادات الصلوات ليش خمس؟ ليش أربع؟ الفجر ثنتين ثلاث، لماذا الحج على هذه الصفة؟ لماذا الطهارة على هذه الصفة؟ كل هذه مبنية على مقدمة من التسليم، وهو التسليم للكتاب والسنة.
فلهذا هذا البحث الذي ذكره الطحاوي في هذه الجمل يسميه بعض المعاصرين تسمية حديثة وهي: وحدة مصدر التلقي، فمصدر التلقي من أهم المسائل التي يجب أن يبحث فيها فإذا اختلفت أنت وأناس على شيء، فلا بد أن يكون هناك مرجعية في البرهان حتى تنطلقوا منها، أيضا مرجعية في التلقي، والأمة -كما قلنا- لا يمكن أن يصلح لها أن تتلقى من الحق المطلق والبرهان المطلق، الذي هو البرهان الديني، الذي هو الكتاب وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فما وضح فيهما وما أُبين فيهما وجب اعتقاده والعمل به، وما اشتبه على المعين على الفرد -لأنه في الشريعة ليس مشتبه مطلق كما سيأتي في المسائل- إذا اشتبه على الفرد وجب عليه التسليم.
قال (وردَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ) يعني إذا اشتبه عليك شيء ترده على عالمه؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[آل عمران:7]، دلت الآية على أن القرآن مشتمل على محكم وعلى متشابه وعلى أنّ أهل العلم يقولون آمنا بالمتشابه، ما اشتبه عليه علمه فإنه يرده إلى عالِمه إلى الله سبحانه وتعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال (ولا تَثْبتُ قَدَمُ الإسلام إلاَّ على ظَهْرِ التَّسْليم والاسْتِسْلاَمِ) يعني أنَّ من خاض في مسائل الإيمان والإسلام ومسائل الشريعة والعقيدة في الفروع والأحكام، إذا خاض فيها مدقِّقا ليس مستسلما، وإنما مناقشا لكل مسألة؛ لم؟ فإنه يحجب عنه الإيمان؛ لأن هذا الدين بل الأديان بعامة مبنية على الاستسلام للغير، لهذا أول إيمان في القرآن هو الإيمان بالغيب ﴿الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾[البقرة:1-3]، فأصل الديانات؛ الدين الذي جاء من عند الله هوالإيمان بالغيب والإيمان بالله جل وعلا بالجنة والنار والملائكة وبمسائل القدر إلى غير ذلك؛ باليوم الآخر بالكتب السابقة، كل هذه مسائل غيب.
فإذن (لاَ تَثْبتُ قَدَمُ الإسلام إلاَّ على ظَهْرِ التَّسْليم والاسْتِسْلاَمِ) فشبَّه التسليم والاستسلام بالأرض الصلبة التي من وطئها فإنه لا تزل قدمه بل تثبت؛ لأنها أرض قوية صلبة، وغير التسليم والاستسلام في مسائل العقيدة وفي مسائل العمل، غير التسليم والاستسلام فإنها أرض [دحض] مزلة أقدام وإنها موطن متعثر للأقدام لمن وطئها ورضي بها.
لهذا نقول: إذا تبين لك ذلك فإنّ هذه الكلمة أو هذه الجمل التي مرت معنا فيها مسائل:
المسألة الأولى: أنَّ الناس في تلقي الشريعة الناس يعني هذه الأمة الفرق جميعا انقسموا إلى أقسام:
القسم الأول: من كان عقليا محضا؛ يعني جعل العقل حكما على الشريعة، وجعل الشريعة تابعة للعقليات.
الثاني: من جعل الشريعة خالية من البرهان العقلي البتة؛ بل الشريعة جميعا عندهم ليس فيها علل ولا تعليل بقسميها العقيدة والشريعة.
الثالث: من توسط بين الفئتين، وقال: إنَّ الحكم الشرعي، إنَّ الشريعة العقيدة الأمور الغيبية وكذلك في العمليات: العقل مفيد فيها، والعقل خادم للشريعة وليس حكما عليها، فنستفيد بالعقل في بيان العلل والأحكام وفهم الشريعة واستخراج الأفكار؛ لأن الله جل وعلا جعل القرآن لقوم يعقلون.
هذه الثلاث مدارس كبيرة:
 المدرسة الأولى يمثلها الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة في أصول مباحثهم.
 والمدرسة الثانية يمثلها الظاهرية في الفقه وكذلك في الاعتقاد، ويمثلها الأشاعرة والماتريدية في مسائل [....].
 والثالثة منهج أهل السنة والجماعة.
وتفصيل هذه المدارس الثلاث بحوث تطول نرجئها إلى مواضعها إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: أنَّ التسليم لله عز وجل ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو تسليم للحق المطلق، والبراهين التي يتعاطاها الناس في العقليات وفي مصدر التلقي هذه البراهين تختلف -كما ذكرت لك تنقسم إلى أقسام ثلاثة-، والتسليم يعني أن البرهان ديني شرعي يقيني، وأنَّ البرهان العقلي ناقص، وأن البرهان العاطفي فطري؛ معنى ذلك أنَّ البرهان الديني يقيني في مقدماته نصل إلى صدق الكتاب وصدق السنة بمقدمات...( )
j أما البرهان الأول وهو البرهان العقلي الضروري: فالله جل وعلا جعل للإنسان أعضاء سمع بصر لسان؛ يعني جعل له حواسا كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل:78]، فهذه الثلاث هي التي يسميها الفلاسفة والمناطقة يسمونها وسائل تحصيل المعرفة هذه وسائل ضرورية حسية؛ يعني بعينك حصل لك البرهان، بسمعك حصل لك البرهان، بيدك لمست الشيء حصل لك البرهان، فالمعرفة جاءت من براهين ضرورية مُحَسَّة ليست خارجة عن المحسوس، ولذلك ما يجادل أحد في هذا بهذه البراهين إلا طائفة لا يُعبأ بها يجادلون في الضروريات.
ثم بعد ذلك جُمعت المعرفة من الحسيات من طريق المقارنة بين هذه المعلومات التي جاءت بالوسائل الحسية؛ يعني نأتي نقول: هذا طويل، هذا العمود طويل، الآخر ليس في طوله. عرفنا حجم هذا وطوله بالعين، فصار الحجم وصار الطول مدركا محسوسا بأمر ضروري، ثم بعد ذلك يُنسب له الشيء آخر، فإذا رأينا ما هو أقل منه قيل هذا أطول، فيأتي آخر وينازع ويقول القصير أطول من الطويل، لا يُقبل، لماذا؟ لأنه المقارنة ما بين هذا وهذا حَصلت بمقدمات يقينية؛ لأن المقدمات الحسية يقينية، مقدمة العين أنها حست بهذا أنه أطول من ذاك، لا يمكن أن يأتي هذا ويقول هذا أطول، القصير أطول من الطويل؛ لأن هذا شيء مدرك بالعين، وهذا ينتج في كل المقدمات الحسية.
وانتبه لمسألة المقدمات الحسية؛ لأنها أقوى البراهين في الضروريات، أقوى البراهين.
تشرب ماء تقول هذا بارد يأتي آخر ويقول –إذا كان بارد جدا- يأتي آخر ويقول: هذا حار يغلي. لا يمكن، لماذا؟ لأن البرهان عليه الحس.
فلان مثلا ملتحي، يأتي آخر، يقول: لا هذا حالق. هذا لا يمكن أن يكون ثم لأن البرهان حسي.
كذلك السمع يقول هذا صوت إنسان، قال آخر لا هذا صوت مثلا إيش؟ صوت سيارة مثلا، لا يمكن هذا يتكلم لهذا؛ لأن البرهان جاء سمعي.
وهذه تعتمدها هذه النقطة لأنها تفيد في قضية الاستسلام .
هذا البرهان الحسي هو الذي بنى عليه طائفة من الناس الكلام على نظرية المعرفة وتكلموا فيه.
قلنا اعتمدوا على الحس -يعني أهل العقل-:
 اعتمدوا على الحس.
 وعلى التجربة.
 وعلى تقليل أو متابعة اللاحق للسابق.
k التجربة ما يصلح للتجربة تكون التجربة برهانا صحيحا له؛ لكن ما لا يدخل تحت التجربة، كيف تكون التجربة برهانا صحيحا له؟ فنقول: الله جل وعلا جعل الخلق على قسمين، بل نقول؛ جعل الأشياء –أحسن من الخلق-:
 قسم لا تدخله الأهواء لتغير حقائقه.
 وقسم يدخله الهوى ليغيره.
والله جل وعلا جعل كلماته تامة ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾[الأنعام:115]، ما لا يدخله الهوى لم تأت الشرائع ببيانه، وهو غاص فيه الفلاسفة، وغاص فيه العلماء، وغاص فيه الباحثون، لم تأت الشرائع ببيانه؛ لأنه لا يدخله الهوى، واحد زائد واحد يساوي اثنين يساوي ثلاثة يساوي أربعة لم تأتِ به الشرائع؛ لأن هذا خلق الله جل وعلا الأشياء واحد زائد واحد يساوي اثنين، خلق الله جل وعلا الجبل فيه من المكونات كذا وكذا، خلق الله جل وعلا الجاذبية على هذا النحو وقوانين الجاذبية على هذا النحو، لا يمكن لهذه الأشياء أن تدخلها الأهواء، ولهذا لم تتعرض لها الشرائع، ولم تتعرض لها الديانات، وتُرك إنتاجها والبحث فيها للناس لأن هذه سيصلون إليها بالتجربة، سيخطَّأ المخطئ وسيصوب المصيب؛ لأن الشيء ماثل أمامهم، ليس لهم هوى في أن يجعلوا معامل الجاذبية كذا يزيدون واحد أو ينقصون واحد من عشرة ما لهم، الهوى ما يدخل في هذه المسائل.
التجربة، إذن قلنا إن الشرائع جاءت لما فيه إخراج الإنسان من داعية هواه، فالأشياء التي يتحكم فيها الهوى جاءت الرسالات لها، يتحكم الهوى في علاقات الناس بعضهم ببعض، يتحكم الهوى في العبادة، واحد يريد أن يخرج من التكاليف، يريد أن يعمل ما يشاء، يفعل ما يشاء، يقتل، يسرق، يفعل ما يشاء، الهوى يدخل في حرية الإنسان، يدخل في هل يتعبد أم لا يتعبد، في علاقته بأهله، في علاقته بمجتمعه، في علاقته بأسرته، إلى آخره، هذه أشياء يدخلها الهوى؛ لهذا جاءت الشريعة بضبطها.
إذن فنقول: التجربة في العقليات صحيحة لكن فيما لا يدخله الهوى، أما ما يدخله الهوى فلا تصح التجارب فيه، لابد أن يُتلقَّى من حَكَمٍ يفرض على [.....] ما تتنازع فيه ويسلمون له جل وعلا ﴿وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾[المؤمنون:71]؛ لأن الأهواء غير منضبطة، والحق واحد لا يخضع لهوى، تجارب المجربين تصلح إذن فيما يمكن عمل التجارب عليه.... ( )
هل ثَم سلطان للتجربة عليها؟ لا، الأمور الكونية لا مجال للتجربة عليها ولهذا قال [العلماء العصريين] في الأمور الدنيوية -الغربيين وغيرهم من الحذاق-: إن المرء كلما أوْغل في العلم بالكونيات كلما ازداد معرفة بأن فيها أسرارا لا تدرك. ولهذا الأمور الكونية صعب أن تخوض فيها بإدراك تام، تجارب لكن ستبقى تجارب، وإذا كانت ليست مسلمات، فإذن لا يمكن أن نخضع لها الحق المطلق.
l النوع الثالث من البرهان العقلي أو المدرسة العقلية التي اعتمدتها المدرسة العقلية: أنَّ المتأخر يسلم للسابق، يأتي يقول.
أنظر مثلا للمعتزلة، المعتزلة في أصلهم سلَّموا للفلاسفة لصحة أنواع البرهان العقلي، فإذن ثَم تقليد.
المتأخرون سلموا لمن قبلهم.
الأشاعرة سلموا للأولين في البرهان، إذن ثَم تقليد.
فقولهم برهان عقلي، وهذا عقل؛ لأن الشرائع مبنية على التقليد، هذا غير صحيح منطقيا؛ لأنه أيضا أهل البرهان العقلي يسلمون لأوائلهم الصحة في البرهان، فيبتدئ من برهان الأشعري، الأشعري مثلا بدأ ووصل إلى شيء، فيبتدئ أصحابه من النقطة التي وصل إليها، وينطلقون منها.
فإذن قولهم العقليات تُخْلِي من التقليد ومن التسليم ومن الاستسلام وتطلق الحرية، فهذا غير صحيح؛ لأنه ما من أحد إلا ويسلم بمقدمات من سبقه، فإذا كان التسليم لبشر ليس معصوما من الخطأ، فالتسليم لمن هو معصوم من الخطأ من جهة البرهان أولى، فإذا كانت المسألة مسألة تسليم واستسلام، فالتسليم لمن لا يخطئ أولى.
لهذا تجد أن من المتأخرين -حتى في العصر الحاضر من أهل العقليات- تجد أنهم يحيلونك على شيء؛ لكن هذا الشيء بنوه على التقليد، يقولون طبعا هو كذا، طبعا في عُرْفِ من؟ لماذا هذا صار طبعا؟ لأنه شيء غير مشكوك فيه، لماذا صار غير مشكوك فيه؟ إذا كان المرجع إلى الحس فلا مجادلة إلى الحسيات، إذا كان المرجع على أمور تجريبية أو إلى نظريات فالذي يُحيل الأمور في الاستسلام إلى الدين أَوْلى فيمن يحيل الأمور في الاستسلام إلى أصحاب العقليات؛ لأن أصحاب العقليات يقلد بعضهم بعضا، وأصحاب الديانات نقول صحيح المتأخر يسلم للأول براهينه ولكنه يصل إلى برهان يقيني هو الكتاب والسنة، وأما تقليد العقليات فإذا كانت راجعة إلى أشياء صحيحة فهذا تسليم لاشك فيه ما نجادل فيه لكنهم في كثير من مباحثهم يتابع المتأخر الأول.
أنظر مثلا إلى ترتيب الأفلاك، الناس قرون بل آلاف، منذ بدأ اليونان على ترتيب الأرض والشمس والكواكب السبعة في الكون وهم على نحو ما، إلى وقت قريب تغير، هذه الأمم آلاف السنين التي مرت من الفلاسفة الفلكيين الإسلاميين والفلكيين اليونان والمدرسة الرومانية إلى آخره، هذه الأمم والمدرسة الهندية في الأمور العلمية والفلك، التتابع في الطب كذلك، كل هذه ألم يسلم المتأخر للأول؟ سلم له، ظهر الآن أن تلك الأشياء جميعا غير صحيحة، لماذا كانت غير صحيحة؟ لأنهم -كما ذكرنا لك- وضعوا تجارُبا؛ لكن التجارب صارت على أمور خارجة عن حيز التجربة الذي يُنتج نتائج صحيحة.
المقصود من هذا -هذه مسألة عظيمة ما نحب نطيل فيها- هذه المسألة راجعة إلى البرهان الحق في أنَّ أقوى البراهين هو البرهان الديني.
لذلك نقول لك: هذه الثلاثة من الأشياء العقلية:
 البرهان الحسي نقول صحيح، ما فيه إشكال فيه، وكل المعرفة قامت على هذه البراهين الحسية.
 برهان التجربة منقسم إلى ما يكون ثَم تجربة ناجحة فيه، وما لا تنجح التجربة فيه.
 البرهان الثالث برهان متابعة السابق متابعة اللاحق للسابق، هذا أيضا لابد يخضع للدراسة لأنه قد يكون الأول مخطئا في برهانه العقلي، كما هي كثير من الأمور العلمية والنظرية، فضلا عن أمور الغيبيات والإلهيات.
إذن نستخلص من هذه المسألة الثانية إلى أن أنواع البراهين الثلاثة، من قال البرهان العقلي، هذا تجده عند جميع العقلانيين حتى في العصر الحاضر وكثير من....( ) هذا المنطق، هذا العقل.
فإذن نقول: المنطق أو العقل منقسم على ثلاثة أقسام:
 شيء حسي.
 تجربة.
 فيه أشياء فيها تقليد.
كيف عرفت أنّ هذا المنطق؟ قال: فلان. فيحيله على من قبله، فإذن تكون المناقشة مع من قبله، إذن تبقى المسألة خاضعة لبحث ورد.
أما المصدر المتيقن بمقدماته هو مصدر الكتاب والسنة، وما ذكرتُ لك وبرهان كون الكتاب من عند الله جل وعلا تقدم، برهان وجود الله جل وعلا معروف، برهان النبي؛ برهان النبوة متقدم.
المسألة الثالثة: قوله (وردَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ) كلمة الاشتباه والمشتبه معناها ما لا يُدْرَكُ معه العلم، ويقابَل ما بين المحكم والمتشابه، والله جل وعلا جعل القرآنَ محكما ومتشابها؛ يعني صيّر القرآن محكما ومتشابها، والقرآن يصح أن يقال إنه محكم كله وإنه متشابه كله وإنه محكم ومتشابه، فالقرآن منه محكم ومنه متشابه، والقرآن محكم كله، والقرآن متشابه كله، كل قسم باعتبار.
½أما الإحكام فالله جل وعلا بيَّن أنه أحكم القرآن فقال ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾[هود:1]، فالقرآن محكم كله ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾[يس:2]؛ يعني المحكم بأحد أوجه التفسير.
½والقرآن أيضا متشابه كله كما قال سبحانه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾[الزمر:23]، فالقرآن كله متشابه؛ لكن هذا بمعنى أن بعضه يشبه بعضا؛ لأن المسائل محدودة وبعضه يشبه بعضا؛ هذا قصص في سورة وقصص في سورة وقصص في سورة، هذا الكلام على الإيمان والإيمان والإيمان، والكلام على الجنة والنار في سور مختلفة، في صفات الله، وأسماء الله جل وعلا فهو متشابه.
½ومنه محكم ومنه متشابه، وهذا هو الذي أشار إليه الطحاوي في هذا الموضع قال (وردَّ عِلْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ)، منه محكم يعني ما معناه واضح للجميع، ومنه متشابه ما يشتبه معناه على البعض.
وإذا تبين ذلك، فليس ثم في القرآن إذن متشابه على كل أحد، ليس ثَم في القرآن متشابه مطلق، نقول هذه المسألة متشابهة يعني لا أحد يعلمها، في القرآن آية لا أحد يعلم معناها، هذا مستحيل؛ لأن الله جل وعلا جعل القرآن محكما كله، وجعل منه محكم ومنه متشابه، والراسخون في العلم يعلمون المتشابه الذي هو المعنى.
أما المتشابه النسبي فنعم، هذا المتشابه النسبي ما معناه؟
هو أنه ما من شيء إلا ويشتبه عليه أو عليك أو على فلان، ليس ثم أحد بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم كل شيء، علم كل القرآن، علم كل السنة، لابد أن يشتبه عليه شيء، بمعنى أن يستسلم لبعض الشريعة لأنه لا يعلم المعنى، وقد جاء عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال عند قوله تعالى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾[عبس:31] قال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.
فإذن عند قوله تعالى مثلا ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾[الكهف:22] كم عدة أصحاب الكهف؟ متشابهة؛ يعني أنا لا أعلم، أنت لا تعلم، ابن عباس رضي الله عنه حينما جاء إلى هذه الآية قال: أنا من القليل الذي يعلمه. لأنه متشابه نسبي.
فإذن الذي يقول إن في القرآن متشابه مطلق على كل أحد، هذا غير موجود لا في العقائد ولا في العمليات؛ لكن هناك متشابه على الجميع وهو الكيفيات، كيفيات الأشياء، كيفيات الغيبيات، ولهذا قال كثير من السلف إن الوقف على لفظ الجلالة في آية آل عمران ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾[آل عمران:7]؛ يعني تأويل الآيات، تأويل المتشابه المحكم ما يعلمه إلا الله في أمور الكيفيات، في أمور تمام المعنى، في الجنة جاءت صفتها نعلم معنى الأنهار معنى الشجر؛ لكن كيفية ذلك هذا مشتبه علينا.
لذلك نقول: الاشتباه نسبي، أما الاشتباه المطلق لا يوجد.
فإذا كان كذلك: رد ما اشتبه علينا إلى عالمه، نقول الله اعلم، لهذا قال من قال من أهل العلم: إذا ترك العالم الله أعلم أصيبت مقالته، وفي رواية قال: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله. لأنه لابد أن يشتبه عليه شيء.
إذا تقرر لك ذلك: فإن الاشتباه الحاصل يكون في العقيدة وفي الشريعة، فكل ما لا تعلم علته أو حكمته أو السر فيه فهو متشابه؛ فسلِّم للشريعة سلِّم للكتاب والسنة الحق وأيقن بذلك ورُدَّ ما اشتبه إلى عالمه.
مثلا في العقائد يأتينا أنواع الاشتباه، في العقائد في مسائل الغيبيات، واحد يشكل عليه في مسائل الغيبيات أشياء؛ أمر الجنة، أمر النار، أمر الناس كيف يعذبون في النار بعد الموت، تأتيك أسئلة، تأتيك أسئلة كثيرة، هذه الأسئلة الرؤية مثل التي ذكر، كيف يرى الفرد المؤمن بصورته المحدودة يرى الرب جل وعلا الذي السموات مطويات بيمينه وهو سبحانه وسع كل شيء رحمة وعلما، كيف يكون؟ ما يتحمل العقل ذلك، العرش كيف أن السموات السبع كدراهم سبعة ألقيت في ترس، كيف أن الكرسي وسع السموات والأرض؟ كيف الماء وكان عرشه على الماء؟ تأتي مثل هذه الأسئلة لا تدركها.
فإذا جاء عدم الإدراك في مسائل الإيمان بالغيبيات فيجب أن تُسَلِّم إلى عالمه، القدر لم كان كذا؟ لم قضى الله كذا؟ لم أغنى الأغنياء؟ لم أفقر الفقراء؟ لماذا أمرض؟ لماذا أصاب بكذا؟ إذا بدأت الأسئلة فيأتي بدأ الاعتراض ويُحرم المرء كما سيأتي في الجملة التالية.
فإذن تحتاج إلى الاستسلام في العقائد أعظم الاستسلام؛ لأنها مبنية على الغيبيات، فالأمور الغيبية برهانها إذا استسلمت للبرهان [....]، الأمور الغيبية مبنية على برهان، هل هو البرهان للغيبيي نفسه؟ لا، هو برهان لبرهان الغيبيات، برهان الغيبيات هو القرآن والسنة، عندنا برهان لصحة القرآن والسنة، هذا برهان واضح صحيح؛ لكن البرهان على الغيبيات بأفرادها ما عندنا، لكن عندنا البرهان على البرهان الأصلي وهو الكتاب والسنة.
بالنسبة للأمور العبادات والفقه تأتي مسائل العلل؛ التعليلات، الشريعة معللة ولاشك، والله جل وعلا جعل الأحكام الشرعية منوطة بعللها، لكن من العلل ما ظهر ومنه ما لم يظهر، لهذا تجد أن بعض العلماء يعبر عن مسائل العلل في العبادات بأن علته قاصرة، تارة يقول: فإن العلة تعبدية. وهناك علل معروفة.
فإذن إذا جاءتك المجاهيل في أمور العبادات فإنك تُسَلِّم دون خوف؛ لأنه ثَم أشياء تغيب عن العبد.
المسألة الرابعة والأخيرة: قال(ولا تَثْبتُ قَدَمُ الإسلام إلاَّ على ظَهْرِ التَّسْليم والاسْتِسْلاَمِ)، التسليم والاستسلام هما دين الإسلام، فإن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.
فإذن دين الإسلام هو دين الاستسلام، ولهذا كل الأنبياء دينها الإسلام يعني دينها الذي دعت إليه الاستسلام، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾[آل عمران:19]، نوح عليه السلام بعث بالإسلام، وعيسى بعث بالإسلام، وموسى عليه السلام بعث بالإسلام، الذي هو الدين العام؛ لكن الشرائع مختلفة، ودين محمد عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ الذي بُعث به هو الإسلام العام الذي اشترك فيه مع جميع الأنبياء والمرسلين والإسلام الخاص الذي هو شريعة الإسلام، كل هذه لا تثبت إلا على قدم التسليم والاستسلام؛ يعني أن من لم يستسلم فهو شاك والشاك ليس بمسلم؛ لأن أصل الديانة مبنية على التسليم، فإذا شك في أمر يجب الإيمان به، فإن الإيمان يجب أن يكون عن يقين، لا تنفع لا إله إلا الله إلا بيقين، لا تنفع محمد رسول الله إلا بيقين، لا ينفع الإيمان بالجنة والنار إلا بيقين كما جاء في حديث عبادة «وأن الجنة حق وأن النار حق»، فلا بد من اليقين بذلك بدون تردد، فإذا جاء الشك والارتياب وعد التسليم والاستسلام، هذا معناه أن الإسلام غير قائم.
في بعض الناس يكون الشك لطلب الحقيقة، هو يبحث عن جواب، وهذا لا يقدح في دينه؛ لأنه قد يعرض للمرء؛ لكن يجب أن لا يُظهره بل يكتم ذلك ويسأل عن من يثق بعلمه حتى يزيل الشبهة، فمعنى ذلك أنَّ عدم الاستسلام والتسليم ينقسم إلى قسمين:
½ الشك المستمر الذي يستكين له صاحبه، وهذا خلاف اليقين الواجب، وهذا ليس بمسلم، عنده الشك في الغيبيات وعنده الشك في الجنة، شك في النار، شك في صدق الرسالة عند الشك في القرآن هذا ليس بمسلم.
½ القسم الثاني عنده شك في بعض الأفراد؛ مسألة في السنة، مسألة في القرآن، ليس الشك في الأصل، إنما عنده شك في الأفراد، فهذا يجب عليه أن لا يستسلم لهذا الشك، وأن يبحث من يزيل عنه الشبهة.
[الأسئلة]
نكتفي بهذا نجيب عن بعض الأسئلة، سؤالين في الموضوع، إذا كان في الموضوع.
س1/ ...
ج/ لا يجوز أن يقال أنه في عصر من الأعصار خلت الأمة من قائم لله بالحجة يعني من عالِمٍ للمعنى.
س2/ هل اتباع ما لا علة عقلية له أعظم أجرا من اتباع ما دل النقل والعقل عليه؟
ج/ لا، من كان بالتسليم وبالبرهان فهو أعظم. والتسليم والبرهان، البرهان بأنواعه.
س3/ ...
ج/ يستغفر ربه ويتوب لأن هذا ما عدنه شك في الأصل مؤمن؛ لكنه عصى ربه فيتوب.
س4/ كيف يكون البرهان داخل في أمور العقيدة؟
ج/ الدرس ما أدري فُهم أو ما فهم.
المقصود العقيدة هذه برهانها ديني، والذي قد قلنا حس وتجربة ومتابعة للبرهان هذا للعقل...، واضح؟ هذا تأصيل مهم في منهج التلقي ومعرفة الدليل والاستسلام له لأنه ما يسوغ أن يقال في علم العقيدة بالخصوص أن يكون غير مبرهن، العقيدة ليست [.....] لا، برهانية لكن نوع من البرهان، برهانية واضحة مثل هذه اللمبة التي أمامنا مثل الشمس في رابعة النهار، ما عندنا شك في ذلك؛ لكنها بأنواع البرهان الذي ذكرت.
نكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
˜˜¹™™
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي مَنَّ على عباده بالهداية [....] عليه وكيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
س1/ فهذا سائل يقول: ذكر ابن [....] في شرحه للبخاري في مسألة إثبات اليدين لله جل وعلا: أن يدي الله جل وعلا لا توصف بأنها جارحتان وذكر خلافا، هل إثبات اليدين يقتضي كون أنهما جارحتان، أرجو توضيح ذلك؟
ج/ الجواب أن معتقد أهل السنة والجماعة مبني على متابعة الكتاب والسنة، وعلى أن لا يُتجاوز القرآن والحديث، نُمر ما جاء على ظاهره لا نتجاوز القرآن والحديث، فإثبات صفة اليدين لله جل وعلا، هذا لأنها جاءت في القرآن وفي السنة، كما قال جل وعلا ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64]، وكما قال جل وعلا في سورة ص ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وكما قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾[يس:71] ونحو ذلك من الآيات، وفي السنة أيضا أحاديث كثيرة في هذا الباب.
فإذا تقرر ذلك، فإثبات صفة اليدين لله جل وعلا لا يتجاوز فيه ما جاء في الكتاب والسنة، فلا نقول اليدان جارحتان، ولا نقول اليدان كأيدينا، ونحو ذلك مما فيه مجاوزة، اليد معروفة كل يعقل معنى اليد؛ لكن لا تشبه يد الرحمن جل وعلا بيد عباده؛ بل على قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فإثبات الصفات إثبات وجود وإمرار على ظاهرها لما اشتملت عليه الصفة من المعنى، لا إثبات كيفية، فلا ندخل في الصفات متوهمين بأوهامنا ولا مجتهدين بآرائنا؛ لأن الباب باب غيبي لا يخاض فيه بالآراء والأوهام، وهكذا كل صفات الرب جل وعلا مثل صفة الوجه صفة العينين وصفة السمع والبصر وصفة الإتيان والمجيء والاستواء والرحمة والرضا والغضب، وسائر صفات الرب جل وعلا كلها تثبت؛ لأنها جاءت في النصوص جاءت بالحق المطلق بالكتاب والسنة، وما لم يأت بالكتاب والسنة فلا نثبته ولا نطلقه على صفات الله جل وعلا إذ ذلك زيادة على ما علمنا، والله جل وعلا قال ناهيا ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾[الإسراء:36] فمن زاد على ما جاء بالنصوص في الصفات فقد قفا ما ليس له به علم.
س2/ ما هو ضابط الجمع في المطر؟
ج/ النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لم يصح عنه أنه جمع في المطر، وإنما جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ جمع ثامنيا وسبعا -يعني جمع الظهر والعصر وجمع المغرب والعشاء- من غير خوف ولا سفر. في رواية أخرى: من غير خوف ولا مطر.
وإذا تبين ذلك فإن هذا النفي فهم منه العلماء أن السفر والمطر والخوف تبيح الجمع؛ لأنه قال جمع من غير خوف ولا سفر، من غير خوف ولا مطر، فهذا يدل على أن المطر مشروع الجمع له، والسفر مشروع الجمع له كما هو معلوم، والخوف مشروع الجمع له، وهذا بالمفهوم، وهذا المفهوم يحتمل أن يرجع إلى جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء بكل سبب من الأسباب المذكورة، ويحتمل أن يرجع التعليل المعدد إلى واحد دون الآخر؛ لأن المفهوم إذا تعدَّدَ فلا يتعين رجوعه على الجميع إذ يحتمل أن المجموع يرجع على المجموع؛ يعني أن الخوف والمطر ترجع على جمع الظهر والعصر معا والمغرب والعشاء معا، أن السفر والمطر يرجع على هذا وهذا معا، فلا يتعين في هذا المفهوم أن يكون في الحديث دلالة ظاهرة على أن الجمع يكون بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمطر.
فنُظر في عمل السلف فوجدنا أن الصحابة جمعوا بين المغرب والعشاء فقط، وعمل السلف يحدد المحتملات كما هو معلوم في أن العلة أو المفهوم جاء مركبا راجعا إلى شيء مجموع، ولا يتعين رجوع الأفراد إلى المجموع، لهذا جاء عن ابن عمر أنه كان يجمع ومعه أمراء المدينة بين المغرب والعشاء جمعوا في ليلة مطيرة.
وإذا تبين ذلك، فضابط الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة أنْ يكون المطر يشقُّ معه الوصول بعض الجماعة إلى المسجد، بعض الناس إلى المسجد؛ يعني إذا كان يبلُّ ثياب بعض الناس الضعاف من المصلين فإنه يُجمع له، أما مجرد نزول المطر فلا يباح الجمع لمجرد نزول المطر، فلا بد من نزول المشقة، والمشقة يعتبرها الإمام، ولا يفترض وجود المشقة في الجميع بل إذا وجدت المشقة في حق البعض جاز الجمع؛ لأن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال للإمام «واقتدِ بأضعفهم» فالإمام يراعي حال المأمومين في طول القراءة وفي الصلاة وفي الجمع إلى غير ذلك.
وينتبه هنا إلى مسألة من السنة تخفى على كثيرين من الناس، وهو أنه إذا نزل المطر الشديد في وقت من الأوقات؛ يعني ودخل الوقت نزل مطر شديد وقت الظهر، نزل مطر شديد وقت العصر، فإنه يباح أو يجوز أن يصلى في البيت؛ لأن المطر من الأعذار المبيحة -المطر الذي يشق معه الخروج للمسجد من الأعذار المبيحة للصلاة في الجماعة- فإذا وجد المطر فيترك من شق عليه ذلك الصلاة في الجماعة، وهو أولى من أن يجمع في وقت الأولى لتوهم نزول المطر في الثانية من دون عذر واضح.
وأيضا من الأمور التي في السنة وقلَّ وجودها أنه يُسن للمؤذن إذا وجد مطر شديد في وقت الأخيرة في الظهر أو في وقت العصر أو في الجمعة أو في وقت العشاء أنه ينادي في الناس بعد قوله:
أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله.
أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله.
لا يقول:
حي على الصلاة، حي على الصلاة.
حي على الفلاح، حي على الفلاح.
بل يقول: الصلاة في البيوت.
أو يقول: صلوا في بيوتكم.
أو: الصلاة في الرحال.
وهذا من سمعه فيصلي في بيته عند وجود المطر الشديد، وليس مجرد وجود المطر أو المطر الذي لا يشق معه إذا وُجد المطر الشديد أو وجد وحل أو الطريق مملوء بالأمطار ويفسد على الناس أحذيتهم، يفسد على الناس نعالهم، يفسد على الناس ملابسهم، أو يكون معه مشقة في الوصول بالأرجل، ولو للبعض، فإن هذا يباح معه أن يقال، بل يسن معه أن يقال: الصلاة في البيوت، صلوا في بيوتكم. ولكن هذه ينبغي أن ينتبه المؤذن لها فلا تقال إلا بأمر الإمام في أوقات يكون المطر فيها شديدا.
أما الجمع بين الظهر والعصر فالصحيح عندي لما يدل عليه الحديث وتطبيق قواعد أصول الفقه أنه لا يُجمع بين الظهر والعصر؛ لأنه لم يأتِ دليل بالجمع، والدليل الذي ذُكر هو حجة الجميع؛( ) من قال يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ومن قال يختصر في الجمع بين المغرب والعشاء الدليل في ذلك واحد.
س3/ قال في سؤاله: إذا ثبت لله تعالى صفة بلفظ معين، فهل يجوز أن يطلق لله جل وعلا مرادف هذه الصفة، مثل قول بعض العامة الله يشوف. يريدون يرى.
ج/ هذا إذا كان من باب الخبر فلا بأس؛ لكن من باب إثبات الصفة فلا يجوز لأن الصفات توقيفية.
س4/ ما هو التسلسل الواجب والممتنع والممكن؟
ج/ هذا ذكرناه فيما مضى في أول شرح العقيدة الطحاوية ويمكن أن ترجع إلى شرح الطحاوية ففيها تفصيل ذلك.
س5/ ذكرتم مسألة مهمة في تقعيد العلوم، ولكن هل لكم أن تنبهوا الطلاب إلى أن معرفة هذه لا تعني تطاولهم على القواعد وعدم الاعتداد بها لأدنى سبب؟
ج/ نعم هذه التي ذكرناها ليس تعليما لها، ولكنه تنبيه لما سأل السائل عن مسألة لفظ الجلالة هل الأسماء هي قديمة إلى آخره.
س6/ ما رأي الدين في رجل رأى منكرا على رجل، ولم يستطع تغييره فقال الرجل الذي لم يستطع التغيير: أعوذ بالله منك أو قال أعوذ بالله من وجهك. فهل هذا السب يجوز؟
ج/ الجواب أولا في الأسئلة لا يسوغ أن يقال ما رأي الدين؛ لأن:
المسألة ليست رأيا وهذا واحد.
والمسألة الثانية لا يُنسب الرأي للدين.
وإنما يقال: ما تقول الشريعة مثلا، ما الحكم الشرعي في كذا ما يقول أهل العلم ما الجواب عن كذا.
ومن رأى منكرا فالله جل وعلا وسع على العباد، فمن رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان.
وأما سب من وجد عليه منكر هذا اعتداء وإنما ينكر عليه، السب هذه مسـألة خارجة، ينكر عليه المنكر، ما استطعت تقف، أما سبه أو الاستعاذة منه، فهذا لا يسوغ وإنما يستعاذ بالله من شره؛ يعني شر تعدي المنكر من لم يستطع الإنكار، نعوذ بالله من شرك، نعوذ بالله من شر ما أنت عليه، نعوذ بالله من سوء عملك، ونحو ذلك هذا حسن؛ لأن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه. نسأل الله السلامة والعافية، وتغيير المنكر بالقلب تغيير إذا علم الله منك أنك كاره ومنكر، فهذا إنكار بالقلب.
س7/ هل الترضي على أهل الشجرة دعاء لهم بأن يرضى الله عنهم أو تقرير رضا الله عز وجل؟
ج/ هذا سؤال جيد وهو مبني على أن قول القائل: رضي الله عنه، رحمه الله. هذا دعاء في أصله، فإذا كان قد أُمْتُنَّ عليهم بذلك من الرب جل وعلا فالترضي معناه التحقيق تحقيق ذلك والدخول في تأكيده؛ لأن الله سبحانه منّ عليهم ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾[الفتح:18].
س8/ الحروف المقطعة هل هي من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، أو يوجد من يعلمه من العلماء؟
ج/ الحروف المقطعة اختلف أهل العلم فيها إلى اثني عشرة قولا، وهذه الأقوال جماعها قولان:
الأول أنه يعلم معناها.
والثاني أنه لا يعلم معناها.
ومن قال يعلم معناها اختلفوا فيها على أقوال، والصحيح أن معناها معلوم معروف، وأنه لا يقال لا يعلم معناها؛ لأنها ذكرت -كما بينت لكم مرارا- ذكرت للتحدي، فهذه الأحرف المقطعة ليست أوائل كلمات، وليس مجموعها يدل على أسماء الله جل وعلا، وليست أسماء للسور كما هي أقوال مختلفة في المسألة، وإنما هذه الأحرف المقطعة هي الأحرف التي ينشئ بها العرب كلامهم، والتي بها يفاخرون في إنشاء الأشعار وإنشاء الخطب، فإذا كان كذلك فهذا القرآن من هذه الأحرف، تكلم الله جل وعلا بالقرآن بلسان عربي مبين، فإذا كان كذلك، فتكلموا بمثل هذا القرآن أو بمثل عشر سور مثله، أو بمثل سورة، والجميع عجزوا عنه، ولهذا هذه الأحرف المقطعة الصحيح أنه لا يقال لا يعلمها إلا الله؛ بل هذه الأحرف المقطعة جُعلت في صدر السور للتحدي؛ تحدي الكفار أن ينشئوا مثل هذا القرآن الذي هو من هذه الأحرف.


 وَلا يَصحُّ الإيمانُ بالرُّؤْية لأهْل دارِ السَّلامِ لِمن اعْتَبَرَهَا مِنْهُم بِوَهْمٍ أوْ تأوَّلَها بِفَهْمٍ إذْ كانَ تأويلُ الرؤْية وتأويلُ كل مَعْنَى يُضَاف إلى الرُّبُوبيَّة تَرْكُ التَّأْويلِ ولُزوم التَّسْليمِ. وعليه دينُ المسْلِمين. ومن لم يَتَوقَّ النَّفْيَ والتشْبِيهَ، زلَّ ولمْ يُصِب التنْـزِيهَ. فَإنَّ رَبَّنا جّلَّ وعَلا موصوفٌ بصفاتِ الوحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعوتِ الفَردَانِيَّةِ، ليسَ في معناهُ أحَدٌ من البَرِيَّةِ.
[الشرح]
كان وقوفنا في الدرس الماضي عند قوله (فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُه، ولم يَقنعْ بالتَّسلِيم فَهْمُهُ، حَجَبَه مَرامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيد، وصَافي المعرِفةِ، وصَحيح الإيمانِ) هذه الجملة فيها النهي عن أنْ يتعدى المؤمن ما عُلِّمَهُ في الكتاب والسنة وأن يقتصر عليه، وذلك لأن ما لم يُعَلَّم إياه من أمر التوحيد والإيمان والعقيدة فإن الخير فيما عُلمناه، والتعدي على ما عُلمناه فيه خوض فيما لم يأتِ لنا به علم وهذا منهي عنه، كما قال جل وعلا ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾[الإسراء:36]، فشيء لم يرد -في أمور الغيبيات- لم يرد في النص في الكتاب ولا في السنة فإنه يُسكت عنه ولا يتكلم فيه، وإذا كان معارضا لما في الكتاب والسنة فيرد؛ لأن الحق فيما قال ربنا جل وعلا وقاله رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقوله (فَمَنْ رَامَ عِلْمَ مَا حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُه) يعني ما لم يأت به علم رام شيئا أراد علما لم يأتنا فيه علم وهو الدليل البرهان من الكتاب والسنة، (ولم يَقنعْ بالتَّسلِيم فَهْمُهُ) كما ذكرنا لكم أن ثمة أشياء قد تشتبه وواجب على المسلم أن يسلِّم بما جاء في النص من الأمور الغيبية، إذا لم نقنع بالتسليم الفهم، ورام شيئا محظورا عنه ودخل في أقوال وعقليات وآراء فإن هذا الذي فعل يحجِبُه عن خالص التوحيد، قال (حَجَبَه مَرامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيد) وهو طلبه لشيء لم يرد فيه العلم، (حَجَبَه مَرامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيد وصَافي المعرِفةِ، وصَحيح الإيمانِ) (خَالِصِ التَّوْحِيد) يعني كامل التوحيد، التوحيد الذي لا شيء يكدِّره، خالص، الشيء الخالص الذي لا شيء يكدره [....] خالص وسامي، فمن بحث في أشياء لم يأت بها العلم الشرعي لم يأت بها الدليل فإن توحيده ناقص، وهذا يدل على أن من خاض في المشككات واستمر معها متشككا لم يسلم فإنه لابد وأن يحجب عن خالص التوحيد، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في تائيته القدرية:
وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ هو الخوضُ في فعْلِ الإلـهِ بعلَّةٍ


خاضوا في شيء لم يأت لهم به خبر ولم يأت لهم به دليل، فخاضوا في أفعال الله جل وعلا قال:
وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةٍ هو الخوضُ في فعْلِ الإلـهِ بعلَّةٍ
فإنَّهمُ لـم يَفْهَمُـوا حِكْـمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ




فكل من خاض في أشياء غيبية لم يأت بها الدليل فإنه يحجب عن خالص التوحيد، ولهذا واجب في مسائل الإيمان أن لا يتجاوز فيها ما جاء في الأدلة، واجب في مسائل القدر أن لا يتجاوز فيها ما جاء في الكتاب والسنة لهذا جاء في الحديث الصحيح «إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا يعني أمسكوا» يعني أمسكوا عن أن تخوضوا في هذه الأشياء في غير ما علمتم، فمن خاض في شيء لم يعلمه فإنه يحجب عن خالص التوحيد؛ لأنه قد يقوده ذلك إلى الشك وعدم الاستسلام.
قال (وصَافي المعرِفةِ) المعرفة في كلام أهل العلم تتناوب مع العلم، إذا قيل المعرفة فيراد به العلم، ولهذا قسم طائفة من العلماء التوحيد إلى قسمين:
 توحيد المعرفة والإثبات.
 توحيد القصد والطلب.
توحيد المعرفة والإثبات يعني توحيد العلم؛ يعني التوحيد العلمي الخبري، والتوحيد الطلبي الإرادي، والمعرفة إذا كانت بذلك بهذا المعنى فلا بأس بذلك، ونبهتكم مرارا على أن كلمة المعرفة جاءت بمعنى العلم في السنة كما روى أصحاب الصحيح أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال لمعاذ «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم عرفوا ذلك» يعني علموا ذلك وأقروا به ونحو ذلك، هذا من المعنى الجائز الذي ورد، وأكثر ما جاء في القرآن بل عن كل ما جاء في القرآن أن المعرفة أضيفت لمن يذم وليس لمن يمدح، كما قال جل وعلا ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾[النحل:83]، وكما قال ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأنعام:20]، ونحو ذلك من الآيات، وهذا سبق بيانه.
فإذن قوله (وصَافي المعرِفةِ) يعني وصافي العلم، فالعلم الصافي لا يؤتاه إلا من سلَّم، وهذا أمر عجيب لأن العلم الشرعي وخاصة التوحيد يؤتاه العبد لشيئين، لشيئين سلوكيين من أعمال القلوب:
الأمر الأول: أنْ لا يعترض، فإذا اعترض حُجب.
والأمر الثاني: أن يعمل، فإذا تعلم الإخلاص عمل به، تُفتح له من أبواب الإيمان والعلم بالإيمان والإخلاص ما لا يُفتح للآخرين؛ بل المرء نفسه يجد في حاله في تارات من حياته أو من تارات من طلبه للعلم مرة يُفتح له لإخلاص كان عنده وصدق وعمل صالح كان عنده، ومرات يحجب عنه كثير من أنواع الإخلاص وأنواع العلوم القلبية والأعمال القلبية، فهذان الأمران مهمان:
الأول عدم الاعتراض.
والثاني العمل بمفردات التوحيد ومفردات الإخلاص.
فصفاء العلم يكون بهذين الشيئين، حتى الأمور العملية؛ الأمور العلملية -أمور الصلاة الأحكام الفقهية من العبادات في المعاملات وغير ذلك-، إذا علمت شيئا فسلمت للدليل، وسلمت لكلام أهل العلم، فعملت بذلك أورثك الله جل وعلا ثباتا في هذا العلم الذي علمته وفهما لما لم تعلم، كما قال بعض السلف: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، وقد قال جل وعلا في سورة النساء ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾[النساء:66]، فكان خيرا لهم إذا فعل المرء ما يوعظ به؛ يعني في القرآن والسنة خير أن تعمل ما وُعظت به وأشد تثبيتا للإيمان وللعلم، ولهذا عدم الاعتراض في أمور العقائد والتوحيد على النصوص يعطى العبد به نور ويخلص توحيده وتصفى معرفته وعلمه ويصح إيمانه كما ذكر رحمه الله، وكذلك في الأمور العملية إذا عمل بعد العلم وسلَّم ولم يعترض فإنه يصفى من جهة العمل ويكون إيمانه وعمله داعيا له إلى العلم وإلى الازدياد من العمل، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل صحة الإيمان وصفاء العلم.
قال (فيَتَذَبْذَبُ بينَ الكُفرِ والإيمانِ، والتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، والإقْرارِ والإنكارِ، مُوَسْوَسًا تَائِهًا، شَاكًّا، زائِغًا، لا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، ولا جَاحداً مُكَذِّباً) وهذا كثير في الذين عرضت لهم الشكوك وساروا معها ولم يقنعوا بما دلهم عليه الكتاب والسنة، فإنهم يبقون متشككين حائرين ليسوا مؤمنين وليسوا كفارا، تارة ينزعُ إلى هؤلاء بشكه، وتارة يكون مع أهل الإيمان بتصديقه، وتارة يعرض له التكذيب، وتارة يعرض له التصديق تارة يعرض له الإقرار وتارة يعرض له الإنكار، فليس في قلبه يقين للحق، ليس في قلبه علم لا شك فيه؛ بل هو متردد بل هو ذو ريب وذو شك، والله جل وعلا وصف المنافقين بأنهم لا يزالون في ريبهم فقال سبحانه ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾[التوبة:45].
ننبه إلى أن قوله (فيَتَذَبْذَبُ بينَ الكُفرِ والإيمانِ، والتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ) والوسوسة ونحو ذلك، هذه لها حالات إذا عرضت فلم يتكلم بها العبد، وحتَّم العلم على قلبه فإن هذه الوسوسة دليل الإيمان، كما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لما سئل فقيل له: إن أحدنا ليجد في نفسه أشياء لا يتجاسر أن يتكلم بها قال «أو قد وجدتم ذلك، ذلك صريح الإيمان» يعني أن الشيطان إذا لم يتمكن من العبد إلا أن طرح في قلبه بعض الوساوس فهذا يدل على أنه لم يستطع عليه؛ بل هو مؤمن وهذا دليل صريح الإيمان الذي في القلب؛ لكن هذا بحق من؟ من تعرض له هذه الأشياء ثم ينفيها بالعلم، فإن كل أحد لا يسلم من هذه العوارض التي تأتي والشكوك أو الوساوس التي يُلقيها الشيطان لكن صاحب العلم ينفيها ولا يستأنس لها، وأما الذي يستأنس لها ويسير معها ويبحث متشككا حائرا كما ذكرنا ولم يستسلم فإن هذا هو الذي وصف هنا بقوله (فيَتَذَبْذَبُ بينَ الكُفرِ والإيمانِ) إلى آخره.
ثم قال رحمه الله تعالى هذه المسائل التي سمعتموها وما سيأتي تأصيلية، في مسائل التلقي والموقف من العقل، والاستسلام للنص، ووحدة مصدر التلقي، وأن العقيدة مأخوذة بالاستسلام، ونحو ذلك والمباحث العقدية يأتي بعد ذلك بقية ما أورده المصنف.
قال (وَلا يَصحُّ الإيمانُ بالرُّؤْية لأهْل دارِ السَّلامِ لِمن اعْتَبَرَهَا مِنْهُم بِوَهْمٍ أوْ تأوَّلَها بِفَهْمٍ) هذا سبق أن ذكرنا الرؤية رؤية الرب جل وعلا والمباحث فيها والرد على أهل الزيغ وتقرير مذهب أهل السنة والجماعة أهل الحديث في ذلك، سبق أن ذكرنا ذلك بتفصيل.
قال هنا(وَلا يَصحُّ الإيمانُ بالرُّؤْية لأهْل دارِ السَّلامِ) (دار السَّلامِ) التي هي الجنة ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[الأنعام:127]؛ لأن فيها السلامة بجميع أنواعها؛ السلامة في البدن والسلامة في القلب، والسلامة في الخواطر، حتى اللغو لا يسمعون وحتى كما قال ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾[الغاشية:11]، حتى ما يؤذي السمع فلا يسمع خرير الأشجار وحركة الأوراق ألحان في الجنة، فكل ما فيها سلام، وتحية أهلها السلام.
قال(وَلا يَصحُّ الإيمانُ بالرُّؤْية لأهْل دارِ السَّلامِ لِمن اعْتَبَرَهَا مِنْهُم بِوَهْمٍ) يعني أنَّ الإيمان بالرؤية فرض؛ لأن الله جل وعلا ذكره في كتابه وذكره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنته، فهو عقيدة الإيمان بها فرض، فمن تأول الرؤية فلا يصح إيمانه، وهذا ليس في للرؤية فحسب، ليس في الرؤية وحدها، بل كل من تأول شيئا من الغيبيات فلا يصح إيمانه به؛ لأن الإيمان بالأمور الغيبية إيمان بما دل به ظاهر اللفظ، إيمان بما دل به ظاهر الصفة، إذ كانت قاعدة السلف أمروها كما جاءت لا يُتجاوز القرآن والحديث.
قال(لا يَصحُّ الإيمانُ بالرُّؤْية لأهْل دارِ السَّلامِ لِمن اعْتَبَرَهَا مِنْهُم بِوَهْمٍ أوْ تأوَّلَها بِفَهْمٍ)، اعتبرها بوهم؛ من تخيل شيئا ما، (أوْ تأوَّلَها) يعني سلَّط على نصوص الرؤية التأويل قال في التعليل (إذْ كانَ تأويلُ الرؤْية وتأويلُ كل مَعْنَى يُضَاف إلى الرُّبُوبيَّة تَرْكُ التَّأْويلِ ولُزوم التَّسْليمِ)؛ يعني أن التأويل تأويل الرؤيا وتأويل الصفات الحق هو ترك التأويل وهذا يأتي بيانه في المسائل، فتأويل الصفات هو ما تؤول إليها حقائقها، والعقل والقلب لا يدرك الغيبيات، فلذلك عدم إدراكه للغيبيات يدل على أنها على ظاهرها، فقوله هنا (وَلا يَصحُّ الإيمانُ) إلى آخره علله بقوله (إذْ كانَ تأويلُ الرؤْية وتأويلُ كل مَعْنَى يُضَاف إلى الرُّبُوبيَّة-يعني إلى الرب جل وعلا من الصفات جميعا تأويل ذلك الحق- تَرْكُ التَّأْويلِ ولُزوم التَّسْليمِ. وعليه دينُ المسْلِمين) وهذه الجملة من كلامه واضحة المعنى فيما ذكرت لك لكن ينبني عليها لفهم مراده مسائل:
المسألة الأولى: في معنى التأويل، التأويل هو ما تؤول إليه الأشياء، آل الأمر إلى كذا؛ يعني صار إلى كذا، والتأويل هو إِيَالُ الأشياء إلى نحو ما، هذا في اللغة.
تأويل الرؤية ما تؤول إليه الرؤية، تأويل الطاعة ما تؤول إليه الطاعة ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾( ) يعني وأحسن عاقبة، أحسن مآلا.
فإذن كلمة تأويل هذه اسم مصدر آل الشيءُ، يؤول، إيالا، وتأويلا، فإياله؛ نهايته تسمى تأويله.
المسألة الثانية: التأويل في استعمال أهل العلم أو فيما جاء في الكتاب والسنة وفيما جرى عله كلام العلماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول التأويل بمعنى التفسير: الكل يشترك في المعنى الأول اللغوي الذي ذكرت لك في المسألة الأولى، الأول التأويل بمعنى التفسير، تأويل كذا يعني تفسيرَه، ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي﴾[يوسف:100] يعني هذا تفسير (رُؤْيَاي)، و[ذهب] قول العلماء في تفسير القرآن قول أهل التأويل؛ مثل ما يستعمل الإمام ابن جرير في تفسيره ويكثر منه يقول: قال أهل التأويل. يعني أهل التفسير تفسير القرآن.
الثاني تأويل الأخبار وتأويل الأمر والنهي: تأويل الخبر ما تؤول إليه حقيقة الخبر؛ يعني أنه إذا ذُكر شيء لك فأُخبرت به فتأويله حينما تراه، كما قال جل وعلا ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني تأويل ما ذكر الله في سورة الأعراف من خبر يوم القيامة من الجنة والنار ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ﴾[الأعراف:35] إلى آخر الآية قوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) يعني ما يؤول إليه حقيقة الخبر وهو ما سيراه الناس، فتأويل كل خبر في الأمور الغيبية هو حقيقته التي هي عليه، فتأويل الجنة هو حقيقة الجنة، تأويل النار حقيقة النار، فهذه الأخبار التي اخبر الله جل وعلا بها من الغيبيات تأويلها هي حقائقها في الأمور الغيبية، ولهذا قال جل وعلا ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾[آل عمران:7] على من وقف عند لفظ الجلالة؛ لأن أحدا لا يعلم التأويل إلا الله؛ يعني تأويل المتشابه، يُعنى بهذا التأويل ما تؤول إليه حقائق هذه الأشياء يعني ما هي عليه وهذه لا يعلمها إلا الله، لا يعلم حقيقة الصفات إلا الله، لا يعلم حقيقة الجنة إلا الله، لا يعلم حقيقة النار إلا الله، لا يعلم حقيقة يوم القيامة إلا الله، لا يعلم حقيقة ما في السماء إلا الله، لا يعلم حقيقة الصراط وأحوال البرزخ إلا الله جل وعلا.
فهذه الحقائق لا يعلمها إلا الله؛ لكن المسلم يعلم المعاني في الأمور الغيبية، أخبرنا في الأمور الغيبية بأشياء لها معنى فنعتقدها، وأما حقيقة ما هي عليه بكمالها من جهة المعنى والكيفية، هذه لا يعلمها إلا الله إلا الرب جل وعلا، لهذا صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الجنة من دنياكم إلا الأسماء. يعني أنك تعرف أصل المعنى، أما الحقائق فالمسألة ليست بمقدور الناس أن يفهموا حقيقة ما في الجنة.
حقائق الأخبار إذن، حقيقة الخبر من جهة تمام المعنى ومن جهة كيفية الأمور الغيبية هذه لا يعلمها إلا الله، فيكون الوقف عند الآية (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) والراسخون في العلم لا يعلمون تأويل الأخبار بمعنى حقائق الغيبيات على ما هي عليه من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى.
أما الأمر والنهي فالله جل وعلا أمر بأوامر ونهى عن نواهي، فتأويل الأمر امتثاله، وتأويل النهي الانتهاء عنه؛ لأن الله جل وعلا قال﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[النساء:59]؛ يعني وأحسن امتثالا لأمر الله جل وعلا وأحسن عاقبة.
فإذن كل من أُمر بأمر فتأويل الأمر؛ يعني ما تؤول إليه حقيقة الأمر أن تمتثله فمن لم يمتثل فلم يستسلم للأمر ولم يطع في ذلك، تأويل النهي هو ما تؤول إليه حقيقة النهي وهو امتثاله - امتثال النهي يعني أن يجتنب النهي؛ ما نهي عنه-، ثم يزيد على الأمرين في الامتثال عاقبة أو جزاء الامتثال بالأوامر وجزاء الانتهاء عما نهي عنه بالنواهي.
فإذن التأويل بالأمر والنهي يشمل شيئين:
• يشمل: أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي.
• ويشمل: ما سيراه في الآخرة من جزاء الأمر، وما امتثله، ومجازاة العبد على انتهائه عن ما نهي عنه.
الثالث التأويل بمعنىً حادث لم يأتِ في القرآن وفي السنة، أما الأولان فقد جاءا، لكنه صحيح إذا كان صحيح بضابطه الذي ضبطه به أهل العلم، وهو أنْ يُصرف دليل عن ظاهره لحجة، ويعبر عنه الأصوليون بقولهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة. وهذا للأصوليين فيه تفصيلات حيث أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ لكن هذا المعنى من التأويل صحيح؛ يعني أن النصوص ربما صرف اللفظ إلى غيره صرفت دلالة الدليل إلى آخر لدليل آخر لقرينة.
المسألة الثالثة: هذا التأويل الأخير هو الذي به تسلَّط( )......... وأوَّلوها بالتأويلات، فنصوص الرؤية حرفوها وسموا تحريفهم تأويلا، ونصوص إثبات الصفات كالوجه واليدين والرحمة والرضا من الصفات الذاتية والصفات الفعلية جميعا حرَّفوها وسموا تحريفهم لها تأويلا، وهذا هو الذي أراده الطحاوي بقوله (إذْ كانَ تأويلُ الرؤْية وتأويلُ كل مَعْنَى يُضَاف إلى الرُّبُوبيَّة تَرْكُ التَّأْويلِ ولُزوم التَّسْليمِ)؛ لأن تأويلهم له كان باطلا، وحقيقة التأويل أن يترك التأويل؛ يعني التأويل المطلوب شرعا أن يُترك التأويل، وهذا يحتاج على تطبيق.
فالتعريف، عَرَّف الأصوليون -كما ذكرت لك- التأويل بأنه صرف اللفظ -الذي جاء بالدليل- صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة.
هنا القرينة لابد أن تدل على أنَّ الظاهر غير مراد حتى يمكن أن يُصرف اللفظ عن ظاهره؛ لأن الظاهر هو الأصل، فإذا أردنا أن نؤول الظاهر لابد من قرينة هذه القرينة هي التي بها قلنا الظاهر غير مراد، فأتوا بهذه القرينة وسلطوها على نصوص الصفات، فقالوا -هنا الأمور الغيبية هذه مثل الرؤية-: الرؤية ظاهرها يقتضي التجسيم، يقتضي التحيز، يقتضي التشبيه - رؤية الرب جل وعلا-، يعني أنه يكون متحيزا حتى يمكن أن الناس يره، لابد أن يكون في جهة حتى يمكن أن الناس يروه، لابد أن يكون بمقابلة العينين حتى أن العينين تراه، وهكذا، فلما كانت هذه القرينة العقلية عندهم وهي أن الله جل وعلا لا يشبه المخلوق ولا يماثل المخلوق، قالوا: إذن الرؤية تؤول لأن معناها الظاهر غير موافق طبعا؛ لأن فيه تمثيلا وتشبيها لله بخلقه.
وهذا ينطبق على جميع الصفات، فيمكن أن تطبق هذه القاعدة على كل ما أُوِّلَ من النصوص في الصفات والأمور الغيبية سواء كان في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية.
ونناقش هؤلاء –وأنا أريد منكم أن تتابعوا معي؛ لأني أريد كلمة مهمة لبناء ما بعدها عليها- هؤلاء جاءوا بشيء سمَّوه قرينة فحكموه على النص، فسمَّوا هذا الذي فعلوه تأويلا، ونحن بقاعدة الأصوليين بتعريف الأصوليين نناقشهم، هل طبقتم التأويل حقا أم أنكم عملتم شيئا سميتموه تأويلا؟
القاعدة ما عليها غبار، القاعدة صحيحة.
فنقول هنا: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، أنْ يصرف عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لابد أن يكون الظاهر الذي صُرف عنه لابد أن يكون معلوما، معلوم المعنى حتى نصرفه إلى غيره؛ ونقول هذا الظاهر الأول غير مراد لأنه لا يصلح حتى يمكن أن نصرفه، وهذا في التقعيد واضح.
صفات الرب جل وعلا في ظاهرها المتبادر منها ظاهر معنى، وأصل المعنى أيضا وليس ظاهرا في كيفية وليس ظاهرا في كل المعنى.
إذن فعندنا في النص ثلاثة أشياء:
 عندنا أصل المعنى الذي نفهم به، نفهمه من اللغة.
 وعندنا كمال المعنى، تمام الصفة، كمال معنى الصفة.
 وعندنا ثالثا الكيفية.
فإذن ظاهر النص مشتمل على أصل المعنى؛ يعني على إثبات الصفة من حيث الوجوب، صفة الرحمة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾( ) هذه فيه إثبات صفة الرحمة؛ لكن ما هو كمال معنى الرحمة ليس واضحا في النص، إذن النصوص فيها أصل إثبات الصفة.
فإذن صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، هم صرفوا، لم يصرفوا الظاهرَ، وإنما صرفوا شيئا توهموه زيادة على الظاهر، فالظاهر يجب الإيمان به والاستسلام، فهم توهموا للظاهر شيئا زائدا على دلالة النص توهموا تمام معنى وتوهموا كيفية.
فإذن لم يقتصروا على الأمر الأول؛ وهو أن النص جاء في الصفات وفي الأمور الغيبية التي هي أصل المعنى وإنما توهموا كيفية، فقالوا صفات الله جل وعلا: كيف أن الإنسان يراها بعينيه؟ معناه أن الله جل وعلا يكون متحيزا، وسوف يكون في جهة، وسوف يكون إلى آخره من الأمور الباطلة. ونقول هذه زائدة على النص.
فإذن التأويل الذي سُلِّط على النص في الحقيقة سلط على ما في الأوهام ولم يُسلَّط على النص، فإنكم تخيلتم أن النص يشمل الثلاث هذه جميعا في المعنى في أصل المعنى وفي تمامه وفي الكيفية، ثم سلطتم التأويل عليها، فسلطتم التأويل ليس على اللفظ وإنما على ما توهمتموه من اللفظ.
فإذن قاعدة التأويل في الحقيقة لم تطبقوها وإنما طبَّقتم ما في أذهانكم.
لهذا نقول إثبات الصفة إثبات وجود لمعنى وليس إثبات تمام معنى أو كيفية، فالقرينة التي بها تسلطوا على النص هي قرينة المماثلة أو المشابهة، كلٌّ يقول هذا يقتضي التمثيل يقتضي التشبيه يقتضي التجسيم، فلذلك يؤوَّل فالقرينة عندهم عقلية بحتة وليست نصا، القرينة عقلية في أن هذه الأشياء ظاهرها يماثل صفات المخلوقين، يشابه صفات المخلوقين، فلذلك يجب أن ننفي هذا الظاهر.
وهذا في الحقيقة ليس هو ظاهر النص، ظاهر النص ليس فيه الكيفية، ظاهر النص ليس فيه تمام المعنى، وإنما ظاهر النص الذي يجب الإيمان به أنّ فيه أصل اتصاف الله جل وعلا بالصفة، فنؤمن بأن الله جل وعلا ذو وجه جل وعلا، وأنه سبحانه متصف بصفة السمع؛ لكن كيف يسمع؟ يسمع دبيب النملة على ظهر الصخرة الملساء، كيف حصل هذا السمع؟ تمام معنى السمع لا نستطيع أن ندخل فيه، وإنما نقول الله جل وعلا موصوف بصفة السمع وله من هذه الصفة كمالها؛ كمال هذه الصفة، الكمال المطلق؛ لكن هل نستطع أن نخوض في تفصيلاته؟ هذا الكمال إلى أي حد؟ لا نستطيع، كذلك صفة الوجه، صفة اليدين، إلى غير ذلك من الصفات.
فإذن هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، إثبات اتصاف بالصفة لا إثبات كيفية.
فإذن الذين سلطوا القرينة سلطوها بشيء متوهم، فلهذا لا يصح أن يقال إنهم طبقوا قاعدة التأويل، بل هم حرَّفوا؛ لأنهم جعلوا للنص دلالة بأوهامهم خلاف دلالة النص، ثم بعد ذلك سلطوا عليها تأويلهم.
لهذا قال طائفة من أهل العلم: كل مؤول ممثل، كل مؤول مشبه. لأنه لا يمكن أن يؤول إلا وقد قام في قلبه من دلالة النص التشبيه أو التمثيل.
هذا واحد.
الأمر الثاني نقول لهم إذا لم تسلموا بذلك، وقلتم: إن تأويلنا كان لأصل المعنى وليس لما قام في أوهامنا وفي أذهاننا، فنقول يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة السمع، يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة البصر، يلزم من ذلك أن تؤولوا صفة الكلام، فما الفرق بين صفة الكلام لله جل وعلا وصفة السمع والإرادة والحياة وصفة الرحمة؟ ما الفرق بينها؟ ما الفرق بين هذه الصفات وبين صفة اليدين؟
فإذن السمع للمخلوق سمع فالمشابهة حاصلة بحسب أفهامهم، فالنص الذي به أثبتم صفة السمع والبصر وصفة الكلام هو النص الذي أثبتت به سائر الصفات، فلِمَ لم تتعرضوا لهذا بتأويل وتعرضتم لآخر بتأويل؟ إنْ كان الآخر أخذتم كما قلتم أصل المعنى فأولتم، فهذه أنتم أخذتم اصل المعنى فيلزمكم التأويل.
إذن فالحاصل من هذا أن كل مؤول لا يصح أن يقال أنه مؤول؛ بل هو محرف لأن التأويل لا ينطبق على قاعدته، لا ينطبق على هذه الحالة.
فالنصوص الغيبية بابها باب واحد، تطبيق القاعدة الأصولية التي هي التأويل لا يصلح على هذه المسائل، المسائل الغيبية لما ذكرته لك.
تميم للمسألة، إذن قول الطحاوي هنا دقيق للغاية يُتنبه لقوله، قال (إذْ كانَ تأويلُ الرؤْية وتأويلُ كل مَعْنَى يُضَاف إلى الرُّبُوبيَّة تَرْكُ التَّأْويلِ) التأويل إذا أردت أن تطبق قاعدة التأويل فتخرج منها وستستنتج منها أنَّ التأويل ترك التأويل، كيف؟ إذا قلنا إن القرينة غير ممكنة؛ لأن المعنى هذا غيبي، فإذن سينتج منه أنَّ القاعدة غير منطبقة.
فإذن التأويل سيؤديك إلى ترك التأويل؛ لأن القاعدة غير جائية وسارية في مسائل الغيبيات، وهذه الكلمة دقيقة منه رحمه الله تعالى (إذْ كانَ تأويلُ الرؤْية وتأويلُ كل مَعْنَى يُضَاف إلى الرُّبُوبيَّة تَرْكُ التَّأْويلِ ولُزوم التَّسْليمِ)؛ لأنك لو طبقت قاعدة التأويل نتج منها ترك التأويل، التأويل أن تترك التأويل.
المسألة الرابعة: مثل التأويل في تطليقه على نصوص الغيبيات ما يسمى بالمجاز، والتأويل والمجاز يُستخدمان في مباحث الصفات والأمور الغيبية بعامة، يستخدمها أهل البدع الذين لم يسلِّموا للنصوص دلالتها.
(المجاز) لم يأتِ هذا اللفظ لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة ولا في كلام التابعين ولا في كلام تبع التابعين؛ يعني انقضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يستعمل هذا اللفظ فلفظه حادث، والألفاظ الحادثة بحسب الاصطلاح: إن كان هذا المصطلح أُستخدم في شيء سليم، في شيء مقبول شرعا، فلا بأس به إذ لا مشاحة في الاصطلاح، مثل التأويل هو كذا وكذا فعرفوه، ومثل ما تعارفوا على أشياء كثيرة في العلوم، ولهذا استعمل لفظ المجاز بعض العلماء في معاني صحيحة؛ فكتب أبو عبيدة مَعمر بن مثنى كتابا سماه مجاز القرآن، وتجد في ألفاظ لابن قتيبة أيضا تجد ذكرا للمجاز -للمجاز العام-؛ يعني المجاز المقبول؛ وله هو نظر في المجاز لا نعرض له الآن.
إذن هذا تاريخ اللفظ أن اللفظ حادث ما كانت مستعملة، ماذا يقصد بلفظ المجاز من حيث اللغة؟
المجاز يعني: ما يجوز. في اللغة.
يعني هذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾،( ) ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾[المؤمنون:28]، قال مجازه علا على العرش، وهذا يعني أنه معناه في اللغة؛ يعني ما تجيزه اللغة يعني هذا مجازه اللفظي في اللغة وما أجازته العرب من المعنى، إذا نظرت لذلك وجدت أن استعمال من استعمل لفظ المجاز غير استعمال المحرفين.
لهذا نقول المجاز عند أهل التحريف عرفوه بما يلي:
قالوا: المجاز هو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى وضع ثانٍ لعلاقة بينهما.
وعرفه آخرون بقولهم: المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له.
مثاله عندهم تقول مثلا: ألقى فلان علي جناحه. فمجاز الجناح هنا قالوا: الجناح يعني كنفه ورعايته ويده إلى آخره. قالوا: أصل الجناح للطائر جناح الطائر، فلما استعمل في الإنسان صار استعمال للفظ لغير ما وضع له، لهذا سموه مجازا.
إذا تبين لك ذلك فنقول:
أولا قولهم في التعريف -في تعريف المجاز- المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له. مبني على أن الألفاظ موضوعة لمعاني، ومن الذي وضع المعنى أو اللفظ للمعنى ؟ من الذي وضع ؟ يقولون العرب وضعت.
التعريف الأول -وهو مشهور عند الأصوليين- المجاز نقل اللفظ من وضع أول إلى وضع ثاني، يعني أن العرب وضعت للألفاظ شيئا ثم نقلته من الوضع الأول إلى الوضع الثاني، هذا التطور مبني على خيال في أصله؛ وهو أنه يطالب من عبر هذا التعبير بأن يقال له: من الذي وضع الوضع الأول؟ أولا في التعريف ولهذا لا تدخل مع الذين يبحثون في المجاز أصلا، يعني في الغيبيات أما في الأمور الأدبية، هذا الأمر سهل؛ يعني الخلاف الأدبي سهل، لكن إذا أتى المجاز في الأمور الغيبية والصفات تناقشه في التعريف.
الآن التعريف ما هو تعريف المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له، نقل اللفظ من الوضع الأول إلى الوضع الثاني، هذا الوضع الأول والوضع الثاني كيف عرفنا أن هذا هو الوضع الأول؟ الجواب لا سبيل على الجواب.
ليس ثَم أحد يمكن أن يقول هذا اللفظ وُضع لكذا، إذْ معنى ذلك أن العرب اتفقت، عقدت مؤتمرا، اجتمعت جميعا، وقالت: الآن نحدد لغتنا في الوضع الأول هذا السقف السماء وضعها الأول ما علا، الأرض هي هذه هذا الوضع الأول، السير جرى مشى معناه كذا، جناح هو لهذا الطائر، حمام هو لهذا الطائر، وهكذا.
فيتصور من التعريف أن العرب اجتمعت وجعلت لكل لفظ معنى في لغتها، وهذا خيال لأن من عرف ودرس نشأة اللغات لا يمكن أن يتصور أن اللغة العربية نشأت على هذا النحو، لهذا نقول أولا التعريف غير صحيح؛ لأن الوضع الأول يحتاج في إثبات أنه وضعٌ أول إلى برهان، أثبت لي أنه وضع أول ولا بأس؛ لكن لا سبيل إلى الإثبات.
لهذا نقول إن المعاني في اللغة العربية كثير منها كلية، وكلما ذهبت إلى المعنى الكلي كلما كنت أحذق وأفهم للغة، وهذا ما جرى عليه العام المحقق ابن فارس في مقاييس اللغة كتاب سماه معجم مقاييس اللغة، جَعَلَ كلمات لها معاني كلية ثم تندرج التفريعات تحت المعنى الكلي، وليس وضعا أول ثم وضعا ثانيا، وهذا حقيقة وهذا مجاز، ليس كذلك.
إذا تبين ذلك فنقول: لفظ التأويل ولفظ المجاز يستعملان كثيرا، الظاهر يقابله التأويل، والحقيقة يقابلها المجاز، فيقال هذا حقيقة وهذا مجاز، ويقال هذا ظاهر وهذا تأويل، فلا يقال في التأويل مجاز وللمجاز تأويل، لا، التأويل يختلف عن المجاز كما ذكرته لكم مرارا، المجاز كتطبيق لأجل أن تفهم كيف يطبقون المجاز على قاعدتهم وكيف أن هذا الكلام الذي طبقوه غير جيد غير صحيح.
يقولون مثلا: الرحمة مجاز عن الإنعام، طيب مجاز عن الإنعام يعني أن لفظ الرحمة وضعته العرب للمخلوق للإنسان، فلما أستعمل في صفات الرب جل وعلا نقوله من الوضع الأول إلى وضع ثانٍ وهو الإنعام؛ لأن العرب استعملت الرحمة بمعنى الإنعام، فإذن الرحمة تشمل رحمة الأم بولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الإنسان بمن يتعرض لشيء أمامه من المكروهات، وتشمل الإنعام؛ رحمه يعني أنعم عليه، قالوا الإنعام هذا وضع ثاني والرحمة التي يجدها الإنسان في نفسه هذا الوضع الأول، ففي صفات الرب جل وعلا لا نقول إنه متصف بالرحمة لم؟ قالوا لأن الرحمة لا تحصل إلا بضعف، إلا بانكسار، وهذا منزه عنه الرب جل جلاله.
فإذن نقلوا من الوضع الأول إلى وضع ثاني لعلاقة، العلاقة بينهما هي مناسبة هذا لله جل وعلا؛ يعني الإنعام مناسب، مناسب في هذا وفي هذا، لعلاقات عندهم في المجاز نحو ثلاثين علاقة، ألفت فيها كتب يعني من باب الذكر وليست مهمة.
طيب، عندكم الرحمة بمعنى الإنعام، والرحمة حينما فسرتموها قلتم الوضع الأول في الإنسان لماذا الرحمة هذا اللفظ وُجد مع الإنسان؟ أحس بهذا الشيء الذي في نفسه وهذا الشيء سمي رحمة، فهل هذه الرحمة حينما وُضع لها هذا المعنى هي في لغة العرب أو هي في اللغات جميعا؟ الجواب أنها في لغات العرب؛ يعني من حيث لفظ (رحمة)، وأما المعنى المشترك لهذه الصفة فهذا عام في جميع اللغات؛ يعني موجود في كل لغة ما يدل عليه.
اللغة هل تضع الأشياء محدودة أو كلية؟ اللغة المفروض فيها أنها تجعل الألفاظ للمعاني كلية، لا لمعاني محدودة.
فنأتي للرحمة فنقول الإنسان عنده هذه الرحمة، وَجد هذه الصفة في نفسه فسماها رحمة، لكن لا يوجد تعريف في أي كتاب من كتب اللغة بالرحمة بتعريف جامع مانع محدود، كذلك الرأفة، كذلك الوُد، كذلك المحبة، ونحو ذلك فالمعاني النفسية هذه الموجودة في داخل نفس الإنسان هذه لا يوجد تعريف محدد لها حتى في كتب اللغة.
إذن فهي ليست موضوعة لما يحسه الإنسان، وهي إذن موضوعة لمعاني كلية تشمل هذه الصفة، ولهذا نجد أن كل الصفات، الصفات المعنوية لا يمكن تعريفها، لو أتاك أحد وقال عرف لي هذه الرحمة التي في قلبك، لا يحسن حتى هؤلاء الذين يحكمون بالمجاز والتأويل لا يحسنون أن يعرفوا الرحمة بشيء جامع مانع؛ يعني الرحمة التي في الإنسان التي لا يمكن أن ننقلها إلى غيره، هات الرحمة بتعريف جامع فيفسر الرحمة بأثر الرحمة، فيفسر الرأفة بأثر الرأفة، فيفسر المحبة بأثر المحبة؛ لكن كل إنسان في أي لغة إذا طرق سمعه الرحمة هو يعرف مدلول الرحمة بما يجده في نفسه.
إذن فالمعاني النفسية هذه التي هي ليست ذوات هذه كليات، والكليات ليست مفردات، الكليات للجميع، فإذن جعْل الكلية اللغوية مفردا في حال الإنسان، وجعْل هذه المفردة وضعا أول هذا لاشك أنه ليس له دليل في اللغة وليس له أيضا برهان وهو تحكُّم.
فإذن لكل شيء يناسبه فإذا قلت للعربي رحمة الطير، الطير حينما رحم، هل كانت الرحمة في الإنسان واستعار للطير الرحمة؛ يعني جعلها في الطير مجازا؟ الجواب لا، يقول لا، الطير فيه رحمة، طيب هذا المعنى الكلي بين الطير والإنسان هل كان في الوضع الأول خاصا بالإنسان ثم عُدي أو كان للجميع ؟
فإن قال للإنسان وحده فإنه لن يقوله؛ لأنه لا يُسلم له.
وإن قال للإنسان والطير وللحيوان فيما يرحم، قيل له فإن العرب إذن وضعت هذا اللفظ للجميع لهذين فقط أو وضعت كلية فطبقت على الإنسان والحيوان وعلى الطير؟ [فمُعدى] الأمر أن هذه الكلمات مبنية على برهانين
البرهان الأول: معرفة نشأة اللغات، وأن الوضع الأول للأشياء في الإنسان أو في الطير فقط أن هذا غير جارٍ؛ لأنه ما يتصور -كما قلت لك أنه خيال أن العرب اجتمعت ووضعت هذه الأشياء على هذا النحو-.
الأمر الثاني: أن يقال المعاني الكلية المشتركة هذه لها تعريف عام لغوي، وإذا كان لها تعريف عام، ووجودها في الإنسان تمثيل، ووجودها في الطير تمثيل ووجودها في الأم من الحيوان لابنها تمثيل، وهكذا.
فإذن القضية الكلية والتعريف الكلي لا يسلَّط عليه المجاز بـ[...].
هذه قضية كبيرة بلا شك، ولابد منكم لمن أراد التحقيق في علوم العقيدة وفي علوم اللغة أن ينتبه في هذه المسألة؛ وهي نشأة اللغات، كيف نشأت اللغات؟ كيف نشأت اللغة العربية؟ اللغة العربية أتى العرب موجودون فكانت أمامهم لغة؟ لا، الأسماء عُلَّمها آدم ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾[البقرة:31]، هذه الأسماء هل كانت باللغة العربية ؟ لا، كانت بلغة، ثم بعد ذلك تداخل أولاد آدم تنوعت لغاتهم، اكتسبوا أشياء من الأصوات، اكتسبوا أشياء من الرؤية، كلمة كانت بسبب الصوت مثلا مثل كلمة جرّ، جر هذه أنت لو حملت جذع شجرة تحتاجه في إيقاد النار، تأتيه من مكان بعيد عن المكان الذي تطبخ فيه، تسمع صوته في الأرض لهذه الكلمة جَرْرْرْرْ، فتسمع هذه. مثل كلمة خرير؛ خرير الماء هذا الصوت. مثل كلمة وسوسة الصوت هذه الوسوسة مأخوذة بالسمع.
إذن هناك اللغة تحصلت من أشياء، فالوضع الأول الذي أعتمد عليه بالمجاز من درس نشأة اللغات يقول: الوضع الأول البرهان عليه ممتنع.
وأنا أريد الحقيقة من باب طلب الحق أن يأتي باحث ممن يبحث في اللغة ويُثبت لي هذا الوضع الأول كيف جاء؟ كيف تواضعت العرب على أنّ الكلمة بهذا المعنى في الإنسان المحدث أو في الحيوان إلى آخره.
خذ مثلا كلمة جناح، جناح في اللغة فيها دلالة على الميل، ميل واستطالة في الميل؛ يعني مال وثم زيادة واستطالة في الميل، ليس ميلا خفيفا لكن فيه استطالة، لهذا قال ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾[الأنفال:61]، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾[الممتحنة:10]؛ يعني لا إثم عليكم لأن الإثم ميل واستطالة.
إذن تسمية جناح الطائر بجناح، هل هو لأنهم أطلقوا على هذا الجزء؛ يعني قسموا الطائر إلى أجزاء، وقالوا هذا سموه جناح، أو لمعنى كلي موجود قبل وجدوه في هذا الجزء من الطائر فسموه به، فعندهم الميل رأوا أن جناح الطائر فيه استطالة وميل يمتد يستطيل ويميل إلى آخره، نفس الجناح، لكن الجسم ثابت، جسم الطائر ثابت؛ لكن هذا الذي يذهب ويجيء هذا الجناح فسموا هذا الجناح بهذا الاسم، الإنسان فيه أيضا شيء يميل وهو اليد، اليد تميل، إذن اليد أيضا جناح، فلذلك قول الله جل وعلا ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾[الإسراء:24]، كما قال المفسرون اخفض لهما جناحك الذليل، ليست استعارة وليست مجازا وإنما اليد جناح؛ لأنها فاعلة وتذهب وتجيء، ولهذا قال جل وعلا في قصة موسى عليه السلام ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾[القصص:32]، (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ) الجناح إيش هو؟ اليد ليست استعارة لأنها المعنى الكلي.
إذن في هذه المسائل تطول.
يعني العنق سُمي عنق يعني هكذا؟ أما ثَم معاني نشأت منها اللغات ثم توسعت؟
لهذا نقول اللغة كلية جاءت أمثلة عنها تطبيقات في الواقع، قواعد عامة، لهذا من عرف حقيقة اللغة فَهِمَ حقيقتها، أما وجود وضع أول يبنى عليه المجاز فهذا غير ممكن.
قال رحمه الله بعدما ذكر (ومن لم يَتَوقَّ النَّفْيَ والتشْبِيهَ، زلَّ ولمْ يُصِب التنْـزِيهَ) وهذا رد على الطائفتين: طائفة المؤولة المحرفة وطائفة المجسمة. المجسمة شبهوا، والمؤولة أو المحرفة نفوا، فهؤلاء نفوا الصفات والمجسمة مثلوا، فمن كان ممثلا أو محرفا فقد زل ولم يصب التنزيه، ولهذا نقول إنَّ قوله (ومن لم يَتَوقَّ النَّفْيَ والتشْبِيهَ) أن هذا تحذير حتى للموحد، لا يخطر ببالك أن الله جل وعلا في صفته ثَم مشابهة بينه وبين صفة الخلق، وكل ما خطر بباك فالله جل وعلا بخلافه، لا من جهة تمام الصفة ولا من جهة الكيفية، وإنما نثبت الكمال المطلق؛ لكن كيف هذا الكمال حدود هذا الكمال لا نستطيع ذلك.
نقف عند هذا، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم.
وأسأل الله جل وعلا أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا وأن يزيدني وإياكم الهدى والسداد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
[الأسئلة]
الأسئلة التي بعد الدرس حبذا أن تكون في الدرس، ما يكون في موضوعات أخرى.
س1/ لو ذكرتم كتبا تكفي طالب اللغة تتحدث عن نشأة اللغات؟
ج/ نشأة اللغات فيها كتب كثيرة ليست سليمة؛ يعني لم أر كتابا سليما في جملة تفاصيله، لأنه لا يخلو كل باحث من خلفيات عنده ومقررات سابقة تسيطر عليه في بحثه ذاك، لكن من أحسنها أو مما يطلعك على ذلك كتاب اسمه مولد اللغة للشيخ مصطفى الغلييني وثَم كتب أخرى.
س2/ أول درس لي في العقيدة هو هذا الدرس في الطحاوية ولم أدرس الواسطية وغيرها، فبماذا تنصحني؟
ج/ فإذا كان هذا أول درس فصعب؛ لأنه رأيت في هذا الشرح من انتقل معنا من الواسطية إلى الطحاوية تذكر أشياء فيها مباحث لم تذكر فيما قبل؛ إنا لا نكرر لهم معلوماتهم إنما نزيد بعض المسائل.
فأنا أوصي الأخ الذي هذا أول درس له أن يبتدئ مع أحد أهل العلم في كتاب لمعة الاعتقاد، وينتقل منه إلى الواسطية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى شرح الطحاوية.
س3/ ...
ج/ تولدت اللغة من أخرى، هل تم مرة حصل فيه مواضعة؟ أنت ستصل بك المسألة إلى ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾[البقرة:31]، ثم تقف، لهذا العلماء اختلفوا هل اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟ والصحيح من الأقوال –فيها عدة أقول- الصحيح أنَّ الأسماء المطلقة توقيفية، الأسماء اللغوية بدون أن نقول بلغة فلان بلغة العرب أو باللغة السريانية، الأسماء مطلقا هذه توقيفية لقوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) أما بعد ذلك تداخل وتوسع كما في البرهان واضح.
....
لا شك لابد اللغة فن، إذا كان المعنى الكلي موجود فكل ما [ينسب] مثال؛ لأنه المعنى الكلي يختلف باختلاف الإضافة مثلا عندك السمع، السمع هذه كلمة عامة، صحيح، السمع معروف لو أردت أن تعبر عن السمع تقول إدراك المسموعات واضح، وأيضا فيه إشكال لأنك رجعت بتعريف السمع إلى المسموع، واضح، المسموع رجعنا بالمسموع إلى السمع، صار فيه دور، لذلك لا يصح تعريفا على طريقة المناطقة وإنما هو تقرير، إذا قلنا السمع هو إدراك المسموعات، سمع الإنسان يصح أن يطلق عليه سمع، سمع البعوضة يصح أن يطلق عليه سمع، الإنسان في سمعه تلحظ فيه أذن، وفيه خماص، وفيه الغضاريف الزائدة هذه التي يتلقى بها، هذا وسيلة حصول السمع؛ لكن البعوضة ما فيها شيء عندها سمع، فإذن الكلية الحاصلة هو إدراك المسموع موجود، لكن تمام المعنى بالنسبة للإنسان يناسب ذاته والكيفية مختلفة، ما يناسب البعوضة أو الذبابة من السمع يناسبها بقدرها، آلة السمع عنها يختلف عن آلة السمع عندنا، البصر بعض الحيوانات تبصر بإيش؟ بالذبذبات أو لا؟ يعني بإرسال الأصوات، يعني عندها إحساس آخر كلها تبصر؛ لأنها تدرك المبصرات، إذا جاءت للشيء مالت عنه، وهي ليس لها ما تبصر.
إذن كيف الاتصاف بالصفة، كيفية الاتصاف بالصفة، هذا لا يجوز أن يجعل حكما على المعنى الكلي، فالمعنى الكلي ما يشمل هذه الصفات المشتركة بين الكائنات، بل المعاني المشتركة بعامة، هي تأتي في الإنسان تطبيقا، يطبقها على نفسه، يطبقها على الحيوان، وإنما تختلف من حيث كمال المعنى ومن حيث الكيفية مثل ما مثلت لك.
ولهذا قال طائفة من أهل العلم بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، أن الله جل وعلا نبه على السمع والبصر في هذا لأجله اشتراكه بين كل الكائنات الحية، الكائنات الحية لها سمع ولها بصر ومع ذلك أثبته لنفسه مع قاعدة (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) لأنه موجود ووصف الله به نفسه، فمعنى ذلك أنه إثبات صفة لا إثبات مشابهة أو إثبات كيفية.
س4/ هل يصح إثبات لفظ العارف أو قاضي القضاة على العالم؟
ج/ أما لفظ العارف فلا بأس به، استعمله أئمتنا في بعض كلامهم، قال بعض العارفين، قال فلان العارف بالله، على قلة، والأحسن أن يترك.
وأما لفظ قاضي القضاة فهو محرم؛ لأن قاضي القضاة هو الرب جل جلاله.
س5/ ما رأيكم من قال ليس لله مكان؟
ج/ هذا باطل، المكان ما يطلق ولا ينفى لأنه ما جاء في الكتاب والسنة، وإنما نقول الله جل وعلا مستوٍ على عرشه بما وصف به نفسه.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. ( )

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا يا أرحم الراحمين.
أما بعد:
هذه بعض الأسئلة بين يدي الدرس.
بعض الأسئلة لا يحسن أن تطرق هكذا على أسماع الجميع.
هذا شيء ما أدري عنه، يسأل عن بعض التسجيلات التي سجلت بعض المحاضرات لي.
س1/ ما معنى هذه العبارة: لا يُستعمل في العلم الإلهي قياس تمثيلي أو شمولي وإنما يستعمل قياس الأَوْلى.
ج/ هذه الأقيسة الثلاث مستعملة عند المناطقة:
• قياس التمثيل.
• وقياس الشمول.
• وقياس الأولى.
والتمثيل والشمول يقتضي الاشتراك في الجنس؛ لأن المثال هو أحد أفراد الجنس، وأما القياس الذي يصح أن يطبق في صفات الله جل وعلا وفيما يليق به جل جلاله وهو قياس الأولى؛ يعني أن يقال كل كمال في المخلوق الله جل وعلا أولى به؛ لأن الله سبحانه متصف بصفات الكمال المطلق، وإذا في المخلوق نوع كمال يناسبه فالله جل وعلا له الكمال المطلق.
مثاله: المخلوق الغنى كمال في حقه؛ يعني عند الناس، وكذلك سلامته في حكمته وإدراكه، وهذا كمال في حقه، كذلك قدرته كمال في حقه، كذلك سمعه وبصره وسلامة آلاته هذا كمال في حقه، وهكذا، فهذه الصفات التي في المخلوق التي تكون فيه كمال، فهي تُثبَت لله جل وعلا؛ لأن الله سبحانه أولى بالكمال، وأولى بنفي النقص عنه لأنه جل جلاله.
ومن الأمثلة التي تُشكل على بعض الناس في هذا الباب هو أن يقال عن الله جل وعلا نفى عنه الولادة، فقال ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾[الإخلاص:3]، فليس له ولد لأنه غير محتاج إليه، والمخلوق الولد في حقه كمال؛ إذ العقيم ليس بكامل عند الناس.
وهذا ليس متجها ولا معارضا للقاعدة؛ لأن المخلوق صار الولد في حقه كمالا لحاجته إليه، فهو يستكثر بالولد ويستقوي به لحاجته إليه؛ لأنه قد ينتفع منه بأنواع الانتفاع، ولهذا والولد في حق المخلوق نقص، ولهذا ينفى عن الله جل وعلا وليس كمالا كما قد يُظن.
المقصود أن عبارات القياس التمثيلي والقياس الشمولي وقياس الأَوْلى من عبارات المناطقة أصحاب المنطق وعلم الكلام، ولا يصح استعمالها عند أهل السنة والجماعة إلا في قياس الأوْلى دون غيره.
س2/ ذكر أحد طلبة العلم أن التوراة الإنجيل والزبور ليست كلها محرفة؛ بل أغلبها، لذا اختلف العلماء في مس الجنب لها، ويجوز الحلف بها؛ لأنها من كلام الله، وكلام الله جل وعلا صفة من صفاته.
السؤال: هل هذا الكلام صحيح؟ وهل يجوز الحلف بالتوراة والإنجيل والزبور؟ أرجو التوضيح.
ج/ أولا التوراة والإنجيل والزبور التي أُنزلت على موسى وعيسى وداوود هذه كلام الله جل وعلا؛ لكن هذا المنزَّل على هؤلاء الأنبياء الموجود الآن لا يُتيقن أنه ذلك المنزل؛ بل قد يكون الموجود اختلط به كلام الله جل وعلا وكلام علمائهم وزيادات باطلة من التحريفات، والعلماء اختلفوا هل وقع التحريف في هذه الكتاب من جهة المعنى او من جهة الألفاظ؛ يعني هل حُذفت بعض الأشياء وأبدلت بأخرى وحرفت بنقص بحذف ثم زيادة أشياء من كلام الناس، أم كان التحريف في المعنى فقط، فهم حرفوا من جهة المعنى مع بقاء الأصل، على ثلاثة أقوال لأهل العلم.
والصواب منها أنَّ التوراة والإنجيل فيها وفيها:
 فيها ما هو من كلام الله.
 وفيها ما هو من إضافات الناس الباطلة.
 وفيها ما حُرِّف لفظه.
 وفيها ما حُرِّف معناه.
اجتمعت فيها كل أنواع التحريف؛ تحريف اللفظ وتحريف المعنى وترك الأحكام، وهذا له أحكام في محلها.
س3/ ما المراد بالغل في قوله تعالى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾[الحجر:47]؟
ج/ الغل هو الحقد والضغينة التي تتخلل في النفس والفؤاد، وأصل هذه المادة -مادة غل- لما يكون متخللا لشيء، ولهذا قيل للغُل الذي يغل به تغل به الرقبة ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾[يس:8] سُمِّي غُلا لأن الرقبة تتخلله وهو أيضا يتخلل أيضا الرقبة يحيط بها، وكذلك يقال للماء الذي يجري بين السواقي من هذه المادة، ويسمى الماء الغليل وأشباه ذلك.
فالمقصود أن هذه المادة تدور على التخلل، وعلى التسلل، فلهذا الحقد والضغينة إذا كانت متسللة في النفس محيطة بها سميت غِلًّا، كما قال هنا (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)، ويدعو أهل الإيمان ﴿لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[الحشر:10]، فأهل الجنة ليس في قلوبهم غل ولا حسد ولا ضغينة؛ بل هم أحباب متآخون.
س4/ ما حكم التقليد في مسائل الأصول والفروع؟
ج/ هذه مسألة طويلة.
س5/ ما حكم من نسي قراءة الفاتحة في صلاة حال الجهر أو السر؟
ج/ ليس عليه شيء وهو ينتبه المرات القادمة أن يقرأها.
س6/ شخص فاتته الصلاة فصلى بزوجته، هل تكون صلاتهما جماعة، وتكون أفضل من صلاته وحده بسبع وعشرين درجة؟
ج/ الجواب نعم، صلاة المرء في جماعة ولو معه واحد مكلف، هذه تعتبر صلاة جماعة؛ لأن الجماعة في هذا المقام اثنان فصاعدا، فإذا فاتته الصلاة في المسجد أو مع جماعة فإنه يصلي بأهله.
س7/ ما هو الفرق بين معجزات الأنبياء ومعجزة القرآن؟
ج/ هذا سبق أن ذكرنا الكلام عليه.


 فَإنَّ رَبَّنا جّلَّ وعَلا موصوفٌ بصفاتِ الوحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعوتِ الفَرْدَانِيَّةِ، ليسَ في معناهُ أحَدٌ من البَرِيَّةِ.
وتَعالَى عَنِ الحدُودِ والغَاياتِ، والأرْكانِ والأعْضَاءِ والأدَواتِ، لا تَحويهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ.
[الشرح]
الحمد لله، وبعد:
قال رحمه لله (ومن لم يَتَوقَّ النَّفْيَ والتشْبِيهَ، زلَّ ولمْ يُصِب التنْـزِيهَ) هذه العبارة مقررة لقاعدة عامة من قواعد أهل السنة والجماعة: أنَّ صفات الرب جل وعلا يجب أن لا يسلَّط عليها النفي، ولا أن يعتقد فيها التشبيه؛ بل يجب على المسلم في إثباته للصفات أن يتوقى نفيها بدرجاته، وأن يتوقى التشبيه؛ فلا يثبت مشبها ولا ينفي معطلا.
قال(زلَّ ولمْ يُصِب التنْـزِيهَ) لأنه ليس على الطريق الحق، فكل من تعرَّض للصفات بنفي أو بتشبيه فإنه ليس بموحد، قال (لمْ يُصِب التنْـزِيهَ) لم يصب التوحيد وتنزيه الرب جل وعلا عما لا يليق بجلاله وعظمته، وهذا الأصل معلوم في الكتاب والسنة في مواضع كثيرة:
منها قول الله جل وعلا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾[الصمد].
وقال سبحانه ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾[مريم:65].
وقال أيضا جل وعلا ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾[الروم:27] سبحانه وتعالى، وهذه وأمثالها (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى) يعني له النعت الأعلى والوصف الأعلى.
و(هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) يعني يساميه يماثله يشابهه في كمال أسمائه وما تضمنته من الصفات، فهو سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].
إذا تبين لك هذا المعنى العام لهذه الجملة فإن قوله (النَّفْيَ) و(التشْبِيهَ) و(التنْـزِيهَ) هذه ثلاثة ألفاظ تحتاج إلى شرح.
أما الأولى وهي النَّفْي: فالنفي يشمل أشياء:
 الأول: أن ينفي صفات الله جل وعلا كلها، أو أن ينفي أكثرها، أو أن ينفي بعضا منها.
فالذين نفوا كل الصفات هم الجهمية.
والذين نفوا أكثر الصفات هم المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية.
والذين نفوا بعض الصفات طوائف كثيرون من المفسرون ومن شراح الأحاديث يغلطون فيثبتون في موضع ويناقضون أنفسهم فينفون في موضع آخر.
فإذن النفي من جهة أصله فيه هذه الدرجات [......] وهي نفي بعض الصفات فأكثر ما يغلط فيه من غلط فيه من المفسرين وشُرَّاح الحديث في الصفات التي هي من جهة صفات الأفعال، وهذه يعني الصفات الاختيارية مثل الرضا والغضب والنزول والمقت والأسف وأشباه ذلك من الصفات، الصفات الاختيارية قل من ينهج فيها منهج السلف الصالح؛ وذلك لأن الباب باب واحد في الصفات الذاتية وفي الصفات الفعلية.
 المسألة الثانية المتعلقة بكلمة النفي:
النفي تارة يتوجه لأصل الصفة.
وتارة يتوجه لظاهر الصفة.
وتارة يتوجه لكيفية الصفة.
وتارة يتوجه إلى معنى الصفة.
فهذه مراتب.
أما توجهه لأصل الصفة كما ذكرنا: ينفي أصلا اتصاف الله جل وعلا بالسمع، ينفي أصلا اتصاف الله جل وعلا بالحكمة، ينفي أصلا اتصاف الله جل وعلا بالعلم، وهكذا.
أما المرتبة الثانية فهو أن يتوجه النفي للظاهر: فيقولون نثبت الصفة لكن ظاهرها غير مراد، كيف؟ يقولون: نثبت الاستواء لكن ليس على ظاهره، فالاستواء له معنى غير المعنى الظاهر المتبادر منه، له معنى آخر. وهؤلاء على فرقتين:
 منهم من يقول: المعنى كيت وكيت.
 ومنهم من يقول: المعنى لا أحد يعلمه.
فأما الأولون فهم المتأولة.
وأما أصحاب القول الثاني فهم أهل التجهيل الذين يسميهم العلماء المفوضة، يثبتون لكن يفوضون كل الصفة لله جل وعلا، لا يعلمون لها معنى، ولا يعلمون لها كيفية، جميع الصفة منفية؛ يعني منفي العلم بها مثبتة لكن منفي العلم بها.
 وأما المرتبة الثالثة فالنفي المتجه إلى الكيفية فقط: وهذا النفي الذي يتجه إلى كيفية الصفة هذا واجب، وهو منهج أهل السنة والجماعة فإننا ننفي العلم بالكفية؛ لأن الله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فنثبت الصفة مع نفينا للكيفية، وهذا المعنى ليس مرادا في قوله (ومن لم يَتَوقَّ النَّفْيَ)؛ بل هذا نفي واجب أن ننفي علمَنا بالكيفية، فالكيفية لا يعلمها إلا الله جل وعلا، كما قال جل جلاله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾[آل عمران:7].
 والأخير النفي المتجه إلى المعنى: والنفي المتجه للمعنى هذا يُثبت كثيرون الصفة لكن ينفون المعنى؛ يقولون ليس لها معنى، ليس لها معنى مطلقا؟ يقولون: نعم. فاسم الرحيم هو العليم، والرحمة هي العلم؛ لكن لما تعلقت إرادة الله بالمعين فرُحم سمي هذا التعلق رحمة، لما تعلقت به قدرة سمي ذلك قدرة إلى آخره، فيقولون هي من جهة قيامها بذات الرب جل وعلا شيء واحد، فلذلك ننفي أن يكون لهذه الصفات معاني متعددة، وهذا يشترك فيه جملة من أصحاب المذاهب المختلفة.
فقوله إذن (ومن لم يَتَوقَّ النَّفْيَ) يدل على أن ترك النفي مطلوب وواجب، وهو ألا تنفى أصل الصفات، وألا ينفى الظاهر، وألا ينفى العلم بالمعنى؛ بل ينفى شيء واحد وهو الكيفية دونما سواها.
قال (والتشْبِيهَ) هذه الثانية: الثانية كلمة التشْبِيهَ، التشبيه مصدر شبَّهَهُ بغيره تشبيها، أو شبَّه الشيء بكذا تشبيها.
فالتشبيه: هو جعل مخلوق مشابها لله جل وعلا، أو جعل الله جل جلاله مشابها في صفاته للمخلوقات، والتشبيه مراتب أيضا.
 المرتبة الأولى من مراتب التشبيه: التشبيه الكامل وهو المساوي للتمثيل؛ يعني أن يقول يده كيدي، كقول المجسمة والعياذ بالله، وصورته كصورتي والعياذ بالله، وأشباه ذلك، فهذا تشبيه كامل؛ يعني شبه الله جل وعلا بالمخلوق من جهة الصفة في الكيفية وفي المعنى.
وهذا كفر بالله جل وعلا (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) والمشبه يعبد صنما، الممثل يعبد صنما، تخيل في نفسه صورة للرب جل وعلا وجعلها عليه، وهذا كما قلنا لكم لا يمكن أن يكون لله جل وعلا في ذاته وصفاته شيء يتخيله العبد أو يتصوره؛ لأنه كل ما خطر ببالك فالله جل وعلا بخلافه، كل ما جاء في بالك فالله سبحانه وتعالى بخلافه.
لأن المعرفة واستقبال المعارف والإدراكات في الإنسان ستأتي شيئا فشيئا؛ وهو أصلا جاء من غير إدراك، فالله جل وعلا جعل له السمع والبصر والفؤاد ليدرك.
فإذن كل المدركات في الإنسان مجلوبة له من واقع ما رأى، ومن واقع ما سمع، أو من واقع ما قارن، والشيء الذي لم يره ولم يسمعه وليس ثَم ما يقارن به، فكيف تحصل له معرفته، ولذلك تجد أن الإنسان لا يمكن يتصور شيء ما رآه أو رأى مثيلا له أو رأى ما يقاس عليه؛ ما يجتمع هو وإياه في أشياء، ما يمكن أن يتصور شيء لم يره أصلا أو لم يرى مثيلا له؛ لكن لو رأى ما يقاس عليه ممكن، رأى مثيلا له ممكن.
مثلا تقول الإنسان الياباني مختلف في صورته عنَّا لكن يبقى التخيل العام عندك أنه ما دام أنه إنسان فهو على هذه الصفة.
تقول مثلا الخبز في بلد له شكل غريب، لا تتصور أنت هذا الشكل لكن تعرف الخبز ما هو من حيث الصفة؛ لأنك تعرف أن ذاك سيكون في مادته مشابها لهذا الذي عرفته.
لو ذكر لك شيء غريب مثلا لبلد من البلاد فيه بناء، ممكن أن تتصور البناء على نحو ما إذا كنت رأيت شبيها له أو ما يقاس عليه؛ أو مركبات هذا البناء وطريقة البناء والأدوار، قال لك مثلا مثلث، شُرح لك عن الأهرامات من صفتها كذا وكذا، يمكن أن تتصور لأنك رأيت مثيلا له، رأيت ما يقاس عليه، رأيت ما يمكن أن تعقد مقارنة فتصل على نوع إدراك بذلك.
أما الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته فلا يقاس بخلقه ولم ير مثيلا له جل جلاله ولا يقارن بشيء، ولذلك كل ما يخطر في البال إنما هو من جراء إدراكات مختلفة لا يمكن أن يكون منها حقيقة الرب جل جلاله.
ولهذا كل ما خطر في بالك فالله سبحانه وتعالى بخلافه، فإذا استرسل مع هذا وشبه فإنه يعبد صنما، يعني تخيل في نفسه صورة وهيأ له إلها يكون على نحو ما فعبده.
لهذا قال أئمة السلف المشبه يعبد صنما والمعطل يعبد عدما.
هذا التشبيه الكامل الذي هو التمثيل، وهذا التمثيل أو التشبيه قد يكون في الذات بأجمعها، وقد في صفة من الصفات، قد يقول: الله سبحانه وتعالى مثلي على صفتِي -والعياذ بالله- وهذا كفر، أو يقول يده كيدي، وسمعه كسمعي، وعينه كعيني وأشباه ذلك وهذا أيضا كفر بالله جل جلاله.
 المرتبة الثانية في التشبيه: أن يكون التشبيه في بعض الصفة لا في الكيفية ولكن في المعنى، فيقول: الكيفية لا نعلمها لكن معنى الصفة في الله جل وعلا هو معناها في المخلوق.
وهذا أيضا مما ينبغي تجنبه؛ لأن صفة الرب جل وعلا معناها في حقه كامل لا يعتريه النقص من وجه من الوجوه، وأما في المخلوق فهو فيه الصفة ولكنها ناقصة تناسب نقص ذاته.
ولهذا يقال في مثل هذا: إن الله جل وعلا له الكمال المطلق في صفة السمع، والمخلوق متصف بالسمع، أو تقول لله سمع وللمخلوق سمع وليس السمع كالسمع؛ يعني في أصل المعنى موجود سمع وسمع؛ لكن في تمام المعنى وكماله مختلف ليس الاتصاف في الله جل وعلا مثل الاتصاف في المخلوق.
 المرتبة الثالثة في التشبيه: تشبيه العبد؛ تشبيه المخلوق بالخالق والعياذ بالله، وتشبيه المخلوق بالخالق يعني أن يجعل للمخلوق صفة من صفات الله جل وعلا، مثل أن يغيث أو أنه يسمع وهو غائب، أو أن له قدرة أو أن له تصرف في الكون أو أشباه ذلك، وهذا كحال عباد الأصنام والأوثان والقبور وعباد عيسى والملائكة وعباد الأولياء، كلهم على هذه الصفة، يجعلون للمخلوق بعض صفات الله جل وعلا، وهذا لاشك أنه تشبيه وهو في حد ذاته من جهة التشبيه كفر لمن اعتقده، فمن وصف المخلوق بصفة الله جل وعلا من تصريف الكون أو يقولون فلان من الأولياء له ربع الكون يتصرف فيه أوله نصف الكون يتصرف فيه، أو فلان الملك له التصرف في الملكوت بنفسه فيطلب منه ويستغاث به ويسأل أو يلجأ إليه ونحو ذلك، من الأموات أو من الغائبين.
فكل هذا تشبيه للمخلوق بالخالق وتمثيل للمخلوق بالخالق وهو شرك بالله جل جلاله.
لهذا لم يطلق أكثر السلف نفي التشبيه، وإنما أطلقوا نفي التمثيل؛ لأن الله جل جلاله قال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ).
ولفظ شبه والتشبيه لم يرد فيه النفي في الكتاب ولا في السنة فيما أعلم، وإنما ورد لفظ التمثيل (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وفرق ما بين التمثيل وما بين التشبيه؛ لأن التمثيل معناه المساواة هذا مثل هذا؛ يعني يساويه في صفة أو في صفات، أما التشبيه فهو من التشابه وقد يكون التشابه كاملا، فيكون تمثيلا، وقد يكون التشابه ناقصا فيكون في كل المعنى أو في أصل المعنى على نحو ما فصلت لك.
فإذن إذا قيل لا نشبِّه فلا يندرج في ذلك إثبات أصل المعنى يعني التشابه في المعنى؛ لأنه لا يستقيم إثبات الصفات إلا بمشابهة في المعنى، ولكن ليس مشابهة في كل المعنى، ولا في الكيفية؛ لأن هذا تمثيل.
فلهذا لا تطلق النفي للتشبيه، لا نقول التشبيه منتفيا مطلقا، كما يقوله من لا يحسن، بل يقال التمثيل منتفٍ مطلقا، أما التشبيه فنقول التشبيه منتف؛ الله سبحانه تعالى لا يماثله شيء ولا يشابهه شيء وينصرف هذا النفي للتشبيه في الكيفية أو في تمام المعنى في كماله.
قال(زلَّ ولمْ يُصِب التنْـزِيهَ)، (التنْـزِيه) يعني تنزيه الرب جل وعلا عما لا يليق بجلاله وعظمته، الذي لم يحذر النفي ولم يحذر التشبيه، فإنه يزلُّ ولن يصيب تنزيه الرب جل وعلا عما لا يليق بجلاله وعظمته.
والتنزيه هو التسبيح؛ فمعنى ذلك أن من نفى أو شبه فإنه لم يسبِّح الله جل وعلا كما يليق بجلاله وعظمته؛ لأن معنى سبحان الله تنزيها لله والكون كله يردد سبحان الله وبحمده، وإن من شيء إلا سبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
فإذن من الواجب أن ينزه الله جل وعلا عما لا يليق بجلاله وعظمته، ولهذا نقول إن اتقاء النفي والتشبيه هو طريق التنزيه والتسبيح الحق لله جل وعلا، فالمعتزلة الجهمية والمبتدعة من الأشاعرة والكلابية وسائر الطوائف التي نفت بعض الصفات هؤلاء لم يُنزهوا الرب جل وعلا عن ما لا يليق بجلاله وعظمته بل وقعوا في شيء من عدم التنزيه؛ لذلك قال (ولمْ يُصِب التنْـزِيهَ) يعني لم ينزه سواء أكان مراده التنزيه فأخطأه أو هو في الحقيقة لم ينزه؛ لأنه ما نزه الله جل وعلا عما لا يليق بجلاله وعظمته؛ لأنَّ الله سبحانه له الكمال المطلق في الاتصاف بالصفات، فمن يثبت جميع الصفات فلن يثبت الكمال المطلق فمعناه أنه نقص حمده لله جل وعلا ومعنى ذلك أنه لم ينزه الله جل جلاله عما لا يليق بجلاله وعظمته.
وهذه لجملة عظيمة من كلام الطحاوي رحمه الله (ومن لم يَتَوقَّ النَّفْيَ والتشْبِيهَ، -يعني من سائر طوائف الضلال- زلَّ ولمْ يُصِب التنْـزِيهَ) وإن زعم أنه ينزه فإنه لم يصب، فهذا يكثر في المعطلة وفي المؤولة وفي النفات، يقولون: نفينا وأولنا وعطلنا لأجل التنزيه.
وهذا يرد عليهم بأنه ما فعلتموه هو وصف لله بالنقائص، وليس تنزيها للرب سبحانه وتعالى.
ثم علل ذلك بقوله (فَإنَّ رَبَّنا جّلَّ وعَلا موصوفٌ بصفاتِ الوحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعوتِ الفَرْدَانِيَّةِ، ليسَ في معناهُ أحَدٌ من البَرِيَّةِ) هذا أخذه من قول الله جل وعلا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾[الصمد]، قوله (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، (أَحَدٌ) يعني واحد في أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله، فليس له شريك في ملكه، وليس له مثيل في صفاته وأفعاله، وليس له ند في فردانيته وفي صَمَدانيته جل وعلا، لهذا بعدها جاء بأنواع التوحيد قال(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ) يعني الذي تصمد إليه المخلوقات بأجمعها في طلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، فإذن في قوله (اللَّهُ الصَّمَدُ) إثبات توحيد الإلهية.
قال(لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وهذا فيه إثبات التفرد بالربوبية.
قال(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) وهذا فيه توحيد الأسماء والصفات، فلا أحد يكافئه ويماثله، فلذلك جل وعلا أحد في أسمائه وصفاته وأفعاله جل جلاله.
قال(فَإنَّ رَبَّنا جّلَّ وعَلا موصوفٌ بصفاتِ الوَحْدَانِيَّةِ) يعني أنه متوحد في صفاته، (مَنْعُوتٌ بِنُعوتِ الفَرْدَانِيَّةِ) يعني أن كل نعت ينعت به الرب جل وعلا على أساس أنه منفرد فيه، فهو سبحانه فرد في أسمائه وصفاته وذاته، فهو سبحانه وِتر وفرد، وصفاته هو فيها سبحانه فرد فلا يماثله شيء ولا يشاركه فيها أحد جل جلاله.
إذا تبين لك ذلك: فالصفة والنعت هنا غاير بينهما قال(موصوفٌ بصفاتِ الوحْدَانِيَّةِ، مَنْعُوتٌ بِنُعوتِ الفَرْدَانِيَّةِ) والصفة والنعت في اللغة متقاربة، وهو لم يرد التفريق ما بين الصفة والنعت؛ لأن الله سبحانه له الصفات العلى وله النعوت العلى، له المثل الأعلى، والصفة والنعت هي المثل في القرآن في قوله ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾[الروم:27]؛ يعني له النعت والصفة والعليا سبحانه وتعالى، أما المخلوق فله الوصف الأدنى الذي يناسب ذاته الوضيعة الضعيفة المحتاجة.
صفات الرب جل وعلا ونعوته تنقسم إلى أقسام باعتبارات مختلفة:
 فتنقسم إلى قسمين باعتبار قيامها في الرب جل وعلا:
 تنقسم إلى صفات ذات.
 وإلى صفات فعل.
أما صفات الذات: فهي التي لا ينفكُّ ربنا جل وعلا عن الاتصاف بها، لم يزل موصوفا بها وهو متصف بها دائما، مثل الوجه والعينين واليدين، مثل الرحمة والسمع والبصر، فإن الله سبحانه لم يزل ذا وجه وذا سمع وذا بصر سبحانه وتعالى، وكذلك في صفاته الذاتية، ومنها صفة الرحمة، الله جل وعلا متصف بصفة الرحمة وهي ملازمة له سبحانه وتعالى.
القسم الثاني صفات الأفعال: وصفات الفعل لله جل وعلا يسميها بعض الناس من أهل العلم الصفات الاختيارية، وهي التي يفعلها ربنا جل وعلا تارة ولا يفعلها تارة، صفات الفعل هي التي تقوم بالرب جل وعلا بمشيئته وقدرته سبحانه وتعالى، وهذه الصفات التي هي الصفات الاختيارية أول من نفاها بخصوصها الكلابية، وتبعهم على ذلك أبو الحسن الأشعري؛ يعني ابن كلاب هو أول من نفاها ثم تبعه أصحابه ثم تبعهم أبو الحسن.
 من جهة أخرى نقسم الصفات إلى قسمين:
 إلى صفات جلال.
 وإلى صفات جمال.
وصفات الجلال: هي الصفات التي فيها نعت الرب جل وعلا بجلاله وعظمته وقهره وجبروته سبحانه وتعالى، وهي التي تجلب في قلب الموحد الخوف منه سبحانه وتعالى، مثل صفة القوة القدرة القهر الجبروت وأشباه ذلك، صفات الجلال يعني من تأمَّلها أجل الله جل وعلا وهابه وخافه سبحانه وتعالى.
القسم الثاني صفات الجمال: وصفات الجمال هي الصفات التي تبعث في قلب الموحد [........] جل وعلا والأنس به وبلقائه وبمناجاته وبالإنابة إليه، وهذه الصفات كثيرة لله جل وعلا، مثل صفة الرحمة والرأفة والمغفرة وقبول التوبة والسلامة؛ اسم الله السلام، والمؤمن وأشباه ذلك.
فإذن صفات العظمة هذه صفات يقال لها صفات جلال، وصفات ونعوت الرحمة والمحبة ويقال له صفات جمال، هذا اصطلاح لبعض علماء السنة وهو اصطلاح صحيح.
ولهذا في الختمة التي تُنسب لشيخ الإسلام ابن تيمية رجَّح طائفة من أهل العلم أن تكون لشيخ الإسلام لورود هذا التقسيم فيها، وهو قوله في أولها: صدق الله العظيم المتوحد بالجلال لكمال الجمال تعظيما وتكبيرا. ولا أعلم من أشهر هذا التقسيم قبل شيخ الإسلام ابن تيمية -يعني تقسيم الصفات إلى صفات جلال وجمال- وفي هذه الختمة جمل معروفة في الاستعمال عن شيخ الإسلام دون غيره، وابن القيم رحمه الله بحث صفات الجلال والجمال في بعض كتبه.
 التقسيم الثالث الصفات:
 صفات ربوبية.
 وصفات ألوهية.
هذا باعتبار التوحيد؛ يعني رجوع الأسماء والصفات إلى نوعي التوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية.
فما كان من أفراد الربوبية فهو صفات ربوبية، مثل الملك والهيمنة والانتقام والقدرة والقوة والإحاطة وأشباه ذلك.
والقسم الثاني صفات الألوهية: وهي التي وحَّد العبد ربه جل وعلا مثل اسم الإله وما فيه، مثل الصمد وأشباه ذلك مما فيه توجه من العبد للرب جل جلاله.
قال بعدها (وتَعالَى عَنِ الحدُودِ والغَاياتِ، والأرْكانِ والأعْضَاءِ والأدَواتِ، لا تَحويهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ)( ) هنا ذكر هذه الألفاظ متابَعَةً لما جرى عليه المتكلمون في زمنه، وهو ذكرها بعد إثبات، فأثبت الصفات ثم نفى، وقاعدة أهل السنة والجماعة: أن النفي يكون مجملا وأن الإثبات يكون مفصلا.
ففي قوله هذا نوع مخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة؛ لكن كلامه محمول على التنزيه بعد الإثبات، والتنزيه بعد الإثبات يُتوسع فيه؛ لأن طريقة أهل البدع أنهم ينزهون أو ينفون بدون إثبات؛ ينفون مفصلا ولا يثبتون، ولكن المؤلف أثبت مفصلا ونفى وكان في نفيه بعض التفصيل.
لهذا نقول عند الاختيار لا نقول هذا الكلام -نقول تعالى ربنا عن الحدود والأركان والغايات والأعضاء ونحو ذلك- عند الاختيار لا نقوله، وذلك أن هذه الألفاظ كما ذكرت لك:
السبب الأول: أن هذا نفي مفصل، وهو مخالف لطريقة أهل السنة؛ لأن طريقتهم مأخوذة من قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فنفى مجملا وأثبت مفصلا.
الوجه الثاني في هذه الألفاظ: أن هذه الكلمات لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة، فلهذا الذي لم يرد لا يحسن أن ننفيه ولا أن نثبته؛ لأن طريقتنا هو اقتفاء الكتاب والسنة، فلفظ الحد والغاية والركن والأعضاء والأدوات والجهات، كل هذه ما جاءت في القرآن ولا في السنة، لذلك لا نثبتها ولا ننفيها.
وليس معنى النفي أنها محتملة، إذا قال أهل السنة: لا ننفيها. لا يُفهم منه يعني أن معناها محتملة، لا؛ ولكن لا ننفيها لأننا لا نتجاوز القرآن والحديث، هذا أمر غيبي كيف نتجاسر عليه دون دليل، فلذلك نقول لا نثبت إلا بدليل ولا ننفي إلا بدليل.
فإذن استعمال هذه الألفاظ لا يسوغ، والمؤلف يؤاخذ رحمه الله في استعماله هذه الألفاظ؛ لأنها من الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة.
طبعا الحد والغاية متقارب في أن يكون له حد ينتهي إليه اتصافه بالصفة، ففي هذا مسألتان:
الأولى: أن طائفة من العلماء لما ذكروا الاستواء على العرش بالله جل وعلا سئلوا: بحدٍّ؟ قالوا: بحد. من أئمة أهل السنة كابن المبارك والثوري وجماعة من الأئمة، وهذا يوجَّه بأن استعمالهم لفظ (الحد) مع أنه لم يأت في الكتاب والسنة لأجل أن يبطلوا دعوى الجهمية في أن الله في كل مكان، وإذا احتاج الموحد لبيان عقيدته في المناظرة إلى كلمات توضِح الأمر فإنه لا بأس باستعمالها للمصلحة؛ لكن لا تثبت عقيدة مستقلة -يعني إذا جاء أحد يقول: ما هي عقيدتك؟ فلا تقل: عقيدتي أن الله مستوى على عرشه بحد. إنما نقول: هو جل وعلا مستوٍ على عرشه. إذا احتيج إلى ذلك في مقامه فقد يُقال ذلك؛ لأن لفظ (بحد) يعني أنه ليس مختلطا بخلقه جل جلاله، فهو سبحانه الحدود والغايات التي تنتهي إليها صفاته كما قال (وتَعالَى عَنِ)، لأن الله سبحانه ليس لصفاته حد يعلمه البشر، قال (تَعالَى عَنِ الحدُودِ) يعني المعلومة (والغَاياتِ) المعلومة.
المسألة الثانية: يشكل على هذا ما جاء في الحديث الذي رواه مسلم وغيره وهو قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في وصف الرب جل وعلا «حِجَابُهُ النّورُ. لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»، فهل معنى ذلك أنَّ البصر محدود بالخلق؟ والجواب عن ذلك: أن هذا إحالة على -يعني في قوله (مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ)- في أن الإحراق إحراق السبحات لما انتهى إليه البصر، والبصر لا ينتهي لحد، فكذلك الإحراق لا ينتهي لحد.
فإذن هو بناء شيء على شيء، فلا يُثبت الثاني لأجل ورود الأول؛ بل الثاني منفي كذلك الأول نقول ليس له حد، (مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) الله جل وعلا ينفذ بصره في جميع بريته سبحانه وتعالى، وكل ما سواه جل وعلا مخلوق.
فإذن بصره ينتهي في جميع مخلوقاته، فإذن لو كشف الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل مخلوقاته.
فإذن هذا ليس فيه إثبات الحد والغاية، وإنما هذا فيه إثبات أنه جل وعلا مطلق في اتصافه بصفاته لا حد؛ يعني لذلك يُثبت؛ بل نقول هو سبحانه كامل في صفاته.
قال(والأرْكانِ والأعْضَاءِ والأدَواتِ) هذه الألفاظ الثلاث -الركن والعضو والأداة-، هذه راجعة إلى الصفات الذاتية يعني مثل اليد القدم العينين ومثل الوجه إلى آخره، فهذا ينفي أن يكون هذا عضو أو ركن أو أداة أو نحو ذلك؛ لأن هذه الأشياء في المستقبل فينزه الرب جل وعلا عنها، هذا مراده، وكما ذكرت لك المقرر أن هذه الأشياء لا تقال لا نفيا ولا إثباتا؛ بل لا نذكر ذلك؛ لأن الله سبحانه أعظم من أن يُنفى عنه استعمال هذه الألفاظ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).
قال (لا تَحويهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ)، (المُبْتَدَعَات) يعني المخلوقات، وقوله (كسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ) سائر في اللغة تستعمل بمعنى بقية، ولذلك قيل لبقية الشراب سؤر، فكلمة سائر يعني البقية، تقول مثلا أتاني محمد وسائر الإخوان. يعني وبقية الإخوان؛ لكن هنا استعملها بمعنى (كل) (كسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ) يعني ككل المخلوقات المخلوقات تحويها الجهات الست، (لا تَحويهِ الجِهَاتُ السِّتُّ كسَائِرِ المُبْتَدَعَاتِ) الجهات الست ما هي عندهم؟ الجهات الست أمام وخلف ويمين وشمال وأعلى وأسفل، هذه الجهات الست مخلوقة، هذه الجهات الست مخلوقة، وهذه المخلوقة لا تحوي الرب جل جلاله؛ بل الله سبحانه وتعالى فوق مخلوقاته.
لكن ما من مخلوق من هذه الجهات الست إلا وهو نسبي إضافي ليس مطلقا، فما من شيء إلا وأمامه شيء، وهو أمام شيء، وهو يمين شيء وثَم شيء آخر يمين، وهكذا.
مثل ما نقول: نحن الآن أسفل -يعني في أرض المسجد-؛ لكن بالنسبة لمن تحتنا -في الْقَبُوْ مثلا إذا كان فيه قَبُوْ- نحن فوق مثلا، واحد ساكن في أدوار الدور الأول فوق الدور الأرضي فهو أعلى؛ لكن هو بالنسبة للدور الثاني أسفل.
فإذن الجهات هذه ليست مطلقة، وإنما هي نسبية، فتقول يمين ليس ثَم يمين مطلق في حياة المخلوقات وإنما هو يمين إضافي، لا تقل شمال مطلق إنما هو شمال إضافي، أمام مطلق إنما هو أمام إضافي؛ يعني نسبي تَنْسُبُه إليك وتَنْسِبُه إليك، تقول أمامي، أمام فلان، يمين فلان إلى آخره.
ولهذا الجهة جهة العلو إذا نسبتها للمخلوق فثَم جهة لنا هي حال وثَم جهة لمن هم في الجهة الثانية من الأرض هي لها حال أخرى، فنحن جهة العلو عندنا فوق، وجهة السُّفل هم، وهم بالعكس يعني الذين في الجهة الثانية من الأرض.
فإذن جهة العلو وجهة السُّفل هذه نسبية لك، تقول هذا أعلى ليس هذا هو العلو المطلق هذا العلو المنسوب إليك، والذي في الجهة الثانية من الكرة الأرضية العلو هو المنسوب إليه.
فإذن هذه أمور نسبية في الجهات، فإذا أردت المطلق فثَم شيء واحد فقط وهو العلو المطلق على جميع المخلوقات، غير منسوب لطائفة من المخلوقات أو لبعض المخلوقات، وهو علو الرب جل جلاله.
إذن فنقول: هذه الجهات الست إذا أريد بها النسبي، فنقول نعم الله سبحانه وتعالى لا تحويه الجهات النسبية؛ يميني وفوقي وأمامي وشمالي وإلى آخره، لا تحويه، لكن المطلق لا نقول تحوي ولا ما تحوي؛ لأنّ الله سبحانه فوق مخلوقاته، والمخلوقات هذه محتاجة إليه، لكن له العلو المطلق، هو سبحانه جل وعلا كلتا يديه يمين، اليمين المطلق ليس النسبي، وهو سبحانه وسع كل شيء، واسع سبحانه وتعالى.
فإذن تنتبه إلى أن هذه المخلوقات نسبية وليست مطلقة.
فإذن قوله (لا تَحويهِ الجِهَاتُ السِّتُّ) ليس في هذا منحى من منحى أهل البدع بنفي العلو، لا؛ لكن هذه يعني بها الجهات الست النسبية كسائر المخلوقات، كل مخلوق لابد أن يكون محصور بهذه الجهات؛ يعني أعلى أسفل يمين شمال والثاني كذلك والثالث كذلك، وهذه مسألة مهمة تفيدك في كل ما يوصف الرب جل وعلا به لا تقسه بالمخلوق؛ اجعله مطلقا.
مثل الآن مسألة النزول «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر» أو «في النصف الآخر من الليل» أو «آخر كل ليلة» على اختلاف الروايات والألفاظ، هذه ثلث الليل هل هو منسوب لك أو منسوب للزمان المطلق؟ هنا ننسبه للزمان المطلق، الذي يدخل فيه الزمان النسبي بالنسبة للمخلوق الواحد، كذلك جهة العلو أنت تدعو ربك جل وعلا إلى أعلى، ونعلم أنه فوقنا سبحانه وتعالى، ومن هو في الجهة الثانية هو فوقه أيضا وهو في جهة أخرى، نحن مثلا نتجه كذا وهو في الجهة الثانية من الأرض يتجه عكس الاتجاه، أليس كذلك؟ لكن هذا علو نسبي وهذا علو نسبي، وإذا أردت العلو المطلق فتأمل قول الله جل وعلا والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، وتأمل أنَّ السموات السبع الأرض بالنسبة لها صغيرة، والسموات السبع بالنسبة للكرسي صغيرة، والكرسي بالنسبة للعرش أيضا كحلقة ألقيت في ترس صغير.
فإذن كلها تتلاشى، ويبقى الإطلاق في الزمان وفي المكان بما يجعل معه أن تصور العبد لما يوصف الله جل وعلا به نسبيا يجني على نفسه ويدخل في النفي أو التشبيه، فيجب أن يكون ما يؤمن به الموحد من صفات الله جل وعلا على ما جاء في الكتاب والسنة، وكل ما جاء هو على الإطلاق، لا على ما تعرفه أنت من نفسك، والإطلاق اللائق بالله جل وعلا يدخل فيه ما يختص بالمعين من المخلوقين، تبارك ربنا وتعاظم وتقدس سبحانه وتعالى وسع كل شيء رحمة وعلما، وكان الله بكل شيء محيطا جل جلاله وتقدست أسماؤه.
نقف عند هذا والأسبوع القدم إن شاء الله من قوله (والمِعْرَاجُ حقٌّ).
وأسأل الله سبحانه أن ينفعنا وإياكم في هذه العقيدة، وأن يجعلنا صالحين مصلحين، وأن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
س1/ يا شيخ، قلنا الإنسان له ملك، والله سبحانه وتعالى له ملك، وملك الإنسان مقيد، وأن ملك الله مطلق، هل هذا صحيح؟
ج/ ملك الله مطلق في الأشياء، صحيح، ملك الإنسان مقيد، صحيح.
س2/ هل الفرد اسم لله؟
ج/ لا، ليس من الأسماء الحسنى، الفرد، لكن الإخبار عن الله جل وعلا بأنه فرد موافق لاسم الله الصمد والأحد وأشباه ذلك.
س3/ قلتَ نفي الكيفية واجب، هل نفي الكيفية هو الواجب أم تفويض الكيفية؟
ج/ الجواب أن النفي؛ يعني نفي الكيفية المعقولة، نفي العلم بالكيفية، أما اتصاف الرب جل وعلا بكيف، هو سبحانه في صفاته متصف بها بكيف بكيفية، لكن نعلمها؟ لا نعلمها.
فإذن النفي يتوجه إلى العلم بالكيفية، لا إلى وجود الكيفية.
س4/ ذكرت أن صفة الرحمة صفة جمال، فهي اختيارية وذكرت أن هذا....؟
ج/ ما ذكرت أن صفة الرحمة اختيارية، التقسيمات غير متساوية، هذه تنتبه لها في العلوم جميعا، إذا قسمنا الصفات إلى ذاتية وفعليه، ثم باعتبار آخر -يعني باعتبار نوعها- إلى جلال وجمال، لا يعني أن الجلال هي الذاتية والجمال هي الاختيارية، لا، هذا تقسيم آخر.
مثل ما نقول مثلا: شرك أكبر وأصغر، شرك ظاهر وخفي، مو معنى أن الكبر والأصغر، أن الخفي هو الأصغر، الخفي منه أكبر هو شرك المنافقين.
مثل غلط من غلط، تقسيم الكفر إلى كفر أكبر وأصغر، ثُم قُسم باعتبار آخر إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، فظُن أن كفر العمل هو الكفر الأصغر، وأن كفر الاعتقاد هو الكفر الأكبر، هذا ليس بصحيح، فمن فهم من كلام ابن القيم رحمه الله في تقسيم الكفر إلى أكبر وأصغر، ثم إلى كفر اعتقاد وكفر عمل: إن العمل هو الأصغر. هذا ليس بصحيح، حتى على كلام ابن القيم؛ لأن العمل هذا تقسيم باعتبار المورد، مورده يكون من جهة الاعتقاد، ومورده يكون من جهة العمل، فكفر العمل منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر -كما نبهنا عليه مرارا-، يعني في التقسيمات تنتبه.
مثل ما يقسم الأصوليون الواجب مثلا، يقولون:
الواجب ينقسم إلى واجب موسَّع وواجب مضيَّق، طيب.
ثم يقسمون باعتبار آخر إلى واجب عيني وواجب كفائي.
ثم يقسمون القسمة الثالثة إلى: واجب معين وواجب مخير، مثل [خصال] الكفارة.
فإذن هناك تقسيم، التقسيم باعتبارات مختلفة، فإذا علمت التقسيم مع جهة اعتباره فهمت العلم، أما التقسيم هذا مطلقا بدون أن تفهم جهة اعتبار التقسيم فهذا يُحدث لبسا.
س5/ هل الإنسان إذا رأى ربه في المنام تكون الرؤية صحيحة؟
ج/ مثل ما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «رأيت الليلة ربي في أحسن صورة»، يرى المؤمن ربه جل وعلا في صورة إيمانه بالله، فإذا كان إيمانه بالله كاملا رأى صورة حسنة أحسن الصور، وإذا كان إيمانه بالله ناقصا رأى صورة تناسب إيمانه؛ لكن ما يرى في المنام الرب جل وعلا على ما هو عليه جل جلاله.
س6/ إذا أردت أن أعظ عاصيا.
ج/ هذا يعني تأمل صفات الجلال وصفات الجمال وتأمل التوحيد، التوحيد كله خير، الذي يعلم التوحيد يعلم صفات الرب جل وعلا، ويأخذ هذه المباحث من جهة إيمانه بما وصف الله جل وعلا به نفسه، وإيمانه بأركان الإيمان الستة والملائكة والإيمان بالقدر والكتب والرسل ويوم الآخر، لاشك أنه سيعقبه خشية وإن أذنب فسيرجع، مثل ما جاء في الحديث أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال «إذا زنى العبد المؤمن كان الإيمان على رأسه كالظلة، فإن ترك عاوده»؛ لأن الموحد ولو عصى غلبته شهوته على المعصية، أخطأ أذنب، فإن إيمانه بربه جل وعلا وتعظيمه لله جل جلاله يوجب عليه الخشية والإنابة والخوف؛ لأن الرب سبحانه مستحق لأنْ يُذل له وأن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى.
أعانني الله وإياكم على الخير والهدى والتوبة والإنابة.
س7/يسأل عن وصف اليمين والشمال لله جل وعلا.
ج/ هذا جاء في حديث رواه مسلم وأثبته طائفة من أهل العلم.
والصواب عندي عدم إثباته؛ إثبات صفة الشمال لله جل وعلا.
س8/ ذكرتَ في هذا الدرس: صفة العين مع عدم وروده، فما وجه ذلك؟
ج/ كيف صفة العين مع عدم وروده؟ الله جل وعلا متصف بهذه الصفة كما قال سبحانه ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[الطور:48]، وقال سبحانه ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر:14]، والجمع هذا يُراد به المثنى؛ لأن لغة العرب إذا أضافت المثنى إلى ضمير تثنية أو إلى ضمير جمع جَمعت المثنى، كما في قوله تعالى ﴿تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾[التحريم:4]، مع أنَّ لهما قلبين: قلب عائشة وقلب حفصة، (تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) أصل الكلام: فقد صغى قلباكما. لكن لما كانت التثنية تضاف إلى ضمير التثنية أو الجمع فيجمع الأول.
وقد ثبت في حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «إن الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة -أو طافية روايتان-، وإن ربكم ليس بأعور جل جلاله»، العَوَر في اللغة هو ذهاب أحد ما له منه اثنان؛ يعني أحد العينين؛ هذا العور، عينان ذهبت إحداهما قيل عَوَر، فلهذا الدجال وصف بأنه أعور قال (وإن ربكم ليس بأعور)؛ يعني لا يشتبه عليكم الدجال له عين واحدة، والله سبحانه ليس بأعور؛ يعني له عينان.
ومن قال إنَّ الآية (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) فيها إثبات الأعين لله جل وعلا، هذا باطل من جهتين:
الجهة الأولى: الإجماع فإنَّ أهل السنة أجمعوا على أن الله موصوف بصفة العينين.
والثاني: أنَّ الأعين مخالفة لقوله (وإن ربكم ليس بأعور)؛ لأن لفظة أعور في اللغة تدل على ذهاب إحدى العينين، فتكون الإضافة (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) هي إضافة مثنى إلى مجموع فجمع لأجل هذه الإضافة كما هو مقرر في لسان العرب يعني في لغة العرب.
نكتفي بهذا القدر وصلى الله وسلم بارك على نبينا محمد.


)
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:53 AM.


Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.
Sahab Network 1997 - 2010