|
هل أصبح طارق السويدان معتزلياًّ ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
هل أصبح طارق السويدان معتزلياًّ ؟
ابتليتُ منذ مدة بمشاهدة جزء من برنامج للدكتور طارق السويدان ـ مدير قناة (الرسالة) ـ بعنوان (جدد حياتك) على قناة (الدانة)، و يا عجبي حين وجدته يُقرر في تلكم المحاضرة ما ذهبت إليه المعتزلة في تقديم العقل في فهم النقل، و نفي كون السحر له حقيقة ـ مع أنه تناقض حين أقر بأن السحر علم، و كيف يكون علماً ما لا حقيقة له ـ، و إنكار تلبس الجني بالإنسي، و لا أدري أين سيصل به ضلاله و انحرافه بعد هذا ؟ نسأل الله السلامة و العافية.
و لاحظ أن عنوان البرنامج هو نفسه عنوان أحد كتب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، و هذا الأخير معروف بعقلانيته بل و بتقريره نفس الضلالات التي قرَّرها الدكتور المهندس في محاضرته، و كما قيل: (الطيور على أشكالها تقع).
و نذكر هنا ـ بإيجاز ـ بيان أن ما ذهب إليه (د. طارق السويدان) في المسائل المذكورة هو مذهب المعتزلة ـ بلا أدنى ريب ـ، مع الإحالة إلى كتب أهل العلم لمن أراد تفصيلاً أكثر، و من أحالك فقد برئت ذمته.
فأما تقديم العقل على النقل، فهذا من أكبر أصول المعتزلة الذي بنوا عليه مذهبهم المنحرف، و راجع كتاب ’’العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون‘‘ للشيخ علي بن حسن الحلبي وفقه الله.
و لقد أحسن الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي رحمه الله إذ يقول: (( و لا يغترن إنسان بما آتاه الله من قوة في العقل، و سعة في التفكير، و بسطة في العلم؛ فيجعل عقله أصلاً، و نصوص الكتاب و السنة الثابتة فرعاً، فما وافق منهما عقله قبله و اتخذه ديناً، و ما خالفه منها لوى به لسانه، و حرَّفه عن موضعه، و أوَّله على غير تأويله إن لم يسعه إنكاره، و إلا رده ما وجد في ظنه إلى ذلك سبيلاً؛ ثقة بعقله، و اطمئناناً إلى القواعد التي أصلها بتفكيره..))، انظر ’’ إتحاف النبلاء بسير العلماء‘‘ (2/46) للشيخ راشد الزهراني حفظه الله.
و أما مسألة حقيقة السحر فقد ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت و له حقيقة، و ذهب عامة المعتزلة إلى أنه لا حقيقة له، و إنما هو تمويه و تخييل و إيهام، و نحن لا ننكر أن يكون التخييل و غيره من جملة السحر، و لكن ثبت وراء ذلك أمور جوَّزها العقل وورد بها السمع، من ذلك ما جاء في القرآن من أن السحر علم يُعلَّم و يُتعلَّم، و لو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه و لا أخبر الله تعالى أنهم يُعلِّمونه الناس فدلَّ على أن له حقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى و رسوله على وجوده ووقوعه، و على هذا أهل الحل و العقد الذين ينعقد بهم الإجماع، و لا عبرة مع اتفاقهم بحُثالة المعتزلة و مخالفتهم أهل الحق.[ باختصار و تصرف من كلام القرطبي في تفسيره، انظر ’’ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر‘‘(ص9-10) للشيخ المحدث مقبل الوادعي رحمه الله].
و أما مسألة دخول الجني بدن الإنسي ـ و العياذ بالله ـ فمما أجمع عليه أهل السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( وجود الجن ثابت بكتاب الله و سنة رسوله و اتفاق سلف الأمة و أئمتها، و كذلك دخول الجني في بدن الإنسان ثابت باتفاق أئمة أهل السنة و الجماعة... إلى أن قال: و ليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع، و من أنكر ذلك و ادعى أن الشرع يكذب ذلك فقد كذب على الشرع و ليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك ))’’مجموع الفتاوى‘‘ (24/276-277).
و قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله في كتابه ’’الإبانة‘‘(ص11-12): (( و نقر أن الجنة و النار مخلوقتان، و أن الشيطان يوسوس للإنسان و يشكِّكه و يتخبَّطه، خلافاً لقول المعتزلة و الجهمية، كما قال تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان من المسِّ} [البقرة:275] )).
و قال سماحة الشيخ الإمام ابن باز رحمه الله: (( و قد دلَّ كتاب الله عز وجل، و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم، و إجماع الأمة على جواز دخول الجني بالإنسي و صرعه إياه، فكيف يجوز لمن ينتسب إلى العلم أن يُنكر ذلك بغير علم و لا هدى، بل تقليداً لبعض أهل البدع المخالفين لأهل السنة و الجماعة؟ فالله المستعان، و لا حول و لا قوة إلا بالله )).
و انظر رسالة ’’إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي و الرد على من أنكر ذلك‘‘ لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ـ و عنه استفدت كلام شيخ الإسلام ـ، و رسالة في الرد على منكري تلبس الجن بالإنس للأخ محمد بن علي الصومعي وفقه الله ـ و عنه استفدت كلام الأشعري ـ.
هذا، و قد كتبت ما سبق و أنا على علم بضلالات (د.السويدان) و انحرافاته عن سبيل أهل السنة و الجماعة، و من قرأ كتاب ’’الإيضاح و البيان في أخطاء طارق السويدان‘‘ للشيخ أحمد بن عبد العزيز التويجري حفظه الله علم صدق ما أقول، و لكني كتبت ما كتبت نصحاً لبعض المغترين به و خاصة من شباب الصحوة بل و مشايخها، حيث اعتبره أحدهم من المجتهدين؛ و هو ـ و أيم الله ـ من المساكين، فلولا هذا ما رقمت سوداء على بيضاء، و الله الموفق لا رب سواه، و لا إله غيره.
فريد المرادي
الجزائر في 17 محرم 1428هـ.
التعديل الأخير تم بواسطة فريد المرادي ; 2007-02-05 الساعة 04:22 PM
|