ابن عثيمين : مِن بدع شهر رجب .. والتَّحذير من خطورة الابتِداع

6 يونيو 2011

فضيلة الشيخ : محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الل، أما بعد ..
السؤال: ما حكم تخصيص العمرة في شهر رجب؟ وهل البدع أكبر الكبائر؟
الجواب: هذان سؤالان جُعِلاَ في غلافٍ واحد؛ وهو من ذكاء هذا السائل؛ لأنَّنا في هذا المقام لا نقبل إلا سؤالاً واحدًا؛ أيهما أحب إليك الأول أم الثاني؟السائل: الأول.
الشيخ: رجب أحد الأشهر الأربعة الْحُرُم، فهل تعرفها؟
السائل: ذو القعدة، ذو الحجة، مُحرَّم، رجب.
الشيخ: هذه أربعة أشهر حُرُم؛ ورجب منها بلا شك، والله حرَّم القتال فيها.أما الثلاثة: “ذو القعدة، وذو الحجة، ومُحرَّم”؛ فلأنها أشهر الحج، القعدة للقادمين إلى مكة، والحجة للذين في مكة، ومحرَّمٌ للرَّاجعين من مكة، جعل الله هذه الأشهر الْحُرُم يحرُم فيها القتال؛ حتى يأمن الناس الذين يأتون إلى الحج.وشهر رجب كان أهل الجاهلية يعظِّمونه ويعتمرون فيه؛ فجعله الله مُحرَّمًا.

واختلف السلف -رحمهم الله-: هل العمرة فيه سُنَّة أم لا؟فقال بعضهم: إنَّها سُنَّة، وقال آخرون: لا؛ لأنها لو كانت سُنَّة لبيَّنها الرَّسول صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم، إمَّا بقولٍ وإمَّا بفعلٍ.والعمرة في أشهر الحج أفضل من العمرة في رجب؛ لأنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم اعتمر في أشهر الحج؛ ولما ذكر ابن عمر -رضي الله عنهما- (أنَّ النبي صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر في رجب) وهَّمته عائشة؛ وقالت: [لقد وهم أبو عبد الرحمن] قالت له ذلك وهو يسمع فسكت؛ فعلى كل حال: لا أرى دليلاً واضحًا على استحباب العمرة في رجب.

كذلك أيضًا يوجد في رجب بعض الناس يخصُّه بالصوم؛ يقول: إنَّه يُسنُّ الصِّيام فيه، وهذا غلط، فإفراده بالصوم مكرُوهٌ، أمَّا صومه مع شعبان ورمضان فهذا لا بأس به، وفعله بعض السلف؛ ولكن مع ذلك نرى أن لا يصوم الثلاثة الأشهر؛ أي: رجب، وشعبان، ورمضان.

وأمَّا ما يُسمَّى بصلاة الرغائب: وهي ألف ركعة في أول ليلة من رجب أو في أول ليلة جمعة منه،فأيضًا لا صحة لها وليست مشروعة.

وأمَّا العتيرة التي تُذبح في رجب؛ فهي أيضًا منسوخة، كانت أولاً مشروعة ثم نُسِخَت وليست مشروعة.

وأمَّا الإسراء والمعراج الذي اشتُهِر عند كثيرٍ من النَّاس أو أكثرهم أنَّه في رجب، وفي ليلة سبع وعشرين مِنه؛ فهذا لا صحَّة له إطلاقًا.وأظهر الأقوال: أنَّ الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، ثمَّ إنَّ إقامة الاحتفالات ليلة سبع وعشرين من رجب بدعة لا أصل لها.

والبدع أمرها عظيم جدًا وأمرها شديد؛ لأنَّ البدع الدِّينيَّة التي يَتقرَّب بها النَّاس إلى الله فيها مفاسد عظيمة؛ منها:أولاً: أنَّ الله لم يأذن بها، وقد أنكر على الذين يتبعون من شرَّعوا بلا إذن؛ فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:21].

ثانيًا: أنَّها خارجة عن هَدْي النَّبي صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنَّتي وإيَّاكم ومُحدَثَاتِ الأمور).ثالثًا: أنَّها تقتضي إمَّا جهل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه بهذه البدعة، وإما عدم عملهم بها، وكلا الأمرين خطأ. إنْ قُلت: إنَّ الرَّسول عَلِمَ عنها مشكلة، وإنْ قلت: عَلِمَ ولكن لم يعمل ولم يبلِّغ مشكلة أيضًا.رابعًا: أنَّها تستلزم عدم صحة قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:3] . لأنَّك إذا أتيت بشيء جديد؛ يعني: أنَّ الدِّين في الأول ناقص لم يكمُل، وهذا خطيرٌ جدًا؛ أن نقول: هذه البدعة تقتضي أنَّ الدين لم يكمُل.خامسًا: أنَّ هؤلاء المبتدعين جعلوا أنفسهم بمنزلة الرُّسل الذين يُشرِّعون للنَّاس، وهذه أيضًا مسألة خطيرة.ولو تأمَّلت لوجدت أكثر من هذه الخمس في مضَارِّ البدع ولو لم يكن منها إلا أنَّ القلوب تتعلق بهذه البدع أكثر مما تتعلق بالسُّنَّة -كما هو مُشاهَد- حيث تجد هؤلاء الذين يعتنون بهذه البدع ويحرصون عليها لو فكرت في حال كثيرٍ منهم لوجدت عنده فتورًا في الأمور المشروعة المتيقَّنة؛ فهو ربما يبتدع هذه البدعة وهو حليق اللحية، مسبل الثياب، شارب للدخان، مقصِّر في صلاة الجماعة.

يقول بعض السلف: ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السُّنَّة مثلها أو أشد.حتى إنَّ بعض العلماء قال: المبتدع لا توبة له.لأنَّه سنَّ سُنَّة يمشي النَّاس عليها إلى يوم القيامة أو إلى ما شاء الله؛ بخلاف المعاصي الخاصة؛ فهي خاصة بفاعلها وإذا تاب ارتفعت لكن المشكلة البدعة؛ حيث لو تاب الإنسان من البدعة فالذين يتَّبعونه فيها لم يتوبوا؛ فلذلك قال بعض العلماء: إنَّه لا توبة لمبتدع؛ لكن الصَّحيح أنَّ له توبة، وإذا تاب توبة نصوحًا تاب الله عليه، ثم يسأل الله أن تُمحَى هذه البدعة ممن اتبعوه فيها.

15 تعليق ابن عثيمين : مِن بدع شهر رجب .. والتَّحذير من خطورة الابتِداع

  1. ابوسند السلفى كتب:

    اسأل الله العزيز الرحيم ان يرحم شيخنا وولدنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين الذى اذا سمعت كلامه دخل قلبك وفهمه عقلك وستنار دربك لانهم اخلصوا لله الطلب فصطفاهم الله تعالى لحمل هذا العلم وتعلمه للناس هؤلاء هم العلماء الربيين من شهد لهم بصفاء المعتقد والمنهج فجزاه الله خيرا واسكنه الفردوس الاعلى من الجنة

  2. ابو احمد الليبي كتب:

    السلام عليكم رحمك الله يا شيخنا ونسأل الله ان يسكنك فسيح جناته يارب العالمين
    ونسأل الله ان يثبتنا علي هذا الدين ونسال الله ان يسلمنا من البدع والضلالات يارب العالمين
    لا تنسونا من صالح دعاءكم اخوكم في الله محمد

  3. أركان الكلاري الكردي كتب:

    رحم الله لك الشيخ ابن عثيمين و يدخلك في الجنات و في أعلى الدرجات . كم جميل حينما نأخذ الدين بهذا الطريق بالدليل و التوضيح و على منهج السلف

  4. ابو ادم الاثري كتب:

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته بارك الله في القائمين على هذا الموقع و جعله في ميزان حسناتهم و رحم الله شيخنا الجليل محمد ابن صالح العثيمين و اسكنه الفردوس الاعلى و حشرنا و اياه مع النبي الكريم صلى الله عليه و سلم و غفر الله لنا و لكم و نفعنا الله بعلم العلماء الربانيين

  5. ابو هاشم التونسي كتب:

    السلام عليكم و رحمة الله ، رحم الله الشيخ الجليل و اسكنه فسيح جناته . والله اسأل ان يجمعنا به في دار كرامته و ان ينفعنا بعلمه الغزير .و جازى الله خير القائمين على هذا الموقع و السلام عليكم

  6. وليد بن محمد السلفي كتب:

    جزى الله خيرا المشرفين على هذا الصرح السلفي، ووفقنا وإياهم لما يحب ويرضى..

  7. عبد السلام شريقي كتب:

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
    نشهد الله جل و علا و نشهد كل من قرأ و اطلع على كلامي هذا أني أحب الشيخ فرحمه الله رحمة واسعة و رزقه الجنة و و حشرنا و إياه تحت لواء النبي صلى الله عليه و سلم

  8. kunhikoya, kattumunda كتب:

    السلام عليكم ورحمة الله قرأت هذه المسألة وفهمت الحق بارك الله فيكم وشكرا

  9. أيمن محمد على صالح كتب:

    جزى الله القائمين على الموقع خيرا.ورحم الله الشيخ العلامة الفقيه المعلم الودود.واسال الله أن يجمعنا به مع علمائنا الأجلاء على حوض النبى صلى الله عليه وسلم وفى دار المقامة

  10. ابو عبيدة هشام كتب:

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد اشكر الله تعالى الذي من علينا بهذا الموقع الذي سميت خلاصته اعتقاد اهل السنة و الجماعة واشكر إخواننا القائمين على المنتدى السلفي حقيقتا لشرف كبير إلي أن أشارك معكم اسأل الله العزيز الرحيم ان يرحم شيخنا وولدنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين اما بعد الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبي بعده، سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه؛ وبعد:

    فمن المعلوم عند جميع المسلمين أنَّ شهر رجب من الأشهر الحُرُمِ التي قال الله فيها : { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }. [التوبة:36].

    وثبت في الصحيحين « أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خطب في حجَّة الوداع فقال في خطبته: (إنَّ الزَّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حُرُمٌ، ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) ».

    لِمَ سُمِّيت هذه الأشهر الأربعة حُرُماً؟

    وقد اختلفوا لِمَ سمِّيت هذه الأشهر حُرُماً، فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذَّنب فيها. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: “اختصَّ الله أربعة أشهر جعلهنّ حُرُماً وعظَّم حُرُماتهنّ، وجعل الذَّنب فيهنّ أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم”.
    وقيل: بتحريم القتال فيها.

    لِمَ سُمِّي رَجَبٌ رَجَباً؟

    قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله تعالى -: سمّي رجبٌ رجباً؛ لأنه كان يرجب، أي يُعظَّم، يُقال: رَجَبَ فلانٌ مولاه، أي عظَّمه. وذكر بعضهم أنَّ لشهر رجب أربعة عشر اسماً، هي: (رجب – رجب مضر – منصل الأسنَّة – الأصمّ – الأصبّ – منفس – مطهر – معلى – مقيم – هرم – مقشقش – مبرىء – فرد – كما أطلق عليه البعض شهر الله).

    تعظيم أهل الجاهلية لشهر رجب

    - لقد كان الجاهليون يُعظِّمون هذا الشهر، خصوصاً قبيلة مُضَر، ولذا جاء في الحديث كما سبق: (رجب مُضَر)، قال ابن الأثير في “النهاية”: (أضاف رجباً إلى مضر؛ لأنهم كانوا يُعظِّمونه خلاف غيرهم، فكأنهم اختصُّوا به).

    فلقد كانوا يُحرِّمون فيه القتال، حتى أنهم كانوا يُسمُّون الحرب التي تقع في هذه الأشهر (حرب الفجار!!). وكانوا يتحرَّون الدعاء في اليوم العاشر منه على الظالم، وكان يُستجاب لهم!
    وقد ذُكر ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: “إنَّ الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض، وإنَّ الله جعل الساعة موعدهم، والساعةُ أدهى وأمرّ”.

    - وكانوا يذبحون ذبيحةً تُسمَّى (العَتِيرة)، وهي شاة يذبحونها لأصنامهم، فكان يُصبُّ الدم على رأسها!
    و العلماء على أنَّ الإسلام أبطلها، لحديث “الصحيحين”: (لا فرْع ولا عَتيرة).

    ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث « أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: (اللَّهمَّ بارك لنا في رجب وشعبان وبلِّغنا رمضان) » وإسناده ضعيف.
    قال بعض السلف: شهر رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السَّقي للزرع، وشهر رمضان حصاد الزرع.

    جميع ما أحدث النَّاس في رجب من البدع المنكرة

    ومن العجيب أنَّ الناس قد أحدثوا في شهر رجب بدعاً كثيرةً لم ينزل الله بها من سلطان، وهذه البدع التي سأذكرها نبَّه عليها أئمة الإسلام وعلماؤه، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيِّم، والشاطبي، وابن رجب الحنبلي، والطرطوشي، وابن حجر. ومن المعاصرين: الشيخ علي محفوظ، والشُّقيري، والشيخ ابن باز، والألباني والعثيمين – رحمهم الله- والفوزان – حفظه الله -.

    وجميع ما سأذكره في مقالتي – أيها القاريء النبيل – من باب قول الشاعر:

    عَـَرفْتُ الشَّرَّ لا للشَّر لكنْ لِتَـوَقِّيــــهِ
    وَمَنْ لا يَعْرِفِ الشَّرَّ جَدِيرٌ أنْ يقعْ فيه

    أولاً: ومن أوائل ما ابتدع النَّاس في رجب الصَّلاة، وهي عندهم على أنواع:
    * منها ما يُسمَّى بـ (الصَّلاة الألفية)، وهي تُصلَّى في أول يوم من رجب، وفي نصف شعبان، وهي غير صلاة الرغائب كما سيأتي.

    * صلاة أُمِّ داود، وهي تُصلَّى في نصف رجب؛ ذكرها شيخ الإسلام في “اقتضاء الصراط المستقيم” (ص293).

    * صلاة الرَّغائب، ويُسمِّيها البعض (الصَّلاة الإثنى عشرية)، وهي تُصلَّى في أول ليلة جمعة بعد العشاء، وقيل: بين العشائين. وهي اثنتي عشرة ركعة، يُقرأ في كلِّ ركعة فاتحة الكتاب مرة و (إِنَّا أَنزلناه في ليلة القدر) ثلاثاً، و(قل هو الله أحد)؛ اثنى عشر مرة، يفصل بين كلِّ ركعتين بتسليمة. وهي صلاة محدثة أُحدثت بعد المائة الرابعة.
    قال ابن رجب في “لطائف المعارف” (ص140):
    ( … فأما الصلاة فلم يصحّ في شهر رجب صلاة مخصوصة تختصّ به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرَّغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصحّ ).

    ثانياً: ومما أحدث النَّاس في رجب الصِّيام، وهم فيه على أصناف:
    * فمنهم من يحرص على صيام اليوم الأول والثاني والثالث منه، ويروون في ذلك الأحاديث الموضوعة، كحديث: (من صام ثلاثة أيام من شهرٍ حرامٍ الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة تسعمائة سنة). وفي لفظ: (ستين سنة). وحديث: (صوم أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين، والثاني كفارة سنتين، ثم كلّ يوم شهراً) وحديث: (رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أُمَّتي). وكلُّ ذلك كذب مصنوع.

    *ومنهم من يصوم اليوم السابع منه فقط، ويُصلِّي صلاة الرَّغائب في تلك الليلة.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( والصواب الذي عليه المحقِّقون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم، وعن الصلاة المحدثة، وعن كلَّ ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة، وإظهار الزينة ونحو ذلك ).

    * ومنهم من يصوم الشهر كلَّه. قال ابن رجب: ( وأما الصِّيام فلم يصحّ في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ) اهـ.
    وجاء عن السَّلف أنهم كانوا ينهون عن صيام رجب كاملاً.
    فقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب أكفَّ الرِّجال في صوم رجب حتى يضعونها في الطعام ويقول : (ما رجب؟! إنَّ رجباً كان يُعظِّمه أهل الجاهلية، فلما كان الإسلام تُرِكَ).
    وفي رواية: كره أن يكون صيامه سُنَّة.

    وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه كان ينهى عن صيام رجب كلِّه.
    وعن أبي بكرة رضي الله عنه أنه رأى أهله يتهيأون لصيام رجب، فقال لهم: (أجعلتم رجب كرمضان! وألقى السِّلال، وكسر الكِيزان). وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرى أن يفطر منه أياماً، وكرهه أنس بن مالك وسعيد بن جبير، وغيرهم.

    قال الحافظ ابن حجر في “تبيين العجب بما ورد في فضل رجب” :
    (لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه، ولا صيام شيء منه معيَّن، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحُجَّة).

    ثالثاً: زيارة قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر.
    وزيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقبره مشروع في كلِّ السنة، وهي من جملة القُرُبات والطاعات؛ ولكن تخصيصها بهذا الشهر من البدع التي لم يرد عليها دليل، فتخصيص عبادة بوقت لم يُوقِّته الله ولا رسوله من البدع المحرَّمة؛ فتنبَّه! وقد ذكره الشيخ الألباني في “أحكام الجنائز وبدعها”.

    رابعاً: الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج في ليلة السابع والعشرين منه، وقراءة قصة المعراج، وإطعام الأطعمة والولائم.
    وهذا مما أحدثه الناس في هذا الشهر وهو من البدع المنكرة، فيقرأون في ليلة السابع والعشرين منه قصة المعراج المنسوبة إلى ابن عباس، وكلُّها أكاذيب وأضاليل.

    وهذا الاحتفال بدعة ولا يجوز، وذلك من وجوه:
    الأول: أنَّ أهل العلم مختلفون في تحديد تاريخ وقوع هذه الحادثة العظيمة اختلافاً كبيراً، ولم يقم دليل على تعيين ليلته التي وقع فيها، ولا على الشهر الذي وقع فيه.
    الثاني: لو ثبت تعيين تلك الليلة لم يجزْ لنا أن نحتفل فيها، ولا أنْ نُخصِّصها بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله.
    الثالث: أنه يحصل في تلك الليلة وذلك الاحتفال أمورٌ منكرة. قال بعض أهل العلم : (وقد تفنَّن الناس بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروباً كثيرةً، كالاجتماع في المساجد وإيقاد الشُّموع والمصابيح فيها).

    وأودَّ في هذه العجالة أن أسوق للقاريء الكريم كلاما نفيساً لسماحة المفتي العام للمملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله تعالى – حول هذه المسألة.

    قال رحمه الله: (وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأتِ في الأحاديث الصحيحة تعيينها، لا في رجب ولا في غيره، وكلُّ ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث).

    وحول الحكمة الإلهية من عدم تعيين ومعرفة تلك الليلة بعينها، يقول الشيخ: “ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجزْ للمسلمين أن يخصُّوها بشيء من العبادات، ولم يجزْ لهم أن يحتفلوا بها؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها ولم يخصُّوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمراً مشروعاً لبيَّنه الرَّسول صلى الله عليه وسلم للأُمّة، إما بالقول، وإما بالفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعُرفَ واشتهر، ولَنَقَلهُ الصحابة رضي الله عنهم إلينا، فقد نقلوا عن نبيِّهم صلى الله عليه وسلم كلَّ شيء تحتاجه الأُمّة، ولم يُفرِّطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كلِّ خير، ولو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعاً لكانوا أسبق إليه …” إلخ كلامه رحمه الله.

    وخلاصة القول: أنَّ البدع مع أنها حَدَثٌ في الدِّين وتغييرٌ للملة؛ فهي آصارٌ وأغلالٌ تُضاع فيها الأوقات، وتُنفق فيها الأموال، وتُتْعب فيها الأجساد!! ولاحول ولا قوة إلا بالله.

    وصدق من قال: “والخـَيْرُ في اتِّبـاع مَنْ سَلَفْ والشَّرُّ في ابتداعِ مَنْ خلَفْ”. رزق الله الجميع الإخلاص في عبادته، واتِّباع سنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ، والموت على ذلك. وصلى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    • محمد كتب:

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كيف لي ان اثق بنقل الاحاديث الكثيرة من الحفظة ورواة الحديث الذين لم يستطيع احد منهم معرفة يوم عظيم مثل يوم الاسراء والمعراج وانه غير معلوم في اي يوم هو كما تاكد بان النبي والصحابة الكرام رضوان الله عليهم لم يحتفلوا بهذه الليلة لاباس به ان ثبت صحته ولكن لم يذكر في اي يوم هو وكيف لعاقل ان يقتنع بان لله حكمة في انساء الناس يوم مثل يوم الاسراء والمعراج وهو ثابت في القران الله يهدينا ويهديكم ان شاء الله نورونا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  11. عبد الحق كتب:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزى الله شيخنا احسن الجزاء ورحمه الله وادخله فسيح جناته على ما قدمه للاسلام والمسلين الحمد لله الشيخ ابن عثيمين بين لنا خطر البدع بصفة عامة وليس بدعة شهر رجب فحسب ودالك من خلال اعتقادات المبتدعين واخيرا اشكر كل طاقم موقع سحاب .السلام عليكم ورحمة الله

  12. ابوعبد الله محمد بن عثمان كتب:

    رحمك الله يا شيخنا رحمة واسعة واسكنك فسيح جنانه بالفردوس الاعلي نسال الله يجمعنا بك في الجنة

  13. أبو عبد المصور الجزائري كتب:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزى الله القائمين على الموقع خيرا.ورحم الله الشيخ محمد بن صالح العثيمين

  14. ساميه مرجان كتب:

    جزاكم الله خيرا على كل ماتبذلوه من جهد لكى تنيروا عقولنا والله اسءل ان يجعل هذا العمل خالصا لوجه الله الكريم ويجعله فى ميزان حسناتكم يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>