اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

أبو بكر يوسف لعويسي

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    820
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

كل منشورات العضو أبو بكر يوسف لعويسي

  1. إن الوقوف في المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب وقطع خطبته عليه بالإنكار العلني وإحداث فوضى وفتنة في المسجد هو من فعل الثوار الخوارج فقد ذكر الشاطبي في الاعتصام (1/80)عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا يَخْطُبُنَا، فَقَطَعُوا عَلَيْهِ كَلَامَهُ، فَتَرَامَوْا بِالْبَطْحَاءِ، حَتَّى جَعَلْتُ مَا أُبْصِرُ أَدِيمَ السَّمَاءِ. قَالَ: وَسَمِعْنَا صَوْتًا مِنْ بَعْضِ حُجَرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ: هَذَا صَوْتُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: أَلَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ قَدْ بَرِئَ مِمَّنْ فَرَّقَ دِينَهُ وَاحْتَزَبَ، وَتَلَتْ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]». قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ: " أَحْسَبُهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: هُمُ الْخَوَارِجُ. قال عبد السلام بن برجس : ووجدت الزبير بن بكار أسنده ( أي أثر أم سلمة )في الأخبار الموفقيات رقم (399)(ص489)عن سفيان بن عيينة عن إسرائيل بن موسى أبي موسى البصري عن الحسن قال شهدت المسجد يوم الجمعة فخرج عثمان فقام رجل فقال : أنشد كتاب الله . فقال عثمان : أما لكتاب الله ناشد غيرك ؟ فجلس ...إلخ بنحوه وليس فيه ذكر كلام أم المؤمنين وإسناده صحيح
  2. أبو بكر يوسف لعويسي

    كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟؟!!!

    آمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــين ، أخي وفيك بارك الرحمن .
  3. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة على الحبيب المصطفى القائل : (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النّار )) والقائل : (( كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع )) وعلى آله وصبحه وسلم . أما بعد : فهذه نصيحة مشفق يقدمها لكم فإن الدنيا فانية ، وإن القدوم على الله قريب ، وأن المسئولية جسيمة ، والفضيحة عظيمة ، ولا مفر لكم من المساءلة أمام الله فقد فتحتم الباب إلى هذا الظالم لنفسه يعبث في دين الله ويحرف الكلم عن مواضعه ، ويكذب على الله ورسوله ، ويكذب على العلماء والكذب به ألصق ، وقد جمعت في الرد عليه كتابا حافلا بالأخطاء العلمية وقد نشرت الجزء الأول منه ، بعنوان " القول المبين في الرد على أباطيل بروبي شمس الدين " واليوم خرج علينا كعادته يحرف كلام الله ليستدل على جواز المظاهرات وكل ما جاء به باطل وكذب وتتحملون شيئا من الوزر معه لأنكم أنتم من فتحتم له الباب فأنتم السبب المباشر لنشر الكذب والتأويل الباطل لكلام الله تعالى فاتقوا الله وأغلقوا الباب دونه . فقد استمعت إلى مقطع فيديو للمدعو شمس الدين بوروبي يتكلم فيه على جواز المظاهرات ، ويرد على من منعها ، ويتهم السلفيين بالكذب وهو به ألصق من باب رمتني بدائها وانسلت . والمشكل ليس في رده وانتقاده ولو كان بالسب والشتم ، فهذا قد ألفناه منه ولكن المشكل والعجيب فيما يستدل به على جواز المظاهرات ؛ حيث استدل بآية من القرآن ، وقصة من السيرة النبوية ، وبكثرة الخارجين في المظاهرات ، ولتفنيد ما جاء به من الباطل والقول العاطل أقول له ولمن على شاكلته أو اغتر بكلامه . يا شمس الدين اتق الله لا تحرف القرآن الكريم ، ولا تخرج على العام في هذه القنوات بوجه صفيق لا تستح من الله تعالى ولا من خلقه بعد هذا الشيب الذي غزاك ـ وتكذب في تأويل كلام الله ، وتفسيره ، وتكذب على رسول الله ، وعلى الصحابة ، وعلى طلبة العلم والعلماء ، وتتهمهم بالكذب ،وأنت أكبر كذاب في وضح النّهار في قناة النهار .. يا شمس الدين ؛ تستدل على المظاهرات والمسيرات بقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ} (1-2) المدثر . وتفسرها بأنها نزلت على رسول الله وهو في دار الأرقم ابن أبي أرقم ، أما تستحي من الله في هذا السن وأنت تقول ذلك ؟ ألا تعلم أن ذلك سُجل عليك في كتابك وهو كذب؟؟ ألم تكلف نفسك قليلا فترجع إلى تفسير من التفاسير وتنقل للنّاس أن ذلك نزل عليه وهو مدثر في قطيفة في بيت خديجة بعدما رجع إليها وقد رأى الملك الذي جاءه في حراء بين السماء والأرض جالس على كرسي .. وهذا لا يكاد يختلف فيه أهل التفسير . فلماذا اختلفت عليهم وحرفت ذلك ؟ وأنت تعلم أنه خلاف الحق الذي أراده الله تعالى ، من رسوله ، ونقله العلماء، وأنا أعلم أنك لم تفعل ذلك عن جهل وإنما فعلته عن علم لترضي به بعض الخلق .. يا شمس الدين ؛ من سبقك من أهل العلم إلى هذا التفسير ؟ بل أقول من سبقك من أهل الجهل والضلال من أئمة الباطنية الذين تشيد بمذاهبهم وتذهب إليها في بعض ما يوافق هواك ؟ لم يقل أحد منهم في تفسير الآية بما قلت به ؟؟. اسمع يا شمس الذين واقرأ تأويل العلماء ، ولا تحرف تفسير القرآن الكريم فإنه سوأة كبيرة تسجل عليك ليس من السهل التخلص منها أمام الله تعالى . أخرج ابن جرير في تفسيره (23/7): عن جابر بن عبد الله الأنصاري – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدّث عن فترة الوحي: (( بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا ، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..) إلى قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: ثم تتابع الوحي. وقوله: (قُمْ فَأَنْذِرْ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره.تفسير ابن جرير(23/9). وروى البخاري (4922) ومسلم(161) واللفظ له عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} إِلَى: {فَاهْجُرْ}. قال ابن عطية الأندلسي (5/392): وقوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ بعثة عامة إلى جميع الخلق. قال قتادة، المعنى أنذر عذاب الله ووقائعه بالأمم، وقوله تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ معناه عظمه بالعبادة وبث شرعه. وقال الرازي (30/697): (( قم فأنذر )). في قوله: قم وجهان أحدهما: قم من مضجعك ، والثاني: قم قيام عزم وتصميم.. وفي قوله: فأنذر وجهان أحدهما: حذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا. وقال ابن عباس : قم نذيرا للبشر، احتج القائلون بالقول الأول بقوله تعالى:{ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ} [الأنعام: 51] . واحتج القائلون بالقول الثاني بقوله تعالى :{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] . وهاهنا قول ثالث : وهو أن المراد فاشتغل بفعل الإنذار، كأنه تعالى يقول له تهيأ لهذه الحرفة، فإنه فرق بين أن يقال تعلم صنعة المناظرة، وبين أن يقال: ناظر زيدا. وقال القرطبي (19/61) قوله تعالى: (قم فأنذر) أي خوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا إعلامهم بنبوته، لأنه مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد، لأنه المقصود بها. فهذا قول عامة المفسرين في الآية لا يخرج عن هذا التأويل ؛ فأين ما تدعيه بأن قوله تعالى : {قم فأنذر } أي أخرج وتظاهر في مسيرات أنت وأتباعك ؟؟. إن هذا لعجب العجاب ؛ فاتق الله يا رجل أنت على حافة القبر ، تكذب على الله فتفسر كلامه على غير مراده سبحانه ، وتكذب على رسول الله أنه خرج في مظاهرة ، وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله في صفين .. هذا افتراء وهو أكذب القول . اتحداك يا شمس الدين أن تثبت ذلك في شيء من كتب العلم المعتبرة ، فهذه كتب السنة ، والسيرة ، والتاريخ أمامك فأخرج لنا ذلك بالسند الصحيح؛ بل الضعيف ، أخرج الكتاب الذي نقلت منه ، صوره وأبرزه للنّاس إن استطعت حتى تكذبنا ، وأثبت أن الرسول خرج في مسيرة أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره .. أما القصة التي أردت أن تستدل بها في هذا الباب - ولم تحسن - فهي قصة إسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما ، والقصة ضعيفة وردت بسند معضل وبسند آخر فيه راو أجمعوا على ضعفه ، وقال الإمام أحمد لا يحل الرواية عنه ؛فلا تصح أن تنسب إلى رسول الله .. فلما التلبيس والتدليس على النّاس ؟؟ و على فرض صحتها جدلا - وهي لا تصح - فليس فيها أدنى دليل على جواز المظاهرات ، فغاية ما فيها إظهار الدعوة إلى الله جهرا والخروج بها إلى العلن . فهل خروج الملايين الذين تستدل بهم على صحة المظاهرات التي خرجوا فيها خرجوا من أجل إظهار الحق ، وإبرازه ، أم خرجوا من أجل إسقاط ولاية الوالي ( الرئيس ومن معه ))؟؟. ألا تعلم أنهم هم الذين بالأمس خرجوا في مظاهرات عارمة مليونية – كما يقولون - يهتفون بحياته من أجل تنصيبه رئيسا عليهم ، فماذا تمسي هذا يا شمس الدين إن لم يكن خروجا عليه ؟؟ هذا أولا ؛ وثانيا : على فرض التسليم لك بأن القصة وردت بسند ضعيف والعمل بالضعيف في فضائل الأعمال جائز عند بعض العلماء ، فهذه القصة الضعيفة ليست من فضائل الأعمال ، فهي مسألة منهجية في باب الدعوة إلى الله والمراحل التي مرت بها ، وهي واقعة عين لا تصلح أن تكون قاعدة مطردة ليقاس عليها ما يجري من مظاهرات ، من وسائل غير شرعية تلقفها القوم من تتبعهم لسنن الأمم الكافرة .. فلم تتكرر هذه الواقعة البتة في عصر التشريع والقرون المفضلة وما بعدها.. فلو كانت مشروعة لعمل بها السلف ، ولسبقونا إلى ما فيها من الخير ، ولاستدلوا بها على كثير من الحوادث التي جرت عبر تاريخ هذه الأمة ، فلم ينقل من ذلك شيء ولم تستفيض هذه القصة وتشتهر بين دواوين الإسلام حتى تستخرجها أنت في هذا الزمان فتستدل بها على وسائل سنها أعداء الإسلام . والذي نقل يا شمس الدين أن الخوارج الثوار هم من تظاهروا أمام بيت الخلافة أو الخليفة أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه – واعتصموا أمام بيته من أجل تنحيته عن الخلافة أو يقتل ، فلمّا لم يجبهم إلى ترك الخلافة قتلوه والمصحف في حجره وهو يتلو كتاب الله .. هذا الذي نقل ، فمن يفعل ذلك ويذهب إلى قصر الحكم أو بيت الحاكم ليطالبوه بالتنحي عن الولاية فهم يفعلون فعل الخوارج . ثالثا : على فرض صحتها تنازلا معك ، فالصحابة خرجوا يظهرون إسلامهم وأنهم على الحق ، ويعلنون به ، ولم يخرجوا ليطالبوا بحقوقهم في الحكم ، وأن الحكم لهم ، وأن يقرروا مصيرهم بأنفسهم من شعارات الجاهلية ، فلوا كان ذلك كذلك لخف الخطب ؛ فقد عرضت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم الملك ورفضه كما نقلوا ذلك في السيرة .. رابعا : على فرض التسليم بصحتها ، فخروج الصحابة ليس فيه شعارات جاهلية ، السيادة للشعب ، والحكم للشعب واتركوا الشعب يحكم بنفسه ويقرر مصيره ، وأنها سلمية ديمقراطية حضارية يخرج فيها الرجال والنساء من كل العمار جنبا إلى جنب ،مختلطة بالسفور والتبرج والزحام والاحتكاك بين الجنسين . أو شعار من أجل الحرية ، مع العلم عند كل عاقل أنه لا يوجد عبد واحد ، أو جارية واحدة ، في الجزائر بمعنى العبودية فالكل يتكلم بما شاء متى ما شاء ، حتى السب والشتم ، ويدخل ويخرج ويسافر ، ويتاجر ويملك ويتزوج و..و.. فهل تدري يا شمس الدين الحرية التي يطالب بها هؤلاء المتظاهرون ويؤزهم أولئك الأوباش المتغربين الذين تأثروا بنظم بلاد الكفر التي يعشون فيها ورضعوا من لبان عولمتهم هي الحرية الإباحية التي لا حدود لها في نظام العولمة والدولة المدنية .. لقد رفع المتظاهرون شعارات كثيرة حتى السب والشتم ؛ فهل هذه الشعارات الضالة المنحرفة ، وغيرها مما يرفعه المتظاهرون من الدعوة إلى الدين حتى نصبغها بلباس الشرع ، وهل هي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونقيسها بتلك القصة الضعيفة ؟؟ ناهيك عن الفساد الذي ينتج عنها ، من التخريب ، والحرق ، والتدمير ، والضرب والجروح ، والاقتتال ، وتضييع للأوقات ، ونهب الموال العامة والخاصة ، وفتح باب الفتن على مصراعيه في الربيع العبري ، يا شمس الدين كن عاقلا وانظر إلى المصالح والمفاسد ، وأنت تعلم القاعدة العظيمة في الشرع درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وباب سد ذرائع الفساد ؛ فلو لم يكن من مفاسدها إلا الإخلال بالأمن لكان كافيا عند العقلاء أن لا يبيحوا هذه المظاهرات وأن ينهوا عنها . فاتق الله يا شمس الدين ، ولا ترمي غيرك بما أنت واقع فيه من الجهل والكذب ، وإليك القصة التي استدللت بها مخرجة وما قال أهل العلم في سندها . فقد أخرجها أبو نعيم في دلائل النبوة (1/241)(192) قال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ الْفَارُوقَ؟ قَالَ: " أَسْلَمَ حَمْزَةُ قَبْلِي بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَخَرَجْتُ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِذَا فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ الْمَخْزُومِيُّ قُلْتُ لَهُ: أَرَغِبْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ حَقًّا مِنِّي عَلَيْكَ قُلْتُ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: خَتَنُكَ وَأُخْتُكَ قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ الْبَابَ مُغْلَقًا وَسَمِعْتُ هَمْهَمَةً قَالَ: فَفُتِحَ لِيَ الْبَابُ فَدَخَلْتُ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا فَمَا زَالَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ حَتَّى أَخَذْتُ رَأْسَ خَتَنِي فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً فَأَدْمَيْتُهُ فَقَامَتْ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَغِمَ أَنْفِكَ قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ فَجَلَسْتُ وَقُلْتُ: أَرُونِي هَذَا الْكِتَابَ فَقَالَتْ أُخْتِي: إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقُمْ فَاغْتَسِلْ قَالَ: فَقُمْتُ فَاغْتَسَلْتُ وَجِئْتُ فَجَلَسْتُ فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ الصَّحِيفَةَ فِيهَا: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ، قُلْتُ: أَمَّا ظَاهِرُهُ طَيِّبٌ: {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 8] قَالَ: فَتَعَظَّمَتْ فِي صَدْرِي وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا فَرَّتْ قُرَيْشٌ؟ ثُمَّ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلْإِسْلَامِ فَقُلْتُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، قَالَ: فَمَا فِي الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا تَجْبَهَهُ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَتْ: فَإِنَّهُ فِي دَارِ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي أَرْقَمْ فِي دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا فَأَتَيْتُ الدَّارَ وَحَمْزَةُ فِي أَصْحَابِهِ جُلُوسٌ فِي الدَّارِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ فَضَرَبْتُ الْبَابَ فَاسْتَجْمَعَ الْقَوْمُ فَقَالَ لَهُمْ حَمْزَةُ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: افْتَحُوا لَهُ الْبَابَ فَإِنْ قَبِلَ قَبِلْنَا مِنْهُ، وَإِنْ أَدْبَرَ قَتَلْنَاهُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا لَكُمْ» قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثِيَابِهِ ثُمَّ نَتَرَهُ نَتْرَةً فَمَا تَمَالَكَ أَنْ وَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ : مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ: فَكَبَّرَ أَهْلُ الدَّارِ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مِتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟ قَالَ: (( بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى الْحَقِّ إِنْ مُتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ)). قَالَ: فَقُلْتُ: فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ فَأَخْرَجْنَاهُ فِي صَفَّيْنِ حَمْزَةُ فِي أَحَدِهِمَا وَأَنَا فِي الْآخَرِ لَهُ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِينِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، قَالَ: فَنَظَرَتْ إِلَيَّ قُرَيْشٌ وَإِلَى حَمْزَةَ فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلُهَا فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَارُوقَ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ )) . قال الشيخ الألباني في الضعيفة (6531) قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، إسحاق بن عبد الله - وهو: ابن أبي فروة -، قال البخاري: "تركوه". وقال أحمد:"لا تحل - عندي - الرواية عنه". وكذبه بعضهم. ثم أخرجه أبو نعيم، وكذا البزار (3/169 -171) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنيني: ثنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: قال لنا عمر رضي الله عنه: أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قلنا: نعم. قال: ... فذكر قصة إسلامه مطولة جداً، وليس فيها سبب تسميته بـ (الفاروق) ، ولا ذكر لـ (الصفين). قلت : وهي كذلك في فضل الصحابة (1/279)(371) للإمام أحمد في قصة إسلام عمر لم يذكر خروجهم في صفين مع أنه ذكر قصة أخرى لإسلام عمر (1/283) (374) وقال الراوي في آخرها وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.أي أي القصتين كانت صحيحة . وكذلك هي في مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار (1/400). والآجري في الشريعة (ح1347) لم يذكر أحد منهم قصة تسميته بالفاروق ولا خروجهم في صفين . وهذه الرواية هي من طريق إسحاق بن عبد الله وإسحاق بن عبد الله - وهو ابن أبي فروة - متروك شديد الضعف، فلا يفرح بحديثه. قال علي بن المديني: اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة- يعني منكر الحديث-. قال أبو أمية الأحوص بن المفضل بن غسان الغلابي: حدثنا أبي قال: حدثنا يحيى بن معين قال: اسحاق بن أبي فروة، والحكم الأيلي، وابن أبي يحيى لا يكتب حديثهم. وقال مرة : اسحاق بن أبي فروة وليس بثقة عند يحيى بن معين. وقال الحافظ أبو طاهر السلفي قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال: أخبرنا أبو الحسن الحربي قال: أخبرنا أبو محمد الصفار قال: أخبرنا عبد الباقي بن قانع أن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة مولى عثمان بن عفان نزل المدينة، ضعيف . بغية الطلب في تاريخ حلب (3/1481-1483). قال محمد بن سعد في الطبقات : الطبقة الخامسة من أهل المدينة : كتب إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة إلى عمر بن عبد العزيز يستأذنه في القدوم عليه، فكتب ( إليه عمر): الشقة بعيدة، والوطأة ثقيلة، والنيل قليل، ولا أنا عنك راض. وكان أبو فروة يرى رأي الخوارج ، وكان كثير الحديث، يروي أحاديث منكرة، ولا يحتجون بحديثه. وقال عتبة بن أبي حكيم، قال: جلس إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة بالمدينة في مجلس الزهري قريب منه، فجعل يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال مالك: قاتلك الله، ما جرأك على الله يا ابن أبي فروة! ألا تسند أحاديثك؟ تحدثون بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة! وكذلك يقال لك : قاتلك الله، ما جرأك على الله يا شمس الدين بروبي! ألا تسند أحاديثك؟ تحدث بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة! وقال أحمد بن حنبل: لا تحل الرواية عن إسحاق بن أبي فروة.مختصر تاريخ دمشق (4/302). وقال صلاح الدين الصفدي :في الوافي بالوفيات (8/271): وَهُوَ مجمع على ضعفه. فقد سقطت هذه القصة سندا ومضمونا ، فهل يصح بعدها أن تستدل بها على جواز المظاهرات التي جاءتنا من الكفار ليشعلوا بيننا الفتن ويفرقوا بين المسلمين ، ويدمروا أوطاننا وندخل في حروب لا يعلم نهايتها ونتيجتها والدمار الذي يحصل من ورائها إلا الله تعالى ، ولا إخالها تجهل العشرية السوداء التي مرت ببلادنا وأنك انكويت بنارها ومسك ضررها فهلاّ تعقلت ودعوت إلى ترك هذه الأعمال المخالفة لشرع رب العالمين . أما الكثرة التي تستدل بها على جواز المظاهرات ، فالحق على يعرف بالملايين ، بل اعرق الحق تعرف المتسم به ، وقد ذم الله تعالى الكثرة في كتابه ، وقد كتبت في ذلك رسالة بعنوان " إتحاف الجلة بالعبرة ليست بالكثرة ولا بالقلة " وهي منشورة في مواقع التواصل الاجتماعي . شبهة وجوابها : يقولون أن ولي الأمر هو من قنن جواز المظاهرات في الدستور ، فمن حقنا أن نتظاهر ، وأنها سلمية .. والجواب على هذا من وجوه . أولا : أن هذه المظاهرات ليست من ديننا ، بل هي من نظم الكفار وأهل الأهواء الضلال ، فلم يفعلها الصحابة رضوان الله عليهم ولا التابعون ، ولا كانت في عصر القرون المفضلة ، والخير كل الخير في اتباع من سلف . ثانيا : أنتم بهذا القول تقرون أن المظاهرات من تقنين الحكام في دساتيرهم ، ولكن لو تتبعوا ذلك وتبحثوا عمن أخذوها ودليلهم في ذلك فلم تجدوا إلا أنهم أخذوها من الكفار وليس من الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح . ثالثا : أنتم بهذا القول وقعتم في مخالفتين ، المخالفة الأولى للشرع ، حيث أن هذه المظاهرات ليس منه كما أقررتم ، وكما بينه علماء أهل السنة الموثوق بعلمهم ودينهم . والمخالفة الثانية هي للقانون الذي تحتجون به أنه هو من قنن ذلك ، لأنه ضبطها ذلك القانون بمادة أخرى وهي : أنه لا يجاوز لأحد أن يخرج ليتظاهر إلا برخصة وترخيص من الإدارة ؛ فأين الرخصة لكم في هذه المظاهرات ؟؟ رابعا : أما قولهم : سليمة ويزد بعضهم سلمية حضارية ، هذا من التعميه والتضليل الإعلامي ، أي حضارة في الصراخ في الشوارع ، والسب والشتم ، والتخريب ، والحرق والاعتداء على الآخرين بقطع الطرقات والتهديد لمن يخالف الإضراب ويفتح محلاته ؟؟ ومتى كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصراخ في الشوارع ، والسب والشتم والتعيير ، ومتى كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحرق والغرق ، والتخريب والاعتداء على الآخرين في أنفسهم وأملاكهم وأعراضهم ؟؟ وقد أثبت الواقع خلاف قولهم أنها سلمية ، فلو سقطت إلا نفس واحدة لم تكن سلمية ،فأن إراقة دم مسلم واحد أعظم عند الله من حرمة الكعبة ؛ بل لو اشترك من في السموات والأرض على قتل نفس مسلم واحد لأكبهم الله جميعا على وجوههم في النّار . الحديث ضعيف ، وبعضهم يحسنه بمجموع طرقه أنظر تحقيق تفسير سعيد بن منصور (4/1335-38) لسعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد. وقد سقطت أنفس ، وجرح الكثير ، وخربت ، وحرقت بعض الممتلكات ، وسب فيها العلماء وطلاب العلم الذين أخذوا بما يرون أنه حق وشرع ، وخرج الناس من المساجد يوم الجمعة محدثين فتنا في المساجد والأئمة يخطبون فأين السلمية يا قوم؟ وختاما اعلموا يرحكم الله أن السلفيين ليسوا أحدية للنظام ، وإنما يقومون بما يملي عليه دينهم ، وأنهم على منهج سلفهم الصالح ؛ فهم أعلم النّاس بالحق وأرحمهم بالخلق ، فوقفتهم هذه هي من أجلكم سلامتكم ، وأجل أعراضكم وأنفسكم وأموالكم وأمنكم حتى تعيشون في أمن وأمان ،فأنتم تعلمون أن كثير من السلفيين مظلومين ومضطهدين .. أسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ، ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يجعل بلدنا هذا آمنا رخاء وسائر بلاد المسلمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . آمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتين .
  4. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين على التابعين لهم إحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فهذه رسالة إلى من حرض على خروج النّاس من المسجد يوم الجمعة إذا سمع الإمام يخطب عن حكم المظاهرات والخروج على ولي الأمر . فقد أثبت الواقع أن هذه المظاهرات التي شغلتم الأمة بها غير سلمية ، فقد جرت فيها الدماء وسقط فيها قتلى ، ولو كان الأغلب عليها السلم ، وأنّ الكثير سلم من القتل والجرح لكن القليل من دم المسلمين الذي سقط هو عظيم وغال عند الله فحرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة .. ولتعلموا أن مسؤولية الدم الذي أريق هي مسؤوليتكم أمام الله تسالون عنها وما نتج عنها يكون تبعة في رقابكم . ولتعلموا أن سقوط ميت واحد هو الشرارة لاشتعال نيران الفتن ، وهو الرمية الأولى التي تجر إلى ما بعدها من الفتن والهرج نسأل الله تعالى العافية والسلامة والأمن لبلادنا. وها هي الفتن التي حذر منها العلماء وطلاب العلم أطلت علينا بقرونها بسبب هذه المظاهرات والمسيرات في ربوع الوطن حتى وقعت في المساجد؛ فقد شاهدنا وعايّنا بأنفسنا النّاس يخرجون من المساجد التي قام فيها الأئمة النّاصحون لله تعالى ثم للرعية والولاة بالأحكام الشرعية التي تبين مفاسد وأضرار تلك الأعمال الخارجة عن شرع الله حقنا لدماء المسلمين واستتبابا للأمن .. فقام لهم المشاغبون المتشبعون بالفكر الخارجي المتزوج ببنات الديمقراطية الكافرة ، وأنكروا عليهم علانية رافعين أصواتهم وصراخهم في المساجد حاثين غيرهم على الخروج من المسجد، وعدم الصلاة وراء هؤلاء الأئمة ؛ أئمة الوظيفة من أجل لقمة العيش ؛ أئمة الشيكات ؛ أئمة المداخلة والجامية السلفيين – كما ينبزونهم - الذين بينوا في خطبهم حكم المظاهرات والخروج على ولاة الأمر عملا بواجب النصيحة. فخرج الكثير من المساجد استجابة لبعض النداءات التي نشرت على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي من بعض المغرضين المفسدين الجهلة أمثال محمد العربي زيتوت وغيره ... وهذا العمل المبتدع الذي فعله هؤلاء وهو الخروج من المسجد أثناء خطبة الجمعة لا لشيء إلا أن الخطباء بينوا وجهة معقتدهم في حكم المظاهرات والخروج على ولي الأمر من أجل حقن الدماء واستتباب الأمن طاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر وفي مقدمتهم علماء السنة الذين أجمعوا على تحريم المظاهرات والخروج على أولياء الأمور . فالعلماء مجمعون أنه لا يجوز الخروج من المسجد أثناء الخطبة ، وأن ذلك عصيان في دين الله ، فإذا كان مس الحصى لا يجوز ؛ فكيف بإحداث الفوضى في المسجد بالصراخ والسب والشتم ، والخروج بعد ذلك منه والإمام فوق المنبر يخطب إن هذا كبيرة من كبائر الذنوب تضيفونها إلى سجل جرائمكم ؛ بل الخروج بعد سماع الآذان للصلاة لا يجوز فضلا عن ترك الاستماع لفريضة الخطبة . فَعَن أبي الشعْثَاء الْمحَاربي قَالَ: " كُنَّا قعُودا فِي الْمَسْجِد فأذن الْمُؤَذّن فَقَامَ رجل فِي الْمَسْجِد يمشي فَأتبعهُ أَبُو هُرَيْرَة بَصَره حَتَّى خرج من الْمَسْجِد. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: ((أما هَذَا فقد عصى أَبَا الْقَاسِم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم))(1). قال الترمذي بعد إخراجه: وَعَلَى هَذَا العَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ: أَنْ لاَ يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ، إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ: أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، أَوْ أَمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ.(2). ولعل أولئك الجهلة المفسدون المتربصون يعترضون بأن ذلك من قول أبي هريرة - رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين - وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطعنون فيه وفي صحابة المصطفى صلى الله عليه سلم كما فعل بعض سفهاء الصحفيين الذين أثر فيهم الرفض والاستشراق ؛ فإن أبا هريرة بين أن ذلك ليس من كيسه ولا من جيبه بل رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رضي الله عنه : (( أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم - إذا سمعنا النداء أن لا نخرج من المسجد حتى نصلي))(3). ولتعلموا أن الذي يخرج من المسجد بعد النداء لغير ضرورة فهو متوعد بالعقاب الشديد ، وتعجيل العقوبة له في الدنيا قبل الآخرة .بقوله صلى الله عليه وسلم :(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، لَسَالَ بِكُمُ الْوَادِي نَارًا )). وفي مصنف عَبْدُ الرَّزَّاقِ (1946)، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْأمْرِ، وَنَادَى الْمُنَادِي ( المؤذن للصلاة ) فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: قَدْ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ .فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ أَصْحَابِي قَدْ مَضَوْا، وَهَذِهِ رَاحِلَتِي بِالْبَابِ . قَالَ : فَقَالَ لَهُ : لَا تَخْرُجْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَّا مُنَافِقٌ، إِلَّا رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إِلَى الصَّلَاةِ))، فَأَبَى الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ . فَقَالَ سَعِيدٌ: دُونَكُمُ الرَّجُلُ . فَإِنِّي عِنْدَهُ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَلَمْ تَرَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ أَبَى - يَعْنِي هَذَا الَّذِي أَبَى - إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ (فقد)وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ .فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُصِيبُهُ أَمْرٌ.(4). قال النووي - رحمه الله تعالى - في رياض الصالحين ( ش 6/558) باب كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يؤدي الصلاة المكتوبة وذلك أن المؤذن إذا أذن فإنه يقول للناس حي على الصلاة ، يعني اقبلوا إليها والخروج من المسجد بعد ذلك معصية فإنه يقال أقبل ولكنه يدبر ؛ ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وقد استدل العلماء بهذا الحديث على أنه يحرم الخروج من المسجد بعد الأذان لمن تلزمه الصلاة إلا لعذر، هذا في عامة الصلوات فكيف بالجمعة ؟؟ فإنها فريضة محتمة على جميع المؤمنين، يجب عليهم السعي لها، والمبادرة والاهتمام بشأنها.فمن تركها من غير موجب فقد أتى بابا من الكبائر ومن تخلف عنها ثلاثا متواليات من غير عذر طبع على قلبه بالنفاق . وفي حكم الجمعة الأمر بحضور الخطبتين ، وذم من لم يحضرهما، ومن لازم ذلك الإنصات لهما.ومن لم ينصت ومس الحصا فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له . وقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} . قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره(8/123): يُعَاتِبُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مَا كَانَ وَقَعَ مِنْ الِانْصِرَافِ عَنِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} أَيْ: عَلَى الْمِنْبَرِ تَخْطُبُ. هَكَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: أَبُو الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وقَتَادَةُ. فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَين، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدمَت عيرٌ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَخَرَجَ النَّاسُ وَبَقِيَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا}(5) . عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَدِمَتْ عيرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَابْتَدَرَهَا أصحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَتَابَعْتُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، لَسَالَ بِكُمُ الْوَادِي نَارًا)) وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} وَقَالَ: كَانَ فِي الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)(6). قال السعدي : يأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور لصلاة الجمعة والمبادرة إليها، من حين ينادى لها والسعي إليها، والمراد بالسعي هنا: المبادرة إليها والاهتمام لها، وجعلها أهم الأشغال. قلت : هذا عتاب من الله تعالى للصحابة في وقت التشريع على شيء مباح لهم سماه الله تعالى لهوا ليبن لهم مكانة الجمعة وما يُحصل عليه الحضور مما هو عند الله خير من اللهو ومن التجارة . هذا مع أن القوم – رضي الله عنهم – لم يكن يلههم شيء عن ذكر الله وحقه ؛ فقد وصفهم الله تعالى بقوله : {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }(37) النور . وفي البخاري (3/56). وَقَالَ قَتَادَةُ: ((كَانَ القَوْمُ يَتَّجِرُونَ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا نَابَهُمْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ، لَمْ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ)). بَابُ {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] .(7). أما أنتم أيها الخارجون التاركون للجماعة والجمعة فقد خرجتم لأن الدنيا ألهتكم عن ذكر الله وشغلوكم بهذه المحدثات التي صدرها لكم أعداؤكم لتخربوا دياركم بأيديكم . فالصلاة لا قيمة لها عندكم ، ولم تعد قلوبكم تلين لذكر وتتذكر فتخشى وتترك ما يخالف شرع الله ، أو يكون سببا في فساد الدين والدنيا معا ، فقد قست قلوبكم للزيغ الذي عشش فيها وران عليها بسبب شبه أهل الضلال والأهواء والتغريبيين .. فهذا ما يدعو إليه الذين ينادون بالديمقراطية ، والشروقراطية حتى إذا جاء الشرع على خلاف أرائهم وأهوائهم كسروا قواعدهم اللعينة مثل قاعدة احترام الرأي والرأي الأخر ، وحرية المعتقد ، وحرية التعبير ، وسلمية المظاهرات ،وإنكار المنكر على الظلمة ، ولكن ينكرونه بمنكر أكبر منه ؛ وهذا الواقع خير شاهد حيث أحدثوا فتنا عظيمة في المساجد وخرجوا ولم يصلوا لا الجمعة ولا العصر ولا حتى المغرب وفوق ذلك لم يحترموا وجهة نظر غيرهم ومعتقدهم ممن يسعى في الصالح العام وطعنوا فيهم وسبوهم ولمزوهم بشتى الألقاب .. فردوا أحكام الشرع وفتاوى علماء الأمة بتأويلات فاسدة وشبه شيطانية من أجل تدمير بالبلاد والعباد ، قائلين للسذج من النّاس لا تسمعوا لهؤلاء الأئمة واخرجوا من مساجدهم فإنهم أحذية للنظام وأئمة الفلس . وهذه الفعلة الشنيعة منهم تدعو إلى هجر المساجد وكراهة الصلاة في بيوت الله وتفرقة المسلمين بحجة أنها مساجد تابعة للنظام ، وعليها أئمتهم الذين يطبلون للطواغيت ، ويفتون لهم من أئمة الشيكات والمداخلة ، وهذه الأقوال هي نفس أقوال الخوارج الذين سلكوا منهج الهجرة والتكفير في سنين الجمر والعشرية السوداء، فكفروا العلماء وشيوخ العلم بل والشعب ، وقتلوهم ولا حول ولا قوة إلا بالله . وإذا كنتم حقا ديمقراطيين كما- تزعمون - فإن هذه الأفعال تخالف ديمقراطيكم ؛ بل هي أقرب ما تكون لأفعال المشركين الذين قالوا كما أخبرنا الله عنهم :{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }(26)فصلت. وقوله تعالى يخبر عن نوح وكيف استقبل الكفار دعوته :{ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} (7)نوح. أما أهل السنة فيصلون وراء كل بر وفاجر ولا يتركون الجمعة والجماعة ؛ بل هذا هو فكر الخوارج والروافض فإنهم لا يصلون خلف أهل السنة ولا يصلون إلا خلف أئمتهم. اللهم نسألك أن تحفظ علينا ديننا ، وأن تجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن تحفظ علينا أمننا وإخواننا المسلمين في بلدانهم، وتصلح أئمة المسلمين وترزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه . آميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن . الهامش : ================== (1)- أخرجه الخمسة، مسلم (655) (258) ،وأبو داود( 536) والنسائي ( 683) الترمذي (204) وابن ماجه (733). (2) – وقد بين العلماء الأسباب التي تبيح للمسلم الخروج من المسجد بعد الأذان ، منها أن يكون حاقنا أو حاقدا ، أو انتقض وضوءه أو مريضا أو إنقاذ غريق أو إطفاء حريق أو غير ذلك من الضرورات .. (3)- أخرجه أبو دواد الطيالسي في مسند (2711) وأحمد 10934)بسند صحيح . ( 4) - مصنف عبد الرزاق (1/508) بَابٌ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ والبيهقي في السنن الكبرى (4939). (5)- أخرجه البخاري في صحيحه برقم (4899) وصحيح مسلم برقم (863) . (6)- (مسند أبي يعلى (3/468) . وابن حبان (6877)وقال محققه إسناده صحيح .وقال الألباني : صحيح لغيره .التعليقات الحسان (6838)والسلسلة الصحيحة (3147). (7)- أما الذي بقوا في المسجد ولو لم يبق إلا نفر يسير فصلاتهم جائزة ماضية فقد بوب البخاري على آية الجمعة . بَابٌ: إِذَا نَفَرَ النَّاسُ عَنِ الإِمَامِ فِي صَلاَةِ الجُمُعَةِ، فَصَلاَةُ الإِمَامِ وَمَنْ بَقِيَ جَائِزَةٌ وقد استدلَّ البخاريُّ وخلق من العلماءِ على أن الناسَ إذا نَفروا عن الإمامِ وهو يخطبُ للجمعَةِ، وصلَّى الجمُعةَ بمن بَقي، جازَ ذلك، وصحَّت جمعتهم.
  5. بمناسبة الدعوة للإضراب العام والعصيان المدني في بلدي نرفع هذا الموضوع لعله ينفع بعض المضربين فيتركون هذه الأعمال المخالفة لشرع الله تعالى .. ويرجعوا إلى الله حتى لا يتكرر ما وقع في سنة 1991م.
  6. أبو بكر يوسف لعويسي

    كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟؟!!!

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فإن الرد على المخالف للدليل من الوحي كتابا وسنة ، بفهم السلف الصالح أي كان ، وأي كانت مخالفته مطلب شرعي ، بل هو من الجهاد في سبيل الله، والرباط على ثغر من ثغور الدين حراسة لحدوده ، ومعالمه من الدخيل ، والتأويل والتحريف والتبديل ، وما حصل لأهل الكتاب قبلنا من التحريف والتبديل إلاّ بسبب فقدان المرابطين الذين يرابطون على ثغور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينتقدون ما خالف كتاب الله وما جاءتهم به الرسل. ولقد رد الله تعالى على المخالفين للرسل ، ولقن رسله الحجة وأفحم خصومهم بها ، وتلك الحجة التي أنزلها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - المعجزة الخالدة مازالت تقرع حجج الباطل والمبطلين ، وتكشف شبه الزائغين ، وترفع من شأن الحق وأهله ، وهي باقية قائمة على ألسنة المجددين من أمته ؛ والعلماء الربانيين علماء النقد الجهابذة المدافعين عن دينه، وحياض سنة نبيه ، المتمثلين في الطائفة المنصورة ؛ طلبة العلم ، وعلماء الحديث الذين منّ الله عليهم وخصهم بالذكر ليحفظ بهم الذكر المنزّل ، والوحي المبجل . ولم يعرف في تاريخ الرسل ولا في سيرتهم أنهم كانوا يسبون النّاس ويشتمونهم ؛ بله تعاملهم مع أصحابهم وأتباعهم ؛ بل كانوا على جانب كبير من الرفق واللطف والمعاملة الحسنة ، والدفع بالتي هي أحسن ، والدعوة إلى الله على بصيرة والرد على المخالفين لهم بالحجة والبرهان ، رغم ما نالهم من أقوامهم من سوء شديد وسب وشتم ، وإذاية تصل إلى القتل مرة والضرب أخرى ، والحبس والنفي ، والتسفيه ، والاعتداء ، والعصيان وغير ذلك ، وهذا نبيّنا عليه الصلاة والسلام ناله القسط الأوفر من ذلك ، ومع ذلك لم يكن سبّابا ولا فحّاشّا ، ولا لعّانًا مع أعدائه فكيف مع أتباعه ؟؟؟ وقد قال له ربه :{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ..}159 آل عمران. قال قتادة : قوله :((ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك))، إي والله، طهَّره الله من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبًا رحيما بالمؤمنين رءوفًا ، وذكر لنا أن نعت محمد - r - في التوراة : (( ليس بفظ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح))(1). وقال ابن كثير (2/148): قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} الْفَظُّ: الْغَلِيظُ، [وَ] الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا غَلِيظُ الْكَلَامِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: {غَلِيظَ الْقَلْبِ} أَيْ: لَوْ كُنْتَ سيِّئَ الْكَلَامِ قَاسِيَ الْقَلْبِ عَلَيْهِمْ لَانْفَضُّوا عَنْكَ وَتَرَكُوكَ.. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبَّابًا، وَلاَ فَحَّاشًا، وَلاَ لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ المَعْتِبَةِ : ((مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ)) (خ 6031) و (6046)وأحمد(12274). وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُرِيدَ بِهَذَا وَجْهُ اللَّهِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ، فَتَمعَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: (( يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، فَضَبَرَ )). هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. (خ 122-3401-3405-6336) (م1062-2380). وإذا كان الأمر كذلك ، وأن الذين مع رسول الله - رحماء بينهم – أشداء على الكفار ؛ واسمع - يرحمني الله وإياك - إلى ما وصفهم الله به فليس هو من وصف أحد بل من وصف الله تعالى { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ..}. فليس من الرحمة في شيءٍ السب والشتم واللعن والطعن على الأعداء في دعوتهم وبيان الحق لهم ؛ فكيف بذلك بحجة الرد على الإخوة المؤمنين وهم رحماء فيما بينهم ؟؟!.إن السب والشتم واللعن يتنافى مع الرحمة . وإذا كان يُشرع الرد بالحجة والبرهان على من خالف منهج السلف الصالح ، ودين الرحمن ، فإنه ينبغي على المنتقد أن يرد بالعلم والحجة والدليل مع الأدب ، والعدل ، والورع دون تعصب ولا غلو، ودون ولوغ في الأعراض بالسب والشتم والطعن واللعن ، بحجة الرد على المخالف والتشديد على أهل الأهواء ؛ فهذا لم يكن من هدي السلف الصالح بتاتا فيما بينهم ؛ لأن السب والشتم والفحش من القول مفاتيح الشر، وأبواب العداوة والصد عن الألفة والمودة والرحمة بين المؤمنين . فهل ما نسمعه ونقرؤه من حقد وبغض وسب وشتم وطعن بين السلفيين من الرحمة في شيء؟؟! اللهم لا ؛ والسلفي ينبغي عليه أن يصون لسانه عن التلوث بألفاظ السِّباب ، والفحش ، واللعن ، والرجم بالغيب ؛ لأنه هو من صفوة المسلمين وخيرتهم الذين امتثلوا قول نبيهم : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا بِالْفَاحِشِ، وَلَا بِالْبَذِيءِ)) (2). واتصف بقول نبيه : عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا))(3). وقبل هذا وذاك وَضَعَ نصب عينه قول ربه سبحانه : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]. عن أبي جعفر وعطاء بن أبي رباح في قوله: (وقولوا للناس حسنا) ، قال: للناس كلهم. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ . وقال الحسن أيضا، لين القول، من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله وأحبه. ابن جرير (2/296) . فهو الذي تصدى لحمل مشعل الأمانة ؛ أمانة المنهج السلفي الحق ليبلغه للناس على مراد الله ومراد رسوله ،وهذا هو مراد الله : {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}. ومراده في قوله سبحانه وتعالى :{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} (53)الإسراء . ففي الآية ((وقل يا محمد لعبادي إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا تلك الدلائل بالطريق الأحسن. وهو أن لا يكون ذكر الحجة مخلوطا بالشتم والسب، ونظير هذه الآية قوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ..} [النحل: 125] . وقوله:{ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن..}العنكبوت: 46]. ومراده تعالى وتقدس في قوله :{ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ }(96) المؤمنون . وهذا مراده سبحانه في قوله :{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }(125). ولمعترض أن يعترض فيقول : أكمل الآية التي بعدها فإنها تبيح للمظلوم المعاقبة بالمثل .. فأقول له ، نعم ؛ ولكن لا تنسى تكملتها أيضا - بارك الرحمن فيك – فقد قال تعالى فيها وما بعدها :{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ }(128) النحل. ما أعظم هذا التوجيه الرباني للصبر؛ لأن الصبر على الأخ المؤمن السني الذي زل وأخطأ في حق أخيه، وصبر عليه فلم يعاقبه بالمثل ؛ بل تجاوز عنه وعفا عنه وهو يقدر عليه ، ودعا له بالرشد والثبات ، وأخذ بيده بالتي هي أحسن للتي هي أقوم ، فذلك أفضل وهو خلق عظيم أدعى إلى الترابط والمودة والمحبة والاستمرار في الاجتماع ونشر الخير ، وأنّ الصبر عليه وعلى من يدفعه بالكيد والمكر ومخافة الله فيهم كل ذلك إحسان ، وإن الله مع المحسنين ، ناهيك- أيها المحب - عمّا جاء أن الله مع الصابرين ، وأن الصابرين يؤتون أجرهم بغير حساب ، وأنه ما أُعطي أحدٌ شيئا خيرا وأوسع من الصبر .وأن المؤمن إذا صبر لا يضره كيد الكائدين شيئا . قال تعالى :{ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }(120)آل عمران . وأن كل تلك الأخلاق الحميدة ، والفضائل الجليلة من عدم مقابلة السيئة بالسيئة ، والدفع بالتي هي أحسن ، والعفو والتجاوز عند المقدرة ، والصبر على الأذى من البعيد والقريب لا يلقاه إلا ذو حظ عظيم من منهج النبوة . قال تعالى :{ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(36) فصلت . فإما ينزغنك الشيطان عند الغضب وحظ النفس والانتقام حين يساء إليك فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم فإنما يريد أن يوقع بك وبدعوتك ، ويفرقك بينك وبين من تحب .. وقال تعالى : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }(125) النحل. ما أعظم هذا التوجيه الرباني لو فقهه السلفيون فيما بينهم ، فإذا كان هذا في غيرهم فكيف ينبغي أن يكون بينهم ، قد بَيَّنَهُ من لا ينطق عن الهوى بقوله : عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )) متفق عليه . وَاللَّهِ ، وبالله ، وتالله ؛ ما وُعِظَتْ أُمَّةٌ بِمِثْلِ ما وُعِظَتْ به هذهِ الأُمَّةُ بمثل هذه الدرر الربانية والجواهر الوعظية النبوية التي يقف عندها المؤمن منقادا متفاعلا بأدب وخشوع يفدي أخاه المؤمن بجسده محبة وولاية في غير بدعة ولا فسوق . والعجب العجاب أننا نقرأ هذه النصوص وغيرها مما وُعِظْنا به ونصحنا به العلماء ، والكثير منّا يرددها؛ ولكن للأسف دون تفاعل ولا تطبيق لها إلا في حدود ضيقة مع من يناصرني ويقف معي أما من يخالفني وينصح لي ويأخذ بيدي فهو العدو الذي ينبغي أن يفضح ،ويسب ويشتم ، وينتقم منه ،حتى لو كان بالأمس القريب هو الوالد والأكابر ..من وراء الخط الأحمر . ومن هنا وجدتني أذكر نفسي وأخي الذي أطلق للسانه العنان ، أو زل بشيء من القول السوء مما يضر بإخوانه ويشوه المنهج السلفي المبارك ؛ أن يكف لسانه عن الفحش ، وعن لعن النّاس وشتمهم وسبهم ؛ بل عن لعن الدواب هذا أقل ما يجب عليه إن لم يستطع أن يرطب لسانه بذكر الله ، ولزوم الحجة من القول بالوحي عملا بقوله - صلى الله عليه وسلم : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)). والسب والشتم ليس من الخير في شيء؛ بل هو حجة العاجز عن مقارعة الحجة بالحجة ..والرد بمجرد السب والشتم لا يعجز عنه أحد . والصمت عن السوء من أعظم العبادات للنجاة من العقوبات ، ((وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))(4). وفي رواية (( ... يا معاذ ثكلتك أمك، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا ما نطقت به ألسنتهم، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خير أو يسكت عن شر، قولوا خيرا تغنموا، واسكتوا عن شر تسلموا ))(5). واللسان هو الأداة الحادة للفحش واللعن والسب والشتم ، والجارحة التي تورد صاحبها الموارد ، وتكبه على منخره في جهنّم ، والسلفي قد زكى الإيمان لسانه وقيده الخوف من ربه ، وأدب العلم قلمه على منهاج النبوة فلا يصدر منه إلا الخير برفق وحلم ..والنصيحة هي إرادة الخير للمنصوح ، وأي في السب والشتم والتعيير؟ فقد شبه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - المؤمن بالنخلة الشامخة ، تهزها الرياح من كل جانب تزعزها بشدّة ولا تقتلعها؛ لأنها ضاربة جذورها في الأرض ، ولا يستطيع الكثير من النّاس أن يصعد إلى أعلاها فيرميها بالحجارة وهي تبادله ثمارها، الله أكبر ما أروع هذا المثال ، وليتصور المؤمن حلاوة الثمار التي تعطيها النخلة لخصومها التي يضربونها بالحجارة ، فهل عجز السلفي أن يطعم خصومه الحجة بالتي هي أحسن حتى يتذوقوا طعمها الحلو الطيب وحالها الرطب اللين؟؟ فلا ينبغي للسلفي أن يتعود أذية السلفيين بفحش لسانه حتى يخافوا من شره، ويتقوا أذيته كما يتقون من أذية الشيطان ، ويتعوذون منه، وقد أمر الله تعالى بالتعوذ من شيطان الإنس، وهو المتشبه بالشيطان في الشر والتمرد، فقال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} إلى آخر السورة. عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها- قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ - أَوْ قَالَ: لِفُحْشِهِ)).(خ 6032-6054- 6131)، و(م2591). إن الرد على المخالف لا يبيح ولا يخول للرّاد مهما كان أن يكون فاحشا ، لعانا طعانا همازا لمّازا ؛ لأن لغة العلم على منهج النبوة ، والعدل والورع ، لتأبى على السلفي الناصح لنفسه الذي يخاف العواقب أن تخرج منه كلمة لا يلقي لها بالا يهوي بها سبعين خريفا في النّار . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )) (خ6477-6478)و(م 2988). إن من يتعظ بهذا ويخاف العواقب ليحبس لسانه عن بعض المباح خشية الوقع فيما لا يباح . لذلك ينبغي على الناصح لنفسه أن ينتهج في الردود على المخالفين بالعلم ، والحجة والعدل والورع ، والأدب في المناقشة والمجادلة بالتي هي أحسن للتي هي أقوم لأن ذلك ادعى إلى القبول ، والألفة ، والرجوع عن الخطأ فقد قال تعالى : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(36) فصلت . سبحان الله ما أعظم هذا التوجيه الرباني الكريم ، {ادفع بالتي هي أحسن } هذا فيمن كانت عداوته أصلية ؛ فكيف بمن كانوا أخوة متحابين لدهر طويل ، وفجأة صاروا أعداء متخاصمين ، أين هم من هذا الوحي ؟؟ كيف تناسوا الفضل بينهم ؟ وفضل العلماء عليهم ، وأين رحمة أخوة الإيمان ؟ وأين هدي السنة الذي يردهم ، وأين حقوق الأبوة والبنوة العلمية التي كانت بينهم سائدة ؟؟؟!! المفروض في السلفي داعية كان أو غيره أن يلين الجانب ، لإخوانه الذين هم بمنزلة نفسه ، يحفظ كرامتهم ويبرز الاحترام لهم ، يَكُفُّ عَلَيْهِم ضَيْعَتَهُم ،وَيَحُوطُهُم من ورائهم ينصح لهم بالتي هي أحسن للتي هي أقوم بصورة جميلة أدبية يسودها حسن الخلق أولا ، ولغة الحجة والخضوع لها ثانيا، والعدل والورع ثالثا حتى تنتهي العداوة ، وتثبت المودة والرحمة ، وتُقطع الطريق على العدو اللدود إبليس لعنه الله أولا ؛ وعلى أهل الأهواء المتربصين بالسلفيين – وما أكثرهم - لا كثرهم الله، ثانيا. أحبتي هذه مقالة - شهد الله - كتبتها لأذكر نفسي وبعض الغافلين من أخواننا ، وأوقظ النائمين ، وأرشد التائهين حتى لا ينجروا في هذه الظاهرة الغريبة (6) التي نزلت بالساحة السلفية، وقد استفحلت - وللأسف الشديد - وهي كثرة الرجم ( أي السب والشتم ) والطعن واللعن بين الإخوة ، وقد تفرق السلفيون وانصدع جدار الأخوة والمودة والرحمة بينهم على غير ما أراده الله لهم أن يكونوا عليه :{ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } . وعلى غير مراده في قوله :{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }(71)التوبة . هل نسي السلفيون أو تناسوا الآيات التي تحثهم وترغبهم في الاعتصام بحبل الله الواحد الأحد ، وتنهاهم عن التفرق والنزاعات الطائفية ، والحظوظ النفسية ، والعصبيات ، وتصفهم بأنهم جماعة واحدة ، بل جسد واحد يتألم أقربهم لأبعدهم ، وأعلاهم لأدناهم ، وأقواهم لأضعفهم ، وأعفاهم لمبتليهم ، فأصبحنا لا نقرأ ولا نسمع في مواقع التواصل ( بل التقاطع والتدابر )التي كشفت عيوب الكثير منّا ممن كان مستورا إلا الطعن والسب وإبراز العيوب والعورات ؟؟؟!(7). يا قومنا؛ لقد جاء ذم السب والشتم في كتاب الله وسنة نبيه ، والنهي عنه ، فهل من متعظ ؟ وقبل أن أذكر شيئا من ذلك والنتائج الوخيمة المترتبة عليه أعرف السب لغة وشرعا. تعريف السب : سبّ يسب سبا. وأصل السب الْقطع ثمَّ صَار السب شتما لِأَن السب خرق الْأَعْرَاض. قَالَ الشَّاعِر : (فَمَا كَانَ ذَنْب بني مَالك ... بِأَن سبّ مِنْهُم غُلَام فسَب) أَي شتم فَقطع. جمهرة اللغة (1/69). وفي الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (1/144): السَبُّ: الشَتْمُ، وقد سَبَّهُ يَسُبُّهُ. وسَبَّهُ أيضاً بمعنى قَطَعَهُ. سب شتم، وسب عقر: والتَسابُّ: التشاتم. والتَسابُّ: التقاطُعُ. ورجل مسب بكر الميم: كثير السباب. ويقال: صار هذا الأمر سُبَّةً عليه، بالضم، أي عاراً يُسَبُّ به. ورجل سُبَّةٌ، أي يَسُبُّهُ الناس. وسُبَبَةٌ، أي يَسُبُّ الناسَ. قال أبو عبيد: السِبُّ بالكسر: الكثير السِباب. وسِبُّكَ أيضاً: الذي يُسابُّكَ قال الشاعر (عبد الرحمن بن حسان.) : لا تَسُبَّنَّني فَلَسْتُ بِسِبِّي .. إنَّ سِبِّي من الرجال الكَريمُ. والسب شرعا هو : فحشٌ وفسوقٌ ورجم ، وقرضٌ ، وخلق قبيح يدل على تحقير المسبوب أو نسبته إلى نقيصة أو معرة وعيب في دينه أو عرضه أو دنياه بالباطل أو بالحق، وهو مرادف للشتم. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم- : ((عباد الله رفع الله الحرج إلا من اقترض عرض امرئ مسلم فذلك الذي حرج )) يريد إلا من سب عرض امرئ مسلم وقطعه بالذم وسوء القول. وقرضُ الفأرة : قطعها الثوب ، ويقال قارضتُ فلانا وقرضته إذا ساببته وقطعتُ عِرضه بالسب. وقال أبو الدرداء (النهاية 3 / 209) : (اقْرِضْ من عِرضكَ ليومِ فَقْرِكَ) . أي: مَنْ سبَّ أآباءك وأسلافك فلا تسبّ آباءه وأسلافه، ولكن اجعل ذلك قَرْضاً عليه ليوم القيامة . (8). وَفِي الحَدِيث: (( إِن الله يُبْغِضُ الفَاحِشَ المُتَفَحِّش..)) فالفَاحِشُ هُوَ ذُو الفُحْشِ والخَنَا من قَول وفِعْل، والمتفحِّش : الَّذِي يَتكلَّف سَبَّ النّاس ، ويُفْحِش عَلَيْهِم بِلِسَانِهِ، وَيكون المُتَفَحِّش : الَّذِي يَأْتِي الفاحِشَة المَنْهِيَّ عَنْهَا وَجَمعهَا الفواحِش. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ..))(خ 48-6044-7076)و(م116-64). النهي عن السب والشتم في كتاب الله : لقد نهى الله تعالى المؤمنين عن سب آلهة المشركين ودينهم حتى لا يكون ذلك سببا لسب الله تعالى ودينه ،ورسوله ، وهو عام في جميع الأوقات والأماكن . قال الله سبحانه وتعالى :{ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }(108)الأنعام . قال ابن جرير الطبري (12/33) القول في تأويل قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}. قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين به: ولا تسبُّوا الذين يدعو المشركون من دون الله من الآلهة والأنداد، فيسبَّ المشركون اللهَ جهلا منهم بربهم، واعتداءً بغير علم، وبسنده إلى ابن عباس في قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) ، قال: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبِّ آلهتنا، أو لنهجوَنَّ ربك! فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوًا بغير علم. أثر رقم (13738). وعن قتادة قوله : كان المسلمون يسبون أوثان الكفار، فيردّون ذلك عليهم، فنهاهم الله أن يستسِبُّوا لربهم، فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله. قال ابن عطية الأندلسي في المحرر الوجيز (2/332): وسببها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب إما أن ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما نسب إلهه ونهجوه فنزلت الآية، وحكمها على كل حال باق في الأمة، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم والله عز وجل فلا يحل للمسلم أن يسب دينهم ولا صلبانهم ولا يتعرض ما يؤدي إلى ذلك أو نحوه. قلت : هذا تأديب عظيم من الله تعالى للمؤمنين أن يطهروا ألسنتهم عمن يستحقون السب والشتم واللعن ، فإن هذا النهي منه تعالى ليس لذاته وإنما هو لما يترتب عليه من مصلحة ومفسدة كبيرتين ، وهذا قد يحصل بين المؤمنين أنفسهم . قال ابن كثير في تفسير الآية (3/315): وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ -وَهُوَ تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ لِمَفْسَدَةٍ أَرْجَحَ مِنْهَا -مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم قال: "مَلْعُونٌ مِنْ سَبِّ وَالِدَيْهِ". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)). أَوْ كَمَا قَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ (رواه مسلم في صحيحه برقم (90) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَضِيَ الله عنه. وبوب عليه البخاري باب بَابٌ: لاَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ (ح 5973) ولفظه : ((إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: ((يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ)). ومثل هذا يقع كثيرا؛ فكثيرا ما نسمع الرجلَ بمجرد الغضب أو تصرف لا يعجبه من أخيه يسبه ويسب أباه وأمه ويسب دينه ؛ بل أكثر من ذلك هناك من يسب ربه فيقابله الآخر بذلك وربما جرهما ذلك إلى التقاتل بالأيدي والسلاح ... وهذا كله من الجهل وسوء الخلق ، وسوء التربية من حب الذات والتحامل المفرط على حب الانتقام وحب المعاقبة على الجريمة بارتكابها بعينها، يهين والديه المعظمين ويسب إلهه ودينه فيقابله الثاني بذلك وربما أكثر من ذلك ، وهذا التهاتر من عمل الشيطان . (9). ففي الأدب المفرد للبخاري (201)باب المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان: 427 - عن عياض بن حمار -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله الرجل يسبني؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ((المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان) (10) . وفيه برقم (428 ) عنه قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد) فقلت: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلا سبني في ملإٍ هم أنقص مني فرددت عليه هل علي في ذلك جناح؟ قال: (المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان)(11). قال الطيبي : وَمَعْنَاهُ إِثْمُ مَا قَالَاهُ عَلَى الْبَادِئِ إِذَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ، فَإِذَا تَعَدَّى يَكُونُ عَلَيْهِمَا، نَعَمْ إِلَّا إِذَا تَجَاوَزَ غَايَةَ الْحَدِّ فَيَكُونُ إِثْمُ الْقَوْلَيْنِ عَلَيْهِ . اه. قال مجاهد ((مِنْ أَرْبَى الرِّبَا؟ مَنْ يَسُبُّ سَبَّتَيْنِ بِسَبَّةٍ))(12). وبوب عليه ابن حبان (13/34): ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَنْ وَصْفِ الْمُسْتَبَّيْنِ اللَّذَيْنِ يَكْذِبَانِ فِي سِبَابِهِمَا. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ (13/35): أطلق صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُسْتَبِّ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاوَرَةِ، إِذِ الشَّيْطَانُ دَلَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، حَتَّى تَهَاتَرَ وَتَكَاذَبَ، لا أن المستبين يكونان شيطانين. وقوله: "يتهاتران ويتكاذبان" أي: يتقاولان ويتقابحان في القول من الهتر بالكسر: وهو الباطل والسَّقط من الكلام.(13). وقال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104)} البقرة . ففي الآية نهي للمؤمنين أن يتعاملوا فيما بينهم بالألفاظ التي معناها السب والشتم وكانت الكلمة راعِنا عند اليهود كلمة سب قبيح من الرعونة، فكانوا يخاطبون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قاصدين معنى السب والشتم، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، وأمرهم بكلمة تماثلها في المعنى، وتختلف في اللفظ، وهي انْظُرْنا التي تفيد معنى الإنظار والإمهال . وقال تعالى :{ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ...} قال القرطبي (7/133): ونظيره" {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} ". فقوله:" ما ظهر" نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي." وما بطن" ما عقد عليه القلب المخالفة.انتهى كلامه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا أحد أغْيَر من اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّم الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَر مِنْهَا وَمَا بَطنَ)). صحيح البخاري برقم (4634) وصحيح مسلم برقم (2760) . وقد نهى الله تعالى عن أذية المؤمنين أو رميهم بغير ما اكتسبوا في قوله : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا }(58) الأحزاب . قال السمعاني (4/306): أَي: يقعون فيهم، ويعيبونهم بِغَيْر جرم وجد من قبلهم.وهذا منقول عن مجاهد كما في تفسير الطبري (20/323)والبغوي (6/376). قال القرطبي (14/240): أذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالأفعال والأقوال القبيحة، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق. وهذه الآية نظير الآية التي في النساء:{ ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 112] . كما قال هنا. وقد قيل: إن من الأذية تعييره بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شي يثقل عليه إذا سمعه، لأن أذاه في الجملة حرام.انتهى . وقال السعدي (1/671): وإن كانت أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيمًا، ولهذا قال فيها: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} أي: بغير جناية منهم موجبة للأذى {فَقَدِ احْتَمَلُوا} على ظهورهم {بُهْتَانًا} حيث آذوهم بغير سبب {وَإِثْمًا مُبِينًا} حيث تعدوا عليهم، وانتهكوا حرمة أمر الله باحترامها.انتهى . وقال قتادة: فإياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضب له. ابن جرير (20/324). ومن الأذية السب والشتم والطعن واللعن من غير مبرر ولا موجب شرعي .. وأما الأحاديث التي تنهى عن الفحش واللعن والسب والشتم والطعن وبذاءة اللسان ، وقرض أعراض المؤمنين بما فيهم وبما ليس فيهم من الكذب والبهتان غير ذكرت فهي كثيرة . فقد بوب البخاري بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ السِّبَابِ وَاللَّعْنِ وساق جملة من الأحاديث من ذلك (ح 6044): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) وبوب عليه ابن حبان في صحيحه (ح 5939) ذكر الزجر عن سب المسلم وقتاله . و(ح 6045) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ)). ولفظ مسلم (ح61) : ((.. وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلكَ، إِلَّا حارَ عَلَيْهِ)). و(ح6046)عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا، وَلاَ لَعَّانًا، وَلاَ سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ: ((مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ)). و(ح 6047) عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ)). و(ح 6048) قال عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، : سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ، رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انْتَفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً، لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ)) فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: ((تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ)) فَقَالَ: أَتُرَى بِي بَأْسٌ، أَمَجْنُونٌ أَنَا، اذْهَبْ. و(ح 6050)عَنِ المَعْرُورِ هُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا، وَعَلَى غُلاَمِهِ بُرْدًا، فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً، وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ، فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلاَمٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي:((أَسَابَبْتَ فُلاَنًا))؟. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ))؟. قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ)) قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِي: هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ يُكَلِّفُهُ مِنَ العَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ)). وفي جامع الأصول لابن الأثير (10/757): الكتاب السادس:في اللعن والسّبّ، وفيه أربعة فصول . الفصل الأول: في ذم اللعنة، واللاعن : 8430 - (ت) عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ((ليس المؤمن بطعَّان، ولا لعَّان، ولا فاحشٍ، ولا بَذِيء))(14). وهذا خبر خرج مخرج النهي . وقال في [شَرْحِ غَرِيبِه]: (بطعان) الطَّعان: الذي يطعن في أعراض الناس، ويقع فيهم، ومنه: الطعن في النَّسَبِ، وهو القَدْح فيه. (بذيء) البَذّاء: الفُحش في القول. 8431 - (م د) أبو الدرداء - رضي الله عنه - قال زيد بن أسلم: إن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجادٍ من عنده، فلما أن كان ذات ليلة قام عبد الملك من الليل، فدعا خادِمَه، فكأنه أبطأ عليه، فلعنَه، فلما أصبَحَ قالت له أم الدرداء: سمعتُك الليلةَ لعَنْتَ خادَمكَ حِين دعوتَه، فقالت: سمعتُ أبا الدرداء يقول: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم-: ((لا يكون اللعَّانون شهداءَ ولا شفعاءَ يوم القيامة)) هذه الرواية لم يذكرها الحميدي في كتابه. وفي رواية مختصراً: عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن اللعَّانين لا يكونون شهداءَ، ولا شفعاءَ يوم القيامة)) (15). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قال: ((المستَبَّان ما قالا، فعلى الأول)) وفي رواية ((فعلى البادئ منهما حتى يَعتديَ المظلوم)) (16). قال نجم الدين الغزي في كتابه حسن التنبه لما ورد في التشبه (6/35): وإنما سميا شيطانين لتشبههما بالشيطان في السب والهتر، وهو تمزيق العرض والوقوع فيه، فإذا سكت أحدهما عن ذلك لم يكن شيطانًا. وقد قلت : يا أَيُّها السَّبَّابُ ما أَنْتَ فِي ... سَبِّكَ لِلْمُسْلِمِ إِنْسانُ بَلْ أَنْتَ شَيْطانٌ وَإِنْ زادَ فِي ... جَوابِكَ المسَّبُّ فَشَيْطانُ. انتهى كلامه. الآثار الوخيمة المترتبة على هذه الظاهرة السلبية الغريبة : 1 - أن سب المؤمن فسوق ،وخروج عن طاعة الله تعالى فهل يرضى أحد أن يوصف بالفسق والخروج عن طاعة الله ؟. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ..))(خ 48-6044-7076)و(م116-64). 2 – السب والشتم من عمل الشيطان فمن عمله فقد عمل بعمل الشيطان وتشبه به : ففي صحيح الأدب المفرد - بَابُ المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان : 330/428 (صحيح) عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: (( الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ يَتَهَاتَرَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ)). 3 - أن السب والشتم واللعن والطعن يعود على صاحبه فيكون هو المسبوب والملعون والعياذ بالله ، وهذه شديدة على السلفي كيف يرضى أن يسب نفسه أو يلعنها ولكنها الحقيقة التي وقع فيها الكثير منا . 432 - عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك)) .متفق عليه.صحيح الأدب المفرد. وفي الأدب المفرد (435)- (ث 102) عن عبد الله رضي الله عنه قال: (( ما من مسلمين إلا بينهما من الله عز وجل ستر، فإذا قال أحدهما لصاحبه كلمة هجر فقد خرق ستر الله، وإذا قال أحدهما للآخر أنت كافر فقد كفر أحدهما)) . ضعيف الإسناد، فيه يزيد بن أبي زياد، وفيه ضعف، لكن الجملة الأخيرة صحيحة عن غير ما واحد من الصحابة منهم أبو ذر، فانظره في الحديث رقم (433). 4- وأكبر من ذلك العقوبة يوم القصاص بالحسنات والسيئات حيث يكون الشاتم لغيره مفلسا . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟)) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ: ((فَإِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ، قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْضَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)) .صحيح مسلم (2581 )والترمذي (2418) وأحمد (8414). 5 – إن السب والشتم يدل على ضعف الحجة ، والإفلاس من المحجة والبرهان ، والوقوع في الكذب والبهتان ، وثبوت التهمة والعدوان.. وإن هذه الأخلاق السيئة تخرج المؤمن من العدالة إلى الفسق ، وتفرق الصف ، وتقطع المودة والمحبة ، ويحل محلها التباغض والتدابر والتقاطع والهوان والهزيمة ، وغير ذلك من السوء ، وهذه الخصال كلها مذمومة قد حذر منها المولى عز وجل في كتابه وشدد النكير على فاعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي مقابلها وبضدها يحدث العكس تماما وتثبت المودة والرحمة واجتماع الكلمة إلا من ركب رأسه ، ولم يحسن خلقه ، وهذا قد شذ ومن شذ فالنّار موعده والعياذ بالله . رد يا أخي ، فحق الرد مكفول ، وانتقد بالعلم والحلم ، وبين الحق بالحجة والبرهان ، والحكمة والإحسان ، وخذ بيد إخوانك واصبر عليهم حتى لو ظلموك واسترشد بتوجيهات ربك ، وسترى النتائج الحسنة والثمرة المستحسنة التي تفرح القلوب وتبهج النفوس ويكون الاجتماع .ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر .. والله أسأل أن يعصمنا من الزلل ، ويهدينا أوضح السبل ؛ ويلهمنا الأصلح في أعمالنا؛ والأرشد في أقوالنا ؛ وإن يقينا مصارع الرياء والعجب، ويجنبنا مواقف الشين والريب، ويقينا شرور أنفسنا من الثلب والعطب ، ويحفظ ألسنتنا من الفحش والبذاء، وينطقها بالصلوات في الإعادة والإبداء إنه سميع قريب مجيب الدعاء . وصل اللهم وسلم على سيدنا وحبيبنا ونبينا سيد الأتقياء وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم اللقاء . الهامش : (1) – تفسير ابن جرير (7/341-342). وأخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (2125-4838). 2 - قال الألباني في صحيح الأدب المفرد (332) صحيح - انظر الحديث رقم (312). قال فيه : صحيح - «الصحيحة» (320) : [ت: ك البر والصلة ، 48 ـ ب ما جاء في اللعنة] وفيه باب (145) ليس المؤمن بالطعان: 3 - صحيح الأدب المفرد (309)وقال الشيخ الألباني :حسن صحيح - «تخريج السنة» (1014) «الصحيحة» (2636) : [ليس في شيء من الكتب الستة] . 4 – أخرجه الترمذي (2616) وقال : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وابن ماجه (3973) والنسائي في "الكبرى" (11394) وأحمد (5/231) .وصححه الألباني في الصحيحة (3284). (5)- مستدرك الحاكم (4/286-287) وقال: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وقال الألباني كلا بل هو صحيح فقط :الصحيحة (421). 6 - إنَّ المتابع لما يُكتب ويُقال عبر صفحات التواصل الاجتماعيِّ ليأخذه الألم كلَّ مأخذٍ من علوِّ لغة السبِّ والشتم، وظهور الفحش في الكلام بين المتحاورين، لماذا؟ لأجل أنَّ هذا طرح طرحًا يُخالف ما يراه ذاك! بل حتى لو ابتدأ أحد الطرفين بعبارةٍ طيِّبةٍ، فإنَّ بعض الناس يظُنُّ أنَّ مقابلتها بمثلها- مع اختلاف التوجُّه الفكريِّ أو العقديِّ - نوعٌ من الضعف! (7)- ومن أقبحها الطعن في العلماء الكبار باللمز والغمز تارة ، والتلميح والتصريح أخرى ، ووصفهم بأوصاف سيئة وقبيحة بطرق ماكرة ، بعدما كانوا هم الآباء والخطوط الحمراء عند شاتميهم ، وشانئيهم نعوذ بالله من الخذلان .. (8) ((استسب له)) ، عرضه للسب وجره إليه. وفي حديث أبي هريرة: (لا تمشِيَنَّ أَمَامَ أَبِيكَ، ولا تجلِسْ قَبْلَهُ، ولا تَدْعُه باسْمه، ولا تَسْتَسِبَّ لهُ) ، أي: لا تعرضه للسب وتجره إليه، بأن تسب أبا غيرك، فيسب أباك مجازاة لك ، وهذا أدب يفتقده الناس يومًا بعد يوم. (9) وكثير من السلفيين يقعون في مثل هذه المهاترات ، يسب هذا والد هذا فيرد عليه الآخر فيسبه أكثر ، ويسب هذا شيخ هذا فيسب الآخر شيخه وينال منه ، بل لقد سمعت من يسب الدين الذي عليه خصمه السلفي ، وقد أخبرني بعض إخواني أن هناك من يسب الرب سبحانه وتعالى ؛ حتى إذا هدأت ثورته الغضبية فهو السلفي الممثل للشيخ فلان والجماعة .. وهذا كله من عمل الشيطان وللأسف الشديد . (10) - قال الألباني : صحيح - التعليق الرغيب (3/285) . (11) - قال الألباني : صحيح - «الصحيحة» (570) [م: 51ـ ك الجنة , ح 64, دون فقرة السابقة] . ولفظ إحدى روايات أحمد وأبي داود الطيالسي 1176 والطبراني "1003": والبيهقي في شعب الإيمان 6239 (("المستبان ما قالا، فعلى البادئ إلا أن يتعدى المظلوم" . (12)- وعزاه في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح(7/3028) إلى مسلم ولم أجده فيه . وهو في شَرْحِ السُّنَّةِ (13/133). (13)- وبهذا فسره ابن قتيبة (غريب الحديث1/321 – 322)وقال ابن الأثير: أي يتقاولان ويتقابحان في القول من الهتر بالكسر الباطل والسقط من الكلام . (14)- أخرجه الترمذي (1978)ورواه أحمد في المسند(3839) ، وابن حبان رقم (48) موارد، والبخاري في الأدب المفرد رقم (312) ، والحاكم في المستدرك (1 / 12 و 13) وصححه ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. (15)- أخرجه مسلم (2598). وأخرج أبو داود (4907) ولم يذكر «يوم القيامة» وأحمد في المسند أحمد (6/448) والبخاري في الأدب المفرد (316) . (16)- أخرجه مسلم (2587) في البر، باب النهي عن السباب وأبو داود رقم (4894) في الأدب، باب المستبان، والترمذي رقم (1982) في البر، باب ما جاء في الشتم.
  7. يا خالد ابن عبد الرحمن - اتق الله - أنت تعرف جيدا موقف الشيخ العلامة ربيع بن هادي – حفظه الله - في الخوارج ، والحدادية ، والدواعش والقاعدة والثوارت والمظاهرات والحزبية وغير ذلك ..من الأهواء والبدع القديمة والعصرية فما دهاك وما دفعك إلى ما قلت ؟؟! تجرد من التبعية ، والتعصب ، والهوى وكن منصفا ؛ فإن قولك ذلك باطل ساقط من جميع الوجوه شرعا ، وعقلا وعرفا وواقعا ، فارجع إلى رشدك وعهدك وأظهر صدق ثنائك ومحبتك وتقديرك للشيخ وفقه الله . وإذا كنت تجهل موقف الشيخ في تلك المسائل فارجع إلى موقعه فستجده مملوء بالكتب والمقلات والفتاوى في تلك المسائل على الخصوص وعلى سبيل المثال لا الحصر ففي موقعه- حفظه الله – مقال بعنوان : ((لمحة عن تنظيم داعش وفتنته ومنبعها )) تعليقا على مقال بعنوان : الكشف عن مخطط داعش لتقسيم السعودية إلى خمس قطاعتات واستداف العسكريين بدأ بالأقارب .نشرته جريدة الشرق الأوسط في عددها (13327)الصادر يوم 07/ 09/1436هـ . وفي موقعه بعض الفتاوى عن داعش ، وفيها الرد على من يقول أن الخوارج (داعش والقاعدة ) نبتة سلفية أو أن أصل وأساس الإرهاب هو السلفية فقد رد الشيخ حفظه الله وبين أن داعش امتداد لإيران الصفوية ، وأن الخوارج نبتة إخوانية ، وأن السلفيين براء من هذه الاتهامات وأن منهجهم منهج علمي معتدل بعيد عن التكفير والتفجير والتدمير ، والخروج عن الحكام المسلمين ، فاسألوا من شئتم من وراء هذه الثورات ، والتدمير ، وسفك الدماء ، واقرءوا في اليتوب ومواقع التواصل عن فتاوى دعاة الصحوة من القطبيين والسروريين وغيرهم من المتأثرين بدعوتهم . أما فتاوى ونصائح وتوجيهات فضيلة الشيخ ربيع فهي تكشف الخوارج والدواعش الذين خرجوا من رحم الإخوان ، وهي واضحة للعيان والعميان ،والتكذيب بها طعن في نية الشيخ- حفظه الله – فهل تيقنت يا مشرية أنك كاذب مفتري ؟؟ وفي موقعه : التعليق على باب من كتاب الشريعة للإمام الآجريّ : ( ذمّ الخوارج وسوء مذاهبهم وإباحة قتالهم وثواب من قتلهم أو قتلوه ) وفي موقعه كلمة عن الأحداث والمظاهرات والخروج على الحكام .كلمة مفرغة للشيخ ربيع بن هادي المدخلي( 17-3-1432هـ). وفي موقعه أجوبة كثيرة على أسئلة ترد على الشيخ في الخوارج بجميع أنواعهم ومنها هل هناك تلازم بين الحزبية وفكر الخوارج ؟(فتاوى في العقيدة والمنهج الحلقة الثانية) والكلام حول حديث "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ..." هل يعني أنّه وصف الخوارج بالإخلاص ؟ (فتاوى في العقيدة والمنهج الحلقة الثانية). وغير ذلك كثير ولا أكون مبالغا إن قلتُ أنه لا يوجد أحد من العلماء اليوم تكلم على الفرق والطوائف وخاصة الخورج من قطبية وحدادية وقاععدة ودواعش مثل الشيخ ربيع حفظه الله . نسأل الله لنا ولك الهداية .آمين .
  8. أبو بكر يوسف لعويسي

    رسالة إلى خالد بن عبد الرحمن زكي المصري

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله عدد ما خلق ، وملأ ما خلق ، الحمد لله عدد ما في السموات وما في الأرض ، الحمد لله مل ما في السموات وما في الأرض ، أحمده سبحانه عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فقد انتشر مقطع صوتي لكم يا خالد بن عبد الرحمن المصري تطعن فيه في الشيخ العلامة ربيع- حفظه الله – وتصفه بأنه انحرف عن منهج السلف ووقع في بدعة الخوارج ، أو وافق الخوارج في مسألة من المسائل ، وهذا ليس بغريب أن يقع من أهل الأهواء الذين تداعوا من كل حدب وصوب على الشيخ حتى صنفوه أنه إمام فرقة ضالة مجرمة هو وجماعته (( وأنت ضمنهم )) كما ورد على ألسنة بعض الحزبيين والصحفيين (1)،وأهل الأهواء أعداء السلفيين ، ولكن الغريب أن يصدر هذا ممن كان بالأمس يناصر الشيخ بشدة ، ويعضده ويدافع عنه ،ويصرخ في وجه أهل الباطل غيرة على منهج السلف الصالح الذي يتعرض إلى هجمات عنيفة شرسة وحرب شعواء، ولكن لا غضاضة فظلم ذوي القربى أشد مماظة (2)، فليست الأولى ولا الثانية ، ولا حتى الثالثة ، ولاهي الأخيرة فإنها كلها تصب في صالح الشيخ - حفظه الله ورعاه - إن شاء الله – وترفع من قدره عند أهل الحق. فلو تمعن المرء في تاريخ الأمة لوجد أن كثيراً من العلماء الربانيين تُكلِّم فيهم وانتُقِصوا وافتري عليهم ، وانتُهكت أعراضهم بدون حق؛ فكلما كانوا أشد تمسكا بمواقفهم في الحق ، وتصلبا في السنة كلما ازداد الشانئون لهم ، ولكن جعل الله عز وجل ذلك الانتقاصَ كمالاً لهم ، وذلك الطعن رفعة لهم وعزة ، وذلك التتبعَ لعثراتهم سبباً في شهرتهم ومعرفة الناس بهم، والإقبال عليهم وحبهم . وعلى سبيل المثال في عصرنا : الإمام العلامة محمد آمان الجامي- رحمه الله - ، فإنه ما اشتهر إلا بسبب أعدائه ، وكذلك الشيخ ربيعا ، وإن كانا على جانب كبير في الفضل على هذه الدعوة المباركة ، وقدم صدق راسخة في العلم والعمل؛ لكن الله سخر لهما أعداء شهروا بهما حتى اشتهرا ؛ وأصبح ذكرهما على ألسنة كثير من النّاس لا يذكران إلا بخير شأنهما في ذلك شأن كثير من المصلحين كشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب وغيرهم رحم الله الجميع . فأقول للأخ خالد بن عبد الرحمن المصري - وهو من لا تخفى عليه ما سأقول- جزاك الله خيرا على ما قدمت للشيخ ، وسيكتب التأريخ أنك طعنت طعنة شديدة في محبيك وأشياخك ، وتذكيرا لنفسي ولك ولغيرنا حتى يعرف الكل قدر حده ويحترم العلماء الربانيين الذي لهم الفضل بعد الله في كشف كثير من الانحرافات الخطيرة عن منهج الإسلام الصحيح . فقد وردت نصوص كثيرة في فضل العلماء وتقديرهم واحترامهم، قال الإمام النووي في رياض الصالحين (ص 187- 192): [باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ، ورفع مجالسهم ،وإظهار مرتبتهم]. ثم ذكر قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (سورة الزمر الآية 9)، ثم ساق طائفة من الأحاديث في إكرام العلماء والكبار وأحيلك على الكتاب لتقرأها لعلها لم تمر بك ، أو غفلت عنها .. ولتعلم - رحمني الله وإياك- أنه لا شك ولا ريب أن احترام العلماء الربانيين وتقديرهم وطاعتهم في طاعة الله من الأمور الواجبة شرعاً ، وإنّ مخالفتهم فيما ورثوه من علم النبوة مخالفة شرعية ، وأن المتنقص لهم والطاعن فيهم على غير سبيل الأنبياء الذين ورّثُوا العلم ، فورثه العلماء وعملوا به ، فحرمتهم لا تقل حرمة عن أولي الأمر؛ لأنهم هم أولى الأمر الذين تجب طاعتهم .. ولتعلم يا أخانا - أن محبّة الرّبّ - عز وجل - لأولِيائه ، وتأييده لهم بنصرته ومعيته ، ثابتة فاحذر أن تكون من أعدائهم . قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}(51) غافر.وليس من شك أن العلماء في مقدمة الذين آمنوا . وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (38) الحج . فكما ترى واضحا لا يحتاج إلى تفسير أن الله وعد الله عباده المؤمنين بالنصر على من ناوئهم ، كما أخبر أنه يدافع عنهم .. وإن هذه الهبّة الكبيرة من السلفيين مشايخ وطلبة علم(3) دفاعا عن عرض الشيخ وعلمه ، وردا عليك لهي أكبر دليل على نصرة الله له ودفاعه عنه وأني أخشى عليك أن يكون الله آذنك بالحرب ... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ...)(4). والسلفيون لا يشكون أن العلامة ربيع أنه من أولياء الله الذين يغار الله لهم وينتصر لهم ويدافع عنهم . فقوله سبحانه (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) : الولي : هو من يقوم لله بما افترضه عليه ويتقرب إليه بأنواع النوافل والطاعات ، وليس من شك أن العالم بدين الله تعالى المواظب على طاعته المخلص في عبادته.أنه من أولياء الله ، فكيف إذا كان هذا العالم صخر حياته للدفاع عن دين الله ورابط ما يقارب من نصف قرن على ثغر السنة الغراء فالتعرض له تعريض بالنفس للهلاك بحرب الله عليه . قال تعالى (فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ) أعلمته بالهلاك والنكال ، وقوله (فقد) الفاء سببية أي بسبب إذايته للولي أعلنت عليه الحرب ، أو تكون الفاء للتعقيب الفوري أي من آذى وليا لله ؛ فإنه الله تعالى يعلن عليه الحرب فورا عقب إذايته ولا يمهله، نعم الله يمهل ، ولا يهمل ، ولكنه يغار على أوليائه كما يغار على محارمه ، ومن يتحمل حرب الله عليه أيها العقلاء ، فليحذر الناصح لنفسه أن يلقي بها في الهلاك لا يستطيع الخروج منه .. يا شيخ خالد ؛ ألا تعلم أن الخوارج في زمننا سواء الذين خرجوا أو القعدية لا يقبلون الشيخ العلامة ربيع السنة في صفوفهم ؛ لأنهم يرونه مرجئ مطبث ، وأشد منهم إنكارا عليه وطعنا فيه وتكفيرا له الحدادية الذين كشف عوارهم فكيف يقبلونه ولم يترك لهم متنفس حتى سقطوا ؟؟ فالخوارج لا يقبلون العلماء الربانيين النصحة ، لأن من منهجهم احتقار العلماء والطعن فيهم كما فعل جدهم الأول مع نبي الله صلى الله عليه وسلم . يا شيخ خالد- اتق الله – واعلم أن شيخ ربيعا قضى جل حياته في محاربة التطرف والخروج على ولاة الأمر ، وله اليد بيضاء على المسلمين ، سواء في الجزائر فقد كان سببا في توبة ونزول الكثير ممن خرجوا وحملوا السلاح حتى راسله رئيس الجمهورية - عافاه الله وشفاه - يشكره ويثني عليه ، وله اليد البيضاء على أهل الكويت أيام الغزو العراقي ، واليمن ولبيا وتونس ومصر حين عصفت بهم الفتن ، والسعودية أيضا فهذه آثاره في محاربة الفكر الخارجي ، والرد على كبير القوم في هذا العصر ، ( سيد قطب ) وفتاواه في المظاهرات ، والاعتصامات ، وعدم الخروج على الولاة لا يجحدها إلا مكابر عنيد أو بدعي ضال . يا شيخ خالد ما هو دليلك على ما جئت به ، على أن الشيخ وافق الخوارج ، في الخروج على ولاة الأمر ، وهؤلاء ولاة الأمر في بلده وبلدنا وفي غيرهما يثنون عليه ويشكرونه على ما يقدم خدمة للأمة وبيانا للحق ، فلو كان وافق الخوارج أترى الحكام والعلماء يسكتون عنه ، أم أن ذلك فاتهم واستدركته أنت ؟؟ ألا تعلم أن هذا اتهام للعلماء في المملكة وغيرها بل اتهام للسلفيين جميعا بالتقصير في بيان أحوال الخارجين على ولاة الأمر ، وهم من صرفوا جهودا جبارة كبيرة وكثيرة في محاربة التطرف وأفكار الخوارج والرد على الشبه التي عند الشباب المغرر بهم والذين ضلوا الطريق ، وقف السلفيون علماء ومشايخ وطلبة علم ضد الثورات والربيع العبري ومعهم الشيخ ربيع جزاهم المولى عظيم الأجر . يا شيخ خالد ، ألا تعلم أن الشيخ ربيعا من العلماء العاملين المرابطين على ثغور السنة ، بشهادة الكبار له ، وأنه من أولياء الأمور الذين تجب طاعتهم ، ولهم أن يتقدموا النّاس في النوازل وللنّاس أن يقدموهم فيما ينزل بهم ، فكيف إذا تواضع الشيخ ، ولم يتقدم ولم ينفرد بالفتوى حتى يجتمع بإخوانه العلماء ويتشاوروا فيما بينهم فيما حل بالمسلمين من فتن ، لقد كان العلماء السلفيين يتشاورون في نازلة أفغنستان يوم الاحتلال الروسي وكانت فتاواهم تنتشر في الأمة ولم يقل أحد أنهم خرجوا على أولياء الأمور في المملكة ..ولا في غيرها. يا شيخ خالد ؛ كان المفروض بك أن تشكر للشيخ اجتماعه وتشاوروه مع العلماء ؛ فهذه منقبة له وليست مثلبة تنتقصه بها ، ثم لِمَ خصصت الطعن بالشيخ ربيع ولم تعمم الحكم على كل من اجتمع بهم الشيخ ربيع ؟؟ لماذا الشيخ بالضبط وفي مثل هذا الظرف ؟؟. يا شيخ خالد ، أتدري من وقف ضد الفتن التي وقعت في المسلمين ومازالت تقع ، وبين ضررها وخطرها واستفاد كثير من المسلمين والسلفيين على وجه أخص منها فلم يقعوا في شباكها ولا نارها؛ إنهم العلماء الكبار ومعهم العلامة ربيع - حفظه الله - ، لأن الفتن إذا أقبلت لا يعرفها إلى أولوا العلم من العلماء الربانيين ، حتى إذا أصبحت عجوزا شمطاء عرفها كل النّاس .. إن العلماء تكلموا في فتن وقعت في بلدان لم يكن فيها ولاة أمر يوم وقعت الفتن وقد اجتهدوا وبينوا ما ينبغي على العلماء أن يقوموا به بالعلم الذي خصهم الله به ؛ فإن أخطأ أحدهم فهو مأجور أجرا واحد ، وكان ينبغي على من أدرك الخطأ أن يجتمع بهم ويناقشهم ويبين لهم الحق لهم بأدلته ، ويحفظ كرامتهم ، وليس أن يشنع عليهم على رؤوس الأشهاد وينال منهم من أجل إسقاطهم شأنه في ذلك شأن أهل البدع ؛ فإن هذا أكثر ما يخدم أعداء السلفيين . ثم إن كنت حقا أدركت أن الشيخ أخطأ في هذه المسألة ، فلماذا لم تراسله وتتصل به أو ترسل له الخطأ مع دليله على الرابط الذي نشره الشيخ قبل أيام فقط من طعنك فقد طلب الشيخ من الجميع أن من وجد خطأ في كتبه أو مقالاته فليكتب له به على الرابط ،فلماذا لم تفعل وذهبت تشنع عليه علنا ؟؟ هل علمت أن الشيخ لا يقبل النصح وأنه متعصب لآرائه ، أم هو التعصب وإرادة السوء بالسلفيين ؟؟ يا شيخ خالد أعاذك الله أن تكون مثل بعض المتعالمين المغرورين خفاف العقول الذين يتقدمون بين يدي العلماء ليشوشوا عليهم بإلقاء الشبه والتأويلات الفاسدة والآراء الكاسدة ، والكذب والمكر والحيل بشتى أنواعها ليصرفوا وجوه النّاس عن العلماء إليهم ، فأرجو أن لا يكون أصابك شيء من تشويشهم أعاذك الله من ذلك. يا شيخ خالد اتق الله ، متى كانت مجلس الشورى ، واجتماعات أهل الحل والعقد تعقد علانية ؟ ومن قال باشتراط ذلك ، أليست هذه دعوة إلى الشروقراطية التي ينادي بها الإخوان المفلسين ؟؟ ومن قال أنه لابد أن يجتمع جميع العلماء أو يستشار جميعهم في نازلة معينة ، اتق الله ما هذا التقعيد المخالف لمنهج السلف ؟حتى تسمي اجتماع العلماء والتشاور فيما بينهم أنها مجالس سرية مثل مجالس الحزبيين وأهل الأهواء .. وهل عندك ومن معك أو وراءك أن الشيخ ربيعا -حفظه المولى - حجر عليه ولاة الأمر ، ومنعوه من الدعوة ؛ والتعليم فخالفهم وخرج عليهم هو ومن شاورهم، هل لك دليل على ذلك ؟ أنت تعلم جيدا أنّ خلاف هذا ، وتعلم جيدا أنّ الشيخ ربيعا له المكانة المحترمة بين العلماء ، وعند ولاة الأمر؛ فاترك عنك التشغيب وعد إلى رشدك وتب إلى الله مما تفوهت به ، واحرص على جمع الكلمة ، وتأليف القلوب والدعوة إلى أصلاح ذات البين بين السلفيين كما فعل ويفعل العلماء وفي مقدمتهم العلامة ربيع ولا تفتّ في ضد السلفية لتدعم بذلك من سبقك إلى شق الصف وكسر عصا الجماعة وقطع روابط المحبة والأخوة الإيمانية بين السلفيين ، واستبدلها بالحقد والبغض والسب والشتم والقرض لأعراض إخوانهم . أسأل الله تعالى أن يبصرنا جميعا بعيوبنا وأن يردنا إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم على مراد الله ومراد رسوله ردا جميلا إنه سميع قريب مجيب . وصل اللهم وسلم على عبد ورسولك سيدنا وحبيبنا محمد . الهامش : 1 – لقد استمعت إلى مقطع صوتي لأحد الصحفيين وآخر لأحد الدبلوماسيين الجزائريين يصفان السلفيين بالمداخلة وأنهم طائفة مجرمة ، كما قرأت ذلك في بعض الجرائد ، وبلغني عن بعض المجالس ؛ قاتلهم الله أنى يؤفكون .. 2- قال أبو عبيد: المماظة المخاصمة والمشاقة والمشارة وشدة المنازعة مع طول اللزوم ..لسان العرب (7/463). 3 – جزى الله خيرا كل من انتصر للشيخ ربيع وإخوانه العلماء ، في الرد على من طعن فيهم من هذا وغيره ، بالأمس واليوم ، وبارك الله فيمن وقف مع العلماء الكبار الذين كشفوا كثيرا من هذه الفتن التي تعصف بالسلفيين. 4 – أخرجه البخاري في الصحيح (ح 6502)، وفي صحيح ابن حبان برقم (347)(..فَقَدْ آذَانِي).
  9. أبو بكر يوسف لعويسي

    الرد على الدكتور عباس شومان

    مستخدم 900 مشاركات تقديم بلاغ تم النشر الاثنين في : 21:43 جزى الله خيرا العلامة الشيخ ربيعا خير الجزاء وأوفاه ، ورفع قدره في عليين .
  10. أبو بكر يوسف لعويسي

    إتحاف المؤمنين بأسباب الاختلاف وفاسد ذات البين

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الغر الميامين وعلى أصحابه الكرام المرضيين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فإن الله تعالى أرسل محمد صلى الله عليه وسلم هاديا وبشيرا ، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا ، أرسله ليجمع شمل المسلمين ، ويؤلف بين قلوبهم ، ويوحد صفوفهم ، فتقوى شكوتهم ، ولا يتصدع بنيانهم ، فيكونوا أشداء على غيرهم رحماء بينهم ، ينتصر أدناهم لأعلاهم ، وأعلاهم لدناهم ، وأبعدهم لأقربهم ، وأقربهم لأبعدهم ، ومحسنهم لمسيئهم ، فكانوا فترة من الزمان كذلك في حياته وبعد موته - صلى الله عليه وسلم- ، ثم اختلفوا ليفتحوا باب شر مغلق ، فتفسد ذات بينهم ، ويدخل منه أهل الباطل لينتصروا ويظهروا على أهل الحق .. روى عطاء بن السائب عن الشعبي قال : ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها. (سير أعلام النبلاء (4/ 311)، وحلية الأولياء (4/ 313). وقد حذرنا الله تعالى من الاختلاف ورسم لنا المنهج القويم والطريق المستقيم وأسباب القوة والاتحاد ، وأن الاختلاف من أعظم أسباب الفرقة وفساد ذات البين ، ومن أعظم أسباب الضعف ، ومن أعظم الأسباب التي تجعل الأعداء والخصوم يطمعون في رقابنا وذلنا وهواننا ؛ لأنهم عرفوا أن مكمن الضعف والهزيمة هو في تفرقنا واختلافنا .. وعدم اجتماعنا . قال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) }. فلا قوة مع الخلاف والنزاع والتفرق والانقسام ، ولا نصر ولا استقرار مع انتفاء الرحمة بين المؤمنين ، وقلة الصبر على بعضنا البعض ، وعدم الدفع بالتي هي أحسن للتي هي أقوم ..بين من منهجهم واحد وسبيلهم سبيل المؤمنين .. ولكن جرت سنة الله تعالى أن يجعل في كل عصر ومصر شاهد على عصره ومصره ، قائم لله تعالى بالحجة عليهم ، يدعوهم إلى المحجة البيضاء ، ويبين لهم سبيل الفلاح والنجاح ، يصلح ذات بينهم ، ويؤلف بين جمعهم ، منتهجا العدل والوسطية ، يحارب الفساد ويبين أسبابه ، لعله يوجد في الأمة من يلقي السمع وهو شهيد فيستجيب ويترك حظوظ النفس والتعصب للطائفة والانتصار للباطل المزين بالتأويلات الفاسدة ... وهذا ابن القيم - رحمه الله- واحد من أولئك ولا يكتفي أن يكون شاهدا على عصره حتى يسجل للتاريخ شهادته على ما يحدث للمسلمين في تاريخ الأمة قبله وبعده فيبين أن أسباب الفساد والتفرق والاختلاف والتحارب ، وفساد ذات البين في العالم هو التأويل الفاسد للوحي كتابا وسنة ..وتقديم الرأي على الوحي ، واتباع الهوى على العقل ، فها هو يقول في الرد على الجهمية والمعطلة (1/348) وكأنه شاهد عيان لما يحدث في عصرنا .. إذا تأمل المتأمل فساد العالم وما وقع فيه من التفرق والاختلاف وما دفع إليه أهل الإسلام وجده ناشئا من جهة التأويلات المختلفة المستعملة في آيات القرآن وأخبار الرسول – صلى الله عليه وسلم - التي تعلق بها المختلفون على اختلاف أصنافهم في أصول الدين وفروعه ؛ فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين والتحارب ، وتفرق الكلمة ، وتشتت الأهواء ، وتصدع الشمل ، وانقطاع الحبل،وفساد ذات البين حتى صار يكفر ويلعن بعضهم بعضا.. وترى طوائف منهم تسفك دماء الآخرين ، وتستحل منهم أنفسهم وحرمهم وأموالهم ما هو أعظم مما يرصدهم به أهل دار الحرب من المنابذين لهم .. فالآفات التي جنتها ويجنيها كل وقت أصحابها على الملة والأمة من التأويلات الفاسدة أكثر من أن تحصى أو يبلغها وصفُ واصف أو يحيط بها ذكرُ ذاكر .. ولكنها في جملة القول أصل كل فساد وفتنة ، وأساس كل ضلال وبدعة والمولدة لكل اختلاف وفرقة والناتجة أسباب كل تباين وعداوة وبغضة .. ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأمة بها أن الأهواء المضلة والآراء المهلكة التي تتولد من قبلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممر الأيام وتعاقب الأزمنة وليست الحال في الضلالات التي حدثت من قبل أصول الأديان الفاسدة كذلك ؛ فإن فساد تلكَ معلومٌ عند الأمة ، وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين الإسلام ؛ فلا تطمع أهل الملة اليهودية ؛ ولا النصرانية ؛ ولا المجوسية ؛ ولا الثانوية ونحوهم أن يدخلوا أصول مللهم في الإسلام ، ولا يدعوا مسلما إليه ولا يدخلوه إليهم من بابه أبدا .. بخلاف فرقة التأويل فإنهم يدعون المسلم من باب القرآن والسنة وتعظيمهما وأن لنصوصهما تأويلا لا يوجد إلا عند خواص أهل العلم والتحقيق (( عندهم ومنهم ..)) . وأن العامة في عمىً عنه ؛ (( أي لا يفقهون ذلك التأويل إلا ببيان هذه الطائفة التي تدعو المسلم إليه وتحمله عليه ولو كان فاسدا ..)) فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له . ومثلهم ومثل أولئك كمثل قوم في حصن حاربهم عدو لهم فلم يطمع في فتح حصنهم والدخول عليهم فعمد جماعة من أهل الحصن ففتحوه له وسلطوه على الدخول إليه فكان مصاب أهل الحصن من قبلهم .. ((أي إنما نُؤتي من الداخل ، من أنفسنا ، من أبناء جلدتنا الذين فتنوا بالتأويل الفاسد للنصوص ففتحوا بذلك ثغرات لأعداء الملة المحمدية وخصوم السنة والنبوية)). وبالجملة ؛ فالأهواء المتولدة من قبل التأويلات الباطلة غير محصورة ولا متناهية بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم وما تخرجه إليه ظنونهم وأوهامهم .. ولذلك لا يزال المستقصي عناء نفسه في البحث عن المقالات وتتبعها يهجم على أقوالٍ من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له على بال ولا تدور له في خيال ويرى أمواجا من زبد الصدور تتلاطم ليس لها ضابط إلا سوانح وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق ولا أشرقت عليها شمس الهداية ولا باشرت حقيقة الإيمان فخواطرها وهوسها لا غاية له يقف عندها .. فإن أردت الإشراف على ذلك تأمل كتب المقالات والآراء والديانات تجد كل ما يخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون ، وصار إليه صائرون ووراء ذلك ما لم يخطر لك على بال ، وكل هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها وتحمله على تأويلها..( لله درك يا ابن القيم وعلى أجرك ..) ومع ذلك فتجد أولي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارعين وفي القبول منهم راغبين فهم يبادرون إلى أخذ ما يوردونه عليهم، وقبولهم إياه عنهم، وعلى الدعوة إليه هم أشد حرصا منهم على الدعوة إلى الحق الذي جاءت به الرسل .. ((أي والله ، أصبح الكثير من ضعاف العقول أحرص على الدعوة إلى التأويلات الفاسدة بل والكذب الواضح من الدعوة إلى الهدي النبوي .. فلما تحدث أحدا منهم عن آية ، أو حديث يحدث على الاجتماع والألفة لا يهتز لذلك ، فإذا حدثته عن كلام شيخه أو طائفته سلبا ينتفض ويزبد ويرعد وإذا حدثته عن ذلك إيجابا طرب لذلك وقابلك بكل لطف وتقدير .. فأصبح التأويلات كلام الخصوم هي الحق التي ينافح ويدافع عنه ..)) ولم يوجد الأمر في قبول دعوة الرسل كذلك ؛ بل قد علم ما لقي المرسلون في الدعوة إلى الله من الجهد والمشقة والمكابدة ، ولقوا أشد العناء والمكروه وقاسوا أبلغ الأذى حتى استجاب لهم من استجاب إلى الحق الذي هو موجب الفطر وشقيق الأرواح وحياة القلوب وقرة العيون ونجاة النفوس ، حتى إذا أطلع شيطان التأويل رأسه وأبدى لهم عن ناجذيه ورفع لهم علما من التأويل طاروا إليه زرافات ووحدانا فهم إخوان السفلة الطغام أشباه الأنعام بل أضل من الأنعام ، طبلٌ يجمعهم ، وعصا تفرقهم .. فانظر ما لقيه نوح وإبراهيم وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم في الدعوة إلى الله من الرد عليهم والتكذيب لهم وقصدهم بأنواع الأذى حتى ظهرت دعوة من ظهرت دعوته منهم وأقاموا دين الله. ((الله أكبر رحمك الله رحمة واسعة وأعلى قدرك في عليين على هذا الوصف الدقيق ، وكأنك شاهد عيان على هذا العصر الذي طغى فيه التأويل الفاسد والرأي الكاسد وأصبح هو الحق الذي لا مرية فيه ، وغيره الباطل ولو كان نصا من كلام الله أو سنة رسوله ؛ وانتصر له وتعصب عليه وكان من أعظم الأسباب في تفرق أهل السنة خيار أهل الإسلام وقدوة الأنام ..)) قال الله تعالى مبينا ذلك :{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} آل عمران . عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ} قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِذَا رأيتَ الَّذِينَ يتَّبِعُون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ" لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ((4547) ومسلم برقم (2665)) .وفي مسند أحمد (6/48) : ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُون فِيهِ ...)) . ((ومن الأسباب التي جرت إلى الاختلاف واستحكمت على عقول كثير من الآتباع. تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل)) . وقال في إعلام الموقعين (1/54): وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد .. فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأُميت بها من هدى ، وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل ؛ بل هم شر من الحُمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] . ((سبحان الله لا يستجيبون للوحي المنزل ، وينقادون انقياد الحمر للرأي العاطل والتأويل الباطل )). روى الدارمي (1/ 67)عن مالك هو ابن مغول قال: قال لي الشعبي: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذ به وما قالوه برأيهم فألقه في الحش. وفي شرف أصحاب الحديث (ص.74)وغيره: فبل عليه. والإبانة (2/ 3/517/ 607). - وروى الدارمي (1/ 47)عن عيسى عن الشعبي قال: جاءه رجل فسأله عن شيء فقال: كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا، قال أخبرني أنت برأيك؟ فقال: ألا تعجبون من هذا؟ أخبرته عن ابن مسعود ويسألني عن رأيي، وديني عندي آثر من ذلك، والله لأن أتغنى أغنية أحب إلي من أن أخبرك برأيي. إعلام الموقعين (1/ 257). ((سبحان الله يقارن رأيه بأغنية، ربما لو قالها لتأثم بها؛ بل يجعل ذلك عنده أفضل ؛ فما بالك بمن يترك نص القرآن والسنة ، ويأخذ بأقوال من لم يشموا رائحة العلم ، أوشموها لكنهم حرفوها روائح الآراء وأولوها إلى أذواق الألوان .. )). وقال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا. جامع بيان العلم وفضله (2/ 1050). - وروى الدارمي (1/ 47)عن الشعبي قال: إياكم والمقايسة والذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم عمن حفظ من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فاعملوا به. وذم الكلام (ص.103) وعنه قال: لو أدرك هؤلاء الآرائيون النبي - صلى الله عليه وسلم - لنزل القرآن كله: يسألونك، يسألونك. الإبانة (1/ 2/419/ 343). ((هكذا كانوا يذمون التأويلات الفاسدة ، ويتهمون الآراء الكاسدة ، ويهضمون النفس ويحتقرونها تواضعا لله )). ((ومن الفساد بمكان ترك مقاومة التأويل الفاسد ، وتقديم الرأي الكاسد ، وأتباع الهوى على العقل اللبيب حتى يفشو ويفرخ ، ويستحكم على النفوس ويكون له السلطان الذي يفرض نفسه ، ويذهب بكل سلطان ، فلا ترى حينها إلا التفرق والتمزق والاختلاف الذي يضعف الأمة ويذهب ريحها)) . تنبيه مهم : الكلام الملون ليس من كلام ابن القيم - رحمه الله
  11. متن : وقوله : على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه .. -------------------- ش/ ليس من شك أن الرسل خير الخلق أجمعين ، فهم صفوة الخلق ، وهم الذين اصطفاهم الله عز وجل ، والله يصطفي من يشاء من خلقه ما يشاء . قال تعالى : { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)} الحج . قال ابن جرير- رحمه الله - (18/687): يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس أيضا رسلا وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة. انتهى كلامه . وفي الترمذي من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما - قال: "جلس ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه قال فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم : عجبا إن لله من خلقه خليلا اتخذ إبراهيم خليلا ، وقال آخر: ما ذلك بأعجب من كليمه موسى كلمه تكليما، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال أخر: آدم اصطفاه الله ؛ فخرج عليهم فسلم وقال: ((سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله ، وهو كذلك ، وكذلك موسى نجي الله وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر)) (ضعيف - المشكاة 5762)و(ضعيف الجامع الصغير 4077)) وضعيف الترمذي (742 – 3877). وإن كان الحديث ضعيفا من حيث سنده ؛ فبعض الفقرات فيه ثابتة بأحاديث صحيحة ، متنه كله تعضده آيات كثيرة في كتاب الله تعالى ؛ فالله يصطفي ويجتبي ويختار من يشاء من الرسل ومن آلهم وهم أتباعهم. قال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} آل عمران . قال البغوي - رحمه الله - في تفسيره (2/28): {اصْطَفَى} اخْتَارَ، افْتَعَلَ مِنَ الصَّفْوَةِ وَهِيَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .وهو ماذكره الحميدي في تفسير غريب ما في الصحيحين (1/483). وفيه (1/296): اصْطفى :اخْتَار وانتخب وَرفع وَفضّل . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} الْآيَةَ .قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مِنْ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ. انتهى كلامه . قال ابن كثير- رحمه الله - (2/33):{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ () ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(33-34)آل عمران . يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اخْتَارَ هَذِهِ الْبُيُوتَ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاصْطَفَى آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَهْبَطَهُ مِنْهَا، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ. وَاصْطَفَى نُوحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَعَلَهُ أَوَّلُ رَسُولٍ [بَعَثَهُ] إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، لَمَّا عَبَدَ النَّاسُ الْأَوْثَانَ، وَأَشْرَكُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانَا، وَانْتَقَمَ لَهُ لَمَّا طَالَتْ مُدَّتُهُ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَأَغْرَقَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ. وَاصْطَفَى آلَ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُمْ : سَيِّدُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالْمُرَادُ بِعِمْرَانَ هَذَا: هُوَ وَالِدُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، أُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَاشَمَ بْنِ أَمُونَ بْنِ مَيْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أَمْصِيَا بْنِ يَاوشَ بْنِ أجريهو بْنِ يَازِمَ بْنِ يَهْفَاشَاطَ بْنِ إِنْشَا بْنِ أَبِيَّانَ بْنِ رُخَيْعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. فَعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ. قال ابن المنذر- رحمه الله - في تفسيره (1/171): 368 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِّنَ اللهَ اصْطَفَى إِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةَ، وَاصْطَفَى مُوسَى بِالْكَلامِ، وَاصْطَفَى مُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ " وقال الخازن - رحمه الله - في تفسيره (3/216): وقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ }وقال تعالى في حق موسى :{إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي } . وقال تعالى:{ وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ} وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة. وقال سبحانه وتعالى :{ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)} النمل . قال ابن كثير- رحمه الله –(6/181): يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ عَلَى نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى وَعَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلَى وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ وَاخْتَارَهُمْ وَهُمْ رُسُلُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ الْكِرَامُ، عَلَيْهِمْ من الله أفضل الصلاة والسلام، وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، هُمُ الأنبياء، قال: وهو كقوله: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الصَّافَّاتِ: 180- 182] . وقال واثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ،: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» مسلم (2276) والترمذي (3606) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1495) و (1496) . وقد اصطفى الله هذه الأمة من بين الأمم كما قال سبحانه وتعالى :{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } آل عمران (110) اصطفاهم واجتباهم لمقام صفوته وخيرته صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق. قال ابن كثير (2/9): يخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ فَقَالَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَيْسَرة، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ (صحيح البخاري برقم (4557) . وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَطِيَّةُ العَوْفيّ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} يَعْنِي: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. وقد اصطفى الله الصحابة - رضوان الله عليهم – من هذه الأمة كما اصطفاهم على جميع الخلق بعد الأنبياء ، اصطفاهم ليناسبوا مقام النبي المصطفى ، فلا يليق أن يرسله الله في سفلة من النّاس وأراذلهم ، وإنما أرسله في خير النّاس وفي خير الأمكنة ، وخير الأزمنة ، وأختار له من خير النّاس أفضلهم وأصدقهم وهم صحابته . قال ابن جرير رحمه الله – (19/482-483): القول في تأويل قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ (59) } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قُلِ) يا محمد (الْحَمْدُ لِلَّهِ) على نعمه علينا، وتوفيقه إيانا لما وفِّقنا من الهداية، (وَسَلامٌ) يقول: وأمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط، وقوم صالح، على الذين اصطفاهم، يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدِّين الذي بعثه بالدعاء إليه دون المشركين به، الجاحدين نبوّة نبيه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك: حديث أبو كُرَيب، قال: ثنا طلق، يعني ابن غنام، عن ابن ظهير، عن السديّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس: (وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) قال: أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه. حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: أرأيت قول الله (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) من هؤلاء؟ فحدثني عن سفيان الثوري، قال: هم أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. وقال ابن كثير (6/181) : وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ: هُمْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضا، وَلَا مُنَافَاةَ فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَى فَالْأَنْبِيَاءُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَالْقَصْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ وَمَنِ اتبعه بعد ذكره لَهُمْ مَا فَعَلَ بِأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَمَا أَحَلَّ بِأَعْدَائِهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالْقَهْرِ، أَنْ يَحْمَدُوهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ. وأخرجه البخاري من رواية عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - بلفظ: "خير الناس قرني" ومن رواية عمران بن حصين "خير أمتي قرني". (انظر البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي باب (1ج4/189) ومسلم فضائل الصحابة باب (52ج4/1962)، وأبو داود في كتاب السنة باب (10ج5/44)، والترمذي في كتاب الفتن باب (45ج4/500)ّ. وروي عنه - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : ((إنَّ اللهَ اختارَ أصحابي عَلى العالَمينَ؛ سِوى النبيينَ والمرسلينَ، واختارَ لي مِنْ أصحابي أربعةً - يعني -: أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلياً، رَحمهُمُ الله؛ فَجعلَهُمْ أصحَابِي. وقالَ في أصحابي كُلهُم خيرٌ، واختارَ أمتي عَلى الأممِ، واختارَ [من] أمتي أربَعَ قُرونٍ : القَرنَ الأولَ، والثاني، والثالثَ، والرابعَ)) . السلسلة الضعيفة (6123) وقال ضعيف . وَفِي رِوَايَة (أَنْتُم موفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله عز وَجل)مسند أحمد 20015 " قال محققه إسناده حسن. وقال في صحيح الجامع (2301) (حسن) ... [حم ت هـ ك] عن معاوية بن حيدة. المشكاة (6294). وقال تعالى :{ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي: يصطفي من يشاء، فيجعله رسولًا، فيوحي إليه ذلك، أي: ليس الوحي من السماء إلى غير الأنبياء، عليهم السلام. فلله سبحانه وتعالى أن يصطفى من يشاء من عباده لا يسأل عما يفعل، والرسل عليهم الصلاة والسلام هم ممن اصطفاهم الله، واجتباهم لحمل رسالته إلى عباده، فجعلهم سفراءه إلى الناس بالرحمة والهدى.. وهؤلاء الرسل- على علوّ مقامهم وشرف منزلتهم- هم درجات عند الله في الفضل.. بعضهم أفضل من بعض، فكما اصطفى سبحانه وتعالى هؤلاء الرسل من بين خلقه، اصطفى منهم صفوة جعلها في الدرجة العليا من هؤلاء المصطفين الأخيار..واصطفى من بينهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فأرسله رحمة للعالمين ، وجعله الرحمة المهداة والنعمة المسدات . واصطفى لهم- سبحانه وتعالى - من يناسبهم في خيرتهم من أصحابهم وأتباعهم وحواريهم ، وجعل نبينا أفضلهم وأمته أفضل المم وأصحابه أفضل الأصحاب والأتباع ، وقد كمل منهم الكثير ولم يكمل من النساء إلا أربعة . اللهم صل وسلم على من اصطفيتهم من عبادك وسلم تسليما كثيرا على أوليائك أتباعهم إلى يوم الدين ، ونسألك ربنا أن تحشرنا في زمرتهم ، وتبلغنا منازلهم في جنات عدن برحمتك يا أرحم الراحمين . يتبع - إن شاء الله -
  12. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يليق بجلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى ، له الحمد كله وله الشكر كله على ما منّ به علينا من الاستقامة والوسطية على منهج النبوة ، وأصلي وأسلم على سيد الخلق وإمام المرسلين سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد : فإن التأريخ يعيد نفسه ، فما أشبه الليلة بالبارحة ؛ لأن الذين سجلوا أسماءهم على صفحات التأريخ بالانحراف والزيغ والضلال من الأولين والآخرين تشابهت قلوبهم ، فما وجد كفر أو ضلال أو انحراف أو زيغ أو بدعة في غابر الزمان إلا وجد من يتصف بذلك قولا وفعلا عبر التأريخ إلى يوم النّاس هذا .. قال الله تعالى :{وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}(البقرة 118-119) . فما من نبي ولا رسول بعثه الله إلا قيل له ما قد قيل للرسل قبله ، من السب والشتم والسخرية والاستهزاء والتكذيب والعناد والاستكبار والوصف بالتشويه وقلب الحقائق ، والتحدي ، وقصد التخلص منه بالقتل ، وطلب المستحيل بأسئلة تعجيزية تعنتية ليسقطوه ، ولكن الله في كل مرة ينتصر لرسله ، وكذلك ينتصر لأوليائه من المؤمنين الصادقين علماء وطلبة العلم ،(( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )). وقال تعالى :{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ }(43) فصلت . قال ابن جرير (21/481): يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذّبون ما جئتهم به من عند ربك إلا ما قد قاله من قبلهم من الأمم الذين كانوا من قبلك، يقول له: فاصبر على ما نالك من أذى منهم، كما صبر أولو العزم من الرسل . وقال تعالى :{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }(51). هكذا في كل عصر ومصر عبر التأريخ ما وجدت فرقة من فرق الضلال والزيغ إلا وجدت مثلها فيمن بعدهم تشابهت قلوبهم في ذلك : فانظر إلى المشركين من قريش يعلمون يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم بريء مما اتهموه به ويعلمون يقينا صدقه وأمانته .. فنجد اليوم في الفرق الذين ينتسبون إلى الإسلام بل إلى السنة ومنهج النبوة – زعموا - مثل الحدادية يعلمون يقينا براءة العلماء وطلبة العلم السلفيين الذين كشفوا باطلهم ؛ ثم يتهمونهم بتهم هم منها براء ، براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، ويفترون عليهم الكذب لينفروا النّاس عنهم حسدا من عند أنفسهم ،تماما كما فعل المشركون يوم افتروا على رسول الله لينفروا النّاس عنه ويصدونهم عن دعوة الحق . والعجيب في هؤلاء المتأخرين أن منهم من يكذب ويكذب بصفاقة وجه ، وبلا حياء من الله تعالى ولا من خلقه ، ويحلف الأيمان المغلظة على ما يرمي به مخالفه يظن أن حبل الكذب طويل وأنه سينجيه ، وما هي إلا مدة ويظهر الله الحق ، وينكشف الكذب والباطل ، ويعلم النّاس أنهم هم من رموا الأبرياء بدائهم وانسلوا ، ولكن:(( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )). وهذا فعل الكفار والمشركين تماما الذين رموا الرسل بالكذب والأشر وهو ألصق بهم فها هم قوم صالح ثمود يرمونه بذلك وهم أحق بما رموه . قال تعالى مبينا ذلك :{ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ }(26) سورة القمر . وهاهم كفار قريش يرمونه صلى الله عليه وسلم بما رمى به الكفار من قبلهم رسلهم ، فقد رموهم بالسحر والكذب ، وهم يعلمون أنهم كاذبون في ذلك . قال تعالى :{ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (4) سورة ص . قال ابن كثير (7/53): يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} وَقَالَ هَاهُنَا: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . ا.هـ وقال تعالى مسليا لنبيه :{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }(4) فاطر . قال أبو جعفر بن جرير (20/430): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك فلا يحزننك ذاك، ولا يعظم عليك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله، من قبلهم وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم من قبلك، ولن يعدو مشركوا قومك أن يكونوا مثلهم، فيتبعوا في تكذيبك منهاجهم ويسلكوا سبيلهم . (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجعُ الأمُورُ) يقول تعالى ذكره: وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم، فمُحِل بهم العقوبة، إن هم لم ينيبوا إلى طاعتنا في اتباعك والإقرار بنبوتك، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمم المكذبة رسلها قبلك، ومنجيك وأتباعك من ذلك، سنتنا بمن قبلك في رسلنا وأوليائنا. وقال عز من قائل :{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }(44). قال ابن جرير (18/652): يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فها هو التأريخ يعيد نفسه ، تشابهت بل تطابقت عداوة الكفار للرسل وحيلهم ومكرهم وكيدهم للنيل منهم والقضاء عليهم وعلى ما جاءوا به من الحق . كذلك تشابهت قلوب الذين لا يعلمون من أهل الزيغ والأهواء من هذه الأمة قديما وحديثا على عداوة أهل الحق أتباع الرسول ، وفي مقدمتهم الصحب الكرام والعلماء الربانيين الذين هم على نهجهم .. قال تعالى :{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ }(5) غافر . والآيات في هذا المعنى كثيرة .. والتأريخ يعيد نفسه ... فهو ليس بأول رسول كذب ، والذين كذبوه ليسوا بأول أمة كذبت رسولها ؛ بل كل أمة همت لتأخذ رسولها بالقتل والإبعاد والتخلص منه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ؛ ولكن الله من وراء ذلك ينصره ويعزيه ويسليه ليصبر على البلاء العظيم ، ويستمر في طريقه في نشر الحق ودعوة النّاس إليه ، وهكذا ينبغي أن يتأسى به دعاة الحق من العلماء الربانيين وشيوخ العلم الصالحين المصلحين فإن هذه الآيات وإن كانت خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فهي خطاب لأتباعه أهل الحق ودعاته من أمته. ومما تشابهت القلوب وزاغت بسببه اتباع المتشابه ، والتأويل الفاسد الذي يرسخ في القلوب الشبه ويثبت الافتراق والاختلاف على منهاج النبوة تشابه طوائف هذه الأمة باليهود والنصارى والمجوس وغيرهم .. فقد اختلفت اليهود على موسى ، واختلفت النصارى على عيسى وقالت كل منهم في الأخرى أنها ليست على شيء ، واختلفت هذه الأمة وتفرقت وتشبهت باليهود والنصارى ، وقالت كل طائفة منهم للأخرى أنها ليست على شيء ؛ فعلوا فعل اليهود والنصارى في بعضهم البعض ، والعجيب ليس في نيل الفرق المخالفة لمنهج النبوة مِن بعضها البعض إلى درجة القتل والسبي ، فذلك أخبر به المعصوم في عدة أحاديث ، وإنما العجب كل العجب أن يحصل هذا التشابه من بعض من ينتسب إلى الفرقة الناجية والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة ، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب .. وقد بين صلى الله عليه وسلم عمق ودقة التتبع ، والتشبه في قوله : ((لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم )) . قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن)) . متفق عليه. فانظر- رحمك الله - كيف تشابهت قلوبهم ، ولولا تشابهها في الزيغ والضلال وتتابع سنن القوم الذين يتبعون المتشابه من القول والأخذ بالشبه لما حصل هذا الذي نحن نعيشه من التفرق والتمزق ، وشدة البأس بيننا مما مكنا لأهل البدع والضلال لتتمكن من رقاب الكثير من إخواننا . فهؤلاء كبار الفرق في هذه الأمة من روافض وخوارج وقدرية ، ومرجئة ، وغيرهم ... تنتشر عقائدهم ، ومناهجهم ، وأفكارهم بيننا في أثواب غير ثيابهم ، وفي ألبسة غير لباسهم ، يلبسها أناس تشابهت قلوبهم مع اليهود والنصارى في تحريف الكلم عن موضعه وكتم الحق ، واتباع المتشابه من الوحي ، وافتراء الباطل وركوب أمواج التأويل الفاسد وتقديمه للناس في صورة الحق ، وتزيين الباطل ببعض الحق وتقديمه للنّاس من الجانب الذي يظهر فيه الحق ، وإخفاء الباطل الذي هو أصل فيه ...حتى يكون مقبولا عند السذج من النّاس .. ومما حصل من التشابه في من ينتسبون للسنة والجماعة هو شدة التأثر بالـتأويل الفاسد ، ولي أعناق النصوص وتحريفها عن مراد الله ومراد رسوله ، وحمل الكلام ما لا يحتمل ، والتجاوز بالعقل عن فهم السلف الصالح ، وركب شبه أهل البدع والتنقيص من قدر العلماء الكبار ، وتولي أحداث الأسنان زمام الأمور ،وكبر كيد الأتباع لبعضهم البعض ، وعظيم الافتتان بحب الذات ، ولباس ثوب التعالم ، والغلو في الإفراط والتفريط ، والجرأة في طعن العلماء ، والرضا عمن كان موافقا ولو كان من الأعداء المخالفين ، والغضب عمن كان مخالفا لو كان من الأولياء الموافقين ؛ بسبب ذلك كله وغيره وأكثر منه حصل التشابه وتتبع سنن القوم إلى درجة لو دخلوا جحر ضب لدخله هؤلاء .. فهذه المحاكاة للقوم هي لتشابه الكثير من القلوب في مرضها وعدم خوفها من العواقب .. والحامل على ذلك هو الحسد والتعصب وإتباع الهوى وحب الانتقام الذي ينبع عن زيغ في القلوب المريضة ، وعن شهوة خفية - أنا على الحق وكل من خالفني فهو على الباطل - كما تقوله اليهود للنصارى نحن على حق وغيرنا على باطل وكما تعكسه النصارى على اليهود ، وهكذا تقوله كل طائفة تنتسب لهذه الأمة ولكنهم اجتمعوا على عداوة الطائفة المنصورة والفرقة الناجية ورميها عن قوس واحدة ، وقد تأثر بذلك أقوام فانقلبوا على إخوانهم ورموهم بما رمى به أولئك الطوائف الطائفة الناجية . أضف إلى تلك الأسباب شهوة التصدر والزعامة ، وحب الانتقام ممن يقف في طريقهم بالنصح والنقد العلمي . ولكن أشد هذه الطوائف اليوم غلوا وإيغالا في التعصب واتباع الهوى هي الطائفة الحدادية ، التي شابهت الخوارج ، وقد كشف عوارها الشيخ العلامة المجاهد ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله - ومتع بعلمه الأمة - يلبسون بلباس السلف الصالح ، ويظهرون للنّاس أصولهم الخبيثة مغلفة بشيء من الحق ،فالذي يطالعها وهو لا يعلم يراها كأنها هي عين الحق وذاته ، ويخفون جانب الباطل ، وقد أهلكهم التعصب الأعمى واتباع الهوى حتى أصبح من أصولهم أن كل من خالفهم فهو ضال أولا ، ومبتدع ثانيا ، وكافر ثالثا ، هكذا يتدرجون في الطعن في أهل السنة ،وعلى رأسهم وفي مقدمتهم العلماء المعروفين بصحة المعتقد وسلامة المنهج ، والغيرة على السلفية والذود عن حياض السنة ، كما فعلوا مع العلامة الألباني ، والعلامة ابن باز والعلامة ، ابن عثيمين ، والعلامة ربيع السنة وغيرهم من العلماء السابقين واللاحقين ، الأحياء والأموات والقافلة طويلة .. وإذا خاف أحدهم من المجاهرة بالطعن والنيل من العلماء غمزهم وعرض بهم ليهون من شأنهم وينتقص من قدرهم ، أما شيوخ العلم وطلبته فحدث ولا حرج في رميهم بالبوائق واحتقارهم وتجهيلهم ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وهذا الأصل هو أصل خارجي رافضي ؛ فالخوارج والروافض ؛ بل كل الفرق الهالكة يعتقدون أن كل من خالفهم فهو ضال أو مبتدع أو كافر ، وأن ذلك هو الحكم فيه ، ينفذ فيه لو كان الأمر إليهم ، أو استطاعوا أن يصلوا إليه بعيدا عن رقابة الأمن وغياب سلطة ولي الأمر . أما المخالف الذي رموه بغير مكفر ؛ أو أصاب ذنبا لا يخرجه من الملة - إن ثبت عنه ذلك - وإلا فهي تهم يجعلونها وصمة عار في جبينه إلى يوم القيامة لا تقبل منه توبة ولا يزال عنه اسم الفسق ، ولا يوصف بعدالة ، ولو جاءهم بيد بيضاء عليها ألف يمين مغلظة إلا أن يدخل بيت الطاعة ويناصرهم على باطلهم ويكافح من أجل ذلك ، وهذا أصل من أصول الروافض والخوارج .. وأنا أقرأ في بعض الكتب الفرق إذ استوقفني بعض الكلام لبعض العلماء يعرف فيه بفرقة من الفرق الخوارج الشيعية تسمى البترية ، تعتقد أن من أخطأ وتاب لا تقبل له توبة ، فقلت سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة ، وها هو التأريخ يعيد نفسه ، وها هي القلوب تتشابه ، وها هم الذين لا يعلمون يقولون مثل قولهم ، وما أصدق العلماء وأبصرهم بانحرافات هذه الطوائف ، وفي مقدمتهم العلامة ربيع بن هادي المدخلي ، الذي وصف الحدادية بأنهم أشد من الخوارج ، وأن من أصلهم أن من أخطأ لا يقبلون توبته حتى لو أعلنها ألف مرة . و(والله إن الأمر كذلك ؛ بل هؤلاء أخبث منهم لأنهم يرمون الأبرياء بتهم لم يسمعوا بها حتى رأوها مكتوبة عنهم أو سمعوها على ألسنتهم في مجالسهم الخاصة ثم العامة ، أو أنها أمور لا تستدعي تهويلا وتشنيعا يعيرونهم بها ويلصقونها بهم وصمة عار في جبينهم إلى يوم القيامة حتى لو أقسموا لهم بالأيمان المغلظة ، أنهم أبرياء منها. ومما زادوا على من تقدمهم أنهم لا يقبلون الحلف بالله ، ولا الأيمان المغلظة ويريدون ممن مخالفهم أن يقبل منهم كثرة حلفهم .. وهذا فيه تهوين من شأن الحلف بالله وعدم إجلال الله سبحانه وتعالى ، وعدم تقديره وتعظيمه ، مخالفين منهج النبوة في ذلك . ومن صفاتهم أنهم يكثرون الحلف بالله حتى يروجون باطلهم الذي ألبسوه شيئا من الحق أنهم ما فعلوا ولا قالوا ، ولقد فعلوا قالوا كلمة الضلالة ، والطعن والعيب والتعيير ولكنهم قوم بهت . قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، قَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي " البخاري (3444) ، ومسلم (2368) (149) وأحمد (8154 ). قوله: "فقال: آمنت بالله" قال السندي: أي: فلا أردُّ من توسل به عن مطلوبه تعظيماً وإجلالاً له، فلا بدَّ أن أصدقك وأكذب عيني. وقوله: "وكذبت عَيْني" قال الحافظ في "الفتح" 6/489: بالتشديد على التثنية (يعني في عيني) ، ولبعضهم بالإِفراد، وفي رواية المستملي: "كذبت" بالتخفيف وفتح الموحدة و"عيني" بالإِفراد في محل رفع. وقال السندي : "كذبت عيني" أي: آمنت بأنه أجل وأعظم من أن يحلف به كاذباً فصدقت الحالف به، وكذبت نفسي.انتهى كلامه . قلت: ( قاله عليه السلام مبالغة في تصديق الحالف بالله تعالى ، تبرئة له لأنه يحتمل أن المال ماله أو هو وصي عليه ، أو قاله تعظيما لله تعالى ، مع عدم نفي التهمة عن الرجل. وقال ابن القيم – رحمه الله - في اجتماع الجيوش الإسلامية : (2/122): رُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَشَى إِلَى أَمَةٍ لَهُ فَنَالَهَا فَرَأَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَامَتْهُ، فَجَحَدَهَا فَقَالَتْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فَإِنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ (الْقُرْآنَ) فَقَالَ: شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافَ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ ... مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا فَقَالَتْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي ، وَكَانَتْ لَا تَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا تَقْرَؤُهُ. وفي البخاري بَابُ مَا جَاءَ فِي البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه)) . رواه مسلم وفي (( شرحه للنووي )) أنه قال : وجاء في رواية «البيهقي» بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس مرفوعا: ((لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) المشكاة (3758 )وقال صحيح . فإن لم تكن بينة ، ولا دليل ، وجاءت يمين المنكر فالقول قوله ، والتهمة في حق المدعي تثبت ، كما يقال ، هات الشهود أو حد في ظهرك . من هي البترية : (الثَّالِثَةُ) : الْبَتْرِيَّةُ أَصْحَابُ بَتْرٍ التُّوصِيِّ، قَالُوا بِنَحْوِ قَوْلِ مَنْ قَبْلَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا فِي كُفْرِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. لوامع الأنوار(1/85). وهي من فرق الزيدية، أتباع كثير النوى (النواء) الأبتر، توقفوا في أمر عثمان رضي الله عنه ، وقالوا: علياً أفضل النَّاس بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، ووافقوا المعتزلة في كثير من أصولهم. انظر: الملل والنحل (1/ 161)، والفرق بين الفرق (ص23)، ومقالات الإسلاميين (ص68 ـ 69). والاعتصام (3/358). وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس (1/20): وانقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة ....إلى أن قال : والعاشرة : هي البترية : زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته . هذا الأصل الخبيث كم جر من نكبات على السلفيين ، وكم أوقع من قطيعة وهجر بين الأحباب ، وكم صد عن سبيل دعوة الحق ، وكم أوقع من ظلم وتعد ، وكم سبب من رد الحق وانتهاك الحرمات ، وكم .. وكم .. قال الشيخ ربيع في وصف الحدادية : ((في الإنترنت جماعة يصفون أهل السنة أنهم حدادية وصفات الحدادية متوفرة فيهم : الغلوّ ، الكذب ، رد الحقّ ، نفس الطريقة الحدادية، فافهموا هذا ، واضبطوا صفات الحدادية ، فمن وجدت فيه فهو من الحدادية أو شبيه بهم أو أسوأ منهم)) . فتاوى في العقيدة والمنهج (الحلقة 1) وقال - حفظه الله - : الحدادية لهم أصل خبيث وهو أنهم إذا ألصقوا بإنسان قولا وهو برئ منه ، يعلن براءته منه فإنهم يصرون على الاستمرار على رمي ذلك المظلوم بما ألصقوه به ، فهم بهذا الأصل الخبيث يفوقون الخوارج .انتهى . هكذا يعيد التأريخ نفسه ، وهكذا تشابهت قلوب القوم ، فاتبعوا سنن من كان قبلهم يفتّون في عضد أهل السنة والجماعة تمزيقا وتفريقا وإضعافا للصف السلفي - وإن زعموا أنهم من حماته ، يرابطون على ثغور الحق ، بغيرة شديدة وتضحية أكيدة ، والحقيقة غير ذلك فقد أوتي السلفيون من قبلهم ودخل الخصوم والأعداء وكل الطوائف المخالفة من قبلهم يضربون بسهامهم الرابطة القوية التي تربط السلفيين، ويضرمون نار الفتنة بينهم ، ومع وضوح ذلك يأبى القوم أن يتفطنوا لما يحاك لهذه الدعوة المباركة ، ويصرون على المضي في توسيع الهوة بين الأخوة ، ومساعدة الخصوم على الدخول من ثغراتهم ، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله . نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق ، وأن يصلح أحوالنا وأن يهدينا سواء السبيل إن ربي سميع قريب مجيب .
  13. أبو بكر يوسف لعويسي

    أحاديث موضوعة وضعيفة في فضل العشر ذي الحجة

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم وعلى من تبهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فهذه بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل ذي الحجة ، أو العشر منها أو في فضل بعض الأيام منها ، كيوم عرفة ، وليلة النحر وغير ذلك .. أضعها هنا بين يدي القراء حتى لا يقعوا في العمل بما دلت عليه من فضائل التي تنسب للدين وهي ليست منه في شيء، ولا يلحقهم الوعيد الذي جاء في التحذير من الكذب على رسول الله عند تبليغها لغيرهم ، ورحم الله علماء الحديث القدماء منهم والمعاصرين الذين تصدوا لذلك وغربلوا السنة من كل دخيل وبينوه ، وتكلموا في الرجال جرحا وتعديلا وسدوا الباب في وجه كل زنديق وضاع وضال مبتدع ، ومنافق أو مستشرق خبيث يكيد لهذا الدين ويشوه جماله ، وكل ضعيف مغفل أو متمذهب متعصب ينتصر لإمامه ومذهبه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، ورغم كل ذلك فإن أغلب الأحاديث بينها العلماء ومرتبتها.. ولكن ها هو التاريخ يعيد نفسه ، وهاهم كل أولئك المذكورين آنفا ومعهم كثير من الجهلة ينشرون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة عن قصد أو عن جهل أو يضعونها وساعدهم في ذلك الإعلام المرئي والمقروء ، واعتقد جازما أن أغلب مما تعيشه الأمة من تفرق وتمزق ، وفتن ومحن وإحن كله بسبب تلك الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، مع التأويل الفاسد ، والرأي الكاسد ، ولن تستقيم الحال وتصلح الأمة إلا إذا تخلصت من هذه المعضلة الكبيرة والمشكلة العويصة التي عشعشت بعقول الكثير من الوعاظ ، والقصاص ، والخطباء المتعالمين ، والأئمة المضلين ، والمفكرين ، والمثقفين ،مستشرقين وغير مستشرقين وبعض الفقهاء الجامدين على التقليد وغيره... فعلى العلماء وطلبة العلم أن يبذلوا جهدا أكبر في التصدي لبيان هذا الشر المستطير بالحق الواضح المستنير ، فلا تكاد تسمع خطبة أو درسا أو محاضرة ؛ أو موعظة إلا سمعت فيها حديثا ضعيفا أو موضوعا ، ولا تكاد تقرأ شيئا في كتب الفقهاء والرسائل ، والمجلات ، والمقالات في الجرائد إلا رأيت من ذلك العجب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ومن ذلك ما انتشر في شهر رمضان ، وفي أشهر الحرم ، ومنها شهر ذي الحجة أو الأيام العشر الأولى منها ، فيها وفي بعض الأزمنة ، والأمكنة والشهور والأيام ، والصلاة فيها، والصيام والحج عموما ، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى على وجه الخصوص وفي فضل الأضحية ، وفيالرقائق والزهد وغير ذلك ... وإليك بعضا منها مما وقفت عليه في كتب أهل العلم جزاهم المولى عظيم الأجر ، والعفو مع غفرانه والبر . 1 – الحديث الأول في فضل شهر رمضان وذي الحجة معا : (سيد الشهور رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة) . قال الشيخ المحدث علامة الشام محمد ناصر الدين الألباني- رحمه الله - :ضعيف رواه أبو عثمان البجيرمي في الفوائد(40/1)، والبزار(960-كشف)، والديلمي (2/ 203)وابن عساكر في التاريخ (8/ 483/ 2) ، والضياء في الأحاديث والحكايات (14/ 145/ 1) عن يزيد بن عبد الملك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. قلت (أي الألباني) : وهذا إسناد ضعيف؛ يزيد بن عبد الملك - وهو النوفلي -؛ قال الحافظ في "التقريب":"ضعيف". قال كاتب هذه السطور : ضعَّفه أحمد وقال عنده مناكير ، وابنُ معين في رواية وأبو زرعة وغيرهم. وتركه النسائيُّ وضعَّفه البخاريُّ جدًا وذكر الذهبي في المغني في الضعفاء (2/751) ترجمة (7123)أنهم أجمعوا على ضعفه . قال الشيخ الألباني في تمام كلامه السابق : ورُوي من حديث ابن مسعود مرفوعاً به؛ دون الشطر الثاني، وزاد:((وسيد الأيام يوم الجمعة )). أخرجه عبد الغني المقدسي في "فضائل رمضان" (ق 53/ 2)عن عيسى الأصم، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق الهمداني، عن هبيرة بن يريم عنه. وعيسى الأصم؛ لم أعرفه. قلت : قوله الشيخ – رحمه الله - : وعيسى الأصم؛ لم أعرفه. هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْفَرْوِيُّ يُكَنَّى بِأَبِي عَلْقَمَةَ الأَصَمِّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . ففي تذكرة الحفاظ (أطراف أحاديث كتاب المجروحين لابن حبان) : لأبي الفضل محمد بن طاهر المعروف بابن القيسراني تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي حديث رقم 495 - «سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتَسْلَمُوا» . رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْفَرْوِيُّ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا يُكَنَّى بِأَبِي عَلْقَمَةَ الأَصَمِّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فهذا ذهول من الشيخ- رحمه الله - أو وهم وقع له وإلا فقد ذكره في السلسلة الصحيحة (3225)حديث : (اللهم! أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصةً) .وقال عقبه : قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف الفروي هذا، ويُستغرب تصحيح ابن حبان إياه، مع أنه قد ذكره في "الضعفاء" باسمه وكنيته (2/45) ، وقال:"يروي العجائب، ويقلب على الثقات الأخبار التي يعرفها مَنِ الحديث صناعته أنها مقلوبة". وضعفه غيره أيضاً... إلى أن قال بعد دراسة لهذا الحديث وتصحيحه بالمتابع : وإذا عرفت هذا المتابع؛ فلعله به يزول الاستغراب الذي سبق ذكره؛ فإن الفروي الذي ضعفه ابن حبان يحتمل أن يكون عنده من أولئك الضعفاء الذين يقول فيهم : "لا يحتج به إلا فيما وافق فيه الثقات ". فإن إخراجه لحديثه هذا في "صحيحه " يشير إلى هذا، وإلا؛ كان متناقضاً، وهذا غير لازم ما أمكن التوجيه الحسن، كما هو معروف عند أهل العلم من باب: (التمس لأخيك عذراً) . والله أعلم. وهذا كلام ابن حبان في المجروحين (2/45)( 578) - عبد الله بن عِيسَى الْفَروِي أَبُو عَلْقَمَة الْأَصَم من أهل الْمَدِينَةِ يروي عَن بن نَافِع ومطرف بن عبد الله بن الْأَصَم الْعَجَائِب ويقلب على الثِّقَات الْأَخْبَار رَوَى عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : ((سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتَسْلَمُوا)). وقد خولف في إسناده؛ فقد أخرجه أبو بكر الشافعي في "الفوائد" (2/ 8/2 و9/1)من طريقين آخرين، عن أبي إسحاق به موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه. وكذلك أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (3/ 21/ 2) من طريق المسعودي؛ عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: ... فذكره موقوفاً عليه. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (8/205)( 3727). قلت : والهيثمي في المجمع (4777)وقال : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. لكنه ورد بلفظ : ((سيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة )) دون ذكر لذي الحجة فيه بأسانيد صحيحة موقوفا على ابن مسعود . أخرجه ابن أبى شيبة (1/477، رقم 5509) بسند صحيح ، وعبد الرزاق (4/307، رقم 7894) ، والبيهقى فى شعب الإيمان (3/314، رقم 3638) . 2 – الحديث الثاني في فضل العشر : (( مَنْ صَامَ الْعَشْرَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَوْمُ شَهْرٍ وَلَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ سَنَةٌ وَلَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ سَنَتَانِ)). رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا وَلا يَصِحُّ وَفِي إِسْنَادِهِ: الْكَلْبِيُّ كَذَّابٌ وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ . وَرَوَاهُ ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَارِيخِهِ من حديث جابر وهو من طريق الحسين بن موسى بن عمران (وفيه نظر) عن عامر ابن سيار (فيه ضعف) عن محمد بن عبد الملك (هو الأنصاري المدني: كذاب وضاع).الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة(1/96)لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني ، تحقيق عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني .والموضوعات (2/198) لابن الجوزي وقال بعده : وَهَذَا حَدِيث لَا يَصح. قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: الكلبي كَذَّاب. وَقَالَ ابْن حِبَّانَ:وضوح الْكَذِب فِيهِ أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى وَصفه. قلت: الكلبي، وهو محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر، قال فيه ابن حجر في "تقرب التهذيب (1/479) متهم بالكذب ورمي بالرفض، من السادسة، مات سنة ست وأربعين أي ومائة. قال البخاري في كتابه الضعفاء الصغير(1/121)(337)محمد بن السائب أبو النضر الكلبي، تركه يحيى بن سعيد، وابن مهدي. حدثنا علي ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك فهو كذب، وروى محمد بن إسحاق، عن أبي النصر، وهو الكلبي.وقال النسائي في المجروحين (1/90) متروك الحديث . فقد اتفق العلماء على تركه واتهامه بالكذب ،انظر التهذيب للحافظ ابن حجر (9/178-181) . 3 - حديث: "مَنْ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ: فَقَدْ خَتَمَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَافْتَتَحَ السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ بِصَوْمٍ جَعَلَهُ اللَّهُ كَفَّارَةَ خَمْسِينَ سَنَةً". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا ، وفيه كذابان. وهو في المعيار (1/606) ح1004) والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة .المؤلف: محمد بن علي بن محمد الشوكاني . تحقيق عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني. وعلته أَحْمد بن عبد الله الْهَرَوِي حَدَّثَنَا قُطْبُ بْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ فَقَدْ خَتَمَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةِ وَافْتَتَحَ السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ بِصَوْمٍ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةَ خَمْسِينَ سَنَةً ". والْهَرَوِيُ هُوَ الجويباري ، ووَهْب، كِلَاهُمَا كَذَّاب وَضاع. اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة.عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي .تحقيق أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة . وتذكرة الموضوعات(1/118)لمحمد طاهر بن علي الصديقي الهندي الفَتَّنِي . والكامل في ضعفاء الرجال(1/292)لابن عدي الجرجاني (المتوفى: 365هـ) تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-علي محمد معوض . قال حبان في المجروحين (1/142) 68 - أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ بْن خَالِد بْن مُوسَى بْن فَارس بْن مرداس بْن نهيك التَّيْمِي الْعَبْسِي أَبُو عَلَي الجويباري من أهل هراة دجال من الدجاجلة كَذَّاب يرْوى عَن بن عُيَيْنَة ووكيع وَأبي ضَمرَة وَغَيرهم من ثِقَات أَصْحَاب الْحَدِيث وَيَضَع عَلَيْهِم مَا لَمْ يحدثوا . وَقَدْ روى عَن هَؤُلاءِ الْأَئِمَّة أُلُوف حَدِيث مَا حدثوا بِشَيْء مِنْهَا كَانَ يَضَعهَا عَلَيْهِم لَا يحل ذكرهم فِي الْكتب إِلَّا عَلَى سَبِيل الْجرْح فِيهِ ، وَلَو لا أَن أَحْدَاث أَصْحَاب الرَّأْي بِهَذِهِ النَّاحِيَة خَفِي عَلَيْهِم شَأْنه لَمْ أذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب لشهرته عِنْدَ أَصْحَاب الْحَدِيث قاطبة بِالْوَضْعِ عَلَى الثِّقَات مَا لَمْ يحدثوا ، رَوَى عَنْ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن بن طَاوس عَن أَبِيه عَن بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(( الإِيمَانُ قَوْلٌ وَالْعَمَلُ شَرَائِعُهُ لَا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ)). وقال أبو نعيم في كتابه الضعفاء (1/65) الْوَاضِع على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير حَدِيث سَاقِط مَتْرُوك .وقال النَّسَائي والدارقطني: كذاب. وقال ابن حبان في كتابه المجروحين (2/43) 574 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ النَّسَوِيُّ شيخ دجال يضع الْحَدِيث عَلَى الثِّقَات وَيلْزق الموضوعات بالضعفاء يروي عَن يزِيد بن هَارُون وَأهل الْعرَاق لَا يحل ذكره فِي الْكتب بحيلة إِلَّا على سَبِيل الْجرْح فِيهِ، وَهَذَا شيخ لَيْسَ يعرفهُ كل إِنْسَان إِلَّا من تتبع حَدِيثه ، وَلم يكن لنا همة فِي رحلتنا إِلَّا تتبع الضُّعَفَاء ، والتنقير عَن أنبائهم وَكِتَابَة حَدِيثهمْ للمعرفة والسبر.. رَوَى هَذَا الشَّيْخُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ضَيْفًا بَعَثَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ صَبَاحًا طَيْرًا أَبْيَضَ )) ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا فِي وَرَقَتَيْنِ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِنَسَا قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ النَّسَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي أَشْيَاءَ كَتَبْنَاهَا عَنْهُ عَنِ الثِّقَاتِ كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ تَتَبَّعْتُ حَدِيثَهُ فَكَأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْبَارِيِّ وَاتَّفَقَا عَلَى وَضْعِ الْحَدِيثِ فَقل حَدِيث رأيته لِلْجُوَيْبَارِيِّ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا إِلَّا وَرَأَيْتُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ هَذَا بِعَيْنِهِ كَأَنَّهُمَا مُتَشَارِكَانِ فِيهِ. وقال أبو نعيم الأصبهاني (5/35): روى، عَنِ ابن وهب ويزيد بن هارون المناكير، لا شيء. 4 - وحديث : (من صلى يوم عرفة بين الظهر والعصر أربع ركعات ، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة ، وقل هو الله أحد خمسين مرة ، كتب الله له ألف ؛ ألف حسنة ....إلخ ذكره عبد الحي اللكنوي في كتابه الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (1/87): صَلَاة يَوْمَ عَرَفَةَ فقال : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( مَنْ صَلَّى يَوْمَ عَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسِينَ مَرَّةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَرُفِعَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ بَين كل دَرَجَتَيْنِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ وَيُزَوِّجُهُ اللَّهُ بِكُلِّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ حَوْرَاءً مَعَ كُلِّ حَوْرَاءٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَائِدَةٍ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ خُضْرٍ بَرَدُهُ الثَّلْجُ وَحَلاوَتُهُ حلاوة الْعَسَل وريحه ريح الْمِسْكِ لَمْ تَمَسَّهُ نَارٌ وَلا حَدِيدٌ تَجِدُ لآخِرِهِ طَعَامًا كَمَا تَجِدُ لأَوَّلِهِ ثُمَّ يَأْتِيهِمْ طَيْرٌ جنَاحَاهُ مِنْ يَاقُوتَتَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وَمُنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ لَذِيذٍ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِمِثْلِهِ مَرْحَبًا بِأَهْلِ عَرَفَةَ وَيَسْقُطُ ذَلِكَ الطَّيْرِ فِي صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ فَيَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ كُلِّ مِنْ أَجْنِحَتِهِ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَنْتَفِضُ فَيَطِيرُ فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَضَاءَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنَ نُورٌ حَتَّى يَرَى الطَّائِفِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ مِمَّا يَرَى مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ (( في كتابه الموضوعات (2/132)) بِسَنَدِهِ عَنِ النَّهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ عَنْ قَتَادَة عَن سعيد ابْن الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - t- وَقَالَ مَوْضُوعٌ ، فِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجَاهِيلُ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: النهاس لَا يساوى شَيْئًا. وَقَالَ ابْن حِبَّانَ: كَانَ يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.، انْتَهَى. قال اللكنوي : وَأَقَرَّهُ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ عِرَاقٍ وَغَيْرُهُمَا. . هذا كلام ابن حبان في كتابه المجروحين (3:56) ترجمة رقم (1119) بتمامه : النهاس بن قهم كنيته أَبُو الْخطاب من أهل الْبَصْرَة من بني قيس يروي عَن عَطاء وَقَتَادَة روى عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ كَانَ مِمَّن يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير وَيُخَالف الثِّقَات فِي الرِّوَايَات لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . أخبرنَا مَكْحُول قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن خرزاذ قَالَ سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ عَنْهُ يَعْنِي عَنِ النَّهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ فَقَالَ ضَعِيفٌ . وقال يَحْيَى بْنُ مَعِين : نهاس بْن قهم ضعيف الحديث كَانَ يقص وليس بشَيْءٍ. الكامل في الضعفاء (8/326). يتبع - إن شاء الله - ...
  14. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فقد قرأت حديثا عظيما يتوعد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالويل الذين يستمعون القول الحق ، فلا يتبعون أحسنه ، الذين يعلمون أنه الحق ، ولا يعونه ولا يعملون به ، بل يهملوه إما تكبرا وعنادا ، وإما تعصبا وتقليدا، وإما غلوا وتقديسا في ما هم عليه ، أو في مشايخهم ، وما أكثر هؤلاء في زمننا الذين اتصفوا بصفات شر الدواب عند الله .. قال تعالى :{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)}الأنفال . قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - في تلبيس الجهمية (8/227): (وهذا كله ذم لمن سمع الكلام ولم يفهم معناه ولم يفهمه ، وإنما يستحق الذم إذا كان الكلام مما يمكن فهمه وفقهه ، وما لا يكون كذلك لم يستحق به الذم . وقال الله فيمن لم يفهمها ويتدبرها: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] ، فذمهم على أنهم لا يفهمون، ولو فهموا لم يعملوا بعلمهم. سجود التلاوة معانيه وأحكامه (1/37) ت : فواز أحمد زمرلي. قلت : الحق الذي أرسل الله به رسله عليه نور، وهو مما لا يخفى ويلتبس على من أراد الله به خيرا فتعلم وعلم وتفقه وفقه ؛ بل لا يخفى على كثير من الكفار والمشركين ، ولذلك قال الله تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ }(6) التوبة . ولكن ما أراد الله بهم خيرا لذلك لا يسمعهم الحق الذي كله خير . فكذلك أقماع القول أهل الأهواء الذين في قلوبهم زيغ ومرض الشبهات ، وهؤلاء هم الذين لا يريدون سماع الحق ، أو يسمعون الحجة والدليل أنصع من ضوء النهار ، ولا يريدون فهمه على وجه الحق ، ويقولون نحن نسمع للحق ، وفي الحقيقة هم لا يسمعون فإعراضهم عنه ، وواقعهم يشهد بذلك ، وخاصة عند الفتن والخصومة الحزبية والطائفية والتعصب الذميم ، لذلك شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بأقماع القول ؛ المصرين على ما هم عليه من العناد ، وعدم الاستجابة لله ورسوله لما يحييهم ..فهم كالذين قال الله فيهم :{ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ }(21)الأنفال . وفي هذه السورة الفاضحة لهؤلاء من الآية (20 - 24 ) افتتح الله تعالى هذه الآيات بقوله عز وجل :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }(20). هذا نداء رباني للمؤمنين فيه الأمر المطلق بطاعة الله ورسوله ، والنهي المطلق عن التولي عما يأمر به وينهى عنه بعدم السماع والاتعاظ بما يؤمر به ، والاجتناب عما ينهي عنه .. ثم ختمها بقوله جل وعز :{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ..} وفي إعادة النداء للذين آمنوا والأمر بالاستجابة لله ورسوله هو تكرار لما تضمنته الآية السابقة : :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } وتوكيد للطاعة المطلقة والاستجابة الفورية دون تردد لكل أمر ونهي منه سبحانه ، فمن لم يفعل كان كشر الدواب الذين لا خير فيهم لأنهم يسمعون الحق وكأنهم ما سمعوه . ولا رفعوا به رأسا . وقد رتب الله سبحانه في الآية الأخيرة ثمرة السمع والطاعة والاستجابة لله ورسوله فيما أمر وما نهى عنه وزجر بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، وكفى بها طيبة ، وليس فوقها ولا أفضل منها؛ لأن الله هو من وصفها بأنها طيبة .. وفي الآيات التي بينهما حذر المؤمنين أن يكونوا أقماع القول يسمعون الحق بأذن فيدخل منها ليخرج من الأذن الأخرى كأنهم ما سمعوه ، مصرين على عدم الطاعة وعدم الاستجابة للحق الذي دعاهم إليه . ففي صحيح الأدب المفرد (293/380) (صحيح) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ارْحَمُوا تُرحموا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، ويلٌ لِأَقْمَاعِ القولِ وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ؛ الَّذِينَ يُصرّون عَلَى مَا فَعَلُوا وهم يعلمون)). السلسلة الصحيحة (482)وصحيح الجامع (874)(وصحيح الترغيب والترهيب (2257). وقوله : (الأقماع) بفتح الهمزة جمع (قمع) بكسر القاف وفتح الميم وتسكن: الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع. شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازا كما يمر الشراب في القمع. كذلك قال الزمخشري : من المجاز " ويل لأقماع القول " وهم الذين يستمعون ولا يعون. وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (1/197): وأقماع القول: الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/128): وَالْأَقْمَاعُ جَمْعُ قِمْعٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا كَنِطْعٍ وَنِطَعٍ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يَنْزِلُ فِي رُءُوسِ الظُّرُوفِ لِتُمْلَأَ بِالْمَائِعَاتِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْهَانِ. شَبَّهَ أَسْمَاعَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْقَوْلَ ( الحق ) وَلَا يَعُونَهُ وَيَحْفَظُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ بِالْأَقْمَاعِ الَّتِي لَا تَعِي شَيْئًا مِمَّا يُفَرَّغُ فِيهَا فَكَأَنَّهُ يَمُرُّ عَلَيْهَا مُجْتَازًا كَمَا يَمُرُّ الشَّرَابُ فِي الْأَقْمَاعِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ (4/109): وفي رواية ((ويْلٌ لأَقْماع الآذانِ)) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ الْأَقْمَاعُ الَّذِينَ إذَا أَكَلُوا لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا جَمَعُوا لَمْ يَسْتَغْنُوا» أَيْ كَانَ مَا يَأْكُلُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ يَمُرُّ بِهِمْ مُجْتَازًا غَيْرَ ثَابِتٍ فِيهِمْ وَلَا بَاقٍ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِمْ أَهْلَ الْبَطَالَاتِ الَّذِينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إلَّا فِي تَرْجِئَةِ الْأَيَّامِ بِالْبَاطِلِ، فَلَا هُمْ فِي عَمَلِ الدُّنْيَا وَلَا عَمَلِ الْآخِرَةِ. قلت : والحديث أخرجه تمام في جزء من حديثه عن علي". ذكره أبو حامد في إحياء علوم الدين قال ابن السبكي: (6/ 346) لم أجد له إسناداً. وبعد دخلوهم النّار يقمعون بمقامع من حديد ، وذلك في قَولُه تَباركَ وتَعالى: { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } (الحج: 21 -22): أي آلات يُقمَعُون بها ويُضرَبون. وقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }(20) الأنفال . قال أبو جعفر(13/457- 458): يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (أطيعوا الله ورسوله) ، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه (ولا تولوا عنه) ، يقول: ولا تدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفين أمره ونهيه "وأنتم تسمعون" أمرَه إياكم ونهيه، وأنتم به مؤمنون . 15852- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا وأنتم تسمعون) ، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه. والقول في تأويل قوله تعالى : {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) } قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم، بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – مجموع الفتاوى (10/16):وقوله تعالى :{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} فَقَوْلُهُ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} لَمْ يُرِدْ بِهِ مُجَرَّدَ إسْمَاعِ الصَّوْتِ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدِهِمَا : أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ إلَّا بِهِ. كَمَا قَالَ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}، وَقَالَ {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ... وَالثَّانِي : أَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَكَفَرُوا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ إسْمَاعِ الْفِقْهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللَّهُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ وَهَذَا نَظِيرُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ}. وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّمَاعُ الَّذِي يَفْقَهُ مَعَهُ الْقَوْلَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا ؛ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا ، وَأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَوْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ وَيُفَقِّهَهُ ؛ إذْ الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ ؛ فَالْأَوَّلُ مُسْتَلْزِمٌ لِلثَّانِي ، وَالصِّيغَةُ عَامَّةٌ فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا ، وَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ اللَّازِمُ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} بَيَّنَ أَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ لِلثَّانِي شَرْطًا نَحْوِيًّا ، وَهُوَ مَلْزُومٌ وَسَبَبٌ ؛ فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَسْمَعَهُ هَذَا الْإِسْمَاعَ ؛ فَمَنْ لَمْ يُسْمِعْهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، فَتَدَبَّرْ كَيْفَ وَجَبَ هَذَا السَّمَاعُ ، وَهَذَا الْفِقْهُ ، وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ( أي يأخذون ) بِسَمَاعِ لَا فِقْهَ مَعَهُ أَوْ فِقْهٍ لَا سَمَاعَ مَعَهُ أَعْنِي هَذَا السَّمَاعَ.. وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ وَفَقِهَ يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ؛ بَلْ قَدْ يَفْقَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرًا .. وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إسْمَاعَ التَّفْهِيمِ إنَّمَا يُطْلَبُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يُطْلَبُ تَفْهِيمُهُ. و " الصِّنْفُ الثَّالِثُ " مَنْ سَمِعَ الْكَلَامَ وَفَقِهَهُ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يُطِعْ أَمْرَهُ: كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا}. وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} إلَى قَوْلِهِ : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ} أَيْ تِلَاوَةً. إلى أن قال : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فَهِيَ (أي القلوب ) وَإِنْ سَمِعَتْ الْخِطَابَ وَفَقِهَتْهُ لَا تَقْبَلُهُ وَلَا تُؤْمِنُ بِهِ لَا تَصْدِيقًا لَهُ وَلَا طَاعَةً وَإِنْ عَرَفُوهُ كَمَا قَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}... إلى أن قال : وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ وَفَقِهَ كَلَامَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُ بِالْإِقْرَارِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا .انتهى . فإياك أن تكون منهم فتكون من أقماع القول لا تريد أن تسمع قول ورثة الأنبياء فيما يبلغوك عن الله ورسوله فهم اعلم النّاس به ؛ أو تسمع ولا تريد أن تفهم ، أو تريد أن تفهم، وإذا فهمت أعرضت ولم تقبل ولم تعمل فيحال بينك وبين قلبك . وهذا أمر فظيع أن يحول الله بينك وبين قلبك فتكون من أهل الأهواء والبدع الذين هم أحط وأشر من شر الدواب . هم وقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }(24). قال أبو جعفر (13/465): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وقال القرطبي (7/389) وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية . قال الخازن (2/303): يعني أجيبوهما بالطاعة والانقياد لأمرهما إِذا دَعاكُمْ يعني الرسول صلى الله عليه وسلم. وإنما وجد الضمير في قوله تعالى: " إذا دعاكم " لأن استجابة الرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى ، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، واستدل أكثر الفقهاء بهذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن كل من أمره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعل فقد دعاه إليه ، وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه . وقال السعدي (1/318): يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وعظيم حكمته ، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. قال ابن القيم رحمه الله – في كتابه الفوائد (1/132): وقوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }(24). فَأَمرهمْ بالاستجابة لَهُ وَلِرَسُولِهِ حِين يَدعُوهُم إِلَى مَا فِيهِ حياتهم ثمَّ حذّرهم من التَّخَلُّف والتأخر عَن الاستجابة الَّذِي يكون سَببا لِأَن يحول بَينهم وَبَين قُلُوبهم قَالَ تَعَالَى :{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقين}... إلى أن قال : وَقَالَ تَعَالَى فِي حقّهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وآتاهم تقواهم}.. وقال في زاد المعاد (3/502): وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِنْ إِرَادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إِذَا دَعَاهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجَابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] . وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]. وَقَالَ تَعَالَى : {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، وَقَالَ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ . وقال - رحمه الله – : الدَّلِيلُ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَدَعْوَتُهُ نَوْعَانِ: مُوَاجَهَةٌ ، وَنَوْعٌ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَتَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ حَيَاتَهُ فِي تِلْكَ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا ، وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا مَا ، أَوْ يُجِيبَهُ بِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا ، أَوْ يَتَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا؛ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَاقَبَهُ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ. قلت : قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. إن الاستجابة لإصلاح ذات البين ، والإصلاح بين النّاس يكمن في إصلاح النّفس بالاستجابة لله تعالى ولسنة رسوله ، ثم السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر بيان السنة وللحث على لزوم الجماعة ، وفي ذلك الحياة الطيبة ، التي لا شيء وأفضل منها ولا أطيب .. وذلك خير من الهم والغم الذي في الفرقة والتنازع والاختلاف . وقال ابن القيم – رحمه الله- : الدَّلِيلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ مُخَالِفٍ بَلَغَهُ أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا بَلَغَهُ لَمْ يُفِدْهُ عِلْمًا لَمَا كَانَ مُتَعَرِّضًا بِمُخَالَفَةِ مَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا لِلْفِتْنَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا لِمُخَالِفِ أَمْرِهِ عُذْرٌ. مختصر الصواعق المرسلة (1/581). وليس من شك أن مخالفة أمر ورثة الأنبياء وولاة الأمر من أعظم المخالفات التي ينبغي أن يحذر منها اللبيب العاقل الذي يريد النجاة من عذاب النّار ، فإذا كان هذا في نفسه فكيف بمن كان سببا في مخالفات كثيرة للسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أعظمها أن تؤتى السنة وتفرق الجماعة من قبله ؟؟!!. فاحذر أخي ؛ أيها العاقل اللبيب أن تكون من أقماع القول الذين إذا جاءهم الحق وكان عليهم أعرضوا عنهم وأهملوه ولو يعوه ، فتصيبك فتنة أو عذاب أليم ، وتكون من شر الدواب عند الله ...أو يحيل الله بينك وبين قلبك ، فيطبع عليه وذلك منتهى العقوبة والحرمان .. واعلم أن الوعيد بالويل ليس أمرا هينا ؛ بل هو أمر عظيم فالويل : هُوَ الدُّعَاء بالشدة والهلاك. وقيل : هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم، يسيل فِيهِ صديد أهل النَّار. وكلاهما أمر فظيع ؛ وعقاب شنيع تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، وتلين قلوبهم للحق والخضوع له .. والعجب كل العجب في هذا الزمان الذي كثر فيه هذا النوع من النّاس (( أقماع القول ))، الذين لهم حظ وافر من التشبه باليهود الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، فلا تكن أنت (وأنت السلفي) الذي يعظم الأمر والنهي ويوقر العلماء الأكابر من الذين يسمعون القول الحق ويعلمونه ولا يرفعون به رأسا ؛ بل منهم من لا يكتفي بذلك حتى يهون من شأن الحق (1) الذي سمعه أو بلغه ويرده ويؤوله على غير وجهه انتصارا لحزبه وطائفته ، أو اتباعا لزيغه ومرض قلبه نعوذ بالله من ذلك .. فكم من مواعظ ومحاضرات ودروس ألقيت على أقماع القول ، فدخلت من أذن ، وخرجت من الأخرى ، وأكنهم ما سمعوها ، أو أنهم سمعوها وفقهوا معناها ومع ذلك لم تظهر ثمار ذلك عليهم لأنهم أقماع لا يسمعون وإذا سمعوا لا يفهمون وإذا تفهموا لا يقبلون ، ولا يهتمون ولا يرفعون بذلك رأسا .. بل يصرون على ما هم عليه من تعصب ، وإعراض لا لشيء إلا أن الحق ظهر على أيدي غيرهم . وأخيرا أخي تأمل معي هذه الآيات ، قال تعالى :{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }(54)لحج . وقال تعالى :{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }(213) البقرة . وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ، وَيَقُولُ: " اللهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفْتُ فِيهِ مَنِ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " . أخرجه الخمسة مسلم (770) (200) ، وأبو داود (767) ، والترمذي (3420) ، والنسمائي فىِ "المجتبى(3/212-213)، وفي "السنن الكبرى" (1322) ، وابن ماجه (1357). صحيح أبي داود (743). اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنباه واجعلنا وإخواننا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأهدنا يا ربنا بإذنك إلى صراطك المستقيم .. برحمتك يا أرحم الراحمين .
  15. أبو بكر يوسف لعويسي

    منزلة إصلاح ذات البين في الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم جزى الله خيرا فضيلة لشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي على ما تبذله من جهود للإصلاح بين السلفيين فما علمناك إلا مجاهدا بحق داعيا إلى الألفة بين أهل السنة فأسأل الله تعالى أن يبارك في جهودكم ، وأن يكتب لكم ما أعده الله لمن يعمل ذلك ابتغاء مرضاة الله ، وأن يرفع ذكركم في عليين وأن يختم لنا ولكم بالحسنى . وللتذكير في فضل الإصلاح بين الناس: قال القرطبي رحمه الله: تفسير القرطبي (ج 5/385 ): وقوله تعالى : { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (114) سورة النساء }. قال البغوي وقوله تعالى :{ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ }وبسنده عن أم الدرداء - رضي الله عنها- عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - r- : << ألا أخبرُكم بأفضلَ من درجة الصيام والصدقة والصلاة >> قال: قلنا بلى، قال: << إصلاحُ ذاتِ البين. وفساد ذات البين هي الحالقة >> .(1) . وقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبَ رِضَاهُ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ، فِي الْآخِرَةِ، أَجْراً عَظِيماً . تفسير البغوي (1/:701) وبوب البخاري رحمه الله . باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم . وبسنده إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله e :<<كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة >> . قال ابن المنير : ترجم على الإصلاح والعدل ولم يورد في هذا الحديث إلا العدل ، ولكن لما خاطب الناس كلهم بالعدل وقد علم أن فيهم الحكام وغيرهم كان عدل الحاكم إذا حكم ، وعدل غيره إذا أصلح . وقال الحافظ ابن حجر : وقال غيره : الإصلاح نوع من العدل ، فعطف العدل عليه من عطف العام على الخاص . فتح الباري (ج13 / 69). وَمِنْهَا: أَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ الْبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَهْمَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ - r-: << أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ >>. صحيح لغيره أنظر الصحيحة (2639)وصحيح الترغيب والترهيب (2817). َفِي الْحَدِيثِ: << لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خَيْرًا >> وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّ تَرْكَ الْكَذِبِ وَاجِبٌ، وَلَا يَسْقُطُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِوَاجِبٍ آكَدَ مِنْهُ. المهم أيها الأحبة أن الإصلاح كله خير ، والساعي في الإصلاح بين الناس ، أفضل من القانت بالصلاة ، والصيام ، والصدقة ، قال رسول الله - r- :<< ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة ، والصيام والصدقة ؟قالوا: بلى . قال: إصلاح ذات البين . قال : وفساد ذات البين هي الحالقة >> .رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وهو في صحيح الترمذي [ح 2037] . بل إن الإصلاح بين الناس في الخصومات أي كانت دينية أو دنيوية هي مما يرضاه الله ورسوله ، فكيف إذا كان بين طائفتين مؤمنتين سنيتين سلفيتين فإنه يحصل الخير الكثير بالصلح بينهما فلا شك أن هذا من الأعمال التي يحبها الله ورسوله ويرضاها الله ورسوله ، ألا تحبون ما يحبه الله ورسوله ؟؟ عن أبي أيوب - رضي الله عنه- قال : قال لي رسول الله - r- :<< يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى عَمِلٍ يَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؟>>.قَالَ : بَلَى. قَالَ:<< تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَارِبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا >>.(2) الهامش : --------------- 1 - أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (118)، وأبو داود في الأدب، باب في إصلاح ذات البين: (7 / 25) والترمذي في صفة القيامة، باب سوء ذات البين: ( 7/212 ) وقال: هذا حديث صحيح ، وأحمد في المسند:(6 / 444 ، 445) والمصنف في شرح السنة :( 13 / 116). 2 - قال الشيخ الألباني - رحمه الله - في صحيح الترغيب والترهيب (3/46)(2820 ) ( حسن لغيره ).وهو في السلسلة الصحيحة برقم (2644)بلفظ آخر .
  16. تتمة للشرح : توقفنا في الدرس الماضي عند فرائض الصوم فقلت : أما بقية فرائضه وهي: الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ، وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى . 1 - 2 - الإمساك عن الطعام والشراب والجماع .. دليله قوله تعالى :{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ...}(187) البقرة . ففي الآية حلية الرفث وهو الجماع ليلة الصيام والأكل والشرب ، وهذا يفهم منه أن نهار الصيام يحرم الجماع وعليه إجماع العلماء لا يعرف من خالف في ذلك . قال البغوي في تفسيره (1/206) قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ.. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثُ فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ.انتهى . ثم بين حد إباحة ذلك وحليته فقال :{.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..}. قال القرطبي (2/314)المسألة: الأولى- قوله تعالى:{ أحل لكم}" لفظ" أحل" يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ. وروى البخاري عن البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس ابن صرمة الأنصاري كان صائما- وفي رواية: كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما- فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية:" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت:" وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر". وفي البخاري أيضا عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى:" علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم". يقال: خان واختان بمعنى من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم. ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب. وقال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شي فلا يؤدي الأمانة فيه. قال بن كثير (1/510): هَذِهِ رُخْصة مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ، ورَفْع لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُهُمْ إِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَتَى نَامَ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ. فَوَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَشَقة كَبِيرَةً. وَالرَّفَثُ هُنَا هُوَ: الْجِمَاعُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَمْرو بْنُ دِينَارٍ وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَالسُّدِّيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. قال ابن القيم في التفسير القيم (1/147): والتحقيق أن يقال: لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر، حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة. ولا يباشروهن بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويبتغون ما أباح لهم من الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه. فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته. فقد كانت ليلي الصيام في أول الأمر محرم فيها الجماع والأكل والشرب إذا صلى العشاء الصائم أو نام قبل أن يفطر ، وقد كان بعض الصحابة يختانون أنفسهم في تلك الليالي ، فتاب الله عليهم وعفا عنهم وخفف عنهم ورخص لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الصادق حيث يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من الفجر ، أي يظهر بياض النهار من سواد الليل فيحرم عليهم بعدها ذلك ويبتدئ وقت الصيام . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقت ابتداء الصوم وهو من طلوع الفجر الصادق فقال : « الفجر فجران: فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام» صحيح الجامع (4279 ) وقال :(صحيح) [ك هق] عن ابن عباس. الصحيحة (693). عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْفَجْرُ فَجْرَانِ فَأَمَّا الْفَجْرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ فَلَا يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ، وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ)) سنن الدارقطني (1053) أنظر الصحيحة (2002)صحيح الجامع (4278). فالإمساك متعلق بطلوع الفجر الصادق ، فهو الذي يحرم الأكل على الصائم ويحل الصلاة ، ولا ينبغي تقديم الإمساك عن ذلك الوقت عملا بالاحتياط فهذا من البدعة المحدثة التي أحدث منذ قرون بعيد كما أفاده الحافظ ابن حجر رحمه الله . وقد كتبت في ذلك مقالا ونشرته فراجعه غير مأمور إن أردت زيادة الفائدة . تنبيه : فواقع المؤذنين اليوم أنهم في أغلب بلاد العالم الإسلامي يقدمون الآذان عن وقته عملا ببدعة الاحتياط ، فيوقعون الأمة في شر ، ومع تقديم الآذان فإن كثيرا من النّاس ؛ بل جمهور المسلمين يقدمون السحور إلى ما قبل الفجر الكاذب بوقت يزيد عن الساعة وأفضلهم الذي يؤخره إلى الآذان الأول الذي يؤذن بليل وقبل الفجر الكاذب فزاد على بدعة الاحتياط السحور تأخير على تأخير .. فرع : حكم من أخر السحور إلى الآذان الثاني ؛ فأذن المؤذن وهو يأكل ،فهل يتوقف عن الأكل مباشرة ويلفظ ما في فيه أم يتوقف عن الأكل ويبلع ما في فيه أو يواصل الأكل حتى يؤخذ نهمته منه ؟؟ إذا كان المؤذن يؤذن للفجر الصادق فعلى الصائم الذي يسمع النداء أن يتوقف عن الأكل ، وما في فيه لا يلفظه بل يأكله .. أما إذا كان المؤذن لا يؤذن للفجر الصادق بل يعمل بالاحتياط ويؤذن قبل ذلك فهذا لا يتوقف عن الأكل حتى يؤخذ حاجته منه . وكذلك إذا أقيمت الصلاة وكان الإناء في يد الصائم فله أن يأخذ منه ظمأه ولا يتركه . عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه )). وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : " أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالْإنَاءُ فِي يَدِ عُمَرَ - رضي الله عنه - فَقَالَ: أَشْرَبُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ ، قَالَ: " نَعَمْ " ، فَشَرِبَهَا. أنظر الصحيحة (1394). فرع : في حكم من أكل أو شرب يظن أنه الفجر الكاذب أو أن الفجر الصادق الذي يحرم عليه الطعام مازال وقته لما انتهى من أكله تبين أن الفجر الصادق طلع؟؟ فهذا لا شيء عليه وصيامه صحيح ، وحكمه أيضا من جامع أهله ، ولكن بشرط أن يكون بذل جهده وسعى في معرفة الوقت ، أما من فرط وتهاون ولم يكلف نفسه شيئا من جهد فهذا عليه قضاء يوم ولا كفارة عليه لأنه في محل شبهة ، وظن ، ولم يتقن طلوع الفجر الصادق ، وهو غير قاصد للأكل فيوقت الصيام بل قاصد تأخير السحور إلى ذلك الوقت فأخطأه . وقال بعض فقهاء المذاهب عليه الكفارة ..وهو غير متجه . 3 - وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ .. دليله قوله تعالى :{.. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ..} ومن السنة ما في البخاري 1954 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ومسلم (1100). فقوله :{ .. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ..} بعد قوله :{.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..}. بيان وتحديد لطرفي النّهار الذي يجب على من يريد الصيام أن يستغرق فيه صيامه مع قوله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» البخاري (622) وفيه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ بِلاَلًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ» البخاري (1918) ومسلم (1092).فهذا في الابتداء والذي بعده في الانتهاء للوقت المحدد صيامه شرعا فلا عبرة بمن يؤخر لإفطار بعد غروب الشمس ، احتياطا وبعضهم حتى تظهر النجمة الأولى في السماء وهذا فعل اليهود وليس هو من شريعة المسلمين إذ شرع لهم التعجيل بالإفطار والتأخير بالسحور ، وفي ذلك حكم كثيرة وأعظمها ديمومة لأمة في الخيرية . وقوله : (( إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ )) ومسلم (1100). وشروط الصيام سبعة هي : 1 - الإسلام ، 2 - العقل ، 3 - الطهر من الحيض والنفاس، 4 - الإمساك عن المفطرات ، 5 - القدرة على الصوم ، 6 - البلوغ ، 7 – والإقامة .. وهذا ما نعرفه في الدرس القدم بإذن الله ...
  17. استحضر في قلبك الآن أحبَّ الناس إليك، وقد غاب عنك أحد عشر شهرًا وهَبْ أنك بُشِّرتَ بقدومه وعودته خلال أيام قلائل ... كيف تكون فرحتك بقدومه واستبشارك بقربه وبشاشتك للقائه؟ فقد أظلكم شهر مبارك كريم..نعم الضيف ونعم الهدية من الرحمن الرحيم ونعم الاستجابة من القلب السليم .. ونعم التعظيم للعلي العظيم . تراك لو علمت بمقدم ضيف عزيز.. كيف سيكون استعدادك لاستقباله؟ أحسب أنه على قدر كرمك وعلى جلال منزلة ضيفك سيكون عظيم استعدادك وتجهيزك وتفرغك وتهيئك
  18. بسم الله الرحمن الرحيم متن : قال المصنف – رحمه الله - : ويبيت الصيام في أوله ، وليس عليه البيات في بقيته ويتم الصيام إلى الليل . ----------------- شرح : يشير المصنف - رحمه الله - أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني إلى حكم تبيت النية في الصيام . قال ابن عبد البر في التمهيد (2/38): وَفَرَائِضُ الصَّوْمِ خَمْسٌ وَهِيَ: 1 - الْعِلْمُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ .. 2- وَالنِّيَّةُ .. 3- وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب .. 4- وَالْجِمَاع .. 5- وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ. أولا : العلم بدخول الشهر ، حتى يعبد الله تعالى على علم وبصيرة ، فيعرف من أين يبدأ الصوم ومتى ينتهي ، فهو مكلف بقوله صلى الله عليه وسلم :(( صوموا لرؤيته ..)) لأن الشرع علق ثبوت الحكم بالرؤية البصرية للهلال وهي في متناول كل مكلف خال من العوائق والأعذار التي ترفع عنه التكليف ، فإن رآه وجب في حقه أن يصوم عند مالك ، ويخبر غيره بذلك ، فإن أخبره غيره برؤيته أو سمع إعلان الصيام من ولي الأمر عقد النية م أوله لصيام الشهر كله .. وكذلك ينبغي عليه أن يعرف طلوع الفجر الصادق من الكاذب ، ويعلم متى تكون النية ، وحكمها فيعلم كيف يصحح نيته ، وغير ذلك من فرائض الصيام وشرائطه ، لأن عبادة الله بالجهل هي طريق النصارى الضالين ، وإذا علم ولم يعمل ففيه شبه باليهود المغضوب عليهم . فالعلم مهم وشرط لصحة العمل ...بوب البخاري في صحيحه "باب العلم قبل القول والعمل " ثم استدل لذلك بقوله تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } . قَالَ بن الْمُنِيرِ : أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فَلَا يُعْتَبَرَانِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلنِّيَّةِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَمَلِ .نقله الحافظ ابن حجر في الفتح.. فلابد من العلم لأنه شرط لصحة القول والفعل وذلك في جميع أبواب الدين ، فالعلم إذا أطلق يراد به علم الشرع .قال العمريطي والعلم لفظ للعمومي لم يخص - - للفقه مفهوما بل الفقه أخص وعلمنا معرفة المعلوم - - إن طابقت لوصفه المحتوم .. ولقد امتن الله تعالى علينا بالعلم : فقال :{هو الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون }. قال الحكمي – رحمه الله -: وامتن ربي على كل العباد وكل - - الرسل بالعلم فاذكر أكبر النعم . وقال العلامة السعدي : واعلم أن أفضل المنن - - علم يزيل الشك عنك والدرن . وقال علي رضي الله عنهم : هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل . فالعلم النافع هو الذي يرتبط بالعمل ويعمل به صاحبه ليصح به عمله فيعبد الله على بصيرة من ربه ، فيرقى عمله إلى الإخلاص والصواب . ثانيا : فالنية شرط لصحة الصيام وأشار إلى ذلك بقوله: "ويبيت الصيام في أوله" أي ينوي بقلبه أول ليلة من رمضان بعد غروب الشمس من آخر يوم من شعبان أو بعد رؤيته الهلال ، وقبل طلوع الفجر أو مع طلوعه ، القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض عليه من استغراق طرفي النهار بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع والمحرمات التي كانت محرمة عليه قبل رمضان وتأكد تحريمها بدخوله . فالنية فرض من فرائض الصيام ، وبعضهم يجعلها شرطا لصحة الصوم : قال العلامة السعدي - رحمه الله - : النية شرط لسائر العمل – بها الصلاح والفساد للعمل . والنية تكون شرطا في أول العمل وبدايته أما استمرارها مع العمل فهي ركن من أركان العمل هذا الذي عليه أهل التحقيق . دليله قوله تعالى :{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }(110) الكهف . ففي الآية الكريمة دليل واضح على أن الإخلاص في العمل ينبغي أن يكون مستمرا معه إلى نهايته . وعليه يجب إخلاص النية لله تعالى في أول الصيام ولا يكون ذلك إلا بابتدائها في أول الشهر وعقد العزم على صيامه إلى آخر يوم . ومن السنة : عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) البخاري في عدة أبواب من صحيحه ومسلم . فقوله : إنما الأعمال بالبنيات ، أي من أولها إلى آخرها ، فالنية ينبغي أن تستمر معك في عملك إلى نهيته لله تعالى رب العالمين ، فإن كان أوله لله ، وما بعده لغيره ، فإنه كله لغير الله وبذلك جاءت الآثار . و في الموطأ (641 ) بَابُ مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ : وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول :(( لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر )). أخرجه الشافعي والنسائي والبيهقي من طريق مالك .قال العلامة الألباني صحيح لغيره ، صحيح وضعيف النسائي (2340). وفيه (642): وقال مالك عن ابن شهاب عن عائشة وحفصة زوجي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك . أخرجه النسائي والطحاوي في شرح معاني الآثار، والبيهقي من طريق مالك.انظر صحيح الجامع الصغير (6538)وهي آثار صحيحة في حكم المرفوع . قال ابن عبد البر في الاستذكار ( 3/285) وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الشَّهْرِ. إلا المسافر: ولم يختلف عن مالك وابن الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُبِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ إِلَّا إِنْ بَيَّتَهُ مِنَ اللَّيْلِ . وقول المصنف : "وليس عليه البيات في بقيته ".. "و" بعد أن يبيت الصيام أول ليلة فـ "ليس عليه" وجوبا "البيات في بقيته" أي بقية شهر رمضان .. وعن مالك يجب التبييت كل ليلة وبه قال الإمامان الشافعي وأبو حنيفة لأن أيام الشهر عبادات ينفرد بعضها عن بعض ولا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها كالأكل والشرب والجماع ليلا فصارت الأيام كالصلوات الخمس في اليوم فيجب أن ينفرد صوم كل يوم بنية كما تنفرد كل صلاة بنية . ووجه المذهب قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فتناول هذا الأمر صوما واحدا وهو صوم الشهر وإنما كانت مبيتة لما رواه أصحاب السنن من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) وإنما اغتفر تقديمها في الصوم للمشقة . قال ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ أنه لا يلزم تجديد النية لمن انقطع صومه كالحائض وهو كذلك عند أشهب وغيره.. بقي المريض والمسافر إذا تماديا على الصوم فإنه يجب عليهما النية في كل ليلة لعدم وجوب التتابع في حقهما ، وعند صحة المريض وقدوم المسافر يكفيهما نية لما بقي كالحائض تطهر والصبي يبلغ في أثناء الصوم والكافر يسلم في أثناء الشهر. ثم بين غايته بقوله: "ويتم الصيام إلى الليل" للآية وهي قوله :{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (187)البقرة . ولقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" أي انقضى صومه وتم .انتهى كلامه . والحديث أخرجه البخاري (1954)ومسلم (1100). قلت : وخلاصة الكلام في تبيت النية أنه تجب في أول ليلة من رمضان وتستحب في باقيه ؛ أي في كل ليلة قبل الفجر أو معه ؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) يحتمل في أول ليلة منه ويحتمل في كل ليلة . وبهذا القول يسقط الاحتمال ويجمع بين الخلاف ويصيب السنة فيكون جامعا للنية في كل الشهر على وجه الوجوب في أوله وعلى الاستحباب في كل ليلة . وهنا مسألة أخرى متعلقة بالنية هل هي خاصة بالفرض أم عامة ، والذي عليه جمهور العلماء أنها عامة في كل صوم ، وهو مذهب مالك ،وإن خالف فيه بعض أصحابه وقالوا أنها خاصة بالفرض وهو الصحيح . وهو ما رجحه المحققون من أهل المذهب . وتبيت النية خاص بالفرض غير النفل : قال ابن عبد البر : في الكافي (ص 76-77) والنية محلها القلب ، والتلفظ بها بدعة ، ويجب تخليصها لله تعالى من جميع شوائب الشرك ، فتعقد في قلبك أيها الصائم أن هذا الصوم لله تعالى وحده إيمانا واحتسابا. أما بقية فرائضه وهي الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ، وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى يتبع - إن شاء الله - ..
  19. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد : فهذا بابٌ في الصيام من متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني - رحمه الله - وشرحي عليه سائلا المولى أن ينفع به كل من اطلع عليه وأن يكتب لي أجر نشر العلم وتعليمه إني ربي قريب سميع مجيب . قال ابن أبي زيد القيرواني –رحمه الله - : بابٌ في الصيام . متن : وصوم شهر رمضان فريضة ، يصام لرؤية الهلال ، ويفطر لرؤيته ، كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما فإن غم الهلال فيَعدُ ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام ، وكذلك في الفطر ... -------------------- شرح : في هذا مسائل : الأولى : قوله : باب في الصيام ، أي معناه هذا باب جامع في أحكام الصيام ، وما يتعلق به . كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي ، تحقيق : يوسف الشيخ محمد البقاعي.بتصرف يسير . أقول : وأول تلك المسائل فضائل الصيام والترغيب فيه ، فقد جاء في فضل الصيام عامة ، وفضل رمضان خاصة آيات وأحاديث كثيرة تبين فضله وتحض على فعله تقربا إلى الله تعالى ، وتدل على أن الصيام من أعظم القربات التي يُتقرب بها إلى الله، فمن القرآن قوله تعالى : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } الأحزاب 35. فذكر تعالى في معرض المدح والثناء على هؤلاء أن الصائمين والصائمات ممن أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ، وهذا فيه ترغيب في فضل الصيام وتشويق لأجره العظيم الذي لا يعلمه إلا الله ، أنه المغفرة والأجر العظيم .وإذا استعظم الله شيئا فلا تسأل بعده عن عظمته، ونفس المؤمن تواقة للأمور العظيمة فلا ترضى بالدون . وقوله تعالى : { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }(184) البقرة. ففي الآية الكريمة أن الصيام مع القدرة فيه خير كبير للصائم ، وأي خير من الله يَعِد به الصائمين ، فلا تسأل عن عِظمه وفضله ..لأنه من العظيم . ففي الموطا (324) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. إِنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ، وَطَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي. فَالصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلاَّ الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». أنظر إلى سر عظيم الأجر كيف يملأ نفسك شوقا للتطلع إليه وحرصا على الحصول عليه بالحرص التام على الصيام إيمانا واحتسابا ؛ فليس فقط في رمضان ولكن أن تجعل السنة كلها رمضان .. فالصيام حصن حصين من الشهوات ،ومن النّار وتربية للنفس وترغيبها وحملها على الصبر وتحمل المشاق فالصوم مدرسة وقائية تربوية .. فمن الشهوات ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَنْكِحْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَا فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ)) البخاري (5065-5066)ومسلم (1400) . ومن النّار ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ " (9225)وقال محققه حديث صحيح . والصيام جنّة يستجنّ بها العبد من النّار:(( عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ))أخرجه أحمد(14669) من حديث جابر وعثمان بن أبي العاص y .قال محققه حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن . فقد أخرج مالك في موطئه رقم ( 696) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( الصيام جنّة ، فإذا كان أحدكم صائما ، فلا يرفث ، ولا يجهل ، فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل:إني صائم ، إني صائم )). أخرجه البخاري ( 1894) وأبو داود والنسائي من طريق مالك ، وأخرجه أحمد . وفي عظيم فضله قال r: ((من صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك وجهه عن النار سبعين خريفا >> رواه البخاري (6/35) ومسلم 1153). هذا في صيام يوم واحد فكيف بمن يصوم شهرا إيمانا واحتسابا ، فكيف بمن يصوم الدهر كذلك. ولكن هل أحد يصوم الدهر أو يستطيعه ؟ نعم . كيف ذلك ؟ إذا صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فقد صام الدهر أي العام كله لأن الحسنة بعشر أمثالها.فإذا واظب كل سنة كذلك فهو صائم للدهر وكذلك إذا صام رمضان ، وصام من كل شهر ثلاثة أيام ؛ فهذا صيام الدهر . والصوم يدخل الجنة ، فإذا كان وقاية من النّار فهو يدخل الجنة ؛عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: مُرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: " عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ ". ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِي : " عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ " أحمد(22149)قال محققه : إسناده صحيح على شرط مسلم.والنسائي في الكبرى (2544)وفي الصغرى (2223) وابن حبان في صحيحه (3425)وقال الألباني صحيح . وله في الجنة بابا خاصا يسمى الريان لا يدخل منه إلا من صام لله تعالى ، أي من أكثر الصيام نفلا زائدا عن صيام رمضان . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ )). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ مِنْ أَيِّهَا دُعِيَ، فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( نَعَمْ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ )).أخرجه مالك في "الموطأ"(2/479)، والبخاري (1897)باب الريان للصائمين وفيه (1896-3275) عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ )). وأخرج مسلم حديث أبي هريرة (1027-85)وحديث سهل بن سعد (1152) والترمذي حديث أبي هريرة (3674)، والنسائي (4/168- 169و6/47-48) وأحمد (7633-9800). وله أجرا لا يعلمه إلا الله يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ، والصيام أعظم عمل اجتمع فيه أنواع الصبر، قال تعالى :{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (10)الزمر. وفي الحديث عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ..))البخاري (1904)ومسلم (1151). وحديث الموطأ(58) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((...فَالصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ.كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلاَّ الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي. وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)).فاجتمع الصبر كله في الصيام ، ولهذا السر قال الله إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، فلا يعلم أجره إلا هو سبحانه كما لا يعلم أجر الصابرين إلا هو سبحانه وتعالى . والصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما ، قال صلى الله عليه وسلم :((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان)) . صحيح الجامع (3882)،وقال: (صحيح) [حم طب ك هب] عن ابن عمرو. المشكاة (1963) وصحيح الترغيب (973) وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند : إسناده صحيح. وهو كفارة للذنوب : قال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات ما بينهن؛ إذا اجتُنبتِ الكبائر) . مسلم (233) ومسند أحمد (7129) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي بَعْدَهَا، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا "، قَالَ: " وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالشَّهْرُ إِلَى الشَّهْرِ - يَعْنِي رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ - كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا " قال أحمد شاكر : (6/353)إسناده صحيح ، وقال الأرنئوط : صحيح دون قوله : "إلا من ثلاث ... "إلى آخر الحديث .وكذلك صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (3322). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» البخاري (38-1901) بَابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً.(2014)ومسلم (760). ومن ثمرته أنه فرح وسرور وحبور لصحبه يوم فطره ويوم يلقى ربه ، قال صلى الله عليه وسلم :(( للصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بفطره ))مالك في الموطأ باب جامع في الصيام ،والبخاري (1805) ومسلم (1151). بهذا كله من الفضائل وغيرها جاءت الآيات و الأحاديث النبوية الصحيحة ، فطوبى لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا واتبعه بما استطاع من تطوع ونافلة في سبيل الله . المسألة الثانية : تعريف الصيام : والصيام في اللغة : قال ابن عبد البر - رحمه الله- : وأصله في اللغة الإمساك مطلقا ، وكل من أمسك عن شيء فقد صام عنه ، ويسمى صائما .. ألا ترى قول الله تعالى : { إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } فسمي الإمساك صوما ، وكل ممسك عن حركة ، أو عمل ، أو طعام ، أو شراب فهو صائم في أصل اللسان . تعريفه في الشرع : لكن الاسم الشرعي هو : الإمساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارا ، إذا كان تارك ذلك يريد به وجه الله وينويه ، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة . موسوعة شروح الموطأ ( 9/ 344- 345). وقال في الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 320):معنى الصيام في الشريعة الإمساك عن الأكل والشرب والجماع ، وذلك فرضه . وسنته :أن يجتنب الصائم قول الزور ، والغيبة ، والخنا ، وما لا يصلح من والقول والعمل . أقول : إن كان يقصد بقوله فرضه أي مما فرضه الله عليه ، وسنته ما سنه رسول الله فنعم ، أما إن كان يقصد بالفرض الاصطلاحي والسنية عند الفقهاء فغير صحيح بل واجب عليه( أي الصائم ) أن يجتنب قول الزور والرفث والغيبة والنميمة وغير ذلك من المعاصي التي تأثر في الصيام ، وإن كانت لا تبطله على قول المختار وقال ببطلانه طائفة من العلماء . وجاء في كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي : أن الصيام شرعا هو : الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس وأيام الأعياد ، ويضاف إليه قيد : بقصد التقرب إلى الله. وهذا التعريف هو المختار في المذهب . والذي تعضده الأدلة . ============================= متن : ثم قال المصنف رحمه الله : وصوم شهر رمضان فريضة ... ------------------ المسألة الرابعة : حكم الصيام : قوله هذا فيه حكم الصيام : أي أنه فريضة على الأعيان المكلفين ، بالكتاب والسنة والإجماع ، بعد أن كان على التخيير ..فإن الصيام مر بثلاث مراحل . أولا : كان يصام عاشوراء وجوبا ثم نسخ الوجوب بنزول صيام شهر رمضان ، ونزل في البداية على التخيير فمن شاء صام ومن شاء أفطر وأفدى ، ثم نسخ هذا وفرض صيامه على الأعيان المكلفين بشروط سيأتي ذكرها . قال القرطبي - رحمه الله -:في المقدمات (1/246): وكان في أول الإسلام من شاء أن يصوم صام ومن شاء أن يفطر أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا على ما ورد في هذه الآية، فنسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وهذا مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه. أما وجوبه بالكتاب فقوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ...} البقرة :.. وقال عز وجل : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ..} هذه الآية نسخت الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون }. روى البخاري برقم (4507)عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها . وروي أيضا من حديث عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، قال: هي منسوخة. ولابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره قول في هذه الآية أنها غير منسوخة وإنما هي في الشيخ الكبير والمرأة العجوز العاجزين عن الصوم..والحامل والمرضع، وسيأتي الكلام عليهما. أخرج البخاري برقم (4505): حدثنا إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: (( وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين )). قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا .وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه. وقال القرطبي (1/247) وقد قيل: إن الآية محكمة وردت في الشيخ الكبير والعجوز والمرضع والحامل. جاء ذلك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في رواية، جاء عنه وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنهما قرءا وعلى الذين يطوقونه. ومعنى هذه القراءة يكلفونه فلا يطيقونه إلا بجهد ومشقة. وقد وردت الآية عامة في هؤلاء وفي الصحيح المقيم، فنسخ من ذلك الصحيح المقيم بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وبقيت الآية محكمة في المذكورين.انتهى كلام القرطبي. وقال ابن رشد القرطبي المالكي في المقدمات (1/246)وقَوْله تَعَالَى في شهر رمضان: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] منسوخ، نسخه قول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. وفي حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/440):ومن السنة أيضا على وجوب الصوم حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما-قال : قال رسول الله :(( بني الإسلام على خمس ، شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) والحديث أخرجه البخاري (1/47)(رقم 8- 4514)وبوب عليه : بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ)).وكذلك فعل في صحيح مسلم (رقم16). وعنده في رواية تقديم الصوم على الحج.انظر فقه العبادات على المذهب المالكي(1/304). وحديث طلحة بن عبيد الله أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ : ((شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)) أخرجه البخاري باب وجوب صوم رمضان (1891)ومسلم (11).من طريق مالك وهو في الموطأ برقم ( 188)هكذا فيهما بتقديم الصوم على الزكاة وذلك حسب سؤال الأعرابي . وأما الإجماع : فإن الأمة قد أجمعت من عصر الصحابة إلى يومنا هذا على وجوب صيام رمضان وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة وشرائعه التي علمت من الدين بالضرورة ، فإن منكره كافر مرتد عن الإسلام . جاء في كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي قال : ولوجوبه شروط - يأتي الكلام عليها- وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع ؛ فمن جحد وجوب صوم رمضان فهو كافر إجماعا يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل ، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه فهو عاص يجبر على فعله؛ فإن لم يفعل قتل حدا كالصلاة ، هذا قول عامة العلماء . وكذلك قاله في الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/293). لصالح بن عبد السميع الآبي الأزهري (المتوفى : 1335هـ). وخلاصة الموضوع : أن الصيام من فروض الأعيان يجب على كل مكلف ، ومن المعلوم بالضرورة من الدين الذي لا يجوز جهل فرضه ووجوبه لوضوحه وبيان حكمه للعالم والجاهل والكبير والصغير فلا يعذر أحد بتركه فمن تركه جحودا فهر كافر مرتد ، ومن تركه عمدا تهاونا بلا عذر فهو على كبيرة عدها بعض العلماء أعظم من شرب الخمر وتعاطي الزنا . قال الحافظ الذهبي رحمه الله : أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا عذر أنه شر من الزاني ، ومدمن الخمر ، بل يشكون في إسلامه ،ويظنون به الزندقة والانحلال . يتبع- إن شاء الله -...
  20. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولي الصالحين ، والعاقبة للمتقين الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد : فهذه بعض الحِكم في صيام شعبان الشهر ذي الفضائل الجمة التي يغفل عنه كثير من النّاس كما أخبر بذلك سيدي وحبيبي رسول رب العالمين ، فهذه الحكم إذا عرفها العبد وحرص عليها كانت سببا من أسباب زيادة الإيمان ، تقربه إلى ربه عز وجل . 1 – التمرن والتدرب على الصيام والاستعداد نفسيا وبدنيا من أجل صيام رمضان . جرت سنة الله تعالى في خلقه أن الاستعداد الروحي والبدني ، لكل أمر ديني أو دنيوي لا بد منه حتى يكون النجاح والفوز وجني أفضل الثمار والنتائج ، وإن صيام شعبان هو تدريب النفس والجسد على الطاعة ، وذلك بتزكية النفس بالصيام وحملها على الصبر على مشاق الجوع والعطش وشهواتها ، فتستشعر التقوى والتوبة ، وتسارع إلى الحرص على تفقه العلم النافع ، والإكثار من العمل الصالح .. نعم ؛ في هذه الأيام الفاضلة من شهر شعبان يُروض المسلم نفسه على الطاعة ، والصبر بأنواعه ، بكثرة الصيام ، وقراءة القرآن في شهر القراء ، استعدادا لشهر القرآن ، والذكر ، والإنفاق مما يحب ، وقراءة سير الصالحين المتقين في هذا الشهر الذي صيامه كالراتبة لصيام فريضة رمضان ، وسماع المواعظ ، والرقائق لعله يدرك ركبهم فيكون منهم أو ملحقا بهم .. وإذا كان حال المسلم في شعبان بهذا القدر من الاستعداد فليس من شك أنه يزداد إيمانا وعملا صالحا في حينه وحاله ، وهو يستقبل رمضان فيكون حاله أفضل من حاله في السنة التي خلت ، وإن لم يزيد على ما قام به في غابر ماضيه فلا يفتر وينقص مما كان عليه ، فقد كان صواما قواما ، جواد كريما، لا يفتر عن الذكر ولا يتأخر عن البركة والخير .. 2 – صيام شعبان كالراتبة للرمضان: يعتبر بعض العلماء صيام شعبان كرواتب الصلاة . فيجعلون لرمضان راتبة قبلية ، وراتبة بعدية ، فشعبان راتبته القبلية ، وست من شوال راتبته البعدية . فالراتبة القبلية تكون للإعداد النفسي والمعنوي وقد مر ذلك قريبا ، والبعدية تكون للحمد والشكر وجبر النقص الذي يحصل للمسلم في صيامه .وكذلك هي الحكمة من راتبة الصلاة . 3- شهر يغفل عنه النّاس . ومعنى غفلة النّاس فيه ، أنهم مشغلون عن العبادة فيه ، يستعدون لاستقبال رمضان بتخزين المؤن جمعا للمال ، فهم غافلون عن فضل اغتنام أوقاته منغمسون في ملذات الدنيا مثل غفلة أهل السوق عن العبادة والذكر فيه ، فقل ما تجد في السوق متيقظا فطنا يذكر الله. فانفراد العبد بالعبادة في غفلة الناس له أجر أعظم وفضل كبير . ويكفيه أنه لا يكتب من الغافلين ، بل يكتب من الذاكرين الله . قال رسول الله : (( فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ» وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» السلسلة الصحيحة( 494)وصحيح الجامع (993). وعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: " طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ "، فَقِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ، فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ " صحيح الجامع (3921). وفي صحيح مسلم ( 145) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» وذلك معنى قوله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ }(29)الرعد . وفي هذه النصوص دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة وأن ذلك محبوب لله عز وجل كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة .لطائف المعارف (1/131). فقد روى الطبراني في الكبير عن الأسود بن يزيد، قال قال عبد الله بن مسعود: نعم ساعة الغفلة، يعني الصلاة فيما بين المغرب والعشاء. قال الهيثمي: فيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير، وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ساعة ما أتيت عبد الله بن مسعود فيها إلا وجدته يصلي ما بين المغرب والعشاء، فسألت عبد الله. (عن ذلك) فقال: إنها ساعة غفلة. قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم، وفيه كلام. وفي الزهد للإمام أحمد (1779) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَدْخُلُ السُّوقَ نِصْفَ النَّهَارِ يُكَبِّرُ وَيُسَبِّحُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا بَكْرٍ السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((إِنَّهَا سَاعَةُ غَفْلَةٍ)). وورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة حتى قال أبو صالح: إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق .لطائف المعارف . ففي الصحيحة (3139):قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ دَخَلَ سُوقاً من الأسواقِ فقال :"لا إله إلا الله وحده لا شريكَ لهُ، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلَّ شيءٍ قديرٌ" كَتَبَ الله له ألفَ ألفِ حسنةٍ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيئةٍ) . وهذا أجر عظيم ، وسبب ذلك أنه ذكر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ، رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقَوْا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللهُ لَهُ. وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ ")).(1). قال الحافظ ابن رجب : فهؤلاء الثلاثة انفردوا عن رفقتهم بمعاملة الله سرا بينهم وبينه فأحبهم الله ؛ فكذلك من يذكر الله في غفلة الناس أو من يصوم في أيام غفلة الناس عن الصيام.لطائف المعارف (1/131). ومنها: أن العبادة في غفلة النّاس أشق على النفوس: وأفضل الأعمال أشقها على النفوس ، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال أبناء الجنس ؛ فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم ؛ فسهلت الطاعات ، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدون بهم فيها ، ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( للعامل منهم أجر خمسين منكم ،إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون))(2).لطائف المعارف (1/132). وقال صلى الله عليه وسلم : ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)) وفي رواية قيل : ومن الغرباء: قال : (( الذين يصلحون إذا فسد الناس)). وفي هذا دليل على يقظتهم وغفلة النّاس ؛ بل الذي يقرأ سيرهم يرى العجب في يقظتهم ونشاطهم وتقربهم إلى الله بشتى أنواع العبادات ، مما تزيد في إيمانهم . أخرج قوام السنة في الترغيب والترهيب (1754): عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال :((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استهلوا شعبان أكبوا على المصاحف فعرضوها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم يقوون المسكين ، والضعيف على صيام شهر رمضان ...)). وفي صحيح مسلم باب فضل العبادة في الهرج (2948) من حديث معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( العبادة في الهرج كالهجرة إلي)). قال :محمد فؤاد عبد الباقي (4/2268): (العبادة في الهرج كهجرة إلي) المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد]: عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، الَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ حِينَ يُتْرَكُ ، وَيَعمَلُونَ بِالسُّنَّةِ حِينَ تُطْفَأُ)) البدع لابن وضاح (169). 4- ترفع فيه الأعمال ، وتعرض على رب العالمين : والعرض والرفع يومي في العصر والفجر ، وأسبوعي الاثنين والخميس ، وسنوي في شهر شعبان .وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة . العرض والرفع اليومي : قال تعالى :{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ..} أورد ابن جرير (20/445) عن ابن عباس قوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال: الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به. أي وهذا كل يوم . فهو سبحانه (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (29)الرحمان. قال البغوي : (7/446) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُحْيِيَ وَيُمِيتَ، وَيَرْزُقَ، وَيُعِزَّ قَوْمًا، وَيُذِلَّ قَوْمًا، وَيَشْفِيَ مَرِيضًا، وَيَفُكَّ عَانِيًا وَيُفَرِّجَ مَكْرُوبًا، وَيُجِيبَ دَاعِيًا، وَيُعْطِيَ سَائِلًا وَيَغْفِرَ ذَنْبًا إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَحْدَاثِهِ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ. وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» متفق عليه . العرض والرفع الأسبوعي والشهري السنوي: وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسرد حتى نقول لا يفطر ويفطر الأيام حتى لا يكاد يصوم إلا يومين من الجمعة إن كانا في صيامه وإلا صامهما ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان فقلت يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما؟ قال:(( أي يومين ؟)) قلت : يوم الاثنين ويوم الخميس قال: (( ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم )) قلت : ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال:(( ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم )). ففي هذا الشهر يجتمع فيه أنواع رفع العمل وعرضه على الله ، وهذه مزية وفضيلة لهذا الشهر إذا عرفها العبد الصالح بادر إلى الطاعات وتحسين العمل الصالح وتخليصه من شوائب الشرك والبدعة حتى يكون خالصا صوابا فيرفع إلى ربه ويعرض عليه وهو صائم ، لذلك كان نبينا يحرص على صيام شعبان كله أو أغلبه ، حتى لا يفوته شيء من العرض وهو صائم . 5- شهر تقضى فيه الفوائت من الديون ، والنوافل : لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي فيه الأيام التي لم يكن يصمها من الشهور ، ولذلك كانت عائشة تغتنم هذا الشهر في قضاء صيامها الذي يكن عليها من رمضان أما باقي الشهور فهي مشتغلة به . ففيه دليل على جواز قضاء نوافل الصوم ، ومن باب أولى الواجبات. 6 – أنه شهر القراء ... وقال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن قال الحسن بن سهل: قال شعبان: يا رب جعلتني بين شهرين عظيمين فما لي؟ قال: جعلت فيك قراءة القرآن يا من فرط في الأوقات الشريفة وضيعها وأودعها الأعمال السيئة وبئس ما استودعها. مضى رجب وما أحسنت فيه .. وهذا شهر شعبان المبارك فيا من ضيع الأوقات جهلا .. بحرمتها أفق واحذر بوارك فسوف تفارق اللذات قسرا .. ويخلي الموت كرها منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا .. بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم .. فخير ذوي الجرائم من تدارك. لطائف المعارف . أخرج قوام السنة في الترغيب والترهيب (1754): عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال :((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استهلوا شعبان أكبوا على المصاحف فعرضوها...)) 7 – سابعا : فضل ليلة النصف من شعبان : إذا كان في هذا الشهر يجتمع في عرض العمل اليومي في كل يوم في صلاة الفجر والعصر ، وفي الأسبوع ، في كل خميس واثنين، والسنوي ، في شعبان ، ليراجع العبد نفسه ، ويحاسبها في هذا الشهر أشد الحساب ، فيحملها على الصيام ليعرض عمله اليومي والأسبوعي والسنوي وهو صائم ، فهو أدعى إلى مغفرة ذنوبه ولكن بشرطين اثنين هما عدم الإشراك بالله ، وعدم مشاحنة الإخوان والخلان من أجل الدنيا ،ففيه ليلة يطلع فيها الله عز وجل على عباده فيغفر لجميع خلقه إلا مشرك أو مشاحن . عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:((يَطَّلِعُ الله إلى خَلْقِ فِي لَيْلَةِ النِّصف مِنْ شَعْبَانَ ، فيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ؛ إلا لُمشْرِكٍ أو مُشَاحِنٍ)).(3). وقوله : ( لجميع خلقه ) هذا من العام المخصوص والمراد به المسلمين ، أو المؤمنين ؛ فقد جاء مفسرا في الترغيب والترهيب لقوام السنة (1858 ): عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل مسلمٍ إلا لمشركٍ أو مشاحن أو قاطع رحمٍ أو امرأة تبغي في فرجها)) .فزاد فيه قاطع الرحم ، والمرأة البغي . وفي السنة لابن أبي عاصم (511) وهو أصح : ((فيغفر للمؤمنين، ويترك أهل الضغائن، وأهل الحقد بحقدهم)) قال الألباني حديث صحيح. وقال في صحيح الترغيب والترهيب (2771) [صحيح لغيره]. وزاد في مسند أحمد(6642): ((فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا لِاثْنَيْنِ : مُشَاحِنٍ، وَقَاتِلِ نَفْسٍ )). فتلخص أن الذين لا يغفر الله لهم في هذه الليلة العظيمة التي يطلع الله فيها إلى خلقه : المشرك وتحته الكافر والمنافق فاقا أكبر ، والمشاحن الحاقد على إخوانه من أجل الدنيا، وقاطع الرحم ، والمرأة البغي ، وقاتل النفس ، والمبتدع الذي حجب الله التوبة عنه ، فعمله مردود عليه ؛ فهو ليس أهلا لأن يغفر له ، إلا أن يتوبوا من تلك الأعمال فالله يتوب عليهم ويغفر لهم . فإذا علم العبد أن الله لا يغفر لهؤلاء وكانت فيه خصلة من تلك الخصال ، وخاصة مشاحنة الإخوان والخلان والحقد عليهم سارع إلى التوبة والأوبة وتدارك ذلك حتى لا يؤخر عن مغفرة الله ، فربما جاءته منيته وهو على تلك الحال فلا يستطيع أن يستدرك المغفرة من ربه فيخسر هذا الفضل ، وذلك اللطف من ربه الغفور الرحيم . قال بعض علماء السلف - رحمه الله-: ينبغي للناس إذا دنا رمضان أن يفرحوا ويستبشروا بدنوه ويدعوا الله تعالى ويسألوه أن يبلغهم إياه، ويوفقهم لصيام أيامه وقيام لياليه، ويجنبهم فيه الفسوق والعصيان ويوطنوا نفوسهم أن يتشمروا لأداء حقه وأن يتراءوا هلاله ليلة الثلاثين من شعبان فعل من يستعجل لقدوم غائب كريم، ويقولون ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند رؤية الهلال: ((اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والإسلام، ربي وربك الله)) . وروي أنه كان يقول: ((الله أكبر ثم يدعو)) ، وفي رواية ((أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى)) . الترغيب والترهيب (2/365) لقوام السنة . الهامش : ----------- (1)- مسند أحمد (21355)وقال محققه :حديث صحيح ، وكذلك قال في تحقيق صحيح ابن حبان (3349)وقال الترمذي (2568): هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهَكَذَا رَوَى شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، نَحْوَ هَذَا، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ. وقال الحاكم على شرطهما وأقره الذهبي في التلخيص ،وقال محقق موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (1602) :إسناده جيد وقال عبد الله الدويش في تنبيه القارئ (1/126): قال في التعليق على صحيح ابن خزيمة (4: 150) : إسناده ضعيف ، وإن صححه بعضهم فإن زيد بن ظبيان ما روى عنه غير ربعي. أقول ( أي الدويش ): هكذا ضعفه هنا، وقد صححه في موضع آخر فقال (حم) عن أبي ذر في صحيح الجامع (3: 74، 75، رقم 3069) صحيح، تخريج المشكاة (1922) ، ت، حب، ك، ابن المبارك ابن أبي شيبة، ابن نصر، الطحاوي. والله أعلم. (2)- قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (1/783): رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه ا.هـ. (3)- التعليقات الحسان(5636) وقال حسن ـ ((التعليق الرغيب)) (3/ 282 ـ 283) و((الصحيحة)) (1144).وقال حديث صحيح.
  21. اللهم إنك أمرتنا بسؤالك ووعدتنا بالإجابة ، وهذا يوم الجمعة فلعلها تكون ساعة إجابة فإني أسالك بأسماءك الحسنة وصفاتك العلى أن تصلح بين الصلحين وأن تؤلف بين قلوبهم وأن تجمع شملهم ، وأن توفق المخطئ منهم للرجوع إلى الحق ، والمصيب منهم للتنازل عن شح نفسه وحقوقه حتى يلتئم الجرح وتعود المياه إلى مجراها الطبيعي إنه سميع قريب مجيب . اللهم أميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
×
×
  • اضف...