اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

أبو عبد الرحمن الأخضر

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    310
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد المُتابعين : 2

نظرة عامة على : أبو عبد الرحمن الأخضر

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم
  1. الترهيب من الوظائف المحرمة وكسب الحرام وأكله الخطبة الأولى: ـــــــــــــــ الحمد لله المتكفِّلِ بأرزاق جميع العبيد، الذي هداهم إلى تحصيل رِزقه بالأسباب المتنوعة مِن عملٍ سهل وشديد، ومكانٍ قريب وبعيد، وبيَّن لهم الحلال وأمرهم بالأكل مِنه ووعد مَن شكره عليه بالمزيد، وزجرهم عن الكسب الحرام وبيَّنه وأغلظ فيه الوعيد والتهديد، وأشهد أن لا إله إلا الله الفعَّال لما يُريد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أكملُ العبيد، ومُوضحُ شرع ربه السَّديد، والآمرُ عباد الله بالتوحيد، والناهي لهم عن الشِّرك والتنديد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه السالكين صراط العزيز الحميد. أما بعد، فيا عباد الله: اتقوا الله ربكم حق تقواه، باتباع أوامره، والعمل بما فرض، واجتناب ما حرَّم، فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة، واعلموا أن تقواه - جلَّ وعلا - مِن أعظم أسباب جلب الرزق وسَعته، وتيسير طرقه، وتعدد مصادره المباحة، حيث قال سبحانه: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }. وصِلة الأرحام - قرُبوا أم بعُدوا - طاعةٌ لله جليلة، وهي مِن تقواه سبحانه، وقد تفضَّل فجعلها مِن أسباب بَسْط الرزق، وطول العُمر، حيث صحَّ عن نبيه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ )). وشُكره - عزَّ وجلَّ - على نعمه مِن أعظم العبادات، وهو مِن تقواه سبحانه، وقد تفضَّل فجعله مِن أسباب زيادة الرزق والنِّعم، فقال تعالى: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ }. ويُقويِّ ذلك ويزيد مِن إيضاحه ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ )). عباد الله: إن أرزاقكم ليست بيد سُلطان، أو تاجر، أو هيئةٍ إغاثية، أو شركة، أو غيرهم، بل هي بيد الله وحدَه، ومِنه سبحانه، فهو الرَّازِق والرَّزَّاق، فابتغوا الرِّزق مِن عنده، حيث أمركم بذلك فقال - جلَّ وعزَّ -: { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ }. ولا تقلقوا على أرزاقكم، وتُرهِقوا أنفسكم بالهموم لأجْلِها، فقد كُتبت قبل وجودكم وخروجكم إلى الدنيا، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ )). ورِزقُ العبد الذي كَتب الله أن يحصل له في حياته الدنيا آتيهِ لا محالة، شاء أم أبَى، ولن يموت حتى يستكمِلَه، إذ ثبت عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ )). عباد الله: احذروا طلب الرِّزق عن طريق الأعمال والوظائف والمكاسب والسِّلع والمِهن المحرمة، واحذروا أكله عن طريق الكذب والغِش والخِداع والتغرير والتدليس والسَّرقة والرِّشوة والحِيَل والابتزاز والاختلاس، واحذروا أكله عن طريق أموال الزكاة وأنتم مِمَّن لا يحِلُّ لهم أخذها، فإن عاقبة أكل الحرام في الآخرة وخيمة وفظيعة، إذ النار أولى بالجسد الذي تغذَّى ونَبَت مِن حرام، حيث ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، النَّارُ أَوْلَى بِهِ )). والسُّحت هو: المال الحرام. وصحَّ في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ )). وصحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ )). وقضيب الأراك، هو: عُود السِّواك. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ عَلَيْهِ رِزْقًا، فَمَا أَصَابَ سِوَى رِزْقِهِ، فَهُوَ غُلُولٌ )). بل وأكل المال الحرام أيضًا مِن أعظم أسباب عدم إجابة الله دعوة صاحبه إذا دعاه، حيث صحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ )). وعاقبة الكسب الحرام على المال في الدنيا قبيحة وشنيعة، فهو يمحق البركة، ويجعل المال المُكتَسَب ممحوق البركة، حيث قال الله سبحانه: { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ }. وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا )). وصحَّ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ )). عباد الله: إن غالب الأعمال والوظائف والمكاسب والمِهن والسِّلع المحرَّمة بيِّنَة واضحة لا تخفى، ولا حُجَّة لأهلها، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ )). ومَن موَّه على الناس أو خرَّج وتعذَّر لنفسه في عمله المحرَّم، أو كسبه المحرَّم، أو مِهنته المحرمة، أو أكله الحرام، فإنما والله يُخادع ويضُرُّ بذلك نفسه، بل إنه قد جمع بين سيئتين عظيمتين: سيئة أكله الحرام، وسيئة تبريره وتسويغه لِمَا حُرِّم. وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَان لاَ يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ أَمِنْ حَلاَلٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ )). وإن كل واحد مِنَّا سيُسأل يوم الحساب والجزاء عن ماله مِن أين اكتسبه، أَمِنْ حلال أو حرام؟ وفيما أنفقه، أفي بِرٍّ ومعروف ومباح أو إسراف وتبذير ومحرَّم ومنكر؟، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ )). بل إن الفقراء يَسبقون الأغنياء إلى دخول الجنة، حبَسَتْهُم الأموال والمحاسبة عليها، إذ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ )). وصحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ )). وأصحاب الجَدِّ، هم: أهلُ الغِنى والحظوظِ الدنيوية مِن المال والجاه. والغِنَى يحصل بسببه كثير مِن الفساد والبغي في الأرض، ولهذا لم يَبسطه الله لجميع عباده، حيث قال - عزَّ مِن قائل - ممتنًّا: { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ }. ولَمَّا كانت تَبِعَة المال والغِنى عظيمةً وشديدة دُعي أصحابه إلى مَزِيد بذلٍ منه وإنفاق في مصارف البِرِّ والإحسان، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مرغِّبًا أهله ومرهِّبًا: (( إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ )). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال محرِّضًا التُّجار: (( يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ: إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالإِثْمَ يَحْضُرَانِ البَيْعَ، فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ )). وحين دعا النبي صلى الله عليه وسلم لآل بيته بالرِّزق لم يدع لهم بِبَسْطه، بل دعا أن يكون كَفافًا، فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ))، والقُوت والكَفاف مِن الرِّزق، هو: الذي يكون بقدر الحاجة. ومن كان رِزقه كذلك فقد حاز وحصَّل خيرًا كثيرًا، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ )). وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخش على أمته الفقر، وإنما خشي أن تُبسط عليهم الدنيا فيلتهوا بها، ويتنافسوا عليها، ويَهلكوا بسببها، حيث صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )). أعوذ بالله مِن الشيطان الرجيم: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }. وسبحان ربك، ربِّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: ـــــــــــــــ الحمد لله الذي له الحمدُ في الأولى والآخرة، والصلاة والسلام على النبيِّ محمد سيِّد الناس في العاجلة والآجلة، وعلى آله وأزواجه وأصحابه أُولِي المقامات والمناقب العالية، وعنَّا معهم يا ربَّ وخالقَ جميع البَرِيَّة. أما بعد، فيا عباد الله: لقد كان السَّلف الصالح وعلى رأسهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحرصَ الناس على تنقية أموالهم مِن الحرام، وإبعاد أجسادهم وأهليهم عن التغذِّي والاستمتاع بالحرام، وأورعَهم عما اشتبه وجُهِل وحصلت فيه رِيبة، وقد ضربوا لِمَن بعدهم أعجب وأوعظ الصُّوَر والعِبَر في ذلك، حتى إن صِدِّيق الأمة أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ أخرج مِن بطنه طعامًا دخل إليه مِن كسب فيه مخادعة، وكسَبَه غيره، وهو جاهل عنه، فصحَّ عن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (( كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ )). وأخرج مالك بالسند الصحيح إلى زيد بن أسلم أنه قال: (( شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَناً فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ، مِنْ أَيْنَ هذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ، قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي، فَهُوَ هذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ )). فأخرج عمر - رضي الله عنه - لِعِظم ورَعه اللبن مِن بطنه لَمَّا علِم أنه مِن إبل الصدقة، وهو قد كان غَنِيًّا لا تَحِلُّ له الصدقة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد صحَّ عنه أنه قال: (( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ )). وذو المِرةِ السَّويِّ، هو: القوي الصحيح القادر على الكسب. اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، ويسِّر لنا في الأرزاق، وبارك لنا في أقواتنا، وقنِّعنا بما رزقتنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا تجعلها تلهنا عن آخرتنا، ووفقنا لما ينفعنا في معادنا، وجنِّبنا الكذب والغش في معاملاتنا، وارزقنا الصدق والنصح، اللهم اجعلنا مِن الشاكرين لنعمَائك، والصابرين على أقدارك، واجعل ما أنعمت به علينا معونة لنا على الخير، ولا تحرمنا خير ما عندك مِن الإحسان بِشرِّ ما عندنا مِن الإساءة والعصيان، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، وارفع عنهم القتل والاقتتال، والخوف والجوع، والجلاء مِن أوطانهم، والأوبئة والأمراض، وارزقهم إيمانًا بك متزايدًا، وصبرًا كبيرًا وثباتًا، وثقة بك، وتوكلًا عليك، إنك سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
  2. الترهيب مِن ترك الصلاة وتأخيرها عن أوقاتها والتخلُّف عن جماعتها الخطبة الأولى:ـــــــــــــــــ الحمدُ لله الذي وفقَّ مَن اختاره مِن عباده لطاعته، وأهَّلَ مَن ارتضاه منهم لعبادته، وهدَى مَن أحبَّه للمسارعة إلى مرضاته، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريكَ له في ألوهيته، ولا مُقاوِمَ له في جبروته وعِزَّته، وأشهد أنَّ سيّدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسَلَه إلى كافَّة خلقه بشيرًا ونذيرًا، وجعَلَه شاهدَ حقٍّ، وأمينَ صدقٍ، اللهمَّ فصلِّ وسلِّم وبارِكْ عليه، وعلى آله الذين فرضتَ على الأمة محبتَهم، وعلى أصحابه مصابيحِ المُقتدين به، ومتحمِّلين أمانَتَه. أما بعدُ، فيا عبادَ الله: اتقوا الله - عزَّ وجلَّ - فيما فرض عليكم مِن صلاة بالليل والنهار، فلا تتركوها، أو تدعوا فريضة منها، أو تؤخروها عن وقتها، أو تتخلَّفوا عن أدائها في جماعة، فإنها ركنُ الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، وأوَّلُ أعمالكم محاسبة يوم القيامة، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ )). واعلموا أنه لا حظ في الإسلام لِمَن تركها، فقد صحَّ عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: (( أَمَا إِنَّهُ لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِأَحَدٍ تَرَكَ الصَّلَاةَ )). وثبت عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (( مَنْ لَمْ يُصَلِّ فَلَا دِينَ لَهُ )). فهي الفارقة بين الكفر والإيمان، وبها يُعرف أهل الإسلام مِن أهل الكفر، وديار الإسلام مِن ديار الكفر، إذ صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ )). وصحَّ عن عبد الله بن شَقيقٍ - رحمه الله - أنه قال: (( كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ )). وصحَّ عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ )). بل قال الإمام ابنُ قيِّم الجوزية - رحمه الله -: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمدًا مِن أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وأن إثمَه عند الله أعظمُ مِن إثم قتل النفس، وأخذ الأموال، ومِن إثم الزنا، والسَّرقة، وشُرب الخمر، وأنه مُتعرِّض لعقوبة الله وسَخطه وخِزيه في الدنيا والآخرة.اهـ بل إن أهل النار لمَّا سُئلوا: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } لم يبدؤوا بشيء غير ترك الصلاة، فقالوا: { لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ }. وإنهم ليُعاقَبون في الدَّار الآخرة فيُحال بينهم وبين السجود لربهم تبارك وتعالى، فلا يستطيعون، عقوبة لهم على تركهم السجود له مع المصلِّين في دار الدنيا، حيث قال الله تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ }. فاستجيبوا لله ربكم في دنياكم، وكونوا مِن عباده المصلِّين الساجدين له والراكعين، امتثالًا لأمره، وطمعًا في جنته، فقد أمركم بذلك، فقال سبحانه: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ }. وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للناس في خُطبةٍ في حجة الوداع: (( اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ )). وإن ترْكَ العبد لِصلاة واحدة كصلاة العصر يُوقعه في خسارة كبيرة، وإثم عظيم، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ )). وجاء في حديث نصَّ على ثبوته الإمام الألباني - رحمه الله - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ )). عباد الله: إن الصلاة أكثر الفروض ذِكرًا في القرآن، وآخر عُرى الإسلام نقضًا وفقدًا وتشبُّثًا، فلا تُفرِّطوا فيها أو تتهاونوا بشيء منها، وإن قُطِّعتم أو حُرِّقتم، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ )). بل إن الصلاة لَمِن الركائز الكبرى التي يُعصم بها دم العبد، فلا يُهراق، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ )). وصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟" فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟" قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَيْسَ يُصَلِّي؟" قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا صَلَاةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللهُ عَنْهُمْ" )). والصلاة أيضًا مِن الأمور المُحَرِّمَة على الرَّعية الخروجَ على حاكمها ومُقاتَلتِه، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا صَلَّوْا»)). ومَن تركها، فلم يكُن مِن المصلِّين، فقد اختلف الفقهاء - رحمهم الله - فيما يجب على الحاكم جهته إذا ثبت عنده أنه تارك للصلاة. فقال مالكٌ والشافعيُّ وأحمد وأكثرُ الفقهاء: يُدعى إلى الصلاة، ويُطلبُ مِنه أن يتوب مِن تركها، فإن أبَى واستمرَّ على تركها قُتِل. وقال أبوحنيفة وآخرون: يُحبس حتى يموت أو يتوب ويصلِّي. عباد الله: إياكم وتأخيرَ الصلاة المفروضة عمدًا أو تهاونًا وتكاسلًا حتى يخرج وقتها، ولو كانت صلاة واحدة، فقد توعَّد ربكم مَن فوَّت الصلاة عن وقتها بوعيد شديد، فقال سبحانه: { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ }. وقد فسَّر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم السَّهو عن الصلاة في هذه الآية بأنه: تأخيرها عن وقتها، حيث ثبت عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أنه قال: (( يَا أَبَتَاهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ الله: { الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ } أَيُّنَا لَا يَسْهُو؟ أَيُّنَا لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ، إِنَّمَا هُوَ إِضَاعَةُ الْوَقْتِ، يَلْهُو حَتَّى يَضِيعَ الْوَقْتُ» )). وقال تعالى متوعِّدًا بالعذاب في غيٍّ وهو وادٍ مِن أودية جهنم لِمَن أضاع الصلاة: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا }. ونُقِل عن جمع مِن السلف الصالح مِن الصحابة فَمَن بعدهم: أن إضاعتَهم الصلاةَ إنما كانت بتأخيرهم إياها عن مواقيتها، وثبت عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: (( فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { فَسَوْفَ يلْقُونَ غَيًّا }، قَالَ: «وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، خَبِيثُ الطَّعْمِ، بَعِيدُ الْقَعْرِ» )). وقد جَعل الله لكل صلاة وقتًا، وأوجب أن تؤدَّى فيه، ولا يجوز تأخيرها عنه، فقال تعالى: { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا }. وبيَّن نبيه صلى الله عليه وسلم أن فِعلَها في وقتها أحبُّ الأعمال إليه سبحانه، فصحَّ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (( سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا»)). وسبحان ربك، ربِّ العِزَّة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين. الخطبة الثانية:ـــــــــــــــــ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الميامين. أما بعد، فيا عباد الله: فإنكم تعرفون جميعًا أن المساجد إنما بُنِيَتِ لأجل أن تُقام فيها الصلاة، ويَعْمُرَها الناس بالصلاة والعبادة، وتُشْغَلَ بِذِكر الله، كما قال - عزَّ جلَّ -: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ }. فأقيموا الفرائض الخمس في المساجد، كما كان يفعل نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأصحابه - رضي الله عنهم -، والمسلمون بعدهم، فإن التَّخلُّفَ عنها والتَّثاقُل والتكاسل لَمِن أظهر صفات المنافقين، إذ صحَّ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مَنْ سُنَنَ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ )). وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُؤَذِّنَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزُمُ الْحَطَبِ إِلَى قَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الصَّلَاةِ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ )). وقال - جلَّ وعلا -: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا }. ويا لله! كم في المساجد مِن المصلِّين إذا أقيمت الصلاة، وكم في الأسواق، وكم في البيوت، وكم في الطرقات، وكم في أماكن العمل، وكم في الملاعب، وكم في المقاهي، وكم عند الفضائيات، وكم على الإنترنت، وهل تتوقف حركة السيارات، وتقِلُّ الطُّرق مِن الناس؟ فاحذروا - يا رعاكم الله - مخالفة ما جاء في شرع ربكم، والتزموا طاعته، فقد قال سبحانه محذِّرًا ومتوعِّدًا: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. عباد الله: احرصوا كثيرًا على السُّنن الرواتب، والإكثار مِن صلاة التطوع، حتى يُكْمَّلَ بها ما حصل لكم مِن نقص في الفرائض، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ وُجِدَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتُقِصَ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ اللَّهُ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ يُكَمِّلُ لَهُ مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَةٍ مِنْ تَطَوُّعِهِ )). وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه قال: (( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )). هذا وأسأل الله أن يعيننا على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، اللهم بارك لنا في أعمارنا وأعمالنا وأوقاتنا وأهلينا وأموالنا يا جواد يا كريم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يا غفور يا رحيم، اللهم ارفع الضُّر عن عبادك المتضررين مِن المؤمنين، وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن يا قويُّ ياعزيز، ووفق جميع ولاة أمور المسلمين لكل ما يرضيك يا سميع الدعاء، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
  3. هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع القبور والمقبورين والمقابر الخطبة الأولى:ــــــــــــــ الحمد لله الذي بيده أزمة الأمور ومقاليدها، وتبارك مَن لم يَشْرِكْهُ في الخلق والرزق والتدبير أحد من العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، كاشفُ الشِّدات، وفارج الكربات، وميسِّر المعضلات، ودافع المشكلات، ومزيل البليَّات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل داعٍ إلى الله، وأخشاهم له وأتقى، فاللهم صلِّ عليه، وعلى آل بيته وأصحابه وأتباعه، وسَلِّمْ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون: فإن مَن نظر إلى حال كثير من الناس اليوم جهة قبور الموتى، والمقبورين فيها، والمقابر، فسيجد الاختلاف الكبير، ويلحظ المفارقة الشديدة بينها وبين ما جاء في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية الصحيحة، وما نُقل عن الصحابة - رضي الله عنهم -مِن أقوال وأفعال ثابتة، وما قاله ودونه أئمة الإسلام في القرون الأولى وما بعدها، وعلى رأسهم أئمة المذاهب الأربعة المشهورة. فرسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن البناء على القبور، ويُرسل أصحابه - رضي الله عنهم - ليهدموا ما بُني على القبور قبل الإسلام، وأذِنَ لهم في رفعها بالتراب عن الأرض نحو شبر حتى يُعلم أنها قبور فيُدعى لأهلها ولا تٌهان فتداس بالأقدام، أو يُجلَس عليها، أو تلقى فيها القاذورات. وهم ـ أرشدهم الله - يبنون عليها، بل ويُوصون أبناءهم بالبناء على قبورهم من بعد وفاتهم، ويتركون لهذا البناء مالًا، فهذا قد بَنَوا على قبره قُبَّة، وهذا بَنَوا على قبره بالاسمنت والرُّخام نحو متر أو أقل وجعلوا في وسطه قبة، وهذا عمَّروا على قبره غرفة مجمَّلة بالزخارف، وقد صحَّ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ ))، وصحَّ عن أبي الْهَيَّاجِ أنه قال: قال لي علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: (( أَلاَّ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ )). وقال إمام أهل مصر الليث بن سعد ـ رحمه الله ـ : بُنيان القبور ليس من حال المسلمين، وإنما هو من حال النصارى.اهـ وقال قاضي بلاد اليمن الشوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: اعلم أنه قد اتفق الناس سابقهم ولا حقهم، وأولهم وآخرهم مِن لدُن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إلى هذا الوقت: أن رفع القبور والبناء عليها بدعة مِن البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفاعلها.اهـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن اتخاذ القبور مساجد، ببناء المساجد على القبور، أو جعل قبور الموتى في المساجد، أو جعل القبور أماكن للعبادة كالمساجد، وبيَّن لهم أنه مِن فِعل وهَدي اليهود والنصارى، ولعن مَن فعل ذلك. فخالفوه ـ أرشدهم الله - وبَنَوا المساجد على القبور، وقبَروا موتاهم في المساجد إما في قبلتها، أو سطها، أو مؤخرتها، أو على جنباتها، أو في بدرومها، أو فنائها، وأوصوا أبناءهم بفعل ذلك لهم إن هم ماتوا، وتركوا لهم مالًا لفعل ذلك بهم، وجعلوا القبور كالمساجد أماكن للعبادات مِن صلاة ودعاء للأنفس والأهل والذرية وذكر لله واستغفار وقراءة قرآن وغير ذلك، وقد صحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل موته بليالٍ زاجرًا أمته عن ذلك: (( أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ))، وصحَّ أن أم حبيبة وأم سلمة ـ رضي الله عنهما ـ ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فقال صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ )). رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن الكتابة على قبور الموتى، سواء كانت قبور أنبياء أو صالحين أو آباء أو زعماء أو جنود أو غيرهم. وهم - أرشدهم الله - قد خالفوه فوضعوا على قبور الموتى رُخامًا أو حجارة أو ألواحًا كتبوا عليها اسم الميت، وزمن وفاته، أو سورة كالفاتحة، أو آيات قرآنية، أو أدعية، أو شيئًا مِن أفعال الميت وصفاته، أو أنه شهيد في معركة كذا، وقد صحَّ عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ، أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ، أَوْ يُجَصَّصَ أَوْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ )). ومَن أراد معرفة قبر ميِّتِه ليزوره، فله أن يضع حجرًا يتعرَّف به عليه، لِما ثبت عن المُطَّلِب أنه قال: (( لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ:«أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي» )). رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن تزيين القبور وتجميلها وصبغها بالجصِّ وغيره مِن المجمِّلات والمزينات. وهم ـ أرشدهم الله - قد خالفوه فزينوها بالسُّتور والأقمشة والرِّقاع المذهبة، أو زخرفوها بالرُّخام متلألئ الألوان، أو زينوها بالنقوش متعددة الأشكال والألوان، أو بالخطوط العريضة المتنوعة، أو بالورود والزهور ذوات الألوان والروائح الطيبة وكأنها أماكن أفراح وأعراس لا أماكن خوف ورهبة وتذكر للآخرة وما فيها مِن حساب وجزاء، وقد صحَّ عن جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ )). رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن شدِّ الرَّحل سفرًا للعبادة إلى غير المساجد الثلاثة. وهم ـ أرشدهم الله - قد خالفوه فشدُّوا رحالهم سفرًا إلى قبور الأولياء، حتى إنه ليجتمع عند بعض القبور في بعض الأوقات والبلدان المئات أو الألوف، فيتعبَّدون عندها فيدعون وينذرون ويذبحون ويُصلُّون ويعتكفون ويتصدقون بالأموال والأطعمة والألبسة ويستغفرون ويذكرون الله كثيرًا ويقرؤون القرآن، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى )). رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل المقابر مكانًا للتَّقرب إلى الله تعالى بفعل العبادات العديدة والمختلفة. وهم ـ أرشدهم الله - قد خالفوه فجعلوا المقابر محلًا للعبادات الكثيرة والمتنوعة مِن صلاةٍ واعتكافٍ وذبح ونذر ودعاءٍ للنفس والأهل وذِكرٍ كثير لله واستغفارٍ وقراءة قرآن وصدقة وغير ذلك، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا )). فدَلَّ هذا الحديث النَّبوي: على أن المقابر ليست أماكن للتَّقَرب إلى الله بفعل الصلوات مِن فرائض ونوافل. وصحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ )). فدلَّ هذا الحديث النَّبوي: على أن المقابر ليست أماكن للتَّقرب إلى الله بقراءة القرآن أو بعض سوره وآياته. وصحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ ))، وصحَّ عن زيد الجهني - رضي الله عنه - أنه قال: (( لَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، وَاتخِذُوا فِيهَا مَسَاجِدَ )). فدلَّ الحديث النَّبوي والأثر عن الصحابي: على أن الأماكن التي تُعمر بالعبادات والطاعات المتنوعة تقربًا إلى الله تعالى إنما هي المساجد والبيوت لا القبور والمقابر. رسول الله صلى الله عليهم ينهاهم عن اتخاذ القبور عيدًا، وعلى رأسها قبره صلى الله عليه وسلم. وهم ـ أرشدهم الله - قد خالفوه فاتخذوها عيدًا، فخصَّصوا لها أوقاتًا مُعيَّنة مِن الأسبوع أو الشهر أو السَّنة تُزار فيها، كيوم عاشوراء أو يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم أو يوم مولد الولي أو يوم النصف مِن شعبان أو يوم عيد الفطر أو يوم عيد الأضحى أو يوم الجمعة أو غيرها مِن الأيام، وكلما عاد هذا الوقت جاءوا إليها مرَّة أخرى، بل وتراهم يأتون إليها في هذا الوقت الذي حدَّدوه بأعداد غفيرة، ويَشدُّون رحالهم إليها سفرًا مِن بلدان متعددة وبعيدة، وقد صحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ )). فدلَّ هذا الحديث النَّبوي: على تحريم جعلِ قبر النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا، ويتحقق جعله عيدًا بقصده بالزيارة والاجتماع في وقت مُعيَّن عائدٍ بعَودِ السَّنة أو الشهر أو الأسبوع، إذ العيد اسم لما يعود ويتكرر في زمن معيَّن، وسُمي يوم الفطر ويوم الأضحى عيدًا، لأنهما يعودان ويتكرران في نفس الوقت مِن كل سَنة. ودَلَّ هذا الحديث النَّبوي أيضًا: على أن الدعاء للرسول بالصلاة عليه يكفي مِن أيِّ مكان في الأرض، ويَبْلُغه، ولا يُشترط أن يكون عند قبره. وإذا كان هذا النهي والمنع منه صلى الله عليه وسلم في حقِّ قبره، فقبور غيره مِن البشر أولى بالنهي والمنع والتحريم. رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه - رضي الله عنهم - وأئمة الإسلام بعدهم مِن أهل القرون الأولى وعلى رأسهم أئمة المذاهب الأربعة المشهورة لم يكن مِن هديهم التمسح بالقبور باستلامها بالأيدي والخِرَق وتقبيلها بالأفواه إن زاروها، حتى ولو كانت قبور أفضل الناس وأكثرهم علمًا وصلاحًا. وهم ـ أرشدهم الله - إذا زاروا قبور الأولياء تمسحوا بها بأيديهم وأبدانهم وثيابهم، وقبَّلوها بأفواههم، طلبًا للبركة، واستشفاء بها مِن الأمراض. وقد قال الإمام الزعفراني الشافعي - رحمه الله -: واستلام القبور وتقبيلها الذى يفعله العوام الآن مِن المبتدعات المنكرة شرعًا، ينبغي تجنُّب فعله، ويُنهي فاعله.اهـ وقال الحافظ أبو موسى الأصفهاني - رحمه الله -: قال الفقهاء المتبحِّرون: ولا يَمسح القبر، ولا يُقبله، ولا يَمسه، فإن ذلك عادة النصارى.اهـ وقال الإمام ابن تيمية - رحمه الله -: وأما التَّمسحُ بالقبر - أيَّ قبر كان - وتقبيله، وتمريغ الخدِّ عليه فمنهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك مِن قبور الأنبياء، ولم يفعل هذا أحد مِن سلف الأمة وأئمتها.اهـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }، نفعني الله وإياكم بما سمعتم، والحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية:ــــــــــــــ الحمد للهَ الكريم الرحيم، وأصلي وأسلم على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه المهتدين. أما بعد، أيها المسلمون: فلقد كانت زيارة القبور منهيًا عنها، ثم أُذِنَ بزيارتها لسببين نافعين: أحدهما: انتفاع الزائر لها بتذكُّره الموت والآخرة، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ )). والثاني: نفع الميت بالدعاء له بالمغفرة والرحمة، حيث صحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَى عَلَى الْمَقَابِرِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ لَنَا وَلَكُمْ ))، وصحَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا زار مقبرة البقيع يقول: (( اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ )). فمَن زار القبور لأجل ذلك فقد أقام السُّنَّة النَّبوية، وعمل بها، وسار على هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومَن زارها للطواف حولها أو دعاء أهلها بتفريج الكرب ودفع الشرور وطلب الشفاعة منهم أو لأجل الذبح والنذر لأهلها أو العكوف عليها والاعتكاف عندها أو قراءة القرآن أو الفواتح أو ذكر الله أو الدعاء للنفس والأهل أو لأجل التَّمسح والتَّبرك بها وبالمقبورين فيها فقد خالف السُّنَّة النَّبوية، وضادَّ الشريعة المحمدية، وسار على سَنن اليهود والنصارى، ومَن تابعهم في أفعالهم مِن الشيعة الرافضة وغلاة الصوفية. هذا وأسأل الله تعالى أن يجعلنا مِن التائبين المستغفرين، وأن يحيينا ويميتنا على التوحيد السُّنَّة، اللهم احقن دماء المسلمين في كل أرض وبلاد، وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأعذهم مِن دعاة الفتن والمفتونين، اللهم وفق جميع ولاة أمور المسلمين إلى مراضيك، وارزقهم البطانة الطيِّبة، التي تدلهم وتعينهم على الخير للعباد في دينهم ودنياهم، اللهم رُدَّ العباد إلى التوحيد والسُّنَّة ردًّا جميلًا، وجنبهم الشرك والبدعة والدعاة إليهما، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، وارزقهم النعيم في قبورهم والسرور، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
  4. أهل السُّنَّة السلفيون أنفع الناس ردًّا وأعلاهم فضحًا لطرح وأُطروحات التغريبيين الحمد وسلام على عباده الذين اصطفى. وبعد: فإن التغريبيين الذين تأثروا بمبادئ وأُطْروحات وأفكار وأحوال وأقوال وأفعال وأشخاص أهل الكفر في بلاد الغرب وغيرها شرُّهم على أمة الإسلام ودينها عظيم وخطير، وضررهم مُحْدِق وشديد، ومكرهم كُبَّار ومُستعِر، وكيدهم مُتنوِّع وباستمرار، يتعاقبون عليه وفيه، ويتعاضدون لنفث سمومه ويتناصرون، ومُكِّنوا أو تمكَّنوا مِن قنوات بثه صوتًا وصورة ومشاهدة، ومواضع كتاباته وطباعته ونشره، وتدعمهم دوَلٌ ومراكز ومعاهد مختلفة، وتقوِّيهم جهات مشبوهة، بل ظاهرة العداء والعُدوان. ولا يُستغرب تأثرهم بهم، وذوبانهم معهم، وتبعيتهم لهم، وانجرارهم إليهم، فعند عوامِّنا عِلمه قبل ألفٍ وأربعمئة مِن السنين، إذ صحَّ عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ»)). ومرادهم مِن هذا التغريب إفساد دين المسلمين الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسائر السَّلف الصالح، وإبعاد المسلمين عن تعاليمه وأحكامه، التي لا صلاح لهم ولدنياهم وآخرتهم إلا بها، وإعاقة حلول رحمة الله لهم بالاستمساك بدينه وشرعه، وقد قال - عزَّ وجل -: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }. وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً )) رواه مسلم. وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أيضًا أنه قال: (( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ )) رواه أحمد وغيره. فولجوا باب العقيدة هدمًا للأصول، وتجهيلًا للسَّلف الماضين، وتظليمًا للقرون الزاهرة الأولى، وتشويهًا وتلبيسًا لمعالم الدين، وتمكينًا لمشيخة ودعاة ورموز أهل البدع والأهواء مِن: الرافضة والصوفية والمعتزلة والإباضية والإخوانية والتحريرية وأترابهم، عبر قنواتهم ونواديهم ومجلاتهم وصُحفهم ومواقعهم الإلكترونية ومؤتمراتهم. وولجوا باب الحكم وولاية أمر المسلمين، فشوَّهوا الحدود الشرعية، وكرَّهوا السياسة الشرعية إلى الخليقة، وافتاتوا على ربهم بأنَّ أحكامه إنما هي للعصر الذي نزلت فيه وما بعده، ولا تُناسب عصرنا هذا، ولا تتناسب مع مُجرياته، وجرفوا الناس عن شريعة ربهم إلى تشريعات وتحسينات عقولٍ بشرية، وفتحوا عليهم ديمقراطية أهل الكفر والتعددية الحزبية والملكية الدستورية والعلمانية، وأفسدوا بهذه المسميات وغيرها علاقة الحاكم بشعبه وتعاملهم معه وِفْقَ نصوص شريعة ربهم، حتى كثُر سَبُّ الولاة والقدح فيهم والطعن، وانتشر التحريض عليهم، فقامت المظاهرات فالاعتصامات ثم الثورات، فحصل القتل والاقتتال، وتقسَّمت البلدان، وافترق وتفارق أهلها، وضعف الاقتصاد، وانتشر الفقر والمجاعات والأوبئة، وقُتِل وهُجِّر مئات الآلاف، بل أكثر. واستعملوا أيضًا لذلك رموزًا ذات مسميات تتعلق بالدين، بل تعاضدوا معهم، وحوَّلوا طاقات وعقولاً شبابية غفيرة مِن الذكور والإناث إلى ما أراد الأعداء، واستعانوا على هذا بمحطات إعلامية وفضائيات متعددة ومتنوعة. وولجوا باب المرأة لباسًا واختلاطًا وسَفَرًا وحُقوقًا ومشابهة ووظيفة وحُرِّية ووِلاية ومنصبًا حتى أبعدوا الكثيرات عن تعاليم دينهن، وعن حيائهن وحشمتهن، ورجعن على أحكام الإسلام وأهله بما يُحزِن ويُتأسف له، وأصبحت لا تُفرِّق بين كثيرات منهن وبين الكافرات أو الفاجرات في اللباس والشعر والهيئة والمنظر، ولا بينهن وبين الرجال في الجرأة والمعاملة والمخاطبة والاختلاط والمرافقة، وحتى في الشكل. وولجوا في أبواب أخرى عديدة، وهرجوا ومرجوا وماجوا فيها بأسماء بني جلدتنا، وعقول وفهوم وأفكار ومكر وكيد ومخططات أعدائنا. والحُرُّ تكفيه الإشارة، هكذا قال أهل الأمثال، وصدقوا. وبعد هذا أقول حتى لا نُخدَع أو نُستَغفل أو نَظلِم أو نُظلَم: إن التغريب فساد ديني وأخلاقي ومجتمعي. ولئن كان المراد هو مجابهته وحماية الدين والعباد والبلاد مِن شروره وأضراره وإفساده، فإن أهل السُّنّة السلفيين علماء وطلبة علم قد جابهوه شديدًا، وقاوموه كثيرًا، ولا يزالون، وحذَّروا الناس مِنه، ومِن أهله ودعاته، وقنواته وكُتّابه وكُتبه، وبيَّنوا مخالفته للشريعة، وكشفوا عن ما نُسِج حوله من شُبَه وتلبيس، وكل هذا بقال الله، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وقال الصحابة - رضي الله عنهم -. وهم خير مَن قام به، وحمل رايته، لشدَّة حرصهم وغيرتهم على العقيدة، وعلى دين المسلمين ومجتمعاتهم وبلدانهم. ولأنهم أكثر الناس اجتهادًا في طلب العلم الشرعي، ونشرًا له بين الناس، وتحرِّيًا لصحَّة أدلَّته، وصريح دلالته، وموافقته لفهوم وطريقة السَّلف الصالح مِن الصحابة والتابعين فمَن بعدهم. وكتبهم وخطبهم ومحاضراتهم ودروسهم ومقالاتهم وأشرطتهم ومواقعهم الإلكترونية وبرامج التواصل الاجتماعي والمعلوماتي شاهدة بذلك، بل حافلة وغزيرة، لا تُحجب عن طالبٍ لها مِن صغير أو كبير، أو ذكر أو أنثى، إلا مَن حَجَبه غيره عنها، وصرَفه إلى غيرها، وأصبح يُقاد ويوجَّه فينقاد ويُسَلِّم ويَتَّكِل. وفي نفس الوقت واجهوا وجابهوا وجاهدوا بالعلم والبيان مَن تأثر بأُطروحات التغريبيين ومخالطتهم ومناقشاتهم أو استخدموه لفترة أو حاجة مِمَّن تدثَّر بلباس العلم والفقه فأصبح يستدل لبعض طرْح التغريبيين بالدين، وفُهومٍ مغلوطة أو شاذة لنُصوصه، أو أخذٍ لنُصوص مع تركٍ لما يُفَسِّرها ويُقَيِّدها ويُخَصِّصها، ناهيك عن إيرادهم وتقوِّيهم بما لا يصحُّ منها ولا يجوز الاحتجاج به، أو إظهارٍ لمسائل إجماع واتفاق من العلماء على أنها مسائل خلاف، أو احتجاجٍ بخلافٍ بعضُ أهله قولهم مصادمٌ للنصوص الشرعية الثابتة. مِمَّا يزيد في رواج هذه الأُطروحات، ووقوع الكثيرين في شباكها وشُبهاتها، وتأثرهم بأهلها، ولَبْس الحق بالباطل، وأهل الحق والهدى والسُّنَّة والرحمة بأهل الباطل والضلال والانحراف. وإن كان المراد هو شُخوص التغريبيين لتحقيق مكاسب جماهيرية، واستعطاف عوام الناس، وتعويض ما فُقد مِن أتباع بسبب تبيُّن الناس حال كثير مِن الأحزاب ذات المسميات المتعلقة بالدين، والرُّموز، والدَّعوات. أو المراد تهييج الناس على وليَّ أمرهم، وجعل قلوبهم تغلي عليه دومًا، وبُغضهم له يتوسع، وطعنهم عليه يَكثُر ويكبُر، بأن الدَّولة أو الحاكم يُمكِّن ويفتح الباب لأهل التغريب وسُمومهم، فيبقى بهذا مذهبهم السِّياسي القائم باسم الدين، وأنه الأصلح والأغير، والحَلُّ الوحيد. أو يُراد الأمرين جميعًا. فأهل السُّنَّة السلفيون مِن أبعد الناس عن هذا المراد والمقصد، لأنهم لا يدعون إلى أنفسهم ولا إلى حزب وجماعة، بل يدعون إلى الله، عملًا بشريعته، ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، حيث قال الله سبحانه في شأنه وشأن أتباعه: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي }. ولأنهم لا يريدون أن يفتحوا باب شرٍّ على الأمة مِن جهة باب الولاية، عملًا بالشريعة، واتباعًا للسَّلف الصالح. وقد رأى الناس اليوم وقرؤوا في التاريخ عاقبة فتح هذا الباب وكيف جرَّ إلى الثورات، فالقتل والاقتتال والدَّمار والتَّشرد والفقر وتقسُّم أهل البلد الواحد. وقد صحَّ عن أبي وائل - رحمه الله - أنه قال: (( قِيلَ لِأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلاَنًا فَكَلَّمْتَهُ، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ، إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ )) رواه البخاري. وفُلانٌ هذا هو أمير المؤمنين العادل الصالح التَّقي الزاهد المُبَشَّر بالجنة وثالث أفضل الأمة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. وقد نشروا عنه علنًا ما هو كذب وباطل وافتراء، فكان أنْ ثارت طائفة وخرجت عليه حتى قتلوه، فتتابعت الفتن والشرور على الأمة بسبب فعلتهم النكراء هذه، ولا تزال آثارها مُمتدة إلى اليوم، فكيف إذا كان الحاكم عنده شيء مِن النقص والتقصير وما لا يحِلّ. وفي باب تسمية الأشخاص فأهل السُّنَّة السلفيون يراعون باب المصالح والمفاسد على الدين والعباد والبلاد، لا الناس، ولا الجماهيرية، ولا العُلوَّ، ولا الشهرة، ولا السُّمعة. فتراهم يُسمُّون أحيانًا، ويتركون التسمية في أحيان أخرى، ويُعلنون أحيانًا، وينصحون في السِّر أحيانًا أخرى، ويدرسون دلالة الألفاظ الصادرة، حتى يحكموا عليها بمقتضى الشريعة، لا بمقتضى الأهواء أو الأحزاب، ويتثبَّتون في الحكم على مُعيَّنٍ بعلمانية أو ليبرالية أو حداثية أو تغريب، لأن بعضًا مِمَّن نُسب إليهم ليس كذلك، ولأننا عبر الأيام، وصوتًا وصورة وسماعًا قد رأينا رموزًا عدة لهم شهرة جماهيرية قد حكموا على أشخاص بذلك حين كانوا متنافرين سياسيًا أو حزبيًا، ثم لمَّا توافقوا في أمور وتصالحوا، إذا بهم يجالسونهم، ويمدحونهم، ويدافعون عنهم، ويُبجِّلونهم، ويتزاورون، ويتعاضدون، بل ويُكذِّبون ما قد قالوه في أيام خلَت. مع تفطُّنهم وتنبُّههم إلى عدم إشهار بعض طرح التغرييين وأفرادٍ منهم، وقومٍ قد يكونوا تأثروا بشيء منه فأعلنوه، فتغافلوا عنهم وعنه، حتى لا ينتشر الطرح، ويشتهر الطارح، لأنه حين أنزل مقاله أو غرَّد به أو نطق، لم يطلع عليه إلا قِلَّة، وكان نِطاق دوِّيه صغيرًا، وحجم تأثيره ضيِّقًا، أو كان الطرح يَحمل شبهًا، ويحتوي تدليسًا، وقد يروج على مَن قصر فهمه، وضعف فقهه، وصغر سِنُّه، وهذا مِن مُقتضى الشرع، ورجاحة العقل، ومِن الحكمة. وردود أهل السُّنَّة السلفيين على أشخاص مُعيَّنين بأسمائهم مِن التغريبيين والعلمانيين والليبراليين والبعثيين والشيوعيين والاشتراكيين والماركسيين والقوميين واللينيين والاستاليين وأضرابهم ذكورًا أو إناثًا مشهورة ومعروفة، وموجودة في المكتبات، والمواقع الإلكترونية في الإنترنت، ناهيك عن المقاطع الصوتية الكثيرة. وكذلك ردودهم على مَن تأثَّر بطرحهم، وروَّج لهم ولأطروحاتهم، ودلَّلَّ لشذوذاتهم، ونشَر خروقاتهم لسفينة نجاة العباد والبلاد. وهم لا يحملون وِزْرَ مَن لم يعرفها، أو حُجِب عنها، أو غطَّاها عن المتأثرين به، والمتعاطفين معه، لقول الله سبحانه: { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى }. مع نُصحهم المستمر وبقدر استطاعتهم مشافهة وتوصية ومكاتبة لأهل الولاية والسلطان، والنُّواب وأهل المسؤولية وبالطُّرق الشرعية، عملًا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ نَصِيحَةٌ لِذِي سُلْطَانٍ فَلْيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَنْصَحْهُ، فَإِنْ قَبِلَهَا، وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ )) رواه ابن أبي عاصم في "السنة"، وغيره. ولِمَا ثبت عن سعيد بن جبير - رحمه الله - أنه قال: (( قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: آمُرُ إِمَامِي بِالْمَعْرُوفِ؟ قَالَ: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ فَلَا، فَإِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا، فَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَلَا تَغْتَبْ إِمَامَك)) رواه سعيد بن منصور في "سننه"، وغيره. هذا الذي يستطيعونه، وفي مقدرتهم فعله، وقد قال الله - جلَّ وعلا -: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا }. وقال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }. وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ )) رواه البخاري. وقال سبحانه: { فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ }. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وكتبه: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
  5. ها قد أقبل شهر رمضان فأحسنوا فيه العمل الخطبة الأولى: الحمد لله الجواد الكريم، الذي جعل الصيام جُنَّة للصائمين من النار، ومكفرًا للخطايا والآثام، ومضاعفًا للأجر، ورافعًا للدرجات، ودافعًا إلى زيادة البِّر والإحسان، وشافعًا لمن كان من أهله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، العظيم الكريم، البَّر الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من صلى لربه وقام، وأتقى من حج وصام، فصلى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه الكرام، ما تعاقب ليل مع نهار. أما بعد، أيها المسلمون: فلا تزال نعم الله - جل وعلا - علينا تتابع، وإحسانه لنا يكثر حينًا بعد حين، وكل يوم نحن منها في مزيد، فما تأتي نعمة إلا وتلحقها أخرى، يرحم بها عباده الفقراء إليه، والمحتاجين إلى عونه وغفرانه وإنعامه، ألا وإن من أجلّ هذه النعم، وأرفع هذه العطايا، وأجمل هذه المِنن، إيجابه - عز وجل - علينا صوم شهر رمضان، وما أدراك ما رمضان، ثم ما أدراك ما رمضان، حيث صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأنه: (( إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ )). فيا لسعادة من أمسك بزمام نفسه في هذا الشهر العظيم المبارك، وشمَّر عن ساعد الجِّد، فسلك بها سبيل الجنة، وجنَّبها سُبل النار، والشقاء فيها، ويا خسارة من سلك بها طريق المعصية والهوان، وأوردها موارد الهلاك، وأغضب ربه الرحمن، وقد يُسِّرت له الأسباب، ففتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وسُلسلت الشياطين وصُفِّدت. أيها المسلمون: من لم يتب في شهر رمضان فمتى يتوب؟ ومن لم يُقلع عن الذنوب والخطايا في رمضان فمتى يُقلع، ومن لم يرحم نفسه التي بين جنبيه وقت الصيام فمتى يرحمها؟ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صعِد المنبر فقال: (( آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ، قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ )). فيا لحسرة وبؤس وشِقوة من دخل في دعوة جبريل - عليه السلام -، وتأمين سيِّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم عليها، فأبعده الله وأخزاه وأهانه. فيا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب * حتى عصى الله في شهر شعبان لقد أظلك شـهر الصـوم بعـدهما * فلا تُصيره أيضًا شهر عصيـان ويا باغي الخير أقبل على الصالحات واستكثِر، ويا باغي الشر أقصِر عن الذنوب والآثام واهجر. فإن كنت تريد مغفرة الخطايا، وإذهاب السيئات فعليك بالصيام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )). وإن كنت تريد مضاعفة الحسنات، فعليك بالصيام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي )). وإن كنت تريد أن تكون من أهل الجنة المنَعَّمِين السعداء فلا تغفل عن صوم شهر رمضان، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس في حجة الوداع فقال: (( صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ )). وإن كانت نفسك تتوق لأن تكون من أهل المنازل العالية الرفيعة، فدونك شهر رمضان، فقد ثبت أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أَنَا؟، قَالَ: مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ )). أيها المسلمون: ها قد أقبل عليكم شهر رمضان، شهرٌ جعل الله صيامه أحد أركان دينه الإسلام، وأصوله الكبار، ودعائمه العظام، شهرٌ نزل فيه القرآن، شهرٌ تُصفَّد فيه الشياطين، وتُفَتَّح فيه أبواب الجنَّة، وتُغلَّق فيه أبواب النار، فاحرصوا غاية الحرص، على أن تكونوا ممن يُحقق الغرض من صيامه، ألا وهو تقوى الله سبحانه، ألا وهو أن يزجركم الصيام ويمنعكم ويبعدكم عن معصية ربكم، ويحثكم ويقويكم على العبادة والطاعة، ويجعلكم معها في ازدياد، طاعة وامتثالًا لربكم، حيث قال - عز وجل -: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }. أيها المسلمون: إنَّ الصُّوام بتركك الطعام والشراب والجماع وسائر المفطرات كُثر، وهو سهل عليهم، وقد وثبت عن ميمون بن مهران ـ رحمه الله ـ أنه قال: (( إِنَّ أَهْوَنَ الصَّوْمِ تَرْكُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ))، إلا أن الصائم الموفق المسدد هو من صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرَّفث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، وإن استمع لم يسمع ما يضعف صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا، وتكون أعماله جميعها طيبة زكيه مرضِيَّة، فكما أن الطعام والشراب يقطعان الصيام ويفسدانه، فكذلك الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته، حتى تصَيِّر صاحبه بمنزلة من لم يصم، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ )). والمراد بالزور: كل قول محرم، فيدخل فيه الكذب، وتدخل فيه شهادة الزور والغيبة والنميمة والقذف والإفك والبهتان والغناء والاستهزاء والسخرية وسائر ألوان الباطل من الكلام. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ )). أيها المسلمون: احذروا في شهر رمضان أشدَّ الحذر، وانتبهوا غاية الانتباه، حتى لا تكونوا ممن ليس لله حاجة في تركه الطعام والشراب، وممن حضه من صيامه الجوع والعطش، واجتنبوا مسببات ذلك، وعُفُّوا أسماعكم وأبصاركم وألسنتكم وباقي جوارحكم عن جميع المحرمات، وفي سائر الأوقات، وبالليل والنهار، وقوموا بما يُعينكم على ذلك، واعلموا أن إكثار الجلوس في المساجد نهار رمضان من أعظم مسببات حفظ الصيام وسلامته عن الآثام، وزيادة الأجور عليه، وقد صح عن أبي المتوكل الناجي - رحمه الله - أنه قال: (( كان أَبِو هُرَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا صَامُوا قَعَدُوا فِي الْمَسْجِدِ وَقَالُوا: نُطَهِّرُ صِيَامَنَا )). نفعني الله وإياكم بما سمعتم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد الأمين المأمون. الخطبة الثانية: الحمد لله ذي الفضل والإكرام، والجود والإنعام، وصلواته على عبده الكريم محمد خاتم أنبيائه وأفضلهم، وعلى آله وأصحابه الأخيار، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها المسلمون: لقد كان السلف الصالح - رحمهم الله تعالى - يُقبلون على القرآن في شهر رمضان إقبالًا كبيرًا، ويهتمون به اهتمامًا عظيمًا، ويتزودون من تلاوته كثيرًا، فكان الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ يختم في اليوم والليلة من رمضان ختمتين، وكان الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ يقرأ في كل يوم وليلة من رمضان ختمة واحدة، وبعض السلف كان يختم كل ثلاثة أيام ختمة، وبعضهم كان يختم كل خمسة أيام ختمة، ومنهم من كان يختم كل أسبوع ختمة واحدة، وكيف لا يكون هذا حالهم مع القرآن، ورمضان هو شهر نزول القرآن، وشهر مدارسة جبريل ـ عليه السلام ـ للنبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن، وزمنه أفضل الأزمان، والحسنات فيه مضاعفة، وقد صح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (( تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَيُكَفَّرُ بِهِ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: { الم } وَلَكِنْ أَقُولُ: أَلِفٌ عَشْرٌ، وَلَامٌ عَشْرٌ، وَمِيمٌ عَشْرٌ )). فأقبلوا ـ يا رعاكم الله ـ على القرآن في هذا الشهر المبارك العظيم، وحثوا أهليكم رجالًا ونساء، صغارًا وكبارًا، على تلاوته والإكثار منه، واجعلوا بيوتكم ومراكبكم وأوقاتكم عامرة به. أيها المسلمون: صح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ )). فاقتدوا بهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وجودوا في هذا الشهر الجليل، وازدادوا جودًا، وكونوا من الكرماء، وأذهبوا عن أنفسكم لهف الدرهم والدينار، وتعلقها بالريال والدولار، وتخوفها من الفقر، فإن الشحيح لا يضر إلا نفسه، وقد قال الله تعالى معاتبًا ومرهبًا: { هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ }. فأنفقوا ولا تمسكوا، وجودوا ولا تبخلوا، ولا تحقروا القليل من البذل والعطاء، لا تحقروا قليل الصدقة، فتردكم عن الإنفاق في وجوه البر والإحسان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه أنه قال: (( فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ )). إلا وإن من الجود بالخير في رمضان تفطير الصائمين من القرابة والجيران والأصحاب والفقراء والعُزَّاب وغيرهم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مرغبًا لكم إلى تفطير الصائمين، ومبينًا عظم أجره، وكبير فضله، وحُسن عائده على فاعله: (( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ )). أيها المسلمون: اتقوا الله ربكم حق تقواه، وأجلوه حق إجلاله، وعظموا أوامره، وأكبروا زواجره، ولا تهينوا أنفسكم بعصيانه، وتذلوا رقابكم بالوقوع في ما حرم، فتنقادوا للشيطان، وتخضعوا للشهوة، بالإفطار في نهار الصوم بغير عذر إما بجماع أو استمناء أو أكل أو شرب أو غير ذلك، فإن الإفطار قبل حلول وقته من غير عذر ذنْبٌ خطير، وجرم شنيع، وفِعل قبيح، وتجاوز لحدود الله فظيع، ومَهلكة للواقع فيه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مبينًا عقوبة من يفطرون قبل تحلة صومهم وإتمامه: (( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ، فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا، فَقَالَا: اصْعَدْ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أُطِيقُهُ، فَقَالَا: إِنَّا سَنُسَهِّلُهُ لَكَ، فَصَعِدْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الْجَبَلِ إِذَا بِأَصْوَاتٍ شَدِيدَةٍ، قُلْتُ: مَا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ؟ قَالُوا: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ )). وقال الإمام الألباني - رحمه الله - معلقًا على هذا الحديث: هذه عقوبة من صام ثم أفطر عمدًا قبل حلول وقت الإفطار، فكيف يكون حال من لا يصوم أصلًا، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة. هذا وأسأل ربي - جلّ وعلا - أن يبلغنا رمضان بلوغًا حسنًا، وأن يعيننا على صيامه وقيامه، وأن يجعلنا فيه من الذاكرين الشاكرين المتقبلة أعمالهم، اللهم قنا شر أنفسنا والشيطان، واغفر لنا ولوالدينا وسائر أهلينا، اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان، وأعذهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجنبهم القتل والاقتتال، وأزل عنهم الخوف والجوع والدمار، اللهم من أراد ديننا وبلادنا وأمننا وأموالنا بشر ومكر ومكيدة فاجعل تدبيره تدميرًا له، ومكره مكرانًا به، إنك سميع الدعاء. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. خطبة كتبها وألقاها: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
  6. طُرُق تعليم الصِّغار التوحيد وترسِيخه في قلوبهم وأذهانهم الحمد لله المحمود على كل حال، والصلاة والسلام على النبي محمد عظيم الخصال، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ما تعاقبت الأيام والليال. وبعد: فلقد سُئلت في محاضرة لي هذا السؤال: [ أحسن الله إليكم شيخنا الفاضل كيف يكون تعليم الصغار التوحيد؟ ] فأجبت بهذا الجواب: تعليم الصغار التوحيد يكون بطرق عِدَّة: ومِن هذه الطرق (1): أنْ لا يرى الصغار - ذكورًا وإناثًا - أو يسمعوا مِن آبائهم وأمهاتهم ومَن يسكن معهم شيئًا مِن الشرك، لا مِن الأكبر، ولا مِن الأصغر، ولا مِن الأسباب المفضية إليهما. فإذا عاشوا هذا الواقع، وفي مثل هذه البيئة، كانت مِن أكبر العون لهم على الابتعاد عن الشرك، وأهله، ودعاته، وقنواته، بل وإنكاره إذا سُمِع أو شُوهِد. ومِن هذه الطرق (2): أن يُحفَّظ الصغار - ذكورًا وإناثًا - متونًا تتعلَّق بالتوحيد، ومُعتقَد السَّلف الصالح أهل السُّنَّة والحديث، ككتاب "الأصول الثلاثة" و "القواعد الأربع" و كتاب "التوحيد" و "نواقض الإسلام" للإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -. وكتاب "أصول السُّنَّة" للإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -. وكتاب "عقيدة أهل السنة والجماعة" للعلامة محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -. وأمثال هذه الكتب التي صنَّفها أئمة أهل السُّنَّة والحديث الذين عُرفوا بالرسوخ في العلم، والجلالة في القدر، ومتابعة السِّلف الصالح مِن أهل القرون الأولى. ومِن هذه الطرق (3): أنْ يُعلِّم الآباء والأمهات صغارهم - ذكورًا وإناثًا - بالتَّدرج وباستمرار ما يتعلَّق بالتوحيد ومُعتقَد السِّلف الصالح أهل السُّنَّة والحديث مِن مسائل وأمور، ويسألونهم عنها عن طريق السؤال والجواب، حتى يحفظوها، وترسخ في قلوبهم، وأذهانهم، ويَكُبروا ويَشُبُّوا عليها. فمثلًا: التَّوحيد هو: إفراد الله وحده بجميع العبادات. بمعنى: أنك لا تصلي ولا تصوم إلا لله، ولا تدعوا إلا الله، ولا تفعل أيَّ عبادة إلا لله وحده. والدَّليل على وجوبه قول الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }. وقوله سبحانه: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }. فيأتي الأب أو الأم إلى هذا الصغير أو هذه الصغيرة وباستمرار - في البيت أو السَّيارة أو الطريق أو مكان النُّزْهة - فيسألان: ما هو التوحيد؟ وما هو الدليل على وجوب التوحيد؟ ومثلًا: الشِّرك هو: صَرْفُ العبادة أو شيءٍ منها لغير الله. ومِن أمثلته: دعاء غير الله تعالى. كدعاء بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: "فرِّج عنَّا يا رسول الله". أو دعاء بعضهم الحسين بن علي - رضي الله عنهما -، بقوله: "اشفنا يا حسين". أو دعاء بعضهم أحمد البدوي، بقوله: "مدد يا بدوي". أو دعاء بعضهم الجيلاني، بقوله: "أغثنا يا جيلاني". والدَّليل على تحريمه قول الله تعالى: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ }. وقول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ )). فيأتي الأب أو الأم إلى هذا الصغير أو هذه الصغيرة وباستمرار - في البيت أو السَّيارة أو الطريق أو مكان النُّزْهة - فيسألان: ما هو الشرك؟ وما هو الدليل على تحريم الشرك؟ واذكر مثالًا أو مثالين على الشرك؟ ومثلًا: الشرك ينقسم إلى قسمين: الأول: الشرك الأكبر. وهو: صرف العبادة أو شيء منها لغير الله. ومن أمثلته: دعاء غير الله تعالى. كدعاء بعضهم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: "مدد يا زهراء" أو "فرِّجي عنّا يا بنت رسول الله". الثاني: الشرك الأصغر. ومن أمثلته: الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو الكعبة، أو الشرف، أو الأمانة، أو الذِّمة، أو أيِّ مخلوق. كقول بعضهم: والنبيِّ أو والكعبة أو وشرَفِي أنّي لم أفعل هذا الأمر. ودليل تحريمه قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ )). فيأتي الأب أو الأم إلى هذا الصغير أو هذه الصغيرة وباستمرار - في البيت أو السَّيارة أو الطريق أو مكان النُّزْهة - فيسألان: إلى كم ينقسم الشرك؟ وما هي أقسام الشرك، واذكر مثالًا على الشرك الأصغر، وما هو حكم الحلف بغير الله؟ مع الدليل؟ ومثلًا: التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيد الربوبية. وهو: الإيمان بأن الله هو الخالق الرَّازق المُدبِّر لأمور خلقه، المتصرف في شؤونهم في الدنيا والآخرة. والثاني: توحيد الألوهية. وهو: إفراد الله وحده بجميع العبادات فلا نصرفها إلا له. والثالث: توحيد الأسماء والصفات. وهو: إثبات جميع ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسول محمد صلى الله عليه وسلم مِن الأسماء الحسنى والصفات العُلى. فيأتي الأب أو الأم إلى هذا الصغير أو هذه الصغيرة وباستمرار - في البيت أو السَّيارة أو الطريق أو مكان النُّزْهة - فيسألان: إلى كم ينقسم التوحيد؟ وما هي أقسام التوحيد؟ وما هو توحيد الربوبية؟ وما هو توحيد الألوهية؟ وما هو توحيد الأسماء والصفات؟ ومثلًا: الله - جلَّ وعلا - في السماء مُستوٍ على العرش. والدَّليل قول الله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }. وقول النبي صلى الله عليه وسلم الصَّحيح: (( أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ )). فيأتي الأب أو الأم إلى هذا الصغير أو هذه الصغيرة وباستمرار - في البيت أو السَّيارة أو الطريق أو مكان النُّزْهة - فيسألان: أين الله؟ وما هو الدليل على أن الله في السماء مُستوٍ على العرش؟ وهكذا. ومِن هذه الطرق (4): أنْ يُجَنِّبَ الآباء والأمهات صغارهم - ذكورًا وإناثًا - السمَّاع، أو الحضور، أو القراءة، أو المشاهدة عبر الفضائيات واليوتيوب، لِمَن عُرف بأنه لا يَهتم بالتوحيد، أو يُهوَّن مِن شأنه، أو لا يُحذِّر الناس مِن الشرك ودعاته، أو يقع في شيء مِن الشِّركيات والبدع، أو يُعَظِّم دعاة ومشايخ الصوفية، أو يُجِلُّ دعاة ورموز وأحزاب وفِرق أهل البدع والأهواء. لأنَّ الصغار سريعوا التأثر بما يسمعون، وبما يُشاهِدون، وبَمن يُخالطون ويُجالسون. وهؤلاء القوم ضررهم كبير على العباد والبلاد، لاسيَّما صغار السِّن، إذ يُفسدون عليهم فِطرهم، ويُلبِّسون عليهم توحيدهم وعقيدتهم، ويُعلِّقونهم بدعاة الشِّركيات والبدع، بمدحهم لهم، والثناء عليهم، وتعظيمهم، والدفاع عنهم، فيعتقدون أنهم على حقٍّ وهُدى، وينجرفون بسببهم إلى الشِّركيات والبدع، ويُفارِقون الاعتقاد الصحيح - وهو مُعتقَد السَّلف الصالح أهل السُّنَّة والحديث - إلى غيره مِن الباطل، وإلى فِرق وأحزاب وجماعات أهل البدع الضَّلال. وفي بيان أثر مثل هذا على الصغار يقول بعض أئمة السَّلف الصالح - رحمهم الله -: (( إِذَا رَأَيْتَ اَلشَّابَّ أَوَّلَ مَا يَنْشَأُ مَعَ أَهْلِ اَلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَارْجُهُ وَإِذَا رَأَيْتَهُ مَعَ أَهْلِ اَلْبِدَعِ فَايئسْ مِنْهُ فَإِنَّ اَلشَّابَّ عَلَى أَوَّلِ نُشُوئِهِ )). وقال الإمام حمَّاد بن زيد - رحمه الله -: (( قَالَ لِي يُونُس: يَا حَمَّادُ إِنِّي لَأَرَى اَلشَّابَّ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ مُنْكَرَةٍ فَلَا أُيَئِّسُ مِنْ خَيْرِهِ حَتَّى أَرَاهُ يُصَاحِبُ صَاحِب بِدْعَةٍ فَعِنْدَهَا أَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ عَطِبَ )). ومِن هذه الطرق (5): أن يربط الآباء والأمهات صغارهم - ذكورًا وإناثًا - بعلماء أهل السُّنَّة والحديث، الذين عُرفوا بالرسوخ في العلم، وصفاء المعتقد، وحُسن الدِّيانة، ومُتابعة السَّلف الصالح أهل القرون الأولى، وأنهم فلانٌ، وفلانٌ، وفلان، حتى تتعلَّق نفوسهم بهؤلاء الأئمة، ويشُبُّوا على محبتهم، وأخذ العلم أو الفتوى عن طريقهم، وعبر كتبهم، أو أشرطتهم، أو مقاطع دروسهم وكلامهم في اليوتيوب، وأشباهه. ومِن أمثلة هؤلاء الأئمة مِن أهل زماننا: عبد العزيز بن باز، وعبد الرحمن السعدي، والألباني، ومحمد بن صالح العثيمين، ومحمد أمان الجامي، وعبد الرزاق عفيفي، وحماد الأنصاري، وربيع المدخلي، وصالح الفوزان، وصالح اللحيدان، وزيد المدخلي، وأحمد النجمي، ومقبل الوادعي، وحافظ الحكمي. ومِن طُرق ربطهم بهم: 1- شراء ما يُحتاج إليه مِن كتبهم وأشرطتهم، ووضعه في مكان معروف مِن البيت، حتى إذا أرادوا القراءة في البيت أو معرفة حكم مسألة رجعوا إليها، وإليهم. 2- رجوع الوالدين وصغارهم إلى كتبهم وأشرطتهم إذا احتاجوا حكم مسألة، أو اختلفوا في مسألة، أو أرادوا تعريف أولادهم حكم شيء ليطمأنوا أو يتشجَّعوا. 3- تشغيل الوالدين أشرطة هؤلاء العلماء في البيت أو السيارة ليعتاد صغارهم عليها، ويتعرَّفوا عليهم، وأنهم هم الرَّاسخون في العلم، حتى لا يرجعوا إلا إليهم، ويحفظ الله عليهم أمر دينهم وعقيدتهم بسبب ذلك. 4- تخصيص الوالدين مع صغارهم بعض الوقت مِن اليوم أو الأسبوع أو الشهر للقراءة في كتبهم، ولو قلَّ الوقت أو قلَّت القراءة، وحتى ولو كان المقروء حكمًا واحدًا، أو مسألة واحدة. ومِن هذه الطرق (6): أخذه الوالدين صغارهم إلى دروس وخُطب ومحاضرات وكلمات أتباع السَّلف الصالح أهل السُّنَّة والحديث، الذين عُرفوا بصفاء العقيدة والمنهج، والحرص على اتِّباع الكتاب والسُّنَّة وما كان عليه السَّلف الصالح. لأن هؤلاء يَكثُر في دروسهم وخُطبهم ومحاضراتهم الكلام على التوحيد والسُّنَّة، والتحذير مِن الشرك والبدع، وبيان مُعتقّد السَّلف الصالح مِن الصحابة - رضي الله عنهم - ومَن بعدهم من أهل القرون الأولى، ويُبيِّنون الشركيات والبدع وينقضونها بأدلة الشرع، ويحذِّرون مِن دعاة أهل البدع والأهواء، مِن أفكارهم، وأحزابهم، وجماعاتهم، وفِرقهم، فينتفع بهم الصغار كثيرًا، لا سيَّما مع مُرور الأيام، وكَثرة التِّرداد. وإن كان الصغار قد لا يُدركون بعض ما يُلقى إليهم فلا يضُرّ، ولا بأس، لأنهم سيعتادون على هؤلاء، وعلى محبَّتهم، وعلى الحضور لهم، بسبب مَن عوَّدهم وذهب بهم إليهم، فينتفعون بهم وبما يقولون مع مرور الأيام، وتقدُّم السِّن، وتكرُّر المواضيع، وتكرار الكلام. وفي بيان أثر مثل هذا على الصغار يقول بعض أئمة السَّلف الصالح - رحمهم الله -: (( مِنْ نِعْمَةِ اَللَّهِ عَلَى اَلشَّابِّ وَالْأَعْجَمِيِّ إِذَا تَنَكَّسَا أَنْ يُوَفَّقَا لِصَاحِبِ سُنَّةٍ يَحْمِلُهُمَا عَلَيْهَا لِأَنَّ اَلشَّابَّ وَالْأَعْجَمِيَّ يَأْخُذُ فِيهِمَا مَا سَبَقَ إِلَيْهِمَا )). ومِن هذه الطرق (7): أن يُنكر الأب أو الأم أمام صغارهم - ذكورًا وإناثًا - ما يحصل مِن خطأ في وجودهم في باب التوحيد والشرك ومُجمل الاعتقاد، وأمور البدع، ولو تكرَّر الخطأ، وعاد صاحبه إليه. ويحصل هذا الإنكار أو التَّبيين برفق، وحُسن خطاب، وذِكر دليل الشرع إن احتيج، حتى يحصل الفهم، ويصلح الحال، وتَطِيب النفوس ولا تنْفِر. فمثلًا: لو سُمِع مِن أحد القرابة أمرًا شركيًّا كقول: "مدد يا بدوي" أو "مدد يا أولياء الله". بُيِّنَ لهم حكم ذلك، وأنه مِن صرف عبادة الدعاء لغير الله، وأنه شرك أكبر مُخرج عن ملَّة الإسلام. ومثلًا: لو سُمِع مِن أحد الصغار أو القرابة حلِفٌ بغير الله، كالحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو الكعبة، أو الأمانة، أو الذِّمة، أو الشرَّف، أو العيش والملح، وأشباه ذلك. بُيِّنَ حكم ذلك، وأنه مِن الشرك الأصغر، وذَكر الدليل إن احتيج. ومثلًا: لو حصل في المجلس الذي يحضره الصغار بعض البدع القولية أو الفعلية، بُيِّنَ لهم حكم ذلك، وأنه مُحرَّم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُحذِّر أمته مِن البدع كثيرًا، وذُكِرت لهم بعض الأحاديث النَّبوية في شأن البدع. ومثلًا: لو جاء وقت بدعة مِن البدع، كالاحتفال بالهجرة النَّبوية، أو يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكرى الإسراء والمعراج، وأشباه ذلك، بُيِّنَ لهم حكم ذلك، وأنه مُحرَّم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُحذِّر أمته مِن البدع كثيرًا، وذُكِرت لهم بعض الأحاديث النَّبوية في شأن البدع. وفي الختام أقول: هذه الطُّرق تُعين - بإذن الله تعالى - الوالد والوالدة على تعليم أبناءهم التوحيد، وترسيخه في أذهانهم، واستمساكهم به، ومحبتهم وتعظيمهم له. وهناك طرق أخرى، لكن هذا يكفي في هذا المقام، وهذا الوقت. أجاب على هذا السؤال: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد. وقد نسخه مِن التسجيل أحد المُستمعين للمحاضرة وأجوبتها، ثم أرسله إليَّ، فنظرته، وراجعته، وزدت عليه ما تيسِّر.
  7. الأحكام الفقهية الخاصة بتسمية المولود الخطبة الأولى: ـــــــــــ الحمد لله الذي أسعد مَن شاء مِن خليقته، ووفَّقهم للقيام بطاعته، واستعملهم فيما يُرضيه؛ مع صِغر سنِّ أحدِهم وحداثته؛ ليتبيَّنَ بذلك أنَّ السعادة بيده، والتوفيقَ بإرداته، أحمدُهُ على سَوابِغ نعمه، وأسأله التوفيق لشكره، والإمداد بمعونته، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وحبيبه وخليله، وأمينه على وحيه، وخِيرتُه مِن بَريَّتِه، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين لمنهاجِه وسُنَّتِه. أما بعد، أيها المسلمون: اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أنَّ مِن تقواه شُكرَ نعمةِ أنْ وهبكم بنين وبنات، يَدخل عليكم بهم الأنس والسرور، وتنالكم بهم كثير الأجور، ويقومون عليكم عند حاجتكم، ومرضكم، وكِبَركم، ويُحيون ذِكركم في الناس، ويَدْعون لكم ويتصدَّقون بعد الموت. ومِن تقواه سبحانه أيضًا: أنْ تقوموا بما أوجب عليكم مِن رعايتهم، وتأديبهم بأحسن الأخلاق والأعمال، وسَوقِهم إلى ما يُحبه ويرضاه، حتى يكونوا قُرَّة عين لكم في الدنيا والآخرة، لا حسرة عليكم وندامة ونكاد، إذ مَن قام بحُسن رعايته فيهم أفلح ونجا، ومَن فرَّط في رعايته فيهم خسر وهلك، وقد قال - جلَّ وعلا - آمرًا لكم ومُرهِّبًا: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }. أيها المسلمون: هذه وقفات عِدَّة تتعلَّق بتسمية المولود ذكرًا كان أو أنثى - رزقكم الله بِرَّه، ورفع به درجاتكم -، فأقول مستعينًا بالله - عزَّ وجلَّ -: الوقفة الأولى / عن حكم تسمية المولود. تسمية المولود ذكرًا كان أو أنثى واجبة باتفاق أهل العلم، لا خلاف بينهم في ذلك، حيث قال ابن حزم - رحمه الله -: واتَّفَقُوا أنَّ التَّسمية للرِّجال والنِّساء فرْضٌ.اهـ فمَن ترك مولودَه بلا اسم أثِمَ، إذ حاجة الناس إلى التَّسمية شديدة، فبها يتعارفون، وبها يَصِل القرابة بعضهم، وبها تستقيم معاملات الناس وعقودهم، وبها يُعرف أهل الخير والإصلاح مِن أهل الشَّر والإفساد ويُمَيَّزون. الوقفة الثانية / عن وقت تسمية المولود. يجوز تسمية المولود في اليوم السابع، وقبل اليوم السابع، وبعده، وإلى هذا ذهبت المذاهب الأربعة المشهورة، وغيرهم، إلا أنَّ المُستحب أنْ تكون التَّسمية في اليوم السابع مِن ولادته، أو في أوَّل يوم مِن لادته، لثبوت الأمرين عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى )). و صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِى: إِبْرَاهِيمَ )). وصحَّ عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: (( ذَهَبْتُ بِعْبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ وُلِدَ، فَحَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ )). وصحَّ عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنه قال: (( وُلِدَ لِي غُلاَمٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ )). الوقفة الثالثة / عن أفضل ما يُسمَّى به المولود الذَّكر مِن الأسماء. مَن سمَّى أولاده الذكور، فإنه يُستحب له باتفاق أهل العلم أنْ يُسمِّيهم بالأسماء المضافة إلى الله - عز وجل - كعبد الله، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، وعبد السلام، وعبد الكريم، وعبد الخالق، وأشباهها، حيث قال ابن حزم - رحمه الله -: واتَّفَقُوا على اسْتِحْسَان الأسماء المضافة إلى الله - عز وَجل - كعبد الرحمن، وما أشبه ذلك.اهـ وأحبُّ الأسماء إلى الله تعالى عند أكثر الفقهاء: عبد الله، وعبد الرحمن، لِمَا صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللهِ عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ )). وأما حديث: (( خيرُ الأسماءِ ما حُمِّدَ وعُبِّد )) فلا أصل له، ولا يُعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قال الإمام العثيمين - رحمه الله -: ليس بصحيح، بل هو موضوع ومكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.اهـ الوقفة الرابعة / عن حكم تسمية المولود الذَّكر باسم مُعَبَّدٍ لغير الله تعالى. جرت عادت بعض الناس، كالشيعة الرافضة والصوفية ومَن تأثر بهم على تعبيد اسماء ابنائهم لغير الله تعالى، كتسميتهم: بعبد النَّبيِّ أو عبد الرسول، أو عبد المصطفى، أو عبد الحسين، أو عبد عليٍّ، أو عبد الزهراء، أو عبد الكعبة، وتسمية الأبناء بذلك مُحرَّم لا يجوز باتفاق العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، حيث قال ابن حزم - رحمه الله -: وَاتَّفَقُوا على تَحْرِيم كل اسْم مُعَبَّدٍ لغير الله - عز وجل -.اهـ وتعبيدُ الأسماء لغير الله لا يُعرف في الإسلام، وإنما عُرِف عند النصارى، حيث يُسمون أبناءهم "بعبد المسيح"، وعُرِف عن كفار قريش في الجاهليه حيث يُسَمُّون أبناءهم "بعبد الكعبة"، أو "عبد العُزى"، وما شابه ذلك، وقد غيَّر النبي صلى الله عليه وسلم اسْم رجل عُبِّد لغير الله، فسُمِّي "بعبد الحَجَر"، فثبت عن هانئ بن شُريح - رضي الله عنه - أنه: (( وَفَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ يُسَمُّونَ رَجُلًا عَبْدَ الْحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ» ؟ قَالَ: عَبْدُ الْحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ» )). الوقفة الخامسة / عن الأحق مِن الوالدين بتسمية الولد ذكراً كان أو أنثى. إذا تنازع الوالدان في تسمية المولود ذكرًا كان أو أنثى فالحقٌّ في التَّسمية للأب، وهو الأحقُّ بها عند جميع العلماء، وليست الأم، وقد قال الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله -: التسمية حقٌ للأب لا للأم، هذا مما لا نزاع فيه بين الناس.اهـ وذلك لأن الولد يُدعى لأبيه لا لأمه، كما قال سبحانه:{ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ }. ويوم القيامة يُدعى الناس بآبائهم، فلان بن فلان، لِمَا صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ الغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ )). وما يعتقده بعض النِّسوة أو يُروِّجْن له مِن أنَّ تسمية الأنثى حق للأم لا للأب، فاعتقاد وكلام مخالف للشرع. وإذا تشاورا الوالدان في اختيار الاسم، أو تنازل الأب للأم أحيانًا فلا حرج، وهو مِن حسن العشرة، وجميل الصحبة، وإنْ تشدَّد المرأة وأصرَّت على أنْ تُسمِّي المولود فقد أساءت وتعدت. الخطبة الثانية: ـــــــــــ الحمد لله على إحسانه العميم، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القدير، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالدين القويم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أكمل تسليم. أما بعد، أيها المسلمون: فأحسنوا - سدَّدكم الله - تسمية أبنائكم وبناتكم، حتى ولو كان بأسماء يَكثر استعمالها، ولا يكن همَّكم أنْ تختلفوا عن الناس، وتلفتوا أنظارهم، فتأتون بأسماء غريبة، أو شاذة، أو بعيدة عن بيئتكم، أو لا تُناسب إلا مرحلة الطفولة، فقد ثبت: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعْجِبُهُ الِاسْمُ الْحَسَنُ )). واحذروا الأسماء القبيحة والمنكرة وتجنَّبوها حتى ولو كانت لآبائكم وأجدادكم، فإن مِن حقِّ الولد على الأب أن يُحسن تسميته، فالولد هو الذي يحمل تبعة الاسم القبيح ومرارته، وليس مَن سمَّاه، وقد ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعَ اسْمًا قَبِيحًا غَيَّرَهُ )). وصحَّ أن رجلًا مِن قريش: (( كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطِيعًا )). وصحَّ: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ، وَقَالَ: «أَنْتِ جَمِيلَةُ » )). وتجنَّبوا الأسماء التي تدُلُّ على تزكية النَّفْس، وتتعالى بها، فقد صحَّ عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: (( سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ، فَقَالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ هَذَا الِاسْمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ» فَقَالُوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: «سَمُّوهَا زَيْنَبَ»)). أيها المسلمون: إذا زنا مسلم بامرأة مسلمة أو غير مسلمة فإنَّ المولود الناتج عن هذا الزنا - ذكرًا كان أو أنثى - يُنسب إلى أمه التي حملت به وأنجبته، ولا يجوز أن يُنسب إلى الرجل الذي تخلَّق مِن مائه ونطفته عن طريق الزنا، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم من السلف الصالح فمَن بعدهم، لِمَا ثبت: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى: إِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ تَزَوَّجَهَا أَوْ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ عَاهَرَ بِهَا لَمْ يَلْحَقْ بِمَا اسْتَلْحَقَهُ، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ ادَّعَاهُ، وَهُوَ ابْنُ زِنْيَةٍ، لِأَهْلِ أُمِّهِ، مَنْ كَانُوا، حُرَّةً أَوْ أَمَةً )). وهذا الحديث ظاهر وصريح في أنَّ المولود مِن الزنا لا يُلحق في النَّسب بالزاني، بل يُلحق بمَن ولدته. أيها المسلمون: قال الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله -: وأما يَذكرهُ العَوَام أنَّ "يس" و "طه" مِن أسماء النَّبِي صلى الله عليه وسلم فغير صحيح، ليس ذلك في حديث صحيح، ولا حسن، ولا مُرْسَل، ولا أثَرٍ عن صاحب، وإنَّما هذه الحُروف مثل: { الم } و { حم } و{ الر } ونحوها.اهـ هذا وأسأل الله - جلَّ وعلا - أن يهبَ لنا مِن أزواجنا وذرياتنا قرَّة أعين، و أنْ يحفظهم ويرعاهم لنا، و أنْ يجعلنا وإياهم مِمن يعمل بطاعته في السِّر والعلن، والعُسر واليُسر، والصِّغر والكِبَر، و أنْ يُجنِّبنا وإياهم الشِّرك والبدع والآثام، و أنْ يقينا وإياهم مِن السُّوء ودعاته وأهله وقنواته ومواقعه وصُحُفه، و أنْ يصرف عنَّا وعنهم شرَّ الكفار، ومكر الفجار، وكيد الضلال، وتلبيس المبتدعة، وإفساد الفسقة، و أنْ يُتمَّ علينا وعليهم نِعمة السِّتر في الدَّارَين، إنه سميعٌ مجيب، جوادٌ كريم، برٌّ رحيم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. خطبة كتبها: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
  8. جِنَايَةُ الصُّوفِيَّةِ عَلى الإِسْلَامِ والسُّــنَّةِ والمُسْلِمينَ وبِلادِهِم الحمد لله القوي القاهر المقتدر، القائل في دمغ المُبطِلين من أهل كلِّ عصرٍ ومِصر، ومن عربٍ وعَجَم: { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ }. أكمَل لنَا الدِّين، وأتمَّ علينا النِّعمة، ورضِيَ لنا الإسلام دينًا، وأمرنا بالتَّمسُّك به إلى الممات؛ فقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }. والصَّلاة والسَّلام على سيِّد البَشَر أجمعين، السَّابقين منهم واللَّاحقين، القائل مُحذِّرًا ومخوِّفًا: «قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ»([1])، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه على طريقه ومِنهاجه وسبيله، في كلِّ زمنٍ وأرض، ومن كلِّ شعبٍ وقبيلة، وعربٍ وعجم، وحاضرةٍ وبادية، وذكورٍ وإناث، وشيوخٍ وكهُول، وشبابٍ وصغار. أمَّا بعدُ، أيـُّها الإخوة والأخوات - جمَّل الله بواطنكم وظواهركم بالتوحيد والسُّنة إلى الممات -: فيسرُّني ويسعدني أن ألتقيكم هذه اللَّيلة، ليلة الثلاثاء، الرابع عشر من شهر ذي القعدة، من العام خمسة وثلاثين وأربع مئة وألف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في محاضرةٍ بعنوان: "جِنَايَة الصُّوفِيَّةِ عَلَى اَلْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ وَاَلْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِهِمْ". والَّتي أسأل الله - عزَّ وجَلَّ - أن تكون نافعةً لي ولكم في الدُّنيا والآخرة، وأن يثبِّت بها ويُبصِّر ويهدِي مَن شاء من عباده؛ إنَّه سميع الدُّعاء، واسع الفضل والعطاء، جوادٌ كريم. فأقول مستعينًا بالله - جلَّ وعلَا -: لا تزال جناية أهل الأهواء والبدع من الرَّافضة والخوارج والصُّوفية وأضرابهم وأشكالهم على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم تزداد يومًا بعد يوم، وتعظُم وتكبُر وتشتد. فقد أبعَدُوا النَّاس وصرفُوهم عن الصِّراط المستقيم الصَّافي الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأدخلوا في دِين الله وشَرعه ما ليس منه، أدخلوا فيه ما لم يأتِ به قرآنٌ، ولا حديثٌ نبويٌّ صحيح، ولا أثر عن صحابي جليل. وشوَّهُوا صورة الإسلام وأحكامه السَّامية العالية، وصورة أهله بين الخلق. وفتحوا لِأهل الكُفر والزَّندقة على الإسلام والمسلمين أبوابًا، وجعلوا لهم عليه وعلى أهله مقالًا. وحَرَفُوا أقوامًا - بل والله قد حرَفوا أُممًا - عن اتِّبَاع القرآن والسُّنَّة الثَّابتة، وطريق السَّلف الصَّالح من الصَّحابة - رضي الله عنهم - فمَن بعدهم. ووسَّعُوا الفُرقة بين المسلمين بِمَا أحدثوه من ضلالاتٍ، وطُرق، وأحزاب، وجماعات، وأكثروا الاختلاف بينهم في دِين الله وشَرعه. فهل بعد هذه الجِناية مِن جِناية؟! ولو نظرنا إلى جِناية طائفةٍ واحدةٍ من هذه الطَّوائف على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، وهم: الصُّوفيَّة، وأهل التَّصوُّف. لرأينا اعوجاجًا شنيعًا، وسمعنا ضلالًا كُبَّارًا، ووقفنا على منَاكِر وقبائح متزايدة، ورأينا تفرُّقًا شديدًا، ولَـخِفْنَا على المسلمين وبلادهم كثيرًا، ولَعَرفنا كيف ضُرِب الإسلام وضُرِبت السُّنَّة عن طريقهم وبأقوالهم وأفعالهم شديدًا، ولَتَمكَّن من قلوبنا الحُزن والأَسَف والضِّيق؛ ولكن مع هذا لا نقول إلَّا ما يُرضِي الله؛ فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. ونسأل الله لهم الهداية والصَّلاح، والرجوع إلى الحقِّ والصَّواب؛ لِيشْرُفُوا في الدُّنيا والآخرة، فما أطيبها وأسعدها لقلب صاحب التَّوحيد والسُّنَّة أنْ يرى جميع الخَلْق سائرين على طريق النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في اعتقاداتهم، وفي أقوالهم، وفي أفعالهم، وفي جميع عباداتهم، ومعاملاتهم، وأحوالهم. أَلَا وإنَّ من الكُفر والشِّرك والإثم الكُبَّار الفظيع الغليظ الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، وقرأناه في جمعٍ من كُتبهم، وسمعناه من جموعٍ غفيرةٍ منهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ صَرْفُهم بعض العبادات لغير الله تعالى؛ لا سيما عبادة الدُّعاء. ] ولا ريب عند جميع أهل الإسلام أنَّ صرف أيَّ عبادةٍ لغير الله كفرٌ وشركٌ مُخرجٌ عن مِلَّة الإسلام. فتراهم - أصلحهم الله وردَّهم إلى التَّوحيد والسُّنَّة - يصرفون هذه العبادة العظيمة، عبادة الدعاء، لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتسمع أحدهم يدعوه فيقول: "فرِّج عنَّا يا رسول الله!، يا رسول الله اجعلنا في شفاعتك!". وآخر يصرفها للبدوي، فيدعوه قائلًا: "مَدَد يا بدوي!". يعني: أَمدَّنا بالعَون، والنُّصرة، وما نحتاج إليه. وآخر يدعو الجيلاني، فيقول: "أغثنا يا جيلاني!". وآخر يدعو العيدروس، فيقول: "ادفع عنَّا يا عيدروس!". وآخر يدعو الحسين، فيقول: "اكشِف ما بِنَا يا حسين!، أجرنا من النَّار يا حسين!". وسادس يدعو الرَّفاعي، فيقول: "شيئًا لله يا رفاعي"! وآخر يدعو الميرغني، وآخر يدعو الشَّاذلي، وآخر يدعو البرعي، وآخر يدعو المرسِي أبا العبَّاس، وآخر يدعو الزَّيلعي، وآخر يدعو نفيسة، وآخر يدعو الكاظم، وذاك يدعو ابن علوان، وآخر يدعو التِّيجاني، وآخر يدعو عبد الرحيم، وآخر يدعو الدسوقي، وهذه تدعو زينب، وأخرى تدعو فاطمة الزهراء، وأخرى تدعو رابعة العدوية، وأخرى تدعو أبا حديد، وأخرى تدعو سكينة، وأخرى تدعو البرهاني، ومنهم من يدعو حسن حسونة، ومنهم من يدعو الشيخ ابن علي، ومنهم من يدعو النَّقشبندي، ومنهم من يدعو ابن عيسى، ومنهم من يدعو الهجوري، ومنهم من يدعو عبد العال، ومنهم من يدعو الجناتي، ومنهم من يدعو سهلت، وهكذا. يفعلون هذا الكُفر والشِّرك الشَّنيع الغليظ القبيح الصُّراح الواضح البيِّن مع أنَّ الله تعالى قد زَجَرهم ونهاهم عن ذلك بأوضح عبارة وأبينها في القرآن، وهم يقرؤونها باستمرار؛ إِذ المصحف بين أيديهم، وليس بمحجوبٍ عنهم، ولا هُم ممنوعون عنه. فقال - عزَّ وجلَّ - لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأمَّتُه داخلةٌ معه في سورة الجن: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا }. فنهانا سبحانه في هذه الآيات أن ندعوَ معه أيَّ أحدٍ حتَّى ولو عَظُم وجَلَّ بين الخَلْق، حتَّى ولو كان مَلَكًا مُقرَّبًا، أو نبيًّا مرسلًا، أو وليًّا صالحًا، ثمَّ حَكَم بأنَّ دعاءه معه شركٌ وكفرٌ. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ مآل ومقرَّ مَن دعَا مع الله غيره هو النَّار؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ». أخرجه البخاريُّ في «صحيحه»([2]). وبعضُ مَن في قلبه ظلمةٌ شديدة، وقساوةٌ غليظة، وفي لسانه جراءةٌ غريبة، وباطلٌ شنيع، يقول: أنا إذا دعوت سيِّدي الولي الصَّالح فلان فإنَّه يسمعني ويجيبني فيما سألته! وقد قال الله - عزَّ شأنه - في تكذيب هذا الرَّجُل وكَبْتِه وإذلَالِه ورَدِّ دعواه وإبطالها في سورة فاطر: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }. فأبان سبحانه في هذه الآية أنَّ جميع مَن يُدعَون معه من الخَلْق لا يسمعون دعاء مَن دعاهم، ثمَّ قضى أنَّه لو جادل مجادلٌ فقال: إنَّهم يسمعون! فالنتيجةُ: أنَّهم إن سمعوا لا يستجيبون لمن دعاهم بشيء. ثمَّ أخبر أنَّ هؤلاء الَّذين يُدعَون مع الله سيكفرون بِشِرك مَن دعاهم مع الله، وحَكم بأنَّ دعاء من دعاهم معه شركٌ وكفر. وقال - جلَّ وعلا - في أوائِل سورة الأحقاف: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ }. فحَكَم سبحانه أنَّه لا أحد أضلَّ من هذا الذي يدعو مع الله غيره، وأبان أنَّه إنْ دعاه مِن حِينه إلى أن تقوم السَّاعة فإنَّه لن يستجيب له. ومِن الكُفر والشِّرك والإثم الكبَّار الفظيع الغليظ الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، وقرأناه في جمعٍ من كُتبهم، وسمعناه من طوائف منهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ اعتقادُ أنَّ الأولياء والصَّالحين يتصرَّفُون في الكَون، ويقومون على شؤون أهله، ويدبِّرون أموره وأمور مَن فيه، فيُعْطُون ويمنعون، ويُصيبُون هذا بما أرادوا، ويدفعون عن هذا ما أرادوا، ويرفعون هذا، ويخفضون هذا، ويصلحون حال هذا، ويُرْدُون حال هذا، ويُمطِرون أهل هذه الجهة ويحجبون عنها الوباء دُون الأخرى. ] ولا ريب أنَّ اعتقادهم هذا كفرٌ ورِدَّة عن دِين الإسلام، مُعتقِده وقائله قد وقع في كُفرٍ وشركٍ أعظم حتَّى من كُفر وشِرك أهل الجاهلية الأُولى؛ بل قد أخبر الله سبحانه في كتابه المجيد أنَّ كفَّار قريش كانوا يُقرُّون بهذا لله وحده؛ فقال - جلَّ وعزَّ - في سورة يونس: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ }. بل إنَّ الله تعالى قد أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنْ يُعلن في النَّاس جميعًا أنَّه لا يملك ذلك لِأحدٍ من الخَلْق، بل حتَّى لنَفْسِه؛ وإنَّما وظيفته فقط هي إبلاغ النَّاس دِين الله الذي أُرْسِل به إليهم؛ فقال - عزّ شأنه - في سورة الجن: { قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا }. بل إنَّ جميعَ مَن يُدعَى مع الله من الأنبياء والأولياء الصَّالحين لا يستطيعون حتَّى خَلْق مخلوقٍ يُعَدُّ من أضعف مخلوقات الله، ألا وهو الذُّباب؛ بل مِن ضعفهم الشَّديد أنَّه حتَّى لو سَلَب وأخذ الذُّباب من طعامهم وشرابهم شيئًا يسيرًا فإنَّهم لا يستطيعون إرجاعه منه إلى مُلكِيَّتِهم. وقد حَكَم بذلك وقطع به الله سبحانه ، فقال - تبارك وتعالى - في أواخِر سورة الحَجِّ: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ }. ومِن الكُفر والشِّرك والإثم الكبَّار الفظيع الغليظ الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، وقرأناه في جمعٍ من كُتبهم، وسمعناه من طوائف منهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ اعتقادُهم أنَّ الأنبياء والرُّسل أو الأولياء والصالحين يعلمون الغَيب، فيعلمون ما في قلوب العباد، وما سيفعلونه، وما وقع في الكَون، وما سيحصل فيه مستقبلًا. ] وعلم الغَيب مُغيَّبٌ عن جميع الخَلْق، خاصٌّ بالله وحده، حَكَم بذلك وقطع به الله سبحانه؛ فقال - جلَّ من قائل - في سورة النَّمل: { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ }. بل إنَّ أفضل خَلْق الله عند الله وأعظمهم منزلةً أَلَا وهو رسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغَيب؛ بل إنَّ ربَّه سبحانه قد أمره أن يصدع بهذا بين النَّاس، فقال- جلَّ وعلَا - في سورة الأعراف: { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }. ومن زعم عِلم الغَيب لأحدٍ غير الله كنبيٍّ مُرسلٍ، أو وليٍّ صالحٍ، أو ساحرٍ، أو كاهنٍ، أو مُنجِّمٍ، أو رمَّالٍ أو غيرهم؛ فقد ارتدَّ وكَفَر وخرج عن دِين الإسلام. ألا وإن مِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الكُبَّار الفظيع الغليظ الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه، وسمعناه، وقرأناه، ووقع المسلمون في بلادٍ كثيرةٍ فيه بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ حلفهم وقسمهم بغير الله تعالى، لاسيما حلفهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو الكعبة المشرَّفة، أو أولياء الله الصالحين، فإنه يكثر عندهم، وكذلك تعبيدهم أسماء أبنائهم لغير الله، فتراهم يسمونهم بـ"عبد النبي"، أو "عبد المصطفى"، أو "عبد الرسول". ] والحلف بغير الله ولو بمخلوق مُعظَّم عند الله وعند عباده لا يجوز، بل هو من أشنع الذنوب وأغلظها، إذ هو شرك بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد صحَّ أن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ سمع رجلًا يَحْلِف بالكعبة فيقول: "لا والكعبة"، فقال له: إني سمعت رسول االله صلى الله عليه وسلم يقول: « مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ »([3]). وأخرج الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما"([4]) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلاَ يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ ». وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ المالكي - رحمه الله - في كتابه "التمهيد"([5]). أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد.اهـ وقال الإمام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما في "مجموع الفتاوى"([6]). اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى، وهو الحلف بالمخلوقات، فلو حلف بالكعبة، أو الملائكة، أو بالأنبياء، أو بأحد الشيوخ، أو بالملوك، لم تنعقد يمينه.اهـ وأما تعبيد الأسماء لغير الله تعالى فهو محرم عند جميع العلماء، إذ الخلق عباد لربهم وحْدَه، لا لبعضهم. وقد قال ابن حزم الظاهري - رحمه الله - في كتابه "مراتب الإجماع" ([7]): وَاتَّفَقُوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله - عز وجل -.اهـ وقد غيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم رجل عُبِّد لغير الله، فثبت عن هانئ بن شُريح - رضي الله عنه - أنه قال: « وَفَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ يُسَمُّونَ رَجُلًا عَبْدَ الْحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ: "مَا اسْمُكَ"؟ قَالَ: عَبْدُ الْحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ" ». ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الكُبَّار الفظيع الغليظ الذي اتَّبعُوا فيه اليهود والنَّصارَى، وجَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه بأعيننا، ووقع المسلمون في بلادٍ كثيرةٍ فيه بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ بناء المساجد على القبور، أو دفن الموتى في المساجد، أو بناء القُبَب والمقصُورات على القبور، أو رفع القبور عن الأرض زيادةً على شِبر، أو تزيين القبور بالإسمنت والرُّخام، أو الرسوم والألوان، أو الكتابات والنُّقوش، أو الزُّروع والورُود، أو جميعها، أو أكثرها، أو بعضها. ] يفعلون هذا مع أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد حذَّر أمته من ذلك تحذيرًا شديدًا، وزَجَر عنه كثيرًا؛ واستمرَّ تحذيره وزجره لهم عن ذلك إلى قُرب أجله، فكان صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بخمسٍ، وهو في مرض موته: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». أخرَّجه الإمام مسلمٌ في «صحيحه»([8]). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» ([9]). وأخرج الإمام مسلمٌ في «صحيحه»([10]) عن أبي الهيَّاج الأسدي أنَّه قال: «قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ "أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ"». وأخرج الإمام مسلم في «صحيحه» أيضًا([11]) عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنَّه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ». وزاد الإمام أبو داود في «سننه»([12]) بسند صحيح: «أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ». وقال الإمام الشَّافعي - رحمه الله - في كتابه "الأم" ([13]) مخبرًا عن حال قبور الصحابة - رضي الله عنهم-، وحال الولاة والعلماء في زمنه مع ما بُني على القبور: ولم أرَ قبور المهاجرين والأنصار مُجصَّصةً، وقد رأيتُ من الوُلَاة من يهدم بِمكَّة ما يُبنَى فيها، فلم أرَ الفُقهاء يَعيبُون ذلك. اهـ وهذا من الوُلاة إنَّما هو عملٌ بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتِّباعٌ لهديه؛ حيث كان صلى الله عليه وسلم يبعث الرُّسل لهدم ما بُنِي على القبور وتسويتها بالأرض، وألَّا تُرفع إلَّا بقدر شِبرٍ حتَّى يُعلَم أنَّها قبور. وقال قاضي بلاد اليمن محمَّد بن عليٍّ الشَّوكاني - رحمه الله - في كتابه «شرح الصُّدور في تحريم رفع القبور»([14]): اعلَم أنَّه قد اتَّفق النَّاس، سابقهم ولَاحِقهم، وأوَّلهم وآخرهم من لَدُن الصَّحابة - رضي الله عنهم - إلى هذا الوقت: أنَّ رفع القبور والبناء عليها بدعةٌ من البدع التي ثبت النَّهي عنها، واشتدَّ وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاعلها، كما يأتي بيانه، ولم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين أجمعين.اهـ وقال الإمام ابن تيمية الحراني الدِّمشقي - رحمه الله - في كتابه «الاستغاثة»([15]): ولهذا لم يكن في زمن الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسانٍ على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجدٌ مبنيٌّ على قبر، ولا مشهد يُزار لا بالحجاز، ولا اليمن، ولا الشَّام، ولا مصر، ولا العراق، ولا خراسان.اهـ ناهِيك عن ما يُرتَكب عند هذه القبور بعد البناء عليها وتزيينها وتجميلها وتهيئتها لِلزُّوَّار من كفريَّات وشركيَّات؛ كالاستغاثة بأهلها ودعائهم، أغثنا يا فلان! فرِّج عنَّا يا فلان! مَدَد يا فلان! شيئًا لله يا فلان! أو الذَّبح والنَّذر لهم، أو الطَّواف لهم حول قبورهم، أو السُّجود بالجباه على عَتَبَاتِ هذه القبور؛ بل إنَّ بعضهم إذا قَدِم لزيارة بعض القبور يخرُّ من حين وصوله إلى حَرِيم القبر ويظلُّ يزحف على يديه ورجليه حتى يصل إلى عتبة القبر!! ثمَّ يسجد عليها ويقبِّل ويدعو خاضعًا متذلِّلًا مُعظِّمًا هذا المقبور!!! وهذا قد رأيناه بأعيننا، وانتشر، واشتُهر، ورآه كثير من النَّاس، وموجود في مقاطع اليوتيوب، وصوِّر في بعض الكتب والمجلات والجرائد، وأظهرته قنوات إعلامية عديدة. ومِن الضَّلال والباطل والمُنكر والإثم الكُبَّار الفظيع الغليظ الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه بأعيننا، ووقع المسلمون في بلادٍ كثيرةٍ فيه بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم، بل وحتَّى في بلاد أهل الكفر: [ الاحتفالات والموالد التي يقيمونها؛ كالاحتفال بذكرى ليلة الإسراء والمعراج، أو المولد النَّبوي، أو الهجرة النَّبويَّة، نَاهِيك عن الموالد الأسبوعية والشهرية في المساجد، وفي الحَضَرات، وفي الزَّوايا، وفي الخَلَوات، أو موالد الأولياء، فهذا له مولد في يوم معين، وللآخر مثل ذلك. ] وهذه الاحتفالات والموالد لو فتَّش عنها المؤمن الخائف من ربه في القرآن فلن يجدها، ولو فتَّش عنها في السُّنَّة النَّبويَّة فلن يجدها. بل لم يقمها لا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه - رضي الله عنهم -، ولا أحدٌ من أهل القرون الثَّلاثة الأولى التي هي خير القرون بنصِّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث صحَّ عنه أنه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»([16]). بل ولو فتَّشت عن هذه الاحتفالات والموالد في كُتب الأئمَّة الأربعة؛ كُتب أبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد، وتلاميذهم؛ فلن تجد لها ذِكرًا، ولن تجدهم فعلوها، ولا دَعَوا النَّاس إليها. وفوق هذا قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ ما يُتقرَّب به إلى الله، ولم يَرِد عنه صلى الله عليه وسلم، ويُشرع عن طريقه، فيما أخرجه عنه الإمام مسلمٌ في «صحيحه»([17]): «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». أي: من تعبَّد الله بشيءٍ لم يأتِ في سنَّتنا فإنَّ تعبده هذا مردود عليه، غير مقبول منه، ولا معتدّ به. وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال محذِّرَا أمَّته من إحداث أمورٍ في الدِّين بعده، ومُبيِّنًا حُكم إحداثهم هذا: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»([18]). بل قد ذكر جماعة من المؤرخين والكتَّاب أن هذه الاحتفالات والموالد إنما دخلت بلاد المسلمين عن طريق الشيعة الرافضة، وتلقفتها الصوفية عنهم، ثم عملت بها وشهرتها ونشرتها في بلاد أهل السُّنة. نَاهِيك عن ما يحصل في هذه الاحتفالات والموالد وما يصاحبها من منكراتٍ ومحرَّماتٍ أخرى كثيرة جدًّا، تختلف من بلدٍ إلى بلد، وبين كلِّ أهل طريقةٍ صوفيَّةٍ وأخرى، ويعرفها ويشاهدها الخاصُّ والعام؛ حتَّى إنَّ بعضهم ليَرقُصُون في هذه الموالد والاحتفالات حتى في المساجد!، ويضربون فيها بالدُّفوف والطُّبول!، وينشدون قصائد تعجُّ بالشِّركيَّات!، كالاستغاثة بالرَّسول صلى الله عليه وسلم، ودعائه بتفريج الكُرَب والإغاثة، والزَّعم بأنَّه يعلم الغَيب. بل إنَّ بعضهم في أوقات الموالد والأعياد والمواسم والإجازات والعُطَل يشدُّ رَحله ويسافر إلى قبور الأولياء والصَّالحين، مع أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صحَّ عنه أنه نهَى عن شدِّ الرَّحل هذا والسَّفر وحذَّر منه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»([19]). وهذه هي الأماكن الثلاثة التي يُشدُّ الرَّحل إليها ويُسافَر؛ لأنَّ الصَّلاة فيها مُضاعَفَة. فكيف إذا اجتمع مع شدِّ الرَّحل هذا في مواسم الموالد مُحرَّماتٌ ومنكراتٌ وقبائح أخرى تُفعَل عند قبور الأولياء؛ كالاستغاثة بصاحب هذا القبر، ودعائه، أو الطَّواف بقبره، أو الذَّبح له والنَّذر، أو سؤال الله بِجَاهِه، أو التَّبرُّك والتَّمسُّح ببناء قبره وسِيَاجِه، وأعمدته وقُبَّته، ورُخامه وأستاره؟! ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الفظيع الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه بأعيننا، ووقع المسلمون في بلادٍ كثيرةٍ فيه بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ المآتِم التي يقيمونها إذا مات لهم ميتٌ؛ فتراهم يجتمعون في بيتٍ أو خيامٍ أو ساحات أو استراحات، ويأتون بمقرئٍ أو مقرئين ليقرئوا القرآن على رُوحه، أو يُحضِرُون مصاحف فيقرأ النَّاس منها على رُوح هذا الميت، ويصنعون فيها الأطعمة، ويقيمون الولائم والموائد للحاضرين إلى هذا المأتم، وكلَّما جاءت طائفةٌ إلى هذا المأتم جدَّدوا قراءة الفاتحة لرُوح هذا الميت. ] ولو بحثتَ عن مآتمهم هذِه فلن تجد لها مُستندًا لا في القرآن، ولا في السُّنَّة النَّبويَّة، ولا فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه - رضي الله عنهم -، ولا التَّابعون، ولا الأئمَّة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد وتلاميذهم؛ بل لن تجد عنهم ولا في كُتبهم إلَّا ذمُّ هذه المآتم والنَّهي عنها وكراهتها. وقد صحَّ عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - أنَّه قال مُبيِّنًا حُكم مثل هذه المآتم عند الصَّحابة - رضي الله عنهم -، وأنَّها من المحرَّمات الشَّديدة التَّحريم: «كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ»([20]). هذا هو حُكم هذه المآتم عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنَّها من النِّياحَة؛ والنِّياحَة مُحرَّمةٌ بالسُّنَّة النَّبويَّة الصحيحة المشتهرة، وإجماع أهل العِلم، لا خلاف بينهم في ذلك؛ بل هي من كبائر الذُّنوب كما دلَّت على ذلك نصوص السُّنَّة النَّبويَّة المتعدِّدة. وإن تعجب فعجبٌ لهؤلاء! أن تسمعهم يقولون: نحن على مذهب أبي حنيفة، أو على مذهب مالك، أو على مذهب الشَّافعي، أو على مذهب أحمد بن حنبل - رحمهم الله تعالى - ، ثمَّ هُم في هذه المسائل لا يسيرون على مذاهبهم، ولا يتابعونهم؛ بل يخالفون مذاهبهم خلافًا ظاهرًا واضحًا جليًّا. وقد قال الإمام الشافعي القرشي - رحمه الله - في كتابه "الأم"([21]): وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يُجدد الحُزن، ويكلِّف المُؤنة، مع ما مضى فيه من الأثر.اهـ وقال الفقيه أبو بكر الطرطوشى الأندلسي المالكي - رحمه الله في كتابه "الحوادث والبدع"([22]): فأما المآتم؛ فممنوعة بإجماع العلماء. والمأتم: هو الاجتماع في المصيبة، وهو بدعة منكرة لم ينقل فيه شيء. وكذلك ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث والسابع والشهر والسَّنة، فهو طامة.اهـ وقال الفقيه عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الحنبلي - رحمه الله - في كتابه "حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع"([23]): وقال شيخ الإسلام: "جمع أهل المصيبة الناس على طعامهم، لِيَقْرَءُوا ويُهدوا له، ليس معروفًا عند السلف، وقد كرهه طوائف من العلماء من غير وجه، وقُرب دفنه منهي عنه، عدَّه السلف من النياحة". وذكر خبر جَرير، وهذا في المحتسب، فكيف من يقرأ بالكراء. قال: "واكتراء من يقرأ ويُهدي للميت بدعة، لم يفعلها السلف، ولا استحبها الأئمة، والفقهاء تنازعوا في جواز الإكتراء على تعليمه، فأما اكتراء من يقرأ ويُهدي فما علمت أحدًا ذكره، ولا ثواب له، فلا شيء للميت، قاله العلماء، ولا تنفذ وصيته بذلك". وقال أحمد: "هو من فعل أهل الجاهلية"، وقال الموفق وغيره: "إلا من حاجة، كأن يجيء من يحضر ميتهم، من أهل القرى البعيدة، ويبيت عندهم، فلا يمكن إلا أن يطعموه". ويُكره الأكل مما صُنع. وقال الطرطوشي: أما المآتم فممنوعة بإجماع العلماء، والمأتم هو: الاجتماع على المصيبة، وهو بدعة منكرة، لم يُنقل فيه شيء، وكذا ما بعده من الاجتماع في الثاني والثالث، والرابع، والسابع، والشهر، والسَّنة، فهو طامة، وإن كان من التَّركة، وفي الورثة محجور عليه، أو مَن لم يأذن حرُم فعله، وحرُم الأكل منه.انتهى. ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الفظيع الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه بأعيننا، ووقع المسلمون في بلادٍ كثيرةٍ فيه بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم، ومساجدهم، ومجامعهم، ومجالسهم: [ التمسح بقبور الصالحين، أو قُببها، أو رُخامها، أو سِيَاجَاتها، أو أعمدتها، أو سُتُورها بالأيدي، أو التمسح بمقام إبراهيم، أو جدران الكعبة، أو سُتور الكعبة ولباسها، أو التمسح بأبدان وثياب ونَعل ومكان جلوس من يُظَن فيه الصَّلاح، يفعلون كل ذلك طلبًا للبَرَكة، وحتى تحلَّ بهم بركة هذه الأشياء. ] وهذه الأمور منهيٌّ عنها، ومكروهة مذمومة باتِّفاق أهل العِلم - رحمهم الله تعالى -. فقال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - في "منسكه"([24]): والاستلام هو: مسحه باليد. وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد، وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين، كحجرة نبينا صلى الله عليه وسلم، ومغارة إبراهيم، ومقام نبينا صلى الله عليه وسلم الذي كان يصلى فيه، وغير ذلك من مقابر الأنبياء والصالحين، وصخرة بيت المقدس، فلا تُستلم، ولا تٌقبَّل باتفاق الأئمة.اهـ ويقصد بالبيت: الكعبة. وقال أيضًا([25]): وكذلك التمسُّح بالقبور - كاستلامِها باليد، وتقبيلها بالفم، منهيٌّ عنه باتفاق المسلمين.اهـ وقال العلَّامة عبد الرحمن السَّعدي - رحمه الله - في كتابه «القول السَّديد»([26]): فإنَّ العلماء اتَّفقوا على أنَّه لا يُشرع التَّبرُّك بشيء من الأشجار، والأحجار، والبُقَع، والمشاهد، وغيرها.اهـ وقال أبو حامد الغزالي الشافعي - رحمه الله - في كتابه "إحياء علوم الدين"([27]): ولا يَمسح القبر، ولا يمسه، ولا يُقبِّله، فإن ذلك من عادة النصارى.اهـ وقال العلامة النووي الشافعي - رحمه الله - في كتابه "المجموع شرح المهذب"([28]): قال أبو موسى: وقال الامام أبو الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني - وكان من الفقهاء المحققين - في كتابه في "الجنائز": "ولا يَستلم القبر بيده، ولا يُقبِّله". قال: "وعلى هذا مضت السُّنة". قال أبو الحسن: واستلام القبور وتقبيلها الذى يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعًا، ينبغي تجنب فعله، وينهى فاعله"،... قال: "فمن قصد السلام على ميِّت سلَّم عليه من قِبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة". قال أبو موسى: "وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون: المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدبر القبلة، مستقبلًا وجه الميت، يُسلِّم، ولا يَمسح القبر، ولا يُقبِّله، ولا يمسه، فإن ذلك عادة النصارى". قال: وما ذكروه صحيح، لأنه قد صحَّ النهى عن تعظيم القبور، ولأنه إذا لم يُستحب استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يُسَنّ مع استحباب استلام الركنين الآخرين فلأن لا يستحب مسُّ القبور أولى.اهـ بل ولو نظرنا إلى ما جاء من آثارٍ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ موجودٍ في المسجد الحرام أَلَا وهو مقام إبراهيم - عليه الصَّلاة والسَّلام -؛ فقد صحَّ عن ابن الزُّبير - رضي الله عنه -: «أَنَّه رَأَى نَاسًا مَسَحُوا اَلْمَقَامَ فَنَهَاهُمْ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تُؤْمَرُوا بِالْمَسْحِ، إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ»([29]). وصحَّ عن ابن جُريج - رحمه الله - أنَّه قال لمفتي المسلمين في الحجِّ وهو التَّابعي الجليل عطاء بن أبي رباح: «أَرَأَيْتَ أَحَدًا يُقَبِّلُ المَقَامَ أَوْ يَمَسُّهُ ؟ فَقَالَ: أَمَّا أَحَدٌ يُعْتَبَرُ بهِ فَلَا »([30]). والذي يُعتبَر به هم: العلماء والفقهاء من الصحابة وتلامذتهم. ويعني بقوله « يَمَسُّهُ » أي: يمسحه بيده تبرُّكًا. ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه بأعيننا، وسمعناه بآذاننا منهم، ووقع المسلمون فيه في بلادٍ كثيرةٍ بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ ما يفعلونه من الذِّكر الجماعي بصوتٍ واحد مرتفع يوافق فيه بعضهم بعضًا، ترى هذه الطَّريقة منهم في المساجد، والزَّوايا، والخَلَوات، وفي المآتِم، والموالد، والاحتفالات، وفي الطَّواف بالبَيت، والسَّعي بين الصَّفا والمروة، وفي صعيد عرفة، وفي مَشْعَر مزدلفة، وبعد السَّلام من صلاة الفريضة، وفي الأعياد، وعند زيارة القبور. ] ومَن بحث عن الذِّكر بهذه الطّريقة في هذه المواضع والأحوال وغيرها فلن يجد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله مع أصحابه - رضي الله عنهم - بمثلها، ولن يجدها عند الصَّحابة - رضي الله عنهم - مع بعض، ولا عن التَّابعين - رحمهم الله - مع بعض، ولا عن الأئمَّة الأربعة؛ أبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد بن حنبل - رحمهم الله -؛ وتلامذتهم، بل لن يجد عنهم إلَّا ذِكر الله تعالى لِوَحْدِهِم، ولن يجد عنهم الجهر به ورفع الصَّوت فيه إلَّا في مواطن يسيرة دلَّت عليها السُّنَّة النَّبويَّة الصحيحة. وقد قال الله تعالى في سورة الأعراف: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ }. وأخرج الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما"([31]) عن أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنه قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلاَ نَعْلُو شَرَفًا، وَلاَ نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا». وقد قال الإمام الطَّبري - رحمه الله تعالى - بعد هذا الحديث([32]): وفي هذا الحديث من الفقه كراهية رفع الصَّوت بالدُّعاء والذِّكر، وبه قال عامَّة السَّلف من الصَّحابة والتَّابعين.اهـ وصحَّ عن قيس بن عبَّاد - رحمه الله - أنَّه قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الذِّكْرِ»([33]). ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الغليظ الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه وقرأناه وسمعناه، ووقع المسلمون في بلادٍ كثيرةٍ فيه بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ ما كتبوه من أحزاب وأوراد تتضمن أدعية وأذكارًا حوَت ألفاظًا وجُمَلًا محرمة أو شركية، نظَموها مِن تلقاء أنفسهم، أو نقلوا فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يصح عنه، بل ما نصَّ المحدثون على أنه باطل، أو كذب عليه صلى الله عليه وسلم، وما لا أصل له عنه، وما هو شديد الضعف، ونشروها بأعداد هائلة في الأمصار، على نفقة بعض التُّجار، ومِن صدقات المحسنين التي تأتيهم، حتى عمَّت بها القرى، والمدن، والأماكن النائية، وشملت أهل الحاضرة والبادية. وترى لشيخ هذه الطريقة حِزبًا ووِردًا يخصه وأتباعه عن أحزاب الآخَرين، وللقائم على هذه الزاوية أو الرِّباط وأتباعه حِزبًا ووِردًا يخصهم، وللمترأس على أهل هذه الناحية وأصحابه حِزبًا ووِردًا يُميِّزهم عن غيرهم. فشغلوا المتعبِّدين بأحزابهم وأورادهم وصدُّوهم بها عن أفضل وأسلَم وآجر وأنفع الأدعية والأذكار، ألا وهي أدعية وأذكار النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة التي رواها وصنفها أئمة الحديث والسُّنَّة الثقات الأثبات. ] ولا ريب أنَّ ألفاظ أذكار وأدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه جامعة، ومعانيها شاملة، ومعصومة من الخطأ، لأنها جاءت من عند الله، وهي سهلة الحفظ والنُّطق، ومعلوم فضلها في نفسها، وعلى غيرها، وأنها أفضل الذكر، وأعظمه، وأجمله، وأعذبه، ومعروف كبير أجرها، وكثير وثوابها. وإن كثيرًا مِمن تابع شيوخ ودعاة الصوفية وتأثر بهم قد أهملوا حفظ أذكاره صلى الله عليه وسلم الثابتة، وضَعُف ذِكرهم لربهم بها، واعتاضوا عنها بأوراد وأذكار هؤلاء القوم. وقد قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - كما في "مجموع الفتاوي"([34]): فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحرِّي مِن الذكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يُعبِّر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان، وما سواها من الأذكار قد يكون محرمًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون فيه شرك، مما لا يهتدي إليه أكثر الناس. وليس لأحد أن يَسُنَّ للناس نوعًا مِن الأذكار والأدعية غير المسنون، ويجعلها عبادة راتبة، يواظب الناس عليها، كما يواظبون على الصلوات الخمس؛ بل هذا ابتداع دين لم يأذن الله به... وأما اتخاذ وِرْدٍ غير شرعي، واستنان ذكر غير شرعي، فهذا مما يُنهى عنه، ومع هذا ففي الأدعية الشرعية والأذكار الشرعية غاية المطالب الصحيحة، ونهاية المقاصد العلِّية، ولا يعدِل عنها إلى غيرها من الأذكار المُحدَثة المبتدعة إلا جاهل، أو مفرِّط، أو مُتعدِّ.اهـ وقال أيضًا في كتاب "الرد على الشاذلي في حزبيه" ([35]): ثم الأذكار والأدعية والعبادات الشرعية فيها من اتباع السنة، واجتماع القلوب، وحصول الأُلفة، ما هو مِن أعظم رحمة الله لعباده، وأما الأحزاب المحدثة، فإذا كان كل متبوع يصنع لنفسه ولأتباعه حزبًا، أوجبَ هذا مِن البدع والتَّفرق والاختلاف والفساد ما لا يحصيه إلا الله تعالى.اهـ وقال أيضًا([36]): ومتى خرج الإنسان عن الأحزاب النبوية والأذكار والدعوات الشرعية كان كالسالك بُنيَّات الطريق، فقد يقع في الضَّلال من حيث لا يدري.اهـ وقال أيضًا كما في "مجموع الفتاوى"([37]): والذي يعدِل عن الدعاء المشروع إلى غيره - وإن كان من أحزاب بعض المشايخ - الأحسن له أن لا يفوته الأكمل الأفضل، وهي الأدعية النبوية، فإنها أفضل وأكمل باتفاق المسلمين من الأدعية التي ليست كذلك، وإن قالها بعض الشيوخ، فكيف وقد يكون في عين الأدعية ما هو خطأ، أو إثم، أو غير ذلك. ومن أشدِّ الناس عيبًا من يتخذ حزبًا ليس بمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان حزبًا لبعض المشايخ، ويدَع الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيد بني آدم، وإمام الخلق، وحجة الله على عباده.اهـ وقال العلامة عبد الرحمن المعلمي - رحمه الله - كما في "مجموع مؤلفاته"([38]): وما أخسر صفقة من يَدَعُ الأدعية الثابتة في كتاب الله عزَّ وجلَّ أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يكاد يدعو بِها، ثم يعمِد إلى غيرها فيتحرَّاه ويواظب عليه، أليس هذا من الظلم والعدوان؟!.اهـ ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه بأعيننا، وسمعناه بآذاننا منهم، ووقع المسلمون فيه في بلادٍ كثيرةٍ بسببهم وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلادهم: [ قراءة الفواتح في الموالد، والمآتم والعزاء، وعند زيارة القبور، وعند خطبة وعقد النِّكاح، وبعد الانتهاء من صلاة الفريضة، وبعد أي مشروع يقومون به. ] ولو بحثت عن فواتحهم هذه سنين عديدة، بل مِن ساعتك إلى أن ينتهي أجلك فلن تجد لها في القرآن ذِكرًا، ولن تجد لها في السُّنَّة النَّبويَّة خبرًا، ولا فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه - رضي الله عنهم - ولا التَّابعون لهم، ولا الأئمَّة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد بن حنبل، ولا تلامذتهم؛ بل ولن تجد لها في كُتبهم، ولا كتب الحديث النَّبوي شيئًا، وقد أبطل فواتحهم هذه ونَقَضَها وردَّها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث أخرج الإمام مسلم في "صحيحه"([39]) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: « مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ». أي: من عمل شيئًا يتقرب إلى الله به وليس في ديننا وشرعنا فهو مردود عليه، لا يُقبل منه، وهو باطل لا يُعتد به. وقد قال الحافظ شمس الدين السخاوي الشافعي - رحمه الله - المولود سنة (831 هجري) كما في كتاب "الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية"([40]) سئلت: عما اعتيد من كثير من الناس فعله من قراءة الفاتحة عقب الصلوات، وإهداء ثوابها للمسلمين الأحياء والأموات؟ فأجبت: لم يرد فيه على هذه الكيفية شيء، بل هو مما أُحْدِث، والله المستعان.اهـ ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الفظيع الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، وقرأناه بأعيننا في عامَّة كُتبهم، ونسمعه كثيرًا وباستمرارٍ منهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلادهم: [ إشاعة الأحاديث المكذوبة والباطلة والموضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قرأت كُتب دُعاتهم ومشايخهم، أو كُتب أورادِهم، أو كُتب موالدهم، أو استمعت لدروسهم، ومحاضراتهم، وخطبهم؛ وجدت أنَّهم من أكثر الدُّعاة إيرادًا واستدلالًا واحتجاجًا ونشرًا لمثل هذه الأحاديث. ] مع أنَّ العلماء - رحمهم الله - من جميع المذاهب متَّفقون على حُرمة نِسبة مثل هذه الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّه لا يجوز الاحتجاج بها، ولا إشاعتها بين النَّاس، لا خلاف بينهم في ذلك. وإذا ذكرها العلماء فإنما يذكرونها مع تبيين عِللها وبطلانها لِتُحذر، لا للاستدلال بها، بل وأكثروا التصنيف فيها، وفي تبيين عِللها، ليحذرها الناس، ويَحْذروا ممن يُروِّجها ويُشيعها بين الناس. بل إنَّ مما وقع لي شخصيًا ووقع لكثير غيري أنَّنا إذا استمعنا أو قرأنا لبعض مشايخ ودعاة الصوفية وجدنا هذه الأمور مجتمعة عند كثير من مشاهيرهم: الأول: كثرة إيراد الأحاديث التي لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، للاحتجاج بها، مع الاستمرار على ذلك. ناهيك عن إيرادهم الأحاديث التي نصَّ المحدِّثون من مختلف المذهب والأزمان على أنها موضوعة أو مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: إيراد أحاديث متعددة للاحتجاج بها، ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو فتَّشْت عنها في كُتب الحديث كالصِّحاح، والسُّنن، والمسانيد، والمعاجم، والمستخرجات، والأجزاء، والعلل، والزهد والرقائق، والتفسير، وعلوم القرآن، بل وفي كُتب الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لن تجد لها ذِكرًا ولا عنها خبرًا، فهل يؤلفونها من عند أنفسهم؟، ويلٌ لمن فعل ذلك، فقد أخرج الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" ([41]) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ». الثالث: أنهم قد يُحدِّثون بأحاديث صحيحة في "صحيح البخاري" أو "صحيح مسلم " أو غيرهما، ثم يزيدون في ألفاظها ما لا يصح، أو مما لو فتَّشْت عنه في عامة كتب الحديث فلن تجده. ومِن الشَّرِّ والضلال والإثم العظيم الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، وفَتُّوا به من عضُدهم ووحدتهم، ورأيناه بأعيننا، وسمعنا به منهم، لمسناه وعايشناه، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلادهم: [ تفرُّقهم في دِين الله شِيَعًا وأحزابًا، وتسبُّبهم في كثرة الاختلافات بين المسلمين، فيا لله ما أكثر ما عندهم من طُرُقٍ صوفية؛ إنَّها بالعشرات؛ بل ربَّما أكثر!. يسيرون على هذه الطُّرُق، ويبايعون عليها، ويلتزمون طريقة شيخها، وأحزابه، وأوراده، وتعاليمه، ويدعُون النَّاس إليها، وكلُّ جماعةٍ وطريقة يروَن أنَّ طريقة شيخهم هي الأفضل في الإيصال إلى الله، والأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذاك على الطريقة النَّقشبندية، وثانٍ على القادرية، وثالث على الحُصافية، ورابع على المولوية، وخامس على التيجانية، وسادس على الأكبرية، وسابع على الميرغانية، وثامن على الدِّسوقية، وتاسع على الشَّاذلية، وعاشر على الرِّفاعية، وذاك على الأحمدية، وبَلَدّيُّه على البكداشية، وهكذا، لِكلِّ قومٍ أو أهل محلّة أو زاوية أو ناحية طريقة وشيخ. ويا لله كم أحدثوا من عند أنفسهم من الأفعال والأقوال الباطلة والمنكرة والشاذَّة في العقائد، وفي العبادات، وفي الزُّهد والسُّلوك، والتي لا تُعرَف في كتاب الله، ولا في سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه - رضي الله عنهم -، ولا عن التَّابعين، ولا عن الأئمَّة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد بن حنبل !. ويا لله ما أكثر مخالفاتهم للشريعة! وما أعظمها!، وفي عامة أبواب الدين، في باب الاعتقاد، وباب السُّنن والبدع، وباب العبادات، وباب المعاملات، وباب الذكر والدعاء، وغيرها. فزادوا الخلاف في دِين الله، وقوَّوا الاختلاف بين أهله بسبب أقوالهم وأفعالهم المخالفة للشَّريعة، وبسبب طُرقهم الكثيرة. ] وقد قال الله سبحانه في سورة الأنعام مبرئًا نبيِّه صلى الله عليه وسلم عن جُرم التفرق في الدين، ومنبِّهًا لنا ومحذِّرًا وزاجرًا عن التفرق في الدين إلى طوائف وفرق وطُرق وجماعات وأحزاب: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }. بل وصحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه ذمَّ التَّفرُّق في الدِّين؛ وتوعَّد المتفرِّقين في دِينهم شِيَعًا وأحزابًا وطُرقًا وجماعات بالنَّار، فقال صلى الله عليه وسلم: « وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»([42]). وفي لفظٍ قال بثبوته جمعٌ من أهل العِلم بالحديث: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»([43]). أي: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي من الاعتقاد والقول والفعل والترك. ومِن الضَّلال والمُنكر والباطل والإثم الكُبَّار الفظيع الغليظ الذي جَنَوا به على الإسلام والسُّنَّة والمسلمين وبلادهم، ورأيناه، وقرأناه، وسمعناه، ووقع المسلمون في بلادٍ كثيرةٍ فيه بسببهم، وعن طريقهم، وشهرُوه ونشروه بين المسلمين، وفي بلدانهم: [ إحداث البدع في الدين، ودعوة الناس إلى ارتكابها، ونشرها في المساجد، والبيوت، والمدارس، والجامعات، والمقابر، والطرقات، ومجامع الناس ومجالسهم، وتسويقها للناس عبر الكتب والمقالات، والخطب، والدروس، والمحاضرات، والاحتفالات، والموالد، والفضائيات، والإذاعات، ومواقع الإنترنت، ورسائل الجوال، وبرامج التواصل "كتويتر"، و "الوتس آب"، و "الفيسبوك" و "التلغرام"، وغيرها، وأمضوها في المجتمعات بما تولَّوه من مناصب دينية كإفتاء، أو رئاسة صرْح عِلمي، أو قيادة مركز إغاثي، أو بخداع من له سُلطة على الناس، أو بصدقات التُّجار وعموم المتبرعين. ] فيا لله! ما أكثر ما أحدثوه في دين الله مِن بدع، وما أكثر ما فعلوا ونشروا منها بين الناس، فلم يَسلم مِن بدعهم الصغار والشباب والكبار، ولا النساء والرجال، ولا سَلِمت منها العقائد، ولا العبادات، ولا المعاملات، ولا الأذكار، ولا الأدعية، ولا بيوت الله المساجد، ولا صلاة، ولا حج، ولا عمرة. حتى أفسدوا عقائد وعبادات أفواج عديدة جدًا من الناس، ومِن مختلف الأقطار والأزمان، وأثقلوهم بأوزارٍ وآثام كثيرة وغليظة بسبب ارتكاب هذه البدع. ولا ريب أن إحداث البدع في الدين، أو فعلها، أو دعوة الناس إلى فعلها، أو نشرها في بلدانهم، ومجامعهم، ومساجدهم، ومجالسهم، لمِن المحرمات الشديدة، والمنكرات الشنيعة، والسيئات الخطيرة، والآثام الغليظة، والأوزار القبيحة. وقد دَلَّ على كونها بهذه المثابة، وهذا الحال: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه - رضي الله عنهم - في شأنها مِن أحاديث وآثار. ومِن ذلك: أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقرر في مجامع الناس حين يخطبهم أن البدع المحدثة في الدين شرٌّ على الناس، وأنها ضلالة. حيث أخرج الإمام مسلم في "صحيحه" ([44]) عن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب كان يقول: « أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ». ولا ريب أن ما وُصِف بأنه شرٌّ، وأنه ضلالة، يدخل في باب المحرمات الشديدة التحريم. ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى وزجر وحذَّر أمته في وصيته الوداعية المشهورة مِن البدع المحدثة في الدين، وأخبرهم بأنها ضلالة. فصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ » ([45]). وثبت عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: « كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ, وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً » ([46]). ولا ريب أن ما حذَّر وزجر النبي صلى الله عليه وسلم عن فعله، وحكم بأنه ضلالة، لا يدخل إلا في باب المحرمات القبيحة. ثالثًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لأمته أن البدع المحدثة تُردُّ على صاحبها، ولا تقبل منه عند الله، ولا يُعتد بها. حيث أخرج الإمامان البخاري ومسلم في "صحيحيهما" ([47]) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ». وفي رواية عند الإمام مسلم: « مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ » ([48]). ولا ريب أن ما يرُدُّه الله تعالى على صاحبه، ولا يقبله منه، لا يدخل إلا في المحرمات. رابعًا: أنه قد تُوعِّد على البدع بالنار. فثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يقول: « أَصْدَقُ الْقِيلِ قِيلُ اللَّهِ, وَأَنَّ أَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا, أَلَا وَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ, وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ » ([49]). ولا ريب بأن ما تُوعِّد عليه بالنار لا يدخل إلا في المحرمات الشديدة. أيـُّها الإخوة والأخوات - سلَّمكم الله مِن الشرور، وجنَّبكم عواقب البدع المهلكة وشرورها -: إن مِن المعلوم ضرورة من نصوص الشَّرع المطهَّر: أنه ما سُلِّط علينا أعداء الله، وأعداء دينه، وأعداء رسله وكتبه، ولا حلَّت في ديارنا الحروب، وكثُر القتل في صفوفنا، وتوسَّعت آلامنا، وازدادت نكباتنا، وعظمت محننا، وضعفت قوانا، وتردى اقتصادنا، وأُخذت خيراتنا وأفَلَت، إلا مِن عند أنفسنا، إلا بما عملته أيدينا، إلا بسبب ذنوبنا وآثامنا ومعاصينا، والتي من أشدِّها وأشرِّها وأغلظها البدع، وصدق الله وكذب المتخرصون أو أخطئوا، حيث قال - عز شأنه - في سورة الشورى في بيان سبب ذلك: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }. وقال سبحانه في سورة الأنفال: { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }. وقال ـ جلَّ وعلا ـ في سورة الروم: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }. والبدع أعظم من المعاصي وأشنع، وآثارها على الناس أشدُّ وأغلظ، وضررها على دين الناس ودنياهم كبير جدًا، وعقوباتها الدنيوية وخيمة ومهلكة. ولهذا فالصوفية - هداهم الله وردَّهم إلى السُّنَّة - بما هم عليه مِن بدع كثيرة في عامة أبواب الشريعة لمِن أعظم أسباب ما حلَّ وسيَحِلُّ بالمسلمين وبلادهم من تسلُّط أعداء، ودمار، وفُرقة، وحروب، وتناحر، وترَدًّ في الأوضاع، وظلم وجور الولاة، وعدوان أهل الإجرام. وقد قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - كما في "مجموع الفتاوى"([50]): إن أهل البدع شرٌّ من أهل المعاصى الشهوانية بالسُّنة والإجماع.اهـ وقال أيضًا([51]): وأئمة أهل البدع أضرُّ على الأمة من أهل الذنوب.اهـ وقال الإمام الشافعي - رحمه الله -: « لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ » ([52]). والمراد بالأهواء: البدع. وقال الإمام سفيان الثوري - رحمه الله -: «الْبِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، الْمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا، وَالْبِدْعَةُ لَا يُتَابُ مِنْهَا» ([53]). وأقف عند هذا القدر الذي سمعتم، وأسأل الله - جلَّ وعلَا - أن ينفعني وإيَّاكم بما سمعتم، وأن يجعل في هذه الكلمة خيرًا ونفعًا وتثبيتًا وهدايةً وتبصيرًا لكلِّ مَن سمعها ووصلت إليه، وأن يردَّ جميع الخَلْق إلى دِينه ردًّا جميلًا، اللهم رُدَّ من ضلَّ من عبادك إلى التَّوحيد والسُّنَّة ردًّا جميلًا، اللهم جنبنا وإياهم الشِّرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، اللهم جنبنا البدع في الدين، وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وسبحان ربِّك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين. محاضرة ألقاها وراجعها: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد. تنبيه: نسخ هذه المحاضرة عن التسجيل امرأة فاضلة، فأسهمت في نشرها أكثر، فشكر الله لها، وأعظم أجرها، وجعلها من خير عملها الصالح. ([1]) أخرجه أحمد (17142)، وابن ماجه (43)، وغيرهما، وهو حديث ثابت. ([2]) برقم (4497). ([3]) أخرجه أحمد (6072)، وأبو داود (3251)، والترمذي (1535)، وغيرهم. ([4]) البخاري (3836)، ومسلم (1646). ([5]) (14/ 376). ([6]) ( 1/ 335). ([7]) (154). ([8]) برقم (532). ([9]) أخرجه أحمد في "المسند"(3844 و 4143)، وابن خزيمة (789)، وابن حبان (2325 و 6847)، وغيرهم، وعلَّقه البخاريُّ في «صحيحه» (7067) بصيغة الجزم عن أبي عوانة، بلفظ: «مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكْهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ». ([10]) برقم (969). ([11]) برقم (970). ([12]) برقم (3226). ([13])«الأم» (1/ 316). ([14]) (ص: 8). ([15]) (1/ 437). ([16]) البخاري (2652) ، ومسلم (2533). ([17]) برقم (1718). ([18]) أخرجه أحمد (17145 و 17182)، وأبو داود (4607) واللفظ له، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42 و 43 و 44)، وغيرهم، عن العرباض بن سارية ـ رضي الله عنه ـ. ([19]) رواه البخاري (1188)، ومسلم (1397). ([20]) أخرجه أحمد (6905) ، وابن ماجه (1612)، وصحح إسناده جمع كثير من أهل العلم المذاهب الأربعة وغيرهم. ([21]) (1/ 318). ([22]) (ص:175). ([23]) (3/ 142). ([24]) (ص:55). ([25]) جامع المسائل لابن تيمية"(3/ 45 طبعة: دار عالم الفوائد ). ([26]) (ص 51). ([27]) (4/ 491). ([28]) (5/ 311). ([29]) أخرجه عبد الرزاق (8958)، وابن أبي شيبة (15512)، والطبراني في "الكبير" (295)، والفاكهي في "أخبار مكة" (1004). ([30]) أخرجه عبد الرزاق (8957)، والفاكهي في أخبار مكة (1005). ([31]) البخاري (6610) واللفظ له ، ومسلم (2704). ([32]) «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني الشافعي (6/135). ([33]) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (30174) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7182 و 18466). ([34]) (22/ 551). ([35]) (ص:11). ([36]) (ص:194). ([37]) (22/ 525). ([38]) (3/ 785). ([39]) برقم: (1718)، وعلقه البخاري في "صحيحه" جازمًا به. ([40]) (2/ 721 - سؤال رقم:184): ([41]) البخاري (1291)، ومسلم (4). ([42]) أخرجه أحمد (8396)، وأبو داود (4596)، والترمذي (2640)، وابن ماجه (3992)، وغيرهم. ([43]) أخرجه الترمذي (2641) وغيره. ([44]) برقم (867). ([45]) رواه أحمد (17144-17145) وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42). ([46]) أخراجه ابن بطة في "الإبانة الكبرى"(205)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"(126)، والبيهقي في "المدخل"(191)، وغيرهم. ([47]) البخاري (2697)، ومسلم (1718). ([48]) برقم (1718). ([49]) البدع والنهي عنها (56) لابن وضَّاح المالكي. ([50]) برقم (20/ 103). ([51]) برقم (7/ 284). ([52]) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء"(9/111 و 112)، وابن بطة في "الإبانة الكبرى"(1881)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"(1013)، والبيهقي في "الاعتقاد"(269)، وغيرهم. ([53]) أخرجه ابن الجعد في "مسنده"(1809)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(7/ 26)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"(238)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(9009)، وغيرهم.
  9. إرشاد خطباء الأمة بأحكام ختم الخطبة بـ(أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم) الحمد لله الملك العظيم الأعلى، وسلَّم على أشرف المخلوقين محمدٍ المُصطفى، وعلى آله وصحبه وصلَّى، وعنَّا معهم يا سامع السِّر والنَّجوى. وبعد، يا خطيب الناس وواعظهم - سددك الله وزاد مِن فقهك -: فهذا جزء فقهي حول ما وقفت عليه من أحكام حول قول الخطيب في خاتمة خطبته: " أقول هذا، وأستغفر الله لي ولكم "، أو " أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ". وأسأل الله تعالى أن ينفعني وإياك به، ويزيد به من فقهنا، وسائر من قرأه، إنه ربي سميع الدعاء. وسوف يكون الكلام عن هذا الموضوع في ثلاث وقفات، فأقول مستعينًا بالله - عزَّ وجلَّ -: الوقفة الأولى / عن الأحاديث والآثار الدالة على ختم الخطب بأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. أولًا: قال ابن حبان البستي - رحمه الله - في "صحيحه"( 3828): أخبرنا مكحول ببيروت، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: (( طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ وَمَا وَجَدَ لَهَا مُنَاخًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى أُخْرِجَتْ إِلَى بَطْنِ الْوَادِي، فَأُنِيخَتْ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى رَبِّهِ". ثم تلا: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } حَتَّى قَرَأَ الْآيَةَ. ثُمَّ قَالَ: "أَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولكم" )). وقد صححه: ابن خزيمة، وابن حبان، والألباني. وقال العلامة الألباني - رحمه الله - في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة"( 2803) عقبه: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم غير مكحول وشيخه محمد بن عبد الله بن يزيد وهما ثقتان معروفان، وللحديث طريق أخرى عن ابن دينار.اهـ قلت: وهذا الطريق الآخر قد أخرجه عبد بن حميد في "المنتخب"(795) فقال: أنا أبو عاصم، عن موسى بن عبيدة الرَّبَذي، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: (( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ بِمِحْجَنِهِ وَلَمَّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ مُنَاخًا فَنَزَلَ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَبُّرَهَا بِآبَائِهَا، النَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ تَلَا: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى }. ثُمَّ قَالَ: أَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ )). وقيل: إن الصواب في الحديث "موسى بن عبيدة" الضعيف، عن عبد الله بن دينار، وليس "موسى بن عقبة" الثقة. فقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في كتابه "فتح الباري شرح صحيح البخاري"(6/ 527): وقد ورد في الحديث ما يوضح ذلك ففي "صحيحي" ابن خزيمة وابن حبان و "تفسير" ابن مردويه، من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: (( خطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال: ... )). ورجاله ثقات، إلا أن ابن مردويه ذكر أن محمد بن المقرئ راويه عن عبد الله بن رجاء، عن موسى بن عقبة، وهِم في قوله: "موسى بن عقبة"، وإنما هو: "موسى بن عبيدة"، وابن عقبة ثقة، وابن عبيدة ضعيف، وهو معروف برواية موسى بن عبيدة، كذلك أخرجه ابن أبي حاتم، وغيره.اهـ والأرجح أن الحديث صحيح. فإن موسى بن عقبة أيضًا مِمن رووا عن عبد الله بن دينار، فلا يمتنع أن له عن عبد الله بن دينار طريقين، طريق موسى بن عقبة الثقة، وطريق موسى بن عبيدة الضعيف. وإن كان الصواب فيه طريق موسى بن عبيدة فقد تابعه أخوه عبد الله بن عبيدة، فيتقوى ويكون حسنًا. وعبد الله بن عبيدة، قال عنه النسائي: ليس به بأس، وقال الدارقطني: ثقة، وقال مرة: صالح، وذكره ابن حبان في كتابه "الثقات"، وقال ابن حجر العسقلاني: ثقة، وضعفه ابن معين وابن عدي، وقال أحمد: لا يشتغل به. حيث قال ابن أبي شيبة في "مصنفه"(38074): حدثنا عبيد الله بن موسى, قال: أخبرنا موسى بن عبيدة, عن عبد الله بن دينار, عن ابن عمر. (ح) وعن أخيه عبد الله بن عبيدة: (( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ حِينَ دَخَلَهَا وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بِشُقَّةِ بُرْدٍ أَسْوَدَ، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ، وَفِي يَدِهِ مِحْجَنٌ يَسْتَلِمُ بِهِ الأَرْكَانَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا وَجَدْنَا لَهَا مُنَاخًا فِي الْمَسْجِدِ ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ، ثُمَّ خُرِجَ بِهَا حَتَّى أُنِيخَتْ فِي الْوَادِي ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ وَضَعَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظَّمَهَا بِآبَائِهَا، النَّاسُ رَجُلاَنِ: فَبَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَكَافِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ. أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }. أَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ )). وقال الحافظ جمال الدين الزيلعي - رحمه الله - في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف"(3 / 350): وقرَن ابن أبي شيبة مع موسى بن عُبيدة أخاه عبد الله بن عُبيدة، كلاهما عن ابن دينار، به.اهـ وأخرجه أيضًا من طريق موسى بن عبيدة، به: الفاكهي في "أخبار مكة"( 1793 )، وابن أبي حاتم في "تفسيره"( 18622)، والبغوي في "شرح السنة"(3544)، وفي "تفسيره"(7/ 348). ثانيًا: قال ابن أبي الدنيا - رحمه الله - في كتابه "قصر الأمل"(190): حدثني أحمد بن عبد الأعلى، قال: حدثني أبو جعفر المكي، قال: قال الحسن البصري: (( طَلَبْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الْجُمُعَةِ فَأَعْيَتْنِي، فَلَزِمْتُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ لَكُمْ عِلْمًا فَانْتَهُوا إِلَى عِلْمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ: بَيْنَ أَجْلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَبَيْنَ أَجْلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي كَيْفَ اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ، فَلْيَتَزَوَّدِ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَمِنَ الشَّبَابِ قَبْلَ الْهِرَمِ، وَمِنَ الصِّحَّةِ قَبْلَ السَّقَمِ فَإِنَّكُمْ خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ، وَالدُّنْيَا خُلِقَتْ لَكُمْ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا مِنْ دَارٍ إِلَّا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِي وَلَكُمْ " )). وفي إسناده أحمد بن عبد الأعلى الشيباني، ذكره ابن حبان في كتابه "الثقات"( 12074)، وابن قطلوبغا في "الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة"(355). وقال أبو الليث السمرقندي - رحمه الله - في كتابه "تنبيه الغافلين"(309): حدثنا الثقة بإسناده عن الحسن البصري، قال: (( طَلَبْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...)) الحديث. ويقويه ما في "المدونة الكبرى"(1/ 231-232): قال سحنون، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أنه قال: (( بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْدَأُ فَيَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى ثُمَّ جَلَسَ شَيْئًا يَسِيرًا، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى إذَا قَضَاهَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى )). وقال أبو داود في كتابه "المراسيل"(55): حدثنا ابن السَّرح، وحدثنا سليمان بن داود، أنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: (( بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْدَأُ فَيَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الْأُولَى، ثُمَّ جَلَسَ شَيْئًا يَسِيرًا، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى إِذَا قَضَاهَا اسْتَغْفَرْ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى )). وإسناد هذا المرسل إلى الزهري صحيح. ثالثًا: قال القاسم بن موسى الأشيب - رحمه الله - في "جزئه"(48): أخبرنا الزبير بن بكار، حدثني عبد الله بن نافع الصائغ، أخبرني عبد الله بن مصعب بن خالد بن زيد بن خالد الجهني، عن أبيه، عن جده زيد بن خالد، قال: (( تَلَقَّيْتُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِتَبُوكَ , قَالَ: سَمِعْتُهُ , يَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَأَوْثَقُ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى, وَخَيْرُ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ, وَخَيْرُ السُّنَنِ سُنَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَأَشْرَفُ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ, وَأَحْسَنُ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ, وَخَيْرُ الأُمُورِ عَوَازِمُهَا, وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا, وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ الأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ, وَأَشْرَفُ الْمَوْتِ قَتْلُ الشُّهَدَاءِ, وَأَعْمَى الضَّلالَةِ ضَلالَةٌ بَعْدَ الْهُدَى, وَخَيْرُ الْعَمَلِ مَا نَفَعَ, وَخَيْرُ الْهُدَى مَا اتُّبِعَ, وَشَرُّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ, وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى, وَمَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى, وَشَرُّ الْمَعْذِرَةِ عِنْدَ حَضْرَةِ الْمَوْتِ, وَشَرُّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لا يَأْتِي الْجُمُعَةَ إِلا نَذْرًا, وَمِنْهُمْ مَنْ لا يَذْكُرُ اللَّهِ إِلا هَجْرًا, وَمِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ, وَخَيْرُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ, وَخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى, وَرَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَخَيْرُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ, وَالارْتِيَابُ مِنَ الْكُفْرِ, وَالنِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ, وَالْغُلُولُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ, وَالسُّكْرُ مِنَ النَّارِ, وَالشِّعْرُ مِنْ إِبْلِيسَ, وَالْخَمْرُ جَمَاعَةُ الإِثْمِ, وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ, وَالشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ, وَشَرُّ الْكَسْبِ كَسْبُ الرِّبَا, وَشَرُّ الْمَالِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ, وَالسَّعِيدُ مِنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ, وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ, وَإِنَّمَا يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى مَوْضِعِ أَذْرُعٍ, وَالأَمْرُ إِلَى آخِرَةٍ, وَمِلاكُ الأَمْرِ فَرَائِضُهُ, وَشَرُّ الرُّؤْيَا رُؤْيَا الْكَذِبِ, وَكُلَّمَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ, سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ, وَقِتَالُ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ, وَأَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ, وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ, وَمَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ كَذَّبَهُ, ومَنْ يَغْفِرْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ, وَمَنْ سَمِعَ الْمُسْتَمِعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ, وَمَنْ يَعْفُ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ, وَمَنْ يَكْظِمِ الْغَيْظَ يَأْجُرْهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَصُمْ يُضَاعِفْهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي, اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي, - ثَلاثَ مَرَّاتٍ -، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ» )). وأخرجه أيضًا من طريق الزبير بن بكار: ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال"(1 / 113)، والهروي في "جزئه"(5)، وابن عساكر في "معجمه"(702). وقال ابن عساكر - رحمه الله - عقبه: هذا حديث حسن غريب، لم يُرو إلا بهذا الإسناد.اهـ وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة"(2 / 315-316 - ترجمة رقم: 2369): قال الذهبيّ في "الميزان": "روى عبد الله بن مصعب بن خالد الجهني، عن أبيه، عن جدّه، فرفع خطبة منكرة، وفيهم جهالة". قلت: تلقّف ذلك من ابن القطان، فإنه ذكر الحديث الذي سأذكره، ثم قال: "عبد الله وأبوه لا يُعرفان في هذا أو نحوه". ولم يتعرض لخالد فأصاب، لأن في سياقه: (( تلقفت هذه الخطبة من فيِّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلم بتبوك، فسمعته يقول: «والخمر جماع الإثم» )). هكذا أخرجه الدارقطني في "السنن" من طريق الزبير بن بكَّار، عن عبد الله بن نافع، عن عبد اللَّه بن مصعب بن خالد بن زيد بن خالد الجهني، عن أبيه، عن زيد بن خالد، قال: (( تلقفت )). وخالد بن زيد الذي حاول الذهبي تجهيله لا رواية له أصلًا في هذا الحديث، ولا في غيره، فإن مقتضى سياق الدارقطني أن يكون الضمير في قوله: "عن جده" لمصعب، وجدّه هو زيد بن خالد الصحابي المشهور. وكذا أخرج الترمذي الحكيم هذا الحديث في "نوادر الأصول" وصرح بأن الخطبة طويلة. ثم أخرجه أيضًا من رواية عبد الله بن نافع بهذا السند، ولفظه: (( استلقفت هذه الخطبة ))، فذكر مثله، ولكن اقتصر من المتن على قوله صلى الله عليه وسلم: (( خير ما ألقي في القلب اليقين )). وقد وقعت لنا هذه الخطبة مطولة من وجه آخر. أخرجها أبو أحمد العسكري في "الأمثال"، والديلمي في "مسند الفردوس"، من طريقه بسند له إلى عبد الله بن مصعب بن منظور، عن حميد بن سيار، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، قال: خرجنا في غزوة تبوك. فذكر الحديث بطوله، وأوله: (( يؤمهم عن صلاة الفجر )). وفيه: (( فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: «أمّا بعد فإنّ أصدق الحديث كتاب اللَّه ...» )). فذكره بطوله، وفيه: (( وخير ما ألقي في القلب اليقين )). وعبد اللَّه بن مصعب هذا غير صاحب الترجمة، وهو أيضًا كذا.اهـ وقال العلامة الألباني - رحمه الله - في كتابه "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"( 2059) عقبه: وهذا إسناد ضعيف، عبد الله بن مصعب وأبوه فيهما جهالة، كما قال الذهبي. وعبد الله بن نافع الصائغ، ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين، كما قال الحافظ. والحديث أورده السيوطي في "الجامع" من رواية البيهقي في "الدلائل"، وابن عساكر عن عقبة بن عامر الجهني، وأبي نصر السجزي في "الإبانة" عن أبي الدرداء، وابن أبي شيبة في "المصنف" عن ابن مسعود موقوفًا. وزاد المناوي في تخريجه فقال: "رواه العسكري والديلمي عن عقبة، وأبو نعيم في "الحلية"، والقضاعي في "الشهاب" عن أبي الدرداء، قال بعض شرائحه: حسن غريب". وقال في "التيسير" في حديث ابن مسعود الموقوف: "وإسناده حسن". قلت: وفي إسناد حديث عقبة عند الديلمي (1/ 2/ 216 - 217): عبد العزيز بن عمران، وهو متروك، ويعقوب بن محمد الزهري وأبو أمية الطرسوسي، وهما ضعيفان.اهـ قلت: وقد أخرج حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه -: أبو القاسم ابن منده في "المستخرج من كتب الناس للتذكرة والمستطرف من أحوال الرجال للمعرفة"(1/ 399)، والبيهقي في "دلائل النبوة"(5/ 241)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق"(51/ 239-240 - ترجمة رقم: 6058)، من طريق: أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن محمد بن يعقوب بن عيسى الزهري، عن عبد العزيز بن عمران. وقد مضى كلام العلامة الألباني - رحمه الله - في تضعيف هؤلاء الثلاثة. وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في كتابه "البداية والنهاية"(5/ 18) عقبه: وهذا حديث غريب، وفيه نكارة، وفي إسناده ضعف.اهـ وقال الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله - في كتابه "زاد المعاد"(1/ 179 أو 189): وكان صلى الله عليه وسلم يختم خطبته بالاستغفار.اهـ رابعًا: قال أبو بكر الدينوري - رحمه الله - في كتابه "المجالسة وجواهر العلم"( 1290): نا إبراهيم بن إسحاق، نا خلف بن هشام، عن أبي عوانة، عن هلال، عن عبد الله بن عُكيم قال: (( لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَنَزَلَ مِرْقَاةً مِنْ مَقْعَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمَدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى، وأن أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ، وَإِنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي الْقَوِيُّ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ؛ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ زِغْتُ؛ فَقَوِّمُونِي، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَلا يَدَعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللهُ بِالْفَقْرِ، وَلا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ؛ إِلَّا عَمَّهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْبَلاءِ؛ فَأَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ؛ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ )). ورجال إسناده ثقات غير مصنف كتاب "المجالسة"، فقد قال عنه الحافظ الذهبي - رحمه الله - في "سير أعلام النبلاء"(15/ 428): ضعفه أبو الحسن الدارقطني.اهـ لكن له شواهد يتقوى بها ويثبت. ومِن هذه الشواهد: 1- ما أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله - في كتابيه "الأموال"(8) والسياق منه، و"الخطب والمواعظ"(119) فقال: حدثني علي بن هاشم بن البُريد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: (( خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ، وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، وَلَكِنَّهُ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَسَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَّمَنَا فَعَمِلْنَا، وَاعْلَمُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ الْهُدَى - أَوْ قَالَ: التُّقَى، شَكَّ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ: التُّقَى -، وَأَنَّ أَعْجَزَ الْعَجْزِ الْفُجُورُ، وَأَنَّ أَقْوَاكُمْ عِنْدِي الضَّعِيفُ حَتَّى آخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَأَنَّ أَضْعَفَكُمْ عِنْدِي الْقَوِيُّ حَتَّى آخُذَ مِنْهُ الْحَقَّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ، وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنْ أَنَا أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَنَا زُغْتُ فَقَوِّمُونِي، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ )). وإسناده حسن أو صحيح إلى عروة بن الزبير. وعروة بن الزبير لم يسمع من جده أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وقد روى عن أمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة - رضي الله عنهما - وغيرهما من الصحابة. 2- ما أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله - في كتابيه "الأموال"(9) و "الخطب والمواعظ"(120) عقب أثر عروة بن الزبير، فقال: وحدثنا علي بن هاشم - يعني: ابن البُريد -، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن حازم، أو غيره، عن أبي بكر، نحو ذلك.اهـ فإن كان الأثر عن قيس بن حازم فالإسناد حسن أو صحيح، فقد سمع من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. 3- ما أخرجه أبو عبيد في "الخطب والمواعظ"(121)، ومن طريقه أبي نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 35-36)، فقال أبو عبيد: حدثنا أزهر بن عمير - وكان بالثغر -، قال: حدثني أبو الهذيل، عن عمرو بن دينار، قال: (( خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِاللهِ لِفَقْرِكُمْ وَفَاقَتِكُمْ أَنْ تَتَّقُوهُ, وَأَنْ تُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ, وَأَنْ تَسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، ....، إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ نَسَبٌ, يُعْطِيهِ بِهِ خَيْرًا وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُ سُوءًا, إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ, وَإِنَّهُ لَا خَيْرَ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ, وَلَا شَرَّ بِشْرٍ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ, أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ )). وعمرو بن دينار لم يدرك الصديق - رضي الله عنه -. خامسًا: أخرج البخاري (58) واللفظ له، وأحمد (19152)، وأبو عوانة في "مستخرجه"( 175)، عن زياد بن عِلاقة، أنه قال: (( سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ )). سادسًا: نُقل ذلك في الخطب أيضًا عن: 1- عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. أخرجه ابن شبَّة في "تاريخ المدينة"(2/ 674-676). 2- علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. أخرجه الآجري في "الشريعة"(1829 و1196)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء"(1/ 77-79 و 1/ 79)، واللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"(2652 و2456)، وبحشل في "تاريخ واسط"(ص:166)، والضياء في " النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب"(10). 3- الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -. أخرجه الحاكم في "المستدرك على الصحيحين"(4813)، والبيهقي في "دلائل النبوة للبيهقي"(6/ 444)، في "السنن الكبرى"( 17157)، والثعلبي في "الكشف والبيان عن تفسير القرآن"(6/ 314). 4- عمرو بن العاص - رضي الله عنه - كما في "الأخبار الموفقيات"(ص:190) للزبير بن بكار القرشي. 5- معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - كما في "حلم معاوية"(31) لابن أبي الدنيا، و"البداية والنهاية"(8/ 141). الوقفة الثانية / عن العلماء القائلين بمشروعية ختم الخطبة بالاستغفار. 1- قال شيخ المالكية ابن القاسم المالكي - رحمه الله - كما في "المدونة الكبرى"(1/ 231): وسمعته - "أي: الإمام مالك بن أنس رحمه الله -" يقول: "من سنة الإمام ومن شأن الإمام أن يقول إذا فرغ من خطبته: "يغفر الله لنا ولكم"، فقلت: يا أبا عبد الله فإن الأئمة يقولون اليوم: "اذكروا الله يذكركم"، قال: وهذا حسن، وكأني رأيته يرى الأول أصوب.اهـ وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي - رحمه الله - في كتابه "النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات"(1/ 472): قال في "المختصر": ويبدأ في الخطبة بالحمد لله، ويختم بأن يقول: "وأستغفر الله لي ولكم"، وإن قال: "اذكروا الله يذكركم" فحسن.اهـ وقال الفقيه ضياء الدين الجندي المالكي المصري - رحمه الله - في "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب"(2/ 59): واستحب مالك أن يختم الثانية: "بأن يغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين"، وإن قال: "اذكروا الله يذكركم أجزأ"، والأول أصوب.اهـ 2- قال الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتابه "الأم"(1/ 201): وأحب أن تكون قراءته ما وصفت في الخطبة الأولى، وأن يقرأ في الخطبة الثانية أية أو أكثر منها، ثم يقول: "أستغفر الله لي ولكم".اهـ وقال الفقيه المحدث أبو زكريا النووي الشافعي - رحمه الله - في كتابه "المجموع شرح المهذب"(4/ 529): الثانية عشرة: يستحب للخطيب أن يختم خطبته بقوله: "أستغفر الله لي ولكم"، ذكره البغوي.اهـ وقال الفقيه شمس الدين الرملي الشافعي - رحمه الله - في كتابه "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج"(7/ 120): ويُسن أن يَختم الثانية بقوله: "أستغفر الله لي ولكم".اهـ 3- قال العلامة عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي - رحمه الله - في كتابه "حاشية الروض المربع"(2/ 458): وذكر البغوي وغيره: استحباب ختم الخطبة بقوله: "أستغفر الله لي ولكم"، وعمل الأكثر عليه.اهـ وقال في كتابه "الإحكام شرح أصول الأحكام"(1/ 452): وذكر البغوي وغيره: استحباب ختم الخطبة بقوله: "أستغفر الله لي ولكم"، وقال ابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم يختم خطبته بالاستغفار.اهـ 4- قال محمد بن أحمد عبد السلام خضر الشقيري الحوامدي - رحمه الله - في كتابه "السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات"(ص: 90): وقد كانت الخطب تُختم في القرون الأولى بقولهم: "أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم".اهـ وقال أيضًا (ص:315): في خاتمة خطب الجمعة والأعياد فإن السَّلف كان يقول قائلهم: "أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم".اهـ 5- قال العلامة العثيمين - رحمه الله - كما في "لقاء الباب المفتوح"(137/ 11): وقد كان الخطباء يقولون على المنابر: "أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم"...اهـ 6- يفعله في الخطب هؤلاء الأئمة: محمد بن عبد الوهاب التميمي، وصديق حسن خان، وعبد الرحمن السعدي، وعبد الرحمن المعلمي، ومحمد بن صالح العثيمين، وصالح الفوزان. الوقفة الثالثة / عن موضع قول "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" هل هو في نهاية الخطبة الأولى أم الثانية. الوارد في الأحاديث والآثار المتقدمة أن الخطيب يقول: "أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم" ثم ينزل من المنبر. وهذا يدُلُّ على أن موضعه في نهاية الخطبة الثانية، وهو الذي وجدته في كتب الفقهاء - رحمهم الله -. ودونكم بعض ما وقفت عليه: 1- قال الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - كما في "المدونة(1/ 231): مِن سُنَّة الإمام، ومِن شأن الإمام أن يقول إذا فرغ مِن خطبته: "يغفر اللَه لنا ولكم.اهـ وقال الفقيه ضياء الدين الجندي المالكي المصري - رحمه الله - في "التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب"(2/ 59): واستحب مالك أن يختم الثانية: "بأن يغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين".اهـ 2- قال الإمام الشافعي - رحمه الله - في كتابه "الأم"(1/ 201): وأحب أن تكون قراءته ما وصفت في الخطبة الأولى، وأن يقرأ في الخطبة الثانية أية أو أكثر منها، ثم يقول: "أستغفر الله لي ولكم".اهـ وقال الفقيه شمس الدين الرملي الشافعي - رحمه الله - في كتابه "نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج"(7/ 120): ويُسن أن يَختم الثانية بقوله: "أستغفر الله لي ولكم".اهـ 3- لم أجد للحنفية كلامًا، إلا أنهم يتناقلون في كتبهم ما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. حيث قال الفقيه علاء الدين الكاساني الحنفي - رحمه الله - في كتابه "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع"(1/ 262): فإنه رُوي عن عثمان - رضي الله عنه -: (( أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُخْلِفَ خَطَبَ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ، فَلَمَّا قَالَ" "الْحَمْدُ لِلَّهِ" ارْتَجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتُمْ إلَى إمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إلَى إمَامٍ قَوَّالٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَكَانِ مَقَالًا، وَسَتَأْتِيكُمْ الْخُطَبُ مِنْ بَعْدُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهِ لِي وَلَكُمْ، وَنَزَلَ، وَصَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ )). وقال الفقيه كمال الدين ابن الهمام الحنفي - رحمه الله - في "شرح فتح القدير"(2/ 60): قصة عثمان لم تعرف في كتب الحديث، بل في كتب الفقه.اهـ 4- لم أجد للحنابلة كلامًا، لكنهم قالوا في كتبهم في خطبة الاستسقاء كما في "الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل"(1 / 208)، و " كشاف القناع عن متن الإقناع"(2 / 72): ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسر، ثم يقول: "أستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين"، وقد تمت الخطبة.اهـ وتقدم قول العلامة عبد الرحمن بن قاسم الحنبلي - رحمه الله - في كتابه "حاشية الروض المربع"(2/ 458): وذكر البغوي وغيره: استحباب ختم الخطبة بقوله: "أستغفر الله لي ولكم"، وعمل الأكثر عليه.اهـ وكتبه: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
  10. الأحكام الشرعية الخاصة بالأمطار ونزولها الخطبة الأولى: ــــــــــــــــ الحمد لله المُنعِم بالخيرات، المُفيض لعظيم البركات، السابغة نعمه على جميع المخلوقات، أحمدُه على نِعم لا تُعَدّ، وأشكره على تفضُّلات لا تُحَدّ، وأشهد أن لا إله إلا الله الأحَد الصَّمد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المُتحليِّ بأفضل الخِلال، والهادي إلى طيِّب الأقوال والأعمال، وعلى الصَّحب والآل، ما تعاقبت الأيام والليال. أما بعد، أيها المسلمون: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، بِشُكر نعمه، والتفقه في أحكام شريعته، والعمل بما يُقربكم من جنته، ويُباعدكم عن ناره، فقد قال سبحانه مبشرًا لكم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ }. أيها المسلمون: إن الأمطار ونزولها على الأرض وما فيها من مخلوقات لمِن أجلِّ نِعم الله، وأعظم ما وهب، فبالماء الذي نزَّله الله من السماء أحيا كل شيء، فقال سبحانه: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ }. وقال - عزَّ وجل - مُمتنًا: { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا }. وقال تعالى مُتفضلًا: { وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ }. أيها المسلمون: إننا نعيش أيامًا ننعم فيها بنزول الأمطار، وإن الأحكام المتعلقة بنزول المطر لعديدة، وتدخل في أبواب عدة من الدين. فمِن أحكامه المتعلقة بباب العقيدة: أن الله هو المتفضِّل على عباده بالمطر، رحمة منه لهم، وجُودًا به عليهم، وإحسانًا إليهم، لدفع حاجتهم، وسد ضروراتهم، وإصلاح معيشتهم، ونسبته إليه وحده إيمان، ونسبته إلى غيره كالنجوم والكواكب كفر، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (( قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَبِرِزْقِ اللَّهِ وَبِفَضْلِ اللَّهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي )). ونسبته إلى غيره من عقائد أهل الجاهلية، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ - وذكر منها -: الْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ ))، أي: اعتقاده نزول المطر بسبب سقوط نجم في جهة، وطلوع آخر في الجهة التي تقابله. ولا ريب أن النجوم لا علاقة لها بنزول الأمطار، لا في اجتماعها ولا افتراقها، ولا في طلوعها ولا غروبها؛ ولا في سقوطها، بل هي سائرةٌ كما أمرها الله ، وكما سيَّرها، ولِـمَا سيَّرها. ومِن أحكامه المتعلقة بباب العقيدة أيضًا: أن العلم بوقت نزول المطر إلى الأرض خاص بالله وحده؛ فلا يعلمه أحدٌ، لا مِن الأنبياء، ولا مِن الصالحين، ولا مِن أهل الفَلِك، ولا مِن أهل الأرصاد، ولا مِن الكُهَّان والمنجِّمين والسحرة، ولا مِن غيرهم؛ لِما صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَفَاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ - وذكر منها -: وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ )). ويخالفُ هذا الحديث النبوي، ويَضلُّ في هذا الأمر، فريقان: الأول: أعداد من الصوفية، حيث يزعمون أنَّ بعض الأولياء والصالحين يعلمون وقت نزول المطر. والثاني: بعض أهل الأرصاد، حيث نسمع منهم أو نقرأ لهم الجزم بنزول المطر في وقت كذا. وهذا الحديث يُبطل ما هم عليه، لأنه خصَّ علم ذلك بالله وحده. وقد قال القاضي أبو بكر بن الطيِّب المالكي: - رحمه الله -: ومن قال: "غدًا ينزل الغيث"، ضُرب، وسُجن، واستُتيب من ذلك، على هذا نصَّ أهل العلم من أهل السُّنة والجماعة.اهـ ومِن أحكامه المتعلقة بباب الطهارة: أن ماء المطر طاهر في نفسه، ومُطهِّر لغيرة، فهو يرفع الحدث الأصغر والأكبر، ويُطهِّر الأبدان والثياب وأماكن الصلاة من النجاسة والقذر، حيث قال الله سبحانه مُمتنًا على عباده: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ }. وقال تعالى: { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا }. ومِن أحكامه المتعلقة بباب الأذان: أنه يُشرع للمؤذن وقت نزول المطر أن يقول في أذانه: «الصَّلاةُ فِي الرِّحَال» أو «صَلُّوا فِي رِحَالِكُم»؛ لثبوت ذلك في عدَّة أحاديث، وقد صحَّ عن ابن عمر- رضي الله عنه -: (( أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ ))، أي: صلُّوا في أماكنكم التي أنتم فيها من بيوتٍ وغيرها. ومحلّ قَول «صَلُّوا فِي رِحَالِكُم» بعد آخر جملة من الأذان، لما صحَّ في حديث ابن عمر- رضي الله عنه -: (( فَقَالَ فِي آخِرِ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ )). أو يقوله بعد الانتهاء من قول حيَّ على الفلاح، لما صحَّ عن رجل من ثقيف: (( أَنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ )). ومِن أحكامه المتعلقة بباب الصلاة: سقوط وجوب شهود صلاة الجمعة والجماعة عن المأمومين وقت نزول المطر الذي يَبُلُّ الثياب، ويُتأذى به، وهو قول أكثر الفقهاء، لِما صحَّ عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال لمؤذنه في يوم جمعة مَطير: (( إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلاَ تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي: النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم - )). وصحَّ عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: (( خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ )). وأما الإمام فإنه يَحضر ويُصلي الجمعة والجماعة بمن حضر من الناس، لحديث ابن عباس السابق وغيره، ولِما صحَّ عن أبي سعيدٍ - رضي الله عنه - أنه قال: (( جَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ، وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ )). ومِن أحكامه المتعلقة بباب الصلاة أيضًا: أنه يُباح للإمام أن يجمع العشاء مع المغرب في الليلة المَطيرة، وهو قول أكثر الفقهاء، لثبوته عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حيث صحَّ: (( أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ، فَيُصَلِّي مَعَهُمُ ابْنُ عُمَرَ لَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ )). وأما جمع الإمام العصر مع الظهر بسبب المطر فأكثر الفقهاء يقولون: لا يجوز، لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولاعن أصحابه، وذهب الشافعي وجماعة إلى جوازه. وهنا تنبيهان: الأول: أن بعض الأئمة يجمعون لمجرد نزول المطر، حتى ولو كان قليلًا، لا تقع منه مشقة على الناس، لا في أبدانهم، ولا ثيابهم، ولا يتأذون به، وهذا لا يجوز، وعلى من فعله إعادة الصلاة الثانية في وقتها، وقد نصَّ الفقهاء على أنه لا بد لجواز الجمع مِن أنْ يَبُلَّ المطر الثياب، وتلحق المشقَّة بالخروج فيه. الثاني: أن الجمع بين الصلاتين بسبب المطر إنما أُبِيح لأجل دفع المشقة الحاصلة على أبدان الناس وثيابهم إذا خرجوا إلى المسجد في وقت الصلاة الثانية، وعليه فلا يدخل في هذه الإباحة: مَن كان في مكان لا يَخرج منه إلى المسجد، كالذي في البيت، أو خيمة في البَّر، أو سِجن، أو مستشفى، أو مكان عمل، وأشباه ذلك، لأنه لا مشقَّة ولا أذى يلحقه. ومِن أحكامه المتعلقة بباب الزكاة: أن ما سُقِي من الحبوب والثمار بماء المطر فزكاته العُشر، لأنه لا كلفة في سقية، وما سُقِي بكلفة ومشَقَّة فزكاته نصف العُشر، لما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ ))، والعُشر هو: عشرة مِن المئة، ونِصف العشر: خمسة مِن المئة. ومِن أحكامه المتعلقة بباب الزكاة أيضًا: أن منع النَّاس زكاة أموالهم مِن أسباب مَنْع المطر عنهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ))، وقد صحَّحه: الحاكم والذهبي، وحسَّنه: الألباني. بارك الله لكم فيما سمعتم، ونفعكم به، إنه سميع مجيب. الخطبة الثانية: ــــــــــــــــ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، أيها المسلمون: فلا يزال الحديث معكم متواصلًا عن الأحكام الشرعية المتعلقة بنزول المطر، فأقول مستعينًا بالله - جلَّ وعزَّ -: ومِن أحكامه المتعلقة بباب الأذكار: أنه يُستحب للعبد أن يقول إذا رأى المطر: «رحمة» «اللهم صيِّبًا نافعًا»، لِما صحَّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: (( اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا )). ولِما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه: (( كَانَ يَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: «رَحْمَةٌ» )). وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( قَالَ اللهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ )). ومِن أحكامه المتعلقة بباب الأذكار أيضًا: أنه يُستحب أن يُقال عند سماع الرَّعد ما صحَّ عن ابن الزبير- رضي الله عنه -: (( أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ )). وثبت عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (( مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ مَنْ سبَّحْتَ لَهُ )). ومِن أحكامه المتعلقة بباب التَّيَمُّنِ: أنه يُستحب التَّيَمُّن بالمطر بكشف شيء من اللباس عن البدن كالذراع أو الرأس أو غيرهما ليصيبه المطر، وتعريض شيء من الثياب له، لِما صحَّ عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: (( أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَطَرٌ، فَحَسَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى )). وصحَّ عن ابن عباس - رضي الله عنه -: (( أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَطَرَتِ السَّمَاءُ يَقُولُ: يَا جَارِيَةُ أَخْرِجِي سَرْجِي أَخْرِجِي ثِيَابِي، وَيَقُولُ: { وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا } )). ومِن أحكامه المتعلقة بباب الدعاء: أن يجوز لخطيب الجمعة أن يدعو فيها بنزول المطر إذا احتاجه الناس، ويرفع يديه فيه، ويرفع الناس أيديهم معه، ويؤمِّنوا على دعائه، لِما صحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ يَخْطُبُ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» )). وفي لفظ صحيح أيضًا: (( فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ )). ومِن أحكامه المتعلقة بباب الدعاء أيضًا: أنه نُقل عن جماعة من السلف الدعاء عند نزول المطر، فقال الإمام الشافعي - رحمه الله -: « وَقَدْ حَفِظْت عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الْإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ». وثبت عن عطاء - رحمه الله - وهو من تلامذة الصحابة أنه قال: (( ثَلَاثُ خِلَالٍ تُفَتَّحُ فِيهِنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَاغْتَنِمُوا الدُّعَاءَ فِيهِنَّ: عِنْدَ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَعِنْدَ الْتِقَاءِ الرَّجْفَيْنِ، وَعِنْدَ الْأَذَانِ )). وورد في ذلك بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح منها شيء. هذا وأسأل الله لي ولكم المغفرة والرحمة ودخول الجنة، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إمامًا، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم إنا نعوذ بك من دعاء لا يُسمع، وعلم لا يَنفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، اللهم إنا نعوذ بك من شر هؤلاء الأربع، اللهم إنا نسألك عِيشة سوية، ومِيتتة نقية، ومردًّا غير مُخزٍ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم. خطبة كتبها: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد. تنبيه: إن كان في الخطبة طول قد لا يناسب بعض الأماكن فبإمكان الخطيب أن يحذف بعض المسائل.
  11. ومن باب الفائدة لأخي الكاتب - سدده الله - والقُراء معه أقول: أولًا- الأحاديث التي فيها: "ألا صلوا في الرحال" حال البَرْد، ليس فيها ذِكر للجمع بين الصلاتين، فلا يصلح أن يُستنبط منها المشروعية، ولم أجد أحدًا استنبطه منها فيما وقفت عليه من كتب شراح الحديث، وكتب الفقهاء، وكتب ذكر الاختلاف. ويستفاد منها أمران: 1- النداء بـ"الصلاة في الرحال" في الليلة الباردة في السفر. وحديث نعيم بن النحام يدل على النداء به أيضًا في الحضر. 2- جواز التخلف عن شهود الجمعة والجماعة مع الإمام بسبب البرد الشديد، وهو مذهب الجمهور. ثانيًا- جماهير أهل العلم على أن البرد لا يُبيح الجمع بين الصلاتين، لعدم ورود نص نبوي فيه، مع شهرة وجود البرد زمن النبوة، وذكره في النصوص، وقد أشار الإمام الألباني في أحد أشرطته أنه لا نص في المسألة، وإنما أجازه من أجازه استنباطًا. وللحنابلة في الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة وجهان: الإباحة والمنع، ذكر ذلك الإمام موفق الدين ابن قدامة - رحمه الله -. ثالثًا- إباحة الجمع بسبب البَرْد نهارًا - يعني: بين الظهر والعصر - لم أره لأحد من الفقهاء الأوائل، ولا في مذاهب الأئمة الأربعة، ولا في كتب الاختلاف. رابعًا- التعبير بلفظ: "مشروعية" أو "ولهذا يشرع"، ليته لم يُذكر. لأن النص المذكور، وباقي نصوص الباب، ليس فيها ذكرٌ للجمع بين الظهر والعصر أو المغرب والعشاء أصلًا، وأيضًا إنما عبَّر من ذهب إليه ليلًا من الفقهاء بالجواز أو الإباحة. وقد ذكر شيخنا العلامة صالح الفوزان - سلمه الله - وغيره، أن لفظ المشروعية يراد به: "الوجوب والاستحباب"، ولهذا يقول الفقهاء عن كثير من المسائل: إنها مشروعة بالنص والإجماع، أو بالإجماع، ثم يحكون تحتها الخلاف في نوع هذه المشروعية، وهل هي مشروعية وجوب أم استحباب. وكتبه: عبد القادر الجنيد.
  12. أهل المِلل بالعهد والأمان آمنون على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم في بلاد المسلمين الخطبة الأولى: ــــــــــــــــ الحمد لله الذي رضى لنا الإسلام دينًا، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجرًا كبيرًا، وذَخِر لِمن وافاه به ثوابًا جزيلًا، وفوزًا عظيمًا، وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، فهو دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قُدْسِه، فبِه اهتدى المهتدون، وإليه دعا الأنبياء والمرسلون، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادةً مُبَرَّأة من التُّهم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المحترم، أرسله إلى العرب والعجم، وجعل أمته خير الأمم، وهدى به إلى الطريق الأقوَم، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وشرَّف وعظَّم وكرَّم. أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله ربكم بالعمل بشرعه القويم أمرًا ونهيًا، وفي أمور العقائد والعبادات والمعاملات مع الخَلق والآداب، فإنكم إن عملتم به أصلح لكم دنياكم، وفزتم وسعدتم في أخراكم، حيث قال سبحانه: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }. وقال - عزَّ وجلَّ -: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ }. أيها الناس: قد يَقْدم إلى أيِّ أرض من بلاد المسلمين مَن ليس مِن أهل دينهم الإسلام، إمَّا مِن النصارى أو اليهود أو البوذيين أو الهندوس أو غيرهم، إمَّا لعمل عند الحكومة أو شركة أو مستشفى أو سفارة بلده، أو لحضور مؤتمر أو معرض تجاري، أو لسياحة أو تجارة أو تعليم أو تدريب عسكري أو صيانة أجهزة وطرق وشبكات، أو غير ذلك من الأغراض. وهؤلاء آمنون في بلاد الإسلام على أنفسهم وأموالهم وأهليهم بنصوص القرآن العزيز، والسُّنة النبوية، وإجماع العلماء، حيث دخلوها وأقاموا فيها بعهد وأمان مِن قِبل وليِّ الأمر حاكم البلاد، بالإذن لهم بالدخول إليها بالكلام أو غيره، أو منح تأشيرة دخول أو فيزة، أو بتأمين مَن يعملون عنده، أو أيّ مسلم عاقل بالغ مِن ذكر أو أنثى. فلا يجوز أن يُعتدى عليهم بقتل، أو تفجير، أو دهس بمركبة، أو خطف، أو جِراحة، أو ضرب، أو سحب في الطرقات، أو إخافة وترويع، أو سرقة، أو غير ذلك من المحرمات، حتى ولو كانت حكومة بلادهم من أشد الحكومات عداء وإيذاء للمسلمين، وتسلطًا على بلادهم. ولا يجوز أن يَفرح مسلم بحصول مثل هذا لهم في ديار أهل الإسلام، أو أن يُثني على مَن فعله، أو أن يتصدق أو يعتمر لفاعله لأجل فعله هذا، بل يجب عليه أن يُنكر فعله بحسب استطاعته، وأن يكره حصوله، ويُبغض لله وفي الله مَن فعله، لأن هذا الفعل منكر ومعصية لله، ولا يحل لمسلم شرعًا أن يفرح بمعصية الله، وانتهاك حدوده، وفِعل المنكرات، ولا أن يُثني على أهلها بسبب فِعلهم لها، ولا أن يفعل لهم في نفسه أو في أوساط المسلمين ما يدُل على رضاه وسروره بفعلهم، بل هذا مِن دلائل ضعف الإيمان، ونقص الدِّيانة، والجهل بأحكام الشريعة. أيها الناس: إن النصوص الشرعية في تحريم دماء مَن دخل بلاد المسلمين مِن أهل المِلل الأخرى بعهد أو أمان مِن أيِّ مسلم عاقل بالغ ذكر أو أنثى متضافرة مشتهرة، ومَن جهلها فبسبب مِن نفسه، حيث لم يتفقه في دينه، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا )) رواه البخاري. وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )). والمعاهد هو: مَن له عهد مع المسلمين، سواء كان بعقد جزية، أو هدنة وصلح مِن سلطان، أو أمان مِن مسلم. بل إن جميع المسلمين ذكورًا وإناثًا، شرفاء بين الناس أو وضعاء، متساوون عند الله في إعطاء الأمان لغير المسلم ولزومه، فإذا أعطاه أحدهم له حَرُم على جميع المسلمين أن يخفروا عهده وأمانه، ومَن فعل ذلك فنقض أمان مسلم فتعرَّض لكافر أمَّنه مسلم فعليه لعنة الله وملائكته والناس أجمعين، لا يقبل الله منه فريضة ولا نافلة، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ )) رواه البخاري ومسلم. ولمَّا دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا لها أمَّنت أمُّ هانئٍ - رضي الله عنها - رجلًا من المشركين شديد العداوة والأذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانها، وحَرُم دمه بسبب تأمينها على جميع المسلمين، حيث صحَّ أن أمَّ هانئٍ بنت أبي طالب - رضي الله عنه -: (( ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الفَتْحِ، فَقَالْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلاَنُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» )) رواه البخاري ومسلم. ومما يدُلُّ على عِظم حُرمة دم الكافر الذي له عهد أو أمان مِن مسلم أن الله تعالى أوجب على مَن قتله عن طريق الخطأ الدية والكفارة، فكيف بمَن قتله عمدًا، فقال - جلَّ وعلا -: { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ }. أيها الناس: إن المسلم لا يجوز له أن يَعتدي على غير المسلمين في بلدانهم التي دخل إليها زائرًا أو عاملًا أو ساكنًا، لا بقتل، ولا تفجير، ولا دهس بمركبة، ولا خطف، ولا جِراحة، ولا ضرب، ولا إخافة وترويع، ولا سرقة، ولا بغير ذلك من الجرائم. ولا يجوز أن يُسَرَّ مسلم بحصول ذلك مِن مسلم، ولا أن يُثني عليه بسببه أو على فعله، ولا أن يفعل أيّ شيء يدُلُّ على رضاه به، ومحبته له، لأن المسلم إنما دخل بلادهم بعهد وميثاق، أن لا يُحدِث فيها ما يضرهم، ويضر ببلادهم، بدلالة إعطائهم له الفيزة، أو التأشيرة، أو الإقامة، أو الجنسية، ولو علموا أن سيُحدِث فيها ما يضر، أو أخبرهم بأنه سيؤذيهم ويفسد في بلادهم، لَمَا أعطوه، ولا أذنوا له بالقدوم عليهم. ولعظم شأن العهد والميثاق في الإٍسلام مع غير المسلمين ولو كانوا مُحارِبين، وعِظمهِ أيضًا عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجع معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - بجيش المسلمين بعد أن كان بالقُرب مِن أرض الكفار، حين بلغه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، حيث قال سُليم بن عامر: (( كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ فَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ وَإِذَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ - مَرَّتَيْنِ - وَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ )) وصححه: الترمذي، وابن حبان، وابن القيم، والألباني. ولمَّا عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المشركين في أرض الحديبية عهد صلح وهدنة، كان مِن شروطه أن يَرُدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين مَن قدم إليه مِن جهتهم مؤمنًا بالله ورسوله ودينه، فوَفَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العهد حين وُجِدَ مقتضاه، وسلَّمَّ إلى المشركين مَن جاءه مسلمًا، حيث صحَّ عن المِسْوَر بن مَخْرَمة - رضي الله عنه - أنه قال: (( فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَقَالُوا: العَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ )) رواه البخاري. وقد قال الله سبحانه في سورة الإسراء آمرًا: { وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا }. نفعني الله وإياكم بما سمعتم، وزادنا فقهًا في دينه وشرعه، والحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: ــــــــــــــــ أحمد الله بمحامده التي هو لها أهلٌ، والصلاة والسلام على خاتم رسله وأنبيائه: محمدٌ صلى الله عليه وسلم. أما بعد أيها الناس: فلا ريب أن عداوة وبغض أهل الكفر لنا ولديننا الإسلام، وإرادتَهم كفرنا بربنا، وذهابَ الخير عنا، ونزولَ الشَّر بنا لأمر معروف عند جميعنا، أخبرنا به خالقنا وخالقهم وهو الله ربنا وربهم، وهو سبحانه أعلم بهم مِنَّا، أعلم بظواهرهم وبواطنهم، وما فعلوا وما سيفعلون، وبما يخططون، وكيف يكيدون، ومتى سيمكرون، وتاريخنا البعيد والقريب وواقعنا المعاصر شاهد وحافل بدلائل ذلك، وقد قال الله سبحانه في تقرير ذلك: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }. وقال تعالى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ }. وقال - عزَّ شأنه -: { وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً }. وقال - جلَّ وعزَّ -: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ }. أيها الناس: إن الله تعالى هو الذي أعلمنا بالكافرين وعداوتهم لنا، وبغضهم لديننا، ومكرهم بنا، وكيدهم معنا، وتعاضدهم علينا، وأن ما تُخفي صدورهم جهتنا أكبر وأعظم، وهو سبحانه الذي شرع لنا طريقة التعامل معهم في الحرب والسِّلم، ووقت العهد والصلح، وحين القوة والضعف، وما يَحل لنا معهم، ويَحْرُم علينا، فيجب أن نَلزم ما شرع، ونعمل بمقتضاه، ولا نحيد عنه أبدًا، لا في حال الرضا والغضب، ولا العسر واليسر، ولا المنشط والمكره، وقد تهدد سبحانه مَن خالف ما شرع، فقال سبحانه: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }. وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى )) رواه البخاري. وقال - جلَّ وعلا - مبشرًا مَن أطاعه وأطاع رسوله فيما شُرع: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }. هذا وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في دينه، والعمل بشريعته، وتعظيم أوامره وزواجره، والوقوف عند حدوده، وبغض معصيته، وإنكار المنكر وإبطاله، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واجعل بلدان المسلمين آمنة من الخوف والجوع، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وأصلح ولاتهم وجندهم ودعاتهم وشبابهم ونساءهم، وارحم موتاهم، اللهم قاتل اليهود والنصيريين والحوثيين والخوارج المارقين ومَن عاونهم مِن أيِّ جنس أو بلد، اللهم أشدد عليهم وطأتك، وانزع عنهم عافيتك، وأنزل عليهم نقمتك، ومزقهم كل ممزق، إنك سميع مجيب، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
  13. خطبة في شرح حديث: (( اتق الله حيثما كنت )) الخطبة الأولى:ـــــــــــ الحمد لله العليم الحليم، الودود الغفور، الغني الكريم، الذي جعل الأدب الشرعي عنوان التوفيق، ومَنَّ به على مَن شاء مِن عباده فهداهم إلى جميل الأخلاق، وأكمل الآداب، وخذل مَن شاء منهم بحكمته فانحطوا في أسافل الأخلاق، ورذائل الأحوال، وشرس الطباع، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد أحسن الناس خُلقًا، وأعلاهم أدبًا، وأفضلهم طبعًا، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، وأثنى على خُلقه ووصفه بالعظيم ليُقتدى به فيه، ويُنسج على منواله، وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى وأهل التُقى إلى يوم الحشر والجزاء. أما بعد، أيها الناس: فقد صح عن بيكم صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ )). وجوامع الكلم: الكلمات والألفاظ القلية الموجزة التي تحوي المعاني والمسائل العديدة. ولو نظرنا في غالب الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الألفاظ لوجدناها قليلة موجزة. ولو نظرنا إليها من جهة المعاني والفوائد والمسائل التي تُستنبط منها وتُستخرج لوجدناها كثيرة جدًا، حتى إن عددًا من أهل العلم قد كتب مجلدًا كاملًا أو رسالة مستقلة أو عشرات الأوراق في شرح حديث واحد من أحاديثه صلى الله عليه وسلم. ودونكم - سلمكم الله - حديثًا واحدًا مختصرًا من أحاديثه صلى الله عليه وسلم يؤكد لكم ذلك، ويزيد في التوضيح، مِن أنه صلى الله عليه وسلم أُكرِم مِن ربه سبحانه فأُعْطِي جوامع الكلم، حيث ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أحد أصحابه - رضي الله عنهم - فقال له: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )). وقد انتظم هذا الحديث النبوي ثلاثة أشياء: الأول: معاملة العبد مع ربه، وكيف تكون، وقد جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ )). والثاني: معاملة العبد لنفسه إذا قصَّرت في جنب الله، وقد جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا )). والثالث: معاملة العبد مع الناس، وكيف تكون، وقد جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )). ولو أراد عالم أو طالب علم أن يشرح هذه الثلاثة حق شرحها، فيبين مسائلها وشواهدها، ويذكر ما تنتظمه من معان وأحكام، وما حوته من فوائد، لاحتاج إلى عدة خطب أو لقاءات، ولو كتب حولها بيده فستكون في ورقات كثيرة، ولكن لا بأس بشرح مختصر يناسب مقام الخطبة، وحال الحضور. فقوله صلى الله عليه وسلم: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ )) معناه المختصر: افعل ما أمرك الله به، وأوجبه عليك، واجتنب كل ما نهاك عنه، وحرَّمه عليك، في السر والعلانية، حيث يراك الناس، وحيث لا يرونك، سواء كنت لوحدك في السكن أو العمل أو المركبة أو الطريق، أو كنت مع غيرك يرون فِعالك ويسمعون كلامك، وسواء كنت في بلدك يراك أهلك وعيالك وقبيلتك وعشيرتك وأصحابك فتخشى الفضيحة والذم إن فعلت ما يحرم، أو كنت في بلاد الغربة والسفر لا يراك إلا من لا يعرفك مِن الغرباء والأباعد، لا تخاف مِن لوم ولا عتاب ولا سمعة سيئة. وقد قال قتادة بن دعامة - وهو من أجلاء تلامذة الصحابة - رضي الله عنهم - واعظًا لِمن كان في قلبه حياة: (( وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيْكَ يَا ابْنَ آدَمَ لَشُهُودًا مِنْ رَبِّكَ، فَرَاقِبْهُمْ، وَآثِرِ اللَّهَ فِي سَرَائِرِكَ وَعَلَانِيَتِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، الظُّلْمَةٌ عِنْدَهُ ضَوْءٌ، وَالسِّرُ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ )). وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا )) فجميل جدًا إتيانه بعد قوله صلى الله عليه وسلم: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ ))، لأن المؤمن الذي يتقي ربه لا بد أن يقع منه تقصير في حق ربه، أو حق نفسه، أو حقوق المخلوقين، لأن كل ابن آدم خَطَّاء، فأمره صلى الله عليه وسلم بما يدفع هذا التقصير والزلل ويمحوه، وذلك بأن يُتبع السيئةَ بالحسنة لتمحوها. والحسنة هي: كل عمل صالح يُقرِّب إلى الله تعالى. وأعظم الحسنات الدافعة للسيئات التوبة النصوح والاستغفار والإنابة إلى الله بذكره وحُبِّه، وخوفه ورجائه، والطمع فيه، وفي فضله كل وقت، وقد قال سبحانه: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }. وقال - جلَّ وعلا -: { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ }. وكم في نصوص القرآن والحديث من ترتيب المغفرة وحطِّ الخطايا على الأعمال الصالحة القولية والفعلية والقلبية، فصحَّ: (( أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: «لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ» )). وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا: يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ )). وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ )). وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (( وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )). فأول الخُلق الحسن: أن تكُّف عن الناس أذاك من كل وجه، وتعفو عن مساوئهم وأذيتهم لك، ثم تعاملهم بالإحسان القولي والإحسان الفعلي. وأخَصُّ ما يكون بالخلق الحسن: سعة الحلم على الناس، والصبر عليهم، وعدم الضجر منهم، وبشاشة الوجه، ولطف الكلام والقول الجميل المؤنس للجليس، المُدخِل عليه السرور، المُزيل لوحشته ومشقة حشمته، وقد يَحسن المزاح أحيانًا إذا كان فيه مصلحة، لكن لا ينبغي الإكثار منه، وإنما المزاح في الكلام كالملح في الطعام، إن عُدم أو زاد على الحدّ فهو مذموم. ومن الخُلق الحسن: أن تعامل كل أحد بما يليق به، ويناسب حاله من صغير وكبير، وعاقل وأحمق، وعالم وجاهل، وحاكم ومحكوم. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (( تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ )). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ )). وثبت عنه الله عليه وسلم أنه قال: (( أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ )). وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أن قال: (( لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ )). الخطبة الثانية:ـــــــــــ الحمد لله المحمود على كل حال، والصلاة والسلام على عبد ورسوله محمد والصحب والآل ما تعاقبت الأيام والليال. أما بعد، أيها الناس: أوصيكم ونفسي بتقوى الله الملك الجبار الذي هو على كل أفعالنا رقيب، واتباع أوامره بلا تسويف ومعاندة، فإن أجل الله قريب، والكفِّ عن عصيانه قبل أن يدركنا عذابه المُصيب، وتمتعوا بالعمل الصالح قبل أن تُمنعوا، وقد أتاح الله لكم المُهَل والفُرصة، وأُنْذِرُكم شِدَّة بأسه فحاذروه، وأنيبوا إلى ربكم وراقبوه، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأغضبوه، فانتقم منهم حين خالفوه، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ }. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم إنا نعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع والتَّشرد، وارفع عنهم الأوبئة والأمراض، وأعذنا وإياهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وسائر أهلينا، اللهم من كان منهم حيًّا فبارك له في عمره وعمله ورزقه وصحته، ومن كان منهم ميتًا فارحمه رحمة واسعة، تفسح له بها في قبره، وتُنعِّمه في جنتك، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لما تحب وترضى، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، اللهم قاتل النصيريين والحوثيين والخوارج وكل من عاونهم، واشدد وطأتك عليهم، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم احفظ رجال أمْن البلاد وجندها في سائر أماكنهم، واربط على قلوبهم، واخلفهم في أهلهم خيرًا، إنك سميع الدعاء. كتبها: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
  14. فضل الصدقة وشيء من نفعها الدنيوي والأخروي الخطبة الأولى: ــــــــــ الحمد لله ذي الفواضل الجلية، والعوائد الطيبة، الذي خفف عن عباده المعضلات والشدائد، بما قيضه لهم من أرزاق متنوعة، وخيرات متتابعة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان أجود الناس، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، فصلّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الشاكرين لربهم والذاكرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها الناس: اتقوا الله ربكم حق تقواه، واخشوه حق الخشية، وعظموه أحسن تعظيم، وأجلوه أكبر إجلال، واعلموا أن مِن شواهد ذلك وصِدقه، وعلامات زيادته وقوته: الصَّدقةَ تقربًا إلى الله - عزَّ وجلَّ -. حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ ))، أي: برهان على صدق الإيمان وصحته، ولهذا تجد أكثر الناس إيمانًا بالله تعالى وبإخلافه أكثرهم صدقة، قاله الإمام العثيمين - رحمه الله -. أيها المسلمون: إن من أجل العبادات، وأعظم القرب، وأنفع الطاعات: الصدقةَ على فقراء المسلمين ومساكينهم، والإنفاقَ على محاويجهم ممن دهمتهم الحروب فأتلفت أموالهم، وعطّلت معايشهم، وأجْلَتْهم من بيوتهم وبلادهم، والبذلَ على من أصابتهم الأمراض والأوبئة والعاهات فأقعدتهم عن التكسب والعمل، والجودَ على من حلَّت بأرزاقهم الجوائح من سيول وعواصف وأعاصير وزلازل، والإعانةَ لمن خنقتهم الديون أو حبستهم في السجون. فالمُنْفِقُ عليهم مُحسن لنفسه قبل غيره، حيث قال الله سبحانه: { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ }. وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ )). والمُنْفِق عليهم مُتسبِّب في بَسط رزقه، وزيادة ماله، وحلول البركة فيه، حيث قال الله سبحانه: { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }. وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ )). وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا)). وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ)). أيها المسلمون: إن المال الذي آتاه الله بني آدم، إنما أعطاهم إياه فتنة، أي: اختبارًا وابتلاء، لينظر هل يحسنون التصرف فيه أم لا، حيث قال سبحانه: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ }. فَمِن الناس من ينفقه في شهواته المحرمة، ولذائذه التي لا تزيده من الله إلا بعدًا، فهذا يكون ماله وبالًا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ )). ومِن الناس مَن يبذل ماله في غير فائدة، ليس في شيء محرم، ولا في شيء مفيد أو مستحب، فهذا ماله ضائع عليه، وهو نادم عليه يوم الحساب شديدًا، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (( نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ )). ومِن الناس من ينفقه ابتغاء وجه الله، فيما يُقرِّبه إليه، وعلى حسْب شريعته، فهذا ماله خيرًا له، حيث قال الله سبحانه: { وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا }. أيها المسلمون: إن المال النافع للعبد هو المال الذي قدمه لآخرته، فأنفقه وفق شرع الله تعالى، إما في نفقة واجبة أو بِرٍّ وإحسان ومعروف مستحب، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه - رضي الله عنهم -: (( أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ )). وصحَّ عن عبد الله بن الشِّخير - رضي الله عنه -: (( أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْرَأُ: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ }، قَالَ: يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ؟)). أيها المسلمون: أيُحزن المتصدق أم يُسعده أن يكون يوم القيامة حين تدنو الشمس من الرؤوس في ظل صدقته، حيث صحَّ أن أبا الخير سمع عقبة بن عامر - رضي الله عنه - يقول -: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ"، قال يزيدُ: فَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَعْكَةً، وَلَوْ بَصَلَةً )). أيُحزن المتصدق أم يُسعده أن يأتي يوم القيامة وقد أطفأت صدقته خطاياه، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ )). أيها المسلمون: أحسنوا إلى أنفسكم فتصدقوا ولا تبخلوا، وإياكم أن تحتقروا قليل الصدقة، فتردَّكم أو تُضعفَكم عن الإنفاق في وجوه البرِّ، وميادين الإحسان، فإن قليل الصدقة ولو كان نصف تمرة يَحْجب عن النار، حيث صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلاَ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلاَ يَرَى إِلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلاَ يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ )). وصحَّ عن عائشة - رضي الله عنها -: (( أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَا بَقِيَ مِنْهَا» ؟ قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا»)). نفعني الله وإياكم بما سمعتم، وجعلنا من المتصدقين، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية: ــــــــــ الحمد لله الرب العظيم، وصلّى الله على نبيه محمد الأمين الكريم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلَّم وبارك وأنعم. أما بعد، أيها المسلمون: إن كان بكم من خوف فلا تخافوا من الفقر، وإن كنتم في قلق فلا تقلقوا من الفقر، ولا تخافوا ولا تخشوا إلا من الدنيا أن تُبسط عليكم فتنافسوها، وتلتهوا بها، وتهلكوا بسببها، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ: (( فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ )). وما يضير المسلم لو عاش في هذه الدنيا فقيرًا، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةَ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ )). وأصحاب الجَدِّ هُم: أهل الغنى والوجاهة. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ )). أيها المسلمون: إن الإحسان إلى ضعفاء المسلمين المحتاجين لَمِن أعظم أسباب النصر على الأعداء، ودفع البلاء عن الأمة، وجلْب الرزق، وكشف كُرب يوم القيامة، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال آمرًا وموصيًا ومبشرًا: (( ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ )). وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ )). أيها المسلمون: إن كنتم أهل معاملات تجارية مع الناس في أيِّ نوع يعود عليكم بالمكاسب المباحة فطهروا هذه المكاسب بالتصدق بشيء منها لعلَّ الله يُخفِّف عنكم بالصدقة بعض ما يحصل منكم، فقد صحَّ عن قيس بن أبي غَرَزَة - رضي الله عنه - أنه قال: (( كُنَّا نَبِيعُ بِالْبَقِيعِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ الْحَلِفُ وَالْكَذِبُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ )). هذا وأسأل الله العلي العظيم أن يجعلنا من المنفقين في سبيله، والشاكرين لنعمائه، والصابرين على أقداره، اللهم اجعل ما أنعمت به علينا معونة لنا على الخير، وبارك لنا في أقواتنا ومساكننا ومراكبنا، وقنعنا بما رزقتنا، ولا تحرمنا خير ما عندك من الإحسان بشر ما عندنا من الإساءة والعصيان، وادفع عنا وعن المسلمين كل شر ومكره، وأصلح فساد قلوبنا، وسددنا في الأقوال والأفعال، وأجرنا من خزي الدنيا والآخرة، اللهم ارفع الضر عن المتضررين من المسلمين، اللهم ارفع عنهم القتل والاقتتال، وارفع عنهم الخوف والجوع، وارفع عنهم الأوبئة والأمراض، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين إلى مراضيك، وأعزهم بالقضاء على الشرك والبدع والمعاصي، وارزقهم صلاح أنفسهم وأهليهم وأعوانهم وعمالهم وجندهم ورعيتهم، إنك سميع مجيب، وقوموا إلى صلاتكم. كتبها: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
  15. أحداث سوريا المؤلمة الخطبة الأولى:ـــــــــــــــ الحمد لله الذي يبتلي عباده بالسَّراء والضَّراء، ويختبرهم في المنع والعطاء، وله الحكمة فيما قدَّر وقضى، وكل عبد إلى ما قدَّره عليه وقضاه صائر، وهو سبحانه أرحم بالعبد من والدته وسائر أهله، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تُرفع الشكوى إلا إليه، ولا يَكشف البلوى إلا هو، وأشهد أن محمدًا عبد ورسوله المجتبى، أوذي في الله بالقول والفعل، حتى سُعي في قتله فأنجاه الله، وأُخْرِج من بلده وأهله، فاللهم صلِّ عليه وعلى آله وأصحابه وسلِّم تسليمًا يترى إلى قيام الساعة. أما بعد، أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقواه، وكونوا لنعمائه شاكرين، ولابتلائه صابرين محتسبين، تائبين مستغفرين منيبين، فإن الله - جلَّ وعلا - قد قضى أنْ يبتلى عباده المؤمنين فيما يُحبون ويكرهون، وفي أنفسهم، وأهليهم، وأموالهم، وديارهم، لينظر كيف يعملون؟ أيصبرون أم يجزعون، وهل يتوبون من ذنوبهم ويستغفرون أم يستمرون في غيِّهم ويزيدون؟ فقال - جلَّ وعلا -: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }. وقال - عزَّ من قائل -: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }. فأخبر سبحانه بأنه سيبتلي عباده بشيء من هذه الخمس المذكورات، ووعد الصابرين على هذا الابتلاء بالرحمة، ووصفهم بالهداية، وأتمَّ النعمة بصلواته عليهم، فله الحكمة التامة، والرحمة السابغة، في تقديره المصيبات، وفي تنوع الشِدَّات، والزيادة لبعض دون بعض، وسكان بلد دون آخرين، وأهل زمان دون زمان. فيا من أصابته آلامٌ وجروح، وحلَّت به مِحَنٌ وكروب، ودهمته حروبٌ ومجازر، وحصلت له فتنٌ وشرور، وأُجْلِيَ من بلده وشُرِّد، واعترته أمراض في عقله أو بدنه أو أهله، وضربه الجوع والفاقة بعد الغنى والشِّبع، وجاءه الخوف بعد الأمن، أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: (( مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حُزْنٍ، وَلاَ أَذًى، وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ )). أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )). أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت: (( مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ، وَوَلَدِهِ، وَمَالِهِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ )). أيها المسلمون: إنكم لتعلمون ما يجري هذه الأيام على إخوانكم مِن أهل السُّنة في سوريا: من ظلم واعتداء، وتدمير وإهلاك، وتجويع وتمزيق، وتخويف وإرهاب، وقتل وإبادة، وإجلاء وتشريد، وحصار وخنق، من غير رحمة ولا هوادة، بل بقسوة وشراسة، وتَعَطُّش وبشاعة، قلَّ أمثالها في التاريخ، لم يسلم منها شيخ كبير، ولا امرأة عجوز، ولا طفل رضيع، ولا أم حُبلى، ولا شابّ وشابَّة، ولا مريض، ولا مُقعد، ولا منزل، ولا مسجد، ولا مدرسة، ولا مستشفى، ولا طريق، يجري ذلك بأيدي النصيريين الحاقدين، وجنود إيران المجرمين، وحزب شيعة لبنان الغادرين، وحشود شيعة العراق الفاجرين، وخوارج داعش والنصرة المارقين، وجند دولة الكفر والشر روسيا، ومع ذلك فلا نقول في هذا المُصاب الجَلَل، والحُزن العظيم المؤلم إلا ما يرضي الله عنَّا: "فإنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرنا في مصيبتنا، وأخْلِف لنا خيرًا منها". ونقول لإخواننا في سوريا: "إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلُ شيءٍ عنده بأجل مُسمَّى، فلتصبروا ولتحتسبوا". ولا تستهينوا يا إخوتاه بالصبر فإن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر والظفر في الدنيا، وإهلاك عدوهم، وأخبر أنه إنما أنالهم ذلك بالصبر، فقال - عزّ وجلَّ -: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ }. وثبت: (( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأُمِّ عَمَّارٍ وَهُمَا يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «اصْبِرُوا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ» )). ونقول لهؤلاء الظالمين المجرمين الذين تكالبوا عليهم: انتظروا بأس الله وعقوبتة، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } )). واعلموا أن دماء وأموال وأعراض المسلمين ليست بهينة ولا رخيصة عند ربهم، بل قد جعل لها موعدًا للمحاسبة الدقيقة والمقاصة، والتي لا يَسْلم منها حتى البهيمة المعتدية على أختها، ومقاصة وعقوبة الآخرة أشد وأنكى، أخزى وأبكى، أمَرُّ وأبأس وأطول، إذ هي عذاب ونكال في أشد وأعظم نار، إنها نار جهنم، فقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ )). أيها المسلمون: يا مَن ابتليتم بشيء من الكوارث والكروب، ونزلت بكم وبأرضكم بعض الفتن والخُطوب، أوصيكم ونفسي بهذه الأمور: أولًا: بالتضرع إلى الله تعالى في دفع ما حَلَّ بكم، فإنه من أجَلِّ حِكم الابتلاء بالبأساء والضراء، حيث قال سبحانه: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ }. بل إنه تعالى قد ذمَّ ووبَّخ أقوامًا لم يتضرعوا إليه حين ابتلاهم، فقال - عزَّ وجلَّ -: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ }. وثانيًا: أن تُنزلوا شكواكم بالله وحده، لا بالخلق، فإنه لا رَبَّ لكم غيره تقصدونه وتدعونه، ولا إله لكم سواه تؤمِّلونه وترجونه، ولا حول ولا قوة لكم إلا به، وهو سبحانه نعم المولى، ونعم النصير، الذي يتولى عباده المؤمنين، فيدفع عنهم كيد الفجار، وتكالب الأشرار، ومكر أهل الإجرام، ومن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عليه فلا عِزَّ له، ولا قائمة له، وإن كان بيده المال والعتاد والرجال، ولتكن لهم أسوة بنبي الله وعبده يعقوب - عليه السلام - حين مصابه، حيث قال: { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ }، وقال لمن آلموه: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ }. ولتكونوا على يقين أن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، بهذا قضى الله سبحانه وحكم. وثالثًا: أن تكثروا من العبادات من صلاة وصيام ودعاء واستغفار وقراءة قرآن وذكر لله تعالى، وغيرها، فإن ذلك سلاح من أشد أسلحة النصر على الأعداء، وباب من أوسع أبواب الفرج، ولا يدري الإنسان أيكون أجله في هذه الغارة أو يكون ممن يُمدد له في العمر، ولما تجمَّعت قريش وغطفان وقبائل العرب بتحريض من اليهود والمنافقين على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في غزوة الأحزاب، قال حذيفة - رضي الله عنه -: (( رَجَعْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى )). وصحَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أمته بالإكثار من العبادات، وأخبرهم بعظيم الأجر عليها، زمن الهرج، أيْ: وقت حصول القتل والاقتتال، فقال صلى الله عليه وسلم: (( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ )). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية:ـــــــــــــــ الحمد لله الحميد في وصفه وفعله، الحكيم في خلقه وأمره، الرحيم في عطائه ومنعه، المحمود في خفضه ورفعه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد أفضل مرسل من عنده، وعلى آله وصحبه، ومن والاهم إلى ساعة أجله. أما بعد، أيها المسلمون: إن من الأمور القبيحة والمُؤَثِّمَة شرعًا عند حلول المصائب، وحصول النكبات، ووقوع المحن على هذه الأمة المحمدية: ما يصدر عن بعض الناس مِن سبٍّ ولعن وتحريض على ولاة أمر المسلمين أو رميهم بالخيانة والعمالة للأعداء عند سماع نشرات الأخبار أو المراسلين أو المحللين السياسيين أو الخطباء والوعاظ وما يذكرونه حول الولاة والدول وما حصل لبعض المسلمين من قتل وتجويع وتشريد، ولا ريب أن لسان المؤمن عفيف، وليس بفاحش، ولا بذيء، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نفى هذه الخِلال عن المؤمن، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ )). وثبت عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: (( نَهَانَا كُبْرَاؤُنا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَنَا: لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغْشَوْهُمْ، وَلَا تَعْصُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ )). والمؤمن الحق مدرك أنه مُحَاسب على ما ينطق به لسانه في حق حاكم أو غير حاكم، ومَن يُحب ومَن يكره، لا يغيب عنه قول ربه سبحانه: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }. أيها المسلمون: لا يجوز أن يُفتات على ولاة الأمور في مسائل العلاقات مع الدول، فيُتظاهر عليهم لطرد سفير، أو قطع علاقة مع دولة، أو الضغط عليها اقتصاديًا، لأن هذه الأمور من اختصاص ولي الأمر لا الرعية، وهو المسئول عنها أمام الله لا هُم، وهو الذي يُقدِّر المصالح والمفاسد العائدة على بلده أو بلاد المسلمين بسبب ذلك، وأعرف بمآلات هذه الأفعال وعواقبها، وأدرى بحال دولته من ضعف وقوة، ومكر أعدائها بها وقوتهم، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: (( أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَمْنَعُونَا حَقَّنَا وَيَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ» )). أيها المسلمون: إن ما يجري على أهل سوريا اليوم وغيرهم من حروب وويلات، ودمار وتدمير، وتقتيل وتشريد، وتفرُّق وانقسام، وذهاب أمْن، وحصول جوع، كان من أعظم أسبابه المظاهرات التي أنتجت لنا الثورات، وقد تسبب في حصول هذه المظاهرات والثورات قنوات فضائية، وإعلاميون ومحللون سياسيون، ومراسلون ومذيعون، وصحف ومجلات، ومواقع إلكترونية، ودعاة وخطباء منتمون لبعض الجماعات، وزعماء ورموز أحزاب لبرالية وعلمانية وشيوعية وأخرى تصف نفسها بالإسلامية، وشباب يكتبون على الفيسبوك وتويتر وغيرهما من برامج التواصل، فينبغي للناس أن لا ينسوا ذلك، ولا للتاريخ أن يُغفل جرمهم هذا في حق الأمة، حتى لا يُلدغ المؤمنون من هذا الجُحر مرة أخرى، وينبغي لهؤلاء أن يشتغلوا بما يُخلِّصهم عند ربهم، ويُقبلوا على شأنهم الخاص، فإن عليهم إثمًا بكل دمٍ أريق، ومال دُمِّر، ونفس أصيبت، وطفلٍ يُتِّم، وامرأة رُمِّلت، وخوف حصل، ونزوح وقع، وفساد عريض حصل. أيها المسلمون: إن من الأمور المقررة في نصوص القرآن العظيم والسنة النبوية، والمسلَّمات عند أهل الإسلام: أنه ما سُلط علينا أعداؤنا من أهل الكفر أو أهل البدع والضلال، ولا حلَّت في ديارنا الحروب، وكثر القتل في صفوفنا، وتوسعت آلامنا، وزادت نكباتنا، واشتدت محننا، وضعفت قوانا، وهُنَّا على الناس، إلا بسبب ذنوبنا وآثامنا ومعاصينا، إلا بسبب ما يقع مِن أمور شركية وبدع ومعاص، وصدق الله، وكذب المحللون المتخرصون، حيث قال - جلَّ وعزًّ -: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }. وثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قال في شأن أمته: (( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَأْخُذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللهِ إِلَّا جَعَلَ بِأَسَهُمْ بَيْنَهُمْ )). ألا فلا يغب عن أذهاننا هذا الأصل، ولا نتناساه أو نَغْفَل عنه، أو نُضَلل حوله بسبب كثرة سماع نشرات الأخبار والبرامج السياسية والمحللين والمراسلين، والقراءة للكُتَّاب وللصحفيين، وشنشنة أبواق العلمانية واللبرالية. واعلموا أن المصائب والكروب، والآلام والجروح، والنكبات والمحن، والخطوب والمعكرات، إنما تدفع بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله والخضوع له، والتضرع إليه والالتجاء به، والإقلاع عن الذنوب، والبعد عن أماكنها، والإقبال على الطاعات، والمسارعة إليها والإكثار، حيث قال الله سبحانه: { فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ }. اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، ارفع الضر عن إخواننا المسلمين في سوريا، وسلِّم لهم أنفسهم وأهليهم وأموالهم وديارهم من النصيرين الكافرين ومَن عاونهم، اللهم ادفع عنهم هذا البلاء الذي لا يدفعه سواك، اللهم إنا لا نستعين بغيرك ولا نرجو إلا إياك في كشف ضُرهم، اللهم إنهم فقراء إليك عاجزون محتاجون إلى دفعك ودفاعك عنهم، اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم وجرحاهم، واربط على قلوبهم فلا يقولوا ولا يفعلوا إلا ما يرضيك، اللهم اجبر مصيبة من أصيب منهم بشيء في بدنه أو أهله أو ماله، وتفضل عليه بالخَلَف العاجل، اللهم قاتل النصيرين والخوارج ومن ساندهم والذين آذوا المسلمين في سوريا، اللهم خالف بين كلمتهم، وألق الرعب في قلوبهم، وأنزل عليهم رجزك وعذابك إله الحق، اللهم رد كيدهم في نحورهم، واجعل أسلحتهم مَحرقة لهم، ومزقهم شر مُمزق، ونكِّل بهم، وشردهم في الأرض، إنك يا ربنا سميع مجيب. خطبة كتبها: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.
×
×
  • اضف...