• Sahab
  • Sky
  • Blueberry
  • Slate
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Charcoal

أبو مريم أيمن العابديني

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    329
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 3

نظرة عامة على : أبو مريم أيمن العابديني

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم
  1. الْحَمْدُ لِلَّهِ أحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ تَعَالَى:{ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ }[يُوسُفَ:23-29]، دخل يوسف -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، قصر العزيز وبدأت المحن تتوالى عليه، وكانت محنة في غاية القوة تلك التي تعرض لها، ولكنه صبر عليها صبر النبلاء، لأن الصبر عن معصية الله -عَزَّ وَجَلَّ-، هو أرفع أنواع الصبر فيما يتعلق بالمكلف. الملف في المرفقات: الْأَدِلَّةُ وَالبُرْهَانُ.doc
  2. كَتَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَمَّا قَدِمَ الْعَدُوُّ مِنْ التَّتَارِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ إلَى حَلَبَ وَانْصَرَفَ عَسْكَرُ مِصْرَ وَبَقِيَ عَسْكَرُ الشَّامِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ - أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ بَاطِنَةً وَظَاهِرَةً، وَنَصَرَهُمْ نَصْرًا عَزِيزًا، وَفَتَحَ عَلَيْهِمْ فَتْحًا كَبِيرًا، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْ لَدُنْه سُلْطَانًا نَصِيرًا، وَجَعَلَهُمْ مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِهِ الْمَتِينِ، مُهْتَدِينَ إلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ - سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . فَإِنَّا نَحْمَدُ إلَيْكُمْ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى صَفْوَتِهِ مِنْ خَلِيقَتِهِ، وَخَيْرَتِهِ مِنْ بَرِّيَّتِهِ، مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا . أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- بَعَثَ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا، وَجَعَلَهُ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ مِنْ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَجَعَلَ كِتَابَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكُتُبِ وَمُصَدِّقًا لَهَا، وَجَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ؛ فَهُمْ يُوفُونَ سَبْعِينَ فِرْقَةً، هُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ أَكْمَلَ لَهُمْ دِينَهُمْ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ، وَرَضِيَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا . فَلَيْسَ دِينٌ أَفْضَلَ مِنْ دِينِهِمْ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُهُمْ، وَلَا كِتَابٌ أَفْضَلَ مِنْ كِتَابِهِمْ، وَلَا أُمَّةٌ خَيْرًا مِنْ أُمَّتِهِمْ. بَلْ كِتَابُنَا وَنَبِيُّنَا وَدِينُنَا وَأُمَّتُنَا أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ وَدِينٍ وَنَبِيٍّ وَأُمَّةٍ . فَاشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ. { وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ }[النمل: 40]، وَاحْفَظُوا هَذِهِ الَّتِي بِهَا تَنَالُونَ نَعِيمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَتُعْرِضُونَ عَنْ حِفْظِ هَذِهِ النِّعْمَةِ وَرِعَايَتِهَا، فَيَحِيقُ بِكُمْ مَا حَاقَ بِمَنْ انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَاشْتَغَلَ بِمَا لَا يَنْفَعُهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا عَمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَخَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ . فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا نَعَتَ اللَّهُ بِهِ الشَّاكِرِينَ وَالْمُنْقَلِبِينَ حَيْثُ يَقُولُ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144]، أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، لَمَّا انْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ خِيَارِ الْأُمَّةِ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَعَ طَائِفَةٍ يَسِيرَةٍ حَتَّى خَلَصَ إلَيْهِ الْعَدُوُّ، فَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَشَجُّوا وَجْهَهُ، وَهَشَّمُوا الْبَيْضَةَ عَلَى رَأْسِهِ، وَقُتِلَ وَجُرِحَ دُونَهُ طَائِفَةٌ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِهِ لِذَبِّهِمْ عَنْهُ، وَنَعَقَ الشَّيْطَانُ فِيهِمْ: أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ. فَزَلْزَلَ ذَلِكَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ، حَتَّى انْهَزَمَ طَائِفَةٌ وَثَبَّتَ اللَّهُ آخَرِينَ حَتَّى ثَبَتُوا. وَكَذَلِكَ لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَتَزَلْزَلَتْ الْقُلُوبُ، وَاضْطَرَبَ حَبَلُ الدِّينِ، وَغَشِيَتْ الذِّلَّةُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ النَّاسِ، حَتَّى خَرَجَ عَلَيْهِمْ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَقَالَ:(( مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ : {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144]، فَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَسْمَعُوهَا حَتَّى تَلَاهَا الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَلَا يُوجَدُ مِنْ النَّاسِ إلَّا مَنْ يَتْلُوهَا. وَارْتَدَّ بِسَبَبِ مَوْتِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَمَّا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الضَّعْفِ جَمَاعَاتٌ مِنْ النَّاسِ: قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنْ الدِّينِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنْ بَعْضِهِ، فَقَالُوا: نُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي. وَقَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنْ إخْلَاصِ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فَآمَنُوا مَعَ مُحَمَّدٍ بِقَوْمٍ مِنْ النَّبِيِّينَ الْكَذَّابِينَ، كمسيلمة الْكَذَّابِ، وطليحة الأسدي، وَغَيْرِهِمَا، فَقَامَ إلَى جِهَادِهِمْ الشَّاكِرُونَ، الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلَى الدِّينِ، أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالطُّلَقَاءِ، وَالْأَعْرَابِ، وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانِ، الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِيهِمْ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }[المائدة: 54]، هُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ جَاهَدُوا الْمُنْقَلِبِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ الَّذِينَ لَمْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا. وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ آيَةٍ إلَّا وَقَدْ عَمِلَ بِهَا قَوْمٌ، وَسَيَعْمَلُ بِهَا آخَرُونَ. فَمَنْ كَانَ مِنْ الشَّاكِرِينَ الثَّابِتِينَ عَلَى الدِّينِ، الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَرَسُولُهُ؛ فَإِنَّهُ يُجَاهِدُ الْمُنْقَلِبِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ الدِّينِ، وَيَأْخُذُونَ بَعْضَهُ وَيَدَعُونَ بَعْضَهُ، كَحَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ الْمُفْسِدِينَ، الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَتَكَلَّمَ بَعْضُهُمْ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَتَسَمَّى بِالْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ شَرِيعَتِهِ؛ فَإِنَّ عَسْكَرَهُمْ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعِ طَوَائِفَ: كَافِرَةٌ بَاقِيَةٌ عَلَى كُفْرِهَا: مِنْ الكرج، وَالْأَرْمَنِ، وَالْمَغُولِ. وَطَائِفَةٍ كَانَتْ مُسْلِمَةً فَارْتَدَتْ عَنْ الْإِسْلَامِ، وَانْقَلَبَتْ عَلَى عَقِبَيْهَا: مِنْ الْعَرَبِ، وَالْفُرْسِ، وَالرُّومِ، وَغَيْرِهِمْ . وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ جُرْمًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَجِبُ قَتْلُهُمْ حَتْمًا مَا لَمْ يَرْجِعُوا إلَى مَا خَرَجُوا عَنْهُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ لَهُمْ ذِمَّةٌ، وَلَا هُدْنَةٌ، وَلَا أَمَانٌ، وَلَا يُطْلَقُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُفَادَى بِمَالِ وَلَا رِجَالٍ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَلَا يسترقون؛ مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى الرِّدَّةِ بِالِاتِّفَاقِ. وَيُقْتَلُ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ؛ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ، وَالْأَعْمَى، وَالزَّمِنِ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَا نِسَاؤُهُمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدُ لَهُ أَمَانٌ وَهُدْنَةٌ، وَيَجُوزُ الْمَنُّ عَلَيْهِ وَالْمُفَادَاةُ بِهِ إذَا كَانَ أَسِيرًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَيَجُوزُ إذَا كَانَ كِتَابِيًّا أَنْ يُعْقَدُ لَهُ ذِمَّةٌ، وَيُؤْكَلُ طَعَامُهُمْ، وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَلَا تُقْتَلُ نِسَاؤُهُمْ إلَّا أَنْ يُقَاتِلْنَ بِقَوْلِ أَوْ عَمَلٍ، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . وَكَذَلِكَ لَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ. فَالْكَافِرُ الْمُرْتَدُّ أَسْوَأُ حَالًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ الْكَافِرِ الْمُسْتَمِرِّ عَلَى كُفْرِهِ. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ فِيهِمْ مِنْ الْمُرْتَدَّةِ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ. فَهَذَانِ صِنْفَانِ. وَفِيهِمْ أَيْضًا مَنْ كَانَ كَافِرًا فَانْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَلْتَزِمْ شَرَائِعَهُ؛ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَالْكَفِّ عَنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالْتِزَامِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَضَرْب الْجِزْيَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَغَيْر ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ يَجِبُ قِتَالُهُمْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَاتَلَ الصِّدِّيقُ مَانِعِي الزَّكَاةِ؛ بَلْ هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ، وَكَمَا قَاتَلَ الصَّحَابَةُ أَيْضًا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْخَوَارِجَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حَيْثُ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي وَصْفِهِمْ:(( تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، [فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ] )) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([1])، وَقَالَ:(( لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ مَاذَا لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ لَنَكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ )) رَوَاهُ مُسْلِمٌ ([2])، وَقَالَ:(( هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ )) صَحِيحٌ ([3])، فَهَؤُلَاءِ مَعَ كَثْرَةِ صِيَامِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ. أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بِقِتَالِهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي قِتَالِهِمْ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي قِتَالِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالشَّامِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنْ أُولَئِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ؛ فَإِنَّ مَعَهُمْ مَنْ يُوَافِقُ رَأْيُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ رَأْيَ الْخَوَارِجِ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ. وَفِيهِمْ صِنْفٌ رَابِعٌ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَهُمْ قَوْمٌ ارْتَدُّوا عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَبَقُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِالِانْتِسَابِ إلَيْهِ. فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْمُرْتَدُّونَ، وَالدَّاخِلُونَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ لِشَرَائِعِهِ، وَالْمُرْتَدُّونَ عَنْ شَرَائِعِهِ لَا عَنْ سَمْتِهِ: كُلُّهُمْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَلْتَزِمُوا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَحَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَحَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ - الَّتِي هِيَ كِتَابُهُ وَمَا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَخَبَرِهِ - هِيَ الْعُلْيَا. هَذَا إذَا كَانُوا قَاطِنِينَ فِي أَرْضِهِمْ، فَكَيْفَ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَى أَرَاضِي الْإِسْلَامِ: مِنْ الْعِرَاقِ، وَخُرَاسَانَ، وَالْجَزِيرَةِ، وَالرُّومِ، فَكَيْفَ إذَا قَصَدُوكُمْ وَصَالُوا عَلَيْكُمْ بَغْيًا وَعُدْوَانًا: { أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 13-15]. وَاعْلَمُوا - أَصْلَحَكُمْ اللَّهُ - أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ:(( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([4])، وَثَبَتَ أَنَّهُمْ بِالشَّامِ. فَهَذِهِ الْفِتْنَةُ قَدْ تَفَرَّقَ النَّاسُ فِيهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ، وَهُمْ الْمُجَاهِدُونَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. وَالطَّائِفَةُ الْمُخَالِفَةُ، وَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، وَمَنْ تَحَيَّزَ إلَيْهِمْ مِنْ خبالة الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ. وَالطَّائِفَةُ الْمُخَذِّلَةُ، وَهُمْ الْقَاعِدُونَ عَنْ جِهَادِهِمْ؛ وَإِنْ كَانُوا صَحِيحِي الْإِسْلَامِ. فَلْيَنْظُرْ الرَّجُلُ أَيَكُونُ مِنْ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ أَمْ مِنْ الْخَاذِلَةِ أَمْ مِنْ الْمُخَالِفَةِ ؟ فَمَا بَقِيَ قِسْمٌ رَابِعٌ . وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجِهَادَ فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي تَرْكِهِ خَسَارَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ }[التوبة: 52]، يَعْنِي: إمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ. فَمَنْ عَاشَ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ كَانَ كَرِيمًا لَهُ ثَوَابُ الدُّنْيَا، وَحُسْنُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ. وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أَوْ قُتِلَ فَإِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ)) رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ صَحِيحٌ ([5]). وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمِائَةَ دَرَجَةٍ . مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعَدَّهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ )) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ([6]). فَهَذَا ارْتِفَاعُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِ الْجِهَادِ. وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَثَلُ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ )) صَحِيحٌ ([7])، (( وَقَالَ رَجُلٌ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلِ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا تَسْتَطِيعُهُ . قَالَ : أَخْبِرْنِي بِهِ ؟ قَالَ : هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَصُومَ لَا تُفْطِرُ وَتَقُومَ لَا تَفْتُرُ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَذَلِكَ الَّذِي يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([8]). وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - فِيمَا أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّطَوُّعَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ. فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ، وَأَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ، وَأَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَالْمُرَابَطَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: (( لَأَنْ أُرَابِطُ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوَافِقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ )) صَحِيحٌ ([9])، فَقَدْ اخْتَارَ الرِّبَاطَ لَيْلَةً عَلَى الْعِبَادَةِ فِي أَفْضَلِ اللَّيَالِي عِنْدَ أَفْضَلِ الْبِقَاعِ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَصْحَابُهُ يُقِيمُونَ بِالْمَدِينَةِ دُونَ مَكَّةَ؛ لَمَعَانٍ مِنْهَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُرَابِطِينَ بِالْمَدِينَةِ. فَإِنَّ الرِّبَاطَ هُوَ الْمَقَامُ بِمَكَانِ يُخِيفُهُ الْعَدُوُّ، وَيُخِيفُ الْعَدُوَّ فَمَنْ أَقَامَ فِيهِ بِنِيَّةِ دَفْعِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مُرَابِطٌ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ )) رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحُوهُ ([10])، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ سَلْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ)) ([11])، يَعْنِي مُنْكَرًا وَنَكِيرًا. فَهَذَا فِي الرِّبَاطِ فَكَيْفَ الْجِهَادُ. وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانٌ جَهَنَّمَ فِي وَجْهِ عَبْدٍ أَبَدًا )) صَحِيحٌ ([12])، وَقَالَ: (( مَنْ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَلَى النَّارِ )) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ([13])، فَهَذَا فِي الْغُبَارِ الَّذِي يُصِيبُ الْوَجْهَ وَالرِّجْلَ، فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَشَقُّ مِنْهُ؛ كَالثَّلْجِ وَالْبَرْدِ وَالْوَحْلِ. وَلِهَذَا عَابَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَعَلَّلُونَ بِالْعَوَائِقِ، كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ. فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ }[التوبة: 81]، وَهَكَذَا الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تَنْفِرُوا فِي الْبَرْدِ فَيُقَالُ: نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ بَرْدًا. كَمَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (( اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّي أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأْذَنْ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشُدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فَهُوَ مِنْ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّمَ )) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([14])، فَالْمُؤْمِنُ يَدْفَعُ بِصَبْرِهِ عَلَى الْحَرِّ وَالْبَرْدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَرَّ جَهَنَّمَ وَبَرْدَهَا، وَالْمُنَافِقُ يَفِرُّ مِنْ حَرِّ الدُّنْيَا وَبَرْدِهَا حَتَّى يَقَعَ فِي حَرِّ جَهَنَّمَ وَزَمْهَرِيرِهَا. وَاعْلَمُوا - أَصْلَحَكُمْ اللَّهُ - أَنَّ النُّصْرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَقْهُورُونَ مَقْمُوعُونَ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَاصِرُنَا عَلَيْهِمْ، وَمُنْتَقِمٌ لَنَا مِنْهُمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَأَبْشِرُوا بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَبِحُسْنِ عَاقِبَتِهِ: { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 139]، وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ تَيَقَّنَّاهُ وَتَحَقَّقْنَاهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } [الصف: 10 - 14]. وَاعْلَمُوا - أَصْلَحَكُمْ اللَّهُ - أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَى مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا أَنْ أَحْيَاهُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي يُجَدِّدُ اللَّهُ فِيهِ الدِّينَ، وَيُحْيِي فِيهِ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْوَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ، حَتَّى يَكُونَ شَبِيهًا بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. فَمَنْ قَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِذَلِكَ، كَانَ مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ، الَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَشْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْمِحْنَةِ الَّتِي حَقِيقَتُهَا مِنْحَةٌ كَرِيمَةٌ مِنْ اللَّهِ، وَهَذِهِ الْفِتْنَةُ الَّتِي فِي بَاطِنِهَا نِعْمَةٌ جَسِيمَةٌ، حَتَّى وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ - كَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ - حَاضِرِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، لَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِهِمْ جِهَادُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. وَلَا يَفُوتُ مِثْلُ هَذِهِ الْغُزَاةِ إلَّا مَنْ خَسِرَتْ تِجَارَتُهُ، وَسَفَّهَ نَفْسَهُ، وَحُرِمَ حَظًّا عَظِيمًا مِنْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ عَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى، كَالْمَرِيضِ، وَالْفَقِيرِ، وَالْأَعْمَى، وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَّا فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَهُوَ عَاجِزٌ بِبَدَنِهِ فَلْيَغْزُ بِمَالِهِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (( مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرِ فَقَدْ غَزَا )) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([15])، وَمَنْ كَانَ قَادِرًا بِبَدَنِهِ وَهُوَ فَقِيرٌ فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يَتَجَهَّزُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْخُوذُ زَكَاةً، أَوْ صِلَةً، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ حَتَّى لَوْ كَانَ الرَّجُلُ قَدْ حَصَلَ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى أَصْحَابِهِ لِجَهْلِهِ بِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ بِيَدِهِ وَدَائِعُ أَوْ رُهُونٌ أَوْ عَوَارٍ قَدْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا فَلْيُنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَصْرِفُهَا. وَمَنْ كَانَ كَثِيرَ الذُّنُوبِ فَأَعْظَمُ دَوَائِهِ الْجِهَادُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ-، يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ }. وَمَنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ الْحَرَامِ وَالتَّوْبَةَ وَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى أَصْحَابِهِ فَلْيُنْفِقْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ حَسَنَةٌ إلَى خَلَاصِهِ، مَعَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ أَجْرِ الْجِهَادِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ فِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَحَمِيَّتِهَا فَعَلَيْهِ بِالْجِهَادِ ؛ فَإِنَّ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ لِلْقَبَائِلِ وَغَيْرِ الْقَبَائِلِ - مِثْلَ قَيْسٍ وَيُمَنِّ، وَهِلَالٍ، وَأَسَدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ - كُلُّ هَؤُلَاءِ إذَا قُتِلُوا فَإِنَّ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ فِي النَّارِ، كَذَلِكَ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَنَّهُ قَالَ: (( إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ . قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ )) أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ([16])، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عمية : يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةِ وَيَدْعُو لِعَصَبِيَّةٍ فَهُوَ فِي النَّارِ )) رَوَاهُ مُسْلِمٌ([17])، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بهن أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا فَسَمِعَ أَبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَجُلًا يَقُولُ : يَا لِفُلَانِ فَقَالَ : اعْضَضْ أَيْرَ أَبِيك فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؛ مَا كُنْت فَاحِشًا. فَقَالَ بِهَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- )). رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ([18])، وَمَعْنَى قَوْلِهِ:(( مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ )) يَعْنِي يَعْتَزِي بِعِزْوَاتِهِمْ، وَهِيَ الِانْتِسَابُ إلَيْهِمْ فِي الدَّعْوَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: يَا لِقَيْسِ! يَا ليمن! وَيَا لِهِلَالِ! وَيَا لِأَسَدِ، فَمَنْ تَعَصَّبَ لِأَهْلِ بَلْدَتِهِ، أَوْ مَذْهَبِهِ، أَوْ طَرِيقَتِهِ، أَوْ قَرَابَتِهِ، أَوْ لِأَصْدِقَائِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، كَانَتْ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِهِ وَكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. فَإِنَّ كِتَابَهُمْ وَاحِدٌ، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَنَبِيُّهُمْ وَاحِدٌ، وَرَبُّهُمْ إلَهٌ وَاحِدٌ، لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وَلَهُ الْحُكْمُ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ }[آل عمران: 102 - 106]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْفُرْقَةِ وَالْبِدْعَةِ. فَاَللَّهَ! اللَّهَ! عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ والائتلاف عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ([19])، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ؛ يَجْمَعْ اللَّهُ قُلُوبَكُمْ، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَيَحْصُلْ لَكُمْ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. أَعَانَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَصَرَفَ عَنَّا وَعَنْكُمْ سَبِيلَ مَعْصِيَتِهِ، وَآتَانَا وَإِيَّاكُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَوَقَانَا عَذَابَ النَّارِ، وَجَعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ حَسَبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ ([20]). [1]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ، بَابُ قَتْلِ الخَوَارِجِ وَالمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، برقم 6931، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ، برقم 1064 من حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قُلْتُ: وأما ما بين المعكوفتين فحديث مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ اسْتِتَابَةِ المُرْتَدِّينَ وَالمُعَانِدِينَ وَقِتَالِهِمْ، بَابُ قَتْلِ الخَوَارِجِ وَالمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، برقم 6930، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِجِ، برقم 1066، من حديث عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [2] - أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ، كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى قَتْلِ الْخَوَارِجِ، برقم 1066، من حديث عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يلفظ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ، مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَاتَّكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ )). [3]- أَخْرَجَهُ: الطيالسى (ص 60 ، رقم 448) ، وأحمد (5/176 ، رقم 21571) ، ومسلم (2/750 ، رقم 1067) ، والدارمى (2/281 ، رقم 2434) ، وابن حبان (15/135 ، رقم 6738) . [4]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ» يُقَاتِلُونَ وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ "، برقم 7311، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ قَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ»، برقم 1920 من حديث ثَوْبَانَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. قُلْتُ: وَلَيْسَ لَهُمُ اَسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ سِوَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ وَهي: أَوَّلاً: أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: فأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ :((...يَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ اللَّهِ عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ أَصْنَافِ النَّاسِ وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ وَبِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ وَضِدُّهَا الْفُرْقَةُ ))( " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (3/157).ط. الملك فهد). وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: (( وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَّبِعُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ ))( " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (3/279).ط. الملك فهد). وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-:(( فَلَا عُدُولَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ؛ فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ : مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ))( " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (3/130).ط. الملك فهد). ثَانِيًا: الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ: هِيَ الْفِرْقَةُ الَّتِي وَصَفَهَا النَّبِيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بِالنَّجَاةِ حَيْثُ قَالَ:(( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ ))( مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((...وَلِهَذَا وَصَفَ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ بِأَنَّهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَهُمْ الْجُمْهُورُ الْأَكْبَرُ وَالسَّوَادُ الْأَعْظَمُ . وَأَمَّا الْفِرَقُ الْبَاقِيَةُ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشُّذُوذِ وَالتَّفَرُّقِ وَالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ ))( " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (3/245 ، 246).ط. الملك فهد). ثَالِثًا: الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ: قُلْتُ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ عَلَى أَنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةِ وَالطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ هُمْ أَهْلُ الْحَدِيثِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-:(( وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ تَكُونَ هِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ؛ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَتْبُوعٌ يَتَعَصَّبُونَ لَهُ إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَهْم أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَعْظَمُهُمْ تَمْيِيزًا بَيْنَ صَحِيحِهَا وَسَقِيمِهَا وَأَئِمَّتُهُمْ فُقَهَاءُ فِيهَا [ وَأَهْلُ ] مَعْرِفَةٍ بِمَعَانِيهَا وَإتِّبَاعًا لَهَا: تَصْدِيقًا وَعَمَلًا وَحُبًّا وَمُوَالَاةً لِمَنْ وَالَاهَا وَمُعَادَاةً لِمَنْ عَادَاهَا الَّذِينَ يَرْوُونَ الْمَقَالَاتِ الْمُجْمَلَةَ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ؛ فَلَا يُنَصِّبُونَ مَقَالَةً وَيَجْعَلُونَهَا مِنْ أُصُولِ دِينِهِمْ وَجُمَلِ كَلَامِهِمْ إنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَلْ يَجْعَلُونَ مَا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ وَيَعْتَمِدُونَهُ ))( " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (3/247).ط. الملك فهد). رَابِعًا: أَهْلُ الْحَدِيثِ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-:(( وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِأَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى سَمَاعِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ أَوْ رِوَايَتِهِ بَلْ نَعْنِي بِهِمْ: كُلَّ مَنْ كَانَ أَحَقَّ بِحِفْظِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإتِّبَاعِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْقُرْآنِ. وَأَدْنَى خَصْلَةٍ فِي هَؤُلَاءِ: مَحَبَّةُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْبَحْثِ عَنْهُمَا وَعَنْ مَعَانِيهِمَا وَالْعَمَلِ بِمَا عَلِمُوهُ مِنْ مُوجِبِهِمَا ))( " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (4/95).ط. الملك فهد). خَامِسًا: أَهْلُ الأَْثَرِ وَالاِتِّبَاعِ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-:(( فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِذَلِكَ: هُمْ أَعْلَمُهُمْ بِآثَارِ الْمُرْسَلِينَ وَأَتْبَعُهُمْ لِذَلِكَ فَالْعَالِمُونَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ الْمُتَّبِعُونَ لَهَا هُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَهُمْ الطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَإِنَّهُمْ يُشَارِكُونَ سَائِرَ الْأُمَّةِ فِيمَا عِنْدَهُمْ مِنْ أُمُورِ الرِّسَالَةِ وَيَمْتَازُونَ عَنْهُمْ بِمَا اُخْتُصُّوا بِهِ مِنْ الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ الرَّسُولِ؛ مِمَّا يَجْهَلُهُ غَيْرُهُمْ أَوْ يُكَذِّبُ بِهِ ))( " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (4/26).ط. الملك فهد). وَقَالَ-رَحِمَهُ اللهُ-:(( وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ أَخَصُّ بِالرَّسُولِ وَإتْبَاعِهِ. فَلَهُمْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَتَخْصِيصِهِ إيَّاهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَتَضْعِيفِ الْأَجْرِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ:" أَهْلُ السُّنَّةِ فِي الْإِسْلَامِ كَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْمِلَلِ"))(" مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (4/140).ط. الملك فهد). سَادِسًا: أهلُ الاِسْتِقَامَةِ: قَال اللَّهُ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}[فصلت: 30 - 32]. سَابِعًا: الْغُرَبَاءُ النُّزَّاعُ مِنْ الْقَبَائِلِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ح (145)، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ». قَالَ قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ « قَالَ: النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ » (جة) 3988 [قال الألباني]: صحيح.والمراد بالنزَّاع من القبائل من هداهم الله إلى الطريق الحق والصراط السوي وهي العقيدة السلفية الصحيحة. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ اَلسَّاعِدِيِّ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاسِ» (رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله رجال الصحيح غير بكر بن سليم وهو ثقة قاله الهيثمي في المجمع). وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ:« إِنَّ الإِيمَانَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَالَّذِى نَفْسُ أَبِى الْقَاسِمِ بِيَدِهِ، لَيَأْرِزَنَّ الإِيمَانُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِى جُحْرِهَا »( عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد إلى مسند أحمد والبزار وأبي يعلى وقال: ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح). وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ الإِِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ »، قَالَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ:« الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ » (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني في " الصحيحة " (3/267) برقم (1273)). وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ:« طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِى أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ» (رواه أحمد والطبراني في الأوسط وقال: أناس صالحون قليل. قلت:قال العلامة الألباني-رحمه الله-: ( صحيح ) انظر حديث رقم : 3921 في صحيح الجامع ). [5]- أَخْرَجَهُ: أحمد (4/131 ، رقم 17221)، والترمذى (4/187 ، رقم 1663)، وقال: حسن صحيح غريب . وابن ماجه (2/935 ، رقم 2799)، والبيهقى فى شعب الإيمان (4/25 ، رقم 4254)، وعبد الرزاق(5/265 ، رقم 9559). انظر صَحِيح الْجَامِع: 5182، وصَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1374. من حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [6]- أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ، كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُقَالُ: هَذِهِ سَبِيلِي وَهَذَا سَبِيلِي، برقم 2790. من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بلفظ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ». [7]- أَخْرَجَهُ: البخارى (3/1027 ، رقم 2635) ، ومسلم (3/1498 ، رقم 1878) ، والترمذى (4/164 ، رقم 1619) وقال : حسن صحيح ، وابن حبان (10/482 ، رقم 4621) . وأخرجه أيضًا : مالك (2/443 ، رقم 956) ، وابن أبى شيبة (4/202 ، رقم 19314) ، وأحمد (2/459 ، رقم 9922) ، والنسائى (6/17 ، رقم 3124) ، أبو عوانة (4/457 ، رقم 7324) . من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [8]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، برقم 2785، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، برقم 1878 من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [9]- أَخْرَجَهُ: ابن حبان (10/462 رقم 4603) وأخرجه أيضًا : البيهقى فى شعب الإيمان (4/40 ، رقم 4286) ، والديلمى (4/168 ، رقم 6524)، بلفظ: قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:«مَوْقِفُ سَاعَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ» صَحِيح الْجَامِع: 6636 ,الصَّحِيحَة: 1068 صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب:1223. [10]- أَخْرَجَهُ: أحمد (1/65 ، رقم 470) ، والترمذى (4/189 ، رقم 1667) وقال : حسن صحيح غريب . والنسائى (6/39 ، رقم 3169) ، وابن حبان (10/469 ، رقم 4609) ، والحاكم (2/156 ، رقم 2635) ، والضياء (1/451 ، رقم 325) وقال : إسناده صحيح . وأخرجه أيضًا : الدارمى (2/277 ، رقم 2424) ، وعبد بن حميد (ص 47 ، رقم 51) . من حديث عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- انظر الصحيحة تحت حديث: 2857 ، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1224، وقد كان الألباني ضعَّفَ الحديث في ضعيف الجامع: 3084، ثم تراجع عن تضعيفه. [11] - أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ فَضْلِ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، برقم 1913. [12] - أَخْرَجَهُ: ابن أبى شيبة (4/208 ، رقم 19364) ، وهناد (1/269 ، رقم 467) ، والبيهقى فى شعب الإيمان (4/27 ، رقم 4257) . وأخرجه أيضًا : سعيد بن منصور فى كتاب السنن (2/189 ، رقم 2401) ، وأحمد (2/256 ، رقم 7474) ، والبيهقى (9/161 ، رقم 18289) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. انظر صحيح الجامع: 7617 , وصحيح الترغيب والترهيب: 2606. [13] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ الجُمُعَةِ، بَابُ المَشْيِ إِلَى الجُمُعَةِ، برقم 907. من حديث يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْأَنْصَارِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [14]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ صِفَةِ النَّارِ، وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، برقم 3260، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم 617 من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [15]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْرٍ، برقم 2843، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ فَضْلِ إِعَانَةِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَرْكُوبٍ وَغَيْرِهِ، وَخِلَافَتِهِ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، برقم 1895 من حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [16]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]، برقم 31، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، بَابُ إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، برقم 2888 من حديث أَبِي بَكْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [17] - أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْأَمْرِ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وتحذير الدعاة إلى الكفر، برقم 1850، من حديث جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. [18]- أَخْرَجَهُ: البخاري في " الأدب المفرد " ( 963 ، 964 ) و النسائي في " السير " من" السنن الكبرى " له ( 1 / 36 / 1 - 2 ) و أحمد في " المسند " ( 5 / 136 ) وأبو عبيد في " غريب الحديث " ( ق 22 / 2 و 53 / 1 ) وابن مخلد في " الفوائد " ( ق 3 / 1 ) والهيثم بن كليب في " مسنده " ( ق 187 / 1 ) والطبراني في " المعجم الكبير " ( ق 27 / 2 ) والبغوي في " شرح السنة " ( 4 / 99 / 2 ) والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " ( 1 / 407 ) من حديث أبي بن كعب-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. انظر صحيح الجامع: 568، والصحيحة: 269. [19]- قُلْتُ: لقد دعت شريعتنا الغراء إلى الوحدة والاجتماع، كما نهت عن الفرقة والشقاق، وما ذاك إلا لخطرهما، وفي حرمة التفرق والاختلاف، وبيان ما يترتب عليه من العذاب العظيم من العظيم، تقريعاً وتنفيرا، يقول الله سبحانه :{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران/105]. كما حذّرت من الفرقة، إخباراً فيه إعظاماً، أنها من سمات المشركين – والشرك عظيم، وأهله في خطر عظيم- قال سبحانه:{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}[الروم/31، 32]، وبيّنت أن جماعة المسلمين جماعة واحدة، موِّحدة لربها، متبعة لنبيها، مصداق ذلك قوله تعالى :{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[الأنبياء/92]، وفي التذييل إشارة إلى أن في الاجتماع والألفة والتعاون تحقيق العبودية لله تعالى على وجه مرضي إذا ما تحققت شروطها، كما فيها الإيماءة إلى ضرورة التواصي بذلك – وهذا منه . إذاً فالدعوة إلى الاجتماع ونبذ الفراق واللجاج والعمل على اتحاد المسلمين عبادة نتقرب بها إلى الله - عز وجل- وسبيل للوصول إلى درجة التقوى، قال سبحانه: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}[المؤمنون/52]. وشّرف الله تعالى المجتمعين على نصرته، وجعلهم سبحانه وتعالى أهل فلاح، واصفا لهم بأنهم حزباً واحدا، وناط بذا الظفر والغلبة والنصرة على أعدائهم – شياطين الإنس والجان- فقال :{ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[المجادلة/22]، وقال أيضاً:{ وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } [المائدة/56]. قال تعالى :{ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات/173]. وهذه الغلبة الموعودة ثابتة لحزب الله بالحجة والبرهان في كل صقع وآن، وتتبعها الغلبة بالسيف والسنان في كل ميدان- إما نصر وإما شهداء، وفي كل خير- ومع كونها عامة في الدنيا - بدلالة الإطلاق- فهي أيضاً كذلك في الآخرة، ويا له ساعتئذ من انتصار!!!قال سبحانه:{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر/51]. فهذه إشارات لطيفة، وكرامات كريمة، وبشارات عظيمة؛ لمن اتصفوا بأنهم من جند الله القهار، وتحلَّوا بصادق الإيمان، واجتمعوا عليه وله . وهذا الحزب هو المعبَّر عنه بـ " الجماعة " في حديث افتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (( ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِى الْجَنَّةِ وَهِىَ الْجَمَاعَةُ ))( صحيح: أخرجه أبو داود (4/198 ح 4597) من حديث معاوية-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/345) والعلامة الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (204) ). ومن شواهده لفظ " مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" . وهو مدلول حديث العرباض بن سارية -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-المرفوع : (( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ))( صحيح: أخرجه أحمد (4/127-128) وأبو داود (4/200) ح(4607) والترمذي (2676) وابن ماجه (43) وغيرهم وصححه العلامة الألباني في " صحيح سنن أبي داود" ح (4607) (4/200)). ومما امتاز به هذا الحزب؛ إشارة إلى وجوب إتباعه : أنه حزب واحد فالح رابح - وما عداه فاجر خاسر- لاقتفائه وحي معصوم، وإتباعه حكم مبرور، وتصديقه خبر محمود، ورجائه عد مصدوق . وحياً من رب العالمين –سبحانه- فانتفى بذلك الضلال، وثبتت السلامة والفلاح . حزب راشد بل رشيد، سالِم مسلَّم : إذ واضعه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيجب على كل مسلم ينشد الحق، ويسعى في فكاك نفسه من عذاب الله تعالى أن يلزم غَرزَ هذا الحزب، وينأى بنفسه عن شق عصاه، بإنشاء حزبِ شيطاني يوسوس ويأزّ؛ إفسادا وعصيانا . فقد حدثتنا السنة المقدسة حديث صدق، صحيحاً ليس بعليل، هادياً بعيداً عن التضليل، وأخبرت أن الدعوة إلى التفرق والتشرذم هي دعوة شيطانية، فهي والحالة هذه موجبة للمجانبة والمباعدة، فبيّن لنا صاحبها -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للحذر ومن ثم التحذير أن جهد الشيطان في التحرش بين المؤمنين، تفريقاً وتمزيقاً، فعن جابر بن عبد الله -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال:(( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِى التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))( رواه الإمام الترمذي، وغيره، وانظر "صحيح الجامع"برقم (1651) وزاد في رواية البخاري، بعد (المصلون): " في جزيرة العرب"). ولا تغرنّك-أخي- دعوى أهل الفرقة والشقاق، من المتصوفة وغيرها من أهل النفاق، بأنهم على الكتاب والسنة موافقة طباق، فإنه سمّ في صورة ترياق . وما أجمل ما أجمله العلامة أبو المظفر السمعاني-رحمه الله تعالى- فيما نقله عن التيمي -رحمه الله تعالى- في "الحجة" (2/223-225):((إن كل فريق من المبتدعة إنما يدعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأنهم كلهم مدعون شريعة الإسلام ملتزمون في الظاهر شعائرها، يرون أن ما جاء به محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو الحق، غير أن الطرق تفرقت بهم بعد ذلك وأحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله)) . فزعم كل فريق أنه هو المتمسك بشريعة الإسلام، وأن الحق الذي قام به رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو الذي يعتقده وينتحله . غير أن الله أبى أن يكون الحق والعقيدة الصحيحة إلا مع أهل الحديث والآثار؛ لأنهم أخذوا دينهم وعقائدهم خلفاً عن سلف، وقرناً عن قرن، إلى أن انتهوا إلى التابعين، وأخذه التابعون من أصحاب رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأخذه أصحاب رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- . ولا طريق إلى معرفة ما دعا إليه رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الناس من الدين المستقيم والصراط القويم، إلا هذا الطريق الذي سلكه أصحاب الحديث . وأما سائر الفرق فطلبوا الدين لا بطريقه؛ لأنهم رجعوا إلى معقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبله، فإذا سمعوا شيئاً من الكتاب والسنة، عرضوه على معيار عقولهم، فإن استقام قبلوه، وإن لم يستقم في ميزان عقولهم ردوه!! فإن اضطروا إلى قبوله؛ حرفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستنكرة، فحادوا عن الحق، وزاغوا عنه ونبذوا الدين وراء ظهورهم، وجعلوا السنة تحت أقدامهم، تعالى الله عما يصفون . وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة إمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهما من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك ووفقهم إليه، وإن وجدوه مخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة ورجعوا بالتهمة على أنفسهم؛ فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق" ("القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد" ص (120)). [20]- انْظُرْ: "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى"(28/ 410-423).ط. الملك فهد. اَلْتَعْلِيِقَاَتُ السَّنِيَّةُ عَلَى رِسَالَةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِأَهْلِ حَلَبِ السُّورِيَّةِ.doc
  3. الْحَمْدُ لِلَّهِ أحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/47- 63): فَصْلٌ فِي الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }[النَّحْلِ:14 - 18]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[فَاطِرٍ:12]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا }[الْفُرْقَانِ:53]، قَوْلُهُ:{ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا } أَيْ حَاجِزًا مِنْ قُدْرَتِهِ لَا يَغْلِبُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَوْلُهُ:{ وَحِجْرًا مَحْجُورًا } أَيْ سِتْرًا مَسْتُورًا يَمْنَعُ أَحَدَهُمَا مِنَ الِاخْتِلَاطِ بِالْآخَرِ. فَالْبَرْزَخُ الْحَاجِزُ، وَالْحِجْرُ الْمَانِعُ. وَقَالَ تَعَالَى:{ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ }[الرَّحْمَنِ:19،20]، فَالْمُرَادُ بِالْبَحْرَيْنِ: الْبَحْرُ الْمِلْحُ الْمُرُّ وَهُوَ الْأُجَاجُ، وَالْبَحْرُ الْعَذْبُ هُوَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ بَيْنَ أَقْطَارِ الْأَمْصَارِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. قَوْلُهُ:{يَلْتَقِيَانِ} أَيْ مَنَعَهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَا بِمَا جَعَلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَرْزَخِ الْحَاجِزِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ تَعَالَى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ }[الشُّورَى:32 - 34]، وَقَالَ تَعَالَى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ }[لُقْمَانَ:31، 32]، وَقَالَ تَعَالَى:{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }[الْبَقَرَةِ:164]، فَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ فَالْبَحْرُ الْمُحِيطُ بِسَائِرِ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، وَمَا يَنْبَثِقُ مِنْهُ فِي جَوَانِبِهَا الْجَمِيعُ مَالِحُ الطَّعْمِ مُرٌّ، وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِصِحَّةِ الْهَوَاءِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ حُلْوًا لَأَنْتَنَ الْجَوُّ وَفَسَدَ الْهَوَاءُ؛ بِسَبَبِ مَا يَمُوتُ فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْعِظَامِ فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَى تَفَانِي بَنِي آدَمَ وَفَسَادِ مَعَايِشِهِمْ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَنِ الْبَحْرِ ؟ قَالَ:« هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ » صَحِيحٌ ([1]). وَأَمَّا الْأَنْهَارُ: فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا حُلْوًا، عَذْبًا جَارِيًا، فُرَاتًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَجَعَلَهَا جَارِيَةً سَارِحَةً يُنْبِعُهَا تَعَالَى فِي أَرْضٍ، وَيَسُوقُهَا إِلَى أُخْرَى رِزْقًا لِلْعِبَادِ، وَمِنْهَا كِبَارٌ، وَمِنْهَا صِغَارٌ، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ أَصْحَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَالتَّسْيِيرِ عَلَى تَعْدَادِ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ، وَأُصُولِ مَنَابِعِهَا، وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي سَيْرُهَا بِكَلَامٍ فِيهِ حِكَمٌ، وَدَلَالَاتٌ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ وَالْحِكْمَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ }[الطُّورِ:6]. فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَحْرُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْبَحْرَ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ سَائِرَ الْبِحَارِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}[الطُّورِ:6]. فَقِيلَ: الْمَمْلُوءُ مَاءً. وَقِيلَ: يَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا تُؤَجَّجُ فَيُحِيطُ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ: الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ الْمَحْرُوسُ عَنْ أَنْ يَطْغَى فَيَغْمُرَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا فَيَغْرَقُوا. رَوَاهُ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْعَلاءُ بْنُ بَدْرٍ-رَحِمَهُ اللهُ-:" إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَحْرُ الْمَسْجُورُ، لِأَنَّهُ لا يُشْرَبُ مِنْهُ مَاءٌ، وَلا يُسْقَى بِهِ زَرْعٌ، وَكَذَلِكَ الْبِحَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وقَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي " كِتَابِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ " (6/139):{المَسْجُورِ}: المُوقَدِ. وَقَالَ الحَسَنُ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:« تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلاَ يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ ». وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي التَّفْسِيْرِ (ص814):{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} أَيْ: الْمَمْلُوءُ مَاءً، قد سجره الله، ومنعه من أن يفيض على وجه الأرض، مع أن مقتضى الطبيعة، أن يغمر وجه الأرض، ولكن حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان، ليعيش من على وجه الأرض، من أنواع الحيوان، وَقِيلَ: إن المراد بالمسجور، الموقد الذي يوقد [نارًا] يوم القيامة، فيصير نارًا تلظى، ممتلئا على عظمته وسعته من أصناف العذاب. وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ مُحَمَّدُ الأَمِيْنُ الشَّنْقِيْطِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ ( أَضْوَاءُ البَيَانِ فِي إِيْضَاحِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ ) (7/452): وَقَوْلُهُ:{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَمَاءِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَسْجُورَ هُوَ الْمُوقَدُ نَارًا، قَالُوا: وَسَيَضْطَرِمُ الْبَحْرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا، مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى:{ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ }[غافر:72]. الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْمَسْجُورَ بِمَعْنَى الْمَمْلُوءِ، لِأَنَّهُ مَمْلُوءٌ مَاءً. فَقَوْلُهُ: مَسْجُورَةً أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً مَاءً. وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي مَعْنَى الْمَسْجُورِ هُمَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ:{ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ }[التكوير:6]. وخلاصة الكلام في بيان هذا الإمام: قَالَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّفْسِيْرِ (176 ،177).ط. دار الثريا: { وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } كلمة البحر قِيلَ: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن -عَزَّ وَجَلَّ- كَمَا قَالَ تَعَالَى، { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ }، وَقِيلَ: المراد به البحر الذي في الأرض لأنه المشاهد المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول، والصحيح أن المراد به بحر الأرض، لأن (أل) في البحر للعهد الذهني، يعني البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة من أسماك وأمواج وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه، ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله:{الْمَسْجُورِ} يعني الممنوع، ومنه سجرت الكلب يعني ربطته حتى لا يهرب، فالبحر ممنوع بقدرة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، إننا نعلم جميعاً أن الأرض كروية، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض، لأنه لا جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة، لقلنا: لابد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور، أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله، فلو صب فوق الكرة ماء، لذهب يغمرها يميناً وشمالاً، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة تأتي أيام المد والجزر، نفس البحر يمتد امتداداً عظيماً لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر، مَن الذي مده ؟ ولو شاء لبقي ممتداً حتى يغرق الأرض، ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديراً بأن يقسم الله به، وفي البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر بل أزيد، لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل أكثر من سبعين في المائة، وفيه أشياء لا نرى لها نظيراً في البر، وهذا من آيات الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وأعظم آية في البحر هو أنه مسجور، أي ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. وَقِيلَ: المراد بالمسجور الذي سيسجر، أي: يوقد كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:{ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ }[التكوير:6]، أي: أوقدت. وهذا يكون يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن والذي لو سقطت فيه جمرة، أو مر على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون ناراً يسجر، وهذا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، والمراد به المعنيان جميعاً؛ لأنه لا منافاة بين هذا وهذا، فكلاهما مِنْ آيَاتِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، أي سواء قلنا المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجور الذي سيسجر أي يوقد، فكل ذلك من آيات الله. وَيُؤَيِّدُهُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ ». قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَاذَا تَأْمُرُنَا؟، قَالَ:« عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ » صَحِيحٌ ([2]). هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل [1]- أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ، بِرَقَمِ (69)، وَالنَّسَائِيُّ بِرَقَمِ (59)، وَأَبُو دَاوُدَ بِرَقَمِ (86)، وابْنُ مَاجَه بِرَقَمِ (388)، وَصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الصَّحِيْحَةِ بِرَقَمِ (480)، وَصَحِيحِ الْجَامِعِ بِرَقَمِ (7048) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ-رَضِيَ الله عَنْهُ-. [2]- أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ، بِرَقَمِ (3368)، وَأَحْمَدُ بِرَقَمِ (4536)، وَصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ بِرَقَمِ (3609)، صَحِيْحِ التَّرْغِيْبِ وَالتَّرْهِيْبِ، بِرَقَمِ (3096).
  4. الْحَمْدُ لِلَّهِ أحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بَعْدُ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ }[الأنعام: 2]، وقَوْلِهِ تَعَالَى:{ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ }[فاطر: 11]، وقَوْلِهِ تَعَالَى:{ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }[الرعد: 39]، هَلْ الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ فِي الصَّحِيحِ:{ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدُهُ عَلَى عَرْشِهِ } الْحَدِيثَ. وَقَدْ جَاءَ:{ جَفَّ الْقَلَمُ } فَمًا مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ ؟. وَهَلْ شُرِعَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولَ: " اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبْتنِي كَذَا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي كَذَا فَإِنَّكَ قُلْتَ:{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ }، وَهَلْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَدْعُو بِمِثْلِ هَذَا ؟ وَهَلْ الصَّحِيحُ عِنْدَكُمْ أَنَّ الْعُمْرَ يَزِيدُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ. فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:{ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ }، فَالْأَجَلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَجَلُ كُلِّ عَبْدٍ؛ الَّذِي يَنْقَضِي بِهِ عُمُرُهُ. وَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ: أَجَلُ الْقِيَامَةِ الْعَامَّةِ. وَلِهَذَا قَالَ:{ مُسَمًّى عِنْدَهُ } فَإِنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، كَمَا قَالَ:{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ }[الأعراف: 187]. بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ:{ مُسَمًّى }، كَقَوْلِهِ: { إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى }[البقرة: 282]، إذْ لَمْ يُقَيِّدْ بِأَنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ، فَقَدْ يَعْرِفُهُ الْعِبَادُ. وَأَمَّا أَجَلُ الْمَوْتِ فَهَذَا تَعْرِفُهُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ رِزْقَ الْعَبْدِ، وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ. كَمَا قَالَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ-رَضِيَ الله عَنْهُ-،قَالَ: « حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، - وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ -: إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خُلُقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([1])، فَهَذَا الْأَجَلُ الَّذِي هُوَ أَجَلُ الْمَوْتِ قَدْ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ. وَأَمَّا أَجَلُ الْقِيَامَةِ الْمُسَمَّى عِنْدَهُ فَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:{ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } فَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ، أَيْ مَا يُعَمَّرُ مِنْ عُمُرِ إنْسَانٍ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِ إنْسَانٍ، ثُمَّ التَّعْمِيرُ وَالتَّقْصِيرُ يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا يَطُولُ عُمْرُهُ، وَهَذَا يَقْصُرُ عُمُرُهُ، فَيَكُونُ تَقْصِيرُهُ نَقْصًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُعَمَّرَ يَطُولُ عُمُرُهُ، وَهَذَا يَقْصُرُ عُمُرُهُ، فَيَكُونُ تَقْصِيرُهُ نَقْصًا لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا أَنَّ التَّعْمِيرَ زِيَادَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرِ. وَقَدْ يُرَادُ بِالنَّقْصِ النَّقْصُ مِنْ الْعُمُرِ الْمَكْتُوبِ، كَمَا يُرَادُ بِالزِّيَادَةِ الزِّيَادَةُ فِي الْعُمُرِ الْمَكْتُوبِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَنَّهُ قَالَ:« مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ »مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ([2])، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَرَكَةُ فِي الْعُمُرِ، بِأَنْ يَعْمَلَ فِي الزَّمَنِ الْقَصِيرِ مَا لَا يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ إلَّا فِي الْكَثِيرِ، قَالُوا: لِأَنَّ الرِّزْقَ وَالْأَجَلَ مُقَدَّرَانِ مَكْتُوبَانِ. فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ تِلْكَ الْبَرَكَةُ. وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي الْعَمَلِ، وَالنَّفْعِ. هِيَ أَيْضًا مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ، وَتَتَنَاوَلُ لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. وَالْجَوَابُ الْمُحَقَّقُ: أَنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ ، فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ. وَإِنْ عَمِلَ مَا يُوجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ. وَنَظِيرُ هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« أَنَّ آدَمَ لَمَّا طَلَبَ مِنْ اللَّهِ أَنْ يُرِيَهُ صُورَةَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ فَأَرَاهُ إيَّاهُمْ فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ بَصِيصٌ فَقَالَ مَنْ هَذَا يَا رَبِّ ؟ فَقَالَ ابْنُك دَاوُد. قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ ؟ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً. قَالَ: وَكَمْ عُمْرِي ؟ قَالَ: أَلْفُ سَنَةٍ. قَالَ فَقَدْ وَهَبْت لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً. فَكُتِبَ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي سِتُّونَ سَنَةً. قَالُوا: وَهَبْتهَا لِابْنِك دَاوُد. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَأَخْرَجُوا الْكِتَابَ. قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَسِيَ آدَمَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَجَحَدَ آدَمَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ » صَحِيحٌ ([3]). وَرُوِيَ أَنَّهُ كَمَّلَ لِآدَمَ عُمُرَهُ، ولدَاوُد عُمُرَهُ. فَهَذَا دَاوُد كَانَ عُمُرُهُ الْمَكْتُوبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ جَعَلَهُ سِتِّينَ، وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ-رَضِيَ الله عَنْهُ-، أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبَتْنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيدًا، فَإِنَّك تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ؛ فَهُوَ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ لَهُ وَمَا يَزِيدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا مَا عَلَّمَهُمْ اللَّهُ، وَاَللَّهُ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَبَعْدَ كَوْنِهَا؛ فَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الْمَحْوَ وَالْإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ الْمَلَائِكَةِ، وَأَمَّا عِلْمُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إثْبَاتَ. وَأَمَّا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فَهَلْ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ ؟ ([4]). هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ ذِكْرِ المَلاَئِكَةِ، بِرَقَمِ 3208، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْقَدَرِ، بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الْآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَكِتَابَةِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقَاوَتِهِ وَسَعَادَتِهِ، بِرَقَمِ 2643. [2]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ البُيُوعِ، بَابُ مَنْ أَحَبَّ البَسْطَ فِي الرِّزْقِ، بِرَقَمِ 2067، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ، بَابُ صِلَةِ الرَّحِمِ وَتَحْرِيمِ قَطِيعَتِهَا، بِرَقَمِ 2557. عَنْ أَنَسِ-رَضِيَ الله عَنْهُ-. [3]- أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ، بِرَقَمِ (3368)، وَصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي المِشْكَاةِ بِرَقَمِ (4662)، وَظِلَالُ الجَنَّةِ بِرَقَمِ (204-206). [4]- اُنْظُرْ " مَجْمُوْعُ الفَتَاوَى " (14/488-492).ط. الملك فهد. قُلْتُ: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (11/ 488):(( وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِمَا فِي عِلْمِ الحَفَظَةِ وَالمُوَكَّلِيْنَ بِالآدَمِيِّ؛ فَيَقَعُ فِيْهِ المَحْو وَالإِثْبَاتُ كَالزِّيَادَةِ فِي العُمُرِ وَالنَّقْصِ، وَأَمَّا مَا فِي عِلْمِ اللهِ فَلَا مَحْوَ فِيْهِ وَلَا إِثْبَاتَ. وَالعِلْمُ عِنْدَ اللهِ)). وقَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (10/ 416):(( الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي عِلم المَلَك ، وما فِي أُمّ الكِتاب هُو الَّذِي فِي عِلم الله تَعالَى فَلا مَحو فِيهِ البَتَّة، ويُقال لَهُ: القَضاء المُبرَم ، ويُقال لِلأَوَّلِ القَضاء المُعَلَّق )). وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي التَّفْسِيْرِ (ص419): (({يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ} مِنَ الأَقْدَارِ. {وَيُثْبِتُ} مَا يَشَاءُ مِنْهَا، وَهَذَا المَحْو وَالتَّغْيِيْرُ فِي غَيْرِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَكَتَبَهُ قَلَمُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيْهِ تَبْدِيْلٌ وَلَا تَغْيِيْرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ أَنْ يَقَعَ فِي عِلْمِهِ نَقْصٌ أَوْ خَلَلٌ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ} أَي اللَّوْحُ المَحْفُوْظُ، الَّذِيْ تَرْجِعُ إِلَيْهِ سَائِرُ الأَشْيَاءِ، فَهُوَ أَصْلُهَا، وَهِيَ فُرُوْعٌ لَهُ وَشُعَبٌ. فَالتَّغْيِيْرُ وَالتَّبْدِيْلُ يَقَعُ فِي الفُرُوْعِ وَالشُّعَبِ، كَأَعْمَالِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الَّتِيْ تَكتُبُهَا المَلَائِكَةُ، وَيَجْعَلُ اللهُ لِثُبُوْتِهَا أَسْبَابًا، وَلِمَحْوِهَا أَسْبَابًا، لَا تَتَعَدَّى تِلْكَ الأَسْبَابُ مَا رُسِمَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوْظِ، كَمَا جَعَلَ اللهُ البِرَّ وَالصِّلَةَ وَالإِحْسَانَ مِنْ أَسْبَابِ طُوْلِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَكَمَا جَعَلَ المَعَاصِي سَبَبًا لِمَحقِ بَرَكَةِ الرِّزْقِ وَالعُمُرِ، وَكَمَا جَعَلَ أَسْبَابَ النَّجَاةِ مِنَ المَهَالِكِ وَالمَعَاطِبِ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَجَعَلَ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ سَبَبًا لِلعَطَبِ، فَهُوَ الَّذِيْ يُدَبِّرُ الأُمُوْرَ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَمَا يُدَبِّرُهُ مِنْهَا لَا يُخَالِفُ مَا قَدْ عَلِمَهُ وَكَتَبَهُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ)).
  5. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/26- 46): بَابُ مَا وَرَدَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا: ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا }[الطَّلَاقِ:12]، ثُمَّ قَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ:« مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ » مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ([1]). ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ([2]). وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- هَاهُنَا (أَيْ: فِي نَفْسِ الْبَابِ): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ:« الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ([3])، وَمُرَادُهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- تَقْرِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } [الطَّلَاقِ:12]، أَيْ فِي الْعَدَدِ كَمَا أَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ الْآنَ اثْنَا عَشَرَ مُطَابَقَةً لِعِدَّةِ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ الْأَوَّلِ فَهَذِهِ مُطَابَقَةٌ فِي الزَّمَنِ كَمَا أَنَّ تِلْكَ مُطَابَقَةٌ فِي الْمَكَانِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ:« مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ »، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ:« اللهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا »، قَالَ:« فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ:[ فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ]، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ، فَكَانَتْ قَبْرَهَا » مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ([4]). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ السَّابِعَةَ، وَالْعَرْشُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ كُنْتَ؟ وَأَيْنَ تَكُونُ ؟ » صَحِيحٌ ([5]). وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ كَعْبًا حَلَفَ لَهُ بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى أَنَّ صُهَيْبًا حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَمْ يَكُنْ يَرَى قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إِلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا:« اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا » صَحِيحٌ ([6]). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ -رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ نُوحاً -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لاِبْنِهِ: إِنِّى قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِى كَفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فِى كَفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلاَةُ كُلِّ شَىْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ » صَحِيحٌ ([7])، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كَالْمُتَوَاتِرَةِ فِي إِثْبَاتِ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ فَوْقَ الْأُخْرَى، وَالَّتِي تَحْتَهَا فِي وَسَطِهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى السَّابِعَةِ، وَهِيَ صَمَّاءُ لَا جَوْفَ لَهَا، وَفِي وَسَطِهَا الْمَرْكَزُ، وَهُوَ نُقْطَةٌ مُقَدَّرَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ، وَهُوَ مَحَطُّ الْأَثْقَالِ إِلَيْهِ يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إِذَا لَمْ يُعَاوِقْهُ مَانِعٌ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُنَّ مُتَرَاكِمَاتٌ بِلَا تَفَاصُلٍ أَوْ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَالَّتِي تَلِيهَا خَلَاءٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَبَيْنَ الْأُخْرَى مَسَافَةً لِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ-رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ:« بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَاَلَّتِي تَلِيْهَا خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسِيِّ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَالعَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، وَاَللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ »([8])، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ }[الطَّلَاقِ:12]. الْآيَةَ. قَالَ تَعَالَى:{ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ }[الْأَنْبِيَاءِ:30]، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-([9]): أَيْ كَانَ الْجَمِيعُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَلَاصِقٌ مُتَرَاكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَفَتَقَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، أَيْ فَصَلْنَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا وَالْأَرْضَ سَبْعًا، وَفَصَلَ بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ بِالْهَوَاءِ، فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ وَأَنْبَتَتِ الْأَرْضُ؛ وَلِهَذَا قَالَ:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}. قَالَ سَعِيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( كَانَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُلْتَزِقَتَيْنِ فَلَمَّا رَفَعَ السَّمَاءَ وَأَبْرَزَ مِنْهَا الْأَرْضَ كَانَ ذَلِكَ فَتْقَهُمَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ))، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ-رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-:(( كَانَتَا جَمِيعًا فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْهَوَاءِ ))، وَعَنْ عِكْرِمَةَ-رَحِمَهُ اللَّهُ-، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:(( عَنِ اللَّيْلِ، كَانَ قَبْلُ أَوِ النَّهَارُ ؟، قَالَ: أَرَأَيْتُمُ السَّمَوَاتِ حَيْثُ كَانَتَا رَتْقًا هَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا إِلا ظُلْمَةٌ ؟، ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ كَانَ قَبْلَ النَّهَارِ ))، وهذا الاتجاه في التفسير يتفق مع أدق النظريات العلمية في عصرنا، فالملاحظات العامة في هذا الكون أن بعض المجرات تنطلق بسرعة هائلة خارجة عن مركز الكون، مما يدل على أن هذا الكون كان ملتزقا، وكان كتلة واحدة، ويؤكد ذلك أنه من خلال طيف الإشعاعات تأكد أن مادة الكون واحدة وهناك نظرية أخرى لا تتحدث عن الكون كله وإنما عن المجموعة الشمسية أنها كانت كتلة واحدة وكل من هاتين النظريتين العلميتين تتفق مع قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآية. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:(( أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا؟ قَالَ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ، فَاسْأَلْهُ، ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي بِمَا قَالَ لَكَ، قَالَ، فَذَهَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَسَأَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:" نَعَمْ، كَانَتِ السَّمَاوَاتُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَكَانَتْ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَلَمَّا خَلَقَ لِلْأَرْضِ أَهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ وَفَتْقَ هَذِهِ بِالنَّبَاتِ"، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَأَخْبَرَهُ، فقال ابْنُ عُمَرَ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَدْ كُنْتُ أَقُولُ: مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَلَى تَفْسِيْرِ القُرْآنِ فَالآنَ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا ))، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ-رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-:(( كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَالْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ ))، وهذا الاتجاه في التفسير يتفق مع ما يقوله علماء الكون. وهذه هي نظرية السديم عند علماء الْفَلَكِ الذين يثبتون أن الشمس والكواكب والأرض كانت قطعة واحدة كتلة نارية، وفي أثناء سيرها السريع انفصلت عنها الْأَرْضُ والكواكب السيارة الأخرى، وهي تسعة مرتبة بحسب قربها من الشمس: عُطارد، والزُّهرة، والأرض، والمرّيخ، والمشتري، وزُحل، وأورانوس، ونبتون، وبلوتوه. ولكل منها مدار بحسب تأثير الجاذبية، وهي تجري في الْفَلَكِ، وهي تسعة أفلاك دون السموات المطبقة التي يعيش فيها الملائكة. وَالْفَلَكُ: استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء، أو هو مجراها وسرعة سيرها، فإذا كان الأمر كذلك فإن الأرض كانت أيام ذلك لا تنبت وكانت سماؤها لا تمطر. فَعَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ تَفْسِيرِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإِنَّ الآيةَ أشارتْ إِلَى شيءٍ لَمْ يعرفُهُ الإنسانُ إلا متأخرًا. والملاحظُ أَنَّ الذينَ طَرَحُوا كُلَّاً مِنَ النَّظَرِيتينِ الكافرون، فكأنَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا } إشارةٌ إلى أن الكافرين سيكتشفون هذهِ الحقائقُ ويبرهنونَ عليها، وفي ذلك كُلِّهِ مظاهرٍ من إعجازِ هذا القرآن، الذي لا تتناهى عجائِبُهُ. وهذا السبقُ العلمي الذي أعلنَهُ القرآنُ دليلٌ واضحٌ قاطعٌ على أن القرآنَ كلامُ اللّهِ ووحيِهِ المنزلُ على عبدِهِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، النبيُّ الأميُّ الذي يستحيلُ أن يكونَ عالماً بمثلِ ذلك لولَا الوحيُ الإلهي. هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3195، وَكِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ، بَابُ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ، برقم 2453، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ، بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، برقم 1612. [2] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3196، وَكِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ، بَابُ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ، برقم 2454. [3] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3197. [4] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3198، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ، بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، برقم 1610. [5] - أَخْرَجَهُ: أبو يعلى (11/496 ، رقم 6619). قال الهيثمي (1/80): رجاله رجال الصحيح، انْظُرْ: الصَّحِيحَة تحت ح (150). [6] - أَخْرَجَهُ: (حب) 2709 [قال الألباني]: صحيح - "تخريج فقه السيرة" (341)، "تخريج الكلم الطيب" (رقم 179)، "الصحيحة" (2758). [7] - أَخْرَجَهُ: (خد) 548، (حم) 6583، (ك) 154، انظر الصَّحِيحَة: 134، صَحْيح الْأَدَبِ الْمُفْرَد: 426. 8- (إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. (التَّوْحِيْدُ) (244/ 1) (885/ 2) لِابْنِ خُزَيْمَةَ. اُنْظُرْ كِتَابَ (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ) لِلشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ص103)) قَالَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قَالَ: (وَلَهُ طُرُقٌ). ((العُلُوُّ) (ص45) لِلذَّهَبِيِّ)، قُلْتُ: وصححه ابن باز في شرح كتاب التوحيد لابن باز - الصفحة أو الرقم: 389 وقال: صحيح جيد، وابن عثيمين في مجموع فتاوى - الصفحة أو الرقم: 1125/10 وقال: موقوف له حكم الرفع. [9] - فِي تَفْسِيْرِهِ (5/339).ط. دار طيبة للنشر والتوزيع .
  6. [ درس ]

    بارك الله فيكم ونفع بكم أخي الحبيب عبد الصمد
  7. [ خطبة ]

    من خطبة الجمعة قصة يوسف -عليه الصلاة والسلام- ومع الجزء الخامس - وفيها كيف وجده السيارة وكيف باعوه ومن هو الذي اشتراه من مصر وبأي ثمن تم شراءه
  8. دورة علمية بعنوان " الصنوان شرح اعتقاد الثوري سفيان " للشيخين أبي خديجة عصام الدين أبو السعود أبي مريم أيمن بن دياب العابديني حفظهما الله يوم الجمعة القادمة بعد صلاة المغرب إن شاء الله تعالي العنوان " مسجد الرحمن بجوار مدرسة أسمنت حلوان الابتدائية - شرق أبو دحروج مدخل الحرير - حلوان " للإستعلام / 01152916510 - الأخ / أحمد -نفع الله به
  9. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/26- 46): بَابُ مَا وَرَدَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }[الْأَنْعَامِ:1]، وَقَالَ تَعَالَى:{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }[الْأَعْرَافِ:54]. فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا كَأَيَّامِنَا هَذِهِ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: فَرَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَيَقُولُ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ: ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَنَقُولُ نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ: فِيمَا انْتَهَى إِلَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَسَيَأْتِي فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ الله عَنْهُ-، خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْأَحَدُ: رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَهُوَ نَصُّ التَّوْرَاةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِلَفْظِ الْأَحَدِ، وَلِهَذَا كَمُلَ الْخَلْقُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَكَانَ آخِرُهُنَّ الْجُمُعَةَ؛ فَاتَّخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ عِيدَهُمْ فِي الْأُسْبُوعِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَضَلَّ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ الْكِتَابِ قَبْلَنَا. وَقَالَ تَعَالَى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[الْبَقَرَةِ:29]، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-([1]): فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ أولاَ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا، وَهَذَا شَأْنُ الْبِنَاءِ أَنْ يَبْدَأَ بِعِمَارَةِ أَسَافِلِهِ ثُمَّ أَعَالِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بِذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، فلما خلق الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ }[فصلت: 11]،{ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } قَالَ: بعضُهن فَوْقَ بَعْضٍ وَسَبْعُ أَرَضِينَ يَعْنِي بعضُهَا تَحْتَ بَعْضٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ }[فصلت: 9]، فَهَذِهِ وَهَذِهِ دَالَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، سُئِلَ عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ([2])، وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التفسير قديماً وحديثاً. وَقَالَ تَعَالَى:{ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }[فُصِّلَتْ:9 - 12]، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ لِأَنَّهَا كَالْأَسَاسِ لِلْبِنَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }[غَافِرٍ:64]. وَقَالَ تَعَالَى:{ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا }، إِلَى أَنْ قَالَ:{ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا }[النَّبَأِ:6-13]. إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-([3]): أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:{ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ }[النَّازِعَاتِ:27-33]، فَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَقَدُّمِ خَلْقِ السَّمَاءِ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ، فَخَالَفُوا صَرِيحَ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ([4]). فَإِنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ دَحْيَ الْأَرْضِ وَإِخْرَاجَ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى مِنْهَا بِالْفِعْلِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ الْأَرْضَ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التفسير قديماً وحديثاً. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا فِيهَا بِالْقُوَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا }[فُصِّلَتْ:10]، أَيْ هَيَّأَ أَمَاكِنَ الزَّرْعِ وَمَوَاضِعَ الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ، ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ خَلْقَ صُورَةِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ دَحَى الْأَرْضَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا فَخَرَجَتِ الْعُيُونُ، وَجَرَتِ الْأَنْهَارُ، وَنَبَتَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَ الدَّحْىَ بِإِخْرَاجِ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى مِنْهَا وَإِرْسَاءِ الْجِبَالِ، فَقَالَ:{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا }، وَقَوْلُهُ:{ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا }، أَيْ قَرَّرَهَا فِي أَمَاكِنِهَا الَّتِي وَضَعَهَا فِيهَا وَثَبَّتَهَا وَأَكَّدَهَا وَأَطَّدَهَا. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ([5]): وَبَثَّ الْخَلْقَ فِيهَا إِذْ دَحَاهَا *** فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِ وَقَوْلُهُ:{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }[الذَّارِيَاتِ:47 - 49 ]، بِأَيْدٍ أَيْ بِقُوَّةٍ، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا عَلَا اتَّسَعَ فَكُلُّ سَمَاءٍ أَعْلَى مِنَ الَّتِي تَحْتَهَا فَهِيَ أَوْسَعُ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ الْكُرْسِيُّ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُنَّ كُلُّهُنَّ، وَالْعَرْشُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِكَثِيرٍ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا:{ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا }. أَيْ بَسَطْنَاهَا وَجَعَلْنَاهَا مَهْدًا أَيْ قَارَّةً سَاكِنَةً غَيْرَ مُضْطَرِبَةٍ وَلَا مَائِدَةٍ بِكُمْ، وَلِهَذَا قَالَ:{ فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ }. وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فِي الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْإِخْبَارَ الْمُطْلَقَ فِي اللُّغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- فِي تَفْسِيْرِهِ (1/213).ط. دار طيبة للنشر والتوزيع . [2] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ قَوْلِهِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ}، تحت برقم 4815. 3- فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (1/29 ، 30).ط. هجر للطباعة والنشر - الجيزة. 4- قَالَ الْإِمَامُ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }، مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماوات وذلك يوجب التناقض ؟ أُجِيْبُ: بأن المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق بعدها السماوات ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ومدها حينئذ فلا تناقض )) انْظُرْ: )السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير) (3/ 598(.ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت. 5- قَالَهُ: الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي«تَفْسِيرِهِ» (15/310).ط. دار الكتب المصرية – القاهرة.
  10. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ([1])، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ([2])، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ([3])، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ([4])» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([5]). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ:« إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([6]). وَعَنْ خَبَّابٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا » قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ:" أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ ([7]). اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَفْضَلِ فِي وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ: بَيْنَ الْهَاجِرَةِ وَالإِبْرَادِ؟ إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ (1): قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: وَالْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ أَمْر اِسْتِحْبَاب، وَقِيلَ: أَمْر إِرْشَاد، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ، وجُمْهُور أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ تَأخِيرَ الظُهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْتُ وَيَنْكَسِرَ الْوَهَج. وَخَصَّهُ بَعْضُهمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ، فَالتَّعْجِيلُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَالْمَشْهُور عَنْ أَحْمَدَ: التَّسْوِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا قَيْدٍ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْكُوفِيِّينَ، وَابْن الْمُنْذِر. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ تَعْجِيلَ الظُهْرِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث خَبَّابٍ:« شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا، فَلَمْ يُشْكِنَا »، أَيْ: فَلَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِم. وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَبِأَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ مَشَقَّةً، فَتَكُونُ أَفْضَلُ. وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأخِيرًا زَائِدًا عَنْ وَقْتِ الْإِبْرَادِ، وَهُوَ زَوَالُ حَرِّ الرَّمْضَاءِ، وَذَلِكَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُمْ. أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَاد، فَإِنَّهَا مُتَأَخِّرَة عَنْهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الطَّحَاوِيّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ-رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صَلَاةَ الظُّهْرِ بِالْهَاجِرَةِ، وَقَالَ لَنَا:« أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ »صَحِيحٌ ([8])، الْحَدِيث، وَهُوَ حَدِيثُ رِجَالِهِ ثِقَات، رَوَاهُ أَحْمَد، وَابْن مَاجَة وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ، وَالتَّعْجِيلَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَمْرُ إِرْشَادِ. وَعَكَسَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: الْإِبْرَادُ أَفْضَلُ، وَحَدِيثُ خَبَّابٍ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَهُوَ الصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ. وَلَا اِلْتِفَاتَ إِلَى مَنْ قَالَ: التَّعْجِيلُ أَكْثَرُ مَشَقَّةً، فَيَكُونُ أَفْضَل؛ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْأَشَقِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَخَفُّ أَفْضَلُ، كَمَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ([9]). إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ (2): قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَوْ يُقَالُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَلَعَلَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا مَعَ الْعَصْرِ([10]). عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«أَبْرِدْ» ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ:«أَبْرِدْ» حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيُّ:« أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ: " أَبْرِدْ "، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:" أَبْرِدْ فِي الظُّهْرِ "» صَحِيحٌ ([11])، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:«(تَتَفَيَّأُ) تَتَمَيَّلُ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([12]). قَالَ الْعَلاَّمَةُ محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي- حَفِظَهُ اللَّهُ-: (( العلة في ذلك أنه وقت يفوح فيه حر جهنم، ولهيبها، وهو ظاهر قوله:« إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، وكونها ساعة يفوح فيها لَهَب جهنم وحرها، وهذه العلة هي أوضح ما يُعَلَّلُ به الأمر "بالإبراد"، لكون الحديث نصًا فيها، فلا معنى للتعليل بغيرها، فحينئذ يستوي في الحكم الجماعةُ، والمنفرد، والحضري، والمسافر، فالقول بالعموم هو الراجح. والله أعلم )) ([13]). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( فَيْحُ جَهَنَّمَ: غَلَيَانُهَا، وَانْتِشَارُ لَهَبِهَا وَوَهَجِهَا، وسَجْرُ جَهَنَّمَ سَبَبُ فَيْحِهَا، وَفَيْحُهَا سَبَبُ وُجُودِ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَهُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ سَلْبِ الْخُشُوعِ فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهَا، والتَّعْلِيلُ إِذَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، وَجَبَ قَبُولُهُ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ ))([14]). إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ (3): عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«أَبْرِدْ» ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ:«أَبْرِدْ» حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([15]). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ:« كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي السَّفَرِ، فَقُلْنَا: زَالَتِ الشَّمْسُ، أَوْ لَمْ تَزُلْ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ » صَحِيحٌ ([16])، قَالَ الْعَلاَّمَةُ محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي- حَفِظَهُ اللَّهُ-: (( أجيب بأن حديث أنس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، محمول على أيام البرد، وحديث أبي ذر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، على أيام اشتداد الْحَرّ، فلا تعارض. والله أعلم )) ([17]). قُلْتُ: وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ» صَحِيحٌ ([18])، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَايَةِ الْإِبْرَادِ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَمْتَدَّ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ ))([19]). هذا والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- " الهاجرة " : هي شدة الحر بعد الزوال. مأخوذة من هجر الناس أعمالهم لشدة الحر. 2- " نقية " : صافية، لم تدخلها صفرة ولا تغير. 3- " إذا وجبَت " : سقطت وغابت، يعنى الشمس. 4- " الغلس " : بفتح الغين واللام، ظلام آخر الليل مع ضياء الصبح. [5]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ وَقْتِ المَغْرِبِ، برقم 560، وَكِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا، برقم 565، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ التَّغْلِيسُ، وَبَيَانِ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، برقم 646. [6]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، برقم 536، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم 616. [7] - أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ، برقم 619. 6- أَخْرَجَهُ: (حب) 1505 [قال الألباني]: صحيح - "الروض" (1049). [9]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 304).ط. دار المعرفة – بيروت. [10]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 309).ط. دار المعرفة – بيروت. 7- أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ، أَبْوَابُ الصَّلاَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، برقم (158)، انظر صحيح سنن التِّرْمِذِيُّ: 158. [12]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ، برقم 539، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم 615. [13]- انْظُرْ: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (6/ 531) .ط. دار آل بروم للنشر والتوزيع. [14]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 304).ط. دار المعرفة – بيروت. [15]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ، برقم 539، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم 615. 16- أَخْرَجَهُ: (د) 1204،(حم) 12132، انظر الصَّحِيحَة: 2780. [17]- انْظُرْ: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (6/ 508) .ط. دار آل بروم للنشر والتوزيع. 18- أَخْرَجَهُ: النسائي، كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ، بَابُ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي الْبَرْدِ، برقم (499)، انظر صحيح سنن النسائي: 499. [19]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 309).ط. دار المعرفة – بيروت.
  11. [ مقال ]

    بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: « أُذِنَ لِى أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ([1]) مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ([2]) » صَحِيحٌ ([3]). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ السَّابِعَةَ، وَالْعَرْشُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ كُنْتَ؟ وَأَيْنَ تَكُونُ ؟ » صَحِيحٌ ([4]). وَعَنْهُ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيكٍ ([5]) قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ ([6]) وعُنُقُهُ مُنْثَنٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَهو يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَكَ رَبَّنَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ: لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ([7]) مَنْ حَلَفَ بِي كَاذِبًا » صَحِيحٌ ([8]). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رُمِيَ بِنَجْمٍ ([9]) فَاسْتَنَارَ ([10]) فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ »، قُلْنَا: كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا قَضَى أَمْرًا، سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ ([11]) أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟، فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ، قَالَ اللهُ:{ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ }[سبأ:23]، قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَتَخْتَطِفُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَهُ ([12]) إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ([13]) وَيُرْمَوْنَ بِهِ ([14]) فَمَا جَاءُوا بِهِ ([15]) عَلَى وَجْهِهِ ([16]) فَهُوَ حَقٌّ ([17])، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ وَيَزِيدُونَ ([18]) » صَحِيحٌ ([19]). عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ:« حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ يَتَجَاوَبُونَ بِصَوْتٍ حَسَنٍ رَخِيمٍ، قَالَ فَيَقُولُ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَتَقُولُ الْأَرْبَعَةُ الْآخَرُونَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ »([20]). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَدَّقَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ : رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ*** وَالنِّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : صَدَقَ . فَقَالَ: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ***حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ تَأْبَى فَمَا تَطْلُعُ لَنَا فِي رِسْلِهَا *** إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: صَدَقَ. ([21]) قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/20 ، 21): فَإِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ البَيْهَقِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) بعد أن أورد هذا الحديث فِي بَابِ مَا ذُكِرَ فِي الْقَدَمِ وَالرِّجْلِ:(( فَهَذَا حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْكُرْسِيَّ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ أَسَدٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ ثَوْرٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ نَسْرٍ، فَكَأَنَّهُ ـ إِنْ صَحَّ ـ بَيَّنَ أَنَّ الْمَلَكَ الَّذِي فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَالْمَلَكَ الَّذِي فِي صُورَةِ ثَوْرٍ، يَحْمِلَانِ مِنَ الْكُرْسِيِّ مَوْضِعَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، وَالْمَلَكُ الَّذِي فِي صُورَةِ النَّسْرِ، وَالَّذِي فِي صُورَةِ الْأَسَدِ وَهُوَ اللَّيْثُ، يَحْمِلَانِ مِنَ الْكُرْسِيِّ مَوْضِعَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى، أَنْ لَوَ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ ذَا رِجْلَيْنِ )). انتهى (2/207-208) بتحقيق عبد الله بن محمد الحاشدي وقد صحح المحقق الحديث، بتقدم الْعَلاَّمَةُ مُقْبِلُ الوَادِعِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-،ط. مكتبة السوادي، جدة - المملكة العربية السعودية. قَالَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتَاوَى (نُوْرٌ عَلَى الدَّرْبِ)، (1/ 133) السُّؤَال الثَّانِي مِنْ شَرِيْطٍ رَقَم (140): العرش عند أهل العلم في اللغة العربية هو الكرسي، الكرسي العظيم، كرسي الملك والمراد بعرش الرحمن كرسي عظيم ......... له قوائم وله حملة من الملائكة يحملونه، والله فوق العرش - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كما قال - عَزَّ وَجَلَّ-:{ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }[طه:5]، وقال -سُبْحَانَهُ-:{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ }[يونس: 3]، فهو كرسي عظيم مخلوق عظيم لا يعلم مدى عظمه وسعته إلا الذي خلقه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وهو كالقبعة على العالم وهو سقف العالم كله، وهو سقف الجنة أيضاً وهو سقف العالم وليس فوقه شيء سوى الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، هذا هو العرش الكرسي العظيم الذي تعرفه العرب، كما قال في قصة بلقيس:{ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }[النمل: 23]، فكراسي الملوك يقال لها عروش، لكن عرش لله لا يشابهه شيء من عروش المخلوقين، ولكنه في الجملة يعرف من حيث اللغة .... إِلَى أَنْ قَالَ-رَحِمَهُ اللَّهُ- : لكنه عرش عظيم مخلوق عظيم له حملة من الملائكة كما قال الله - جَلَّ وَعَلَا-:{ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }[الحاقة: 17]، يوم القيامة، والمشهور أنه في الدنيا يحلمه أربعة، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي شِعْرِهِ الْمَعْرُوفُ الَّذِي أَنْشَدَهُ..... النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَقَرَّ بِهِ : رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ*** وَالنِّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ يعني أربعة أملاك في صور ما ذكر، أحدهم هو الرجل، والثاني في صورة ثور، والثالث بصورة نسر، والرابع بصورة أسد. رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ*** وَالنِّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ هذه المخلوقات تسمى ملائكة خلقهم الله لحمل هذا العرش....، فنص القرآن أن هذا يكون يوم القيامة كَمَا قَالَ-سُبْحَانَهُ-:{ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }[الحاقة: 17]، يومئذٍ يوم القيامة، فدل ذلك على أنه في الدينا أربعة، ويوم القيامة يكون ثمانية، والله المستعان والله أعلم. قَالَ الْعَلاَّمَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي التَّفْسِيْرِ (ص732).ط. مؤسسة الرسالة:(( وفي ضمن ذلك، الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم، ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم فقال:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ }[غافر:7]، أي: عرش الرحمن، الذي هو سقف المخلوقات، وأعظمها، وأوسعها، وأحسنها، وأقربها من الله تعالى، الذي وسع الأرض والسموات، والكرسي. وهؤلاء الملائكة، قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة، وأعظمهم، وأقواهم. واختيار الله إياهم، لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه، يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة، عَلَيْهِمُ السَّلامُ)). هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] - العَاتِق: مَا بَيْن الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى أَصْل الْعُنُق. عون المعبود - (10/244). [2] - أَيْ: مَسِيرَة سَبْع مِائَة عَام بِالْفَرَسِ الْجَوَاد، كَمَا فِي خَبَر آخَر، فَمَا ظَنُّكَ بِطُولِهِ، وَعِظَمِ جُثَّته. عون المعبود (10/244). [3] - أَخْرَجَهُ: أبو داود (4/232 ، رقم 4727) ، وابن عساكر (43/60). وأخرجه أيضًا : ابن أبى حاتم كما في تفسير ابن كثير (4/415)، قال ابن كثير: هذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات. وأبو الشيخ (3/948 ، رقم 476). قال الحافظ في الفتح (8/665): إسناده على شرط الصحيح. انْظُرْ: صَحِيح الْجَامِع: 854، الصَّحِيحَة: 151. [4] - أَخْرَجَهُ: أبو يعلى (11/496 ، رقم 6619). قال الهيثمي (1/80): رجاله رجال الصحيح، انْظُرْ: الصَّحِيحَة تحت ح (150). 5- أَيْ: أذن لي أن أحدث عن عظمة جثة ديك من خلق الله تعالى، يعني عن ملك في صورة ديك، وليس بديك حقيقة كما يصرح به قوله في رواية " إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكًا فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : الدِّيكُ إلخ ". فيض القدير (2/ 263). 6- أَيْ: وصلتا إليها وخرقتاها من جانبها الآخر. قال في الصحاح: مرَقَ السهمُ: خرج من الجانب الآخر. فيض القدير (2/ 263). 7- أَيْ: لا يعلم عظمة سلطاني وسطوة انتقامي (من حلف بي كاذبا).فيض القدير (2/ 263). [8] - أَخْرَجَهُ: الطبراني في الأوسط (7/220 ، رقم 7324)، قال المنذري (2/389): إسناد صحيح. وقال الهيثمي (4/180): رجاله رجال الصحيح. وقال في موضع آخر (8/134): رجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبرانى محمد بن العباس بن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه، قَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الصَّحِيْحَةِ تحت ح ( 150) قُلْتُ: وقد عرفناه والحمد لله، وأنه ثقة متقن، فصح الحديث، والموفق الله تعالى. وأخرجه أبو الشيخ (3/1003، رقم 524)، والحاكم (4/330 ، رقم 7813)، وقال: صحيح الإسناد، انْظُرْ: صَحِيح الْجَامِع: 1714، الْصَّحِيْحَةِ: 150، صَحِيح الْتَّرْغِيْبِ وَالْتَّرْهِيْبِ:1839. قُلْتُ: وَأَنْتَ تَرَىَ أَنْ إِسْنَادَيْ الْحَدِيْثَيْنِ وَاحِدٌ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْ الْمُتَأَخِّرِيَنَ، مِنْ صَحَّحَهُمَا؛ وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْمِلْكَ الَّذِيْ فِيْ الْحَدِيْثِ الْأَوَّلِ، خَلَقَهُ الْلَّهُ عَلَىَ صُوْرَةِ الْدِّيْكِ الَّذِيْ فِيْ الْحَدِيْثِ الْثَّانِيْ، فَالْحَدِيْثَانِ –عَلَىَ ذَلِكَ– مَخْرَجُهُمَا وَاحِدٌ، سَنَدا وَمَتْنا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَىَ أَنَّ بَعْضَ الْرُّوَاةِ أَخْطَأَ فَأَبْدَلَ إِحْدَىَ الْلَّفْظَتَيْنِ بِالْأُخْرَى : " لَعَلَّ بَعْضَ الْرُّوَاةِ أَبْدَلَ لَفْظَةَ " دِيَكْ " بِـ " مُلْكُ " أَوْ الْعَكْسِ . وَالْلَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا حَدِيْثَانِ مُخْتَلِفَانِ ، فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيْفٌ ؛ لِأَنَّ الْسَّنَدِ فِيْهِمَا وَاحِدٌ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ الْلَّهُ- : (( وَإِذَا اتَّحَدَ مَخْرَجَ الْحَدِيْثِ وَلَا سِيَّمَا فِيْ أوَاخِرِ الْإِسْنَادِ بَعُدَ الْحَمْلُ عَلَىَ التَّعَدُّدِ جِدًّا (( انْتَهَىَ مِنْ "فَتْحِ الْبَارِيْ" (13/108). [9] - (رُمِيَ بِنَجْمٍ) أَيْ: قُذِفَ بِهِ ، وَالْمَعْنَى: اِنْقَضَّ كَوْكَبٌ. تحفة (8/68). [10] - أَيْ: فَاسْتَنَارَ الْجَوُّ بِهِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [11] - أَيْ: صَوْتُهُ. تحفة الأحوذي - (8/68). [12] - أَيْ: مَا سَمِعُوهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [13] - مِنْ الْكَهَنَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ. تحفة الأحوذي - (8/68). [14] - أَيْ: يُقْذَفُونَ بِالشُّهُبِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [15] - أَيْ: أَوْلِيَاؤُهُمْ. تحفة الأحوذي - (8/68). [16] - أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [17] - أَيْ: كَائِنٌ وَاقِعٌ. تحفة الأحوذي - (ج 8 / ص 68). [18] - أَيْ: يَزِيدُونَ فِيهِ دَائِمًا كِذْبَاتٍ أُخَرَ مُنْضَمَّةً إِلَيْهِ. تحفة الأحوذي(8/68). [19] - أَخْرَجَهُ: (م) 2229 ،(ت) 3224 . [20] - قَالَ الْعَلاَّمَةُ الألباني -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَعْلِيْقِهِ عَلَى « مُخْتَصَرُ العُلُوِّ لِلذَّهَبِيِّ »(ص 75).ط. المكتب الإسلامي - بيروت:(( سنده قوي)). [21] - قَالَ الْعَلاَّمَةُ أحمَد محمَّد شَاكِر-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَحْقِيْقِهِ لِلمُسْنَدِ (3/58) ح(2314).ط. دار الحديث – القاهرة: إسناد"صحيح، يعقوب بن عبتة بن المغيرة بن الأخنس: ثقة، له أحاديث كثيرة وعِلم بالسيرة، ترجمه البخاري في الكبير 4/ 2 / 389. وفي ح "عتيبة" بدل "عتبة" وهو تصحيف، وفيها"عن عكرمة بن عباس"، وهو خطأ واضح، صححناهما من ك ومن المراجع الآخر. والحديث في مجمع الزوائد 8: 127 وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس". ورواه صاحب الأغاني مختصراً عن جرير الطبري عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق (4: 128 من طبعة دار الكتب). أمية: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر المشهور، ترجمه الحافظ في القسم الرابع حرف الألف من الإصابة: 1/ 133 - 134 وذكر أن ابن السكن ذكره في الصحابة لأنه لم يدركه الإسلام وقد صدقه النبي في بعض شعره، وأشار إلى هذا الحديث. ثم ذكر الحافظ من حديث أبي هريرة مرفوعاً من صحيح البخاري ح(3841)، ومسلم ح (2256): " وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ". ثم عقب على ابن السكن بما ثبت أنه مات في السنة التاسعة "ولم يختلف أصحاب الأخبار أنه مات كافراً، وصح أنه عاش حتى رثى أهل بدر". وله ترجمة في الشعراء لابن قتيبة بتحقيقنا 429 - 433. وقول أمية في البيت الأول "رجل" إلخ، فهو بالراء والجيم، وفي الحيوان للجاحظ (6: 221 - 222 بتحقيق الأستاذ عبد السلام محمد هرون): "قالوا: وقد جاء في الخبر أن من الملائكة من هو في صورة الرجال، ومنهم من هو في صورة الثيران، ومنهم من هو في صورة النسور، ويدل على ذلك تصديق النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لأمية بن أبي الصلت حين أنشد" وذكر البيت. وانظر الخزانة للبغدادي 1: 120. ووقع في الإصابة ومجمع الزوائد "زحل" بالزاي والحاء، وهو تصحيف من الناسخين أو الطابعين. وقوله في البيت الثالث "في رسلها" الرسل، بكسر الراء وسكون السين: الرفق والتؤدة. ورواية ابن قتيبة والخزانة* ليست بطالعة لهم في رسلها. وقال ابن قتيبة: "يقولون: إن الشمس إذا غربت امتنعت من الطلوع، وقالت: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، حتى تدفع وتجلد فتطلع"! هكذا قال، وما ندري ما وجهه. وفي ح "تأتي" بدل "تأبى" وهو تصحيف، صححناه من ك ومجمع الزوائد والأغاني 3: 130.
  12. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/15) فِيمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ خَلْقِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ }[غَافِرٍ:15]، وَقَالَ تَعَالَى:{ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ }[الْمُؤْمِنُونَ:116]، وَقَالَ اللَّهُ:{ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }[النَّمْلِ:26]، وَقَالَ:{ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ }[الْبُرُوجِ:14]، وَقَالَ تَعَالَى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }[طه:5]، وَقَالَ:{ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ }[الْأَعْرَافِ:54]، فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ تَعَالَى:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا }[غَافِرٍ:7]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }[الْحَاقَّةِ:17]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }[الزُّمَرِ:75]، وَقَالَ تَعَالَى:{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } [المؤمنون:86]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ }[البقرة:255]، وَفِي الدُّعَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ:« لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([1]). وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ([2])، وَمِنْهُ([3]) تَنْفَجِرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الْأَرْبَعَةُ ([4]) وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ »([5])، أَيْ: وَأَعْلَاهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: أَنَّ أَهْلَ الْفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أَطِيطَ الْعَرْشِ([6])، وَهُوَ تَسْبِيحُهُ وَتَعْظِيمُهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([7])، وَفِي رِوَايَةٍ:« مِنْ فَرَحِ الرَّبِّ -عَزَّ وَجَلَّ- » صَحِيحٌ ([8]). قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: (( لَمَّا مَاتَ اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ فَرَحًا بِقُدُومِ رُوحِهِ )) ([9]). وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ الْحَافِظِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ-رَحِمَهُ اللَّهُ-، فِي " كِتَابِ صِفَةِ الْعَرْشِ" عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، بُعْدُ مَا بَيْنَ قُطْرَيْهِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَذَكَرْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }[الْمَعَارِجِ:4]، أَنَّهُ بُعْدُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَنَّ اتِّسَاعَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. شُبْهَةُ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا(1): قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/19): (( وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الْعَرْشَ فَلَكٌ مُسْتَدِيرٌ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَرُبَّمَا سَمَّوْهُ الْفَلَكَ التَّاسِعَ وَالْفَلَكَ الْأَطْلَسَ وَالْأَثِيرَ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ لَهُ قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْفَلَكُ لَا يَكُونُ لَهُ قَوَائِمُ وَلَا يُحْمَلُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فَوْقَ الْجَنَّةِ، وَالْجَنَّةُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَفِيهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَالْبُعْدُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ لَيْسَ هُوَ نِسْبَةُ فَلَكٍ إِلَى فَلَكٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَرْشَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ السَّرِيرِ الَّذِي لِلْمَلِكِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }[النَّمْلِ:23]. وَلَيْسَ هُوَ فَلَكًا، وَلَا تَفْهَمُ مِنْهُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فَهُوَ سَرِيرٌ ذُو قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ كَالْقُبَّةِ عَلَى الْعَالَمِ وَهُوَ سَقْفُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا }[غَافِرٍ:7])). وَأَمَّا الْكُرْسِيُّ: فَرَوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الْكُرْسِيَّ غَيْرُ الْعَرْشِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ:(( الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-))، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ الْكَبِيرِ، وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-، عَنْ أَبِي مَالِكٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: الْكُرْسِيُّ تَحْتَ الْعَرْشِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ، وَالْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ. عَظَمَةُ عَرْشِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَسَعَةُ كُرْسِيِّه: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالىَ:{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ }، قَالَ:« الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ،[وَإنَّ لَهُ أَطِيطًا ([10]) كَأَطِيطِ الرَّحْلِ ([11])]([12]) وَالْعَرْشُ لَا يَقْدُرُ أَحَدٌ قَدْرَهُ » ([13]). وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْكَ أَفْضَلُ؟، قَالَ:« آيَةُ الْكُرْسِيُّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ ([14]) وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ، كَفَضْلِ تِلْكَ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ » ([15]). وَعَنْهُ -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ: سَمِعْتَ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُوْلُ: « مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ، إِلَّا كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الْأَرْضِ »([16])، قَوْلُهُ (مَا الكُرْسِيِّ فِي العَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ): فِيْهِ بَيَانُ عَظَمَةِ العَرْشِ، وَعَظَمَتُهُ تَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ صَاحِبِهِ وَخَالِقِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللهِ - يَعْنِي عَظَمَتِهِ - وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ »([17]). وَعَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ-رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ:« بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَاَلَّتِي تَلِيْهَا خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسِيِّ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَالعَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، وَاَللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ »([18]). شُبْهَةُ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا(2): قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/25): (( وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى عِلْمِ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْكُرْسِيَّ عِبَارَةٌ عَنِ الْفَلَكِ الثَّامِنِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ فَلَكَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ، وَفِيمَا زَعَمُوهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ حَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَهَذَا لَيْسَ نِسْبَةَ فَلَكٍ إِلَى فَلَكٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْتَرِفُ بِذَلِكَ وَنُسَمِّيهِ مَعَ ذَلِكَ فَلَكًا فَنَقُولُ الْكُرْسِيُّ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةً عَنِ الْفَلَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ الْكُرْسِيَّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ كَالْمِرَقَاةِ إِلَيْهِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ فَلَكًا. وَمَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّ الْكَوَاكِبَ الثَّوَابِتَ مُرَصَّعَةٌ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ هَذَا مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ )). شُبْهَةُ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا(3): عَنْ عُمَرَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، امْرَأَةٌ فَقَالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ، فَعَظَّمَ الرَّبَّ، فَقَالَ:« إِنَّ كُرْسِيَّهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَمَا يَفْضُلُ عَنْهُ مِقْدَارُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ، ثُمَّ قَالَ بِأَصَابِعِهِ يَجْمَعُهَا، وَإِنَّ لُهَ أَطِيطًا كَأَطِيطِ الرَّحْلِ الْجَدِيدِ إِذَا رُكِبَ »([19]). وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الضعيفة تحت رقم (865): فاعلم أن إقعاده -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، على العرش ليس فيه إلا هذا الحديث الباطل، وهو ما يروى عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنه قال:« يجلسني على العرش » تفسيراً لقوله تعالى:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا}[الإسراء:79]، وأما قعوده تعالى على العرش فليس فيه حديث يصح، ولا تلازم بينه وبين الاستواء عليه كما لا يخفى. هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ الكَرْبِ، برقم 6346، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، بَابُ دُعَاءِ الْكَرْبِ، برقم 2730. 2- الْمُرَاد بِالْأَوْسَطِ هُنَا: الْأَعْدَل، وَالْأَفْضَل، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا}، فَعَطَفَ الْأَعْلَى عَلَيْهِ لِلتَّاكِيدِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِأَحَدِهَا: الْعُلُوُّ الْحِسِّيّ، وَبِالْآخَرِ: الْعُلُوّ الْمَعْنَوِيّ. وَقَالَ ابْن حِبَّانَ: الْمُرَادُ بِالْأَوْسَطِ: السَّعَة، وَبِالْأَعْلَى الْفَوْقِيَّة. فتح الباري (8/ 377).ط. دار المعرفة – بيروت. 3- أَيْ: مِنْ الْفِرْدَوْس. فتح الباري (8/ 377).ط. دار المعرفة – بيروت. 4- أَيْ: أُصُولُ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ الْمَاءِ، وَاللَّبَنِ، وَالْخَمْرِ، وَالْعَسَلِ. تحفة الأحوذي (6/321).ط. دار الكتب العلمية – بيروت. [5] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ}[هود: 7]،{وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ}[التوبة: 129]، برقم 7423. [6] - قَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في تعليقه على «شرح العقيدة الطحاوية»(ص 278):(( لا يصح في أطيط العرش حديث مرفوع )). قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/18):(( وَقَدْ صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ جُزْءًا فِي الرَّدِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ سَمَّاهُ بِـ( بَيَانِ الْوَهْمِ وَالتَّخْلِيطِ الْوَاقِعِ فِي حَدِيثِ الْأَطِيطِ ) وَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي الطَّعْنِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ رَاوِيهِ، وَذَكَرَ كَلَامَ النَّاسِ فِيهِ )). [7]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ مَنَاقِبِ الأَنْصَارِ، بَابُ مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، برقم 3803، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْفَضَائِلِ، بَابُ مِنْ فَضَائِلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، برقم 2466. [8] - أَخْرَجَهُ: تمام في " الفوائد " (3/ 2)، انظر الصَّحِيحَة: 1288. [9] - انْظُرْ: "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى"(33/ 41).ط. الملك فهد. 10- الأَطِيطُ: نَقِيضُ صوتِ المَحامِلِ والرِّحالِ إِذا ثَقُل عليها الرُّكبان، وأَطَّ الرَّحْلُ والنِّسْعُ يَئِطُّ أَطّاً وأَطِيطاً: صَوَّتَ، وكذلك كلُّ شيء أَشْبَهَ صَوتَ الرَّحْلِ الجديد. لسان العرب - (7/256). 11- الرحْل: ما يوضع على ظهر البعير للركوب. 12- ما بين القوسين صححه الألباني في مختصر العلو ص: 75. 13- (ك) 3116، وصححه الألباني في تَخْرِيجِ الطَّحَاوِيَّة ص: 311. 14- الفلاة: الصحراء والأرض الواسعة التي لَا ماء فيها.. 15- (حب) 361، انظر الصَّحِيحَة: 109، وتخريج الطحاوية ص54، ومختصر العلو ح36. قَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الصحيحة تحت رقم (109): والحديث خَرَج مَخْرَجَ التفسير لقوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}، وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه جُرْمٌ قائم بنفسه، وليس شيئا معنويا، ففيه ردٌّ على من يتأوله بمعنى المُلك، وسعة السلطان، كما جاء في بعض التفاسير، وما رُوِي عن ابن عباس أنه العلم، فلا يصح إسناده إليه. ثم قَالَ-رَحِمَهُ اللهُ-: واعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث، كما في بعض الروايات أنه موضع القدمين، وأن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد، وأنه يحمله أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ... إلخ فهذا كله لا يصح مرفوعاً عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وبعضه أشد ضعفاً من بعض.أ. هـ. 16- (صَحِيْحٌ. تَفْسِيْرُ الطَّبَرِيِّ (5794). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ (العَرْشُ) (432). الصَّحِيْحَةُ (109)، تَخْرِيجِ الطَّحَاوِيَّة ص312). قَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي التَّعْلِيْقِ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ (ص54):(( وَأَمَّا الكُرْسِيُّ فَفِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} (البقرة:255)، وَالكُرْسِيُّ هُوَ الَّذِيْ بَيْنَ يَدَي العَرْشِ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوْفًا عَلِيْهِ مِنْ قَوْلِهِ (الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، وَالعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللهُ تَعَالَى). وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي كِتَابِي (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ لِلذَّهَبِيِّ) وَلَمْ يَصِحَّ فِيْهِ مَرْفُوْعًا سِوَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ). وَذَلِكَ مِمَّا يُبْطِلُ أَيْضًا تَأْوِيْلَ الكُرْسِيِّ بِالعِلْمِ، وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا التَّأْوِيْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الصَّحِيْحَةِ (109)). 17- (طس) 6456 , انظر الصَّحِيحَة: 1788. 18- (إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. (التَّوْحِيْدُ) (244/ 1) (885/ 2) لِابْنِ خُزَيْمَةَ. اُنْظُرْ كِتَابَ (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ) لِلشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ص103)) قَالَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ: (وَلَهُ طُرُقٌ). ((العُلُوُّ) (ص45) لِلذَّهَبِيِّ)، قُلْتُ: وصححه ابن باز في شرح كتاب التوحيد لابن باز - الصفحة أو الرقم: 389 وقال: صحيح جيد، وابن عثيمين في مجموع فتاوى - الصفحة أو الرقم: 1125/10 وقال: موقوف له حكم الرفع. 19- منكر، قال الإمام الذهبي في «العلو العلي للغفَّار» (1/ 413): هذا حديث غريب جدًّا، وابن إسحاق حجَّة في المغازي إذا أسنَدَ، وله مناكير وغرائب.أنظر: الضعيفة برقم (866). قُلْتُ: ذكر شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ-رَحِمَهُ اللَّهُ- أن بعض المحدثين رووها بلفظ : "إلا أربع أصابع" .فهذه تثبت (الأربع)، وتلك تنفيها - كما هو ظاهر - فضعف الشَيْخُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- الحديث بالروايتين لاضطرابهما ، مع ملاحظته أن المعنى الذي كل منهما لا يليق بجلال الله وعظمته فَقَالَ: (( فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ إلَّا اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ ؛ هَذِهِ تَنْفِي مَا أَثْبَتَتْ هَذِهِ ،[ يعني تكفي في تضعيفه ]، وَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمِ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَرَادَ الْإِثْبَاتَ، وَأَنَّهُ يَفْضُلُ مِنْ الْعَرْشِ أَرْبَعُ أَصَابِعَ لَا يَسْتَوِي عَلَيْهَا الرَّبُّ ! وَهَذَا مَعْنًى غَرِيبٌ لَيْسَ لَهُ شَاهِدٌ قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ ، بَلْ هُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعَرْشُ أَعْظَمَ مِنْ الرَّبِّ وَأَكْبَرَ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِلْعَقْلِ . وَيَقْتَضِي أَيْضاً أَنَّهُ إنَّمَا عَرَفَ عَظَمَةَ الرَّبِّ بِتَعْظِيمِ الْعَرْشِ الْمَخْلُوقِ ، وَقَدْ جَعَلَ الْعَرْشَ أَعْظَمَ مِنْهُ ، فَمَا عَظُمَ الرَّبُّ إلَّا بِالْمُقَايَسَةِ بِمَخْلُوقِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ الرَّبِّ . وَهَذَا مَعْنًى فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ . فَإِنَّ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ عَظَمَةَ الرَّبِّ ،وَأنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مَا يَعْلَمُ عَظَمَتَهُ ، فَيَذْكُرُ عَظَمَةَ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الرَّبَّ أَعْظَمُ مِنْهَا )) انْظُرْ: "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى"(16/ 436).ط. الملك فهد، بواسطة الضعيفة تحت رقم (6465).
  13. رحم الله تعالى شيخي، فقد كان -رحمه الله- صاحب قلم سيال ، مذ أن جلست بين يديه ما رأيته أغمد حسامه قط ، يضرب رقابا ، ويقوم إعوجاجا ، ويهدى شريدا ، ويرشد بليدا، وينصح برفق ، ويضرب في عقر ، وسائده الكتاب ، وشملته القراطيس . يرمي بسواطع الحجة والبيان أصحاب البدع وسكارى الهوى العميان.
  14. بارك الله فيكم سددكم
  15. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَعَنْ عَائِشَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، قَالَتْ: « لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ؛ مِنَ الغَلَسِ ([1])» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([2]). وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« أَسْفِرُوا([3]) بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ » صَحِيحٌ ([4]). اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَفْضَلِ فِي وَقْتِ صَلاَةِ الْفَجْرِ: الْإِسْفَار، أَم التَّغْلِيس ؟ قَالَ الْإِمَامُ التِّرْمِذِىُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- عَقِبِ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: وَقَدْ رَأَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَالتَّابِعِينَ الإِسْفَارَ بِصَلاَةِ الْفَجْرِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ. وَقَالَ: الشَّافِعِىُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ مَعْنَى الإِسْفَارِ أَنْ يَضِحَ الْفَجْرُ فَلاَ يُشَكَّ فِيهِ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ مَعْنَى الإِسْفَارِ تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ. وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في الثمر المستطاب - (1 / 81- 85): الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ » أي: اخرجوا منها في وقت الإسفار وذلك بإطالة القراءة فيها، وهذا التأويل لا بد منه ليتفق قوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، هذا مع فعله الذي واظب عليه من الدخول فيها في وقت الغلس كما سبق وهو الذي رجحه الحافظ ابن القيم في (إعلام الموقعين)، وسبقه إلى ذلك الإمام الطحاوي من الحنفية وأطال في تقرير ذلك (1/ 104 - 109) وقال: (وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى)، وإن كان ما نقله عن الأئمة الثلاثة مخالفا لما هو المشهور عنهم في كتب المذهب من استحباب الابتداء بالإسفار، وقد مال إلى هذا الجمع أيضا من متأخري الأحناف العلامة أبو الحسنات اللكنوي علامة الهند المتوفى (1304 هـ) في (التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد الشيباني) (42 - 44)، وَقَدْ عَلِمْتَ بما سلف أنه ليس المعنى (أَسْفِرُوا) ابتداء بل انتهاء، إلا أنه يعكر على هذا المعنى ما أخرجه ابن أبي حاتم في (العلل) (1/ 139 و 143 - 144) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لِبِلاَلٍ:« أَسْفِرْ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى يَرَى الْقَوْمُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِمْ »، وَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (3/ 427) م (4/ 76) د (1/ 305) ن (2/ 47) حم (1/ 426 و 434)، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: « مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا »، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (3/ 467) وأحمد (418 و 449) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا[أَيِ الْمُزْدَلِفَةِ]، فَصَلَّى الصَّلاَتَيْنِ كُلَّ صَلاَةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:« إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا، فِي هَذَا المَكَانِ، المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، فَلاَ يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلاَةَ الفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ»، فهذه الرواية تبين أن قوله في الرواية الأولى:(( وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا))، ليس على ظاهره لقوله في هذه:(( ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ ))، وهذا كقول جابر في حديثه الطويل:« وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، فالمراد إذن أنه صلى الفجر قبل ميقاتها المعتاد أي: إنه غلَّس تغليسًا شديدًا يخالف التغليس المعتاد، إلى حد أن بعضهم كان يشك بطلوع الفجر، ولذلك قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ (3/ 413):(( وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ مَنَعَ التَّغْلِيسَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَوَاقِيتِ التَّغْلِيسُ بِهَا، بَلِ الْمُرَادُ هُنَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَصَلَّى الصُّبْحَ مَعَ ذَلِكَ بِغَلَسٍ، وَأَمَّا بِمُزْدَلِفَةَ فَكَانَ النَّاسُ مُجْتَمِعِينَ وَالْفَجْرُ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ فَبَادَرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ مَا بَزَغَ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ طُلُوعُهُ كما في الرواية الثانية )). أ. هـ ثُمَّ قَالَ-رَحِمَهُ اللَّهُ- في" إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل " (1/287): (( وخلاصة القول أن الحديث إنما يتحدث عن وقت الخروج من الصلاة لا الدخول، فهذا أمر يستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا، نستنتج أن السنة الدخول في الغلس، والخروج في الإسفار )). هذا والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: الْغَلَسُ اخْتِلَاطُ ضِيَاءِ الصُّبْحِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ. عون المعبود (2/ 65).ط. دار الكتب العلمية - بيروت. [2]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -، كِتَابُ الصَّلاَةِ، بَابٌ: فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي الثِّيَابِ، برقم 327، وَكِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ وَقْتِ الفَجْرِ، برقم 578، وَكِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى المَسَاجِدِ بِاللَّيْلِ وَالغَلَسِ، برقم 867، وَبَابُ سُرْعَةِ انْصِرَافِ النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي المَسْجِدِ، برقم 827، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ التَّغْلِيسُ، وَبَيَانِ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، برقم 645. 3- قَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: مَعْنَى قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ أَيْ طَوِّلُوهَا بِالْقِرَاءَةِ إِلَى الْإِسْفَارِ وَهُوَ إِضَاءَةُ الصُّبْحِ انْتَهَى. عون المعبود (2/ 66).ط. دار الكتب العلمية - بيروت. [4] - أَخْرَجَهُ: أخرجه ابن أبى شيبة (1/283 ، رقم 3242) ، والترمذى (1/289 رقم 154) وقال : حسن صحيح . والطبرانى (4/249 ، رقم 4283) وابن حبان (4/357 ، رقم 1490) والبيهقى (1/457 ، رقم 1989) والنسائى (1272 رقم 548) .وصححه الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، في صحيح الجامع، ح (970)، وفي الصحيحة تحت ح (1115).