أبو بكر يوسف لعويسي

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    781
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 15

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : أبو بكر يوسف لعويسي

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

Profile Fields

  • البلـد
    الجزائر
  1. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : قال ابن أبي زيد - رحمه الله - وما يسره له من رزقه (1) وعلمه ما لم يكن يعلم (2) وكان فضل الله عليه عظيما (3) .............. ------------------------ 1 – وقوله : وما يسره له .. أي وأخرجه أيضا إلى ما يسره وسهله له من الحياة والسعي فيها، وسخر له ما في السماوات وما الأرض جميعا منه . قال عز وجل :{ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ..} (20) لقمان . وقال جل وعز في علاه :{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }(13) الجاثية . فهذه الأشياء الموجودة في السموات من شمس وقمر ونجوم وسحاب ورياح ، وهواء وأكسجين وجاذبية وغير ذلك ، وكذلك كل ما في الأرض كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه، ليكون له عبدا كما خلقه عبدا . فخلقه ويسره لما خلقه . وقال رسول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم - : (( اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلقَ لَهُ..)) البخاري (4949 - 7551) ومسلم (2647). 2– وقوله : من رزقه ..أي يسره لما خلقه له ، وتكفل له من الرزق الذي ينتفع به ، وذلك يوم كان في رحم أمه .. ثم يسر له الخروج من هناك ، ويسر له سبيل الحياة لما خلقه له ، من شقاوة وسعادة في الدارين . عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال : (( وكل الله بالرحم ملكا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أي رب، أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل، فيكتب كذلك في بطن أمه )) أخرجه البخاري (6595). وفي مسلم (2644) عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: (( وكل الله بالرحم ملكا، فيقول: أي رب نطفة، أي رب علقة، أي رب مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها، قال: أي رب، أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد، فما الرزق، فما الأجل، فيكتب كذلك في بطن أمه )). وقال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - : حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق، قال: (( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: أكتب عمله، ورزقه ، وأجله ، وشقي أو سعيد...)) البخاري (3208-3332) ومسلم (2644). ولقد كرم الله هذا الإنسان ، وحمله في البر والبحر ، ورزقه من الطيبات ويسرها له ؛ بل ضمنها له ، كما أخبر سبحانه وتعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا }(70) الإسراء . وقد أقسم الله تعالى على رزق العبد أنه حق مضمون يأتيه ولا يتأخر عنه ولا ينقص منه شيئا حتى يستوفيه فقال :{ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ }(23) الذاريات . وفي صحيح الجامع (2085) (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها ؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته)). وقال (صحيح) ... [حل] عن أبي أمامة. المشكاة 5300، فقه السيرة 96. وفي صحيح وضعيف ابن ماجة (2144): قال صحيح : الصحيحة (2607) المشكاة (5300)وصحيح الترغيب والترهيب (1698). فرزق العبد يطلبُه كما يطلبُه أجله وفي رواية أشد . عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (( إنَّ الرِّزق لَيَطْلُبُ العبدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ)). فال الشيخ الألباني : صحيح لغيره - المشكاة (5312/التحقيق الثاني) ، الصحيحة (952)و صحيح الترغيب والترهيب . وقال تعالى :{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }(58) الذاريات. وقوله – رحمه الله - وعلمه ما لم يكن يعلم (1) ... -------------------- 1 - ش / وعلم الإنسان ما لم يعلم حين أخرجه من بطن أمه .. لا يعلم شيئا من مما ينفعه ولا يضره ... قال تعالى :{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }(78). قال ابن جرير الطبري (17/265): يقول تعالى ذكره: والله تعالى أعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من بعد ما أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعقلون شيئا ولا تعلمون، فرزقكم عقولا تفقهون بها، وتميزون بها الخير من الشرّ وبصَّركم بها ما لم تكونوا تبصرون، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به بينكم والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص فتتعارفون بها وتميزون بها بعضا من بعض. (وَالأفْئِدَةَ) يقول: والقلوب التي تعرفون بها الأشياء فتحفظونها وتفكرون فتفقهون بها. قال القرطبي (10/151): قوله تعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) ذكر أن من نعمه أن أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشيء. وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها- لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم. الثاني- لا تعلمون شيئا مما قضي عليكم من السعادة والشقاء. الثالث- لا تعلمون شيئا من منافعكم . قال الخازن في تفسيره (3/91 ):قوله تعالى :{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً} تم الكلام هنا لأن الإنسان خلق في أول الفطرة، ومبدئها خاليا عن العلم والمعرفة لا يهتدي سبيلا . ثم ابتدأ فقال تعالى :{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ } يعني أن الله سبحانه وتعالى إنما أعطاكم هذه الحواس لتنتقلوا بها من الجهل إلى العلم، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب، والسنة وهي الدلائل السمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، وجعل لكم الأبصار لتبصروا بها عجائب مصنوعاته، وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا بها على وحدانيته. وجعل لكم الأفئدة لتعقلوا بها، وتفهموا معاني الأشياء التي جعلها دلائل وحدانيته، وقال ابن عباس: في هذه الآية يريد لتسمعوا مواعظ الله وتبصروا ما أنعم الله به عليكم من إخراجكم من بطون أمهاتكم، إلى أن صرتم رجالا وتعقلوا عظمة الله . وقيل في معنى الآية : والله خلقكم في بطون أمهاتكم وسواكم وصوركم، ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة، وجعل لكم الحواس آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم به في الآخرة. وقال :{ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } (31) البقرة . قال ابن كثير (1/222-223): وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: عَرَضَ عَلَيْهِ أَسْمَاءَ وَلَدِهِ إِنْسَانًا إِنْسَانًا، وَالدَّوَابِّ، فَقِيلَ: هَذَا الْحِمَارُ، هَذَا الْجَمَلُ، هَذَا الْفَرَسُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: هي هذه الأسماء التي يتعارف بِهَا النَّاسُ: إِنْسَانٌ، وَدَابَّةٌ، وَسَمَاءٌ، وَأَرْضٌ، وَسَهْلٌ، وَبَحْرٌ، وَجَمَلٌ (1) ، وَحِمَارٌ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمَمِ وَغَيْرِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ الصَّحْفَةِ والقِدر، قَالَ: نَعَمْ حَتَّى الْفَسْوَةَ والفُسَيَّة (2) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ دَابَّةٍ، وَكُلِّ طَيْرٍ، وَكُلِّ شَيْءٍ. وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَالَ الرَّبِيعُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَسْمَاءُ الْمَلَائِكَةِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ الشَّامِيُّ: أَسْمَاءُ النُّجُومِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ كُلِّهِمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ وَأَسْمَاءَ الذُّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} وَهَذَا عِبَارَةٌ عَمَّا يَعْقِلُ. وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَ بِهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَيُعَبَّرَ عَنِ الْجَمِيعِ بِصِيغَةِ مَنْ يَعْقِلُ لِلتَّغْلِيبِ. كَمَا قَالَ: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النُّورِ: 45] . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا: ذَوَاتَهَا وَأَفْعَالَهَا؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَتَّى الْفَسْوَةَ والفُسَية. يَعْنِي أَسْمَاءَ الذَّوَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمُكَبَّرُ وَالْمُصَغَّرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ (4476) : عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ -: "يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ : لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا؟ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ : أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ويذكر ذنبه فيستحي؛ ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ...)) الحديث ورواه مسلم . قال : وَوَجْهُ إِيرَادِهِ هَاهُنَا وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ"، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ} يَعْنِي: الْمُسَمَّيَاتُ؛ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. وقال عز من قائل :{ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ }(4) الرحمن . قال البغوي في تفسيره (4/330): عَلَّمَهُ الْبَيانَ النُّطْقَ وَالْكِتَابَةَ وَالْفَهْمَ وَالْإِفْهَامَ حَتَّى عَرَفَ مَا يَقُولُ وَمَا يُقَالُ لَهُ، هَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ وَابْنِ زَيْدٍ وَالْحَسَنِ ، وَقَالَ السُّدِّيُّ عَلَّمَ كُلَّ قَوْمٍ لِسَانَهُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُونَ بِهِ. قال السعدي (1/828): {عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} أي: التبيين عما في ضميره، وهذا شامل للتعليم النطقي والتعليم الخطي، فالبيان الذي ميز الله به الآدمي على غيره من أجل نعمه، وأكبرها عليه. وقال تعالى :{..الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }(5) العلق . قال ابن كثير (8/437): وَأَنَّ مِنْ كَرَمه تَعَالَى أَنْ عَلّم الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، فَشَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ بِالْعِلْمِ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي امْتَازَ بِهِ أَبُو الْبَرِيَّةِ آدَمُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَالْعِلْمُ تَارَةً يَكُونُ فِي الْأَذْهَانِ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي اللِّسَانِ، وَتَارَةً يَكُونُ فِي الْكِتَابَةِ بِالْبَنَانِ.. قال الحكمي في الميمية : الحمد لله رب العالمين على - - - آلائه وهو أهل الحمد والنعم ذي الملك والملكوت الواحد الصمد الـــ - - - بر المهمين مبدي الخلق من عدم من علّم النّاس ما لا يعلمون وبالــ - - - بيان أنطقهم والخط بالقلم إلى أن قال : وكان فضل أبينا في القديم على الـ - - - أملاك بالعلم من تعليم ربهم . فالله تعالى يمتن على عباده بأن أخرجهم من بطون أمهاتهم جهلة لا يعلمون شيئا وجعل لهم آلات التلقي ، وهي السمع والبصر والفؤاد ، فيسمعون العلم ويبصرونه ويَفهمون ، ويُفهِمون ، ومنّ عليهم بأن يسر لهم أدوات الطلب والتحصيل ، من القلم والقرطاس والحبر ، حتى يرفع عنهم الجهل ، ويعلمون الحلال والحرام ، وما يحتاجونه في دينهم ودنياهم ، وهذه من النعم العظيمة التي تفضل الله العظيم بها على عباده ن ولكن أكثر النّاس لا يعلمون .. 3- وقوله : وكان فضل الله عليه عظيما (1) .. ----------------------- شرح : فَضْلُ الله على عبده ؛ معناه ما تفضل به عليه منذ أن كان في رحم أمه إلى أن أصبح راشدا قويا مكلفا ؛ بل فضله عليه بالنعم التي لا تحصى ولا تعد باق مستمر معه إلى أن يموت ، وكل ما أنعم به عليه كان فضلا لا استحقاقا ، وفضله سبحانه على عبده عظيم . قال تعالى {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا }(113) النساء . وقال تعالى :{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا }(70) الإسراء. قال السعدي (1/463): وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادر قدره حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ} على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب البرية. {وَ} في {الْبَحْرِ} في السفن والمراكب {وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} من المآكل والمشارب والملابس والمناكح. فما من طيب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أكرمهم الله به ويسره لهم غاية التيسير. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} بما خصهم به من المناقب وفضلهم به من الفضائل التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات. أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ودفع النقم ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم بل ربما استعانوا بها على معاصيه. {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (83) النساء. {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ }(10)النور . {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }(20) النور . {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }(29)الحديد. وقال تعالى :{ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} (12) الإسراء . وقال سبحانه :{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا }(47)الأحزاب . وقال سبحانه :{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (4)الجمعة . يتبع إن شاء الله
  2. تحفة الأكياس بالميزان الحقيقي الذي يوزن به النّاس

    العدل في جميع الحقوق لفضيلة الشيخ زيد بن محمد بن هادي المدخلي - حفظه الله - العدل : هو حسن المعاملة بين العبد وربه , وكذا حسن المعاملة بين العبد وبين غيره من الخلق على اختلاف منازلهم قربا وبعدا , ولأهميته فقد وصى الله سبحانه عباده به في محكم كتابه في آيات كثيرة منها قوله تعالى : (( ولا يجرمنّّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )) [ المائدة 8 ] . وقال أيضا :(( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمّا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا )) [ النساء 58 ] . وأخبر عز وجل أنه يحب أهله حيث قال :(( وأقسطوا إن الله يحب المقسطين )) [ الحجرات 9 ] . وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إن المقسطين عند الله على منابرمن نور ,الذين يعدلون في حكمهم في أهليهم وما ولوا " . رواه أحمد ومسلم والنسائي . ومن هذه النصوص الكريمة يتضح لطالب الحق ومبتغي الفضيلة أن العدل من الصفات الرفيعة التي لا ينالها إلا من عرف الحق وعزم على قبوله وصمم على تنفيذه في واقع حياته , يرجو من وراء ذلك الظفر بمحبة الله له وما يترتب على تلك المحبة ثم الفوز بالوعد الكريم النازل على لسان النبي الصادق الأمين :" إن المقسطين عند الله على منابر من نور " . ثم إن العدل له نواح متعددة , وجوانب كثيرة , من تتبعها وجدها كذلك فهو يكون في الأقوال :(( وإذا قلتم فاعدلوا )) [ الأنعام 152 ] . وفي الأفعال والأعمال وجميع التصرفات الإختيارية الصادرة من البشرية قال تعالى :(( وأقسطوا إن الله يحب المقسطين )) [ الحجرات 9 ] , أي العادلين .
  3. إتحاف الجلة بأن العبرة بالحق لا بالكثرة ولا بالقلة

    كثرة الأتباع ليس معيارا لصحَّة الدعوة «والمدعوُّ عليه أن لا يستوحش من قلَّة المستجيبين للداعية، ويتَّخذ ذلك سببًا للشكِّ في الدعوة الحقِّ وترك الإيمان بها، فضلًا عن أنْ يتَّخذ ذلك دليلًا على بطلان دعوته، بحجَّة أنه لم يتَّبعه أحدٌ، أو إنما اتَّبعه الأقلُّون، ولو كانت دعوته صادقةً لاتَّبعه جماهير الناس، والله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾». [«السلسلة الصحيحة» للألباني (١/ ٧٥٥)]
  4. تنبيه إلى كل فاضل نبيه :" متى تكون العبرة بحاضر الشخص لا بماضيه "

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد: فإن من قواعد شرعنا أن نتحاكم إلى الظاهر ، ولم نؤمر بالتنقيب عما وراء الجدران ولا عما بداخل القلوب . بوب النووي في رياض الصالحين باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إِلَى الله تَعَالَى . قَالَ الله تَعَالَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5] . 1/390- وعن ابن عمر رضي اللَّه عنهما، أَن رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤتوا الزَّكاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذلكَ، عَصمُوا مِنِّي دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى اللَّه تَعَالَى" متفقٌ عَلَيهِ. وفي رواية : فَقالَ رسولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ((أَقَالَ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟))، قلتُ: يَا رسولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلاحِ، قَالَ: ((أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟))، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَؤْمئذٍ. 6/395- وعن عبدِ اللَّه بنِ عتبة بن مسعودٍ قَالَ: سمِعْتُ عُمَر بْنَ الخَطَّابِ، رضي اللَّه عنه يقولُ : (( إِنَّ نَاساً كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْي في عَهْدِ رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم، وإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِما ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنا خَيْراً، أَمَّنَّاهُ، وقرَّبناه وَلَيْس لنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شيءٌ، اللَّهُ يُحاسِبُهُ فِي سرِيرَتِهِ، ومَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءاً، لَمْ نأْمنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ وإِنْ قَالَ إِنَّ سَرِيرَتَه حَسنَةٌ ))رواه البخاري. هذا هو الأصل الذي ينبغي أن يسود بين المؤمنين إجراء أحكام النّاس على ما أظهروه من خير أو شر وعدم التنقيب عمّا وراء الجدران ، وما في القلوب ، ولكن لكل قاعدة استثناء، وهو أنه ليس كل من أظهر التوبة من خطأ أو هوى أو مخالفة يكون صادقا ، وخاصة إذا دلت القرائن والشواهد أنّ الشخص مازال على ما كان عليه ، وأنه يأتي الباطل والشر بطرق أخرى غير التي أظهر التوبة منها .. وكذلك ليس كل من تاب وأناب وكان صادقا في توبته يتطهر كلية من جميع ما في قلبه من البدعة والهوى ، فهذا يحتاج إلى وقت يتعلم فيه ، حتى تسن توبته ويتخلص من الرواسب التي بقيت معه من البدعة والأهواء . عن أبي واقد الليثي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة حنين مر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم» .(1) . وجاء في كتاب التوحيد (1/34) (2) للشيخ محمد بن عبد الوهاب. الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة ، لقولهم : "ونحن حدثاء عهد بكفر". ومن هذا المنطلق أحببت أن أوضح قاعدة تدور على ألسنة البعض من إخواننا وهي : أن العبرة بحاضر الشخص لا بماضيه . وإطلاق هذه القاعدة مع كل من تاب ورجع إلى منهج السلف غلط لأنه لو جئنا لنأخذ بها على إطلاقها وعمومها " أن كل من تاب وأظهر توبة تكون العبرة بحاضره لا بماضيه " ، لما بقي بيننا أحد يقال عنه أنه مدسوس أو مخذل ، أو صاحب هوى ، أو مبتدع ، أو فاسق أو غير ذلك ... فقد علم بالضرورة من الدين أن البعض ممن ينتسب إلى هذا المنهج المبارك ممن تاب من طريق أو ضلالة أو انحراف كان عليه ، أن توبتهم صورية وليست حقيقية ، والقرائن والشواهد تدل على ذلك ، فوجوههم إلى السلفيين وقلوبهم إلى غيرهم ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم . كما البخاري (3606- 7084)عن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ – رضي الله عنه - يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ )). قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ : (( نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ )). قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ : (( قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ )). قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: (( نَعَمْ، دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا)). قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا؟ فَقَالَ : ((هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا)). قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ : (( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ )) . قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ ؟ قَالَ (( فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ )) (3). وفي طريق أخرى : يكون بعدي أئمة [يستنون بغير سنتي و] ، يهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر، [ وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس ]. (وفي أخرى : الهدنة على دخن ما هي؟ قال : " لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه ") . الصحيحة (6/540). وفي الحلية عن حرملة، قال: سمعت الشافعي، يقول : ودع الذين إذا أتوك تنسكوا ... وإذا خلوا فهم ذئاب خراف . وكذلك البعض منهم مع صدق توبته بقيت فيه بقية من أثر الضلالة والانحراف الذي كان عليه ، والعواطف التي تميل به فتجعله يحن إلى ماضيه ، وربما وقع في شيء من ذلك ، كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في حديث أبي واقد الليثي .. ومن خلال هذا العرض يأتي السؤال متى تكون العبرة بما عليه الشخص حاضرا دون ما كان عليه في الماضي ؟؟ والجواب : تكون العبرة بالحاضر دون الماضي إذا أحسن في الحاضر واستمر على إحسانه ، ولم يسيء ؛ فإن أساء فإنه يؤاخذ بالماضي والحاضر ، ويذكر بالماضي والحاضر ، كمن تاب من الغيبة والطعن في العلماء السلفيين ، فإذا جاءت المجالس والنقل عن العلماء انكمش وصمت وتغير وجهه ، أو أبدى اعتراضا أو غمزهم من طرف خفي ، والنّاس إزاء هذه القاعدة أنواع .. 1 - إذا كان الشخص كافرا أو مشركا أو منافقا ثم تاب ورجع إلى ربه وخلع الكفر والشرك والنفاق فإن الإسلام يجب ما قبله .. فالعبرة بحاله التي رجع إليها والتي هو عليها ، من الإسلام والاستسلام لله تعالى حقيقة ، وما كان عليه من خير فإنه يكتب له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام أسلمت على ما أسلفت ، أما الذنوب والمعاصي التي كان عليها ، فإن الإسلام يجبها والتوبة تمحها ، والجهاد ، والهجرة كذلك ، إلا أن يبقى عليها يتعاطاها ولم يتب منها فهذا يؤاخذ بالأول والآخر.. عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عِتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ». متفق عليه . والإسلام يجب ما قبله إلا أن يأتي بما ينقضه ، أو أنه لم يخلع لباس الذنوب الذي كان عليه في الجاهلية ، كمن كان يسرق فدخل في الإسلام وبقي يسرق ولم يتب من السرقة ، أو كان يتعاطى الخمر والربا ولم يتب منهما فإنه مؤاخذ بالأول والآخر .. وفي الحديث: (( الإسلام يجب ما قبله )) إرواء الغليل (1280).وقال الشيخ صحيح.[569] باب معنى قول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - :(( ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر)). وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلاَمِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ» (4). قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار(1/441): بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ: " مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ ". عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُؤَاخَذُ أَحَدُنَا بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ : (( مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ)). فَسَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ : هَلْ يَلْتَئمُ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْتُمُوهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مَا قَدْ حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ رَاشِدٍ مَوْلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ فَذَكَرَ قِصَّةَ إسْلَامِهِ قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ يُغْفَرَ لِي مَا تَقَدَّمَ وَلَا أَذْكُرُ مَا اسْتَأْنَفَ قَالَ : (( يَا عَمْرُو بَايِعْ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا )) . فَكَانَ جَوَابَنَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ - بِتَوْفِيقِ اللهِ - أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُلْتَئِمَانِ غَيْرُ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَا مُتَضَادَّيْنِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ عَلَى مَعْنَى مَنْ أَسْلَمَ فِي الْإِسْلَامِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89] فَكَانَتِ الْحَسَنَةُ الْمُرَادَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ الْإِسْلَامَ ؛ فَكَانَ مَنْ جَاءَ بِالْإِسْلَامِ مَجْبُوبًا عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمُوَافِقًا لِمَا فِي حَدِيثِ عَمْرٍو أَنَّ (( الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ )) وَمَنْ لَزِمَ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ قَدْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلَّا مِثْلَهَا} [الأنعام: 160]. فَكَانَتْ عُقُوبَةُ تِلْكَ السَّيِّئَةِ عَلَيْهِ مُنْضَافَةً إلَى عُقُوبَاتِ مَا قَبْلَهَا مِنْ سَيِّئَاتِهِ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؛ فَاتَّفَقَ بِحَمْدِ اللهِ حَدِيثَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا وَلَمْ يَخْتَلِفَا. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (12/266): قَالَ الْخَطَّابِيُّ ظَاهِرُهُ خِلَافُ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، وَقَالَ تَعَالَى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قد سلف قَالَ وَوَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا مَضَى فَإِنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ وَرَكِبَ أَشَدَّ الْمَعَاصِي وَهُوَ مُسْتَمر على الْإِسْلَام فَإِنَّهُ إِنَّمَا يؤخذ بِمَا جَنَاهُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَيُبَكَّتُ بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْمُكَفّر كَأَنْ يُقَالَ لَهُ أَلَسْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَأَنْتَ كَافِرٌ فَهَلَّا مَنَعَكَ إِسْلَامُكَ عَنْ مُعَاوَدَةِ مِثْلِهِ انْتَهَى مُلَخَّصًا .وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أَوَّلَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي الْأَوَّلِ بِالتَّبْكِيتِ وَفِي الْآخِرِ بِالْعُقُوبَةِ . وَالْأَوْلَى قَوْلُ غَيْرِهِ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسَاءَةِ الْكُفْرُ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْإِسَاءَةِ وَأَشَدُّ الْمَعَاصِي فَإِذَا ارْتَدَّ وَمَاتَ عَلَى كُفْرِهِ كَانَ كَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ فَيُعَاقَبْ عَلَى جَمِيعِ مَا قَدَّمَهُ . وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِإِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ حَدِيثِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ وَأَوْرَدَ كُلًّا فِي أَبْوَابِ الْمُرْتَدِّينَ .. وَنَقَلَ بن بَطَّالٍ عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ بِالتَّمَادِي عَلَى مُحَافَظَتِهِ وَالْقِيَامِ بِشَرَائِطِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أَيْ فِي عَقْدِهِ بِتَرْكِ التَّوْحِيدِ أُخِذَ بِكُلِّ مَا أَسْلَفَهُ قَالَ بن بَطَّالٍ فَعَرَضْتُهُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا لَا مَعْنَى لِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ هَذَا وَلَا تَكُونُ الْإِسَاءَةُ هُنَا إِلَّا الْكُفْرَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قُلْتُ : وَبِهِ جَزَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ . وَنَقَلَ ابن التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَعْنَى " مَنْ أَحْسَنَ " مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ أَسَاءَ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ ، وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَوْنِيِّ مَعْنَى "مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ" أَيْ أَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا لَا نِفَاقَ فِيهِ وَلَا شَكَّ ، وَمَنْ " أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ " أَيْ أَسْلَمَ رِيَاءً وَسُمْعَةً وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ . وَلِغَيْرِهِ مَعْنَى الْإِحْسَانِ الْإِخْلَاصُ حِينَ دَخَلَ فِيهِ وَدَوَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَوْتِهِ وَالْإِسَاءَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُخْلِصْ إِسْلَامه كَانَ منافقا فلاينهدم عَنْهُ مَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُضَافُ نِفَاقُهُ الْمُتَأَخِّرُ إِلَى كُفْرِهِ الْمَاضِي فَيُعَاقَبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ. قُلْتُ : وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ حَمَلَ قَوْلَهُ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى صِفَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِ وَحَمَلَهُ غَيْرُهُ عَلَى صِفَةٍ فِي نَفْسِ الْإِسْلَام وَهُوَ أوجه تنبية حَدِيث بن مَسْعُودٍ هَذَا يُقَابِلُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِيَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مُعَلَّقًا عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعَاصِيَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ عَلَيْهِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يُكْتَبُ لَهُ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي تَوْجِيهِ الثَّانِي عِنْدَ شَرْحِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ هُنَا بَعْضُ مَا ذَكَرَ هُنَاكَ كَقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ مَعْنَى كِتَابَةِ مَا عَمِلَهُ مِنَ الْخَيْرِ فِي الْكُفْرِ أَنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِعَمَلِهِ الْخَيْرَ فِي الْإِسْلَامِ.. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لِعَبْدِ الْعَزِيز بن جَعْفَر وَهُوَ من رُؤُوس الْحَنَابِلَة مَا يدْفع دَعْوَة الْخطابِيّ وابن بَطَّالٍ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَاهُ وَهُوَ مَا نُقِلَ عَنِ الْمَيْمُونِيِّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ رد عَلَيْهِ بِحَدِيث ابن مَسْعُودٍ فَفِيهِ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي كَانَ الْكَافِرُ يَفْعَلُهَا فِي جَاهِلِيَّتِهِ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا لِأَنَّهُ بِإِصْرَارِهِ لَا يَكُونُ تَابَ مِنْهَا وَإِنَّمَا تَابَ مِنَ الْكُفْرِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ذَنْبُ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لِإِصْرَارِهِ عَلَيْهَا . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَهُ :{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ }عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا سَلَفَ مِمَّا انْتَهَوْا عَنْهُ قَالَ وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ هِيَ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ .. وَالْكَافِر إِذا تَابَ من الْكفْر وَلم يَعْزِمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَى الْفَاحِشَةِ لَا يَكُونُ تَائِبًا مِنْهَا فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا .. وَالْجَوَابُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْمُسْلِمِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِإِسْلَامِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَالْأَخْبَارُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ كَحَدِيثِ أُسَامَةَ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتْلَ الَّذِي قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى قَالَ فِي آخِرِهِ حَتَّى تمنيت أنني كنت أسلمت يَوْمئِذٍ..انتهى كلام الحافظ . وقال شيخ الإسلام- رحمه الله - في مجموع الفتاوى (11/701- 702) جوابا على سؤال عَنْ الْيَهُودِيِّ أَوْ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَسْلَمَ، هَلْ يَبْقَى عَلَيْهِ ذَنْبٌ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ( لا يؤاخذ ولا يذكر به) ؟. فَأَجَابَ : إذَا أَسْلَمَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا غُفِرَ لَهُ الْكُفْرُ الَّذِي تَابَ مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ بِلَا نِزَاعٍ وَأَمَّا الذُّنُوبُ الَّتِي لَمْ يَتُبْ مِنْهَا مِثْلُ: أَنْ يَكُنْ مُصِرًّا عَلَى ذَنْبٍ أَوْ ظُلْمٍ أَوْ فَاحِشَةٍ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا بِالْإِسْلَامِ. فَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إنَّمَا يُغْفَرُ لَهُ مَا تَابَ مِنْهُ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصحيح عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ: أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ: ((مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخَرِ)). وَ " حُسْنُ الْإِسْلَامِ " أَنْ يَلْتَزِمَ فِعْلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَتَرْكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ. وَهَذَا مَعْنَى التَّوْبَةِ الْعَامَّةِ فَمَنْ أَسْلَمَ هَذَا الْإِسْلَامَ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا. وَهَكَذَا كَانَ إسْلَامُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ.. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَمْرِو بْنِ العاص: (( أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)) " فَإِنَّ اللَّامَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ وَالْإِسْلَامُ الْمَعْهُودُ بَيْنَهُمْ كَانَ الْإِسْلَامَ الْحَسَنَ. وَقَوْلُهُ : " (( وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخَرِ)) " أَيْ: إذَا أَصَرَّ عَلَى مَا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنْ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِالْأَوَّلِ وَالْآخَرِ. وَهَذَا مُوجَبُ النُّصُوصِ وَالْعَدْلِ فَإِنَّ مَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ وَلَمْ يَجِبْ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ غَيْرُهُ. وَالْمُسْلِمُ تَائِبٌ مِنْ الْكُفْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}. وَقَوْلُهُ : {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} أَيْ إذَا انْتَهَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ غُفِرَ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ. فَالِانْتِهَاءُ عَنْ الذَّنْبِ هُوَ التَّوْبَةُ مِنْهُ. مَنْ انْتَهَى عَنْ ذَنْبٍ غُفِرَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْهُ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَنْبٍ فَلَا يَجِبُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ لِانْتِهَائِهِ عَنْ ذَنْبٍ آخَرَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وقال ابن القيم - رحمه الله - في مدارج السالكين (1/286): [فَصْلٌ أَحْكَامُ التَّوْبَةِ] فَصْلٌ : وَمِنْ أَحْكَامِ التَّوْبَةِ أَنَّهُ : هَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ أَبَدًا، أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ؟ فَشَرَطَ بَعْضُ النَّاسِ عَدَمَ مُعَاوَدَةِ الذَّنْبِ ، وَقَالَ : مَتَى عَادَ إِلَيْهِ تَبَيَّنَّا أَنَّ التَّوْبَةَ كَانَتْ بَاطِلَةً غَيْرَ صَحِيحَةٍ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، وَإِنَّمَا صِحَّةُ التَّوْبَةِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنِ الذَّنْبِ ، وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ ، وَالْعَزْمِ الْجَازِمِ عَلَى تَرْكِ مُعَاوَدَتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَهَلْ يُشْتَرَطُ تَحَلُّلُهُ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ - سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَإِذَا عَاوَدَهُ ، مَعَ عَزْمِهِ حَالَ التَّوْبَةِ عَلَى أَنْ لَا يُعَاوِدَهُ ، صَارَ كَمَنِ ابْتَدَأَ الْمَعْصِيَةَ ، وَلَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ. وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةُ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ عَاوَدَهُ، فَهَلْ يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُ الذَّنْبِ الَّذِي قَدْ تَابَ مِنْهُ ثُمَّ عَاوَدَهُ، بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَى الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ إِنْ مَاتَ مُصِرًّا؟ أَوْ إِنَّ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُهُ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى هَذَا الْأَخِيرِ؟؟ وَفِي هَذَا الْأَصْلِ قَوْلَانِ: فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَعُودُ إِلَيْهِ إِثْمُ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ ، لِفَسَادِ التَّوْبَةِ ، وَبُطْلَانِهَا بِالْمُعَاوَدَةِ. قَالُوا: لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الذَّنْبِ بِمَنْزِلَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ هَدَمَ إِسْلَامُهُ مَا قَبْلَهُ مِنْ إِثْمِ الْكُفْرِ وَتَوَابِعِهِ ، فَإِذَا ارْتَدَّ عَادَ إِلَيْهِ الْإِثْمُ الْأَوَّلُ مَعَ إِثْمِ الرِّدَّةِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ)). فَهَذَا حَالُ مَنْ أَسْلَمَ وَأَسَاءَ فِي إِسْلَامِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَّةَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِسَاءَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِذَا أُخِذَ بَعْدَهَا بِمَا كَانَ مِنْهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلَمْ يُسْقِطْهُ الْإِسْلَامُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَهُمَا، فَهَكَذَا التَّوْبَةُ الْمُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ الذَّنْبَيْنِ لَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ السَّابِقَ، كَمَا لَا تَمْنَعُ الْإِثْمَ اللَّاحِقَ. قَالُوا : وَلِأَنَّ صِحَّةَ التَّوْبَةِ مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِمْرَارِهَا، وَالْمُوَافَاةِ عَلَيْهَا، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ يُعْدَمُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ ، كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الْإِسْلَامِ مَشْرُوطَةٌ بِاسْتِمْرَارِهِ وَالْمُوَافَاةِ عَلَيْهِ. قَالُوا : وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ وُجُوبًا مُضَيَّقًا مَدَى الْعُمْرِ ، فَوَقْتُهَا مُدَّةُ الْعُمْرِ، إِذْ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا فِي مُدَّةِ عُمْرِه ، فَهِيَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعُمْرِ كَالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ فِي صَوْمِ الْيَوْمِ ، فَإِذَا أَمْسَكَ مُعْظَمَ النَّهَارِ، ثُمَّ نَقَضَ إِمْسَاكَهُ بِالْمُفْطِرَاتِ بَطَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِيَامِهِ ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِهِ ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يُمْسِكْ شَيْئًا مِنْ يَوْمِهِ. قَالُوا : وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا)). وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ الثَّانِي كُفْرًا مُوجِبًا لِلْخُلُودِ ، أَوْ مَعْصِيَةً مُوجِبَةً لِلدُّخُولِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ : (( فَيَرْتَدُّ فَيُفَارِقُ الْإِسْلَامَ ))؛ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلٍ يُوجِبُ لَهُ النَّارَ، وَفِي بَعْضِ السُّنَنِ : (( إِنَّ الْعَبْدَ لِيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ جَارَ فِي وَصِيَّتِهِ فَدَخَلَ النَّارَ)) فَالْخَاتِمَةُ السَّيِّئَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةً بِكُفْرٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِحْبَاطُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ، وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْقُرْآنُ وَالسَّنَةُ قَدْ دَلَّا عَلَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ هِيَ الَّتِي تُحْبِطُ السَّيِّئَاتِ لَا الْعَكْسِ، كَمَا قَالَ {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمُعَاذٍ (( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )) . قِيلَ : وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ قَدْ دَلَّا عَلَى الْمُوَازَنَةِ ، وَإِحْبَاطِ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ فَلَا يُضْرَبُ كِتَابُ اللَّهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَلَا يُرَدُّ الْقُرْآنُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْمُعْتَزِلَةِ قَالُوهُ - فِعْلَ أَهْلِ الْهَوَى وَالتَّعَصُّبِ - بَلْ نَقْبَلُ الْحَقَّ مِمَّنْ قَالَهُ، وَنَرُدُّ الْبَاطِلَ عَلَى مَنْ قَالَهُ. وسئل الشيخ الألباني - رحمه الله - هذا السؤال : سؤال : قال رجلٌ للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أرئيت الرجل يحسن في الإسلام ، أيؤاخذ بما عمل في الجاهلية.. قال فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : (( من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر))، فماذا يقصد، (( من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية))، هل يقصد بذالك أنه لم يرتد على الإسلام؟. الشيخ : واحد كان يسرق في الجاهلية، ويسرق، وظل يسرق في الإسلام، فيؤاخذ بهذا وذاك، رجل كان كافراً مشركاً، وعلى شركه كان سيء التصرف ، كان يسرق ، كان يضرب ، كان يشرب الخمر، كان إلى أخره ، ثم أسلم ، الإسلام يَجُبُّ ما قبله ، لكن هذا الحديث ، يدخل لهذه الجملة ، لهذه القاعدة تخصيصاً، الإسلام يجب ما قبله ، فالذي أسلم وكان - مثلاً سارقاً- فبإسلامه كما انتهى عن الكفر، انتهى عن السرقة ، هذا سيحسن إليه في كل ما يفعل، من حسنات في إسلامه ولا يؤاخذ على سيئته في الجاهلية ، على العكس من ذلك ، فرجل آخر أسلم وكان يسرق ، ومع إسلامه ، ظل يسرق ، فهو بناءً على القاعدة العامة الإسلام يجب ما قبله ، ب ( يتصور الإنسان ، أن هذا لا يؤاخذ بما فعل في الجاهلية، من السرقة، لكن هذا الحديث يقيد هذه القاعدة ، ويقول بأن هذا الذي أسلم وأساء في الإسلام، فسيؤاخذ على إساءته هذه في إسلامه [مثل] إساءته في الجاهلية (5). والخلاصة في هؤلاء الكافر والمشرك والمنافق أنهم إذا تابوا ودخلوا في الإسلام يحكم لهم بظاهر إسلامهم ، والعبرة بحالهم وحاضرهم الذي هم عليه ما لم ينقضوه بناقض ، أما حكمهم عند الله فإن أحسنوا في الإسلام وخلعوا لباس الجاهلية واستمروا على إسلامهم ، وتابوا من جميع الكبائر عازمين أن لا يعدوا إليها عمرهم لم يؤاخذوا بما فعلوه في الجاهلية ، أما أنهم تابوا من الكفر فقط بقصد عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، ولم يعزموا على ترك المعاصي ، وهم مقيمون على الذنوب التي كانت منهم في الجاهلية بعد مدة يعتقد أنهم علموا حدود ما أنزل الله ؛ فهؤلاء يؤاخذون بالأول والآخر . هذا بالنسبة للكافر والمشرك والمنافق ؛ أما المسلم فهل العبرة بحاله وحاضره في كل حال ؟؟. لا ؛ الأمر فيه تفصيل ، فليس كل من أظهر التوبة تكون العبرة بحاضره دون ماضيه ، نعم أمرنا أن نتحاكم إلى الظاهر ، وهذا الذي ينبغي أن نكون عليه ، ولكن إذا وجد مندسون ، ومتعالمون ، ومخذلون ، وأهل الأهواء يتظاهرون بالتوبة مما كانوا عليه وأنهم أهل سنة ، والحقيقة أنهم يفتون في عضد الأمة ويشوهون المنهج السلفي ، ويسعون في الأرض بالفساد والإفساد والقرائن تدل على ذلك فيحنها لا يقال العبرة بحاضرهم .. وليس من شك أن التائبين من الذنوب والأهواء أنواع ، منهم من يحكم له بعد توبته بحاضره دون ماضيه ، ومنهم من يبقى على ماضيه دون حاضره حتى يصلح ما أفسد، ويبين موقفه وبراءته مما كان عليه . 1 - فمن وقع في كبيرة من كبائر الذنوب ، ثم تاب منها أو تاب من جميع ما يتعاطاه من المعاصي ومما يتهم به باطنا وظاهرا ، وحسنت توبته ودلت الشواهد والقرائن على ذلك ، فهذا العبرة بحاله وحاضره ، ويحكم له بما أظهر حكما في الدنيا ، والله لا يعذبه في الآخرة إن كان صادقا ، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له (6)، فكيف إذا عمل ما يستوجب كفارة ذنوبه ورفع درجاته مع توبته من توحيد وصلاة وصيام وحج وجهاد وصدقة وغير ذلك.. ؟؟؟ هذا إذا كان الأمر متعلقا فيما يبنه وبين ربه ، وهذا معنى قول العلماء : (( التوبة تجب ما قبلها )) (7) أي التوبة بشروطها. 2 – أما من أظهر التوبة وأعلنها ، ولم يعزم على ترك الذنب الذي تاب منه ، كما لم يعزم على عدم العود إليه ، أظهر التوبة من الغيبة والنميمة ، ولكنه ما يجلس مجلسا إلا اغتاب ووقع في أعراض إخوانه ، أو يعلن التوبة من الوقوع في العلماء ومشايخ السنة وطلبة العلم المعروفين ولكنه لم يعزم على العود والترك نهائيا فإذا وجد الفرصة وقع فيهم وطعن فيهم فهذا لا يقال العبرة بحاضره لا بماضيه ..فحاله كحال من أسلم ولم يحسن إسلامه فيؤاخذ بالأول والآخر . 3- من كان معروفا بالظلم والجور والاعتداء وتعاطي الربا الخمر والرشوة وغيرها من الموبقات فيما تعلق بحقوق الآخرين ؛ فهذا حتى لو تاب فإن العبرة لا تكون بحاله وحاضره مطلقا حتى يرد المظالم والحقوق إلى أصحابها ممن يستطيع أن يوصل إليهم حقوقهم ، ويعلموا أنه برأ ذمته بتوبته ورد الحقوق ، والأمانات لأهلها، وإلا فهم إذا سئلوا عنه بعد توبته وفي حال حاضره دون رد الحقوق ، قالوا أخذ حقوقنا وضيع أماناتنا فلا تكفيه التوبة فيما بينه وبين ربه ليحكم له بحاضره وأن العبرة بذلك .. 4 - وكذلك يقال فيمن كان على هوى وبدعة داعيا إليها ومدافعا عنها ، فإن تاب من بدعته وانحرافه ، وحسنت توبته فيما بينه وبين ربه لا تكون العبرة بحاله وحاضره حتى يصلح ويبين ضلال ما كان عليه ، ليعلم أهل الحق الذين بلغهم انحرافه وضلاله أنه تاب وأناب ورجع إلى ربه سبحانه ، فيرفعوا عنه التهمة ويقبلوه بينهم .. ويبرءوا ساحته .. قال تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }(160)البقرة . وفي سورة آل عمران قال جل وعز { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }(89). وفي سورة النساء قال عز وجل { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا }(146). وهذا خلافا للحدادية الذين لا يقبلون من تاب وأصلح وبين بل هو عندهم على ماضيه دون حاضره ، ولو تاب ألف مرة ، ولا عبرة عندهم بحاضره حتى يؤمن بمنهجهم وجميع قواعدهم . 5 - وكذلك لا عبرة بحاضر من يقول أنه تاب وأناب إلى منهج السلف الصالح ، وهذه دروسه ، ومقالاته ، ورسائله ، ونشاطاته تملأ بلاده أو مواقع التواصل الاجتماعي ، تناصر أهل الأهواء والضلال والبدع ، فما هو الفرق بين حاضره وماضيه وهذه حاله ، فلا عبرة بحاضره حتى يعلنها مدوية فيتبرأ من بدعته ، ومن كتبه ، ودروسه ومقالاته التي يدعو فيها إلى ما كان عليه من الانحراف والنصرة لأهل الأهواء.. وبالمثال يتضح المقال : رجل مسلم كان متحزبا، يناصر الحزبيين، والمظاهرات ، والثورات ، والخروج على ولاة الأمر، وينتصر إلى منهج الخوارج ، كتب ودرّس وحاضر ، ونشر، وناصر ، وانتصر؛ ثم يقول أنا تبت ولا يبين ولم يصلح ذلك الفساد ، وفي مدة زمنية قصيرة من توبته يقال العبرة بحاضره لا بماضيه ..كيف يكون ذلك كذلك ؟؟ ورجل آخر كان تبليغي ، أو طرقي صوفي ، أو إخواني جزأري ، أو حدادي أو حلبي ، أو قل ما شئت من الفرق المخالفة لمنهج السلف كتب وألف ، وحاضر ودرس ، ونشر ، وناصر ، وانتصر ، ثم يقول أنا تبت ولم يظهر عليه أي إحسان ولا بيان ، ولا أظهر صلاحا ولا إصلاحا؛ بل بقيت دار لقمان على حالها ، وإذا وجد الفرصة يغتنمها ليبث سمومه ، وضلاله ، حاله كحال حليمة حين تعود لعادتها القديمة ، فهذا لا يقال فيه العبرة بحاضره لا بماضيه حتى يبين موقفه ويصرح ويظهر ذلك علانية ..ويتبرأ هو ومن قبله مما كتبوا ونشروا وحاضروا ودرّسوا وهذا يتطلب منهم وقتا حتى يستقيم لهم الحال وتحسن توبتهم. تنبيه مهم : فمن تمام توبة العبد أن يقلع عما كان عليه ، ويندم على ما صدر منه ، ويعزم ألا يعود ، ويرد المظالم والحقوق لأهلها ، ويصلح ما أفسد ويبين ضلال ما اعتقد وانتهج وينوي الاستمرار على ذلك ، ويتمنى على الله أن يختم له بذلك ، وأن لا يزغ قلبه ، ويتضرع إلى الله أن يثبته حتى يلقاه . والأعمال بالخواتيم . أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتوب علينا وأن يبصرنا بعيوبنا وأن يثبتنا على الحق الذي هدانا إليه حتى نلقاه إنه سميع قريب مجيب . تنبيه أخر مهم : إذا تاب الكافر والمشرك والمنافق فإن الله يقبل التوبة عن عباده ، فلا ينبغي أن يعير ولا أن يلحق به ضرر بالقتل وغيره لأن الله نعى على من فعل ذلك ، وإذا كان ذلك في أولئك ففي المسلم الذي تاب وأناب من المخالفات العقدية والمنهجية وفارق أهل الهوى والضلال وبين وأصلح ما أفسده فمن باب أولى ، وأولى أن لا يعير وأن يشمت به وأن يلحق به الضرر . وقال تعالى : {.. كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } أي كنتم ضلالا كفارا فمن الله عليكم بالإسلام ، فلا تعيروا ولا تقتلوا من قال لكم أنني مسلم أو سلّم عليكم بقصد غرض من الدنيا .. قال ابن جرير (9/71): قد قيل إن معنى قوله :"كذلك كنتم من قبل" كنتم كفارًا مثلهم "فمنَّ الله عليكم" بالإسلام . وقال السمعاني (1/466) : وَقَالَ قَتَادَة ، مَعْنَاهُ : كَذَلِك كُنْتُم من قبل ضلالا، فَمن الله عَلَيْكُم بالهداية . قال الماوردي (1/521) : {كَذَلِكَ كنتُم مِّن قَبْلُ} أي كفاراً مثلهم. {فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} يعني بالإسلام. وأختم بهذه الطرفة عن سفيان بن عيينة : جاء في الكفاية للخطيب البغدادي (1/61)قال أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى السَّلَامِيُّ ، فِيمَا أَذِنَ لَنَا أَنْ نَرْوِيَهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ عَمَّارَ بْنَ عَلِيٍّ اللُّورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ النَّضْرِ الْهِلَالِيَّ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : كُنْتُ فِي مَجْلِسِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَنَظَرَ إِلَى صَبِيٍّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَكَأَنَّ أَهْلَ الْمَجْلِسِ تَهَاوَنُوا بِهِ لِصِغَرِ سِنِّهِ ، فَقَالَ سُفْيَانُ : {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94]. ثُمَّ قَالَ: " يَا نَضِرُ ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَلِي عَشْرُ سِنِينَ ، طُولِي خَمْسَةُ أَشْبَارٍ ، وَوَجْهِي كَالدِّينَارِ ، وَأَنَا كَشُعْلَةِ نَارٍ ، ثِيَابِي صِغَارٌ، وَأَكْمَامِي قِصَارٌ ، وَذَيْلِي بِمِقْدَارٍ ، وَنَعْلِي كَآذَانِ الْفَارِ ، أَخْتَلِفُ إِلَى عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ ، مِثْلَ الزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارِ ، أَجْلِسُ بَيْنَهُمْ كَالْمِسْمَارِ ، مِحْبَرَتِي كَالْجَوْزَةِ ، وَمِقْلَمَتِي كَالْمَوْزَةِ ، وَقَلَمِي كَاللَّوْزَةِ ، فَإِذَا دَخَلْتُ الْمَجْلِسَ قَالُوا : أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ الصَّغِيرِ، أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ الصَّغِيرِ. قَالَ: ثُمَّ تَبَسَّمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَضَحِكَ ، قَالَ أَحْمَدُ وَتَبَسَّمَ أَبِي وَضَحِكَ ، قَالَ عَمَّارٌ وَتَبَسَّمَ أَحْمَدُ وَضَحِكَ ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ السَّلَامِيُّ وَتَبَسَّمَ عَمَّارٌ وَضَحِكَ ، قَالَ الْقَاضِي: وَتَبَسَّمَ السَّلَامِيُّ وَضَحِكَ ، وَتَبَسَّمَ أَبُو الْعَلَاءِ وَضَحِكَ ، وَتَبَسَّمَ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ وَضَحِكَ ، وَتَبَسَّمَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَضَحِكَ ، قَالَ سَيِّدُنَا ابْنُ الْمَقْدِسِيُّ: وَتَبَسَّمَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ السَّلَفِيُّ وَضَحِكَ ". الهوامش : ---------- 1- رواه الترمذي رواه الترمذي (2180) ، وأَحمد (5 / 218) ، والطيالسي (1346) ، والحميديَ (848) ، وابن عاصم (76) ، وابن حبان (1835) . وسنده صحيحٌ. قال الشيخ الألباني في تخريج المشكاة (5408) صحيح. 2 - (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب. باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما . 3 - سنن ابن ماجة قال الشيخ الألباني صحيح، الصحيحة (2739)، وصحيح الجامع (1371)وقال : (صحيح) [هـ] عن حذيفة. خ - فتن، م - إمارة. وفي صحيح مسلم 52 - (1847) قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ : (( نَعَمْ ))، قُلْتُ : هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: (( نَعَمْ ))، قُلْتُ : فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ : (( نَعَمْ ))، قُلْتُ : كَيْفَ؟ قَالَ : (( يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ))، قَالَ: قُلْتُ : كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: (( تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)). (4)- متفق عليه ، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ( 75). البخاري (6921) ومسلم (120). (5) سلسلة الهدى والنور" (425/ 55: 55: 00) و (426/ 46: 00: 00). (6) ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له )) هذا حديث. عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» سبب ابن ماجة (4250 ) [حكم الألباني] صحيح الجامع (3008) وقال حسن وصحيح الترغيب(3145). (7)- التوبة تجب ما قبلها )) يعتقد بعض النّاس أنا هذا القول من الأحاديث وهو لا أصل له كما قال العلامة الألباني - رحمه الله –ففي سلسلة الأحاديث الضعيفة (1039) " التوبة تجب ما قبلها ". لا أعرف له أصلا. خلافا لما يشعره صنيع الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: " فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا "، قال (3/129) : وذلك لأن التوبة تجب ما قبلها، وفي الحديث الآخر: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". فقوله: الحديث الآخر يعطي أن الذي قبله حديث، فهو في تعبيره الحديث الأول، ولذلك تورط بكلامه هذا الشيخ الرفاعي فأورده في فهرس " الحديث الشريف "! من " مختصره " (2/619) ، وليس هذا فقط بل ووضع بجانبه قوله: صح!! وكذلك فعل في الحديث الآخر، وهذا الخطب فيه سهل، فإنه معروف في بعض كتب السنة، وقد حسنته في " صحيح الجامع الصغير " (3005) بخلاف هذا فإني لا أعرف له أصلا البتة، ومع ذلك فقد صححه المذكور، هداه الله. وفي ظني أن الحديث التبس أمره على ابن كثير ومختصره بالحديث الصحيح: " إن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها " زاد في رواية: " وإن الحج يهدم ما كان قبله "، وهو مخرج في " الإرواء " (1280) . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة(3/141).
  5. جواب الحيارى عن حكم الاحتفال والتهنئة بأعياد الكفار والنصارى

    جزاك الله خيرا على إثراء الموضوع ، وبارك الله في الجميع .
  6. إتحاف الجلة بأن العبرة بالحق لا بالكثرة ولا بالقلة

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة ، والحمد لله على نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم ، والهدي النبوي القويم وكفى بها نعمة ، الحمد لله على نعمة الفهم الصحيح فهم منهج السلف الصالح وكفى بها نعمة ، الحمد لله على نعمة العدل والأنصاف وكفى بها نعمة ، الحمد لله على معرفة الحق وكفى بها نعمة ، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد : فإن الكثير من الطوائف وفيهم من انتسبوا إلى منهج السلف اغتروا بالكثرة ، وجعلوا يحتجون بها على من خالفهم ، فيقال لهم ، إن الكثرة ليست هي الدليل على الحق في كل وقت وحين، الكثرة تكون حجة إذا كانتعلى المحجة ، أما الكثرة القائمة على التعصب والتقليد والتحزب فليست بحجة . وقد ذم الله سبحانه وتعالى الكثرة في أكثر من عشرين موضعا من كتابه بين قوله : (( ولكن أكثر النّاس لا يشكرون ، ولا يعلمون ، ولا يؤمنون ...)). قال سبحانه وتعالى وتقدس :{ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ }(243) البقرة . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }(13) سبأ. فذم الكثرة التي كفرت نعم الله عليه ، ومدح القلة التي تشكر نعم الله ولا تكفرها ، ومن أعظم نعمه نعمة الهدية إلى الإسلام على منهاج النبوة وفهم من أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ولا يشك أحد أن الصحابة منهم ؛ فليس فيهم إلا صديق أو شهيد أو صالح.. وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (187) الأعراف . والأمر كذلك فأكثر النّاس يجهلون الحق الذي أراده الله لهم أن يكونوا عليه ، فقد فشا الجهل ، ونطق الرويبضة ، واتخذ كثير من الطوائف والفرق والحزبيين رؤساء جهل فافتوهم بغير هدى من الله على غير ما أراد الله سبحانه وما كان عليه رسوله وصحابته رضوان الله عليهم . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{... إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ }(17) هود. فالله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق للنّاس كافة ، فما آمن له إلا القليل ، فنسبة المؤمنين إلى غيرهم من الكفار والمنحرفين عن الصراط المستقيم والمنهج القويم نسبة الشعرة الواحدة السوداء في جلد ثور أسود ، ونسبة أهل الحق في أمة الإجابة هي نسبة واحد من ثلاث وسبعين ، وليس من شك أن ذلك الواحد قليل جدا بالنسبة لثلاث وسبعين ، وذلك القليل هو الفرقة الناجية ، فالناجون قليل .. والعاقل الذي يريد النجاة لنفسه ينبغي له أن يعلم حدود ومعالم تلك الفرقة القليلة الناجية لينجو بنجاتها ولا يغتر بالكثرة لأنها ليس هي الحق . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ..} (24)ص . وجعل الله النصرة للقلة القائمة على الكتاب والسنة على مراد الله ومراد رسوله .. وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}(249)البقرة. وكذلك ذمها في آيات أخرى بصفات أخرى كالإعراض ن الحق ، واتباع الشيطان ، والحرص الشديد على ردة المؤمنين عن دينهم ، والكراهية للحق ، والفسق وفي كثير من الآيات يستثني القلة القلية وفي ذلك تضمين لمدحها... وقال سبحانه وتعالى :{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } (83)البقرة . ويقول جلت قدرته وتقدست أسماؤه :{ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ } (249)البقرة . ويقول جلت قدرته وتقدست أسماؤه :{ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا }(83) النساء . ويقول جل ذكره إخبارا عن إبليس:{لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا }(62) الإسراء. ويقول جل جلاله في ذم الكثرة :{ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً }(109) البقرة . ويقول جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته في ذم الكثرة :{وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ }(78) الزخرف . ويقول جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته في ذم الكثرة :{وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ } (102) الأعراف . إلى غير ذلك من الآيات التي تذم الكثرة وتمدح القلة بمنطوق الخطاب وبمفهومه. وهنا قاعدة عظيمة عند أهل السنة والجماعة أن النصوص في ذم الكثرة ، ومدح القلة، واضحة فلا يلزم من فساد الأكثرية فساد الأقلِّية من أهل السنة الصِّالحين . فالسلفي هو من لا تسحره عاطفة الكثرة ، والقلة فيما يطلبه من الحق فيقلد الأكثرين ، ويميل مع التيار الجارف ، ويستند إلى الجدار الواقف . لأن ذلك من سمات أهل الجاهلية ،وأهل البدع والضلال من أهل التقليد الذين يحتجون بالكثرة الكاثرة ، والسواد الأعظم فيقولون كما أخبرنا الله تعالى عنهم :{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) البقرة . وقال تعالى :{ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ }(22) الزخرف . فهذه الآيات من أشد الآيات على المقلدة الذين يتبعون كل ناعق مبطل يتباهى بكثرة الأتباع والمناصرين .. والسلفي العدل هو من يعتزل الهوى ، وحظوظ النفس كلية فيما يريد من إصابة الحق على سبيل المؤمنين الذين رضي الله عنهم وأرضاهم ، فيقف بها حيث وقف القوم ولو كان في ذلك هلاكه ، فإن الله عز وجل يقول: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(26) سورة ص. وأي هلاك أشد أن يعيش في ضلال الهوى والانتصار في للنفس والانتقام لها من أهل الحق بالباطل إن السلفي الحق ليحذر أشد الحذر الانقياد لزخرفة القول ، وبهرج الباطل المزين ، وظاهر رياء الأدعياء الملبسين على النّاس الحق ، ولو كانوا أكثر من عدد رمل عالج ، فالحق عليه نور والمتمسكون به قلة ، وهو يعلم ذلك فيصبّر نفسه على ذلك فقد حذر الله - عز وجل - من هذه الطبقة على أيدي أنبيائه فقال عز وتقدس: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(204) البقرة . قال العلامة السعدي في تفسيره (1/93) أي: إذا تكلم راق كلامه للسامع، وإذا نطق، ظننته يتكلم بكلام نافع ، ويؤكد ما يقول بأنه {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} بأن يخبر أن الله يعلم، أن ما في قلبه موافق لما نطق به، وهو كاذب في ذلك، لأنه يخالف قوله فعله. فلو كان صادقا، لتوافق القول والفعل ، كحال المؤمن غير المنافق، فلهذا قال: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} أي: إذا خاصمته، وجدت فيه من اللدد والصعوبة والتعصب، وما يترتب على ذلك، ما هو من مقابح الصفات، ليس كأخلاق المؤمنين، الذين جعلوا السهولة مركبهم، والانقياد للحق وظيفتهم، والسماحة سجيتهم. وقال العلامة الألباني - رحمه الله – في شرح حديث الطائفة المنصورة ، وبيان صفاتهم كما وردت في أحاديث الغربة. تفريغ سلسلة الهدى والنور الشريط (499) (00:10:49). لا شك أنَّ الذي أو الذين يعرفون هذا المنهج النَّقي الأبيض إنَّما هي الطائفة المنصورة التي تحدَّث النَّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنها في حديثٍ متواترٍ ثابتٍ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من طرق قطعيَّة الثُّبوت؛ ألا وهي قوله عليه الصلاة والسلام: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لاَ يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)). ((لاَ يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم))، هل هم الكثرة الكاثرة من المسلمين أم هم الطائفة القليلة المنصورة . الحديث صريحٌ في ذلك ؛ ولذلك فلا يكن همُّ أحدكم أن يكون مع الأكثرين ؛ لأنَّ الله رب العالمين يذمُّ الأكثرين في غالب آيات القرآن الكريم؛ بمثل قوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ([الأعراف: 187]. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} ([البقرة: 243].) {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (الأنعام: 116). ولذلك ينبغي أن يكون همُّ أحدنا أن يكون من عباده القليل، مِن الطَّائفة المنصورة، ما صفة هذه الطائفة المنصورة؟هنا بيت القصيد في هذه الكلمة. هي ما جاء ذكره في أحاديث الغربة، أحاديث الغربة التي جاء فيها ثلاثة روايات صحيحة. الرواية الأولى: في صحيح مسلمٍ، من رواية سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إِنَّ الإسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)) هذا حديث مسلم. الحديث الثاني: في مسند الإمام أحمد -رحمه الله- ذكر هذا الحديث، وزاد زيادة طيبة، وهي: أن سائلاً سأل؛ فقال: (مَنْ هُمُ الغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ!؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلام: ((هُمْ نَاسٌ قَلِيلُونَ صَالِحُونَ، بَيْنَ نَاسٍ كَثِيرِينَ؛ مِنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم)). فانظروا هنا يمدح القلة لا يمدح الكثرة ؛ بل هو يذمها ؛ قال : ((هُمْ نَاسٌ قَلِيلُونَ صَالِحُونَ ، بَيْنَ نَاسٍ كَثِيرِينَ ؛ مِنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم )). فإذن من صفة هؤلاء الغرباء، الذين بشَّرَّهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بطوبى ، وهي شجرة في الجنَّة، يمشي الراكب الْمُسرِع تحتها مائة عامٍ لا يقطعها. هؤلاء هم الغرباء الذين بشَّرَّهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه البِشَارة العُظمى ؛ فقال : ((هُمْ نَاسٌ قَلِيلُونَ صَالِحُونَ ، بَيْنَ نَاسٍ كَثِيرِينَ ، مِنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم )) وهذه الصفة ينبغي أن تكون صفة عامة في الغرباء. أما الصفة التالية؛ وهي في الحديث الثالث: فهي صفةٌ من خاصَّة الغرباء، هي صفةٌ من خاصة الغرباء؛ أي: هي صفة في علماء الغرباء؛ ذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجاب مرةً عن ذاك السؤال: "من هم الغرباء" فقال عليه الصلاة والسلام في المرة الأخرى: ((هُمُ الَّذِينَ يُصلِحُونَ مَا أفْسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِيِ مِنْ بَعْدِيِ)). فإذن كلمة الغرباء تعني: "المتمسكين بالكتاب والسنة، وعلى منهج السلف"؛ أي: هم الفرقة النَّاجية.انتهى كلامه . وهذا نبينا - صلى الله عليه وسلم - يشبه الكثرة بالقطيع من الإبل لا تجد فيهم واحدا يصلح للسفر . عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّمَا النَّاسُ كإبل مئة لا يَجِدُ الرجل فيها راحلة)) متفق عليه ، البخاري (6496)ومسلم بَابُ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً (2547) قال ابن بطال في شرح البخاري (10/207) وقوله: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة) يريد - صلى الله عليه وسلم- أن الناس كثير والمَرْضِّي منهم قليل، كما أن المائة من الإبل لا تكاد تصاب فيها الراحلة الواحدة . وهذا الحديث إنما يراد به القرون المذمومة في آخر الزمان، ولذلك ذكره البخاري في رفع الأمانة، ولم يرد به - صلى الله عليه وسلم- زمن أصحابه وتابعيهم؛ لأنه قد شهد لهم بالفضل فقال: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ بعدهم قوم يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون. .) الحديث، فهؤلاء أراد بقوله: (الناس كإبل مائة) والله الموفق.انتهى كلامه . وقال الحافظ ابن حجر (11/335): فَعَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَبِغَيْرِ تَكَادُ فَالْمَعْنَى لَا تَجِدُ فِي مِائَةِ إِبِلٍ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ لِأَنَّ الَّذِي يَصْلُحُ لِلرُّكُوبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَطِيئًا سَهْلَ الِانْقِيَادِ وَكَذَا لَا تَجِدُ فِي مِائَةٍ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَصْلُحُ لِلصُّحْبَةِ بِأَنْ يُعَاوِنَ رَفِيقَهُ وَيُلِينَ جَانِبَهُ. وقال عبد العزيز بن عبد اللطيف بن حسن آل الشيخ : ولا يصدنكم عن الحق وبيانه كثرة من ضل، فإن الكثرة لا تدل على أن الحق في جانبهم، بل إن الله قد ذم الكثرة في مواضع: منها قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}(26) سورة الحديد . ومنها قوله : {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} (49) سورة المائدة . ومنها قوله - عز وجل -: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (119) سورة الأنعام . كما أن القلة لا تعني أن الحق ليس معهم ، فإن الله قد أثنى على القلة في مواضع: فقال : {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (13) سورة سبأ . وقال - سبحانه -: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} (24) سورة ص . وغير ذلك من الآيات، وقد مر معك أخي القارئ بعضا منها. فعلم بهذا أن العبرة إنما هي بالحق ، وإن كنت وحدك، كما قاله بعض السلف. انتهى كلامه . مجلة البحوث الإسلامية - مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (60/44). وقال بعضهم : وكذلك أيضا يجب على السلفي ألا ينساق لما اعتاده الناس وجروا عليه مما يخالف الشرع ، بل عليه أن يجاهد نفسه في ذات الله ، وأن يوطنها على الحق الذي عرف ، ولا تستهوينه عاطفة القرابة ، والصحبة ، والجماعة والحزب والطائفة فعليه البلاغ والبيان وقول الحق وإن رفضه الناس، فهذه هي دعوة الرسل ، والله - سبحانه - يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69)العنكبوت. وقال بعض السلف : إذا أردت أن تختبر نفسك فتنظر أنت مع من؟ مع الكثرة أو مع القلة؟ إذا وجدت أعمالك أعمال الكثرة فاتهم نفسك لأن الكثرة مذمومة في الشرع : {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [الأنعام: 116]. {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]. وهكذا تجد ذم الكثرة، في مواضع كثيرة من القرآن ؛ حينئذٍ إذا وجدت نفسك أنت مع الكثرة فانتبه راجع نفسك حاسب نفسك ولا تغتر بكثرة الهالكين فتهلك معهم ، وإذا وجدت نفسك مع القلة حينئذٍ تعرف أنك على حقٍ - إن شاء الله تعالى- وأنت من القليل الذين قال الله تعالى فيهم : {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} (13)سورة سبأ. وأيضًا من جهةٍ أخرى قد يكون الحق مع الكثرة فهي ليست دائما مذمومة وأن ما عليه باطل ؛بل قد تكون على الحق ، وحينئذ يقع الاغترار بها والعجب فتهلك.. وعلى سبيل التمثيل قد يكون الأتباع مع داعيةٍ سلفي أو مع عالم صاحب دعوة صحيحة سلفية واضحة بينّة وهم كثرة، فيقع الاغترار من بعضهم بهذه الكثرة. وهذا لاشك أنه مذموم ، ومن وقع فيه ملوم ، إذًا يا طالب النجاة في الحق لا تغتر بالكثرة سواءٌ كنت على باطل في الاستدلال بها على صاحب الدعوة ، أو كنت محقًا لأن هذا فيه التفات إلى غير الحق ، وفيه وقوفٌ مع السبب ، وحينئذٍ يعتمد عليهم ويثق بهم أكثر من ثقته بربه جل وعلا.. انتهى المقصود منه بتصرف . ويقال للذين يعجبون بالكثرة ويغترون بها؛ فهذا الواقع أمامهم ؛ فهل أعمى الله أبصارهم ؟؟ فهذه أمة الإسلام يبلغ عددها مليار ونصف مليار فما أغنت عنهم وقد تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب ؟؟ فكذلك يقال في الفِرق المتكاثرة والمستكثرة المخالفة لمنهج السلف هي كثيرة ، وأتباع السلفية قليلون -ولا يضرهم ذلك – ولأنهم على الحق ، والنصر لهذا المنهج ولو اجتمع عليهم من بأقطارها . وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ، وَلا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) (أحمد 2682) وأخرجه عبد بن حميد (652) ، وأبو داود (2611) ، والترمذي (1555) من حديث ابن عباس ، وقال الشيخ الألباني صحيح . وقد ذم الله تعالى الإعجاب بالكثرة حتى لو كانت على الحق فلمّا أعجب بعض المسلمين في غزوة خنين بكثرتهم ، ولا يشك أح أنهم كانوا على الحق ؛فقال قائلهم لا نغلب اليوم من قلة ؛ فرد الله ذلك ولم يقبله . فقال :{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ }(25)التوبة . قال ابن كثير – رحمه الله في تفسيره – (4/125) يَذْكُرُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانَهُ لَدَيْهِمْ فِي نَصْرِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مِنْ غَزَوَاتِهِمْ مَعَ رَسُولِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى، وَبِتَأْيِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لَا بعَددهم وَلَا بعُددهم وَنَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِهِ، سَوَاءٌ قَلَّ الْجَمْعُ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّ يَوْمَ حُنين أَعْجَبَتْهُمْ كَثْرَتُهُمْ، وَمَعَ هَذَا مَا أَجْدَى ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ أَنْزَلَ [اللَّهُ] نَصْرَهُ وَتَأْيِيدَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُفَصَّلًا لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَبِإِمْدَادِهِ وَإِنَّ قَلَّ الْجَمْعُ، فَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وقال ابن القين في الزاد (3/419) وَلِيُبَيِّنَ سُبْحَانَهُ لِمَنْ قَالَ: (لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ) أَنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ فَلَا غَالِبَ لَهُ، وَمَنْ يَخْذُلُهُ فَلَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى نَصْرَ رَسُولِهِ وَدِينِهِ، لَا كَثْرَتُكُمُ الَّتِي أَعْجَبَتْكُمْ، فَإِنَّهَا لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، فَوَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، فَلَمَّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهَا خِلَعُ الْجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النَّصْرِ {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26] . وَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وَجَوَائِزَهُ إِنَّمَا تَفِيضُ عَلَى أَهْلِ الِانْكِسَارِ، {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5] [الْقَصَصِ: 6] . فالكثرة التي تقوم على الطائفية والحزبية ، والبدع والخرافات الشركية والإلحاد والتقليد والتعصب والانحراف عن منهج الأسلاف ، والإعجاب والغرور تكون غثاء كغثاء السيل ، لا تسمن ولا تغني من جوع مما يجعل الأمم الأعداء يتداعون فيما بينهم على هذه الأمة لتفريقها وتشتيتها وإرادة هلاكها حتى لا تقم لها قائمة . وكذلك ذم النبي - صلى الله عليه وسلم - الكثرة وجعلها كغثاء السيل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، إذا كانت قلوب أصحابها متعلقة بحب الدنيا وكراهية الموت ، وذلك هو الوهن الذي يجعل الأعداء يتكالبون على هذه الأمة . عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» سنن أبي داود (4297) وقال الشيخ الألباني صحيح . وفي مسند الإمام أحمد ( 8713)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِثَوْبَانَ: " كَيْفَ أَنْتَ يَا ثَوْبَانُ، إِذْ تَدَاعَتْ عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَتَدَاعِيكُمْ عَلَى قَصْعَةِ الطَّعَامِ تُصِيبُونَ مِنْهُ؟ " قَالَ ثَوْبَانُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا؟ قَالَ: " لَا، بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ يُلْقَى فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنُ " قَالُوا: وَمَا الْوَهَنُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " حُبُّكُمُ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَتُكُمُ الْقِتَالَ " قال شعيب الأرنئوط في تحيقي المسند (14/332) ولم نقف على أحد أخرجه من حديث أبي هريرة غير الِإمام أحمد، وأخرجه أبو داود (4297) من حديث ثوبان نفسه، وسيأتي في مسند ثوبان( 5/278): قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكَلَة على قصعتها"، قال: قلنا. يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: "حب الحياة وكراهية الموت". وسنده حسن. ويقال لهؤلاء الذين يستدلون بالكثرة إنما يستدلون بقول فرعون يصف أهل الحق موسى ومن معه بأنهم شرذمة قليلون ، وهو ومن معه أهل كثرة وقوة وأهل حق . أخبرنا الله تعالى في كتابه عن فرعون : { فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ }(55)الشعراء . تماما كما يقوله اليوم أهل الباطل من أهل الأهواء لأهل الحق أنتم قليلون لا حول ولا قوة لكم ، وأن العالم الإسلامي أغلبه وأكثره أشاعرة ، أو صوفية ، أو أنتم شرذمة قليلة توشك أن تندثر وتذهب ، وخاصة إذا مات بعض كبارئكم ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم ، وهل الحق مرتبط بالرجال ، فقد ذهب رسول الله ،وذهب الصحابة وذهب العلماء مشايخ الإسلام في كل عصر ومصر ، وها هو منهج السلف يسير وينتصر ، والعاقبة له بأذن العزيز القدير . فيقال لهم أيضا لا تغتروا بكثرتكم فالكثرة إذا وافقت الحق تكون مباركة وحجة ، ولكن إذا أُعجب أصحابها بها كانت عليهم ويلا ووبالا ، أما إذا خالفت الحق فليس كذلك؛ بل شر من ذلك ، والحق لا يعرف بالرجال ، وإنما يعرف الرجال بالحق . قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: " فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «وَكَيْفَ لَنَا بِالْجَمَاعَةِ؟» فَقَالَ لِي: «يَا عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ ، إِنَّ جُمْهُورَ الْجَمَاعَةِ هِيَ الَّتِي تُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ ، إِنَّمَا الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ» شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/121). فالسلفي لا يستوحش من قلة السالكين على الصراط المستقيم ووسطية المنهج القويم ؛ فهؤلاء الأنبياء وهم من هم قدوته ؟ معصومون ، ومؤيدون بالوحي والمعجزات قد نالهم من الأذى ما نالهم وذهب بعضهم إلى الله ولم يتبعهم على سنتهم وطاعتهم إلا الرجل والرجلان ، ومنهم من لم يؤمن به أحد على كثرة المدعوين . فعن ابن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطَ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلَ، وَالرَّجُلَيْنِ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ... )) أخرجه البخاري (6541) ومسلم (220) (374). ويقال لهم أيضا إن الإسلام بدأ بالقلة ، ونفر اشتدت عليهم الغربة في ديارهم وبين قومهم ، وكذلك ستعود تلك الغربة ، وسيجد المؤمن السني السلفي نفسه في غربة أشد من الظلام الحالك بين قومه وأقاربه ، ولكن العاقبة للمتقين . والنصر من عند الله العزيز الحكيم . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» مصنف ابن أبي شيبة (260) وأحمد (3784)وأخرجه الترمذي (2629) ، وابن ماجه (3988) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أحمد شاكر في تحقيق المسند (4/30) وقال شعيب الأرنئوط في تحقيق المسند وسنن ابن ماجة صحيح ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي وابن ماجة لكن قال دون قوله : قال قيل . قال البغوي في شرح السنة (1/119) قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» فَالنُّزَّاعُ جَمْعُ نَزِيعٌ، وَهُوَ الْغَرِيبُ الَّذِي نَزَعَ عَنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَالنَّزَائِعُ مِنَ الإِبِلِ: الْغَرَائِبُ. الخلاصة : فإذا عرفت هذا أخي ، فقد رفت فألزم ، واسأل الله الثبات وأكثر من هذا الدعاء الذي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يكثر منه . عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ» ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ مَا أَكْثَرَ مَا تَقُولُ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا» وفي صحيح الأدب المفرد (683) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [قال الشيخ الألباني] : صحيح . وأخيرا أقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، واسأله أن يستر عيوبنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يكفر عنّا سيئاتنا ويتوفنا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين . والحمد لله رب العالمين .
  7. هل العبرة في الحق بالكثرة أم بالقلة ؟ الشيخ زيد بن محمد المدخلي رحمه الله

    بسم الله الرحمن الرحيم جزاك الله خيرا أخانا- كمال زيادي - وبارك فيك ، على هذه الدرة الثمينة والفائدة النفيسة ، ورحم الله العلامة زيد المدخلي وجعل ذلك في موازين حسناته ، فجوابه جواب العالم النحرير ، الناقد البصير ، أسأل الله تعالى أن يغفر له وأن يرفع قدره في عليين . وتتميما للفائدة حتى تكتمل الصورة عند الكثير ممن اغتروا بالكثرة ، فيقال لهم ، الكثرة ليست هي الدليل على الحق في كل وقت وحين ، الكثرة تكون حُجة إذا كانت على المَحجة ، أما الكثرة القائمة على التعصب والتقليد والتحزب فليست بحجة .. وقد ذم الله سبحانه وتعالى الكثرة في أكثر من عشرين موضعا من كتابه بين قوله : (( ولكن أكثر النّاس لا يشكرون ، ولا يعلمون ، ولا يؤمنون ...)) قال سبحانه وتعالى وتقدس :{ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ }(243) البقرة . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ }(13) سبأ. فذم الكثرة التي كفرت نعم الله عليه ، ومدح القلة التي تشكر نعم الله ولا تكفرها ، ومن أعظم نعمه نعمة الهدية إلى الإسلام على منهاج النبوة وفهم من أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ولا يشك أحد أن الصحابة منهم ؛ فليس فيهم إلا صديق أو شهيد أو صالح . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (187) الأعراف . والأمر كذلك فأكثر النّاس يجهلون الحق الذي أراده الله لهم أن يكونوا عليه ، فقد فشا الجهل ، ونطق الرويبضة ، واتخذ كثير من الطوائف والفرق والحزبيين رؤساء جهل فافتوهم بغير هدى من الله على غير ما أراد الله سبحانه وما كان عليه رسوله وصحابته رضوان الله عليهم . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{... إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ }(17) هود. فالله أرسل رسوله للنّاس كافة ، فما آمن له إلا القليل ، فنسبة المؤمنين إلى غيرهم من الكفار والمنحرفين عن الصراط المستقيم والمنهج القويم نسبة واحد من ثلاث وسبعين ، وليس من شك أن ذلك الواحد قليل جدا بالنسبة لثلاث وسبعين ، وذلك القليل هو الفرقة الناجية ، فالناجون قليل ، والعاقل الذي يريد النجاة لنفسه ينبغي له أن يعلم حدود ومعالم تلك الفرقة القليلة الناجية لينجو بنجاتها ولا يغتر بالكثرة لأنها ليس هي الحق . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ..} (24)ص . وجعل الله النصرة للقلة القائمة على الكتاب والسنة على مراد الله ومراد رسوله ، وكذلك ذم النبي - صلى الله عليه وسلم - الكثرة وجعلها كغثاء السيل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، إذا كانت قلوب أصحابها متعلقة بحب الدنيا وكراهية الموت ، وذلك هو الوهن الذي يجعل الأعداء يتكالبون على هذه الأمة . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{...قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (249) البقرة . ثم إن الذين يعجبون بالكثرة ويغترون بها؛ فهذا الواقع أمامهم فهل أعمى الله أبصارهم ؟؟ فهذه أمة الإسلام يبلغ عددها مليار ونصف مليار فما أغنت عنهم وقد تكالب عليها الأعداء من كل حدب وصوب ؟؟ فكذلك يقال في الفرق المتكاثرة والمستكثرة المخالفة لمنهج السلف هي كثيرة ، وأتباع السلفية قليلون ولكنهم على الحق والنصر لهذا المنهح ولو اجتمع عليه من بأقطارها . وقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ، وَلا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ " (أحمد 2682) وأخرجه عبد بن حميد (652) ، وأبو داود (2611) ، والترمذي (1555) من حديث ابن عباس ، وقال الشيخ الألباني صحيح . وقد ذم الله تعالى الإعجاب بالكثرة لمّا أعجب بعض المسلمين في غزوة خنين بكثرتهم وقال قائلهم لا نغلب اليوم من قلة فرد الله ذلك ولم يقبله . فقال :{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ }(25)التوبة . قال ابن كثير – رحمه الله في تفسيره – (4/125) يَذْكُرُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانَهُ لَدَيْهِمْ فِي نَصْرِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مِنْ غَزَوَاتِهِمْ مَعَ رَسُولِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى، وَبِتَأْيِيدِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لَا بعَددهم وَلَا بعُددهم وَنَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِهِ، سَوَاءٌ قَلَّ الْجَمْعُ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّ يَوْمَ حُنين أَعْجَبَتْهُمْ كَثْرَتُهُمْ، وَمَعَ هَذَا مَا أَجْدَى ذَلِكَ عَنْهُمْ شَيْئًا فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمَّ أَنْزَلَ [اللَّهُ] نَصْرَهُ وَتَأْيِيدَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُفَصَّلًا لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَبِإِمْدَادِهِ وَإِنَّ قَلَّ الْجَمْعُ، فَكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وقال ابن القين في الزاد (3/419) وَلِيُبَيِّنَ سُبْحَانَهُ لِمَنْ قَالَ: (لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلَّةٍ) أَنَّ النَّصْرَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ فَلَا غَالِبَ لَهُ، وَمَنْ يَخْذُلُهُ فَلَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى نَصْرَ رَسُولِهِ وَدِينِهِ، لَا كَثْرَتُكُمُ الَّتِي أَعْجَبَتْكُمْ، فَإِنَّهَا لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا، فَوَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، فَلَمَّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهَا خِلَعُ الْجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النَّصْرِ {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 26] وَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنَّ خِلَعَ النَّصْرِ وَجَوَائِزَهُ إِنَّمَا تَفِيضُ عَلَى أَهْلِ الِانْكِسَارِ، {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5] [الْقَصَصِ: 6] . فالكثرة التي تقوم على الطائفية والحزبية ، والبدع والخرافات الشركية والإلحاد والتقليد والتعصب والانحراف عن منهج الأسلاف ، والإعجاب والغرور تكون غثاء كغثاء السيل ، لا تسمن ولا تغني من جوع مما يجعل الأمم الأعداء يتداعون فيما بينهم على هذه الأمة لتفريقها وتشتيتها وإرادة هلاكها حتى لا تقم لها قائمة . عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» سنن أبي داود (4297) وقال الشيخ الألباني صحيح . وفي مسند الإمام أحمد ( 8713)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِثَوْبَانَ: " كَيْفَ أَنْتَ يَا ثَوْبَانُ، إِذْ تَدَاعَتْ عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَتَدَاعِيكُمْ عَلَى قَصْعَةِ الطَّعَامِ تُصِيبُونَ مِنْهُ؟ " قَالَ ثَوْبَانُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا؟ قَالَ: " لَا، بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ يُلْقَى فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنُ " قَالُوا: وَمَا الْوَهَنُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " حُبُّكُمُ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَتُكُمُ الْقِتَالَ " قال شعيب الأرنئوط في تحيقي المسند (14/332) ولم نقف على أحد أخرجه من حديث أبي هريرة غير الِإمام أحمد، وأخرجه أبو داود (4297) من حديث ثوبان نفسه، وسيأتي في مسند ثوبان 5/278، قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكَلَة على قصعتها"، قال: قلنا. يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: "حب الحياة وكراهية الموت". وسنده حسن. ويقال لهؤلاء الذين يستدلون بالكثرة إنما يستدلون بقول فرعون يصف أهل الحق موسى ومن معه بأنهم شرذمة قليلون ، وهو ومن معه أهل كثرة وقوة وأهل حق . أخبرنا الله تعالى في كتابه عن فرعون : { فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ }(55)الشعراء . تماما كما يقوله اليوم أهل الباطل من أهل الأهواء لأهل الحق أنتم قليلون لا حول ولا قوة لكم ، وأن العالم الإسلامي أغلبه وأكثره أشاعرة ، أو صوفية ، أو أنتم شرذمة قليلة توشك أن تندثر وتذهب ، وخاصة إذا مات بعض كبارئكم ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم ، وهل الحق مرتبط بالرجال ، فقد ذهب رسول الله ،وذهب الصحابة وذهب العلماء مشايخ الإسلام في كل عصر ومصر ، وها هو منهج السلف يسير وينتصر ، والعاقبة له بأذن العزيز القدير . فيقال لهم أيضا لا تغتروا بكثرتكم فالكثرة إذا وافقت الحق تكون مباركة وحجة ، أما إذا خالفته فليس كذلك ، والحق لا يعرف بالرجال ، وإنما يعرف الرجال بالحق . قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: " فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «وَكَيْفَ لَنَا بِالْجَمَاعَةِ؟» فَقَالَ لِي: «يَا عَمْرُو بْنَ مَيْمُونٍ ، إِنَّ جُمْهُورَ الْجَمَاعَةِ هِيَ الَّتِي تُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ ، إِنَّمَا الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ طَاعَةَ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ» شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/121). فلا تستوحش من قلة السالكين على الصراط المستقيم ووسطية المنهج القويم فهؤلاء الأنبياء وهم من هم ؟ معصومون ، ومؤيدون بالوحي والمعجزات قد نالهم من الأذى ما نالهم وذهبوا إلى الله ولم يتبعهم على سنتهم وطاعتهم إلا الرجل والرجلان ، ومنهم من لم يؤمن به أحد على كثرة المدعوين . فعن ابن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطَ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلَ، وَالرَّجُلَيْنِ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ... )) أخرجه البخاري (6541) ومسلم (220) (374). ويقال لهم أيضا إن الإسلام بدأ بالقلة ونفر اشتدت عليهم الغربة في ديارهم وبين قومهم وكذلك ستعود تلك الغربة ، وسيجد المؤمن السني السلفي نفسه في غربة أشد من الظلام الحالك بين قومه وأقاربه ، ولكن العاقبة للمتقين . والنصر من عند الله العزيز الحكيم . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، قِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» مصنف ابن أبي شيبة (260) وأحمد (3784)وأخرجه الترمذي (2629) ، وابن ماجه (3988) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه أحمد شاكر في تحقيق المسند (4/30) وقال شعيب الأرنئوط في تحقيق المسند وسنن ابن ماجة صحيح ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي وابن ماجة لكن قال دون قوله : قال قيل . قال البغوي في شرح السنة (1/119) قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ» فَالنُّزَّاعُ جَمْعُ نَزِيعٌ، وَهُوَ الْغَرِيبُ الَّذِي نَزَعَ عَنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ، وَالنَّزَائِعُ مِنَ الإِبِلِ: الْغَرَائِبُ. الخلاصة : فإذا عرفت هذا أخي ، فاسأل الله الثبات وأكثر من هذا الدعاء الذي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يكثر منه . عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ» ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ مَا أَكْثَرَ مَا تَقُولُ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا» وفي صحيح الأدب المفرد (683) عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [قال الشيخ الألباني] : صحيح . وأخيرا أقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، واسأله أن يستر عيوبنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يكفر عنّا سيئاتنا ويتوفنا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين .
  8. حكم شرب الدخان للعلامة السعدي بتعليقي

    آميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن ، وفيك ولك أخي المبارك .
  9. زَلَّةُ الْعَالِمِ زلة العَالمَ

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وحده لا شريك له ، وهو يتولى الصالحين ، ويحفظ عباده المتقين ، وفي مقدمتهم العلماء العاملين من الخطأ والزلات التي تقع من بعضهم بين الحين والحين ، وفتح لهم باب التوبة والرجوع عما زلوا فيه إلى الحق المبين ، وأصلي وأسلم على سيد الأنبياء وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان أجمعين إلى يوم الدين . أما بعد : فإن من الأمور الخطيرة التي وقع فيها كثير ممن يحسب على طلب العلم ويدعي الانتساب إلى منهج السلف الصالحين اتباع العالم على زلته ، وخطأه ، والتعصب له على ذلك ، مما يسبب انحرافا وضلالا عن الصراط المستقيم ، ويسبب الشقاق والافتراق على الوحي المبين ، مع العلم أن العالم لا يتعمد مخالفة السنة والكتاب ، فإذا اجتهد وحصل منه خلاف الصواب ؛ فبمجرد ما يظهر له الحق يرجع إليه ، ويؤوب فرحا مسرورا أن ظهر له الحق شعاره – رحم الله امرؤ أهدى إلي عيوبي - فإذا رُوجع في اجتهاده فظهر له خطؤه ، وتبين أن الحق في غير ما أفتى به ، رجع إلى الصواب وترك الخطأ .. فإذ بيّن وأصلح فقد برئت ذمته ، تبقى تبعة خطئه على الأمة ممن لم يعرف رجوعه ..وذهب بعثرته فأنى له أن يستدركه ؟؟ وإذا لم يبين حصل بذلك زلة ؛بل زلل وانحراف لكثير من الخلق ، وأخطر من هذا وأشد ضررا على الدين من عرف أن العالم رجع عن خطئه فكتمه وبقي متعصبا لقوله المخالف للسنة ومنهج السلف الصالح ؛ كحال الأشاعرة مع أبي الحسن الأشعري ، فقد رجع عما كان عليه ، ولكن أتباعه تعصبوا لقوله المخالف وتمسكوا به ، وبعضهم أنكر رجوعه ، وبعضهم كتمه ، فانظر- رحمني الله وإياك - كم زل ، وضل بسبب ذلك ولذلك قيل : زلة العَالِم زلة العَالَم . هذه الخصلة مع ثانية وثالثة لها تهدم الإسلام ؛ بل تهدم العَالمَ جاء بيان ذلك في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم . ففي سنن الدارمي 220 - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَنبَأَنَا عَلِيٌّ هُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ ))[تعليق المحقق] إسناده صحيح. وهو في جامع بيان العلم وفضله (1867-1869)باب فساد التقليد .وقال محققه إسناده صحيح ، وأورده البغوي في شرح السنة (1/317) وصححه العلامة الألباني في المشكاة (269). الله أكبر ما أخطر هذه الخصال ، وما أشد ضررها على ديننا الحنيف ، زلة العالِم، هي زلة العالمَ كما قيل ، وزلة العالَم سبب للتقليد والتعصب ، وهذا سبب للشحناء والتفرق ، وهذا سبب للحالقة التي تحلق الدين . وجدال المنافق بالكتاب ، الذي يظهر السنة ، ويبطن البدعة ويتبع المتشابه لما في قلبه زيغ وضلال ، وهذا يسبب ظهور البدعة وطمس السنة وانقلاب الحق إلى باطل والباطل إلى حق . وحكم الأئمة المضلين ، من ظلم السلطان وجور القضاة ، وفتوى أئمة الضلال . وهذا سبب إلى إظهار الفتن والإحن ، والبلايا والخوف والتقاتل وغير ذلك من الشرور التي تذهب وتغطي معالم الدين الحق . وفي معجم الطبراني الكبير (14) عن كَثِير بن عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي مِنْ أَعْمَالٍ ثَلَاثَةٍ» قَالُوا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «زَلَّةُ الْعَالِمِ، أَوْ حُكْمٌ جَائِرٌ، أَوْ هَوًى مُتَّبَعٌ» . وأخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1865)قال محققه الزهيري إسناده ضعيف ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد(1/187)فيه كثير بن عبد الله بن عوف وهو متروك ، وقد حسن له الترمذي . وقال مرة (5/239)كثير بن عبد الله ضعيف . وقال الحسن البصري : قال أبو الدرداء: (( إن مما أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق)).جامع بيان العلم وفضله ( 1867). وقال محققه : رجال إسناده ثقات غير أنه منقطع بين الحسن وأبي الدرداء ، وباقي رجاله ثقات ، وله شاهد من حديث معاذ أخرجه الدارمي ، واللالكائي وابن بطة . وقال سلمان الفارسي: ((كَيْفَ أَنْتُمْ عِنْدَ ثَلَاثٍ؟ زَلَّةِ عَالِمٍ وَجِدَالِ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ، فَأَمَّا زَلَّةُ الْعَالِمِ فَإِنِ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ، وَأَمَّا مُجَادَلَةُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ لِلْقُرْآنِ مَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَخُذُوا وَمَا لَمْ تَعْرِفُوهْ فَكِلُوهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَمَّا دُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ فَانْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ». قال ابن عبد البر بعده : وَشَبَّهَ الْعُلَمَاءُ زَلَّةَ الْعَالِمِ بِانْكِسَارِ السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا غَرِقَتْ غَرِقَ مَعَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَإِذَا ثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّ الْعَالِمَ يُخْطِئُ وَيَزِلُّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ وَيَدِينَ بِقَوْلٍ لَا يَعْرِفُ وَجْهَهُ . جامع بيان العلم وفضله (2/982)(1873) . وعن ابن عباس قال : (( ويل للأتباع من عثرات العَالِم . قيل كيف ذاك؟ قال : يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيترك قوله ذلك ، ثم يمضي الأتباع )). جامع بيان العلم وفضله (1877). هذا في زمننا حاصل ؛ بل هو كثير عند كثير من الأئمة الخطباء ينشرون الأحاديث الموضوعة ، والضعيفة ، والقصص المنكرة والخرافات والشبه يبثونها في الّنّاس ثم يمضون ولا يعرف عنهم أنهم رجعوا ، حتى إذا استنكر عليهم وقت العثرة والزلة علانية استنكروا على من أنكر عليهم ورموه بكل ناقصة ، وقالوا فتان مراء ، وغير ذلك من الألقاب التي لا يرضى أحدهم أن يوصف بأقل شيء منها .. وللأمانة فإن القليل منهم من يقبل الحق ولكنه يستحي أن يصحح علانية ما أُخذ به وأقل من القليل من يصحح ويبين، والنادر من يشكر للناصح الذي بين له ما وقع فيه .. هذا هو حال النفس في زمن يقل فيه الخير ويكثر في الشر ، ويكون الفهم الصحيح الذي أراده الله للمسلمين أن يكونوا عليه غريبا ، كغربة أهل السنة المحضة وسط أهل السنة كما ذكره ابن القيم الرباني في شرحه للحديث :(( بدأ الإسلام غريبا وسيود غريبا...)) فابن عباس - رضي الله عنهما- يقول ويل للأتباع من زلة العالم وعثرته من غير قصد ؛ فكيف بمن يقصد إلى إضلال خلق الله من عوام وطلاب العلم ولبس عليهم الحق بالكذب والافتراء أحيانا ، وبالتأويل ولي عنق الأدلة والنصوص وتحريفها مرة أخرى لما يوافق زلته وعثرته . وإذا كان ذلك كذلك من العالم بغير قصد ، وعن اجتهاد وهو مأجور على اجتهاده فكيف بزلة طالب العلم متعمدا قاصدا صرف وجوه النّاس إليه ، وفوق ذلك يذكر فلا يتذكر ، وينصح فـتأخذه العزة بالإثم فيتعصب ويشتد استنكاره على ناصحه . مَضَارُّ زَلَّةِ الْعَالِمِ] قال ابن القيم - رحمه الله - في إعلام الموقعين (2/134) قُلْت: وَالْمُصَنِّفُونَ فِي السُّنَّةِ جَمَعُوا بَيْنَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَإِبْطَالِهِ ، وَبَيَانِ زَلَّةِ الْعَالِمِ لِيُبَيِّنُوا بِذَلِكَ فَسَادَ التَّقْلِيدِ. وَأَنَّ الْعَالِمَ قَدْ يَزِلُّ وَلَا بُدَّ؛ إذْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ ، فَلَا يَجُوزُ قَبُولُ كُلِّ مَا يَقُولُهُ، وَيُنَزَّلُ قَوْلُهُ مَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمَعْصُومِ ؛ فَهَذَا الَّذِي ذَمَّهُ كُلُّ عَالِمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَحَرَّمُوهُ، وَذَمُّوا أَهْلَهُ . وَهُوَ أَصْلُ بَلَاءِ الْمُقَلِّدِينَ وَفِتْنَتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ الْعَالِمَ فِيمَا زَلَّ فِيهِ وَفِيمَا لَمْ يَزِلَّ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَيَأْخُذُونَ الدِّينَ بِالْخَطَأِ - وَلَا بُدَّ - فَيَحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَيُشَرِّعُونَ مَا لَمْ يُشَرِّعْ، وَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إذْ كَانَتْ الْعِصْمَةُ مُنْتَفِيَةً عَمَّنْ قَلَّدُوهُ، وَالْخَطَأُ وَاقِعٌ مِنْهُ وَلَا بُدَّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرٍ هَذَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: « اتَّقُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ، وَانْتَظِرُوا فَيْئَتَهُ » . وَذُكِرَ مِنْ حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: « أَشَدُّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثٌ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَدُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ » . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَخُوفَ فِي زَلَّةِ الْعَالِمِ تَقْلِيدُهُ فِيهَا؛ إذْ لَوْلَا التَّقْلِيدُ لَمْ يَخَفْ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِذَا عَرَفَ أَنَّهَا زَلَّةً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْخَطَأِ عَلَى عَمْدٍ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهَا زَلَّةٌ فَهُوَ أَعْذَرُ مِنْهُ، وَكِلَاهُمَا مُفْرِطٌ فِيمَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ عُمَرُ: يُفْسِدُ الزَّمَانَ ثَلَاثَةٌ : أَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ حَقٌّ، وَزَلَّةُ الْعَالِمِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ إلَّا قَالَ حِينَ يَجْلِسُ: (( اللَّهُ حَكَمُ قِسْط، هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ ...)) الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: ((.. وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ الضَّلَالَةُ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ )). قُلْت لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي - رَحِمَك اللَّهُ - أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ لِي: اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْبِهَاتِ الَّتِي يُقَالُ مَا هَذِهِ، وَلَا يُثْنِيَك ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ، وَتَلْقَ الْحَقَّ إذَا سَمِعْته، فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا. قلت : رواه أبو داود(183) وقال العلامة الألباني صحيح الإسناد موقوف . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَيْلٌ لِلْأَتْبَاعِ مِنْ عَثَرَاتِ الْعَالِمِ، قِيلَ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا الْعَبَّاسِ؟ قَالَ: يَقُولُ الْعَالِمُ مِنْ قِبَلِ رَأْيِهِ، ثُمَّ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَدَعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ: فَيَلْقَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ فَيُخْبِرُهُ فَيَرْجِعُ وَيَقْضِي الْأَتْبَاعُ بِمَا حَكَمَ. قلت : ومن هنا وجب عليه أن يبين عثرته حتى لا يتبعه عليها غيره ، فإذا بين برئت ذمته أما إن لم يبين وقد انتشرت عنه عثرته وزلته فالتبعة باقية فعليه أن يصلح ما كان منه عثرة ولو من غير قصد فإذا كان يستطيع أن يبين ولم يبين فالتبعئة قائمة وذمته لا تبرأ فلعيه وزر من تبعه عليها.. أما من علمها من الأتباع وتبعه عليها فهو إتباع الخطأ عن عمد فيكون مخطئ آثم ، أما من لم يعرف ذلك فهو معذور من جهة جهله لكنه مقصر من حيث البحث والتحري عن الحق ، وسؤال أهل العلم . وَقَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيِّ : اتَّقُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ: مَا زَلَّةُ الْعَالِمِ؟ قال: يَزِلُّ بِالنَّاسِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، فَعَسَى أَنْ يَتُوبَ الْعَالِمُ ، وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ : عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِثَلَاثٍ: دُنْيَا تَقْطَعُ أَعْنَاقَكُمْ، وَزَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، فَسَكَتُوا، فَقَالَ: أَمَّا الْعَالِمُ فَإِنْ اهْتَدَى فَلَا تُقَلِّدُوهُ دِينَكُمْ، وَإِنْ اُفْتُتِنَ فَلَا تَقْطَعُوا مِنْهُ إيَاسَكُمْ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْتَتِنُ ثُمَّ يَتُوبُ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَلَهُ مَنَارٌ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ فَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهُ، وَمَا شَكَكْتُمْ فَكِلُوهُ إلَى عَالِمِهِ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ الْغِنَى فِي قَلْبِهِ فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ لَا فَلَيْسَ بِنَافِعَتِهِ دُنْيَاهُ. وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُمَرَ: كَمَا أَنَّ الْقُضَاةَ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ فَالْمَفْتُونَ ثَلَاثَةٌ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي كَوْنِ الْقَاضِي يُلْزَمُ بِمَا أَفْتَى بِهِ، وَالْمُفْتِي لَا يُلْزَمُ بِهِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو النَّصْرِيُّ: ثنا أَبُو مُسْهِرٍ ثنا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: إنَّ حَدِيثَكُمْ شَرُّ الْحَدِيثِ، إنَّ كَلَامَكُمْ شَرُّ الْكَلَامِ؛ فَإِنَّكُمْ قَدْ حَدَّثْتُمْ النَّاسَ حَتَّى قِيلَ: قَالَ فُلَانٌ ، وَقَالَ فُلَانٌ، وَيَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ، مَنْ كَانَ مِنْكُمْ قَائِمًا فَلْيَقُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَإِلَّا فَلْيَجْلِسْ. فَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ – رضي الله عنه - لِأَفْضَلِ قَرْنٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ مَا أَصْبَحْنَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ كِتَابِ اللَّهِ ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟ ، فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رضي الله عنه - لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ - وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَسْتَغْنِي عَنْ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ -: يَا كُمَيْلُ، إنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ صَائِحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ. ثُمَّ قَالَ: آهْ إنَّ هَهُنَا عِلْمًا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى صَدْرِهِ - لَوْ أَصَبْت لَهُ حَمَلَةٌ، بَلْ قَدْ أَصَبْت لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ، يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ للدُّنْيَا، وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللَّهِ عَلَى كِتَابِهِ وَبِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، أَوْ حَامِلُ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إحْيَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ، إنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ، مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ بِهِ، وَإِنَّ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ. قلت : رحم الله أبا الحسنين ورضي عنهم أجمعين ، وكأنه شاهد عيان نطق بالحق على ما نعيشه في وصفه هذا ، فما أكثر من وصفهم بقوله : لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ، يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ للدُّنْيَا، وَيَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللَّهِ عَلَى كِتَابِهِ وَبِنِعَمِهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، أَوْ حَامِلُ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إحْيَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ، إنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ، مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ بِهِ، وَإِنَّ مِنْ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ. فما أكثر الزلل والعثرات بهؤلاء ، حين ظهرت بعض علامات الساعة التي كانت سببا في ذلك وهي فشو الجهل ، وظهور القلم ، ونطق الرويبضات ، واتخاذ النّاس أئمة جهالا ، يفتون بغير العلم فضلوا وأضلوا ، ورحم الله من عرف قدر نفسه فكبح هواها ، وحاسبها أشد حسابها ، فصان دينه عن العثرات ، وأرضى ربه فخرج من الدنيا ولا تبعة عليه من الأتباع الرعاع الذين وصفهم علي رضي الله عنه . فإنه من الصعب جدا أن يحاسب العبد على ضلال الرعاع الذين لم يبلغهم رجوع العالم عن عثرته وبيانه لزلته ، وأعظم منه حسابا من علم من نفسه ذلك وبقي مصرا على عثرته وزلته فكيف يكون موقفه أمام ربه وقد تحمل وزره ووزر من اقتدى به ؟؟؟ اللهم نسألك العفو والعافية يا رحمان الدنيا والآخرة . [نَهْيُ الصَّحَابَةِ عَنْ الِاسْتِنَانِ بِالرِّجَالِ]: ويواصل ابن القيم - رحمه الله - وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ – رضي الله عنه - قَالَ: إيَّاكُمْ وَالِاسْتِنَانَ بِالرِّجَالِ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ لَا بِالْأَحْيَاءِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - : لَا يُقَلِّدْنَ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا إنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: (( يَذْهَبُ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ يَتَّخِذُ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، يَسْأَلُونَ فَيُفْتُونَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ)). قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا كُلُّهُ نَفْيٌ لِلتَّقْلِيدِ، وَإِبْطَالٌ لَهُ لِمَنْ فَهِمَهُ وَهُدي لِرُشْدِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ:" اضْطَجَعَ رَبِيعَةُ مُقَنِّعًا رَأْسَهُ وَبَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيَك؟ فَقَالَ: رِيَاءٌ ظَاهِرٌ، وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ، وَالنَّاسُ عِنْدَ عُلَمَائِهِمْ كَالصِّبْيَانِ فِي إمَامِهِمْ: مَا نَهَوْهُمْ عَنْهُ انْتَهَوْا، وَمَا أُمِرُوا بِهِ ائْتَمَرُوا.انتهى كلامه.إعلام الموقعين (2/135-136). وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ في المدخل إلى السنن (1/445) أغلب تلك الآثار وبوب عليها باب ما يخشى من زلة العالم في العلم أو العمل (ح 830 – 831 - 832 – 833 - 834 – 835 – 836 - 837). وَقَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيِّ: اتَّقُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ: مَا زَلَّةُ الْعَالِمِ؟ قال : العالم يَزِلُّ بِالنَّاسِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، فَعَسَى أَنْ يَتُوبَ الْعَالِمُ وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ. قلت : أخرجه ابن المبارك وأبو نعيم في الزهد والرقائق (1449 ) أَخْبَرَكُمْ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَوَيْهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ، اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فِي الْقَصَصِ، فَقَالَ: إِنَّهُ عَلَيَّ مِثْلُ الذَّبْحِ، فَقَالَ: «إِنِّي أَرْجُو الْعَافِيَةَ» فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ - يَعْنِي عُمَرَ - يَوْمًا، فَقَالَ تَمِيمٌ فِي قَوْلِهِ: «اتَّقُوا زَلَّةَ الْعَالِمِ» ، فَكَرِهَ عُمَرُ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ، فَيَقْطَعَ بِالْقَوْمِ، فَحَضَرَ مِنْهُ قِيَامٌ، فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا فَرَغَ فَسَلْهُ، مَا زَلَّةُ الْعَالِمِ؟ ثُمَّ قَامَ عُمَرُ، فَجَلَسَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَغَفَلَ غَفْلَةً، وَفَرَغَ تَمِيمٌ، وَقَامَ يُصَلِّي، وَكَانَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ.. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ رَجَعْتُ فَقُلْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَرَجَعَ، وَطَالَ عَلَى عُمَرَ، فَأَتَى ابْنُ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: انْطَلِقْ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَتَى تَمِيمًا الدَّارِيَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا زَلَّةُ الْعَالِمِ؟ فَقَالَ: «الْعَالِمُ يَزِلُّ بِالنَّاسِ فَيُؤْخَذُ بِهِ، فَعَسَى أَنْ يَتُوبَ مِنْهُ الْعَالِمُ، وَالنَّاسُ يَأْخُذُونَ بِهِ». وأورده البيهقي في المدخل إلى السنن (1/445)(837). قال علي القارئ في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/334): (وَعَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا رَاءٌ كَذَا فِي الْأَسْمَاءِ لِلْمُصَنِّفِ. قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: تَابِعِيٌّ سَمِعَ عُمَرَ وَعَلِيًّا (قَالَ) : قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ أَيْ: يُزِيلُ عِزَّتَهُ، وَالْهَدْمُ فِي الْأَصْلِ إِسْقَاطُ الْبِنَاءِ: (قُلْتُ: لَا!). أَيْ: لَا أَعْرِفُ (قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ) : أَيْ عَثْرَتُهُ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ (وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ) : الَّذِي يُظْهِرُ السُّنَّةَ وَيُبْطِنُ الْبِدْعَةَ (بِالْكِتَابِ) : وَإِنَّمَا خُصَّ لِأَنَّ الْجِدَالَ بِهِ أَقْبَحُ، إِذْ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ (وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ) : بِالْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ (الْمُضِلِّينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهَدْمِ الْإِسْلَامِ تَعْطِيلُ أَرْكَانِهِ الْخَمْسَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " « بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» " الْحَدِيثَ. وَتَعْطِيلُهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَمِنْ جِدَالِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَغُلُوِّهِمْ فِي إِقَامَةِ الْبِدَعِ بِالتَّمَسُّكِ بِتَأْوِيلَاتِهِمُ الزَّائِفَةِ وَمِنْ ظُهُورِ ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ وَحُكْمِ الْمُزَوِّرِينَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ زَلَّةُ الْعَالِمِ لِأَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، كَمَا جَاءَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ زَلَّةُ الْعَالَمِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقُوفًا. شرح المشكاة للطيبي (2/714) . قال المناوي في التيسير بشرح الجامع الصغير (1/31) قوله: (اتَّقوا زلَّة الْعَالم) أَي فعله الْخَطِيئَة جَهرا لِأَن بزلته يزل عَالمَ كثير لاقتدائهم بِهِ . قال العلامة الألباني في الضعيفة (4/193)(1700): قوله: (اتَّقوا زلَّة الْعَالم ..): ولعل أصل الحديث موقوف ، فرفعه كثير عمدا أو خطأ، فقد رأيت الشطر الأول منه من قول معاذ بن جبل - رضي الله عنه،- في مناقشة هادئة رائعة بين ابن مسعود وأبي مسلم الخولاني التابعي الجليل، لا بأس من ذكرها لما فيها من علم وخلق كريم، ما أحوجنا إليه في مناظراتنا ومجادلاتنا، وأن المنصف لا يضيق ذرعا مهما علا وسما إذا وجه إليه سؤال أو أكثر في سبيل بيان الحق.. فأخرج الطبراني في " مسند الشاميين " (ص 298) بسند جيد عن الخولاني: أنه قدم العراق فجلس إلى رفقة فيها ابن مسعود، فتذاكروا الإيمان، فقلت: أنا مؤمن. فقال ابن مسعود: أتشهد أنك في الجنة؟ فقلت: لا أدري مما يحدث الليل والنهار. فقال ابن مسعود: لو شهدت أني مؤمن لشهدت أني في الجنة. قال أبو مسلم: فقلت: يا ابن مسعود! ألم تعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أصناف : مؤمن السريرة مؤمن العلانية، كافر السريرة كافر العلانية، مؤمن العلانية كافر السريرة؟ قال : نعم. قلت: فمن أيهم أنت؟ قال : أنا مؤمن السريرة مؤمن العلانية. قال أبو مسلم: قلت: وقد أنزل الله عز وجل: { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن }، فمن أي الصنفين أنت؟ قال: أنا مؤمن. قلت: صلى الله على معاذ. قال: وما له؟ قلت: كان يقول: " اتقوا زلة الحكيم ". وهذه منك زلة يا ابن مسعود! فقال: أستغفر الله. وأقول : رضي الله عن ابن مسعود ما أجمل إنصافه، وأشد تواضعه ، لكن يبدو لي أنه لا خلاف بينهما في الحقيقة، فابن مسعود نظر إلى المآل، ولذلك وافقه عليه أبو مسلم، وهذا نظر إلى الحال، ولهذا وافقه ابن مسعود، وأما استغفاره، فالظاهر أنه نظر إلى استنكاره على أبي مسلم كان عاما فيما يبدو من ظاهر كلامه. والله أعلم.
  10. رد الفهم المعكوس ... بالدفاع عن الشيخ فركوس

    آمين ولك بالمثل أخي الفاضل . وهذا الرابط الذي فيه ذلك التعقيب http://www.ahlelhadith.com/vb/showthread.php?t=2314
  11. رد الفهم المعكوس ... بالدفاع عن الشيخ فركوس

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد : لقد أرسل لي أحد إخواننا السلفيين رسالة يذكر فيها أنه بدأ ينتشر قِبَلهم الطعن في العلامة الفاضل الشيخ محمد علي فركوس – حفظه الله – يشككون في أهليته وفتاويه مما جعل كثيرا من الشباب يضطربون ويحتارون ، وقد طلب مني أن أدافع عن الشيخ وأبين لهم مكانته وأهليته العلمية عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : << من رد عن عرض أخيه بالغيب رد الله عن وجهه النار يوم القيامة >> وأن ذلك الدفاع يعتبر دفاع عن السنة كما قال . فأقول : وبالله تعالى التوفيق . أولا : إن الشيخ العلامة الأصولي محمد علي فركوس - حفظه الله - زكاه من هو أفضل مني علما وورعا ، وليس مثل الشيخ من يحتاج إلى الدفاع عنه ، وبيان مكانته العلمية ، من مثلي بعد تزكية أهل العلم الكبار من أهل الحديث أهل الاختصاص في الجرح والتعديل العارفين بأسبابه المتكلمين بالعلم والعدل والورع ، فلا عبرة لمن يقع فيه وهو دون ذلك بمفاوز ، بل ربما لم يجلس يوما إلى عالم من العلماء ولم يذق طعم ذل العلم ساعة ، أو لم يعرف حقيقة الشيخ من قريب أو ربما دلس عليه بعض الحاقدين الحاسدين - هداهم الله - أو أنه لا يقرأ للشيخ ولا يقرأ ما ينشر عن الشيخ من ثناء العلماء الذي نشر في كثير من المواقع والمنتديات السلفية . وسأنقل بعضا منها في آخر هذا المقال . ثانيا : لقد سبق وأن دافعت عن الشيخ الفاضل وأثنيت عليه في عدة مواقف ، وجلسات ، فإذا كان الشيخ -حفظه الله - ليس أهلا لأن يؤخذ منه العلم ، ولا يصلح للفتوى فمن هذا الذي يفتي ولا يستفتى غيره وهو في المدينة ، أنا بدوري كلما استفسرت في مسائل أحلت عليه ..وأرشدت السائل إليه لعملي بمكانته وفضله . ثالثا : فالشيخ معروف لدى العلماء السلفيين وطلبة العلم بسلفيته وصحة معتقده وسلامة منهجه ، ومعروف بنشره للسنة ودفاعه عن منهج السلف ، ورجوعه للحق وقبوله ممن جاء به بالتي هي أحسن للتي هي أقوم ، متواضعا تواضعا جما يعرف ذلك من زاره فضلا عمن جالسه ، وقد أوقف حياته على هذه الدعوة المباركة صابرا محتسبا في ذلك رغم ما يلاقيه من ضغوط ومضايقات - نسأل الله لنا وله الثبات - وهذا لا يعني أن الشيخ معصوم ، لا والله بل هو كغيره من العلماء يخطئ ويصيب ، وهو مأجور على اجتهاده فيما أخطأ، وهو رجّاع للحق متى ما ظهر له ذلك كما قلت آنفا ، وقد لمست منه ذلك ورأيته ووقفت عليه غير مرة من خلال ما قرأت له أو سمعته منه ، والأمثلة على ذلك موجودة لمن أرادها وليس هذا موطن بسطها.. وإلى أولئك الطاعنين عليه وعلى غيره من المشايخ والعلماء وطلبة العلم السلفيين في الجزائر وغيرها ... أسوق هذا التذكير ، والذكرى نافعة لأهل الخير ، والله أسأل التيسير ، والنفع لنا ولهم إنه على كل شيء قدير . قال الله تعالى : {{ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا}} النساء (112). قال أبو جعفر ابن جرير الطبري( 59/179)يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يعمل خطيئة، وهي الذنب="أو إثمًا"، وهو ما لا يحلّ من المعصية. وإنما فرق بين { الخطيئة } و{ الإثم } ، لأن { الخطيئة }، قد تكون من قبل العَمْد وغير العمد، و{ الإثم } لا يكون إلا من العَمْد، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما فقال: ومن يأت{{خطيئة}} على غير عمد منه لها ، أو{ إثمًا } على عمد منه. {{ ثم يرم به بريئًا}}، يعني: ثم يُضيف ما له من خطئه أو إثمه الذي تعمده {{ بريئًا}} مما أضافه إليه ونحله إياه{{ فقد احتمل بُهتانًا وإثمًا مبينًا}}، يقول: فقد تحمّل بفعله ذلك فريَة وكذبًا وإثمًا عظيمًا. يعني، وجُرْمًا عظيمًا، على علم منه وعمدٍ لما أتى من معصيته وذنبه. و قوله:{{ فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا}}، فإن معناه: فقد تحّمل - هذا الذي رمَى بما أتى من المعصية وركب من الإثم الخطيئة، مَنْ هو بريء مما رماه به. من ذلك{{ بهتانًا}} ، وهو الفرية والكذب ، {{وإثمًا مبينًا}}، يعني وِزْرًامبينًا، يعني: أنه يبين عن أمر متحمِّله وجراءته على ربه، وتقدّمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمرَه. قال الشيخ السعدي – رحمه الله - وقوله: { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً } أي: ذنبا كبيرا { أَوْ إِثْمًا } ما دون ذلك. { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ } أي: يتهم بذنبه { بَرِيئًا } من ذلك الذنب، وإن كان مذنبا. { فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } أي: فقد حمل فوق ظهره بهتا للبريء وإثمًا ظاهرًا بينًا، وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها، فإنه قد جمع عدة مفاسد: كسب الخطيئة والإثم، ثم رَمْي مَن لم يفعلها بفعلها، ثم الكذب الشنيع بتبرئة نفسه واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك من العقوبة الدنيوية، تندفع عمن وجبت عليه، وتقام على من لا يستحقها. ثم ما يترتب على ذلك أيضا من كلام الناس في البريء إلى غير ذلك من المفاسد التي نسأل الله العافية منها ومن كل شر. وقال صلى الله عليه وسلم : << وَمَنْ خَاصَمَ فِى بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِى سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ وَمَنْ قَالَ فِى مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ >>رواه أبو داود (3/305) [ح3598]واللفظ له إلا أنه قال :<< ومن قال في مؤمن >> وأحمد (2/70 ) والطبراني بإسناد جيد نحوه ، وزاد في آخره :<< وليس بخارج >> ورواه الحاكم مطولا ومختصرا وقال في كل منها : صحيح الإسناد ، وقال الشيخ الألباني : صحيح ، الصحيحة ( 438 ). سبحان الله الكثير منا يقرأ هذه الآية وهذا الحديث أو يسمعهما مع ما فيهما من زجر ووعيد فتمر عليه وكأن شيئا لم يمر عليه ولم يقرع سمعه ، فإذا كانت الكلمة يهوي بها العبد سبعين خريفا في النار كما ثبت ذلك عن المعصوم عليه الصلاة والسلام فكيف بمن يفري ويفتري في أعراض إخوانه بالباطل ، فكيف بمن يقع في خيار الأمة وعلمائها فلا شك أن هذا أشد وأخزى .. وليعلم هذا الطاعن في العلماء بالباطل أن لحومهم مسمومة ، وإنما يتجرع السم الذي لا يخرجه من ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج .. وليعلم أن النيل من العلماء السلفيين سم قاتل يصيب مقاتل الواقع فيهم ويعود عليه بمجرد أن يحوم حولهم ويغمزهم قال الإمام أحمد فقال : لحوم العلماء مسمومة ، من شمها مرض ، ومن أكلها مات . من كتاب المعيد في أدب المفيد والمستفيد (ص 71) . وقال الحسن بن ذكوان : وقد ذكر عنده رجل أحد العلماء بشيء . فقال لمن ذكر ذلك العالم ؛ مه لا تذكر العلماء بشيء فيميت الله قلبك ، ثم أنشأ يقول : لحوم أهل العلم مسمومة - - - ومن يعاديهم يوما سريع الهلاك فكن لأهل العلم عونا وإن - - - عاديتهـم يوما فخـذ ما أتاك . نفس المصدر السابق . وليعلم أن الاستخفاف بالعلماء وعدم تقديرهم واحترامهم خطير العاقبة في الدنيا والآخرة ، قال ابن المبارك : من استخف بالعلماء ذهبت آخرته ، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه ، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته ـ سير أعلام النبلاء [ ج8/408] . وليعلم أن الجناية على العلماء الربانيين أتباع السلف الصالح - وخاصة الذين أفضوا إلى ربهم - تعتبر خرقة في الدين ، وضلال مبين ، فمن ثم قال الإمام الطحاوي - رحمه الله – في عقيدته : وعلماء السلف من السابقين ، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم من أهل الخير والأثر ، وأهل الفقه والنظر ـ لا يذكرون إلا بالخير ، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل ـ شرح الطحاوية بتحقيق الأرناؤوط [ ج2/140] . هذا ومن كانت عنده ملاحظات على الشيخ وعلى غير من أهل العلم وطلابه وانتقادات عليهم فليبينها بالعلم والحجة والبرهان مع الرفق في الرد والإحسان والأدب في القلم واللسان ، وأن يكون قصده النصح والإرشاد على سبيل أهل العلم والإيمان مظهرا تعاونه ، راجيا رجوعه متقيا عاقبته إن ظلمه عند ربه . قال الشيخ الألباني –رحمه الله –في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (1/6) : وبهذه المناسبة أقول : إني أنصح كل من أراد أن يرد عليَّ- أو على غيري- ويبيًن لي ما يكون قد زلَّ بهِ قلمي، أو اشتط عن الصواب فكري، أن يكون رائده من الرد النصح والإِرشاد، والتواصي بالحق، وليس البغضاء والحسد، فإنها المستأصلة للدِّين. كما قال - صلى الله عليه وسلم - :<< دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد، والبغضاء هي الحالقة، ليس حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين >>. وسأنقل هنا بعض التزكيات من عالمين هما الشيخ ربيع والشيخ عبيد الجابري نقلتها من المنبر العام لمنتديات التصفية والتربية ، فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة الموقع ... قال العلامة الإمام و المحدث الهمام ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله - وعلماء السنة في كل مكان يحرمون المظاهرات ولله الحمد، ومنهم علماء المملكة العربية السعودية، وعلى رأسهم العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي المملكة سابقاً، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، وهيئة كبار العلماء وعلى رأسهم مفتي المملكة الحالي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ، وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان وفضيلة الشيخ صالح اللحيدان، ومحدِّث الشام محمد ناصر الدين الألباني، وعلماء السنة في اليمن وعلى رأسهم الشيخ مقبل الوادعي، وعلماء الجزائر وعلى رأسهم الشيخ محمد علي فركوس، رحم الله من مضى منهم، وحفظ الله وثبّت على السنة من بقي منهم، وجنّب المسلمين البدع والفتن ما ظهر منها وما بطن} . والله لو كان إلا هذا الثناء العطر من حامل لواء الجرح والتعديل لكان كافيا ليدل على أهلية الشيخ فركوس -حفظه الله - ومكانته العلمية عند السلفيين فكيف وقد جاءت أخواتها من العلماء ومنهم الشيخ عبيد الجابري -حفظه الله - حيث قال : وثانياً: الشيخ محمد بن علي فركوس هو من إخواننا الفضلاء ودعاة الحق والبصيرة فيما ثبت لدينا عنه وعن إخوة آخرين سميتهم في لقاء غير هذا.. وأكتفي بهذا ومن أراد الزيادة فعليه بمنتديات التصفية والتربية فقد جمعت هناك فلتراجع ... هذا والله أسأل أن يتقبله مني خالصا لوجهه الكريم ، فإن أصبت فمن الله وحده ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وحسبي أني اجتهدت في إصابة الحق ، والدفاع عن المظلومين بالصدق ، وعند الله يلتقي الخلق ، ويقضي الله بينهم في كل ما عظم ودق . وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وكتبه : أبو بكر يوسف لعويسي قال الأخ زهير التلماسني معلقا : وأذكر أنا شيخنا أبا بكر يوسف لعويسي ومنذ ثلاثة سنوات بعث لي هذه الرسالة: 1-23-2009, 11:08 AM أبو بكر يوسف لعويسي عضو تاريخ التسجيل: Jul 2009 المشاركات: 58 رد: رأي الشيخ محمد علي فركوس في ( الوهابية ) بسم الله الرحمن الرحيم . من أبي بكر يوسف لعويسي إلى الأخ والإبن الفاضل زهير السلفي . السلام عليكم ورحمة الله . أما بعد : زادك الله خيرا على هذا النقل الموفق ،وبارك الله في الشيخ فركوس ونسأل الله أن يحفظه وأن ينفع به الأمة الإسلامية على العموم وأهل الجزائر على الخصوص . تنبيه مهم : قولك : الشيخ الدكتور محمد علي فركوس - حفظه الله - من علماء الأصول في الجزائر .. فيه قصور ، فالشيخ- بارك الله -فيك من العلماء السلفيين في الجزائر ومن العلماء بالمفهوم الواسع ،وليس في الأصول فقط ، فلما تقرأ له ما يكتب في جميع ما يكتب ترى ذلك واضخا ففي الحديث ترى أثر أهل الحديث ، وفي التفسير كذلك ، وفي الفقه كذلك فلا ينبعي أن يقتصر في التعريف به أنه من علماء الأصول ، وهذا ما دفع بعض من قصر بهم العلم وضاق عطنهم - سامحهم الله - أن يطعنوا في الشيخ حفظه الله .فالرجاء حذف ذلك واستبدالها بأنه من العلماء السلفيين في الجزائر . وفقك الله لما يحبه ويرضاه والسلام عليكم ورحمة الله . وهذا يدل أن الشيخ لعويسي حفظه الله من زمان يدافع عن الحق وأهله قلت : جزاك الله خيرا وبارك فيك أخي الفاضل زهير ، وكم ندافع عن الحق لله تعالى وابتغاء مرضاته وندافع عن أعراض السلفيين علماء أفاضل ومشايخ أكارم وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا ذلك وان يحشرنا مع العلماء الذين نحبهم وندافع عنهم ، ومنهم علامة الجزائر الشيخ فركوس حفظه الله ورعاه ونفع به .
  12. حكم شرب الدخان للعلامة السعدي بتعليقي

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على سيد الحنفاء وعلى آله وصحبه كل من اقتفى ، وأخلص ووفى إلى يوم الجزاء والوفاء . أما بعد : فإن هذه رسالة عفيفة في ألفاظها ، لطيفة في مضمونها فيها ، وهي عبارة عن سؤال قدم للعلامة الشيح عبد الرحمن السعدي النجدي – رحمه الله – رحمة واسعة ؛ حول حكم شرب الدخان وبيعه ، فأجاب - رحمه الله - بجواب نافع مفيد وماتع ينبئ عن سعة علم واطلاع ، ودراية بمستجدات زمانه .. وقد كان شرب الدخان في بعض بلاد المسلمين يباع خفية وسرا ، ومن يشربه يشربه في الخفاء عن أعين النّاس ، وخاصة المسئولين إذ كان تعاطيه يومها علنا ذنب يعاقب عليه ، ومن كان يتعاطاه من الشباب يستحيل أن يشربه أمام والديه حياء منهم ، واعتقادا أن ذلك مخالف للدين والعادات التي عليه الآباء والأجداد ، ومنها الحياء وبمرور الوقت وشيئا فشيئا بدأ الحياء ينقص وبدأ بعض النّاس يُظهر ذلك وخاصة كبار السن حتى أصبح اليوم يشرب داخل المساجد وللأسف الشديد ، فقد تقادم على النّاس الزمان وانقلبت الموازين وأصبح شربه عادة مستحسنة عند الكثير يجاهرون بها ويتباهون بالأنواع التي يشربونها ، ولقد غلب اليوم شربه على فئة كبيرة من المجتمعات الإسلامية حتى أصبح أهل الحسبة ، وأئمة المساجد وطلاب العلم يستحون من الإنكار على من يشربه ؛ بل تجد منهم من يجالس متعاطيه ، ويستنشق دخانه معه ولا يتحرج ، بل يضاحكه ويمازحه وكأن الأمر لا شيء .. والحقيقة أن هؤلاء الذين ابتلوا بشرب الدخان لم يجد الكثير منهم من يأخذ بيده إلى تركه والتوبة منه وبيان ما فيه من أضرار ومفاسد ، ولما كانت هذه الرسالة تعالج هذا الموضوع أحببت أن أعلق على موضع منها أخرجه لعل الله ينفع بها أقواما فيتركون الدخان ويتوبون منه طاعة للرحمن ، ويوقظ آخرين من غفلتهم فيمدون يدهم لهؤلاء المبتلين لينقذوهم من الضياع والهلاك والموت المحقق . تنبيه: التعليقات جعلتها في آخر الرسالة مرتبة بأرقام حتى لا تختلط بالأصل وتركت بعض الأخطاء المطبعية التي وردت فيها اللهم إلا بعض الآيات فقد نسختها بنص من المصحف . وهذه الرسالة المفيدة تحتاج إلى أن تعمل على شكل مطوية أو رسالة صغيرة وتنشر لعل الله أن ينفع بها خلقا كثيرا لو وجدت من ينفق عليه ، ولعل الله يسقطها في يد أحد المبتلين بشرب الدخان فيتوب من ذلك ويقوم بنشرها ووقفها صدقة جارية على نفسه توكيدا وتحقيقا لصدقة توبته ، اللهم آمين . وإليكم الرسالة مع التعليقات . بسم الله الرحمن الرحيم حكم شرب الدخان تأليف العلامة الشيخ : عبد الرحمن بن ناصر السعدي من الولد على بن حمد الصالحي : إلى فضيلة الشيخ المكرم : عبد الرحمن الناصر السعدي . بعد السلام عليكم و رحمة الله وبركاته . أرجوكم الإفادة عن حكم شرب الدخان والاتجار به على وجه التوضيح هل هو حرام أو مكروه أفتونا مأجورين ؟ الجواب : وبالله التوفيق ، نسأله الهداية لنا ولإخواننا المسلمين . أما الدخان شربه والاتجار به والإعانة على ذلك فهو حرام لا يحل لمسلم تعاطيه ؛ شربا ، واستعمالا ، واتجارا . وعلى من كان يتعاطاه أن يتوب إلى الله توبة نصوحة ، كما يجب عليه أن يتوب من جميع الذنوب ؛ وذلك أنه داخل في عموم النصوص الدالة على التحريم ، داخل في لفظها العام وفي معناه ؛ وذلك لمضاره الدينية ، والبدنية ، و المالية ، (1) التي يكفي بعضها في الحكم بتحريمه ، فكيف إذا اجتمعت ؟! فصل:مضار الدخان الدينية : - أما مضاره الدينية ودلالة النصوص على منعه وتحريمه فمن وجوه كثيرة : منها قوله تعالى : { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [ الأعراف 157] (2) . وقوله تعالى :{ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [ البقرة 195] (3). وقوله : { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [ النساء 29] (4). فهذه الآيات وما أشبهها حرم الله بهل (بها )كل خبيث أو ضار ، فكل ما يستخبث أو يضر فإنه لا يحل ، والخبث والضرر يعرف بآثاره ؛ وما يترتب عليه من المفاسد . فهذا الدخان له مفاسد و أضرار كثيرة محسوسة كل أحد يعرفها ، وأهله من أعرف الناس بها ، ولكن إرادتهم ضعيفة ، ونفوسهم تغلبهم مع الشعور بالضرر ، وقد قال العلماء : يحرم كل طعام وشراب فيه مضرة .(5). - ومن مضاره الدينية : أنه يثقل على العبد العبادات ، والقيام بالمأمورات خصوصا الصيام ، و ما كره العبد للخير فإنه شر ، وكذلك يدعو إلى مخالطة الأرذال ، ويزهد في مجالس الأخيار حما (كما) هو مشاهد . وهذا من أعظم النقائص أن يكون العبد مؤالفا للأشرار متباعدا عن الأخيار (6)، ويترتب على ذلك العداوة لأهل الخير والبغض لهم ، والقدح فيهم والزهد في طريقهم ، ومتى ابتلي به الصغار والشباب سقطوا بالمرة و دخلوا في مداخل قبيحة ، وكان ذلك عنوانا على سقوط أخلاقهم فهو باب لشرور كثيرة فضلا عن ضرره الذاتي (7). فصل: - و أما مضاره البدنية : فكثيرة جدا ، فإنه يوهن القوة ويضعفها ، ويضعف البصر ، وله سريان ونفوذ في البدن والعروق، فيوهن القوى ، ويمنع الإنتفاع الكلي بالغذاء ، ومتى اجتمع الأمران اشتد الخطر وعظم البلاء . ومنها : إضعاف القلب ، واضطراب الأعصاب ، وفقد شهية الطعام (8). ومنها : السعال ، والنزلات الشديدة التي ربما أدت إلى الإختناق وضيق النفس ، فكم من قتيل أو مشرف على الهلاك (9). وقد قرر غير واحد من الأطباء المعتبرين أن لشرب الدخان الأثر الأكبر في الأمراض الصدرية ، وهي السل وتوابعه ، وله أثر محسوس في مرض السرطان ، وهذه من أخطر الأمراض وأصعبها . فيا عجبا لعاقل حريص على حفظ صحته ، وهو مقيم على شربه مع مشاهدة هذه الأضرار او بعضها! فكم تلف بسببه خلق كثير! وكم تعرض منهم لأكثر من ذلك! وكم قويت بسببه الأمراض البسيطة حتى عظمت وعز على الأطباء دواؤها! وكم أسرع بصاحبه إلى الانحطاط السريع من قوته وصحته ! ومن العجب أن كثيرا من الناس يتقيدون بإرشادات الأطباء في الأمور التي هي دون ذلك بكثير ، فكيف يتهاونون بهذا الأمر الخطير! (10). ذلك لغلبة الهوى وإستيلاء النفس على إرادة الإنسان ، وضعف إرادته عن مقاومتها وتقديم العادات على ما تعلم مضرته . ولا تستغرب حال كثير من الأطباء الذين يدخنون وهم يعترفون بلسان حالهم أو لسان مقالهم بمضرته الطبية ، فإن العادات تسيطر على عقل صاحبها وعلى إرادته ، ويشعر كثيرا أو أحيانا بالمضرة وهو مقيم عى ما يضره .(11). وهذه المضار أشرنا إليها إشارة ، مع ما فيه من تسويد الفم والشفتين و الأسنان ، وسرعة بلائها وتحطمها ونآكلها بالتسوس ، و انهيار الفم والبلعوم ومداخل الطعام والشراب حتى يجعلها كاللحم المنهار المحترق تتألم مما لا يتألم منه . وكثير من أمراض الإلتهابات ناشئة عنه ، ومن تتبع مضاره وجدها أكثر مما ذكرنا (12). فصل: و اما مضاره المالية : فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن إضاعة المال )(13)، وأي إضاعة أبلغ من حرقه في هذا الدخان الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ، ولا نفع فيه بوجه من الوجوه ، حتى أن كثيرا من المنهمكين فيه يغرمون الأموال الكثيرة ، وربما تركوا ما يجب عليهم من النفقات الواجبة (14)، وهذا انحراف عظيم ، وضرر جسيم فصرف المال في الأمور التي لا نفع فيها منهي عنه ، فكيف بصرفه بشيء محقق ضرره ! . ولما كان الدخان بهذه المثابة مضرا بالدين والبدن والمال ، كانت التجارة فيه محرمة ، وتجارته بائرة غير رابجة .. وقد شاهد الناس أن كل متجر فيه وإن استدرج ونما ماله في وقت ما فإنه يبتلي بالقلة في آخر امره وتكون عواقبه وخيمة .. ثم إن النجديين - ولله الحمد- جميع علماؤهم متفقون على تحريمه ومنعه ، والعوام تبع للعلماء فلا يسوغ ولا يحل للعوام أن يتبعوا الهوى ويتأولوا ويتعللوا بأنه يوجد من علماء الأمصار من يحلله ولا يحرمه ، فإن هذا التأويل من العوام لا يحل باتفاق العلماء ، فإن العوام تبع لعلمائهم ليسوا مستقلين ، وليس لهم أن يخرجوا عن أقوال علمائهم وهذا واجبهم ، كما قال تعالى { فسئلوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[ النحل 43] و [ الأنبياء 7] . وما نظير هذا التأويل الفاسد الجاري على ألسنة بعض العوام – اتباعا للهوى لا اتباعا للحق والهدى – إلا كما لو قال بعضهم : يوجد بعض علماء الأمصار لا يوجبون الطمأنينة في الصلاة فلا تنكروا علينا إذا اتبعناهم ، أو يوجد من يبيح ربا الفضل فلنا أن نتبعهم ، أو يوجد من لا يحرم اكل ذوات المخالب من الطير فلنا أن تنبعهم ، لو فتح هذا الباب فتح على الناس شر كثير ، وصار سببا لانحلال العوام عن دينهم ، وكل أحد يعرف أن تتبع مثل هذه الأدلة الشرعية ، ولما عليه أهل العلم ، من الأمور التي لا تحل ولا تجوز . والميزان الحقيقي : هو ما دلت عليه أصول الشرع و قواعده ، وقد دلت على تحريم الدخان ؛ لما يترتب عليه من المفاسد و المضار المتنوعة ، وكل أمر فيه ضرر على العبد : في دينه ، أو بدنه ، أو ماله من غير نفع فهو محرم . فكيف إذا تنوعت المفاسد وتجمعت ، أليس من المتعين شرعا وعقلا وطبا تركه والتحذير منه ونصيحة من يقبل النصيحة ! . فالواجب على من نصح نفسه وصار لها عنده قدر وعزيمة أن يتوب إلى الله عن شربه ، ويعزم عزما جازما مقرونا بالاستعانة بالله لا تردد فيه ولا ضعف عزيمة فإن من فعل ذلك أعانه الله على تركه وهون عليه . ومما بهون عليه الأمر أن يعرف أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ، وكما أن ثواب الطاعة الشاقة أعظم مما لا مشقة فيه ، فكذلك ثواب تارك المعصبة إذا شق عليه الأمر وصعب أعظم أجرا وثوابا ، فمن وفقه الله و أعانه على ترك الدخان فإنه يجد المشقة في أول الأمر ثم لا يزال يسلو شيئا فشيئا حتى يتم الله نعمته عليه ، فيتغبط بغضل الله عليه وحفظه و إعانته ، و ينصح إخوانه بما ينصح به نفسه والتوفيق بيد الله .. ومن علم الله من قلبه صدق النية في طلب ما عنده بفعل المأمورات وترك المحظورات يسره للبسرى ، وجنبه العسرى ، وسهل له طرق الخير كلها ، فنسأل الله أن يأخذ بنواصينا إلى الخير ، و أن يحفظنا من كل شر ، إنه جواد كريم ، رؤوف رحيم . عبد الرحمن بن ناصر السعدي في ربيع الأول سنة 1376 نقله من خطه الفقير إلى الله : علي الحمد الصالحي ================================ التعليقات : 1 – قلت : والمضار الاجتماعية ، فليس من شك أنه مضر للمجتمع ، فالدخان المنبعث من شاربه يضر بمن يستنشقه ، فمن يشربه في الأماكن العامة كالأسواق ، والمحلات التجارية الكبيرة والمقاهي ومحطات الحافلات ، وسيارات الأجرة ، والقطارات يضرهم إذا شرب أمامهم ، كما يضر الأسرة ؛ فإذا شرب رب البيت الدخان أمام أسرته تضرروا جميعا برائحته ؛ بل إن الأطباء يقولون أن الذي يستنشق رائحته وهو لا يشربه أكثر ضررا ممن يشربه ، ومن هنا يقال لمن يشربه هل ترضى أن يعتدي عليك أحد من النّاس دون علمك ورضاك ؟؟ وليس من شك أنه سيجيب بأنه لا ولن يرضى ، فيقال له إذا لم تضر غيرك وتعتدي عليهم وتؤذيهم دون رضاهم ،ألم تقرأ قوله تعالى : {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]. ومن قواعد الإسلام العظيمة أنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحبه لنفسه كما جاء في الحديث . عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» البخاري (13) ومسلم (70). ومن قواعده الكلية أيضا سلامة المسلمين من لسانك ويدك ، كما أخبر بذلك من لا ينطق عن الهوى ، وأنت لم يسلم المسلمون من لسانك حيث تنسف عليهم الدخان به ومن يدك حيث تتناوله به . 2 – وقوله تعالى :{ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} . قال الشيخ – رحمه الله في تفسيره (1/305): { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ }من المطاعم والمشارب، والمناكح.{وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} من المطاعم والمشارب والمناكح، والأقوال والأفعال. قلت : هذه الصفة من خصائص نبينا خاتم النبيين وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم أنه يحل للناس المبعوث إليهم بالرحمة الطيبات : وهي كل ما يستلذ وتستطيبه الأنفس من الأطعمة والأشربة المتنوعة ، والنساء كما قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ }(172) البقرة . وقوله :{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ}(3) النساء . وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51] وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]. البخاري (94) مسلم (1015). وقوله :{ ويحرم عليهم الخبائث} : وهي كل ضار قبيح تستخبثه النفوس الكريمة السليمة ، وتستقبحه كالميتة ، والدم المسفوح ، ولحم الخنزير ، والزنا وقد جاء تسميته في السنة بالخبث ، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ – رضي الله عنها - فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» البخاري (3346 ) ومسلم (2880). واللواط وقد سماه الله بالخبيث قال تعالى :{وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ }(74). وما يؤخذ من الأموال بغير حق كالربا والرشوة والسرقة والغصب والخيانة ، وكل ذلك ضار بمصلحة الإنسان أو بمصلحة المجتمع. وشجرة الدخان شجرة خبيثة ،طعمها خبيث وريحها خبيث بإقرار جميع العقلاء ، من أطباء وغيرهم ؛ بل بإقرار متعاطيها ، فهي داخلة في عموم الآية الكريمة وما مثلها إلا كمثل الحنظلة التي شبهها النبي بالفاجر الذي لا يقرأ القرآن فقال : (( وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا خَبِيثٌ وَرِيحُهَا خَبِيثٌ)) البخاري (5059) ومسند الطيالسي (496). 3 – قوله تعالى :{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }(195) البقرة . أي أنفقوا أموالكم في سبيل الله ، ولا تنفقونها في سبل الشيطان ، فإن نفقتها في سبيل ذلك من تهلكة النفس ، من وجهين : أحدها : أنّ إنفاقها في الدخان إنفاق في سبيل الشيطان ، وذلك من الإسراف والتبذير ، الذي يجعل المنفق لها في ذلك أخا للشيطان ، قال تعالى :{ إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} (27) الإسراء. وأي هلاك أكبر من هذا أن يلقي المرء بنفسه باختياره في أحضان الشيطان وأخوته وهو الحريص على هلكته . والثاني : إن شرب الدخان انتحار بطيء ، وذلك أن فيه بعض السم الذي يجهز على الإنسان ويقتله ببطء وهذا حكم الأطباء والتقارير تتكلم في ذلك . 4 - لذلك استدل الشيخ - رحمه الله - بقوله تعالى { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. فشرب الدخان قتل للنفس ، فها هو يخلف سنويا آلافا من القتلى لما فيه من السم من مادة القطران والنقوتين . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :((... وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )) البخاري (5778)، ومسلم (109) بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي النَّارِ. ولو قيل لهذا الذي يتعاطى الدخان وما فيه من السم ، هل يمكنك أن تشتري بعض السم الواضح وتشربه ؟ فليس من شك أن جوابه سيكون بلا . ولو قيل له ، هذا ثعبان يريد أن يلدغك بسمه من ورائك أو هجوما عليك لفزع وكاد قلبه أن ينفطر خوفا من لدغة الثعبان القاتلة لما فيها من سم ، ولكن يذهب برجليه إلى صاحب الكشك ويشتري منه السم مغلفا ثم يشربه . فهل أنت عاقل أيها الرجل ؟؟ لا ترضى أن تشرب السم الذي تراه وتعرف أنه سما ، وتخاف من لدغة الثعبان لأن فيها سما قاتلا ، ثم تذهب وتشتري السم المغلف الذي لا يظهر وقد حذرك من حذرك أن فيه سما ولكنك لم تسمع وشربته لتموت ببطء أين عقلك . (5) - وقد قعد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قاعدة عظيمة عامة نافعة فقال : ((لا ضرر ولا ضرار)) صحيح الجامع ( 7517)وقال: (صحيح) [حم هـ] عن ابن عباس [هـ] عن عبادة. الإرواء (896) الصحيحة (250). أَي لَا فعل ضَرَر وَلَا ضرار بِأحد فِي ديننَا، أَي لَا يجوز شرعا لأحد أَن يلْحق بنفسه أو بآخر ضَرَرا ، وَلَا ضِرَارًا في العقوبة بالمثل على وجه المقابلة مع تعدي الحد فيه ، وَقد سيق ذَلِك بأسلوب نفي الْجِنْس ليَكُون أبلغ فِي النَّهْي والزجر. فكل ما يضر بالكليات الخمس فهو ممنوع تعاطيه شرعا ، فكيف إذا كان خبيثا قاتلا فاتكا للفرد والمجتمع ؟ 6 - يشير الشيخ إلى اختيار الجليس الصالح ، والصاحب التقي الذي تأمن صحبته من المضرة لأن الصاحب ساحب ، وكل قرين بالمقارن يقتدي. ورُبَّ رجل سايرته في طريق أو رافقته في سفر أو عرفته في ديوان، فبذلت له من ظواهر الود ما يبذله الرجل المهذب لمن يلقاه وأنت لا تدري وجهته في الحياة، فنُسب إليك وعُرف بك، واتّصل بك شَرُّه أو أصابك ضُرُّه أو لحق بك عاره، وإذا هو قد ترك فيك أثراً منه من حيث لا تشعر. صور وخواطر (1/234). فمجالسة ومصاحبة أصحاب التقى والأخلاق الفاضلة الحسنة هو السبيل الآمن من كثير من الآفات ؛ لأن للأصحاب أثرا كبيرا في سلوك الإنسان ومعاملاته ومعاشرته إن كان صاحب خير يسحبه إلي الخير، وإن كان صاحب شر يسحبه إلي شر ولقد صدق الشاعر لما قال : عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه - - - فكل قرين بالمقارن يقتدي . عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً )) البخاري (2101-5534) ومسلم (2628) رياض الصالحين (363). وفيه (366) وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا تُصَاحِبْ إلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إلاَّ تَقِيٌّ». رواه أَبُو داود والترمذي والدارمي بإسناد لا بأس بِهِ. قال الشيخ الألباني في صحيح الجامع (7341) حسن . فإذا أردت أن تتوقف عن التدخين فصاحب الأخيار الصالحين ، وإياك ورفقاء السوء ، وكذلك إذ أحببت أن لا ينحرف أبناؤك فربهم على مصاحبة الأبناء الصالحين ، وكذلك إذا انحرفوا وصعب عليك ردهم فاستن ليهم بالصالحين من أقاربك وجيرانك ، وإذا تطلب الأمر أن تغير عنوان مسكنك وتهجر بهم حيث الرفاق الصالحين . (7)- نعم ورب الكعبة فهو باب لتعاطي المخدرات والحشيش وغير ذلك من أنواع المفسدات للنفوس والأخلاق ، والمسكرات للعقول فيبدأ الشباب بسجارة واحدة ثم ثنتين ثم علبة ثم علبتين ، ثم سيجارة حشيش ثم قرص مخدر ، ثم قرص مهلوس ثم إبر ثم ..ثم... وهكذا إلى أن يصبح مدمنا على المخدرات وفي مقدمتها الدخان اللعين ، يفعل كل شيء حتى القتل لأن عقولهم قد مرجت فذهبت . 8 - نعم يضعف القوة ، ويسبب الوهن ، وفشل المفاصل ، ويفقد شهية الأكل وكذلك شهية الفرج ، فقد أثبتت دراسات وإحصائيات أن الذين لا يدخنون أقوى وأكثر طلبا وممارسة للجماع ، حيث تشتكي الكثيرات من أزواجهن من ذلك . وإن تعاطي الدخان والإدمان عليه يذهب بالغيرة ويكاد يقتلها عند متعاطيه بحيث يصبح الكثير منهم عنده دياثة - والعياذ بالله - لا يمانع أن تجالس حريمه الرجال ، وأن يدخل عليهن الأجانب ، و حرج في ذلك وأن ذلك من الحضارة التي مزقت الحياء الذي قضى عليه الدخان والمخدرات . 9- نزلات البرد ، ومرض السل وهو أحد الأمراض الخطيرة القاتلة ، والأمراض الصدرية من ضيق وألم في الصدر ، ومرض الرئتين ، والبلغم والسعال الحاد .. 10- وللأسف الشديد فكثير من الأطباء ينصحون مرضاهم بدم التدخين وهم يدخنون ، يأمرون النّاس بالبر وينسون أنفسهم . وهذا الصنف فيه شبه باليهود الذين قال الله تعالى فيهم : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }(44) البقرة . فإذا كان الحكيم هو المريض فمن يداوي المرضى ، وإذا كان الحكيم هو المدمن على الدخان فكيف يصح أن يسمع منه المدمنون ؟؟ هناك البعض ممن تقدم بهم مرض الإدمان إلى مرحلة متقدمة ، فأصيبوا بالسل والسرطان وغيرها من الأمراض فيسمعون كلام الحكماء وإلا ماتوا ، ولكن لا يسمعون كلام العلماء والمشايخ الذين يخبرونهم بتحريم الدخان والمخدرات ويحذرونهم من عواقب تعاطيها في الدنيا والآخرة أمام الله ، فيخافون على أنفسهم من الموت أن ينتقلوا من هذه الدنيا ، وهم لا شك مغادروها ، ولا يخافون من قاب الله تعالى إذا وقفوا أمام وقد بادروه بأنفسهم وبأذيتهم لغيرهم . 11 – هؤلاء الأطباء الذين يقرون بضرره ويتعاطونه حالهم كحال الذين يصنعونه ويصدرونه للنّاس وفي مقدمتهم المسلمين ويكتبون على علبة السيجارة مضر بالصحة وهم يعلمون أنه حقا مضر ، بل قاتل لأنهم هم من وضع السم فيه ، ولكن يضعون أخف العبارات لسببين الأول . ليقال عنهم أنهم نصحة أمناء .. والثاني حتى يقبل النّاس عليه ، لأنهم لو وضعوا على لبته حقيقة ما يضعون من سم ويخبرون بأنه قاتل مما أقدم عليه أحد ولا اشتراه منهم أحد . 12- ومن أمراض الفم الناتجة عنه انبعاث الروائح الكريهة ، فرائحته منتنة لا تذهب من الفم والثياب بسرعة ، وفيها أذية للآخرين وخاصة في أماكن العبادة كالمساجد ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى آكل الثوم والبصل أن يقرب المسجد لما فيه من أذية الملائكة والمصلين مع أن أكلهما حلال فكيف برائحة الدخان وهي أشد نتانة ومضرة من رائحة الثوم والبصل مع أنه لا مضرة فيهما بل في أكلهما الفوائد الجمة .. 13 - التَّدْخِينِ فيه إِسْرَافٌ وَتَبْذِيرٌ وَضَيَاعٌ لِلْمَال العام والخاص: قال الله تعالى :{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (31) الأعراف . وقال سبحانه وتعالى :{ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } (27) الإسراء . أي أنّ فيه إسرافًا وتبذيرا وإضاعة للمال، وعلاوة على ذلك ، الأخوة للشياطين ولعل هذه الرابطة سببها الخبث الذي في الشياطين ، فقد أمرنا أن نتعوذ منهم بوصفهم بالخبث والخبائث عند دخول الخلاء ، والدخان خبيث فمن يتعاطى الدخان الخبيث فإنه يلتقي خبث الشياطين وخبائثهم فهنيئا لهم هذه الأخوة لذلك يقال لمتعاطي هذه الحشيشة الخبيثة إذا لم يستطع أن ينفك منها عليه أن يتعاطاها في بيت الخلاء استئناسا بإخوانه الخبث والخبائث . عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ " البخاري (1477)ومسلم (593). ولا فرق في إضاعة المال بين إلقائه في البحر أو إحراقه في النار. عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم ))سنن الترمذي (2416)قال الألباني : حسن، الصحيحة (946) ، التعليق الرغيب (1 / 76) ، الروض النضير (648). فإذا كان العبد يسأل عن النقير والقطمير ، وعن كل صغير وكبير فكيف بمن يبذر تبذيرا واتصف بصفة أخوة الشياطين ؟؟ 14 - تجد أحدهم ممن ابتلي بهذا الدخان من ذوي الدخل القليل والمتوسط يحاسب ولده إذا طلب منه أن يشتري كراسا أو قلما ويغضب عليه ويصرخ في وجهه أنت كل يوم كراس أو أدوات ، أي أدواتك ، يريده أن يدرس السنة كاملة بكراس أو كراسين أو قلم أو قلمين ، وقد سمعت هذا من بعضهم ؛ بل إن بعض الأولاد يشتكي من أبائهم ذلك ، ولا يحاسب نفسه أنه كل يوم يبذر ويسرف على الدخان ما أحد يحاسبه عليه ما يقرب من ( 200) إلى(300) دينار يوما .وهو في أشد الحاجة إليه ، وربما كان ذلك المال حق أولاده وزوجته .. ولو أن والدته - وهي من أحب النّاس إليه - أو زوجته أو أحد أولاده أو أحد الفقراء المُعدمين طلب منه ذلك المبلغ يوميا لما أعطاهم ، ولكنه يذهب فيحرقه طاعة لهواه والشيطان الذي زينه له .فيا سبحان الله لهذه العقول !!!! ولو أنفقه على نفسه وعياله في الأدوية أو الأغذية النافعة فيما يعود عليهم بالنفع لكان خيرا له وأفضل ، ولحصلت له الألفة والمحبة منهم وذكروه بخير ، ولو تصدق به يوميا على الفقراء والمساكين أو وضعه صدقة جارية في أحد المساجد لكان خيرا له ،فإن الله يخلف عليه ما أنفقه ، ويكتب له أجره ولكن أكثر النّاس غافلون . أسأل الله تعالى أن يبصرنا بعيوبنا وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا ، وان يغرف لنا ولوالدينا ومشايخنا وإخواننا ، أن لا يزيغ قلوبنا إن ربي سميع قريب مجيب . وكتب : أبو بكر يوسف لعويسي
  13. تحفة الأكياس بالميزان الحقيقي الذي يوزن به النّاس

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، كما حمد نفسه ، والحمد لله الذي شَهِدَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وكفى بالله شهيدا على قسطه وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، أعظم من تعبد لله بالوحدانية ، والشهادة لله بالقسط ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فإن الميزان الذي ينبغي أن نزن به النّاس أي كانوا ، هو ميزان العدل الذي لا تطفيف فيه ؛ الميزان الذي أنزله الله تعالى لتقوم حياة النّاس به فيسعدوا به ، وتستقيم حياتهم فلا ظلم ولا اعتداء ، ولا بخس في أداء الحقوق ولا تطفيف في الفعل والقول ، وهذا لا يتأتى للعبد إلا باستواء سريرته مع ظاهره ، ومراقبته لربه في سره وعلانيته ولا يكون ذلك إلا بالعلم ، ولذلك زكى الله العلماء الربانيين لأنهم يشهدون بالقسط الذي هو الحق الذي شهد به سبحانه ؛ فلا يتعدونه لأنهم يخشون ربهم سبحانه . لذلك ينبغي للعبد قبل أن يقول وأن يفعل أن يعرض نفسه على العدل ، وأن يعرض معتقده على القسط ، وأن يعرض سريرته وعلانيته على العدل ، ليرى منزلته من الحق الذي أمر الله به ؛ حتى إذا أراد أن يحكم بين متخاصمين أو على أحد حكم بالعدل الذي حكم به على نفسه قبل أن يحكم في شيء من ذلك طلبا للنجاة أمام من أمره بالعدل:{ وإذا قلتم فاعدلوا } والذي توعده أن يطفف في شيء من الميزان الذي يزن به سريرته وعلانيته ، فمن باب أولى ، وأولى الوعيد الشديد على سريرة غيره بالتهم وسوء الظن ، وعلانيتهم بالظلم والاعتداء . والله تعالى تعرف إلينا بأنه قائم بالقسط في كل شيء وعلى كل شيء وأنه سبحانه يحب القسط ويكره الظلم ، وأنه سبحانه لا يظلم مثقال ذرة ومعنى ذلك أنه عدل في الحقير والقطمير ، والفتيل وأقل القليل . فمن صفاته سبحانه وتعالى وتقدس العدل في كل شيء قائما به حتى مع أعدائه ، والمخالفين لأوامره ، قال عز وجل وتقدس :{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا }(40) النساء . وقال جل وعز وتقدس :{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }(44) يونس . وإذا كان الله لا يظلم النّاس مهما كانوا وأي كانوا مثقال ذرة ، فهو يعدل فيهم في مثقال الذرة فما أصغر ولا يظلم ربك أحدا .. لأنه سبحانه يحب العدل ، ويأمر به ، قال تعالى :{ شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } آل عمران . وقال عز من قائل :{ ..اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (8) المائدة . ويحب العُدول المقسطين من خلقه ، قال تعالى في حبه لهم : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }(9) الحجرات . وهي مكررة ثلاث مرات بلفظ يحب المقسطين هنا ، وفي المائدة (42) والممتحنة (9). والله تعالى تقدست أسماؤه ، وتنزهت صفاته يكره الظلم والظالمين ؛ بل حرمه على نفسه وجعله محرما بين عباده ونهاهم عن التظالم .وأخبرهم أن عاقبة الظلم وخيمة . قال الله عز وجل :{ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }(57 ، 140) آل عمران ، وقد كررها ثلاث مرات ، مرتين في آل عمران ، ومرة في الشورى . قال الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }(87) المائدة ، وقد كررها ثلاث مرات ، في البقرة (190) والأعراف (55). وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: «يَا عِبَادِي، إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ مُحَرَّمًا بَيْنَكُمْ فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي، إِنَّكُمُ الَّذِينَ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَلَا أُبَالِي، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. لفظ البخاري في الأدب المفرد (490) ومسلم في الصحيح (2577). وقد فطر سبحانه وتعالى الخلق على محبة الحق والعدل ، فكل خلقه يحب العدل ويكره أن يظلم ولو مثقال ذرة ، وذلك هو الحق المحبب لنفوسهم ، قال تعالى :{ وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا }(19) الفرقان . وأنزل الكتاب ليقوم النّاس بالقسط ، وأرسل الرسل بذلك ، فما دامت نفوسهم تحب العدل ، وتكره الظلم ، وضع لهم ميزان العدل لتقوم حياتهم على ذلك وأمرهم بأن لا يخسروا الميزان ، وأن يقيموه بالعدل ، ولكن الذين انحرفت فطرهم على خلاف ذلك . قال الله سبحانه تعالى :{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(25) الحديد . وقال في الجواب الكافي (1/128)في تفسيرها : فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْلُ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْقِسْطِ التَّوْحِيدُ، وَهُوَ رَأْسُ الْعَدْلِ وَقِوَامُهُ، وَإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، فَالشِّرْكُ أَظْلَمُ الظُّلْمِ، وَالتَّوْحِيدُ أَعْدَلُ الْعَدْلِ، فَمَا كَانَ أَشَدَّ مُنَافَاةً لِهَذَا الْمَقْصُودِ فَهُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَتَفَاوُتُهَا فِي دَرَجَاتِهَا بِحَسَبِ مُنَافَاتِهَا لَهُ، وَمَا كَانَ أَشَدَّ مُوَافَقَةً لِهَذَا الْمَقْصُودِ فَهُوَ أَوْجَبُ الْوَاجِبَاتِ وَأَفْرَضُ الطَّاعَاتِ. و قال الله تعالى وتقدس :{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) يونس . و قال الله تعالى وتقدس :{ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ }(85) هود. و قال الله تعالى وتقدس :{ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ }(9). الرحمن . و قال الله تعالى وتقدس :{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ }(3) المطففين . ولما كان العدل بهذه الأهمية البالغة ، وهذه المرتبة العظيمة أمر الله به عباده المؤمنين في أنفسهم في كل شيء ، ومع غيرهم في كل شيء من قريب وبعيد وعدو وصديق ، وخصم ، ومحب ، ونهاهم عن الظلم في أنفسهم كذلك في كل شيء ومع غيرهم ولو مثقال ذرة لأن عاقبة الظلم الهلاك والخسران . قال سبحانه وتعالى وتقدس :{قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }(135) الأنعام . وقال سبحانه وتعالى وتقدس :{وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }(37) القصص ، وقد كررها أربع مرات هنا في هاتين الآيتين وفي الأنعام (21) وفي يوسف (23). وقال تعالى في هلاك الظالمين:{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ }(47)النعام . فمسألة العدل ، مسألة مهمة ، وسنة عظيمة توجب القعود على منابر من نور على يمين الرحمن ، وما يضادها من الظلم مسألة خطيرة ، توجب سخط الله ، والهُوي في نار جهنم أبعد ما بين المشرق والمغرب ، وإذا كان الله حرم مثقال ذرة من الظلم ، فتحريم الظلم بكلمة من سب أو تعيير أو غيبة أشد ، وتحريمه بالبطش والضرب والأخذ أعظم يتبين ذلك في كلام من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ )) البخاري (6477) وفي مسلم (2988)(( يَنْزِلُ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) مالك (05)البخاري (6478). وقال ابن القيم – رحمه الله - في كتابه الأمثال (1/23): والله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ، وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد فإن أمره بالعدل وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به معلم له راض به آمر لعباده به محب لأهله لا يأمر بسواه بل ينزه عن ضده الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل ؛ بل أمره وشرعه عدل كله ، وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه ، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور ، وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني ، وكلاهما عدل لا جور فيه بوجه ما كما في الحديث الصحيح: ((اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك) انتهى كلامه. قلت: أخرجه أحمد في المسند (1/391/452) أنظر التعليقات الحسان (968)والصحيحة (199) وصحيح الترغيب والترهيب (1822). قال تعالى :{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ }(30)آل عمران . وهو سبحانه الحكم العدل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجراً عظيماً؟ وبعد هذه المقدمة في العدل نأتي للمقصود وهو الوقوف عند بعض الآيات التي جاءت تتكلم عن قيام الله تعالى بالعدل ، وتبين فضله وتأمر به ، وترغب فيه وتحث عليه ، وتبين أن القائم بالعدل هو من يحبه الله ، ويقربه منه يوم القيامة ، وتبين الميزان الذي ينبغي أن نزن به الناس أي كانوا أقارب أو أباعد ، أحباب أم خصوم ، وبأي صفة كانوا ، كفار أم مسلمين ، عدول ثقات أم فسقة مبتدعة ، كبار أو صغار أحرار أم عبيد ، مجتهدين أم مقلدين ، علماء أو طلبة علم ، أو عوام وأن الميزان الذي ينبغي أن نزنهم به هو ميزان العدل ، نبين بعض ذلك بكلام أهل العلم زيادة على ما ذَكَّرتُ به من الآيات والأحاديث السابقة .. قال تعالى :{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(18) آل عمران . قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - (2/24) : شَهِدَ - تَعَالَى وكَفَى بِهِ شَهِيدًا، وَهُوَ أَصْدَقُ الشَّاهِدِينَ وَأَعْدَلُهُمْ، وَأَصْدَقُ الْقَائِلِينَ- {أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ} أَيْ: المتفَرد بِالْإِلَهِيَّةِ لِجَمِيعِ الْخَلَائِقِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ عَبِيدُهُ وَخَلْقُهُ، وَالْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 166] . ثُمَّ قَرَنَ شَهَادَةَ مَلَائِكَتِهِ وَأُولِي الْعِلْمِ بِشَهَادَتِهِ فَقَالَ : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} وَهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. فَشَهَادَةُ اللَّهِ تَحْقِيقُهُ وَحْدَانِيَّتَهُ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي نَصَبَهَا عَلَى أعظم مشهود وأجله ، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ تَحْقِيقُهُمْ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَتَبْلِيغُ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ إِلَى الرُّسُلِ، وَشَهَادَةُ أُولِي الْعِلْمِ تَحْقِيقُهُمْ ذَلِكَ بِالْحُجَجِ وَالْأَدِلَّةِ النقلية والعقلية . وقال في مدارج السالكين (3/423) [فَصْلٌ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَائِمًا بِالْقِسْطِ] فَصْلٌ : وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] " الْقِسْطِ ": هُوَ الْعَدْلُ، فَشَهِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْعَدْلِ فِي تَوْحِيدِهِ، وَبِالْوَحْدَانِيَّةِ فِي عَدْلِهِ، وَالتَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ هُمَا جِمَاعُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَإِنَّ التَّوْحِيدَ يَتَضَمَّنُ تَفَرُّدَهُ سُبْحَانَهُ بِالْكَمَالِ وَالْجَلَالِ وَالْمَجْدِ وَالتَّعْظِيمِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ سِوَاهُ، وَالْعَدْلُ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ أَفْعَالِهِ كُلِّهَا عَلَى السَّدَادِ وَالصَّوَابِ وَمُوَافَقَةِ الْحِكْمَةِ. فَهَذَا تَوْحِيدُ الرُّسُلِ وَعَدْلُهُمْ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ، وَالْأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالْحِكَمِ، وَالْغَايَاتِ الْمَطْلُوبَةِ الْمَحْمُودَةِ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، لَا تَوْحِيدَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، الَّذِي هُوَ إِنْكَارُ الصِّفَاتِ وَحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَعَدْلُهُمْ، الَّذِي هُوَ: التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ، أَوْ نَفْيُ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ وَالْعَوَاقِبِ الْحَمِيدَةِ الَّتِي يَفْعَلُ اللَّهُ لِأَجْلِهَا وَيَأْمُرُ، وَقِيَامُهُ سُبْحَانَهُ بِالْقِسْطِ فِي شَهَادَتِهِ يَتَضَمَّنُ أُمُورًا. أَحَدَهَا: أَنَّهُ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ أَعْدَلُ شَهَادَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنْكَارُهَا وَجُحُودُهَا أَعْظَمُ الظُّلْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَا أَعْدَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ وَلَا أَظْلَمَ مِنَ الشِّرْكِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَائِمٌ بِالْعَدْلِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ قَوْلًا وَفِعْلًا، حَيْثُ شَهِدَ بِهَا، وَأَخْبَرَ وَأَعْلَمَ عِبَادَهُ، وَبَيَّنَ لَهُمْ تَحْقِيقَهَا وَصِحَّتَهَا، وَأَلْزَمَهُمْ بِمُقْتَضَاهَا، وَحَكَمَ بِهِ، وَجَعَلَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَيْهَا، وَجَعَلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مِنْ حُقُوقِهَا وَوَاجِبَاتِهَا، فَالدِّينُ كُلُّهُ مِنْ حُقُوقِهَا، وَالثَّوَابُ كُلُّهُ عَلَيْهَا، وَالْعِقَابُ كُلُّهُ عَلَى تَرْكِهَا. وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي قَامَ بِهِ الرَّبُّ تَعَالَى فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَأَوَامِرُهُ كُلُّهَا تَكْمِيلٌ لَهَا، وَأَمْرٌ بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا، وَنَوَاهِيهِ كُلُّهَا صِيَانَةٌ لَهَا عَمَّا يَهْضِمُهَا وَيُضَادُّهَا، وَثَوَابُهُ كُلُّهُ عَلَيْهَا، وَعِقَابُهُ كُلُّهُ عَلَى تَرْكِهَا، وَتَرْكِ حُقُوقِهَا، وَخَلْقُهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا كَانَ بِهَا وَلِأَجْلِهَا، وَهِيَ الْحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ، وَضِدُّهَا هُوَ الْبَاطِلُ وَالْعَبَثُ الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ. وَأَخْبَرَ: أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ بِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، قَالَ تَعَالَى - رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ لِهَذِهِ الشَّهَادَةِ - {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27] . وَقَالَ تَعَالَى: {حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ - مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} [الأحقاف: 1 - 3]. وَقَالَ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ} [يونس: 5] . وَقَالَ {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8] . وَقَالَ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الدخان: 38] . وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَالْحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَلِأَجْلِهِ: هُوَ التَّوْحِيدُ، وَحُقُوقُهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَالشَّرْعُ وَالْقَدَرُ، وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ قَائِمٌ بِالْعَدْلِ، وَالتَّوْحِيدُ صَادِرٌ عَنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.. قَالَ تَعَالَى - (مخبرا ) عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ - {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56]. فَهُوَ سُبْحَانَهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، فَهُوَ يَقُولُ الْحَقَّ، وَيَفْعَلُ الْعَدْلَ {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ - وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 115 - 4] . فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ - الَّذِي عَلَيْهِ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: هُوَ مُقْتَضَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ.. قَالَ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] . فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلصَّنَمِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ، وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَالصَّنَمُ مَثَلُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ، أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ. قال العلامة السعدي - رحمه الله - (1/124): هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم... إلى أن قال : وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية خصوصا في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ، ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من وجوه كثيرة، منها: أن الله خصهم بالشهادة على أعظم مشهود عليه دون الناس. ومنها: أن الله قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وكفى بذلك فضلا. ومنها: أنه جعلهم أولي العلم، فأضافهم إلى العلم، إذ هم القائمون به المتصفون بصفته، ومنها: أنه تعالى جعلهم شهداء وحجة على الناس، وألزم الناس العمل بالأمر المشهود به، فيكونون هم السبب في ذلك، فيكون كل من عمل بذلك نالهم من أجره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومنها: أن إشهاده تعالى أهل العلم يتضمن ذلك تزكيتهم وتعديلهم وأنهم أمناء على ما استرعاهم عليه . ولما قرر توحيده قرر عدله ، فقال: {قائمًا بالقسط} أي: لم يزل متصفا بالقسط في أفعاله وتدبيره بين عباده، فهو على صراط مستقيم في ما أمر به ونهى عنه، وفيما خلقه وقدره.انتهى كلامه . قلت : لما شهد الله على نفسه أنه الواحد الأحد شهد على نفسه أن تلك الشهادة قائمة بالقسط أي بالعدل ، فهو سبحانه العدل وعدله في كل شيء ، ثم زكى الملائكة ، والعلماء بشهادته لهم أنهم يشهدون على أجل مشهود وهو أنه واحد لا شريك له قائم بالقسط ، وكما أنّ شهادته قائمة بالقسط فكذلك شهادتهم قائمة بالعدل .. فهُوَ الْقَائِمُ بِالْعَدْلِ سُبْحَانَهُ ، وَعَدْلُ النّاس مُقْتَبَسٌ مِنْ مُحَاكَاةِ عَدْلِهِ. فإذا كان عدلُ من عدل من النّاس مقتبسا من عدله سبحانه ؛ فعدل العلماء من باب أولى ؛ وأولى ؛ لأن الله زكاهم وشهد لهم أنهم شهدوا لله بالوحدانية والقيومية بالقسط ، وذلك هو العدل الذي شهدوا به تعبدا لله بصفة من صفاته التي يحبها ويرضاها .، ويكره ما يضادها . وإذا كان الله تعالى زكاهم أنهم شهدوا على أجل مشهود بالعدل ، استوجب ذلك منهم أن يقوموا بالعدل في كل شيء ، من قول أو فعل واعتقاد في أنفسهم ومع غيرهم حتى مع الحيوانات والجماد بله العباد . والله سبحانه عدل العلماء ليكونوا عدولا في أقوالهم وأفعلهم ومعتقدهم ؛ فقوله شهد ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هَذِهِ لا تقوم إلا بالعلم والْقِسْطِ، فَالشَّاهِدُ بِهَا قَائِمٌ بِالْقِسْطِ، قَالَ تَعَالَى:{ كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ }[الْمَائِدَة: 8] . ولذلك أمرهم إذا حكموا بين النّاس أو عليهم أن يحكموا بالعدل فقال تعالى : { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا }[4: 58] . ولم يكتف سبحانه بالأمر بالعدل حتى أمر بالإحسان في المحكوم عليهم قولا وفعلا زيادة على العدل فقال - تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [90) النحل. عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)) أخرجه الخمسة ( مسلم 1955). قال عمر بن عبد العزيز : ((... وَإِنَّ أَقْوَمَ الدِّينِ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ))أحكام أهل الذمة (1/145). قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا }(135)النساء . قال العلامة السعدي - رحمه الله - (1/208) يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا {قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} والقوَّام صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، فالقسط في حقوق الله أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته. والقسط في حقوق الآدميين أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك. فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك. ومن أعظم أنواع القسط ؛ القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما. ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان ، حتى على الأحباب بل على النفس، ولهذا قال: {شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل اشهدوا بالحق على من كان . والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام ، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به. وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى ، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلا والباطل حقا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم. إلى أن قال : {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض. ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرما، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.انتهى . وقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (8) المائدة . قال السعدي (1/244) أي {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}قوموا بلازم إيمانكم، بأن تكونوا {قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} بأن تنشط للقيام بالقسط حركاتكم الظاهرة والباطنة. وأن يكون ذلك القيام لله وحده، لا لغرض من الأغراض الدنيوية، وأن تكونوا قاصدين للقسط، الذي هو العدل، لا الإفراط ولا التفريط، في أقوالكم ولا أفعالكم، وقوموا بذلك على القريب والبعيد، والصديق والعدو. {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ} أي: لا يحملنكم بغض {قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا} كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لأنه حق لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق. {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى. {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فمجازيكم بأعمالكم، خيرها وشرها، صغيرها وكبيرها، جزاء عاجلا وآجلا. انتهى . قال ابن كثير (3/365): وَقَوْلُهُ : {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ] } [الْمَائِدَةِ:8] ، وَكَذَا الَّتِي تُشْبِهُهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [الْآيَةِ:135] ، يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْعَدْلِ فِي الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ، عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ لِكُلِّ أَحَدٍ، فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ. وقال السعدي (1/280) {وإذا قلتم} قولا تحكمون به بين الناس، وتفصلون بينهم الخطاب، وتتكلمون به على المقالات والأحوال {فاعدلوا} في قولكم، بمراعاة الصدق فيمن تحبون ومن تكرهون، والإنصاف، وعدم كتمان ما يلزم بيانه، فإن الميل على من تكره بالكلام فيه أو في مقالته من الظلم المحرم. بل إذا تكلم العالم على مقالات أهل البدع، فالواجب عليه أن يعطي كل ذي حق حقه، وأن يبين ما فيها من الحق والباطل، ويعتبر قربها من الحق وبعدها منه.انتهى كلامه. وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى :{ وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذَا قُرْبى}. هَذَا جَامِعٌ لكُلِّ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ النَّاسِ بِوَاسِطَةِ الْكَلَامِ وَهِيَ الشَّهَادَةُ، وَالْقَضَاءُ، وَالتَّعْدِيلُ، وَالتَّجْرِيحُ، وَالْمُشَاوَرَةُ، وَالصُّلْحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالْأَخْبَارُ الْمُخْبِرَةُ عَنْ صِفَاتِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمُعَامَلَاتِ: مِنْ صِفَاتِ الْمَبِيعَاتِ، وَالْمُؤَاجَرَاتِ، وَالْعُيُوبِ وَفِي الْوُعُودِ، وَالْوَصَايَا، وَالْأَيْمَانِ وَكَذَلِكَ الْمَدَائِحُ وَالشَّتَائِمُ كَالْقَذْفِ، فَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِيمَا يَصْدُرُ عَنِ الْقَوْلِ. وَالْعَدْلُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْقَوْلِ شَيْءٌ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحُقُوقِ: بِإِبْطَالِهَا، أَوْ إِخْفَائِهَا، مِثْلَ كِتْمَانِ عُيُوبِ الْمَبِيعِ، وَادِّعَاءِ الْعُيُوبِ فِي الْأَشْيَاءِ السَّلِيمَةِ، وَالْكَذِبِ فِي الْأَثْمَانِ، كَأَنْ يَقُولَ التَّاجِرُ: أُعْطِيتُ فِي هَذِهِ السِّلْعَةِ كَذَا، لِثَمَنٍ لَمْ يُعْطَهُ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ قَامَتْ عَلَيَّ بِكَذَا. وَمِنْهُ الْتِزَامُ الصِّدْقِ والوَرَعِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ ( والعدل في الأحكام على المخالف وأهل الأهواء)، وَإِبْدَاءِ النَّصِيحَةِ فِي الْمُشَاوَرَةِ ، وَقَوْلُ الْحَقِّ فِي الصُّلْحِ. وَإِذَا مَدَحَ أَحَدًا مَدَحَهُ بِمَا فِيهِ بالعدل ، وَأَمَّا الشَّتْمُ والتعيير فَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ وَاجِبٌ ، وَلَوْ كَانَ حَقًّا فَذَلِكَ الْإِمْسَاكُ هُوَ الْعَدْلُ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى أَمَرَ بِهِ. وَفِي التَّعْلِيقِ بِأَدَاةِ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ: وَإِذا قُلْتُمْ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ فِي سَعَةٍ مِنَ السُّكُوتِ إِنْ خَشِيَ قَوْلَ الْعَدْلِ. وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ الْجَوْرَ وَالظُّلْمَ وَالْبَاطِلَ فَلَيْسَ لَهُ سَبِيلٌ إِلَى ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ كُلُّهُ مِنَ الْقَوْلِ بِغَيْرِ الْعَدْلِ، عَلَى أَنَّ مِنَ السُّكُوتِ مَا هُوَ وَاجِبٌ. وقوله تعالى :{ وَالْقُرْبَى }: الْقَرَابَةُ ، وَيُعْلَمُ أَنَّهُ ذُو قَرَابَةٍ مِنَ الْقَائِلِ، أَيْ إِذَا قُلْتُمْ قَوْلًا لِأَجْلِهِ أَوْ عَلَيْهِ فَاعْدِلُوا وَلَا تَقُولُوا غَيْرَ الْحَقِّ، لَا لِدَفْعِ ضُرِّهِ بِأَنْ تُغْمِصُوا الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَا لِنَفْعِهِ بِأَنْ تَخْتَلِقُوا لَهُ حَقًّا عَلَى غَيره أَو تبرءوه مِمَّا صَدَرَ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاء:{ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ }[النِّسَاء: 135] . يتبع - إن شاء الله -
  14. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني ) في الفقه رقم 01

    متن : قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني - رحمه الله - باب ما يجب منه الوضوء والغسل : شرح : أي هذا باب عقدته في الأمور التي يجب منه الوضوء والغسل ، أو بمعنى آخر باب في نواقض الوضوء وموجبات الغسل . الوضوء لغة : من الوضاءة وهي النظافة والحسن والبهجة والنضارة . القاموس (1/ 33)، و مختار الصحاح (575) (المصباح المنير (663). وشرعا : هو استعمال الماء لتطهير أعضاء معينة مخصوصة على كيفية مخصوصة بنية لاستباحة العبادة الممنوعة شرعا ، أي على وجه التعبد لله تعالى . فقه العبادات على المذهب المالكي (1/55) ، وشرح الرصاع على حدود ابن عرفة (ص 32). دليل مشروعيته : الوضوء ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ، أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة: 6) . وأما السنة فالأحاديث كثيرة منها : حديث ابن عمر - رضي اللَّه عنهما - قال : سمعت رسول اللَّه - صَلى اللَّه عَليه وسَلم- يقول : ((لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور ولا صدقة من غلول)) أحمد (4700- 4969-5123-5205-5419) ومسلم (224). وبوب عليه البخاري باب (لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ) ثم ساق بسنده عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)) قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟، قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ . صحيح البخاري (135) ومسلم (225) ، وأبي داود (60) ، والترمذي (76). وفي البخاري (6594)عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)). وأجمع العلماء : على أنَّ الطهارة من الحدث شرطٌ لصحَّة الصلاة. الحكمة من تسمية الوضوء وضوء: وسمي بذلك لما يضفي على الأعضاء من وضاءة ونضارة ونور بغسلها وتنظيفها . والوضوء بالرفع والفتح ، وقد يطلق على التيمم لأنه يعدل عنه دليله ما أخرجه الثلاثة وهو حديث صحيح وبوب عليه البخاري : باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم، يكفيه من الماء. قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : يَا أَبَا ذَرٍّ: (( إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ، فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ))صحيح الجامع وقال (صحيح) [حم ت حب ك] عن أبي ذر. وهو في صحيح أبي داود( 357). قال ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة(1/29) تحقيق الهلالي : باب ما يوجب الوضوء من الأحداث وما لا يوجبه منها على ما يميز إلى الصلاة : الذي يوجب الوضوء عند أهل المدينة - مالك وأصحابه - أربعة أنواع : 1 - أحدها ما خرج " من أحد المخرجين من ريح أو غائط أو بول أو مذي أو ودي " ما خلا المني" فإنه يوجب الغسل . والحجة في ذلك قول الله عز وجل:{أو جاء أحد منكم من الغائط}(43) النساء (06) المائدة ) . وذلك كناية عن كل ما يخرج من الفرجين مما كان معتادا أو معروفا دون ما خرج منهما نادرا غبا مثل الدم والدود، والحصاة التي لا أذى عليها، وما كان مثل ذلك، لأن الإشارة بذلك عند مالك إلى ما عهد دائما مترددا دون ما لم يعهد. فروع تتعلق بهذا النوع : أ – البول ، والغائط: لقوله صلى الله عليه وسلم : (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) (متفق عليه)البخاري (6954)ومسلم (225). وفي البخاري (135) : قال رجل من حضرموت : ما الحدث يا أبا هريرة؟، قال: فساء أو ضراط . وأخرجه مسلم (225) وقد مر قريبا. وفي مسلم(224) عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ: أَلَا تَدْعُو اللهَ لِي يَا ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ، وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ )). ب - الريح بالصوت والشم : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا)) متفق عليه .مسلم (362) والبخاري (2056). وكذلك إذا شك في وضوئه هل انتقض أو لم ينتقض ، هل خرج منه شيء أو لم يخرج فالأصل فيه الطهارة ، ذلك إذا تطهر ثم شك فالأصل الطهارة أما إذا لم يتطهر ثم شك فالأصل عدم الطهارة . عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ جَاءَ الشَّيْطَانُ، فَأَبَسَ بِهِ كَمَا يَأْبِسُ الرَّجُلُ بِدَابَّتِهِ، فَإِذَا سَكَنَ لَهُ، أَضْرَطَ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ لِيَفْتِنَهُ عَنْ صَلَاتِهِ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا لَا يُشَكُّ فِيهِ )) (أخرجه أحمد (8369-9355) قال محققه : وإسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الضحاك بن عثمان، فمن رجال مسلم، وهو صدوق. ج - المذي والودي : عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: (( يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ))متفق عليه البخاري (132-178-269) ومسلم (303)وهذا لفظه. وفي الموطأ ( 53) قال - حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ، إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ، مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: عَلِيٌّ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ الْمِقْدَادُ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ بِالْمَاءِ وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ)). ففي هذا الحديث الذي في الموطأ بيان أن المذي يكون من قرب الزوجة أي من اللمس أو المداعبة ، أما الودي فهو بعد البول ، وحكمه حكم البول . د- الدود الذي يخرج من أحد المخرجين : أما حكم الدود الذي يخرج من السبيلين فقد اختلف قول مالك وأصحابه فيه على ثلاثة أقوال ، أنظر شرح الرسالة لزروق ، ولقاسم بن عيسى التنوخي الغروي . القول الأول : يجب منه الوضوء ..لأنه لابد أن يتلطخ بالنجاسة فهو يخرج من محلها . والقول الثاني : لا يجب منه الوضوء ولا شيء عليه ، لأنه نادر والنادر كالشاذ يحفظ لا يقاس عليه .والحكم للأغلب في الأصل . القول الثالث : إذا خرج مبللا وبه أذى أو قذارة وجب منه الوضوء وإلا فلا يجب ، وكذلك القول في الحصى سواء بسواء. والراجح: والراجح هو القول الثالث ؛ لأن هذا نادرا ما يخرج فإذا خرج مع الغائط والبول فحكمه حكمهما وإذا خرج من غير ذلك فحكمه القول الثالث . ر - الدم والقيح : الدم إذا كان دم حيض فإنه ينقض الطهارة ويوجب الغسل ، أما إن كان دم الاستحاضة فإنه يجب الوضوء منه ، أما إن لم يكن دم حيض ولا نفاس ولا استحاضة لجرح أو مرض فهذا لاشيء فيه وإن استحب له بعض العلماء أن يتوضأ منه .ويستحب عند مالك للمستحاضة ، وسلسل البول الوضوء لكل صلاة ولا يجب .وسيأتي . س - الخارج من غير السبيلين وكانت عادته الخروج منهما: إذا كان الخارج عادة من السبيلين لا يخرج منهما وإنما يخرج من جنب المريض أو فوق عانته تحت السرة من ثقب كما هو حاصل اليوم فكمه حكم ما يخرج من السبيلين تماما. لكن يعفى عمن لايستطيع أن يتخلص من البول الذي يحمله الكيس فيصلي وهو حامع للنجاسة في شيء يحجز النجاسة عن إصابة بدنه أو ثوبه أو المكان الذي يصلي فيه . ش- الرطوبة التي تخرج من فرج المرأة : اختلف قول مالك وأصحابه في ذلك والصحيح أنه طاهر ولا يوجب شيئا . 2 - والنوع الثاني: ما غلب على العقل من الإغماء والنوم الثقيل والسكر والصرع فإن كان النوم خفيفا لا يخامر العقل ولا يغمره فإن استثقل نوما فقد وجب عليه الوضوء ولا يكاد الجالس ولا المحتبي " يستثقلان ". والحجة [في ذلك] أي أن النوم يوجب الوضوء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((:إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)) مالك (09)بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي .والبخاري (162) ومسلم(278). فدل على أن الوضوء على من انتبه من نومه ، وقال زيد بن أسلم في قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} ، قال: يريد قمتم من المضاجع يعني النوم. إسناده صحيح ، أخرجه مالك في الموطأ (1/21)والبيهقي في السنن الكبرى (1/117) وفي معرفة السنن والآثار (1/205). وقال كثيرون من السلف: قوله: {إذا قمتم إلى الصلاة} معناه وأنتم محدثون. وكلاهما قريب. وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك ، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث على سبيل الإيجاب ، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب. وقد قيل: إن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ. وقال صفوان بن عسال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أن لا ننزع خفافنا من غائط ولا بول ولا ننزعهما إلا من جنابة)) حديث حسن ، أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة أنظر إرواء الغليل (1/146). فسوى بين البول والغائط والنوم في هذا الحديث . والنوم كالحدث ولكنه لا يقوى قوة الحدث لأن الحدث قليله وكثيره وصغيره وكبيره سواء في نقض الطهارة ، وقليل النوم متجاوز عنه لا حكم له ، والدليل على الفرق بينهما قوله صلى الله عليه وسلم: (( وكاء السه العينان فإذا نامت العينان استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ)). عن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ)) عنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ استطلق الوكاء )) التمهيد (18/247-248)قال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (1/367) (قلت: إسناده حسن، وكذا قال النووي، وحسنه المنذري وابن الصلاح) .أنظر لهما صحيح الجامع (4148-4149). و(السه ) اسم من أسماء الدبر ، والوكاء الرباط الذي يشد به القربة ونحوها من الأوعية وفي بعض الكلام الذي يجري مجرى الأمثال " حفظ ما في الوعاء بشد الوكاء". فدلنا بقوله عليه السلام على أن النوم إذا استحكم ونامت [العينان] لم يؤمن الحدث في الأغلب ، والأغلب أصل في أمور الدين والدنيا ، والنادر لا يراعى ومن لم يستثقل نوما وإنما اعتراه النعاس سنة فقد أمن منه الحدث . وفي الموطأ(10 ) قال: وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: (( إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ مُضْطَجِعًا فَلْيَتَوَضَّأْ)) . أما من نام قاعدا أو محتبيا أو واقفا فلا ما لم يستثقل . وفيه (11) قَالَ يَحْيَى: قَالَ مالِكٍ: (( الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ وَلَا مِنْ دَمٍ وَلَا مِنْ قَيْحٍ يَسِيلُ مِنَ الْجَسَدِ، وَلَا يَتَوَضَّأُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ دُبُرٍ أَوْ نَوْمٍ)). قال ابن عبد البر في الاستذكار : وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ:(( وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ)) . والحديث الثاني :(( الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ استطلق الوكاء)) أَصْحَابُنَا لِمَالِكٍ أَيْضًا، وَهُمَا حَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ لَا حُجَّةَ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُمَا فِي ((التَّمْهِيدِ)). قلت : بل يعضد بعضهما بعضا فلا ينزلا عن درجة الحسن ، وقد صحح الشيخ الألباني الحديث الأول في صحيح الجامع (4149) وحسن الثاني برقم (4148). وَأَصَحُّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ حديث ابن عُمَرَ قَالَ ((شُغِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعِشَاءِ لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ)). وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ ((كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون))الاستذكار(1/151) والتمهيد(18/248). وقال : وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي النَّوْمِ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ((التَّمْهِيدِ)) وَكَذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَكُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ نَامَ جَالِسًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَمِثْلُهُ حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ جَالِسًا ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ . قال أبو عمر في الكافي : وأقل أحوال النائم المستثقل أن يدخله الشك في الوضوء فلا يجوز له أن يستفتح الصلاة بغير وضوء مستيقن، وهذا على مذهب مالك وجمهور أصحابه. ولذلك دليل آخر وهو قول أنس بن مالك (( وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه في صلاة العشاء فينامون حتى تخفق رؤوسهم ولا يتوضئون )) رواه مسلم (34) وأبو داود (195) فهذا يدلك على أن النوم ليس كالحدث " وليس هو عين الحدث بل هو مظنة الحدث . وخلاصة هذا المبحث أن النوم على أربعة أقسام : 1- نوم طويل ثقيل ، وهذا ينقض الوضوء باتفاق . 2- نوم قصير ثقيل ، وهذا ينقض الوضوء أيضا كسابقه ، سواء كان جالسا أو مستلقيا لا فرق بين ذلك مادام النوم مستثقل . 3- نوم خفيف طويل لا ينقض الوضوء ، ولكن يستحب له عند مالك الوضوء . 4- نوم خفيف قصير لا ينقض الوضوء سواء كان من جلوس أو اضطجاع . الضابط في النوم الثقيل أو المستثقل : هو أن لا يشعر النائم بالأصوات التي حوله ، القريبة منه ، أو يسقط منه ما كان في يده من متاع ولا يستيقظ لسقوطه من يده ، ولا يشعر بسقوطه ، أو يسيل ريقة ولعابه على ذقنه ، أو يحرك ويوقظ ولا يستيقظ إلا بقوة وبطء ، فإن لم يكن شيء من هذه الأمور فهو نوم خفيف سواء كان طويلا أو قصيرا . فرع : زوال العقل : زوال العقل بالجنون ، والإغماء ، والصرع ، والسكر بأي مسكر كان قليلا أو كثيرا ، أو البنج الذي يوضع للمريض حتى يغيب عن وعيه من أجل إجراء العملية الجراحية له ، وسواء كان هذا الزوال والغيبة للعقل قليلا أو كثيرا وهذا قياسا على النوم . ويمكن أن يستأنس له بما ثبت من إغمائه وزال عقله في مرض موته صلى الله عليه وسلم. عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى، ثقل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك.. قال: (( ضعوا لي ماء في المخضب)). قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه ؛ ثم أفاق ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: (( ضعوا لي ماء في المخضب)) قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق ، فقال: (( أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ((ضعوا لي ماء في المخضب))، فقعد، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟)) فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد، ينتظرون النبي عليه السلام لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ..)) البخاري (687)ومسلم (418). فرع : الردة : ومن ارتد ثم راجع الإسلام لزمه الوضوء، وقد قيل: أن الوضوء ههنا استحباب إن لم يكن منه حدث ". ودليله قوله تعالى :{ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}(5) المائدة ، والوضوء عمل ، فإذا ارتد حبط ذلك العمل وبطل فإذا رجع فعليه وجوبا أن يتوضأ ولا يجوز أن يستحل الصلاة بغير وضوء يتبع – إن شاء الله -
  15. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن :/ وقوله - رحمه الله - : بحكمته .... --------------- ش/ الحِكمةُ: مَرْجِعُها إلى العَدْل والعِلْم والحِلْم ويقال : أحْكَمَتْه التَجارِبُ إذا كانَ حكيماً.. كتاب العين (3/66) للفراهيدي . قلت : وفي حق الله مرجعها أيضا إلى الخبرة والعزة ، ولذلك جاء اسمه سبحانه الحكيم مقرونا باسمه العليم ، والخبير ، والعزيز في أكثر الآيات . قال تعالى :{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(24) الحشر . وقد كرر قوله :{ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} في اثنا عشر آية فياضنا عشر سورة من كتابه. قال العلامة السعدي في تفسيره (1/ 421): وقوله : {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الذي - من عزته - أنه انفرد بالهداية والإضلال، وتقليب القلوب إلى ما شاء، ومن حكمته أنه لا يضع هدايته ولا إضلاله إلا بالمحل اللائق به. والذي لا يريد شيئا إلا ويكون، ولا يكون شيئا إلا لحكمة ومصلحة. قال تعالى :{قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}(30)الذاريات . أَيْ: عَلِيمٌ بِمَا تَسْتَحِقُّونَ مِنَ الْكَرَامَةِ والتطهير وما ترغبون فيه مما تخفون في أنفسكم ، وقد وسع كل شيء علمًا فسلموا لحكمه، واشكروه على نعمته. حَكِيمٌ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ . قال تعالى :{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }(1).سبأ . وهي عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم ، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم .النهاية في غريب الحديث (1/419). تعريف الحكمة في القرآن : قال شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى - في الوصية الكبرى : [وقال غير واحد من السلف: الحكمة: هي السنة؛ لأن الذي كان يتلى في بيوت أزواجه رضي الله عنهن سوى القرآن هو سنته صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال- r- : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) . وقال حسان بن عطية: كان جبريل عليه الصلاة والسلام ينزل على النبي- r - بالسنة كما ينزل بالقرآن فيعلمه إياها كما يعلمه القرآن].انتهى كلامه. ومما يعضد تعريف شيخ الإسلام للحكمة ما جاء عن بن عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَالَ:(( اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ )) وأخرجه البخاري (3756) وفي لفظ له ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ)) ويكون بمعنى العلم ، واللفظ الأول أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (1923)وفي المسند (1840) بلفظ :(( مَسَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْحِكْمَةِ ّ)). وَقَالَ أَيْضًا: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِي، وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ» وهذا لفظ ابن ماجة (166)من صحيحه . وقال البخاري (5/27): وَالحِكْمَةُ: الإِصَابَةُ فِي غَيْرِ النُّبُوَّةِ " ولذلك قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ لَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وقال مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : مَا رَأَيْت أَفْقَهَ مِنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا أَعْلَمَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وهو سبحانه وتعالى وتقدس الحكيم في عذره وحجته إلى عباده . قال ابن أبي حاتم في تفسيره: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}أي : الْحَكِيمُ فِي عُذْرِهِ وَحُجَّتِهِ إِلَى عِبَادِهِ . ثم ساق ذلك بسنده إلى محمد بن إسحاق فقال : 3163 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن نحيى، أَنْبَأَ أَبُو غَسَّانَ، ثنا سَلَمَةُ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَوْلُهُ : (( الْحَكِيمُ )) فِي عُذْرِهِ وَحُجَّتِهِ إِلَى عِبَادِهِ. قال الشيخ مجمد بن صالح العثيمين في تفسيره سورة الحجرات (1/359): والحكيم لها معنيان: المعنى الأول: ذو الحكمة.. والمعنى الثاني: ذو الحكم التام، فهي مشتقة من شيئين: من الحكمة والحكم، فالحكمة هي أن جميع أفعاله وأقواله وشرعه حكمة، وليس فيه سفه بأي حال من الأحوال . ولهذا قيل في تعريف الحكمة: (إنها وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها) ، فما من شيء من أفعال الله، أو من شرع الله إلا وله حكمة، فإذا قدر الله الحر الشديد الذي يهلك الثمار فهو حكمة لا شك، وإذا منع الله المطر فهو حكمة، وإذا ألقى الله الموت بين الناس فهو حكمة، وكل شيء فهو حكمة، والشرائع كلها حكمة فإذا أحل الله البيع وحرم الربا فهو حكمة، لأنا نعلم أن الله حكيم، ففرق الله - عز وجل - بين البيع والربا، فالبيع أحله الله، والربا حرمه. وقال ابن القيم في مدارج السالكين (2/447) في بحث نفيس عن حقيقة الحكمة : فَصْلٌ مَنْزِلَةُ الْحِكْمَةِ: وَمِنْ مَنَازِلِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] مَنْزِلَةُ الْحِكْمَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] . وَقَالَ عَنِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48] . الْحِكْمَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَوْعَانِ: مُفْرَدَةٌ. وَمُقْتَرِنَةٌ بِالْكِتَابِ. فَالْمُفْرَدَةُ: فُسِّرَتْ بِالنُّبُوَّةِ، وَفُسِّرَتْ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ عِلْمُ الْقُرْآنِ: نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ. وَمُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ. وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ. وَأَمْثَالِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الْقُرْآنُ وَالْفَهْمُ فِيهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: هِيَ الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. وَقَالَ النَّخَعِيُّ: هِيَ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ وَفَهْمُهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ. كَأَنَّهُ فَسَّرَهَا بِثَمَرَتِهَا وَمُقْتَضَاهَا. وَأَمَّا الْحِكْمَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْكِتَابِ: فَهِيَ السُّنَّةُ. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقِيلَ: هِيَ الْقَضَاءُ بِالْوَحْيِ. وَتَفْسِيرُهَا بِالسُّنَّةِ أَعَمُّ وَأَشْهَرُ. وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْحِكْمَةِ. قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَمَالِكٍ: إِنَّهَا مَعْرِفَةُ الْحَقِّ وَالْعَمَلُ بِهِ. وَالْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَهْمِ الْقُرْآنِ، وَالْفِقْهِ، فِي شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ. وَالْحِكْمَةُ حِكْمَتَانِ: عِلْمِيَّةٌ، وَعَمَلِيَّةٌ. فَالْعِلْمِيَّةُ: الِاطِّلَاعُ عَلَى بَوَاطِنِ الْأَشْيَاءِ. وَمَعْرِفَةُ ارْتِبَاطِ الْأَسْبَابِ بِمُسَبِّبَاتِهَا، خَلْقًا وَأَمْرًا. قَدَرًا وَشَرْعًا. وَالْعَملْيَّةُ : كَمَا قَالَ صَاحِبُ " الْمَنَازِلِ " وَهِيَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ. [دَرَجَاتُ الْحِكْمَةِ] : [الدَّرَجَةُ الْأُولَى أَنْ تُعْطِيَ كُلَّ شَيْءٍ حَقَّهُ] قَالَ : وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: أَنْ تُعْطِيَ كُلَّ شَيْءٍ حَقَّهُ وَلَا تَعُدِّيَهُ حَدَّهُ، وَلَا تُعَجِّلَهُ عَنْ وَقْتِهِ، وَلَا تُؤَخِّرَهُ عَنْهُ. لَمَّا كَانَتِ الْأَشْيَاءُ لَهَا مَرَاتِبُ وَحُقُوقٌ، تَقْتَضِيهَا شَرْعًا وَقَدَرًا. وَلَهَا حُدُودٌ وَنِهَايَاتٌ تَصِلُ إِلَيْهَا وَلَا تَتَعَدَّاهَا. وَلَهَا أَوْقَاتٌ لَا تَتَقَدَّمُ عَنْهَا وَلَا تَتَأَخَّرُ - كَانَتِ الْحِكْمَةُ مُرَاعَاةَ هَذِهِ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ. بِأَنْ تُعْطَى كُلُّ مَرْتَبَةٍ حَقَّهَا الَّذِي أَحَقَّهُ اللَّهُ بِشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. وَلَا تَتَعَدَّى بِهَا حَدَّهَا. فَتَكُونَ مُتَعَدِّيًا مُخَالِفًا لِلْحِكْمَةِ. وَلَا تَطْلُبُ تَعْجِيلَهَا عَنْ وَقْتِهَا فَتُخَالِفَ الْحِكْمَةَ. وَلَا تُؤَخِّرُهَا عَنْهُ فَتُفَوِّتَهَا. وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْأَسْبَابِ مَعَ مُسَبَّبَاتِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا. فَإِضَاعَتُهَا تَعْطِيلٌ لِلْحِكْمَةِ بِمَنْزِلَةِ إِضَاعَةِ الْبَذْرِ وَسَقْيِ الْأَرْضِ. وَتَعَدِّي الْحَقِّ: كَسَقْيِهَا فَوْقَ حَاجَتِهَا، بِحَيْثُ يَغْرِقُ الْبَذْرُ وَالزَّرْعُ وَيَفْسُدُ. وَتَعْجِيلُهَا عَنْ وَقْتِهَا: كَحَصَادِهِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ وَكَمَالِهِ. وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ: إِخْلَالٌ بِالْحِكْمَةِ، وَتَعَدِّي الْحَدِّ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، خُرُوجٌ عَنْهَا أَيْضًا. وَتَعْجِيلُ ذَلِكَ قَبْلَ وَقْتِهِ: إِخْلَالٌ بِهَا. وَتَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ: إِخْلَالٌ بِهَا. فَالْحِكْمَةُ إِذًا: فِعْلُ مَا يَنْبَغِي، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي. وَاللَّهُ تَعَالَى أَوْرَثَ الْحِكْمَةَ آدَمَ وَبَنِيهِ. فَالرَّجُلُ الْكَامِلُ: مَنْ لَهُ إِرْثٌ كَامِلٌ مِنْ أَبِيهِ، وَنِصْفُ الرَّجُلِ - كَالْمَرْأَةِ - لَهُ نِصْفُ مِيرَاثٍ، وَالتَّفَاوُتُ فِي ذَلِكَ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ فِي هَذَا: الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. وَأَكْمَلُهُمْ أُولُو الْعَزْمِ. وَأَكْمَلُهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِهَذَا امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ، وَعَلَى أُمَّتِهِ بِمَا آتَاهُمْ مِنَ الْحِكْمَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [النساء: 113] . وَقَالَ تَعَالَى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] . فَكُلُّ نِظَامِ الْوُجُودِ مُرْتَبِطٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَكُلُّ خَلَلٍ فِي الْوُجُودِ، وَفِي الْعَبْدِ فَسَبَبُهُ: الْإِخْلَالُ بِهَا. فَأَكْمَلُ النَّاسِ: أَوْفَرُهُمْ نَصِيبًا. وَأَنْقَصُهُمْ وَأَبْعَدُهُمْ عَنِ الْكَمَالِ: أَقَلُّهُمْ مِنْهَا مِيرَاثًا. وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْعِلْمُ، وَالْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ. وَآفَاتُهَا وَأَضْدَادُهَا: الْجَهْلُ، وَالطَّيْشُ، وَالْعَجَلَةُ. فَلَا حِكْمَةَ لِجَاهِلٍ، وَلَا طَائِشٍ، وَلَا عَجُولٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ تَشْهَدَ نَظَرَ اللَّهِ فِي وَعْدِهِ] قَالَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَشْهَدَ نَظَرَ اللَّهِ فِي وَعْدِهِ. وَتَعْرِفَ عَدْلَهُ فِي حُكْمِهِ. وَتَلْحَظَ بِرَّهُ فِي مَنْعِهِ. أَيْ تَعْرِفُ الْحِكْمَةَ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَتَشْهَدُ حُكْمَهُ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] . فَتَشْهَدُ عَدْلَهُ فِي وَعِيدِهِ، وَإِحْسَانَهُ فِي وَعْدِهِ، وَكُلٌّ قَائِمٌ بِحِكْمَتِهِ. وَكَذَلِكَ تَعْرِفُ عَدْلَهُ فِي أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْكَوْنِيَّةِ الْجَارِيَةِ عَلَى الْخَلَائِقِ، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ فِيهَا، وَلَا حَيْفَ وَلَا جَوْرَ. وَإِنْ أَجْرَاهَا عَلَى أَيْدِي الظَّلَمَةِ. فَهُوَ أَعْدَلُ الْعَادِلِينَ. وَمَنْ جَرَتْ عَلَى يَدَيْهِ هُوَ الظَّالِمُ. وَكَذَلِكَ تَعْرِفُ بِرَّهُ فِي مَنْعِهِ. فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يُنْقِصُ خَزَائِنَهُ الْإِنْفَاقُ، وَلَا يَغِيضُ مَا فِي يَمِينِهِ سَعَةُ عَطَائِهِ. فَمَا مَنَعَ مَنْ مَنَعَهُ فَضْلَهُ إِلَّا لِحِكْمَةٍ كَامِلَةٍ فِي ذَلِكَ. فَإِنَّهُ الْجَوَادُ الْحَكِيمُ. وَحِكْمَتُهُ لَا تُنَاقِضُ جُودَهُ. فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَضَعُ بِرَّهُ وَفَضْلَهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِهِ وَوَقْتِهِ. بِقَدْرِ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ. وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَفَسَدُوا وَهَلَكُوا. وَلَوْ عَلِمَ فِي الْكُفَّارِ خَيْرًا وَقَبُولًا لِنِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَشُكْرًا لَهُ عَلَيْهَا، وَمَحَبَّةً لَهُ وَاعْتِرَافًا بِهَا، لَهَدَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ. وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} [الأنعام: 53] أَجَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53] . سَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ قَدْرَ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ، وَيَشْكُرُونَ اللَّهَ عَلَيْهَا. فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَا أَعْطَى إِلَّا بِحِكْمَتِهِ. وَلَا مَنْعَ إِلَّا بِحِكْمَتِهِ، وَلَا أَضَلَّ إِلَّا بِحِكْمَتِهِ. وَإِذَا تَأَمَّلَ الْبَصِيرُ أَحْوَالَ الْعَالَمِ وَمَا فِيهِ مِنَ النَّقْصِ: رَآهُ عَيْنَ الْحِكْمَةِ. وَمَا عَمَرَتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ إِلَّا بِحِكْمَتِهِ. فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ تَبْلُغَ فِي اسْتِدْلَالِكَ الْبَصِيرَةَ] قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَبْلُغَ فِي اسْتِدْلَالِكَ الْبَصِيرَةَ. وَفِي إِرْشَادِكَ الْحَقِيقَةَ. وَفِي إِشَارَتِكَ الْغَايَةَ. يُرِيدُ أَنْ تَصِلَ بِاسْتِدْلَالِكَ إِلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعِلْمِ. وَهِيَ الْبَصِيرَةُ الَّتِي تَكُونُ نِسْبَةُ الْعُلُومِ فِيهَا إِلَى الْقَلْبِ كَنِسْبَةِ الْمَرْئِيِّ إِلَى الْبَصَرِ. وَهَذِهِ هِيَ الْخِصِّيصَةُ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا الصَّحَابَةُ عَنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ. وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] أَيْ أَنَا وَأَتْبَاعِي عَلَى بَصِيرَةٍ. وَقِيلَ {وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] عَطْفٌ عَلَى الْمَرْفُوعِ بِأَدْعُو أَيْ أَنَا أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَمَنِ اتَّبَعَنِي كَذَلِكَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَتْبَاعَهُ هُمْ أَهْلُ الْبَصَائِرِ الدَّاعِينَ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَلَيْسَ مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمُوَافَقَةِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الِانْتِسَابِ وَالدَّعْوَى. وَقَوْلُهُ: وَفِي إِرْشَادِكَ الْحَقِيقَةَ إِمَّا أَنْ يُرِيدَ: أَنَّكَ إِذَا أَرْشَدْتَ غَيْرَكَ تَبْلُغُ فِي إِرْشَادِهِ إِلَى الْحَقِيقَةِ، أَوْ تَبْلُغُ فِي إِرْشَادِ غَيْرِكَ لَكَ إِلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا تَقِفُ دُونَهَا. وانظر غير مأمور ما زبره وطرزه الإمام الرباني ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة (1/ 186... )) وما بعدها عن حكمة خلق الله تعالى في هذا الكون ترى العجب العجب مما يبهرك ويجذب عقلك إلى التدبر ، وقلبك إلى الإيمان ، ونفسك إلى الروحانية بذلك الحق الذي أراه الله سبحانه وتعالى أولي اللباب من عباده الذين يذكرونه قياما وقعودا ويتفكرون في خلق السموات والأرض ليزدادوا يقينا بالإيمان الذي اكستبوه في خلواتهم وسكناتهم وهم يتدبرون عجاب هذا الخلق وحكمة الله تعالى وتقدس فيه . وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته :{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }(53) فصلت . وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته: {أَفلا يتدبرون الْقُرْآن} (82) النساء والآية (47) محمد. وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته :{ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ }(68)المؤمنون . وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته :{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (29) ص . وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته :{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} (101) يونس. وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته :{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }(164) البقرة . وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته :{إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (5) الجاثية وقال سبحانه وتعالى وتقدس في علوه وكل شأنه وفي أسمائه وصفاته :{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (24) الروم . تدبر هذه الآيات من كلام ربك وتأمل هذا الكتاب المفتوح الذين يأمرك بالتفكر والتدبر فيه لتتجلى لك حكمة الله تعالى في أسمى معانيها إنه هو العليم العزيز الخبير الحكيم سبحانه . يتبع - إن شاء الله -