اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

أبو بكر يوسف لعويسي

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    812
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 15

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : أبو بكر يوسف لعويسي

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

حقول الملف الشخصى

  • البلـد
    الجزائر

آخر زوار ملفى الشخصى

بلوك اخر الزوار معطل ولن يظهر للاعضاء

  1. أبو بكر يوسف لعويسي

    الرد على الدكتور عباس شومان

    مستخدم 900 مشاركات تقديم بلاغ تم النشر الاثنين في : 21:43 جزى الله خيرا العلامة الشيخ ربيعا خير الجزاء وأوفاه ، ورفع قدره في عليين .
  2. أبو بكر يوسف لعويسي

    إتحاف المؤمنين بأسباب الاختلاف وفاسد ذات البين

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الغر الميامين وعلى أصحابه الكرام المرضيين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فإن الله تعالى أرسل محمد صلى الله عليه وسلم هاديا وبشيرا ، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا ، أرسله ليجمع شمل المسلمين ، ويؤلف بين قلوبهم ، ويوحد صفوفهم ، فتقوى شكوتهم ، ولا يتصدع بنيانهم ، فيكونوا أشداء على غيرهم رحماء بينهم ، ينتصر أدناهم لأعلاهم ، وأعلاهم لدناهم ، وأبعدهم لأقربهم ، وأقربهم لأبعدهم ، ومحسنهم لمسيئهم ، فكانوا فترة من الزمان كذلك في حياته وبعد موته - صلى الله عليه وسلم- ، ثم اختلفوا ليفتحوا باب شر مغلق ، فتفسد ذات بينهم ، ويدخل منه أهل الباطل لينتصروا ويظهروا على أهل الحق .. روى عطاء بن السائب عن الشعبي قال : ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها. (سير أعلام النبلاء (4/ 311)، وحلية الأولياء (4/ 313). وقد حذرنا الله تعالى من الاختلاف ورسم لنا المنهج القويم والطريق المستقيم وأسباب القوة والاتحاد ، وأن الاختلاف من أعظم أسباب الفرقة وفساد ذات البين ، ومن أعظم أسباب الضعف ، ومن أعظم الأسباب التي تجعل الأعداء والخصوم يطمعون في رقابنا وذلنا وهواننا ؛ لأنهم عرفوا أن مكمن الضعف والهزيمة هو في تفرقنا واختلافنا .. وعدم اجتماعنا . قال تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) }. فلا قوة مع الخلاف والنزاع والتفرق والانقسام ، ولا نصر ولا استقرار مع انتفاء الرحمة بين المؤمنين ، وقلة الصبر على بعضنا البعض ، وعدم الدفع بالتي هي أحسن للتي هي أقوم ..بين من منهجهم واحد وسبيلهم سبيل المؤمنين .. ولكن جرت سنة الله تعالى أن يجعل في كل عصر ومصر شاهد على عصره ومصره ، قائم لله تعالى بالحجة عليهم ، يدعوهم إلى المحجة البيضاء ، ويبين لهم سبيل الفلاح والنجاح ، يصلح ذات بينهم ، ويؤلف بين جمعهم ، منتهجا العدل والوسطية ، يحارب الفساد ويبين أسبابه ، لعله يوجد في الأمة من يلقي السمع وهو شهيد فيستجيب ويترك حظوظ النفس والتعصب للطائفة والانتصار للباطل المزين بالتأويلات الفاسدة ... وهذا ابن القيم - رحمه الله- واحد من أولئك ولا يكتفي أن يكون شاهدا على عصره حتى يسجل للتاريخ شهادته على ما يحدث للمسلمين في تاريخ الأمة قبله وبعده فيبين أن أسباب الفساد والتفرق والاختلاف والتحارب ، وفساد ذات البين في العالم هو التأويل الفاسد للوحي كتابا وسنة ..وتقديم الرأي على الوحي ، واتباع الهوى على العقل ، فها هو يقول في الرد على الجهمية والمعطلة (1/348) وكأنه شاهد عيان لما يحدث في عصرنا .. إذا تأمل المتأمل فساد العالم وما وقع فيه من التفرق والاختلاف وما دفع إليه أهل الإسلام وجده ناشئا من جهة التأويلات المختلفة المستعملة في آيات القرآن وأخبار الرسول – صلى الله عليه وسلم - التي تعلق بها المختلفون على اختلاف أصنافهم في أصول الدين وفروعه ؛ فإنها أوجبت ما أوجبت من التباين والتحارب ، وتفرق الكلمة ، وتشتت الأهواء ، وتصدع الشمل ، وانقطاع الحبل،وفساد ذات البين حتى صار يكفر ويلعن بعضهم بعضا.. وترى طوائف منهم تسفك دماء الآخرين ، وتستحل منهم أنفسهم وحرمهم وأموالهم ما هو أعظم مما يرصدهم به أهل دار الحرب من المنابذين لهم .. فالآفات التي جنتها ويجنيها كل وقت أصحابها على الملة والأمة من التأويلات الفاسدة أكثر من أن تحصى أو يبلغها وصفُ واصف أو يحيط بها ذكرُ ذاكر .. ولكنها في جملة القول أصل كل فساد وفتنة ، وأساس كل ضلال وبدعة والمولدة لكل اختلاف وفرقة والناتجة أسباب كل تباين وعداوة وبغضة .. ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأمة بها أن الأهواء المضلة والآراء المهلكة التي تتولد من قبلها لا تزال تنمو وتتزايد على ممر الأيام وتعاقب الأزمنة وليست الحال في الضلالات التي حدثت من قبل أصول الأديان الفاسدة كذلك ؛ فإن فساد تلكَ معلومٌ عند الأمة ، وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين الإسلام ؛ فلا تطمع أهل الملة اليهودية ؛ ولا النصرانية ؛ ولا المجوسية ؛ ولا الثانوية ونحوهم أن يدخلوا أصول مللهم في الإسلام ، ولا يدعوا مسلما إليه ولا يدخلوه إليهم من بابه أبدا .. بخلاف فرقة التأويل فإنهم يدعون المسلم من باب القرآن والسنة وتعظيمهما وأن لنصوصهما تأويلا لا يوجد إلا عند خواص أهل العلم والتحقيق (( عندهم ومنهم ..)) . وأن العامة في عمىً عنه ؛ (( أي لا يفقهون ذلك التأويل إلا ببيان هذه الطائفة التي تدعو المسلم إليه وتحمله عليه ولو كان فاسدا ..)) فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له . ومثلهم ومثل أولئك كمثل قوم في حصن حاربهم عدو لهم فلم يطمع في فتح حصنهم والدخول عليهم فعمد جماعة من أهل الحصن ففتحوه له وسلطوه على الدخول إليه فكان مصاب أهل الحصن من قبلهم .. ((أي إنما نُؤتي من الداخل ، من أنفسنا ، من أبناء جلدتنا الذين فتنوا بالتأويل الفاسد للنصوص ففتحوا بذلك ثغرات لأعداء الملة المحمدية وخصوم السنة والنبوية)). وبالجملة ؛ فالأهواء المتولدة من قبل التأويلات الباطلة غير محصورة ولا متناهية بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم وما تخرجه إليه ظنونهم وأوهامهم .. ولذلك لا يزال المستقصي عناء نفسه في البحث عن المقالات وتتبعها يهجم على أقوالٍ من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له على بال ولا تدور له في خيال ويرى أمواجا من زبد الصدور تتلاطم ليس لها ضابط إلا سوانح وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق ولا أشرقت عليها شمس الهداية ولا باشرت حقيقة الإيمان فخواطرها وهوسها لا غاية له يقف عندها .. فإن أردت الإشراف على ذلك تأمل كتب المقالات والآراء والديانات تجد كل ما يخطر ببالك قد ذهب إليه ذاهبون ، وصار إليه صائرون ووراء ذلك ما لم يخطر لك على بال ، وكل هذه الفرق تتأول نصوص الوحي على قولها وتحمله على تأويلها..( لله درك يا ابن القيم وعلى أجرك ..) ومع ذلك فتجد أولي العقول الضعيفة إلى الاستجابة لهم مسارعين وفي القبول منهم راغبين فهم يبادرون إلى أخذ ما يوردونه عليهم، وقبولهم إياه عنهم، وعلى الدعوة إليه هم أشد حرصا منهم على الدعوة إلى الحق الذي جاءت به الرسل .. ((أي والله ، أصبح الكثير من ضعاف العقول أحرص على الدعوة إلى التأويلات الفاسدة بل والكذب الواضح من الدعوة إلى الهدي النبوي .. فلما تحدث أحدا منهم عن آية ، أو حديث يحدث على الاجتماع والألفة لا يهتز لذلك ، فإذا حدثته عن كلام شيخه أو طائفته سلبا ينتفض ويزبد ويرعد وإذا حدثته عن ذلك إيجابا طرب لذلك وقابلك بكل لطف وتقدير .. فأصبح التأويلات كلام الخصوم هي الحق التي ينافح ويدافع عنه ..)) ولم يوجد الأمر في قبول دعوة الرسل كذلك ؛ بل قد علم ما لقي المرسلون في الدعوة إلى الله من الجهد والمشقة والمكابدة ، ولقوا أشد العناء والمكروه وقاسوا أبلغ الأذى حتى استجاب لهم من استجاب إلى الحق الذي هو موجب الفطر وشقيق الأرواح وحياة القلوب وقرة العيون ونجاة النفوس ، حتى إذا أطلع شيطان التأويل رأسه وأبدى لهم عن ناجذيه ورفع لهم علما من التأويل طاروا إليه زرافات ووحدانا فهم إخوان السفلة الطغام أشباه الأنعام بل أضل من الأنعام ، طبلٌ يجمعهم ، وعصا تفرقهم .. فانظر ما لقيه نوح وإبراهيم وصالح وهود وشعيب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم في الدعوة إلى الله من الرد عليهم والتكذيب لهم وقصدهم بأنواع الأذى حتى ظهرت دعوة من ظهرت دعوته منهم وأقاموا دين الله. ((الله أكبر رحمك الله رحمة واسعة وأعلى قدرك في عليين على هذا الوصف الدقيق ، وكأنك شاهد عيان على هذا العصر الذي طغى فيه التأويل الفاسد والرأي الكاسد وأصبح هو الحق الذي لا مرية فيه ، وغيره الباطل ولو كان نصا من كلام الله أو سنة رسوله ؛ وانتصر له وتعصب عليه وكان من أعظم الأسباب في تفرق أهل السنة خيار أهل الإسلام وقدوة الأنام ..)) قال الله تعالى مبينا ذلك :{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} آل عمران . عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {هُوَ الَّذِي أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ} قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَإِذَا رأيتَ الَّذِينَ يتَّبِعُون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ" لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ((4547) ومسلم برقم (2665)) .وفي مسند أحمد (6/48) : ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُون فِيهِ ...)) . ((ومن الأسباب التي جرت إلى الاختلاف واستحكمت على عقول كثير من الآتباع. تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل)) . وقال في إعلام الموقعين (1/54): وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد .. فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق، وأثبت بها من باطل، وأُميت بها من هدى ، وأحيي بها من ضلالة؟ وكم هدم بها من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل ؛ بل هم شر من الحُمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] . ((سبحان الله لا يستجيبون للوحي المنزل ، وينقادون انقياد الحمر للرأي العاطل والتأويل الباطل )). روى الدارمي (1/ 67)عن مالك هو ابن مغول قال: قال لي الشعبي: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخذ به وما قالوه برأيهم فألقه في الحش. وفي شرف أصحاب الحديث (ص.74)وغيره: فبل عليه. والإبانة (2/ 3/517/ 607). - وروى الدارمي (1/ 47)عن عيسى عن الشعبي قال: جاءه رجل فسأله عن شيء فقال: كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا، قال أخبرني أنت برأيك؟ فقال: ألا تعجبون من هذا؟ أخبرته عن ابن مسعود ويسألني عن رأيي، وديني عندي آثر من ذلك، والله لأن أتغنى أغنية أحب إلي من أن أخبرك برأيي. إعلام الموقعين (1/ 257). ((سبحان الله يقارن رأيه بأغنية، ربما لو قالها لتأثم بها؛ بل يجعل ذلك عنده أفضل ؛ فما بالك بمن يترك نص القرآن والسنة ، ويأخذ بأقوال من لم يشموا رائحة العلم ، أوشموها لكنهم حرفوها روائح الآراء وأولوها إلى أذواق الألوان .. )). وقال: إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا. جامع بيان العلم وفضله (2/ 1050). - وروى الدارمي (1/ 47)عن الشعبي قال: إياكم والمقايسة والذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم عمن حفظ من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فاعملوا به. وذم الكلام (ص.103) وعنه قال: لو أدرك هؤلاء الآرائيون النبي - صلى الله عليه وسلم - لنزل القرآن كله: يسألونك، يسألونك. الإبانة (1/ 2/419/ 343). ((هكذا كانوا يذمون التأويلات الفاسدة ، ويتهمون الآراء الكاسدة ، ويهضمون النفس ويحتقرونها تواضعا لله )). ((ومن الفساد بمكان ترك مقاومة التأويل الفاسد ، وتقديم الرأي الكاسد ، وأتباع الهوى على العقل اللبيب حتى يفشو ويفرخ ، ويستحكم على النفوس ويكون له السلطان الذي يفرض نفسه ، ويذهب بكل سلطان ، فلا ترى حينها إلا التفرق والتمزق والاختلاف الذي يضعف الأمة ويذهب ريحها)) . تنبيه مهم : الكلام الملون ليس من كلام ابن القيم - رحمه الله
  3. أبو بكر يوسف لعويسي

    سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : وقوله : على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه .. -------------------- ش/ ليس من شك أن الرسل خير الخلق أجمعين ، فهم صفوة الخلق ، وهم الذين اصطفاهم الله عز وجل ، والله يصطفي من يشاء من خلقه ما يشاء . قال تعالى : { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)} الحج . قال ابن جرير- رحمه الله - (18/687): يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا كجبرئيل وميكائيل اللذين كانا يرسلهما إلى أنبيائه، ومن شاء من عباده ومن الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. ومعنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس أيضا رسلا وقد قيل: إنما أنزلت هذه الآية لما قال المشركون: أنزل عليه الذكر من بيننا، فقال الله لهم: ذلك إلي وبيدي دون خلقي، أختار من شئت منهم للرسالة. انتهى كلامه . وفي الترمذي من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما - قال: "جلس ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه قال فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم : عجبا إن لله من خلقه خليلا اتخذ إبراهيم خليلا ، وقال آخر: ما ذلك بأعجب من كليمه موسى كلمه تكليما، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه ، وقال أخر: آدم اصطفاه الله ؛ فخرج عليهم فسلم وقال: ((سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله ، وهو كذلك ، وكذلك موسى نجي الله وهو كذلك ، وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر)) (ضعيف - المشكاة 5762)و(ضعيف الجامع الصغير 4077)) وضعيف الترمذي (742 – 3877). وإن كان الحديث ضعيفا من حيث سنده ؛ فبعض الفقرات فيه ثابتة بأحاديث صحيحة ، متنه كله تعضده آيات كثيرة في كتاب الله تعالى ؛ فالله يصطفي ويجتبي ويختار من يشاء من الرسل ومن آلهم وهم أتباعهم. قال تعالى :{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} آل عمران . قال البغوي - رحمه الله - في تفسيره (2/28): {اصْطَفَى} اخْتَارَ، افْتَعَلَ مِنَ الصَّفْوَةِ وَهِيَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .وهو ماذكره الحميدي في تفسير غريب ما في الصحيحين (1/483). وفيه (1/296): اصْطفى :اخْتَار وانتخب وَرفع وَفضّل . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} الْآيَةَ .قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مِنْ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ. انتهى كلامه . قال ابن كثير- رحمه الله - (2/33):{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ () ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(33-34)آل عمران . يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اخْتَارَ هَذِهِ الْبُيُوتَ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاصْطَفَى آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ أَهْبَطَهُ مِنْهَا، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ. وَاصْطَفَى نُوحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَعَلَهُ أَوَّلُ رَسُولٍ [بَعَثَهُ] إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، لَمَّا عَبَدَ النَّاسُ الْأَوْثَانَ، وَأَشْرَكُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانَا، وَانْتَقَمَ لَهُ لَمَّا طَالَتْ مُدَّتُهُ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، سِرًّا وَجِهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا فِرَارًا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَأَغْرَقَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ. وَاصْطَفَى آلَ إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُمْ : سَيِّدُ الْبَشَرِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالْمُرَادُ بِعِمْرَانَ هَذَا: هُوَ وَالِدُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، أُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسار رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَاشَمَ بْنِ أَمُونَ بْنِ مَيْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أحريق بن يوثم بن عزاريا ابن أَمْصِيَا بْنِ يَاوشَ بْنِ أجريهو بْنِ يَازِمَ بْنِ يَهْفَاشَاطَ بْنِ إِنْشَا بْنِ أَبِيَّانَ بْنِ رُخَيْعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. فَعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ. قال ابن المنذر- رحمه الله - في تفسيره (1/171): 368 - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِّنَ اللهَ اصْطَفَى إِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةَ، وَاصْطَفَى مُوسَى بِالْكَلامِ، وَاصْطَفَى مُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ " وقال الخازن - رحمه الله - في تفسيره (3/216): وقال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ }وقال تعالى في حق موسى :{إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي } . وقال تعالى:{ وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ} وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة. وقال سبحانه وتعالى :{ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)} النمل . قال ابن كثير- رحمه الله –(6/181): يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ عَلَى نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى وَعَلَى مَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْعُلَى وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَاهُمْ وَاخْتَارَهُمْ وَهُمْ رُسُلُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ الْكِرَامُ، عَلَيْهِمْ من الله أفضل الصلاة والسلام، وَهَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِعِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، هُمُ الأنبياء، قال: وهو كقوله: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الصَّافَّاتِ: 180- 182] . وقال واثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ،: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» مسلم (2276) والترمذي (3606) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (1495) و (1496) . وقد اصطفى الله هذه الأمة من بين الأمم كما قال سبحانه وتعالى :{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } آل عمران (110) اصطفاهم واجتباهم لمقام صفوته وخيرته صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق. قال ابن كثير (2/9): يخْبِرُ تَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِأَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ فَقَالَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} . قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَيْسَرة، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ (صحيح البخاري برقم (4557) . وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَطِيَّةُ العَوْفيّ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} يَعْنِي: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَنْفَعُ النَّاسِ لِلنَّاسِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. وقد اصطفى الله الصحابة - رضوان الله عليهم – من هذه الأمة كما اصطفاهم على جميع الخلق بعد الأنبياء ، اصطفاهم ليناسبوا مقام النبي المصطفى ، فلا يليق أن يرسله الله في سفلة من النّاس وأراذلهم ، وإنما أرسله في خير النّاس وفي خير الأمكنة ، وخير الأزمنة ، وأختار له من خير النّاس أفضلهم وأصدقهم وهم صحابته . قال ابن جرير رحمه الله – (19/482-483): القول في تأويل قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ (59) } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (قُلِ) يا محمد (الْحَمْدُ لِلَّهِ) على نعمه علينا، وتوفيقه إيانا لما وفِّقنا من الهداية، (وَسَلامٌ) يقول: وأمنة منه من عقابه الذي عاقب به قوم لوط، وقوم صالح، على الذين اصطفاهم، يقول: الذين اجتباهم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فجعلهم أصحابه ووزراءه على الدِّين الذي بعثه بالدعاء إليه دون المشركين به، الجاحدين نبوّة نبيه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك ، قال أهل التأويل.ذكر من قال ذلك: حديث أبو كُرَيب، قال: ثنا طلق، يعني ابن غنام، عن ابن ظهير، عن السديّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس: (وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) قال: أصحاب محمد اصطفاهم الله لنبيه. حدثنا عليّ بن سهل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: أرأيت قول الله (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) من هؤلاء؟ فحدثني عن سفيان الثوري، قال: هم أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-. وقال ابن كثير (6/181) : وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ: هُمْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أيضا، وَلَا مُنَافَاةَ فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ اصْطَفَى فَالْأَنْبِيَاءُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَالْقَصْدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ وَمَنِ اتبعه بعد ذكره لَهُمْ مَا فَعَلَ بِأَوْلِيَائِهِ مِنَ النَّجَاةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَمَا أَحَلَّ بِأَعْدَائِهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ وَالْقَهْرِ، أَنْ يَحْمَدُوهُ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَأَنْ يُسَلِّمُوا عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ. وأخرجه البخاري من رواية عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - بلفظ: "خير الناس قرني" ومن رواية عمران بن حصين "خير أمتي قرني". (انظر البخاري كتاب فضائل أصحاب النبي باب (1ج4/189) ومسلم فضائل الصحابة باب (52ج4/1962)، وأبو داود في كتاب السنة باب (10ج5/44)، والترمذي في كتاب الفتن باب (45ج4/500)ّ. وروي عنه - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : ((إنَّ اللهَ اختارَ أصحابي عَلى العالَمينَ؛ سِوى النبيينَ والمرسلينَ، واختارَ لي مِنْ أصحابي أربعةً - يعني -: أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلياً، رَحمهُمُ الله؛ فَجعلَهُمْ أصحَابِي. وقالَ في أصحابي كُلهُم خيرٌ، واختارَ أمتي عَلى الأممِ، واختارَ [من] أمتي أربَعَ قُرونٍ : القَرنَ الأولَ، والثاني، والثالثَ، والرابعَ)) . السلسلة الضعيفة (6123) وقال ضعيف . وَفِي رِوَايَة (أَنْتُم موفون سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله عز وَجل)مسند أحمد 20015 " قال محققه إسناده حسن. وقال في صحيح الجامع (2301) (حسن) ... [حم ت هـ ك] عن معاوية بن حيدة. المشكاة (6294). وقال تعالى :{ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} أي: يصطفي من يشاء، فيجعله رسولًا، فيوحي إليه ذلك، أي: ليس الوحي من السماء إلى غير الأنبياء، عليهم السلام. فلله سبحانه وتعالى أن يصطفى من يشاء من عباده لا يسأل عما يفعل، والرسل عليهم الصلاة والسلام هم ممن اصطفاهم الله، واجتباهم لحمل رسالته إلى عباده، فجعلهم سفراءه إلى الناس بالرحمة والهدى.. وهؤلاء الرسل- على علوّ مقامهم وشرف منزلتهم- هم درجات عند الله في الفضل.. بعضهم أفضل من بعض، فكما اصطفى سبحانه وتعالى هؤلاء الرسل من بين خلقه، اصطفى منهم صفوة جعلها في الدرجة العليا من هؤلاء المصطفين الأخيار..واصطفى من بينهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم فأرسله رحمة للعالمين ، وجعله الرحمة المهداة والنعمة المسدات . واصطفى لهم- سبحانه وتعالى - من يناسبهم في خيرتهم من أصحابهم وأتباعهم وحواريهم ، وجعل نبينا أفضلهم وأمته أفضل المم وأصحابه أفضل الأصحاب والأتباع ، وقد كمل منهم الكثير ولم يكمل من النساء إلا أربعة . اللهم صل وسلم على من اصطفيتهم من عبادك وسلم تسليما كثيرا على أوليائك أتباعهم إلى يوم الدين ، ونسألك ربنا أن تحشرنا في زمرتهم ، وتبلغنا منازلهم في جنات عدن برحمتك يا أرحم الراحمين . يتبع - إن شاء الله -
  4. أبو بكر يوسف لعويسي

    الحدادية يوافقون البترية من الخوارج ( التأريخ يعيد نفسه )

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يليق بجلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى ، له الحمد كله وله الشكر كله على ما منّ به علينا من الاستقامة والوسطية على منهج النبوة ، وأصلي وأسلم على سيد الخلق وإمام المرسلين سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . أما بعد : فإن التأريخ يعيد نفسه ، فما أشبه الليلة بالبارحة ؛ لأن الذين سجلوا أسماءهم على صفحات التأريخ بالانحراف والزيغ والضلال من الأولين والآخرين تشابهت قلوبهم ، فما وجد كفر أو ضلال أو انحراف أو زيغ أو بدعة في غابر الزمان إلا وجد من يتصف بذلك قولا وفعلا عبر التأريخ إلى يوم النّاس هذا .. قال الله تعالى :{وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}(البقرة 118-119) . فما من نبي ولا رسول بعثه الله إلا قيل له ما قد قيل للرسل قبله ، من السب والشتم والسخرية والاستهزاء والتكذيب والعناد والاستكبار والوصف بالتشويه وقلب الحقائق ، والتحدي ، وقصد التخلص منه بالقتل ، وطلب المستحيل بأسئلة تعجيزية تعنتية ليسقطوه ، ولكن الله في كل مرة ينتصر لرسله ، وكذلك ينتصر لأوليائه من المؤمنين الصادقين علماء وطلبة العلم ،(( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )). وقال تعالى :{مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ }(43) فصلت . قال ابن جرير (21/481): يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذّبون ما جئتهم به من عند ربك إلا ما قد قاله من قبلهم من الأمم الذين كانوا من قبلك، يقول له: فاصبر على ما نالك من أذى منهم، كما صبر أولو العزم من الرسل . وقال تعالى :{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }(51). هكذا في كل عصر ومصر عبر التأريخ ما وجدت فرقة من فرق الضلال والزيغ إلا وجدت مثلها فيمن بعدهم تشابهت قلوبهم في ذلك : فانظر إلى المشركين من قريش يعلمون يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم بريء مما اتهموه به ويعلمون يقينا صدقه وأمانته .. فنجد اليوم في الفرق الذين ينتسبون إلى الإسلام بل إلى السنة ومنهج النبوة – زعموا - مثل الحدادية يعلمون يقينا براءة العلماء وطلبة العلم السلفيين الذين كشفوا باطلهم ؛ ثم يتهمونهم بتهم هم منها براء ، براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، ويفترون عليهم الكذب لينفروا النّاس عنهم حسدا من عند أنفسهم ،تماما كما فعل المشركون يوم افتروا على رسول الله لينفروا النّاس عنه ويصدونهم عن دعوة الحق . والعجيب في هؤلاء المتأخرين أن منهم من يكذب ويكذب بصفاقة وجه ، وبلا حياء من الله تعالى ولا من خلقه ، ويحلف الأيمان المغلظة على ما يرمي به مخالفه يظن أن حبل الكذب طويل وأنه سينجيه ، وما هي إلا مدة ويظهر الله الحق ، وينكشف الكذب والباطل ، ويعلم النّاس أنهم هم من رموا الأبرياء بدائهم وانسلوا ، ولكن:(( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )). وهذا فعل الكفار والمشركين تماما الذين رموا الرسل بالكذب والأشر وهو ألصق بهم فها هم قوم صالح ثمود يرمونه بذلك وهم أحق بما رموه . قال تعالى مبينا ذلك :{ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ }(26) سورة القمر . وهاهم كفار قريش يرمونه صلى الله عليه وسلم بما رمى به الكفار من قبلهم رسلهم ، فقد رموهم بالسحر والكذب ، وهم يعلمون أنهم كاذبون في ذلك . قال تعالى :{ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (4) سورة ص . قال ابن كثير (7/53): يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعَجُّبِهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ بَشَرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ} وَقَالَ هَاهُنَا: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} أَيْ: بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} أَيْ: أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟! أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَلْعِ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَإِفْرَادِ اللَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ أَعَظَمُوا ذَلِكَ وَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . ا.هـ وقال تعالى مسليا لنبيه :{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }(4) فاطر . قال أبو جعفر بن جرير (20/430): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله من قومك فلا يحزننك ذاك، ولا يعظم عليك، فإن ذلك سنة أمثالهم من كفرة الأمم بالله، من قبلهم وتكذيبهم رسل الله التي أرسلها إليهم من قبلك، ولن يعدو مشركوا قومك أن يكونوا مثلهم، فيتبعوا في تكذيبك منهاجهم ويسلكوا سبيلهم . (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجعُ الأمُورُ) يقول تعالى ذكره: وإلى الله مرجع أمرك وأمرهم، فمُحِل بهم العقوبة، إن هم لم ينيبوا إلى طاعتنا في اتباعك والإقرار بنبوتك، وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة، نظير ما أحللنا بنظرائهم من الأمم المكذبة رسلها قبلك، ومنجيك وأتباعك من ذلك، سنتنا بمن قبلك في رسلنا وأوليائنا. وقال عز من قائل :{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }(44). قال ابن جرير (18/652): يقول تعالى ذكره مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله، وحاضا له على الصبر على ما يلحقه منهم من السبّ والتكذيب: وإن يكذّبك يا محمد هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتَهم به من الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذّبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال. فها هو التأريخ يعيد نفسه ، تشابهت بل تطابقت عداوة الكفار للرسل وحيلهم ومكرهم وكيدهم للنيل منهم والقضاء عليهم وعلى ما جاءوا به من الحق . كذلك تشابهت قلوب الذين لا يعلمون من أهل الزيغ والأهواء من هذه الأمة قديما وحديثا على عداوة أهل الحق أتباع الرسول ، وفي مقدمتهم الصحب الكرام والعلماء الربانيين الذين هم على نهجهم .. قال تعالى :{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ }(5) غافر . والآيات في هذا المعنى كثيرة .. والتأريخ يعيد نفسه ... فهو ليس بأول رسول كذب ، والذين كذبوه ليسوا بأول أمة كذبت رسولها ؛ بل كل أمة همت لتأخذ رسولها بالقتل والإبعاد والتخلص منه ، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ؛ ولكن الله من وراء ذلك ينصره ويعزيه ويسليه ليصبر على البلاء العظيم ، ويستمر في طريقه في نشر الحق ودعوة النّاس إليه ، وهكذا ينبغي أن يتأسى به دعاة الحق من العلماء الربانيين وشيوخ العلم الصالحين المصلحين فإن هذه الآيات وإن كانت خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فهي خطاب لأتباعه أهل الحق ودعاته من أمته. ومما تشابهت القلوب وزاغت بسببه اتباع المتشابه ، والتأويل الفاسد الذي يرسخ في القلوب الشبه ويثبت الافتراق والاختلاف على منهاج النبوة تشابه طوائف هذه الأمة باليهود والنصارى والمجوس وغيرهم .. فقد اختلفت اليهود على موسى ، واختلفت النصارى على عيسى وقالت كل منهم في الأخرى أنها ليست على شيء ، واختلفت هذه الأمة وتفرقت وتشبهت باليهود والنصارى ، وقالت كل طائفة منهم للأخرى أنها ليست على شيء ؛ فعلوا فعل اليهود والنصارى في بعضهم البعض ، والعجيب ليس في نيل الفرق المخالفة لمنهج النبوة مِن بعضها البعض إلى درجة القتل والسبي ، فذلك أخبر به المعصوم في عدة أحاديث ، وإنما العجب كل العجب أن يحصل هذا التشابه من بعض من ينتسب إلى الفرقة الناجية والطائفة المنصورة أهل السنة والجماعة ، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب .. وقد بين صلى الله عليه وسلم عمق ودقة التتبع ، والتشبه في قوله : ((لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم )) . قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن)) . متفق عليه. فانظر- رحمك الله - كيف تشابهت قلوبهم ، ولولا تشابهها في الزيغ والضلال وتتابع سنن القوم الذين يتبعون المتشابه من القول والأخذ بالشبه لما حصل هذا الذي نحن نعيشه من التفرق والتمزق ، وشدة البأس بيننا مما مكنا لأهل البدع والضلال لتتمكن من رقاب الكثير من إخواننا . فهؤلاء كبار الفرق في هذه الأمة من روافض وخوارج وقدرية ، ومرجئة ، وغيرهم ... تنتشر عقائدهم ، ومناهجهم ، وأفكارهم بيننا في أثواب غير ثيابهم ، وفي ألبسة غير لباسهم ، يلبسها أناس تشابهت قلوبهم مع اليهود والنصارى في تحريف الكلم عن موضعه وكتم الحق ، واتباع المتشابه من الوحي ، وافتراء الباطل وركوب أمواج التأويل الفاسد وتقديمه للناس في صورة الحق ، وتزيين الباطل ببعض الحق وتقديمه للنّاس من الجانب الذي يظهر فيه الحق ، وإخفاء الباطل الذي هو أصل فيه ...حتى يكون مقبولا عند السذج من النّاس .. ومما حصل من التشابه في من ينتسبون للسنة والجماعة هو شدة التأثر بالـتأويل الفاسد ، ولي أعناق النصوص وتحريفها عن مراد الله ومراد رسوله ، وحمل الكلام ما لا يحتمل ، والتجاوز بالعقل عن فهم السلف الصالح ، وركب شبه أهل البدع والتنقيص من قدر العلماء الكبار ، وتولي أحداث الأسنان زمام الأمور ،وكبر كيد الأتباع لبعضهم البعض ، وعظيم الافتتان بحب الذات ، ولباس ثوب التعالم ، والغلو في الإفراط والتفريط ، والجرأة في طعن العلماء ، والرضا عمن كان موافقا ولو كان من الأعداء المخالفين ، والغضب عمن كان مخالفا لو كان من الأولياء الموافقين ؛ بسبب ذلك كله وغيره وأكثر منه حصل التشابه وتتبع سنن القوم إلى درجة لو دخلوا جحر ضب لدخله هؤلاء .. فهذه المحاكاة للقوم هي لتشابه الكثير من القلوب في مرضها وعدم خوفها من العواقب .. والحامل على ذلك هو الحسد والتعصب وإتباع الهوى وحب الانتقام الذي ينبع عن زيغ في القلوب المريضة ، وعن شهوة خفية - أنا على الحق وكل من خالفني فهو على الباطل - كما تقوله اليهود للنصارى نحن على حق وغيرنا على باطل وكما تعكسه النصارى على اليهود ، وهكذا تقوله كل طائفة تنتسب لهذه الأمة ولكنهم اجتمعوا على عداوة الطائفة المنصورة والفرقة الناجية ورميها عن قوس واحدة ، وقد تأثر بذلك أقوام فانقلبوا على إخوانهم ورموهم بما رمى به أولئك الطوائف الطائفة الناجية . أضف إلى تلك الأسباب شهوة التصدر والزعامة ، وحب الانتقام ممن يقف في طريقهم بالنصح والنقد العلمي . ولكن أشد هذه الطوائف اليوم غلوا وإيغالا في التعصب واتباع الهوى هي الطائفة الحدادية ، التي شابهت الخوارج ، وقد كشف عوارها الشيخ العلامة المجاهد ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله - ومتع بعلمه الأمة - يلبسون بلباس السلف الصالح ، ويظهرون للنّاس أصولهم الخبيثة مغلفة بشيء من الحق ،فالذي يطالعها وهو لا يعلم يراها كأنها هي عين الحق وذاته ، ويخفون جانب الباطل ، وقد أهلكهم التعصب الأعمى واتباع الهوى حتى أصبح من أصولهم أن كل من خالفهم فهو ضال أولا ، ومبتدع ثانيا ، وكافر ثالثا ، هكذا يتدرجون في الطعن في أهل السنة ،وعلى رأسهم وفي مقدمتهم العلماء المعروفين بصحة المعتقد وسلامة المنهج ، والغيرة على السلفية والذود عن حياض السنة ، كما فعلوا مع العلامة الألباني ، والعلامة ابن باز والعلامة ، ابن عثيمين ، والعلامة ربيع السنة وغيرهم من العلماء السابقين واللاحقين ، الأحياء والأموات والقافلة طويلة .. وإذا خاف أحدهم من المجاهرة بالطعن والنيل من العلماء غمزهم وعرض بهم ليهون من شأنهم وينتقص من قدرهم ، أما شيوخ العلم وطلبته فحدث ولا حرج في رميهم بالبوائق واحتقارهم وتجهيلهم ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وهذا الأصل هو أصل خارجي رافضي ؛ فالخوارج والروافض ؛ بل كل الفرق الهالكة يعتقدون أن كل من خالفهم فهو ضال أو مبتدع أو كافر ، وأن ذلك هو الحكم فيه ، ينفذ فيه لو كان الأمر إليهم ، أو استطاعوا أن يصلوا إليه بعيدا عن رقابة الأمن وغياب سلطة ولي الأمر . أما المخالف الذي رموه بغير مكفر ؛ أو أصاب ذنبا لا يخرجه من الملة - إن ثبت عنه ذلك - وإلا فهي تهم يجعلونها وصمة عار في جبينه إلى يوم القيامة لا تقبل منه توبة ولا يزال عنه اسم الفسق ، ولا يوصف بعدالة ، ولو جاءهم بيد بيضاء عليها ألف يمين مغلظة إلا أن يدخل بيت الطاعة ويناصرهم على باطلهم ويكافح من أجل ذلك ، وهذا أصل من أصول الروافض والخوارج .. وأنا أقرأ في بعض الكتب الفرق إذ استوقفني بعض الكلام لبعض العلماء يعرف فيه بفرقة من الفرق الخوارج الشيعية تسمى البترية ، تعتقد أن من أخطأ وتاب لا تقبل له توبة ، فقلت سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة ، وها هو التأريخ يعيد نفسه ، وها هي القلوب تتشابه ، وها هم الذين لا يعلمون يقولون مثل قولهم ، وما أصدق العلماء وأبصرهم بانحرافات هذه الطوائف ، وفي مقدمتهم العلامة ربيع بن هادي المدخلي ، الذي وصف الحدادية بأنهم أشد من الخوارج ، وأن من أصلهم أن من أخطأ لا يقبلون توبته حتى لو أعلنها ألف مرة . و(والله إن الأمر كذلك ؛ بل هؤلاء أخبث منهم لأنهم يرمون الأبرياء بتهم لم يسمعوا بها حتى رأوها مكتوبة عنهم أو سمعوها على ألسنتهم في مجالسهم الخاصة ثم العامة ، أو أنها أمور لا تستدعي تهويلا وتشنيعا يعيرونهم بها ويلصقونها بهم وصمة عار في جبينهم إلى يوم القيامة حتى لو أقسموا لهم بالأيمان المغلظة ، أنهم أبرياء منها. ومما زادوا على من تقدمهم أنهم لا يقبلون الحلف بالله ، ولا الأيمان المغلظة ويريدون ممن مخالفهم أن يقبل منهم كثرة حلفهم .. وهذا فيه تهوين من شأن الحلف بالله وعدم إجلال الله سبحانه وتعالى ، وعدم تقديره وتعظيمه ، مخالفين منهج النبوة في ذلك . ومن صفاتهم أنهم يكثرون الحلف بالله حتى يروجون باطلهم الذي ألبسوه شيئا من الحق أنهم ما فعلوا ولا قالوا ، ولقد فعلوا قالوا كلمة الضلالة ، والطعن والعيب والتعيير ولكنهم قوم بهت . قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، قَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي " البخاري (3444) ، ومسلم (2368) (149) وأحمد (8154 ). قوله: "فقال: آمنت بالله" قال السندي: أي: فلا أردُّ من توسل به عن مطلوبه تعظيماً وإجلالاً له، فلا بدَّ أن أصدقك وأكذب عيني. وقوله: "وكذبت عَيْني" قال الحافظ في "الفتح" 6/489: بالتشديد على التثنية (يعني في عيني) ، ولبعضهم بالإِفراد، وفي رواية المستملي: "كذبت" بالتخفيف وفتح الموحدة و"عيني" بالإِفراد في محل رفع. وقال السندي : "كذبت عيني" أي: آمنت بأنه أجل وأعظم من أن يحلف به كاذباً فصدقت الحالف به، وكذبت نفسي.انتهى كلامه . قلت: ( قاله عليه السلام مبالغة في تصديق الحالف بالله تعالى ، تبرئة له لأنه يحتمل أن المال ماله أو هو وصي عليه ، أو قاله تعظيما لله تعالى ، مع عدم نفي التهمة عن الرجل. وقال ابن القيم – رحمه الله - في اجتماع الجيوش الإسلامية : (2/122): رُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَشَى إِلَى أَمَةٍ لَهُ فَنَالَهَا فَرَأَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَامَتْهُ، فَجَحَدَهَا فَقَالَتْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَاقْرَأِ الْقُرْآنَ فَإِنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ (الْقُرْآنَ) فَقَالَ: شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافَ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ شِدَادٌ ... مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا فَقَالَتْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي ، وَكَانَتْ لَا تَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا تَقْرَؤُهُ. وفي البخاري بَابُ مَا جَاءَ فِي البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه)) . رواه مسلم وفي (( شرحه للنووي )) أنه قال : وجاء في رواية «البيهقي» بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس مرفوعا: ((لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) المشكاة (3758 )وقال صحيح . فإن لم تكن بينة ، ولا دليل ، وجاءت يمين المنكر فالقول قوله ، والتهمة في حق المدعي تثبت ، كما يقال ، هات الشهود أو حد في ظهرك . من هي البترية : (الثَّالِثَةُ) : الْبَتْرِيَّةُ أَصْحَابُ بَتْرٍ التُّوصِيِّ، قَالُوا بِنَحْوِ قَوْلِ مَنْ قَبْلَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا فِي كُفْرِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. لوامع الأنوار(1/85). وهي من فرق الزيدية، أتباع كثير النوى (النواء) الأبتر، توقفوا في أمر عثمان رضي الله عنه ، وقالوا: علياً أفضل النَّاس بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، ووافقوا المعتزلة في كثير من أصولهم. انظر: الملل والنحل (1/ 161)، والفرق بين الفرق (ص23)، ومقالات الإسلاميين (ص68 ـ 69). والاعتصام (3/358). وقال ابن الجوزي في تلبيس إبليس (1/20): وانقسمت الحرورية اثنتي عشرة فرقة ....إلى أن قال : والعاشرة : هي البترية : زعموا أن من عصى ثم تاب لم تقبل توبته . هذا الأصل الخبيث كم جر من نكبات على السلفيين ، وكم أوقع من قطيعة وهجر بين الأحباب ، وكم صد عن سبيل دعوة الحق ، وكم أوقع من ظلم وتعد ، وكم سبب من رد الحق وانتهاك الحرمات ، وكم .. وكم .. قال الشيخ ربيع في وصف الحدادية : ((في الإنترنت جماعة يصفون أهل السنة أنهم حدادية وصفات الحدادية متوفرة فيهم : الغلوّ ، الكذب ، رد الحقّ ، نفس الطريقة الحدادية، فافهموا هذا ، واضبطوا صفات الحدادية ، فمن وجدت فيه فهو من الحدادية أو شبيه بهم أو أسوأ منهم)) . فتاوى في العقيدة والمنهج (الحلقة 1) وقال - حفظه الله - : الحدادية لهم أصل خبيث وهو أنهم إذا ألصقوا بإنسان قولا وهو برئ منه ، يعلن براءته منه فإنهم يصرون على الاستمرار على رمي ذلك المظلوم بما ألصقوه به ، فهم بهذا الأصل الخبيث يفوقون الخوارج .انتهى . هكذا يعيد التأريخ نفسه ، وهكذا تشابهت قلوب القوم ، فاتبعوا سنن من كان قبلهم يفتّون في عضد أهل السنة والجماعة تمزيقا وتفريقا وإضعافا للصف السلفي - وإن زعموا أنهم من حماته ، يرابطون على ثغور الحق ، بغيرة شديدة وتضحية أكيدة ، والحقيقة غير ذلك فقد أوتي السلفيون من قبلهم ودخل الخصوم والأعداء وكل الطوائف المخالفة من قبلهم يضربون بسهامهم الرابطة القوية التي تربط السلفيين، ويضرمون نار الفتنة بينهم ، ومع وضوح ذلك يأبى القوم أن يتفطنوا لما يحاك لهذه الدعوة المباركة ، ويصرون على المضي في توسيع الهوة بين الأخوة ، ومساعدة الخصوم على الدخول من ثغراتهم ، وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله . نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الحق ، وأن يصلح أحوالنا وأن يهدينا سواء السبيل إن ربي سميع قريب مجيب .
  5. أبو بكر يوسف لعويسي

    إتحاف ذوي الحجا بفضائل العشر من ذي الحجة

    يرفع للفائدة
  6. أبو بكر يوسف لعويسي

    أحاديث موضوعة وضعيفة في فضل العشر ذي الحجة

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه وسلم وعلى من تبهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فهذه بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل ذي الحجة ، أو العشر منها أو في فضل بعض الأيام منها ، كيوم عرفة ، وليلة النحر وغير ذلك .. أضعها هنا بين يدي القراء حتى لا يقعوا في العمل بما دلت عليه من فضائل التي تنسب للدين وهي ليست منه في شيء، ولا يلحقهم الوعيد الذي جاء في التحذير من الكذب على رسول الله عند تبليغها لغيرهم ، ورحم الله علماء الحديث القدماء منهم والمعاصرين الذين تصدوا لذلك وغربلوا السنة من كل دخيل وبينوه ، وتكلموا في الرجال جرحا وتعديلا وسدوا الباب في وجه كل زنديق وضاع وضال مبتدع ، ومنافق أو مستشرق خبيث يكيد لهذا الدين ويشوه جماله ، وكل ضعيف مغفل أو متمذهب متعصب ينتصر لإمامه ومذهبه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، ورغم كل ذلك فإن أغلب الأحاديث بينها العلماء ومرتبتها.. ولكن ها هو التاريخ يعيد نفسه ، وهاهم كل أولئك المذكورين آنفا ومعهم كثير من الجهلة ينشرون الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة عن قصد أو عن جهل أو يضعونها وساعدهم في ذلك الإعلام المرئي والمقروء ، واعتقد جازما أن أغلب مما تعيشه الأمة من تفرق وتمزق ، وفتن ومحن وإحن كله بسبب تلك الأحاديث الموضوعة والواهية والضعيفة ، مع التأويل الفاسد ، والرأي الكاسد ، ولن تستقيم الحال وتصلح الأمة إلا إذا تخلصت من هذه المعضلة الكبيرة والمشكلة العويصة التي عشعشت بعقول الكثير من الوعاظ ، والقصاص ، والخطباء المتعالمين ، والأئمة المضلين ، والمفكرين ، والمثقفين ،مستشرقين وغير مستشرقين وبعض الفقهاء الجامدين على التقليد وغيره... فعلى العلماء وطلبة العلم أن يبذلوا جهدا أكبر في التصدي لبيان هذا الشر المستطير بالحق الواضح المستنير ، فلا تكاد تسمع خطبة أو درسا أو محاضرة ؛ أو موعظة إلا سمعت فيها حديثا ضعيفا أو موضوعا ، ولا تكاد تقرأ شيئا في كتب الفقهاء والرسائل ، والمجلات ، والمقالات في الجرائد إلا رأيت من ذلك العجب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ومن ذلك ما انتشر في شهر رمضان ، وفي أشهر الحرم ، ومنها شهر ذي الحجة أو الأيام العشر الأولى منها ، فيها وفي بعض الأزمنة ، والأمكنة والشهور والأيام ، والصلاة فيها، والصيام والحج عموما ، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى على وجه الخصوص وفي فضل الأضحية ، وفيالرقائق والزهد وغير ذلك ... وإليك بعضا منها مما وقفت عليه في كتب أهل العلم جزاهم المولى عظيم الأجر ، والعفو مع غفرانه والبر . 1 – الحديث الأول في فضل شهر رمضان وذي الحجة معا : (سيد الشهور رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة) . قال الشيخ المحدث علامة الشام محمد ناصر الدين الألباني- رحمه الله - :ضعيف رواه أبو عثمان البجيرمي في الفوائد(40/1)، والبزار(960-كشف)، والديلمي (2/ 203)وابن عساكر في التاريخ (8/ 483/ 2) ، والضياء في الأحاديث والحكايات (14/ 145/ 1) عن يزيد بن عبد الملك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. قلت (أي الألباني) : وهذا إسناد ضعيف؛ يزيد بن عبد الملك - وهو النوفلي -؛ قال الحافظ في "التقريب":"ضعيف". قال كاتب هذه السطور : ضعَّفه أحمد وقال عنده مناكير ، وابنُ معين في رواية وأبو زرعة وغيرهم. وتركه النسائيُّ وضعَّفه البخاريُّ جدًا وذكر الذهبي في المغني في الضعفاء (2/751) ترجمة (7123)أنهم أجمعوا على ضعفه . قال الشيخ الألباني في تمام كلامه السابق : ورُوي من حديث ابن مسعود مرفوعاً به؛ دون الشطر الثاني، وزاد:((وسيد الأيام يوم الجمعة )). أخرجه عبد الغني المقدسي في "فضائل رمضان" (ق 53/ 2)عن عيسى الأصم، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق الهمداني، عن هبيرة بن يريم عنه. وعيسى الأصم؛ لم أعرفه. قلت : قوله الشيخ – رحمه الله - : وعيسى الأصم؛ لم أعرفه. هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْفَرْوِيُّ يُكَنَّى بِأَبِي عَلْقَمَةَ الأَصَمِّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . ففي تذكرة الحفاظ (أطراف أحاديث كتاب المجروحين لابن حبان) : لأبي الفضل محمد بن طاهر المعروف بابن القيسراني تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي حديث رقم 495 - «سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتَسْلَمُوا» . رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى الْفَرْوِيُّ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا يُكَنَّى بِأَبِي عَلْقَمَةَ الأَصَمِّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فهذا ذهول من الشيخ- رحمه الله - أو وهم وقع له وإلا فقد ذكره في السلسلة الصحيحة (3225)حديث : (اللهم! أعزّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصةً) .وقال عقبه : قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف الفروي هذا، ويُستغرب تصحيح ابن حبان إياه، مع أنه قد ذكره في "الضعفاء" باسمه وكنيته (2/45) ، وقال:"يروي العجائب، ويقلب على الثقات الأخبار التي يعرفها مَنِ الحديث صناعته أنها مقلوبة". وضعفه غيره أيضاً... إلى أن قال بعد دراسة لهذا الحديث وتصحيحه بالمتابع : وإذا عرفت هذا المتابع؛ فلعله به يزول الاستغراب الذي سبق ذكره؛ فإن الفروي الذي ضعفه ابن حبان يحتمل أن يكون عنده من أولئك الضعفاء الذين يقول فيهم : "لا يحتج به إلا فيما وافق فيه الثقات ". فإن إخراجه لحديثه هذا في "صحيحه " يشير إلى هذا، وإلا؛ كان متناقضاً، وهذا غير لازم ما أمكن التوجيه الحسن، كما هو معروف عند أهل العلم من باب: (التمس لأخيك عذراً) . والله أعلم. وهذا كلام ابن حبان في المجروحين (2/45)( 578) - عبد الله بن عِيسَى الْفَروِي أَبُو عَلْقَمَة الْأَصَم من أهل الْمَدِينَةِ يروي عَن بن نَافِع ومطرف بن عبد الله بن الْأَصَم الْعَجَائِب ويقلب على الثِّقَات الْأَخْبَار رَوَى عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم قَالَ : ((سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتَسْلَمُوا)). وقد خولف في إسناده؛ فقد أخرجه أبو بكر الشافعي في "الفوائد" (2/ 8/2 و9/1)من طريقين آخرين، عن أبي إسحاق به موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه. وكذلك أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (3/ 21/ 2) من طريق المسعودي؛ عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: ... فذكره موقوفاً عليه. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (8/205)( 3727). قلت : والهيثمي في المجمع (4777)وقال : رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. لكنه ورد بلفظ : ((سيد الشهور شهر رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة )) دون ذكر لذي الحجة فيه بأسانيد صحيحة موقوفا على ابن مسعود . أخرجه ابن أبى شيبة (1/477، رقم 5509) بسند صحيح ، وعبد الرزاق (4/307، رقم 7894) ، والبيهقى فى شعب الإيمان (3/314، رقم 3638) . 2 – الحديث الثاني في فضل العشر : (( مَنْ صَامَ الْعَشْرَ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَوْمُ شَهْرٍ وَلَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ سَنَةٌ وَلَهُ بِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ سَنَتَانِ)). رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا وَلا يَصِحُّ وَفِي إِسْنَادِهِ: الْكَلْبِيُّ كَذَّابٌ وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ . وَرَوَاهُ ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَارِيخِهِ من حديث جابر وهو من طريق الحسين بن موسى بن عمران (وفيه نظر) عن عامر ابن سيار (فيه ضعف) عن محمد بن عبد الملك (هو الأنصاري المدني: كذاب وضاع).الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة(1/96)لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني ، تحقيق عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني .والموضوعات (2/198) لابن الجوزي وقال بعده : وَهَذَا حَدِيث لَا يَصح. قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ: الكلبي كَذَّاب. وَقَالَ ابْن حِبَّانَ:وضوح الْكَذِب فِيهِ أظهر من أَن يحْتَاج إِلَى وَصفه. قلت: الكلبي، وهو محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر، قال فيه ابن حجر في "تقرب التهذيب (1/479) متهم بالكذب ورمي بالرفض، من السادسة، مات سنة ست وأربعين أي ومائة. قال البخاري في كتابه الضعفاء الصغير(1/121)(337)محمد بن السائب أبو النضر الكلبي، تركه يحيى بن سعيد، وابن مهدي. حدثنا علي ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك فهو كذب، وروى محمد بن إسحاق، عن أبي النصر، وهو الكلبي.وقال النسائي في المجروحين (1/90) متروك الحديث . فقد اتفق العلماء على تركه واتهامه بالكذب ،انظر التهذيب للحافظ ابن حجر (9/178-181) . 3 - حديث: "مَنْ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ: فَقَدْ خَتَمَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَافْتَتَحَ السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ بِصَوْمٍ جَعَلَهُ اللَّهُ كَفَّارَةَ خَمْسِينَ سَنَةً". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرفوعا ، وفيه كذابان. وهو في المعيار (1/606) ح1004) والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة .المؤلف: محمد بن علي بن محمد الشوكاني . تحقيق عبد الرحمن بن يحي المعلمي اليماني. وعلته أَحْمد بن عبد الله الْهَرَوِي حَدَّثَنَا قُطْبُ بْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ فَقَدْ خَتَمَ السَّنَةَ الْمَاضِيَةِ وَافْتَتَحَ السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ بِصَوْمٍ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ كَفَّارَةَ خَمْسِينَ سَنَةً ". والْهَرَوِيُ هُوَ الجويباري ، ووَهْب، كِلَاهُمَا كَذَّاب وَضاع. اللآليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة.عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي .تحقيق أبو عبد الرحمن صلاح بن محمد بن عويضة . وتذكرة الموضوعات(1/118)لمحمد طاهر بن علي الصديقي الهندي الفَتَّنِي . والكامل في ضعفاء الرجال(1/292)لابن عدي الجرجاني (المتوفى: 365هـ) تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود-علي محمد معوض . قال حبان في المجروحين (1/142) 68 - أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ بْن خَالِد بْن مُوسَى بْن فَارس بْن مرداس بْن نهيك التَّيْمِي الْعَبْسِي أَبُو عَلَي الجويباري من أهل هراة دجال من الدجاجلة كَذَّاب يرْوى عَن بن عُيَيْنَة ووكيع وَأبي ضَمرَة وَغَيرهم من ثِقَات أَصْحَاب الْحَدِيث وَيَضَع عَلَيْهِم مَا لَمْ يحدثوا . وَقَدْ روى عَن هَؤُلاءِ الْأَئِمَّة أُلُوف حَدِيث مَا حدثوا بِشَيْء مِنْهَا كَانَ يَضَعهَا عَلَيْهِم لَا يحل ذكرهم فِي الْكتب إِلَّا عَلَى سَبِيل الْجرْح فِيهِ ، وَلَو لا أَن أَحْدَاث أَصْحَاب الرَّأْي بِهَذِهِ النَّاحِيَة خَفِي عَلَيْهِم شَأْنه لَمْ أذكرهُ فِي هَذَا الْكتاب لشهرته عِنْدَ أَصْحَاب الْحَدِيث قاطبة بِالْوَضْعِ عَلَى الثِّقَات مَا لَمْ يحدثوا ، رَوَى عَنْ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن بن طَاوس عَن أَبِيه عَن بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:(( الإِيمَانُ قَوْلٌ وَالْعَمَلُ شَرَائِعُهُ لَا يَزِيدُ وَلا يَنْقُصُ)). وقال أبو نعيم في كتابه الضعفاء (1/65) الْوَاضِع على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم غير حَدِيث سَاقِط مَتْرُوك .وقال النَّسَائي والدارقطني: كذاب. وقال ابن حبان في كتابه المجروحين (2/43) 574 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ النَّسَوِيُّ شيخ دجال يضع الْحَدِيث عَلَى الثِّقَات وَيلْزق الموضوعات بالضعفاء يروي عَن يزِيد بن هَارُون وَأهل الْعرَاق لَا يحل ذكره فِي الْكتب بحيلة إِلَّا على سَبِيل الْجرْح فِيهِ، وَهَذَا شيخ لَيْسَ يعرفهُ كل إِنْسَان إِلَّا من تتبع حَدِيثه ، وَلم يكن لنا همة فِي رحلتنا إِلَّا تتبع الضُّعَفَاء ، والتنقير عَن أنبائهم وَكِتَابَة حَدِيثهمْ للمعرفة والسبر.. رَوَى هَذَا الشَّيْخُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ضَيْفًا بَعَثَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَرْبَعِينَ صَبَاحًا طَيْرًا أَبْيَضَ )) ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثًا فِي وَرَقَتَيْنِ أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِنَسَا قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ النَّسَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي أَشْيَاءَ كَتَبْنَاهَا عَنْهُ عَنِ الثِّقَاتِ كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ تَتَبَّعْتُ حَدِيثَهُ فَكَأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْبَارِيِّ وَاتَّفَقَا عَلَى وَضْعِ الْحَدِيثِ فَقل حَدِيث رأيته لِلْجُوَيْبَارِيِّ مِنَ الْمَنَاكِيرِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا إِلَّا وَرَأَيْتُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ هَذَا بِعَيْنِهِ كَأَنَّهُمَا مُتَشَارِكَانِ فِيهِ. وقال أبو نعيم الأصبهاني (5/35): روى، عَنِ ابن وهب ويزيد بن هارون المناكير، لا شيء. 4 - وحديث : (من صلى يوم عرفة بين الظهر والعصر أربع ركعات ، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة ، وقل هو الله أحد خمسين مرة ، كتب الله له ألف ؛ ألف حسنة ....إلخ ذكره عبد الحي اللكنوي في كتابه الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (1/87): صَلَاة يَوْمَ عَرَفَةَ فقال : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : (( مَنْ صَلَّى يَوْمَ عَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكْعَاتٍ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسِينَ مَرَّةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَرُفِعَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ بَين كل دَرَجَتَيْنِ مسيرَة خَمْسمِائَة عَامٍ وَيُزَوِّجُهُ اللَّهُ بِكُلِّ حَرْفٍ فِي الْقُرْآنِ حَوْرَاءً مَعَ كُلِّ حَوْرَاءٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَائِدَةٍ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنْ لَحْمِ طَيْرٍ خُضْرٍ بَرَدُهُ الثَّلْجُ وَحَلاوَتُهُ حلاوة الْعَسَل وريحه ريح الْمِسْكِ لَمْ تَمَسَّهُ نَارٌ وَلا حَدِيدٌ تَجِدُ لآخِرِهِ طَعَامًا كَمَا تَجِدُ لأَوَّلِهِ ثُمَّ يَأْتِيهِمْ طَيْرٌ جنَاحَاهُ مِنْ يَاقُوتَتَيْنِ حَمْرَاوَيْنِ وَمُنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ لَذِيذٍ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ بِمِثْلِهِ مَرْحَبًا بِأَهْلِ عَرَفَةَ وَيَسْقُطُ ذَلِكَ الطَّيْرِ فِي صَحْفَةِ الرَّجُلِ مِنْهُمْ فَيَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ كُلِّ مِنْ أَجْنِحَتِهِ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنَ الطَّعَامِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيَنْتَفِضُ فَيَطِيرُ فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ أَضَاءَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنَ نُورٌ حَتَّى يَرَى الطَّائِفِينَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ مِمَّا يَرَى مِنَ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ. أَخْرَجَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ (( في كتابه الموضوعات (2/132)) بِسَنَدِهِ عَنِ النَّهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ عَنْ قَتَادَة عَن سعيد ابْن الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - t- وَقَالَ مَوْضُوعٌ ، فِيهِ ضُعَفَاءُ وَمَجَاهِيلُ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: النهاس لَا يساوى شَيْئًا. وَقَالَ ابْن حِبَّانَ: كَانَ يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.، انْتَهَى. قال اللكنوي : وَأَقَرَّهُ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ عِرَاقٍ وَغَيْرُهُمَا. . هذا كلام ابن حبان في كتابه المجروحين (3:56) ترجمة رقم (1119) بتمامه : النهاس بن قهم كنيته أَبُو الْخطاب من أهل الْبَصْرَة من بني قيس يروي عَن عَطاء وَقَتَادَة روى عَنْهُ الْعِرَاقِيُّونَ كَانَ مِمَّن يروي الْمَنَاكِير عَن الْمَشَاهِير وَيُخَالف الثِّقَات فِي الرِّوَايَات لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . أخبرنَا مَكْحُول قَالَ حَدثنَا عُثْمَان بن خرزاذ قَالَ سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ عَنْهُ يَعْنِي عَنِ النَّهَّاسِ بْنِ قَهْمٍ فَقَالَ ضَعِيفٌ . وقال يَحْيَى بْنُ مَعِين : نهاس بْن قهم ضعيف الحديث كَانَ يقص وليس بشَيْءٍ. الكامل في الضعفاء (8/326). يتبع - إن شاء الله - ...
  7. أبو بكر يوسف لعويسي

    ( ويلٌ لِأَقْمَاعِ القولِ...) أتدري منهم ؟؟؟

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فقد قرأت حديثا عظيما يتوعد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالويل الذين يستمعون القول الحق ، فلا يتبعون أحسنه ، الذين يعلمون أنه الحق ، ولا يعونه ولا يعملون به ، بل يهملوه إما تكبرا وعنادا ، وإما تعصبا وتقليدا، وإما غلوا وتقديسا في ما هم عليه ، أو في مشايخهم ، وما أكثر هؤلاء في زمننا الذين اتصفوا بصفات شر الدواب عند الله .. قال تعالى :{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)}الأنفال . قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - في تلبيس الجهمية (8/227): (وهذا كله ذم لمن سمع الكلام ولم يفهم معناه ولم يفهمه ، وإنما يستحق الذم إذا كان الكلام مما يمكن فهمه وفقهه ، وما لا يكون كذلك لم يستحق به الذم . وقال الله فيمن لم يفهمها ويتدبرها: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] ، فذمهم على أنهم لا يفهمون، ولو فهموا لم يعملوا بعلمهم. سجود التلاوة معانيه وأحكامه (1/37) ت : فواز أحمد زمرلي. قلت : الحق الذي أرسل الله به رسله عليه نور، وهو مما لا يخفى ويلتبس على من أراد الله به خيرا فتعلم وعلم وتفقه وفقه ؛ بل لا يخفى على كثير من الكفار والمشركين ، ولذلك قال الله تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ }(6) التوبة . ولكن ما أراد الله بهم خيرا لذلك لا يسمعهم الحق الذي كله خير . فكذلك أقماع القول أهل الأهواء الذين في قلوبهم زيغ ومرض الشبهات ، وهؤلاء هم الذين لا يريدون سماع الحق ، أو يسمعون الحجة والدليل أنصع من ضوء النهار ، ولا يريدون فهمه على وجه الحق ، ويقولون نحن نسمع للحق ، وفي الحقيقة هم لا يسمعون فإعراضهم عنه ، وواقعهم يشهد بذلك ، وخاصة عند الفتن والخصومة الحزبية والطائفية والتعصب الذميم ، لذلك شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بأقماع القول ؛ المصرين على ما هم عليه من العناد ، وعدم الاستجابة لله ورسوله لما يحييهم ..فهم كالذين قال الله فيهم :{ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ }(21)الأنفال . وفي هذه السورة الفاضحة لهؤلاء من الآية (20 - 24 ) افتتح الله تعالى هذه الآيات بقوله عز وجل :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }(20). هذا نداء رباني للمؤمنين فيه الأمر المطلق بطاعة الله ورسوله ، والنهي المطلق عن التولي عما يأمر به وينهى عنه بعدم السماع والاتعاظ بما يؤمر به ، والاجتناب عما ينهي عنه .. ثم ختمها بقوله جل وعز :{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ..} وفي إعادة النداء للذين آمنوا والأمر بالاستجابة لله ورسوله هو تكرار لما تضمنته الآية السابقة : :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } وتوكيد للطاعة المطلقة والاستجابة الفورية دون تردد لكل أمر ونهي منه سبحانه ، فمن لم يفعل كان كشر الدواب الذين لا خير فيهم لأنهم يسمعون الحق وكأنهم ما سمعوه . ولا رفعوا به رأسا . وقد رتب الله سبحانه في الآية الأخيرة ثمرة السمع والطاعة والاستجابة لله ورسوله فيما أمر وما نهى عنه وزجر بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، وكفى بها طيبة ، وليس فوقها ولا أفضل منها؛ لأن الله هو من وصفها بأنها طيبة .. وفي الآيات التي بينهما حذر المؤمنين أن يكونوا أقماع القول يسمعون الحق بأذن فيدخل منها ليخرج من الأذن الأخرى كأنهم ما سمعوه ، مصرين على عدم الطاعة وعدم الاستجابة للحق الذي دعاهم إليه . ففي صحيح الأدب المفرد (293/380) (صحيح) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ارْحَمُوا تُرحموا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، ويلٌ لِأَقْمَاعِ القولِ وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ؛ الَّذِينَ يُصرّون عَلَى مَا فَعَلُوا وهم يعلمون)). السلسلة الصحيحة (482)وصحيح الجامع (874)(وصحيح الترغيب والترهيب (2257). وقوله : (الأقماع) بفتح الهمزة جمع (قمع) بكسر القاف وفتح الميم وتسكن: الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع. شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازا كما يمر الشراب في القمع. كذلك قال الزمخشري : من المجاز " ويل لأقماع القول " وهم الذين يستمعون ولا يعون. وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (1/197): وأقماع القول: الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/128): وَالْأَقْمَاعُ جَمْعُ قِمْعٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا كَنِطْعٍ وَنِطَعٍ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يَنْزِلُ فِي رُءُوسِ الظُّرُوفِ لِتُمْلَأَ بِالْمَائِعَاتِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْهَانِ. شَبَّهَ أَسْمَاعَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْقَوْلَ ( الحق ) وَلَا يَعُونَهُ وَيَحْفَظُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ بِالْأَقْمَاعِ الَّتِي لَا تَعِي شَيْئًا مِمَّا يُفَرَّغُ فِيهَا فَكَأَنَّهُ يَمُرُّ عَلَيْهَا مُجْتَازًا كَمَا يَمُرُّ الشَّرَابُ فِي الْأَقْمَاعِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ (4/109): وفي رواية ((ويْلٌ لأَقْماع الآذانِ)) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ الْأَقْمَاعُ الَّذِينَ إذَا أَكَلُوا لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا جَمَعُوا لَمْ يَسْتَغْنُوا» أَيْ كَانَ مَا يَأْكُلُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ يَمُرُّ بِهِمْ مُجْتَازًا غَيْرَ ثَابِتٍ فِيهِمْ وَلَا بَاقٍ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِمْ أَهْلَ الْبَطَالَاتِ الَّذِينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إلَّا فِي تَرْجِئَةِ الْأَيَّامِ بِالْبَاطِلِ، فَلَا هُمْ فِي عَمَلِ الدُّنْيَا وَلَا عَمَلِ الْآخِرَةِ. قلت : والحديث أخرجه تمام في جزء من حديثه عن علي". ذكره أبو حامد في إحياء علوم الدين قال ابن السبكي: (6/ 346) لم أجد له إسناداً. وبعد دخلوهم النّار يقمعون بمقامع من حديد ، وذلك في قَولُه تَباركَ وتَعالى: { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } (الحج: 21 -22): أي آلات يُقمَعُون بها ويُضرَبون. وقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }(20) الأنفال . قال أبو جعفر(13/457- 458): يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (أطيعوا الله ورسوله) ، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه (ولا تولوا عنه) ، يقول: ولا تدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفين أمره ونهيه "وأنتم تسمعون" أمرَه إياكم ونهيه، وأنتم به مؤمنون . 15852- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا وأنتم تسمعون) ، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه. والقول في تأويل قوله تعالى : {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) } قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم، بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – مجموع الفتاوى (10/16):وقوله تعالى :{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} فَقَوْلُهُ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} لَمْ يُرِدْ بِهِ مُجَرَّدَ إسْمَاعِ الصَّوْتِ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدِهِمَا : أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ إلَّا بِهِ. كَمَا قَالَ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}، وَقَالَ {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ... وَالثَّانِي : أَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَكَفَرُوا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ إسْمَاعِ الْفِقْهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللَّهُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ وَهَذَا نَظِيرُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ}. وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّمَاعُ الَّذِي يَفْقَهُ مَعَهُ الْقَوْلَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا ؛ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا ، وَأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَوْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ وَيُفَقِّهَهُ ؛ إذْ الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ ؛ فَالْأَوَّلُ مُسْتَلْزِمٌ لِلثَّانِي ، وَالصِّيغَةُ عَامَّةٌ فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا ، وَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ اللَّازِمُ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} بَيَّنَ أَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ لِلثَّانِي شَرْطًا نَحْوِيًّا ، وَهُوَ مَلْزُومٌ وَسَبَبٌ ؛ فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَسْمَعَهُ هَذَا الْإِسْمَاعَ ؛ فَمَنْ لَمْ يُسْمِعْهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، فَتَدَبَّرْ كَيْفَ وَجَبَ هَذَا السَّمَاعُ ، وَهَذَا الْفِقْهُ ، وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ( أي يأخذون ) بِسَمَاعِ لَا فِقْهَ مَعَهُ أَوْ فِقْهٍ لَا سَمَاعَ مَعَهُ أَعْنِي هَذَا السَّمَاعَ.. وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ وَفَقِهَ يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ؛ بَلْ قَدْ يَفْقَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرًا .. وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إسْمَاعَ التَّفْهِيمِ إنَّمَا يُطْلَبُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يُطْلَبُ تَفْهِيمُهُ. و " الصِّنْفُ الثَّالِثُ " مَنْ سَمِعَ الْكَلَامَ وَفَقِهَهُ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يُطِعْ أَمْرَهُ: كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا}. وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} إلَى قَوْلِهِ : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ} أَيْ تِلَاوَةً. إلى أن قال : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فَهِيَ (أي القلوب ) وَإِنْ سَمِعَتْ الْخِطَابَ وَفَقِهَتْهُ لَا تَقْبَلُهُ وَلَا تُؤْمِنُ بِهِ لَا تَصْدِيقًا لَهُ وَلَا طَاعَةً وَإِنْ عَرَفُوهُ كَمَا قَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}... إلى أن قال : وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ وَفَقِهَ كَلَامَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُ بِالْإِقْرَارِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا .انتهى . فإياك أن تكون منهم فتكون من أقماع القول لا تريد أن تسمع قول ورثة الأنبياء فيما يبلغوك عن الله ورسوله فهم اعلم النّاس به ؛ أو تسمع ولا تريد أن تفهم ، أو تريد أن تفهم، وإذا فهمت أعرضت ولم تقبل ولم تعمل فيحال بينك وبين قلبك . وهذا أمر فظيع أن يحول الله بينك وبين قلبك فتكون من أهل الأهواء والبدع الذين هم أحط وأشر من شر الدواب . هم وقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }(24). قال أبو جعفر (13/465): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وقال القرطبي (7/389) وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية . قال الخازن (2/303): يعني أجيبوهما بالطاعة والانقياد لأمرهما إِذا دَعاكُمْ يعني الرسول صلى الله عليه وسلم. وإنما وجد الضمير في قوله تعالى: " إذا دعاكم " لأن استجابة الرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى ، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، واستدل أكثر الفقهاء بهذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن كل من أمره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعل فقد دعاه إليه ، وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه . وقال السعدي (1/318): يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وعظيم حكمته ، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. قال ابن القيم رحمه الله – في كتابه الفوائد (1/132): وقوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }(24). فَأَمرهمْ بالاستجابة لَهُ وَلِرَسُولِهِ حِين يَدعُوهُم إِلَى مَا فِيهِ حياتهم ثمَّ حذّرهم من التَّخَلُّف والتأخر عَن الاستجابة الَّذِي يكون سَببا لِأَن يحول بَينهم وَبَين قُلُوبهم قَالَ تَعَالَى :{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقين}... إلى أن قال : وَقَالَ تَعَالَى فِي حقّهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وآتاهم تقواهم}.. وقال في زاد المعاد (3/502): وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِنْ إِرَادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إِذَا دَعَاهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجَابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] . وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]. وَقَالَ تَعَالَى : {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، وَقَالَ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ . وقال - رحمه الله – : الدَّلِيلُ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَدَعْوَتُهُ نَوْعَانِ: مُوَاجَهَةٌ ، وَنَوْعٌ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَتَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ حَيَاتَهُ فِي تِلْكَ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا ، وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا مَا ، أَوْ يُجِيبَهُ بِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا ، أَوْ يَتَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا؛ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَاقَبَهُ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ. قلت : قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. إن الاستجابة لإصلاح ذات البين ، والإصلاح بين النّاس يكمن في إصلاح النّفس بالاستجابة لله تعالى ولسنة رسوله ، ثم السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر بيان السنة وللحث على لزوم الجماعة ، وفي ذلك الحياة الطيبة ، التي لا شيء وأفضل منها ولا أطيب .. وذلك خير من الهم والغم الذي في الفرقة والتنازع والاختلاف . وقال ابن القيم – رحمه الله- : الدَّلِيلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ مُخَالِفٍ بَلَغَهُ أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا بَلَغَهُ لَمْ يُفِدْهُ عِلْمًا لَمَا كَانَ مُتَعَرِّضًا بِمُخَالَفَةِ مَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا لِلْفِتْنَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا لِمُخَالِفِ أَمْرِهِ عُذْرٌ. مختصر الصواعق المرسلة (1/581). وليس من شك أن مخالفة أمر ورثة الأنبياء وولاة الأمر من أعظم المخالفات التي ينبغي أن يحذر منها اللبيب العاقل الذي يريد النجاة من عذاب النّار ، فإذا كان هذا في نفسه فكيف بمن كان سببا في مخالفات كثيرة للسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أعظمها أن تؤتى السنة وتفرق الجماعة من قبله ؟؟!!. فاحذر أخي ؛ أيها العاقل اللبيب أن تكون من أقماع القول الذين إذا جاءهم الحق وكان عليهم أعرضوا عنهم وأهملوه ولو يعوه ، فتصيبك فتنة أو عذاب أليم ، وتكون من شر الدواب عند الله ...أو يحيل الله بينك وبين قلبك ، فيطبع عليه وذلك منتهى العقوبة والحرمان .. واعلم أن الوعيد بالويل ليس أمرا هينا ؛ بل هو أمر عظيم فالويل : هُوَ الدُّعَاء بالشدة والهلاك. وقيل : هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم، يسيل فِيهِ صديد أهل النَّار. وكلاهما أمر فظيع ؛ وعقاب شنيع تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، وتلين قلوبهم للحق والخضوع له .. والعجب كل العجب في هذا الزمان الذي كثر فيه هذا النوع من النّاس (( أقماع القول ))، الذين لهم حظ وافر من التشبه باليهود الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، فلا تكن أنت (وأنت السلفي) الذي يعظم الأمر والنهي ويوقر العلماء الأكابر من الذين يسمعون القول الحق ويعلمونه ولا يرفعون به رأسا ؛ بل منهم من لا يكتفي بذلك حتى يهون من شأن الحق (1) الذي سمعه أو بلغه ويرده ويؤوله على غير وجهه انتصارا لحزبه وطائفته ، أو اتباعا لزيغه ومرض قلبه نعوذ بالله من ذلك .. فكم من مواعظ ومحاضرات ودروس ألقيت على أقماع القول ، فدخلت من أذن ، وخرجت من الأخرى ، وأكنهم ما سمعوها ، أو أنهم سمعوها وفقهوا معناها ومع ذلك لم تظهر ثمار ذلك عليهم لأنهم أقماع لا يسمعون وإذا سمعوا لا يفهمون وإذا تفهموا لا يقبلون ، ولا يهتمون ولا يرفعون بذلك رأسا .. بل يصرون على ما هم عليه من تعصب ، وإعراض لا لشيء إلا أن الحق ظهر على أيدي غيرهم . وأخيرا أخي تأمل معي هذه الآيات ، قال تعالى :{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }(54)لحج . وقال تعالى :{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }(213) البقرة . وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ، وَيَقُولُ: " اللهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفْتُ فِيهِ مَنِ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " . أخرجه الخمسة مسلم (770) (200) ، وأبو داود (767) ، والترمذي (3420) ، والنسمائي فىِ "المجتبى(3/212-213)، وفي "السنن الكبرى" (1322) ، وابن ماجه (1357). صحيح أبي داود (743). اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنباه واجعلنا وإخواننا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأهدنا يا ربنا بإذنك إلى صراطك المستقيم .. برحمتك يا أرحم الراحمين .
  8. أبو بكر يوسف لعويسي

    إرشاد أئمة الزمان إلى خممس وعشرين مخالفة في صلاة القيام ودعاء القنوت قي رمضان

    يرفع للتذكير
  9. أبو بكر يوسف لعويسي

    إبطال بدعة الاحتياط في الإمساك قبل الأذان بثلث ساعة وحكم الأكل والشرب عند سماع الأذان الثاني

    يرفع للفائدة
  10. أبو بكر يوسف لعويسي

    منزلة إصلاح ذات البين في الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم جزى الله خيرا فضيلة لشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي على ما تبذله من جهود للإصلاح بين السلفيين فما علمناك إلا مجاهدا بحق داعيا إلى الألفة بين أهل السنة فأسأل الله تعالى أن يبارك في جهودكم ، وأن يكتب لكم ما أعده الله لمن يعمل ذلك ابتغاء مرضاة الله ، وأن يرفع ذكركم في عليين وأن يختم لنا ولكم بالحسنى . وللتذكير في فضل الإصلاح بين الناس: قال القرطبي رحمه الله: تفسير القرطبي (ج 5/385 ): وقوله تعالى : { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (114) سورة النساء }. قال البغوي وقوله تعالى :{ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ }وبسنده عن أم الدرداء - رضي الله عنها- عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - r- : << ألا أخبرُكم بأفضلَ من درجة الصيام والصدقة والصلاة >> قال: قلنا بلى، قال: << إصلاحُ ذاتِ البين. وفساد ذات البين هي الحالقة >> .(1) . وقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبَ رِضَاهُ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ، فِي الْآخِرَةِ، أَجْراً عَظِيماً . تفسير البغوي (1/:701) وبوب البخاري رحمه الله . باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم . وبسنده إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله e :<<كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة >> . قال ابن المنير : ترجم على الإصلاح والعدل ولم يورد في هذا الحديث إلا العدل ، ولكن لما خاطب الناس كلهم بالعدل وقد علم أن فيهم الحكام وغيرهم كان عدل الحاكم إذا حكم ، وعدل غيره إذا أصلح . وقال الحافظ ابن حجر : وقال غيره : الإصلاح نوع من العدل ، فعطف العدل عليه من عطف العام على الخاص . فتح الباري (ج13 / 69). وَمِنْهَا: أَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ الْبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَهْمَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ - r-: << أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ >>. صحيح لغيره أنظر الصحيحة (2639)وصحيح الترغيب والترهيب (2817). َفِي الْحَدِيثِ: << لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خَيْرًا >> وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّ تَرْكَ الْكَذِبِ وَاجِبٌ، وَلَا يَسْقُطُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِوَاجِبٍ آكَدَ مِنْهُ. المهم أيها الأحبة أن الإصلاح كله خير ، والساعي في الإصلاح بين الناس ، أفضل من القانت بالصلاة ، والصيام ، والصدقة ، قال رسول الله - r- :<< ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة ، والصيام والصدقة ؟قالوا: بلى . قال: إصلاح ذات البين . قال : وفساد ذات البين هي الحالقة >> .رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وهو في صحيح الترمذي [ح 2037] . بل إن الإصلاح بين الناس في الخصومات أي كانت دينية أو دنيوية هي مما يرضاه الله ورسوله ، فكيف إذا كان بين طائفتين مؤمنتين سنيتين سلفيتين فإنه يحصل الخير الكثير بالصلح بينهما فلا شك أن هذا من الأعمال التي يحبها الله ورسوله ويرضاها الله ورسوله ، ألا تحبون ما يحبه الله ورسوله ؟؟ عن أبي أيوب - رضي الله عنه- قال : قال لي رسول الله - r- :<< يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى عَمِلٍ يَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؟>>.قَالَ : بَلَى. قَالَ:<< تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَارِبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا >>.(2) الهامش : --------------- 1 - أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (118)، وأبو داود في الأدب، باب في إصلاح ذات البين: (7 / 25) والترمذي في صفة القيامة، باب سوء ذات البين: ( 7/212 ) وقال: هذا حديث صحيح ، وأحمد في المسند:(6 / 444 ، 445) والمصنف في شرح السنة :( 13 / 116). 2 - قال الشيخ الألباني - رحمه الله - في صحيح الترغيب والترهيب (3/46)(2820 ) ( حسن لغيره ).وهو في السلسلة الصحيحة برقم (2644)بلفظ آخر .
  11. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    تتمة للشرح : توقفنا في الدرس الماضي عند فرائض الصوم فقلت : أما بقية فرائضه وهي: الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ، وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى . 1 - 2 - الإمساك عن الطعام والشراب والجماع .. دليله قوله تعالى :{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ...}(187) البقرة . ففي الآية حلية الرفث وهو الجماع ليلة الصيام والأكل والشرب ، وهذا يفهم منه أن نهار الصيام يحرم الجماع وعليه إجماع العلماء لا يعرف من خالف في ذلك . قال البغوي في تفسيره (1/206) قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ.. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثُ فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ.انتهى . ثم بين حد إباحة ذلك وحليته فقال :{.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..}. قال القرطبي (2/314)المسألة: الأولى- قوله تعالى:{ أحل لكم}" لفظ" أحل" يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ. وروى البخاري عن البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس ابن صرمة الأنصاري كان صائما- وفي رواية: كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما- فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية:" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت:" وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر". وفي البخاري أيضا عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى:" علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم". يقال: خان واختان بمعنى من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم. ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب. وقال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شي فلا يؤدي الأمانة فيه. قال بن كثير (1/510): هَذِهِ رُخْصة مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ، ورَفْع لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُهُمْ إِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَتَى نَامَ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ. فَوَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَشَقة كَبِيرَةً. وَالرَّفَثُ هُنَا هُوَ: الْجِمَاعُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَمْرو بْنُ دِينَارٍ وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَالسُّدِّيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. قال ابن القيم في التفسير القيم (1/147): والتحقيق أن يقال: لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر، حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة. ولا يباشروهن بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويبتغون ما أباح لهم من الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه. فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته. فقد كانت ليلي الصيام في أول الأمر محرم فيها الجماع والأكل والشرب إذا صلى العشاء الصائم أو نام قبل أن يفطر ، وقد كان بعض الصحابة يختانون أنفسهم في تلك الليالي ، فتاب الله عليهم وعفا عنهم وخفف عنهم ورخص لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الصادق حيث يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من الفجر ، أي يظهر بياض النهار من سواد الليل فيحرم عليهم بعدها ذلك ويبتدئ وقت الصيام . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقت ابتداء الصوم وهو من طلوع الفجر الصادق فقال : « الفجر فجران: فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام» صحيح الجامع (4279 ) وقال :(صحيح) [ك هق] عن ابن عباس. الصحيحة (693). عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْفَجْرُ فَجْرَانِ فَأَمَّا الْفَجْرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ فَلَا يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ، وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ)) سنن الدارقطني (1053) أنظر الصحيحة (2002)صحيح الجامع (4278). فالإمساك متعلق بطلوع الفجر الصادق ، فهو الذي يحرم الأكل على الصائم ويحل الصلاة ، ولا ينبغي تقديم الإمساك عن ذلك الوقت عملا بالاحتياط فهذا من البدعة المحدثة التي أحدث منذ قرون بعيد كما أفاده الحافظ ابن حجر رحمه الله . وقد كتبت في ذلك مقالا ونشرته فراجعه غير مأمور إن أردت زيادة الفائدة . تنبيه : فواقع المؤذنين اليوم أنهم في أغلب بلاد العالم الإسلامي يقدمون الآذان عن وقته عملا ببدعة الاحتياط ، فيوقعون الأمة في شر ، ومع تقديم الآذان فإن كثيرا من النّاس ؛ بل جمهور المسلمين يقدمون السحور إلى ما قبل الفجر الكاذب بوقت يزيد عن الساعة وأفضلهم الذي يؤخره إلى الآذان الأول الذي يؤذن بليل وقبل الفجر الكاذب فزاد على بدعة الاحتياط السحور تأخير على تأخير .. فرع : حكم من أخر السحور إلى الآذان الثاني ؛ فأذن المؤذن وهو يأكل ،فهل يتوقف عن الأكل مباشرة ويلفظ ما في فيه أم يتوقف عن الأكل ويبلع ما في فيه أو يواصل الأكل حتى يؤخذ نهمته منه ؟؟ إذا كان المؤذن يؤذن للفجر الصادق فعلى الصائم الذي يسمع النداء أن يتوقف عن الأكل ، وما في فيه لا يلفظه بل يأكله .. أما إذا كان المؤذن لا يؤذن للفجر الصادق بل يعمل بالاحتياط ويؤذن قبل ذلك فهذا لا يتوقف عن الأكل حتى يؤخذ حاجته منه . وكذلك إذا أقيمت الصلاة وكان الإناء في يد الصائم فله أن يأخذ منه ظمأه ولا يتركه . عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه )). وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : " أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالْإنَاءُ فِي يَدِ عُمَرَ - رضي الله عنه - فَقَالَ: أَشْرَبُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ ، قَالَ: " نَعَمْ " ، فَشَرِبَهَا. أنظر الصحيحة (1394). فرع : في حكم من أكل أو شرب يظن أنه الفجر الكاذب أو أن الفجر الصادق الذي يحرم عليه الطعام مازال وقته لما انتهى من أكله تبين أن الفجر الصادق طلع؟؟ فهذا لا شيء عليه وصيامه صحيح ، وحكمه أيضا من جامع أهله ، ولكن بشرط أن يكون بذل جهده وسعى في معرفة الوقت ، أما من فرط وتهاون ولم يكلف نفسه شيئا من جهد فهذا عليه قضاء يوم ولا كفارة عليه لأنه في محل شبهة ، وظن ، ولم يتقن طلوع الفجر الصادق ، وهو غير قاصد للأكل فيوقت الصيام بل قاصد تأخير السحور إلى ذلك الوقت فأخطأه . وقال بعض فقهاء المذاهب عليه الكفارة ..وهو غير متجه . 3 - وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ .. دليله قوله تعالى :{.. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ..} ومن السنة ما في البخاري 1954 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ومسلم (1100). فقوله :{ .. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ..} بعد قوله :{.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..}. بيان وتحديد لطرفي النّهار الذي يجب على من يريد الصيام أن يستغرق فيه صيامه مع قوله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» البخاري (622) وفيه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ بِلاَلًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ» البخاري (1918) ومسلم (1092).فهذا في الابتداء والذي بعده في الانتهاء للوقت المحدد صيامه شرعا فلا عبرة بمن يؤخر لإفطار بعد غروب الشمس ، احتياطا وبعضهم حتى تظهر النجمة الأولى في السماء وهذا فعل اليهود وليس هو من شريعة المسلمين إذ شرع لهم التعجيل بالإفطار والتأخير بالسحور ، وفي ذلك حكم كثيرة وأعظمها ديمومة لأمة في الخيرية . وقوله : (( إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ )) ومسلم (1100). وشروط الصيام سبعة هي : 1 - الإسلام ، 2 - العقل ، 3 - الطهر من الحيض والنفاس، 4 - الإمساك عن المفطرات ، 5 - القدرة على الصوم ، 6 - البلوغ ، 7 – والإقامة .. وهذا ما نعرفه في الدرس القدم بإذن الله ...
  12. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    وإياك أخي ، وبارك فيك .
  13. أبو بكر يوسف لعويسي

    النصيحة لاستقبال شهر رمضان بالسبل الملائمة الصحيحة

    استحضر في قلبك الآن أحبَّ الناس إليك، وقد غاب عنك أحد عشر شهرًا وهَبْ أنك بُشِّرتَ بقدومه وعودته خلال أيام قلائل ... كيف تكون فرحتك بقدومه واستبشارك بقربه وبشاشتك للقائه؟ فقد أظلكم شهر مبارك كريم..نعم الضيف ونعم الهدية من الرحمن الرحيم ونعم الاستجابة من القلب السليم .. ونعم التعظيم للعلي العظيم . تراك لو علمت بمقدم ضيف عزيز.. كيف سيكون استعدادك لاستقباله؟ أحسب أنه على قدر كرمك وعلى جلال منزلة ضيفك سيكون عظيم استعدادك وتجهيزك وتفرغك وتهيئك
  14. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    بسم الله الرحمن الرحيم متن : قال المصنف – رحمه الله - : ويبيت الصيام في أوله ، وليس عليه البيات في بقيته ويتم الصيام إلى الليل . ----------------- شرح : يشير المصنف - رحمه الله - أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني إلى حكم تبيت النية في الصيام . قال ابن عبد البر في التمهيد (2/38): وَفَرَائِضُ الصَّوْمِ خَمْسٌ وَهِيَ: 1 - الْعِلْمُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ .. 2- وَالنِّيَّةُ .. 3- وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب .. 4- وَالْجِمَاع .. 5- وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ. أولا : العلم بدخول الشهر ، حتى يعبد الله تعالى على علم وبصيرة ، فيعرف من أين يبدأ الصوم ومتى ينتهي ، فهو مكلف بقوله صلى الله عليه وسلم :(( صوموا لرؤيته ..)) لأن الشرع علق ثبوت الحكم بالرؤية البصرية للهلال وهي في متناول كل مكلف خال من العوائق والأعذار التي ترفع عنه التكليف ، فإن رآه وجب في حقه أن يصوم عند مالك ، ويخبر غيره بذلك ، فإن أخبره غيره برؤيته أو سمع إعلان الصيام من ولي الأمر عقد النية م أوله لصيام الشهر كله .. وكذلك ينبغي عليه أن يعرف طلوع الفجر الصادق من الكاذب ، ويعلم متى تكون النية ، وحكمها فيعلم كيف يصحح نيته ، وغير ذلك من فرائض الصيام وشرائطه ، لأن عبادة الله بالجهل هي طريق النصارى الضالين ، وإذا علم ولم يعمل ففيه شبه باليهود المغضوب عليهم . فالعلم مهم وشرط لصحة العمل ...بوب البخاري في صحيحه "باب العلم قبل القول والعمل " ثم استدل لذلك بقوله تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } . قَالَ بن الْمُنِيرِ : أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فَلَا يُعْتَبَرَانِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلنِّيَّةِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَمَلِ .نقله الحافظ ابن حجر في الفتح.. فلابد من العلم لأنه شرط لصحة القول والفعل وذلك في جميع أبواب الدين ، فالعلم إذا أطلق يراد به علم الشرع .قال العمريطي والعلم لفظ للعمومي لم يخص - - للفقه مفهوما بل الفقه أخص وعلمنا معرفة المعلوم - - إن طابقت لوصفه المحتوم .. ولقد امتن الله تعالى علينا بالعلم : فقال :{هو الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون }. قال الحكمي – رحمه الله -: وامتن ربي على كل العباد وكل - - الرسل بالعلم فاذكر أكبر النعم . وقال العلامة السعدي : واعلم أن أفضل المنن - - علم يزيل الشك عنك والدرن . وقال علي رضي الله عنهم : هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل . فالعلم النافع هو الذي يرتبط بالعمل ويعمل به صاحبه ليصح به عمله فيعبد الله على بصيرة من ربه ، فيرقى عمله إلى الإخلاص والصواب . ثانيا : فالنية شرط لصحة الصيام وأشار إلى ذلك بقوله: "ويبيت الصيام في أوله" أي ينوي بقلبه أول ليلة من رمضان بعد غروب الشمس من آخر يوم من شعبان أو بعد رؤيته الهلال ، وقبل طلوع الفجر أو مع طلوعه ، القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض عليه من استغراق طرفي النهار بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع والمحرمات التي كانت محرمة عليه قبل رمضان وتأكد تحريمها بدخوله . فالنية فرض من فرائض الصيام ، وبعضهم يجعلها شرطا لصحة الصوم : قال العلامة السعدي - رحمه الله - : النية شرط لسائر العمل – بها الصلاح والفساد للعمل . والنية تكون شرطا في أول العمل وبدايته أما استمرارها مع العمل فهي ركن من أركان العمل هذا الذي عليه أهل التحقيق . دليله قوله تعالى :{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }(110) الكهف . ففي الآية الكريمة دليل واضح على أن الإخلاص في العمل ينبغي أن يكون مستمرا معه إلى نهايته . وعليه يجب إخلاص النية لله تعالى في أول الصيام ولا يكون ذلك إلا بابتدائها في أول الشهر وعقد العزم على صيامه إلى آخر يوم . ومن السنة : عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) البخاري في عدة أبواب من صحيحه ومسلم . فقوله : إنما الأعمال بالبنيات ، أي من أولها إلى آخرها ، فالنية ينبغي أن تستمر معك في عملك إلى نهيته لله تعالى رب العالمين ، فإن كان أوله لله ، وما بعده لغيره ، فإنه كله لغير الله وبذلك جاءت الآثار . و في الموطأ (641 ) بَابُ مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ : وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول :(( لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر )). أخرجه الشافعي والنسائي والبيهقي من طريق مالك .قال العلامة الألباني صحيح لغيره ، صحيح وضعيف النسائي (2340). وفيه (642): وقال مالك عن ابن شهاب عن عائشة وحفصة زوجي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك . أخرجه النسائي والطحاوي في شرح معاني الآثار، والبيهقي من طريق مالك.انظر صحيح الجامع الصغير (6538)وهي آثار صحيحة في حكم المرفوع . قال ابن عبد البر في الاستذكار ( 3/285) وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الشَّهْرِ. إلا المسافر: ولم يختلف عن مالك وابن الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُبِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ إِلَّا إِنْ بَيَّتَهُ مِنَ اللَّيْلِ . وقول المصنف : "وليس عليه البيات في بقيته ".. "و" بعد أن يبيت الصيام أول ليلة فـ "ليس عليه" وجوبا "البيات في بقيته" أي بقية شهر رمضان .. وعن مالك يجب التبييت كل ليلة وبه قال الإمامان الشافعي وأبو حنيفة لأن أيام الشهر عبادات ينفرد بعضها عن بعض ولا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها كالأكل والشرب والجماع ليلا فصارت الأيام كالصلوات الخمس في اليوم فيجب أن ينفرد صوم كل يوم بنية كما تنفرد كل صلاة بنية . ووجه المذهب قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فتناول هذا الأمر صوما واحدا وهو صوم الشهر وإنما كانت مبيتة لما رواه أصحاب السنن من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) وإنما اغتفر تقديمها في الصوم للمشقة . قال ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ أنه لا يلزم تجديد النية لمن انقطع صومه كالحائض وهو كذلك عند أشهب وغيره.. بقي المريض والمسافر إذا تماديا على الصوم فإنه يجب عليهما النية في كل ليلة لعدم وجوب التتابع في حقهما ، وعند صحة المريض وقدوم المسافر يكفيهما نية لما بقي كالحائض تطهر والصبي يبلغ في أثناء الصوم والكافر يسلم في أثناء الشهر. ثم بين غايته بقوله: "ويتم الصيام إلى الليل" للآية وهي قوله :{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (187)البقرة . ولقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" أي انقضى صومه وتم .انتهى كلامه . والحديث أخرجه البخاري (1954)ومسلم (1100). قلت : وخلاصة الكلام في تبيت النية أنه تجب في أول ليلة من رمضان وتستحب في باقيه ؛ أي في كل ليلة قبل الفجر أو معه ؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) يحتمل في أول ليلة منه ويحتمل في كل ليلة . وبهذا القول يسقط الاحتمال ويجمع بين الخلاف ويصيب السنة فيكون جامعا للنية في كل الشهر على وجه الوجوب في أوله وعلى الاستحباب في كل ليلة . وهنا مسألة أخرى متعلقة بالنية هل هي خاصة بالفرض أم عامة ، والذي عليه جمهور العلماء أنها عامة في كل صوم ، وهو مذهب مالك ،وإن خالف فيه بعض أصحابه وقالوا أنها خاصة بالفرض وهو الصحيح . وهو ما رجحه المحققون من أهل المذهب . وتبيت النية خاص بالفرض غير النفل : قال ابن عبد البر : في الكافي (ص 76-77) والنية محلها القلب ، والتلفظ بها بدعة ، ويجب تخليصها لله تعالى من جميع شوائب الشرك ، فتعقد في قلبك أيها الصائم أن هذا الصوم لله تعالى وحده إيمانا واحتسابا. أما بقية فرائضه وهي الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ، وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى يتبع - إن شاء الله - ..
  15. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد : فهذا بابٌ في الصيام من متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني - رحمه الله - وشرحي عليه سائلا المولى أن ينفع به كل من اطلع عليه وأن يكتب لي أجر نشر العلم وتعليمه إني ربي قريب سميع مجيب . قال ابن أبي زيد القيرواني –رحمه الله - : بابٌ في الصيام . متن : وصوم شهر رمضان فريضة ، يصام لرؤية الهلال ، ويفطر لرؤيته ، كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما فإن غم الهلال فيَعدُ ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام ، وكذلك في الفطر ... -------------------- شرح : في هذا مسائل : الأولى : قوله : باب في الصيام ، أي معناه هذا باب جامع في أحكام الصيام ، وما يتعلق به . كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي ، تحقيق : يوسف الشيخ محمد البقاعي.بتصرف يسير . أقول : وأول تلك المسائل فضائل الصيام والترغيب فيه ، فقد جاء في فضل الصيام عامة ، وفضل رمضان خاصة آيات وأحاديث كثيرة تبين فضله وتحض على فعله تقربا إلى الله تعالى ، وتدل على أن الصيام من أعظم القربات التي يُتقرب بها إلى الله، فمن القرآن قوله تعالى : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } الأحزاب 35. فذكر تعالى في معرض المدح والثناء على هؤلاء أن الصائمين والصائمات ممن أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ، وهذا فيه ترغيب في فضل الصيام وتشويق لأجره العظيم الذي لا يعلمه إلا الله ، أنه المغفرة والأجر العظيم .وإذا استعظم الله شيئا فلا تسأل بعده عن عظمته، ونفس المؤمن تواقة للأمور العظيمة فلا ترضى بالدون . وقوله تعالى : { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }(184) البقرة. ففي الآية الكريمة أن الصيام مع القدرة فيه خير كبير للصائم ، وأي خير من الله يَعِد به الصائمين ، فلا تسأل عن عِظمه وفضله ..لأنه من العظيم . ففي الموطا (324) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. إِنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ، وَطَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي. فَالصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلاَّ الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». أنظر إلى سر عظيم الأجر كيف يملأ نفسك شوقا للتطلع إليه وحرصا على الحصول عليه بالحرص التام على الصيام إيمانا واحتسابا ؛ فليس فقط في رمضان ولكن أن تجعل السنة كلها رمضان .. فالصيام حصن حصين من الشهوات ،ومن النّار وتربية للنفس وترغيبها وحملها على الصبر وتحمل المشاق فالصوم مدرسة وقائية تربوية .. فمن الشهوات ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَنْكِحْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَا فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ)) البخاري (5065-5066)ومسلم (1400) . ومن النّار ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ " (9225)وقال محققه حديث صحيح . والصيام جنّة يستجنّ بها العبد من النّار:(( عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ))أخرجه أحمد(14669) من حديث جابر وعثمان بن أبي العاص y .قال محققه حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن . فقد أخرج مالك في موطئه رقم ( 696) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( الصيام جنّة ، فإذا كان أحدكم صائما ، فلا يرفث ، ولا يجهل ، فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل:إني صائم ، إني صائم )). أخرجه البخاري ( 1894) وأبو داود والنسائي من طريق مالك ، وأخرجه أحمد . وفي عظيم فضله قال r: ((من صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك وجهه عن النار سبعين خريفا >> رواه البخاري (6/35) ومسلم 1153). هذا في صيام يوم واحد فكيف بمن يصوم شهرا إيمانا واحتسابا ، فكيف بمن يصوم الدهر كذلك. ولكن هل أحد يصوم الدهر أو يستطيعه ؟ نعم . كيف ذلك ؟ إذا صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فقد صام الدهر أي العام كله لأن الحسنة بعشر أمثالها.فإذا واظب كل سنة كذلك فهو صائم للدهر وكذلك إذا صام رمضان ، وصام من كل شهر ثلاثة أيام ؛ فهذا صيام الدهر . والصوم يدخل الجنة ، فإذا كان وقاية من النّار فهو يدخل الجنة ؛عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: مُرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: " عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ ". ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِي : " عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ " أحمد(22149)قال محققه : إسناده صحيح على شرط مسلم.والنسائي في الكبرى (2544)وفي الصغرى (2223) وابن حبان في صحيحه (3425)وقال الألباني صحيح . وله في الجنة بابا خاصا يسمى الريان لا يدخل منه إلا من صام لله تعالى ، أي من أكثر الصيام نفلا زائدا عن صيام رمضان . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ )). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ مِنْ أَيِّهَا دُعِيَ، فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( نَعَمْ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ )).أخرجه مالك في "الموطأ"(2/479)، والبخاري (1897)باب الريان للصائمين وفيه (1896-3275) عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ )). وأخرج مسلم حديث أبي هريرة (1027-85)وحديث سهل بن سعد (1152) والترمذي حديث أبي هريرة (3674)، والنسائي (4/168- 169و6/47-48) وأحمد (7633-9800). وله أجرا لا يعلمه إلا الله يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ، والصيام أعظم عمل اجتمع فيه أنواع الصبر، قال تعالى :{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (10)الزمر. وفي الحديث عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ..))البخاري (1904)ومسلم (1151). وحديث الموطأ(58) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((...فَالصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ.كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلاَّ الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي. وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)).فاجتمع الصبر كله في الصيام ، ولهذا السر قال الله إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، فلا يعلم أجره إلا هو سبحانه كما لا يعلم أجر الصابرين إلا هو سبحانه وتعالى . والصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما ، قال صلى الله عليه وسلم :((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان)) . صحيح الجامع (3882)،وقال: (صحيح) [حم طب ك هب] عن ابن عمرو. المشكاة (1963) وصحيح الترغيب (973) وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند : إسناده صحيح. وهو كفارة للذنوب : قال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات ما بينهن؛ إذا اجتُنبتِ الكبائر) . مسلم (233) ومسند أحمد (7129) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي بَعْدَهَا، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا "، قَالَ: " وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالشَّهْرُ إِلَى الشَّهْرِ - يَعْنِي رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ - كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا " قال أحمد شاكر : (6/353)إسناده صحيح ، وقال الأرنئوط : صحيح دون قوله : "إلا من ثلاث ... "إلى آخر الحديث .وكذلك صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (3322). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» البخاري (38-1901) بَابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً.(2014)ومسلم (760). ومن ثمرته أنه فرح وسرور وحبور لصحبه يوم فطره ويوم يلقى ربه ، قال صلى الله عليه وسلم :(( للصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بفطره ))مالك في الموطأ باب جامع في الصيام ،والبخاري (1805) ومسلم (1151). بهذا كله من الفضائل وغيرها جاءت الآيات و الأحاديث النبوية الصحيحة ، فطوبى لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا واتبعه بما استطاع من تطوع ونافلة في سبيل الله . المسألة الثانية : تعريف الصيام : والصيام في اللغة : قال ابن عبد البر - رحمه الله- : وأصله في اللغة الإمساك مطلقا ، وكل من أمسك عن شيء فقد صام عنه ، ويسمى صائما .. ألا ترى قول الله تعالى : { إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } فسمي الإمساك صوما ، وكل ممسك عن حركة ، أو عمل ، أو طعام ، أو شراب فهو صائم في أصل اللسان . تعريفه في الشرع : لكن الاسم الشرعي هو : الإمساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارا ، إذا كان تارك ذلك يريد به وجه الله وينويه ، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة . موسوعة شروح الموطأ ( 9/ 344- 345). وقال في الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 320):معنى الصيام في الشريعة الإمساك عن الأكل والشرب والجماع ، وذلك فرضه . وسنته :أن يجتنب الصائم قول الزور ، والغيبة ، والخنا ، وما لا يصلح من والقول والعمل . أقول : إن كان يقصد بقوله فرضه أي مما فرضه الله عليه ، وسنته ما سنه رسول الله فنعم ، أما إن كان يقصد بالفرض الاصطلاحي والسنية عند الفقهاء فغير صحيح بل واجب عليه( أي الصائم ) أن يجتنب قول الزور والرفث والغيبة والنميمة وغير ذلك من المعاصي التي تأثر في الصيام ، وإن كانت لا تبطله على قول المختار وقال ببطلانه طائفة من العلماء . وجاء في كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي : أن الصيام شرعا هو : الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس وأيام الأعياد ، ويضاف إليه قيد : بقصد التقرب إلى الله. وهذا التعريف هو المختار في المذهب . والذي تعضده الأدلة . ============================= متن : ثم قال المصنف رحمه الله : وصوم شهر رمضان فريضة ... ------------------ المسألة الرابعة : حكم الصيام : قوله هذا فيه حكم الصيام : أي أنه فريضة على الأعيان المكلفين ، بالكتاب والسنة والإجماع ، بعد أن كان على التخيير ..فإن الصيام مر بثلاث مراحل . أولا : كان يصام عاشوراء وجوبا ثم نسخ الوجوب بنزول صيام شهر رمضان ، ونزل في البداية على التخيير فمن شاء صام ومن شاء أفطر وأفدى ، ثم نسخ هذا وفرض صيامه على الأعيان المكلفين بشروط سيأتي ذكرها . قال القرطبي - رحمه الله -:في المقدمات (1/246): وكان في أول الإسلام من شاء أن يصوم صام ومن شاء أن يفطر أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا على ما ورد في هذه الآية، فنسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وهذا مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه. أما وجوبه بالكتاب فقوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ...} البقرة :.. وقال عز وجل : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ..} هذه الآية نسخت الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون }. روى البخاري برقم (4507)عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها . وروي أيضا من حديث عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، قال: هي منسوخة. ولابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره قول في هذه الآية أنها غير منسوخة وإنما هي في الشيخ الكبير والمرأة العجوز العاجزين عن الصوم..والحامل والمرضع، وسيأتي الكلام عليهما. أخرج البخاري برقم (4505): حدثنا إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: (( وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين )). قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا .وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه. وقال القرطبي (1/247) وقد قيل: إن الآية محكمة وردت في الشيخ الكبير والعجوز والمرضع والحامل. جاء ذلك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في رواية، جاء عنه وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنهما قرءا وعلى الذين يطوقونه. ومعنى هذه القراءة يكلفونه فلا يطيقونه إلا بجهد ومشقة. وقد وردت الآية عامة في هؤلاء وفي الصحيح المقيم، فنسخ من ذلك الصحيح المقيم بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وبقيت الآية محكمة في المذكورين.انتهى كلام القرطبي. وقال ابن رشد القرطبي المالكي في المقدمات (1/246)وقَوْله تَعَالَى في شهر رمضان: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] منسوخ، نسخه قول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. وفي حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/440):ومن السنة أيضا على وجوب الصوم حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما-قال : قال رسول الله :(( بني الإسلام على خمس ، شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) والحديث أخرجه البخاري (1/47)(رقم 8- 4514)وبوب عليه : بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ)).وكذلك فعل في صحيح مسلم (رقم16). وعنده في رواية تقديم الصوم على الحج.انظر فقه العبادات على المذهب المالكي(1/304). وحديث طلحة بن عبيد الله أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ : ((شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)) أخرجه البخاري باب وجوب صوم رمضان (1891)ومسلم (11).من طريق مالك وهو في الموطأ برقم ( 188)هكذا فيهما بتقديم الصوم على الزكاة وذلك حسب سؤال الأعرابي . وأما الإجماع : فإن الأمة قد أجمعت من عصر الصحابة إلى يومنا هذا على وجوب صيام رمضان وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة وشرائعه التي علمت من الدين بالضرورة ، فإن منكره كافر مرتد عن الإسلام . جاء في كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي قال : ولوجوبه شروط - يأتي الكلام عليها- وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع ؛ فمن جحد وجوب صوم رمضان فهو كافر إجماعا يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل ، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه فهو عاص يجبر على فعله؛ فإن لم يفعل قتل حدا كالصلاة ، هذا قول عامة العلماء . وكذلك قاله في الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/293). لصالح بن عبد السميع الآبي الأزهري (المتوفى : 1335هـ). وخلاصة الموضوع : أن الصيام من فروض الأعيان يجب على كل مكلف ، ومن المعلوم بالضرورة من الدين الذي لا يجوز جهل فرضه ووجوبه لوضوحه وبيان حكمه للعالم والجاهل والكبير والصغير فلا يعذر أحد بتركه فمن تركه جحودا فهر كافر مرتد ، ومن تركه عمدا تهاونا بلا عذر فهو على كبيرة عدها بعض العلماء أعظم من شرب الخمر وتعاطي الزنا . قال الحافظ الذهبي رحمه الله : أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا عذر أنه شر من الزاني ، ومدمن الخمر ، بل يشكون في إسلامه ،ويظنون به الزندقة والانحلال . يتبع- إن شاء الله -...
×