أبو بكر يوسف لعويسي

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    764
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 15

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : أبو بكر يوسف لعويسي

Profile Fields

  • البلـد
    الجزائر
  1. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : وصوره (1) في الأرحام بحكمته .... ------------------ 1 - وقوله : وصوره في الأرحام بحكمته ...أي أن الله صور الإنسان وشكّله على صورته التي هو عليها فلا أحد من النّاس أختار صورته .. وهذه الصورة كانت في الرحم . قال تعالى :{ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(6) آل عمران . قال قتادة قوله :"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، قادرٌ والله ربُّنا أن يصوّر عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تامّ خلقُه وغير تامّ. (1). قال ابن كثير : وحسن وقبيح ، وشقي وسعيد . وقال عز وجل{أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }(8) الانفطار . قال ابن جرير (24/269) (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك (فَعَدَلَكَ). واختلفت القرَّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قرَّاء المدينة ومكة والشام والبصرة (فعدّلك) بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها، وكأن من قرأ ذلك بالتشديد وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدّل الخلق مقوَّما.. وكأن الذين قرءوه بالتخفيف ، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته. وعن مجاهد، في قول الله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) قال: في أيّ شبه أب أو أم أو خال أو عمّ. ومن أسمائه سبحانه (( المصور)) قال تعالى :{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(24) . قال ابن كثير (8/80): وقوله تعالى: {الخالق البارئ المصور} أي: الذي إذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار. كقوله: {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] ولهذا قال: {المصور} أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها. عن أبي هريرة- رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن )) البخاري (6227). ومسلم (2841). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ )). أخرجه الحميدي في مسنده (1153). ومسلم (2612) (112) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)). وعَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ صَوَّرَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ، عَرَفَ أَنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ )) أحمد(13661) وإسناده صحيح على شرط مسلم. ونقر (( بأن الرحمن خلق آدم على صورته ))(2). قال عبد الله بن أحمد: وكان في كتاب أبي "وطوله ستون ذراعا" (فلا أدري حدثنا به أم لا) وهذه الزيادة في البخاري. قال شيخ الإسلام : هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك.(4). (4) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (6/373)، تحقيق مجموعة من المحققين ، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف. وأهل السنة يثبتون صفة الصورة لله ويؤمنون بها، ويقولون بإمرارها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال الآجري بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. (الشريعة للآجري (2/106)) . وقد نص الأمام أحمد على ذلك فقال في حديث الصورة: (لا نفسره كما جاء الحديث) . ولذا أنكر الإمام أحمد على من أول حديث الصورة، وأعاد الضمير على غير الله. فقد قال في رواية أبى طالب (من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق) إبطال التأويلات (1/75) . وهذا تنبيه من الإمام أحمد على أن كل من أعاد الضمير على غير الله فقد سلك الطريقة الجهمية. ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك ( أي الصفات )لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث (ص: 261] . قَالَ النَّوَوِيّ (16/166) في شرح صحيح مسلم: فَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ حُكْمِهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُمْسِكُ عَنْ تَأْوِيلِهَا. وَيَقُولُ نُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ . سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله -: عن حديث: «خلق الله آدم على صورته» . فأجاب - رحمه الله -: " أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى خلافا للألباني، ولنسيب الرفاعي ، والصورة ثابتة لله تعالى في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غير صورته".(3). الصُورة ـ بالضم ـ الشكل، جمعها: صُور وهي الشكل، والهيئة والحقيقة . والصورة الإلهية وردت في أحاديث كثيرة لا يمكن دفعها ـ وإن لم ترد في الكتاب ـ إلا أنها وردت في السنة واشتهرت. ونحن لا نفرق بين الكتاب والسنة فكله وحي من مشكاة واحدة . منها حديث : "خلق الله آدم على صورته" . السنة لعبد الله بن أحمد (2/472). ، وهذا سياقه في كتاب السنة ، قال: حدَّثني أبو معمر، نا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تُقبِّحوا الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن تبارك وتعالى)) وصححه الأئمة. والحديث بهذا السياق ضعَّفه بعضُ أهل العلم. (3). وصحَّحه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه كما نقل ذلك في الفتح (5/183) ، وصفة الصورة صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله - عز وجل - بالأحاديث الصحيحة. الدليل : حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: (فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ...) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} برقم (7439)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم (183). ومنها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).أخرجه البخاري (2559)، (2612) واللفظ لمسلم. وجملة الخلاف عند أهل العلم على هذا الحديث يعود إلى أربعة أقوال هي كما يلي: أولاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب.(5). ثانياً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جداً على هذا الحديث (6). - قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (7). ثالثاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) يعود على الله عز وجل، وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: {نَاقَةُ اللَّهِ} وكما يقال في الكعبة: بيت الله ... وهكذا (8). رابعاً: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك: (9). ومما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف - على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (11)الشورى: (10). والمفروض أن لا يعترض أحد على هذا المعنى من أن الضمير في حديث الصورة يعود على الله - وخاصة وهو يقرأ لشيخ الإسلام أنه لا خلاف بين السلف في أن الضمير راجع إلى الله ، ويدل عليه ؛بل نص في الموضوع الحديث الذي في النسائي وغيره : (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن). وقد علمت أن طائفة من العلماء المتقدمين صححوه ، ومن المتأخرين الشيخان ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله -. فيكون المعنى الصحيح الذي لا خلاف فيه عند السلف إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، أي : له وصورة ، كما للمخلوق صورة ، ووجه كما أن لله وجهاً، وله ساق كما أن لله ساقاً، وله يد كما أن لله يداً، وغير ذلك مما جاء من الصفات في الكتاب والسنة ، ولا يتلزم من ذلك التساوي والمماثلة والتشابه من كل وجه ، فالله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]. ولكن وقع اللبس في ذلك لمن وقع في التأويل قصد التنزيه لمّا قاسوا المخلوق على الخالق ، وتصورا الصورة والصفات التي أولها على ما في أذهانهم . قال الشيخ عبد الرحمن أبابطين – رحمه الله - في رسائله (1/221)جوابا لمن سأله عن هذا الحديث . بسم الله الرحمن الرحيم : ما يقول العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين- في حديث: "خلق الله آدم بيده على صورته". هل الكناية في قوله : على صورته راجعة إلى آدم، وأن الله خلقه على الصورة التي خلقه عليها، أم لها معنى، وتأويل غير ذلك؟ وأَجيبوا - أدام الله النفع بعلومكم- وابسطوا الجواب، أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه. الجواب : هذا الحديث المسئول عنه ثابت في صحيحي البخاري ومسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا)). وفي بعض ألفاظ الحديث: (( إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)). قال النووي: هذا من أحاديث الصفات، ومذهب السلف أنه لا يتكلم في معناه، بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله -تعالى-، مع اعتقادنا أن ليس كمثله شيء، انتهى. وقال بعض أهل التأويل: الضمير في قوله: "صورته" راجع إلى آدم، وقال بعضهم: الضمير راجع على صورة الرجل المضروب، ورد هذا التأويل بأنه إذا كان الضمير عائدا على آدم فأي فائدة في ذلك؟ إذ ليس يشك أحد أن الله خالق كل شيء على صورته، وأنه خلق الأنعام، والسباع على صورها، فأي فائدة في الحمل على ذلك. ورد تأويله بأن الضمير عائد على ابن آدم المضروب، بأنه لا فائدة فيه؛ إذ الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده، وأن وجهه كوجوههم. ويرد هذا التأويل كله بالرواية المشهورة: "لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" وقد نص الإمام أحمد على صحة الحديث، وإبطال هذه التأويلات، فقال في رواية إسحاق بن منصور: (( لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) صحيح. وقال في رواية أبي طالب: من قال:(( إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟)) وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خلق آدم على صورته)) فقال: على صورة الرجل، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ وقال أحمد في رواية أخرى: فأين الذي يروي: (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن؟)). وقيل لأحمد عن رجل: إنه يقول: على صورة الطين، فقال: هذا جهمي، وهذا كلام الجهمية. واللفظ الذي فيه ((على صورة الرحمن )) رواه الدارقطني، والطبراني، وغيرهما بإسناد رجاله ثقات.قاله ابن حجر. وعن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرجها ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعا، قال: (( من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)) وصحح إسحاق بن راهويه اللفظ فيه على صورة الرحمن. وأما أحمد فذكر أن بعض الرواة وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة. وروى ابن منده، عن ابن راهويه قال : قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن آدم خلق على صورة الرحمن )) وإنما علينا أن ننطق به.. قال القاضي أبو يعلى: والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته، ولا يخرجها عما ما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه، لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس، لا كالذوات والأنفس. وقد نص أحمد في رواية يعقوب بن يختان قال : (( خلق آدم على صورته)) لا نفسره كما جاء الحديث. وقال الحميدي لما حدث بحديث: (( إن الله خلق آدم على صورته)) 1 قال: لا نقول غير هذا على التسليم، والرضى بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث. قلت : كيف يستوحش بالقول بما جاء في كتاب ربنا وسنة نبينا وقد خاطب من نزل عليهم القرآن الكريم بلغتهم بما يفهمون ولم يخاطبهم بالألغاز حتى يستوحشوا أن يتكلموا بها، لا يستوحش من ذلك إلا من كان عنده قصور في فهمه لما فهمه الصلف الصالح وفي مقدمتهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم . وقال ابن قتيبة : الذي عندي - والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، هذا كلام ابن قتيبة. وقد ثبت في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: (( فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون)) البخاري: (6574) ومسلم: (182) . وفي لفظ آخر: (( صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيعرفونه)) الحديث. البخاري: (7438) ومسلم: (182) . فالذي ينبغي في هذا ونحوه إمرار الحديث كما جاء على الرضى والتسليم، مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والله -سبحانه- أعلم. انتهى كلامه . الهوامش: ---------------- (1)- تفسير ابن جرير الطبري (6/168). (2) أخرجه أحمد: مسند أبى هريرة (14/45) ح (8291) ، البخاري كتاب الاستئذان (4/135) ح (6227). (3) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدة (1/353). (4) انظر: السلسلة الضعيفة للألباني (1176) . (5) ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/ 183)، شرح النووي على مسلم (16/ 403). (6)- في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطاً، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملاً، لكنه لم يطبع بعد.وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 122). (7) بيان تلبيس الجهمية تحقيق، د. عبد الرحمن اليحيى (2/ 396). 8) انظر: التوحيد لابن خزيمة (1/87 -91)، الأسماء والصفات للبيهقي (2/63 - 64)، والمعلم للمازري (3/ 171)، وشرح النووي على مسلم (16/ 403 - 404). 9) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف النمري (7/ 150)، الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 251 - 252)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (4/ 95)، وفي السير (5/ 449). (10) انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 137). منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين (1/155)إعداد: أحمد بن علي الزاملي عسيري إشراف: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد المحسن التركي. يتبع - إن شاء الله -
  2. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : وصوره (1) في الأرحام بحكمته .... ------------------ 1 - وقوله : وصوره في الأرحام بحكمته ...أي أن الله صور الإنسان وشكّله على صورته التي هو عليها فلا أحد من النّاس أختار صورته .. وهذه الصورة كانت في الرحم . قال تعالى :{ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(6) آل عمران . قال قتادة قوله :"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، قادرٌ والله ربُّنا أن يصوّر عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تامّ خلقُه وغير تامّ. (1). قال ابن كثير : وحسن وقبيح ، وشقي وسعيد . وقال عز وجل{أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }(8) الانفطار . قال ابن جرير (24/269) (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك (فَعَدَلَكَ). واختلفت القرَّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قرَّاء المدينة ومكة والشام والبصرة (فعدّلك) بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها، وكأن من قرأ ذلك بالتشديد وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدّل الخلق مقوَّما.. وكأن الذين قرءوه بالتخفيف ، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته. وعن مجاهد، في قول الله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) قال: في أيّ شبه أب أو أم أو خال أو عمّ. ومن أسمائه سبحانه (( المصور)) قال تعالى :{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(24) . قال ابن كثير (8/80): وقوله تعالى: {الخالق البارئ المصور} أي: الذي إذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار. كقوله: {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] ولهذا قال: {المصور} أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها. عن أبي هريرة- رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن )) البخاري (6227). ومسلم (2841). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ )). أخرجه الحميدي في مسنده (1153). ومسلم (2612) (112) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)). وعَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ صَوَّرَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ، عَرَفَ أَنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ )) أحمد(13661) وإسناده صحيح على شرط مسلم. ونقر (( بأن الرحمن خلق آدم على صورته ))(2). قال عبد الله بن أحمد: وكان في كتاب أبي "وطوله ستون ذراعا" (فلا أدري حدثنا به أم لا) وهذه الزيادة في البخاري. قال شيخ الإسلام : هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك.(4). (4) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (6/373)، تحقيق مجموعة من المحققين ، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف. وأهل السنة يثبتون صفة الصورة لله ويؤمنون بها، ويقولون بإمرارها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال الآجري بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. (الشريعة للآجري (2/106)) . وقد نص الأمام أحمد على ذلك فقال في حديث الصورة: (لا نفسره كما جاء الحديث) . ولذا أنكر الإمام أحمد على من أول حديث الصورة، وأعاد الضمير على غير الله. فقد قال في رواية أبى طالب (من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق) إبطال التأويلات (1/75) . وهذا تنبيه من الإمام أحمد على أن كل من أعاد الضمير على غير الله فقد سلك الطريقة الجهمية. ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك ( أي الصفات )لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث (ص: 261] . قَالَ النَّوَوِيّ (16/166) في شرح صحيح مسلم: فَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ حُكْمِهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُمْسِكُ عَنْ تَأْوِيلِهَا. وَيَقُولُ نُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ . سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله -: عن حديث: «خلق الله آدم على صورته» . فأجاب - رحمه الله -: " أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى خلافا للألباني، ولنسيب الرفاعي ، والصورة ثابتة لله تعالى في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غير صورته".(3). الصُورة ـ بالضم ـ الشكل، جمعها: صُور وهي الشكل، والهيئة والحقيقة . والصورة الإلهية وردت في أحاديث كثيرة لا يمكن دفعها ـ وإن لم ترد في الكتاب ـ إلا أنها وردت في السنة واشتهرت. ونحن لا نفرق بين الكتاب والسنة فكله وحي من مشكاة واحدة . منها حديث : "خلق الله آدم على صورته" . السنة لعبد الله بن أحمد (2/472). ، وهذا سياقه في كتاب السنة ، قال: حدَّثني أبو معمر، نا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تُقبِّحوا الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن تبارك وتعالى)) وصححه الأئمة. والحديث بهذا السياق ضعَّفه بعضُ أهل العلم. (3). وصحَّحه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه كما نقل ذلك في الفتح (5/183) ، وصفة الصورة صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله - عز وجل - بالأحاديث الصحيحة. الدليل : حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: (فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ...) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} برقم (7439)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم (183). ومنها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).أخرجه البخاري (2559)، (2612) واللفظ لمسلم. وجملة الخلاف عند أهل العلم على هذا الحديث يعود إلى أربعة أقوال هي كما يلي: أولاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب.(5). ثانياً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جداً على هذا الحديث (6). - قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (7). ثالثاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) يعود على الله عز وجل، وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: {نَاقَةُ اللَّهِ} وكما يقال في الكعبة: بيت الله ... وهكذا (8). رابعاً: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك: (9). ومما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف - على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (11)الشورى: (10). والمفروض أن لا يعترض أحد على هذا المعنى من أن الضمير في حديث الصورة يعود على الله - وخاصة وهو يقرأ لشيخ الإسلام أنه لا خلاف بين السلف في أن الضمير راجع إلى الله ، ويدل عليه ؛بل نص في الموضوع الحديث الذي في النسائي وغيره : (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن). وقد علمت أن طائفة من العلماء المتقدمين صححوه ، ومن المتأخرين الشيخان ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله -. فيكون المعنى الصحيح الذي لا خلاف فيه عند السلف إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، أي : له وصورة ، كما للمخلوق صورة ، ووجه كما أن لله وجهاً، وله ساق كما أن لله ساقاً، وله يد كما أن لله يداً، وغير ذلك مما جاء من الصفات في الكتاب والسنة ، ولا يتلزم من ذلك التساوي والمماثلة والتشابه من كل وجه ، فالله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]. ولكن وقع اللبس في ذلك لمن وقع في التأويل قصد التنزيه لمّا قاسوا المخلوق على الخالق ، وتصورا الصورة والصفات التي أولها على ما في أذهانهم . قال الشيخ عبد الرحمن أبابطين – رحمه الله - في رسائله (1/221)جوابا لمن سأله عن هذا الحديث . بسم الله الرحمن الرحيم : ما يقول العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين- في حديث: "خلق الله آدم بيده على صورته". هل الكناية في قوله : على صورته راجعة إلى آدم، وأن الله خلقه على الصورة التي خلقه عليها، أم لها معنى، وتأويل غير ذلك؟ وأَجيبوا - أدام الله النفع بعلومكم- وابسطوا الجواب، أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه. الجواب : هذا الحديث المسئول عنه ثابت في صحيحي البخاري ومسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا)). وفي بعض ألفاظ الحديث: (( إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)). قال النووي: هذا من أحاديث الصفات، ومذهب السلف أنه لا يتكلم في معناه، بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله -تعالى-، مع اعتقادنا أن ليس كمثله شيء، انتهى. وقال بعض أهل التأويل: الضمير في قوله: "صورته" راجع إلى آدم، وقال بعضهم: الضمير راجع على صورة الرجل المضروب، ورد هذا التأويل بأنه إذا كان الضمير عائدا على آدم فأي فائدة في ذلك؟ إذ ليس يشك أحد أن الله خالق كل شيء على صورته، وأنه خلق الأنعام، والسباع على صورها، فأي فائدة في الحمل على ذلك. ورد تأويله بأن الضمير عائد على ابن آدم المضروب، بأنه لا فائدة فيه؛ إذ الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده، وأن وجهه كوجوههم. ويرد هذا التأويل كله بالرواية المشهورة: "لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" وقد نص الإمام أحمد على صحة الحديث، وإبطال هذه التأويلات، فقال في رواية إسحاق بن منصور: (( لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) صحيح. وقال في رواية أبي طالب: من قال:(( إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟)) وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خلق آدم على صورته)) فقال: على صورة الرجل، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ وقال أحمد في رواية أخرى: فأين الذي يروي: (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن؟)). وقيل لأحمد عن رجل: إنه يقول: على صورة الطين، فقال: هذا جهمي، وهذا كلام الجهمية. واللفظ الذي فيه ((على صورة الرحمن )) رواه الدارقطني، والطبراني، وغيرهما بإسناد رجاله ثقات.قاله ابن حجر. وعن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرجها ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعا، قال: (( من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)) وصحح إسحاق بن راهويه اللفظ فيه على صورة الرحمن. وأما أحمد فذكر أن بعض الرواة وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة. وروى ابن منده، عن ابن راهويه قال : قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن آدم خلق على صورة الرحمن )) وإنما علينا أن ننطق به.. قال القاضي أبو يعلى: والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته، ولا يخرجها عما ما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه، لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس، لا كالذوات والأنفس. وقد نص أحمد في رواية يعقوب بن يختان قال : (( خلق آدم على صورته)) لا نفسره كما جاء الحديث. وقال الحميدي لما حدث بحديث: (( إن الله خلق آدم على صورته)) 1 قال: لا نقول غير هذا على التسليم، والرضى بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث. قلت : كيف يستوحش بالقول بما جاء في كتاب ربنا وسنة نبينا وقد خاطب من نزل عليهم القرآن الكريم بلغتهم بما يفهمون ولم يخاطبهم بالألغاز حتى يستوحشوا أن يتكلموا بها، لا يستوحش من ذلك إلا من كان عنده قصور في فهمه لما فهمه الصلف الصالح وفي مقدمتهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم . وقال ابن قتيبة : الذي عندي - والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، هذا كلام ابن قتيبة. وقد ثبت في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: (( فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون)) البخاري: (6574) ومسلم: (182) . وفي لفظ آخر: (( صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيعرفونه)) الحديث. البخاري: (7438) ومسلم: (182) . فالذي ينبغي في هذا ونحوه إمرار الحديث كما جاء على الرضى والتسليم، مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والله -سبحانه- أعلم. انتهى كلامه . الهوامش: ---------------- (1)- تفسير ابن جرير الطبري (6/168). (2) أخرجه أحمد: مسند أبى هريرة (14/45) ح (8291) ، البخاري كتاب الاستئذان (4/135) ح (6227). (3) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدة (1/353). (4) انظر: السلسلة الضعيفة للألباني (1176) . (5) ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/ 183)، شرح النووي على مسلم (16/ 403). (6)- في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطاً، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملاً، لكنه لم يطبع بعد.وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 122). (7) بيان تلبيس الجهمية تحقيق، د. عبد الرحمن اليحيى (2/ 396). 8) انظر: التوحيد لابن خزيمة (1/87 -91)، الأسماء والصفات للبيهقي (2/63 - 64)، والمعلم للمازري (3/ 171)، وشرح النووي على مسلم (16/ 403 - 404). 9) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف النمري (7/ 150)، الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 251 - 252)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (4/ 95)، وفي السير (5/ 449). (10) انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 137). منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين (1/155)إعداد: أحمد بن علي الزاملي عسيري إشراف: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد المحسن التركي.
  3. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : وصوره (1) في الأرحام بحكمته .... ------------------ 1 - وقوله : وصوره في الأرحام بحكمته ...أي أن الله صور الإنسان وشكّله على صورته التي هو عليها فلا أحد من النّاس أختار صورته .. وهذه الصورة كانت في الرحم . قال تعالى :{ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(6) آل عمران . قال قتادة قوله :"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، قادرٌ والله ربُّنا أن يصوّر عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تامّ خلقُه وغير تامّ. (1). قال ابن كثير : وحسن وقبيح ، وشقي وسعيد . وقال عز وجل{أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }(8) الانفطار . قال ابن جرير (24/269) (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك (فَعَدَلَكَ). واختلفت القرَّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قرَّاء المدينة ومكة والشام والبصرة (فعدّلك) بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها، وكأن من قرأ ذلك بالتشديد وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدّل الخلق مقوَّما.. وكأن الذين قرءوه بالتخفيف ، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته. وعن مجاهد، في قول الله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) قال: في أيّ شبه أب أو أم أو خال أو عمّ. ومن أسمائه سبحانه (( المصور)) قال تعالى :{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(24) . قال ابن كثير (8/80): وقوله تعالى: {الخالق البارئ المصور} أي: الذي إذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار. كقوله: {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] ولهذا قال: {المصور} أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها. عن أبي هريرة- رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن )) البخاري (6227). ومسلم (2841). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ )). أخرجه الحميدي في مسنده (1153). ومسلم (2612) (112) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)). وعَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ صَوَّرَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ، عَرَفَ أَنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ )) أحمد(13661) وإسناده صحيح على شرط مسلم. ونقر (( بأن الرحمن خلق آدم على صورته ))(2). قال عبد الله بن أحمد: وكان في كتاب أبي "وطوله ستون ذراعا" (فلا أدري حدثنا به أم لا) وهذه الزيادة في البخاري. قال شيخ الإسلام : هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك.(4). (4) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (6/373)، تحقيق مجموعة من المحققين ، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف. وأهل السنة يثبتون صفة الصورة لله ويؤمنون بها، ويقولون بإمرارها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال الآجري بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. (الشريعة للآجري (2/106)) . وقد نص الأمام أحمد على ذلك فقال في حديث الصورة: (لا نفسره كما جاء الحديث) . ولذا أنكر الإمام أحمد على من أول حديث الصورة، وأعاد الضمير على غير الله. فقد قال في رواية أبى طالب (من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق) إبطال التأويلات (1/75) . وهذا تنبيه من الإمام أحمد على أن كل من أعاد الضمير على غير الله فقد سلك الطريقة الجهمية. ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك ( أي الصفات )لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث (ص: 261] . قَالَ النَّوَوِيّ (16/166) في شرح صحيح مسلم: فَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ حُكْمِهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُمْسِكُ عَنْ تَأْوِيلِهَا. وَيَقُولُ نُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ . سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله -: عن حديث: «خلق الله آدم على صورته» . فأجاب - رحمه الله -: " أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى خلافا للألباني، ولنسيب الرفاعي ، والصورة ثابتة لله تعالى في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غير صورته".(3). الصُورة ـ بالضم ـ الشكل، جمعها: صُور وهي الشكل، والهيئة والحقيقة . والصورة الإلهية وردت في أحاديث كثيرة لا يمكن دفعها ـ وإن لم ترد في الكتاب ـ إلا أنها وردت في السنة واشتهرت. ونحن لا نفرق بين الكتاب والسنة فكله وحي من مشكاة واحدة . منها حديث : "خلق الله آدم على صورته" . السنة لعبد الله بن أحمد (2/472). ، وهذا سياقه في كتاب السنة ، قال: حدَّثني أبو معمر، نا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تُقبِّحوا الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن تبارك وتعالى)) وصححه الأئمة. والحديث بهذا السياق ضعَّفه بعضُ أهل العلم. (3). وصحَّحه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه كما نقل ذلك في الفتح (5/183) ، وصفة الصورة صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله - عز وجل - بالأحاديث الصحيحة. الدليل : حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: (فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ...) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} برقم (7439)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم (183). ومنها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).أخرجه البخاري (2559)، (2612) واللفظ لمسلم. وجملة الخلاف عند أهل العلم على هذا الحديث يعود إلى أربعة أقوال هي كما يلي: أولاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب.(5). ثانياً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جداً على هذا الحديث (6). - قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (7). ثالثاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) يعود على الله عز وجل، وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: {نَاقَةُ اللَّهِ} وكما يقال في الكعبة: بيت الله ... وهكذا (8). رابعاً: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك: (9). ومما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف - على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (11)الشورى: (10). والمفروض أن لا يعترض أحد على هذا المعنى من أن الضمير في حديث الصورة يعود على الله - وخاصة وهو يقرأ لشيخ الإسلام أنه لا خلاف بين السلف في أن الضمير راجع إلى الله ، ويدل عليه ؛بل نص في الموضوع الحديث الذي في النسائي وغيره : (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن). وقد علمت أن طائفة من العلماء المتقدمين صححوه ، ومن المتأخرين الشيخان ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله -. فيكون المعنى الصحيح الذي لا خلاف فيه عند السلف إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، أي : له وصورة ، كما للمخلوق صورة ، ووجه كما أن لله وجهاً، وله ساق كما أن لله ساقاً، وله يد كما أن لله يداً، وغير ذلك مما جاء من الصفات في الكتاب والسنة ، ولا يتلزم من ذلك التساوي والمماثلة والتشابه من كل وجه ، فالله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]. ولكن وقع اللبس في ذلك لمن وقع في التأويل قصد التنزيه لمّا قاسوا المخلوق على الخالق ، وتصورا الصورة والصفات التي أولها على ما في أذهانهم . قال الشيخ عبد الرحمن أبابطين – رحمه الله - في رسائله (1/221)جوابا لمن سأله عن هذا الحديث . بسم الله الرحمن الرحيم : ما يقول العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين- في حديث: "خلق الله آدم بيده على صورته". هل الكناية في قوله : على صورته راجعة إلى آدم، وأن الله خلقه على الصورة التي خلقه عليها، أم لها معنى، وتأويل غير ذلك؟ وأَجيبوا - أدام الله النفع بعلومكم- وابسطوا الجواب، أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه. الجواب : هذا الحديث المسئول عنه ثابت في صحيحي البخاري ومسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا)). وفي بعض ألفاظ الحديث: (( إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)). قال النووي: هذا من أحاديث الصفات، ومذهب السلف أنه لا يتكلم في معناه، بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله -تعالى-، مع اعتقادنا أن ليس كمثله شيء، انتهى. وقال بعض أهل التأويل: الضمير في قوله: "صورته" راجع إلى آدم، وقال بعضهم: الضمير راجع على صورة الرجل المضروب، ورد هذا التأويل بأنه إذا كان الضمير عائدا على آدم فأي فائدة في ذلك؟ إذ ليس يشك أحد أن الله خالق كل شيء على صورته، وأنه خلق الأنعام، والسباع على صورها، فأي فائدة في الحمل على ذلك. ورد تأويله بأن الضمير عائد على ابن آدم المضروب، بأنه لا فائدة فيه؛ إذ الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده، وأن وجهه كوجوههم. ويرد هذا التأويل كله بالرواية المشهورة: "لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" وقد نص الإمام أحمد على صحة الحديث، وإبطال هذه التأويلات، فقال في رواية إسحاق بن منصور: (( لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) صحيح. وقال في رواية أبي طالب: من قال:(( إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟)) وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خلق آدم على صورته)) فقال: على صورة الرجل، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ وقال أحمد في رواية أخرى: فأين الذي يروي: (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن؟)). وقيل لأحمد عن رجل: إنه يقول: على صورة الطين، فقال: هذا جهمي، وهذا كلام الجهمية. واللفظ الذي فيه ((على صورة الرحمن )) رواه الدارقطني، والطبراني، وغيرهما بإسناد رجاله ثقات.قاله ابن حجر. وعن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرجها ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعا، قال: (( من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)) وصحح إسحاق بن راهويه اللفظ فيه على صورة الرحمن. وأما أحمد فذكر أن بعض الرواة وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة. وروى ابن منده، عن ابن راهويه قال : قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن آدم خلق على صورة الرحمن )) وإنما علينا أن ننطق به.. قال القاضي أبو يعلى: والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته، ولا يخرجها عما ما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه، لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس، لا كالذوات والأنفس. وقد نص أحمد في رواية يعقوب بن يختان قال : (( خلق آدم على صورته)) لا نفسره كما جاء الحديث. وقال الحميدي لما حدث بحديث: (( إن الله خلق آدم على صورته)) 1 قال: لا نقول غير هذا على التسليم، والرضى بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث. قلت : كيف يستوحش بالقول بما جاء في كتاب ربنا وسنة نبينا وقد خاطب من نزل عليهم القرآن الكريم بلغتهم بما يفهمون ولم يخاطبهم بالألغاز حتى يستوحشوا أن يتكلموا بها، لا يستوحش من ذلك إلا من كان عنده قصور في فهمه لما فهمه الصلف الصالح وفي مقدمتهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم . وقال ابن قتيبة : الذي عندي - والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، هذا كلام ابن قتيبة. وقد ثبت في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: (( فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون)) البخاري: (6574) ومسلم: (182) . وفي لفظ آخر: (( صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيعرفونه)) الحديث. البخاري: (7438) ومسلم: (182) . فالذي ينبغي في هذا ونحوه إمرار الحديث كما جاء على الرضى والتسليم، مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والله -سبحانه- أعلم. انتهى كلامه . الهوامش: ---------------- (1)- تفسير ابن جرير الطبري (6/168). (2) أخرجه أحمد: مسند أبى هريرة (14/45) ح (8291) ، البخاري كتاب الاستئذان (4/135) ح (6227). (3) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدة (1/353). (4) انظر: السلسلة الضعيفة للألباني (1176) . (5) ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/ 183)، شرح النووي على مسلم (16/ 403). (6)- في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطاً، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملاً، لكنه لم يطبع بعد.وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 122). (7) بيان تلبيس الجهمية تحقيق، د. عبد الرحمن اليحيى (2/ 396). 8) انظر: التوحيد لابن خزيمة (1/87 -91)، الأسماء والصفات للبيهقي (2/63 - 64)، والمعلم للمازري (3/ 171)، وشرح النووي على مسلم (16/ 403 - 404). 9) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف النمري (7/ 150)، الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 251 - 252)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (4/ 95)، وفي السير (5/ 449). (10) انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 137). منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين (1/155)إعداد: أحمد بن علي الزاملي عسيري إشراف: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد المحسن التركي.
  4. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : وصوره (1) في الأرحام بحكمته .... ------------------ 1 - وقوله : وصوره في الأرحام بحكمته ...أي أن الله صور الإنسان وشكّله على صورته التي هو عليها فلا أحد من النّاس أختار صورته .. وهذه الصورة كانت في الرحم . قال تعالى :{ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(6) آل عمران . قال قتادة قوله :"هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء"، قادرٌ والله ربُّنا أن يصوّر عبادَه في الأرحام كيف يشاء، من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تامّ خلقُه وغير تامّ. (1). قال ابن كثير : وحسن وقبيح ، وشقي وسعيد . وقال عز وجل{أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }(8) الانفطار . قال ابن جرير (24/269) (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ) يقول: الذي خلقك أيها الإنسان فسوّى خلقك (فَعَدَلَكَ). واختلفت القرَّاء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قرَّاء المدينة ومكة والشام والبصرة (فعدّلك) بتشديد الدال، وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة بتخفيفها، وكأن من قرأ ذلك بالتشديد وجَّه معنى الكلام إلى أنه جعلك معتدلا معدّل الخلق مقوَّما.. وكأن الذين قرءوه بالتخفيف ، وجَّهوا معنى الكلام إلى صرفك وأمالك إلى أيّ صورة شاء، إما إلى صورة حسنة، وإما إلى صورة قبيحة، أو إلى صورة بعض قراباته. وعن مجاهد، في قول الله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) قال: في أيّ شبه أب أو أم أو خال أو عمّ. ومن أسمائه سبحانه (( المصور)) قال تعالى :{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }(24) . قال ابن كثير (8/80): وقوله تعالى: {الخالق البارئ المصور} أي: الذي إذا أراد شيئا قال له: كن، فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار. كقوله: {في أي صورة ما شاء ركبك} [الانفطار: 8] ولهذا قال: {المصور} أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها. عن أبي هريرة- رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن )) البخاري (6227). ومسلم (2841). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (( لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ )). أخرجه الحميدي في مسنده (1153). ومسلم (2612) (112) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ)). وعَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ صَوَّرَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فِي الْجَنَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ، عَرَفَ أَنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ )) أحمد(13661) وإسناده صحيح على شرط مسلم. ونقر (( بأن الرحمن خلق آدم على صورته ))(2). قال عبد الله بن أحمد: وكان في كتاب أبي "وطوله ستون ذراعا" (فلا أدري حدثنا به أم لا) وهذه الزيادة في البخاري. قال شيخ الإسلام : هذا الحديث لم يكن بين السلف في القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة من عدة من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك.(4). (4) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية لتقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (6/373)، تحقيق مجموعة من المحققين ، الناشر مجمع الملك فهد لطباعة المصحف. وأهل السنة يثبتون صفة الصورة لله ويؤمنون بها، ويقولون بإمرارها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال الآجري بعد روايته لحديث الصورة: هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال كيف؟ ولم؟ بل تستقبل بالتسليم والتصدق، وترك النظر، كما قال من تقدم من أئمة المسلمين. (الشريعة للآجري (2/106)) . وقد نص الأمام أحمد على ذلك فقال في حديث الصورة: (لا نفسره كما جاء الحديث) . ولذا أنكر الإمام أحمد على من أول حديث الصورة، وأعاد الضمير على غير الله. فقد قال في رواية أبى طالب (من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق) إبطال التأويلات (1/75) . وهذا تنبيه من الإمام أحمد على أن كل من أعاد الضمير على غير الله فقد سلك الطريقة الجهمية. ويقول ابن قتيبة: (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك ( أي الصفات )لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) [تأويل مختلف الحديث (ص: 261] . قَالَ النَّوَوِيّ (16/166) في شرح صحيح مسلم: فَهُوَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ بَيَانُ حُكْمِهَا وَاضِحًا وَمَبْسُوطًا وَأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يُمْسِكُ عَنْ تَأْوِيلِهَا. وَيَقُولُ نُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَهُوَ أَحْوَطُ وَأَسْلَمُ . سئل الشيخ عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله -: عن حديث: «خلق الله آدم على صورته» . فأجاب - رحمه الله -: " أي على صورة الرحمن كما ثبت في الرواية الأخرى خلافا للألباني، ولنسيب الرفاعي ، والصورة ثابتة لله تعالى في الصحيحين أنه تعالى يأتي على صورته وعلى غير صورته".(3). الصُورة ـ بالضم ـ الشكل، جمعها: صُور وهي الشكل، والهيئة والحقيقة . والصورة الإلهية وردت في أحاديث كثيرة لا يمكن دفعها ـ وإن لم ترد في الكتاب ـ إلا أنها وردت في السنة واشتهرت. ونحن لا نفرق بين الكتاب والسنة فكله وحي من مشكاة واحدة . منها حديث : "خلق الله آدم على صورته" . السنة لعبد الله بن أحمد (2/472). ، وهذا سياقه في كتاب السنة ، قال: حدَّثني أبو معمر، نا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تُقبِّحوا الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن تبارك وتعالى)) وصححه الأئمة. والحديث بهذا السياق ضعَّفه بعضُ أهل العلم. (3). وصحَّحه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه كما نقل ذلك في الفتح (5/183) ، وصفة الصورة صفةٌ ذاتيةٌ خبريةٌ ثابتةٌ لله - عز وجل - بالأحاديث الصحيحة. الدليل : حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الطويل في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وفيه: (فيأتيهم الجبار في صورته التي رأوه فيها أوَّل مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا ...) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)} برقم (7439)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم (183). ومنها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته).أخرجه البخاري (2559)، (2612) واللفظ لمسلم. وجملة الخلاف عند أهل العلم على هذا الحديث يعود إلى أربعة أقوال هي كما يلي: أولاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد على غير الله تعالى: ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) يعود إلى المضروب.(5). ثانياً: أن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وعلى هذا جمهور أهل السنة، بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: -وهو ممن انتصر لهذا القول وأطال الكلام جداً على هذا الحديث (6). - قال: "هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك" (7). ثالثاً: أن الضمير في قوله: (على صورته) يعود على الله عز وجل، وتكون إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه كما في قوله تعالى: {نَاقَةُ اللَّهِ} وكما يقال في الكعبة: بيت الله ... وهكذا (8). رابعاً: إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، وهذا مروي عن الإمام مالك: (9). ومما لا ريب فيه أن الصورة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن الضمير في قوله: (على صورته) عائد إلى الله تعالى، وإضافة الصورة إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف - على ما جاء في القول الثاني- كما هو مقتضى ظاهر لفظ الحديث، ولا يجوز تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره لمجرد توهم التشبيه والتمثيل، فإن هذا شأن أهل البدع، أما أهل السنة فإنهم يؤمنون بما صح من أحاديث الصفات كلها، ويجرونها على ظاهرها على ما يليق بجلال الله وعظمته مع نفي المماثلة على حد قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (11)الشورى: (10). والمفروض أن لا يعترض أحد على هذا المعنى من أن الضمير في حديث الصورة يعود على الله - وخاصة وهو يقرأ لشيخ الإسلام أنه لا خلاف بين السلف في أن الضمير راجع إلى الله ، ويدل عليه ؛بل نص في الموضوع الحديث الذي في النسائي وغيره : (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن). وقد علمت أن طائفة من العلماء المتقدمين صححوه ، ومن المتأخرين الشيخان ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله -. فيكون المعنى الصحيح الذي لا خلاف فيه عند السلف إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، أي : له وصورة ، كما للمخلوق صورة ، ووجه كما أن لله وجهاً، وله ساق كما أن لله ساقاً، وله يد كما أن لله يداً، وغير ذلك مما جاء من الصفات في الكتاب والسنة ، ولا يتلزم من ذلك التساوي والمماثلة والتشابه من كل وجه ، فالله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]. ولكن وقع اللبس في ذلك لمن وقع في التأويل قصد التنزيه لمّا قاسوا المخلوق على الخالق ، وتصورا الصورة والصفات التي أولها على ما في أذهانهم . قال الشيخ عبد الرحمن أبابطين – رحمه الله - في رسائله (1/221)جوابا لمن سأله عن هذا الحديث . بسم الله الرحمن الرحيم : ما يقول العلماء أئمة الدين - رضي الله عنهم أجمعين- في حديث: "خلق الله آدم بيده على صورته". هل الكناية في قوله : على صورته راجعة إلى آدم، وأن الله خلقه على الصورة التي خلقه عليها، أم لها معنى، وتأويل غير ذلك؟ وأَجيبوا - أدام الله النفع بعلومكم- وابسطوا الجواب، أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه. الجواب : هذا الحديث المسئول عنه ثابت في صحيحي البخاري ومسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا)). وفي بعض ألفاظ الحديث: (( إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)). قال النووي: هذا من أحاديث الصفات، ومذهب السلف أنه لا يتكلم في معناه، بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله -تعالى-، مع اعتقادنا أن ليس كمثله شيء، انتهى. وقال بعض أهل التأويل: الضمير في قوله: "صورته" راجع إلى آدم، وقال بعضهم: الضمير راجع على صورة الرجل المضروب، ورد هذا التأويل بأنه إذا كان الضمير عائدا على آدم فأي فائدة في ذلك؟ إذ ليس يشك أحد أن الله خالق كل شيء على صورته، وأنه خلق الأنعام، والسباع على صورها، فأي فائدة في الحمل على ذلك. ورد تأويله بأن الضمير عائد على ابن آدم المضروب، بأنه لا فائدة فيه؛ إذ الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده، وأن وجهه كوجوههم. ويرد هذا التأويل كله بالرواية المشهورة: "لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن" وقد نص الإمام أحمد على صحة الحديث، وإبطال هذه التأويلات، فقال في رواية إسحاق بن منصور: (( لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)) صحيح. وقال في رواية أبي طالب: من قال:(( إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟)) وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله خلق آدم على صورته)) فقال: على صورة الرجل، فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟ وقال أحمد في رواية أخرى: فأين الذي يروي: (( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن؟)). وقيل لأحمد عن رجل: إنه يقول: على صورة الطين، فقال: هذا جهمي، وهذا كلام الجهمية. واللفظ الذي فيه ((على صورة الرحمن )) رواه الدارقطني، والطبراني، وغيرهما بإسناد رجاله ثقات.قاله ابن حجر. وعن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرجها ابن أبي عاصم عن أبي هريرة مرفوعا، قال: (( من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)) وصحح إسحاق بن راهويه اللفظ فيه على صورة الرحمن. وأما أحمد فذكر أن بعض الرواة وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة. وروى ابن منده، عن ابن راهويه قال : قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إن آدم خلق على صورة الرحمن )) وإنما علينا أن ننطق به.. قال القاضي أبو يعلى: والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته، ولا يخرجها عما ما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه، لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس، لا كالذوات والأنفس. وقد نص أحمد في رواية يعقوب بن يختان قال : (( خلق آدم على صورته)) لا نفسره كما جاء الحديث. وقال الحميدي لما حدث بحديث: (( إن الله خلق آدم على صورته)) 1 قال: لا نقول غير هذا على التسليم، والرضى بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث. قلت : كيف يستوحش بالقول بما جاء في كتاب ربنا وسنة نبينا وقد خاطب من نزل عليهم القرآن الكريم بلغتهم بما يفهمون ولم يخاطبهم بالألغاز حتى يستوحشوا أن يتكلموا بها، لا يستوحش من ذلك إلا من كان عنده قصور في فهمه لما فهمه الصلف الصالح وفي مقدمتهم الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم . وقال ابن قتيبة : الذي عندي - والله أعلم- أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، هذا كلام ابن قتيبة. وقد ثبت في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: (( فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون)) البخاري: (6574) ومسلم: (182) . وفي لفظ آخر: (( صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيعرفونه)) الحديث. البخاري: (7438) ومسلم: (182) . فالذي ينبغي في هذا ونحوه إمرار الحديث كما جاء على الرضى والتسليم، مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والله -سبحانه- أعلم. انتهى كلامه . الهوامش: ---------------- (1)- تفسير ابن جرير الطبري (6/168). (2) أخرجه أحمد: مسند أبى هريرة (14/45) ح (8291) ، البخاري كتاب الاستئذان (4/135) ح (6227). (3) فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي - قسم العقيدة (1/353). (4) انظر: السلسلة الضعيفة للألباني (1176) . (5) ينظر: فتح الباري لابن حجر (5/ 183)، شرح النووي على مسلم (16/ 403). (6)- في كتابه الذي يرد فيه على الرازي واسمه: (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) أو (نقض تأسيس الجهمية)، وقد طبع منه مجلدان كبيران بهذا العنوان، وأما بقية الكتاب فلا يزال مخطوطاً، وقد قام عدد من الباحثين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق الكتاب كاملاً، لكنه لم يطبع بعد.وكلام ابن تيمية عن هذا الحديث في هذه البقية التي لم تطبع، وقد لخصه الشيخ حمود التويجري - رحمه الله - في كتابه: (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن).ينظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 122). (7) بيان تلبيس الجهمية تحقيق، د. عبد الرحمن اليحيى (2/ 396). 8) انظر: التوحيد لابن خزيمة (1/87 -91)، الأسماء والصفات للبيهقي (2/63 - 64)، والمعلم للمازري (3/ 171)، وشرح النووي على مسلم (16/ 403 - 404). 9) انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف النمري (7/ 150)، الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 251 - 252)، ونقله عنه الذهبي في الميزان (4/ 95)، وفي السير (5/ 449). (10) انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعاً ودراسة، د. سليمان محمد الدبيخي (ص 137). منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين (1/155)إعداد: أحمد بن علي الزاملي عسيري إشراف: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد المحسن التركي.
  5. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا يليق بجلاله وجماله وكماله ، أحمده ربي سبحانه كما يحب ويرضى ، وأحمد ربي حتى يرضى وأحمده بعد الرضا ، وأشهد أن إله إلا الله وحده لا شريك له ، أشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وأصلي وأسلم عليه أفضل صلاة وأسنى تسليم وأزكاه ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : إن الفقه في الدين من أشرف العلوم وأفضلها ، كيف لا وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أنه من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ويلهمه رشده .. كيف لا يكون الفقه كذلك وهو الضابط لسلوك المسلم وخلقه ، فهو الذي يهذبه ويربيه ، وهو زاده إلى ربه ، فهو الذي يكشف له الطريق القويم ومعالم الصراط المستقيم ، فيعبد ربه على بصيرة ، وفهم صحيح يورثه الخشية من ربه ، ويرفعه في الدنيا مراتب الشرف وفي والآخرة إلى عليين ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم . ولما كان لكل زمان لغته ، ومنهجه كان لابد أن يكتب الفقه ويبسط في زماننا هذا على لغة عصرنا بأسلوب يتوافق مع المنهج العلمي من حيث أدواته ووسائله ، مع المحافظة على أصالته وقواعده على منهج السلف الصالح ، لأنه المنهج الأعلم والأحكم والأسلم ، منهج يتوافق مع الفطرة ، منهج خال من الألغاز والتعقيد والمبني على التأصيل والتقعيد . والملاحظ أن الجيل السلفي اليوم يتطلع إلى دراسة الفقه بوسائل وأدوات عصرية على قواعد وأساسيات أصلية سلفية . وإن من التأصيل في طلب العلم لطلاب العلم أن يبدءوا بالأهم فالمهم وأن يتدرجوا فيه كما قال الحكمي - رحمه الله- في الوصية بطالب العلم . وبالمهم المهم أبدأ لتدركه - - وقدم النص والآراء فاتهم ولئن العلم كثير فليحرص على النافع منه كما قال غيره : ما أكثر العلم وما أوسعه - - - من ذا الذي يقدر أن يجمعه إن كنت لابد له طالبا - - - محاولا فالتمس أنفعه قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : العلم كثير ، ولن تعيه قلوبكم ، ولكن اتبعوا أحسنه ألم تسمعوا قوله تعالى : { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ...} . قال صالح بن عبد القدوس -رحمه الله -: إذا طلبت العلم فاعلم أنه حمل - - - فأبصر أي شيء تحمل وإذا علمت بأنه متفاضل - - - فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل . وأن يأخذوه عن أهله ، وأن يأخذوا من كل علم يطلبوه متنا يحفظوه ، وشرحا مختصرا ثم متوسطا ، ثم مطولا، وهكذا يكون البناء فإن المتون هي أصولٌ للعلم وقواعدٌ له ، وحفظها حفظ لأصول العلم ، فالعلم هو الحفظ والفهم. فمن لم يحفظ الأصول لم يحز الوصول ، ومن لم يحفظ المتون لم يع شيئا من الفنون . ولما كان لفقه في الدين من أجل العبادات وأعظم ما يتقرب به العبد إلى الله ، وكانت هذه المرتبة عالية شريفة المنال خص الرسول -r- ابن عباس بدعوة فيها ترغيبا لغيره وحثا على التنافس فيها فقال : (( اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل )) البخاري (143)ومسلم (2477). فإن الطالب لما يقرأ مثل هذا الدعاء يعلم يقينا ما للفقه من مزية ومرتبة تدفعه للحرص على الوصول إليها ، كيف لا والله تعالى يؤكد ويحث على تحصيل الفقه والرحلة في سبيله والعمل به ونشره وتعلمه وتعليمه ، وذلك في قوله تعالى جل وعز : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } (122)التوبة . قال العلامة السعدي في تفسيره ( 1/355): يقول تعالى: -منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم- {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} أي: جميعا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، وتفوت به كثير من المصالح الأخرى، {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ} أي: من البلدان، والقبائل، والأفخاذ {طَائِفَةٌ} تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى. ثم نبه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال: {لِيَتَفَقَّهُوا} أي: القاعدون {فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} أي. ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له. وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه الله علما ومنحه فهما. ولقد وفق الله كثيرا من علماء الأمة العاملين ، ومجديها المجتهدين إلى حمل لواء هذا العلم فأصلوا قواعد وفصلوا مسائله ، وتصدوا لتبيان أحكام ما جد من الحوادث والوقائع على مر العصور والدهور ، ومن هؤلاء الأعلام ، الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد النفزاوي القيرواني أبو محمد . فقد ألف كثيرا من الكتب ومن أحسنها تأصيلا وتأسيسا للمبتدئين كتابه الرسالة . متن الرسالة : بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (1). ---------------- 1 - لقد تكلمت على الافتتاح بالبسملة ، والاقتداء في ذلك بالكتاب العزيز وبالأنبياء قبل نبينا ، وأخذا بسنة نبينا ، وسنة أصحابه من بعده ، في شرح مقدمة الرسالة في العقيدة بما فيه الكفاية - والحمد لله رب العالمين - وهنا ندخل مباشرة في شرح ما أراد المؤلف رحمه الله من أبواب الفقه حيث قال : ( باب ) ما يجب منه الوضوء والغسل . المؤلف - رحمه الله - بدأ كتاب الطهارة بالوُضوء ( بضم الواو ) وما يجب منه وكذلك الغسل مباشرة ، وأهمل - رحمه الله – بعض الأبواب منه على عادة الفقهاء في كتبهم ومصنفاتهم ، ومتونهم يبدءون دائما بأقسام المياه ، والأعيان الطاهرة ، والأعيان النجسة ، وحكم إزالتها ، وما يعفى منها ، وكيفية التطهر منها ، وقضاء الحاجة ، والاستنجاء ، وآدابهما من آداب التخلي ، منها حكم استقبال القبلة ببول أو غائط ، والاستنجاء بالماء والاستجمار بالحجارة ، وهذه الأمور كلها مهمة للطالب ، وهو ورحمه وإن كان لم يفصل فيها على طريقة الفقهاء ، إلا أنه أشار إليها في أماكن تتعلق بها؛ لأنه يريد أن يختصر ويعتصر الفقه في متن للطلاب المبتدئين ، وقد وفق - رحمه الله – في ذلك إلى حد كبير حيث بيعت هذه الرسالة المباركة في عصر المؤلف بوزنها ذهبا . لما كان قصدنا هنا شرح هذه الرسالة على طريقة التفصيل بالدليل رأيت أن أعرج في شرحها على طريقة الفقهاء فأبدأ بكتاب الطهارة ، وأسأل الله تعالى التوفيق والإعانة لما توخيت من الإبانة إنه قريب سميع ، مجيب. كتاب الطهارة : 1 – مشروعية الطهارة ومكانتها في الإسلام . للطهارة مكانة عظيمة في ديننا لذلك شرعها الله تعالى ورغب فيها أيما ترغيب ، فيكفي دليلا على فضلها ومكانتها أن النبي - r- قال : (( الطهور شطر الإيمان ..)) فجعلها نصف الإيمان ، أي نصف الصلاة ، والصلاة عمود الدين ؛ إذا هي نصف عمود الدين لمن عقل . وقبل أن أذكر بالتفصيل عناية الإسلام بالطهارة أعرفها لغة وشرعا حتى نفهم المقصود من مشروعيتها . الطهارة في اللسان العربي : النظافة والنزاهة ، والتخلص من الأدناس حسية كانت أو معنوية كالعيوب ، يقال : تطهّر بالماء : أي تنظف من الدنس ، قال تعالى :{ وثيابك فطر} [المدثر: 4] . قال ابن زيد، في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه. تفسير ابن جرير الطبري (23/12). وتطهر من الحسد : أي خلص قلبك منه وطهره ، وأعظمه الشرك قال تعالى :{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ }(المدثر :5). قال ابن جرير (23/13):وبسنده إلى : ابن زيد، قال في قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها. وكذا قال غير واحد من السلف. قال القرافي في الدخيرة (1/163): الطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ التَّبْرِئَةُ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَيُقَالُ طَهُرَ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا طَهَارَةً فِيهِمَا وَالطُّهْرُ وَهُوَ أَيْضًا ضِدُّ الْحَيْضِ وَالْمَرْأَةُ طَاهِرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ وَالْعُيُوبِ وَطَاهِرٌ مِنَ الْحَيْضِ بِالتَّاءِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَالْمَطْهَرَةُ الْإِدَاوَاتُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَتُسْتَعْمَلُ الطَّهَارَةُ مَجَازًا فِي التَّنَزُّهِ عَنِ الْعُيُوبِ فَيُقَالُ قَلْبٌ طَاهِرٌ وَعِرْضٌ طَاهِرٌ تَشْبِيهًا لِلدَّنَسِ الْمَعْلُومِ بِالدَّنَسِ الْمَحْسُوسِ. وانظر مختار الصحاح (1/193). والطهارة شرعا: فعل ما تستباح به الصلاة أو ما في حكمها ، كالوضوء لمن كان غير متوضئ ، والغسل لمن وجب عليه الغسل ، وإزالة النجاسة من الثوب ، والبدن والمكان . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ : إِنَّهَا صِفَةٌ حُكْمِيَّةٌ تُوجِبُ لِلْمَوْصُوفِ بِهَا جَوَازَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ بِهِ، أَوْ فِيهِ، أَوْ لَهُ. فَالأْوَّلاَنِ يَرْجِعَانِ لِلثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، وَالأْخِيرُ لِلشَّخْصِ (الشرح الكبير مع الدسوقي 1 / 30) . أنواع الطهارة : قال أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد في كتابه "المقدمات الممهدات"(1/66): وهي تنقسم على وجهين: طهارة لإزالة نجاسة، وطهارة لرفع حدث. فأما الطهارة لإزالة النجاسة فحدها إزالة النجاسة، وهي من العبادات المتوجهة إلى الأبدان دون القلب، إذ لا تفتقر في أدائها إلى نية. واختلف فيها فقيل إنها فرض، وقيل إنها سنة، وقيل إنها استحباب، وليس ذلك بصحيح على ما أصلناه. وقيل إنها فرض مع القدرة والذكر تسقط مع النسيان، كالكلام في الصلاة، وستر العورة فيها. وهذا غير صحيح على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما الطهارة لرفع الحدث فإنها من العبادات المتوجهة إلى الأبدان والقلوب لافتقارها إلى النية على مذهب مالك والشافعي. وهي تنقسم على ثلاثة أقسام: غسل، ووضوء، وبدل منهما عند عدم القدرة عليهما وهو التيمم. ومن النّاس من يذهب إلى أنه لا يصح أن يقال في التيمم على مذهب مالك إنه بدل من الوضوء لأنه لا يرفع الحدث عنده على الإطلاق كما يرفعه الغسل والوضوء، وإن كان يستباح به عنده جميع ما يستباح بالوضوء من الفرائض والنوافل. والأظهر أنه بدل منه على مذهبه لأنه يستباح به عنده جميع ما يستباح بالغسل والوضوء، وإنما لم يرفع الحدث عنده لأن الأصل كان إيجاب الوضوء. والتيمم عند عدم الماء لكل صلاة بظاهر قول الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[المائدة: 6]. فخرج من هذا الظاهر الوضوء بما ثبت أن رسول الله - r- صلى صلوات بوضوء واحد، وبقي التيمم على الأصل فلم يقس على الوضوء لأن البدل لا يقوى قوة المبدل منه. والله أعلم.انتهى كلامه . قلت : بل هو بدل منه ، وهو الصحيح ألا ترى أن الكفارات إذا عجز عن نوع منها انتقل إلى البدل عنها ويكون مساويا لها وفي مرتبتها بل ذلك هو الواجب عليه وقد أداه بما أبدله ، وكذلك العبادات إذا عجز عن نوع منها؛ لأن الإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه ، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما . فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: " إنَّ اللهَ أَبْدَلَكُمَا بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ " صحيح الجامع (4381) والسلسلة الصحيحة (2021). قال تعالى : {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50]. وقوله: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ: 16] . وقوله: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 59] . وقوله: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء: 2] . ومنه الحديث في المقبور فيقال له: «انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به خيرا منه مقعدا في الجنة» ، ويقال للآخر: «انظر إلى مقعدك في الجنة، أبدلك الله به مقعدا من النار» (صحيح البخاري رقم (1374) من فتح الباري (3 / 232)وصحيح مسلم، حديث رقم (2866- 2870) . وقول عمر رضي الله عنه للبيد (بن ربيعة بن مالك صحابي جليل) " ما فعل شِعرك؟ قال: أبدلني الله به البقرة وآل عمران " (ذكره ابن حجر في الإصابة (3 / 326) . وهذا كثير في الكلام. فقوله صلى الله عليه وسلم: « إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما» يقتضي ترك الجمع بينهما، لا سيما وقوله: «خيرا منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية. انظر اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/486-487). عناية الإسلام بالطهارة والنظافة عادة وعبادة : لقد اعتنى ديننا الإسلامي بالطهارة عناية عظيمة ، تامة ، شاملة وتنجلي عنايته في نظافة شخصية المسلم في مخبره ومظهره في ثوبه وبدنه ، في قلبه ومسكنه ، في شارعه وسوقه فبالأحرى في مسجده وبيت عبادته ، وكذلك النظافة الاجتماعية : فإن ديننا دين الطهر والنظافة من الرذائل والأوساخ الحسيّة والمعنوية ، فكما اهتم بها اهتم بوسائلها من استجمار ، واستنجاء ، وسواك ، وطيب ، وأشنان ، وكافور ، وريحان وقطيفة وغير ذلك في حياته وعند قبره . فالإسلام جاء بتزكية القلب بالتوحيد، وبلا إله إلا الله، والكفر بالأوثان التي يشرك بها مع الله سبحانه وتعالى.وذلك نظافته وتنزيه من براثن الشرك والكفر والنفاق والغل والحسد وغير ذلك من أمراض القلوب .. و جاء بنظافة الجوارح وفي مقدمتها اللسان من قذورات الكلام كالغيبة والنميمية ، والكذب ، ونظافة السلوك والآداب في البيت والمسجد والسوق والمدرسة والإدارة . النظافة عنوان أهلها في الأسوة والقدوة والتحضر والشرف ، وذلك بمراقبة الله وحده والتجمل والتزين بما يليق بالعنوان في حدود الشرع كما أمر الله تعالى دون إسراف ولا مخيلة فإن الإسراف والتبذير والمخيلة من الوسخ .. فديننا دين النزاهة والنظافة والتواضع في كل شيء - ولله الحمد والشكر – وذلك أن الله سبحانه جميل يحب الجمال. لذلك شرع لنا شرعا هو شرع الجمال والكمال فما أعظمه من شرع . عنايته بنظافة القلب من الشرك والكفر والذنوب : قال تعالى :{ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)} المدثر. ذكر ابن جرير بسنده إلى قتادة، قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. وعن ابن عباس (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم. وقال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا. وعن مجاهد، في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: عملك فأصلح. عن أبي رَزِين في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب. قلت : وصلاح الأعمال لا يكون إلا بصلاح القلب وتطهيره من كل الآدران بالإيمان الصادق والتوبة والاستغفار . عن النعمان بن بشير – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – r-: "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".صحيح الجامع(3193) والحديث متفق عليه . عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] )) صحيح الجامع (1670)وصحيح الترغيب والترهيب وقال حسن . وقال شعيب شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند (7953) إسناده قوي، محمد بن عجلان صدوق قوي الحديث، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح. وفي صحيح مسلم ( 1847)عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» فهؤلاء الذين قلوبهم قلوب الشياطين ، أي مدنسة بالمعصية والبدعة قد ران عليها ران الذنوب ، فلا يمكن أن تطهر ، وأن تنقى ، وأن تخلص إما لعنادها ، وإما غفلة من أصحابها حتى هلكوا ، وإما أنهم يرون أنهم على الحق في الزيغ والضلال الذي هم فيه فلا تطهر قلوبهم .. {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ}(07) آل عمران. وقد خلقهم الله تعالى على الفطرة وهي الإسلام والتوحيد وكل ذلك طهارة ، وكذلك يولد الصبي طاهر القلب بريء النفس حتى يدنسه بالشرك والكفر والنفاق والبدعة والخرافة . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (15/283): وَقَالَ حُذَيْفَةُ: إنَّ الْإِيمَانَ يَبْدُو فِي الْقَلْبِ لمظة بَيْضَاءَ فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ إيمَانًا ازْدَادَ قَلْبُهُ بَيَاضًا فَلَوْ كَشَفْتُمْ عَنْ قَلْبِ الْمُؤْمِنِ لَرَأَيْتُمُوهُ أَبْيَضَ مُشْرِقًا ، وَإِنَّ النِّفَاقَ يَبْدُو مِنْهُ لمظة سَوْدَاءُ فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ نِفَاقًا ازْدَادَ قَلْبُهُ سَوَادًا فَلَوْ كَشَفْتُمْ عَنْ قَلْبِ الْمُنَافِقِ لَوَجَدْتُمُوهُ أَسْوَدَ مِرْبَدًا. وذكره – رحمه الله في كتاب الإيمان (1/238) عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه – وهو كذلك في الإبانة (2/ 841 - 842/ 1122)، وأصول الاعتقاد (5/ 1012/1701) والمصنف لابن أبى شيبة (6/ 160/30329) والإيمان له (8) والإيمان لأبي عبيد (ص.18). والسنة" للخلال 2/ 164 (1629) وقد صححه الألباني موقوفًا، في تعليقه على "الإيمان" لابن أبي شيبة (33). قال البيهقي في شعب الإيمان 0(1/144) قَالَ: " وَاللُّمْظَةُ هِيَ الذَّوْقَةُ، وَهُوَ أَنْ يَلْمُظَ الْإِنْسَانُ بِلِسَانِهِ شَيْئًا يَسِيرًا: أَيْ يَتَذَوَّقَهُ فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ يَدْخُلُ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، ثُمَّ يَتَّسِعُ فِيهِ فَيَكْثُرُ ". وقال أبو القاسم قوام السنة الأصبهاني : اللمظة: النُّكْتَة، والنقطة. الحجة في بيان المحجة (2/159). قال ابن كثير – رحمه الله – (7/93)وَقَوْلُهُ: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} أَيْ: هَلْ يَسْتَوِي هَذَا وَمَنْ هُوَ قَاسِي الْقَلْبِ بِعِيدٌ مِنَ الْحَقِّ؟! كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الْأَنْعَامِ:122] ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} أَيْ: فَلَا تَلِينُ عِنْدَ ذِكْرِهِ ، وَلَا تَخْشَعُ وَلَا تَعِي وَلَا تَفْهَمُ، {أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}. وقال شيخ الإسلام : وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّ النُّورَ إذَا دَخَلَ الْقَلْبَ انْشَرَحَ وَانْفَسَحَ قِيلَ: فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ عَلَامَةٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالْإِنَابَةُ إلَى دَارِ الْخُلُودِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ)) . قلت : الحديث إسناده ضعيف ، أنظر تفسير ابن جرير بتحقيق أحمد شاكر (12/ 98) ففيه بحث جيد في تحقيق الحديث ، ولكن المعنى صحيح، فالقرآن إذا دخل قلب الإنسان تذكر الآخرة فإذا بضيق الدنيا كله يزول عنه، وتنفسح له هذه الدنيا بنظره إلى الآخرة، فيتوب ويصقل قلبه من أدران الذنوب . وبعكس من ذلك أن القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن الكريم فهو كالبيت الخرب ، فكيف إذا ملأه بالشبه ، وحشاه بالزيغ كَمَا قَالَ تَعَالَى {فَلَمَّا زاغوا أزاغ الله قُلُوبهم} فمرض القلب فزاده الله مرضا على مرضه فماذا يرجى منه من الطهر والصقل؟ قال تعالى {فِي قُلُوبهم مرض فَزَادَهُم الله مَرضا}. فكيف إذا كان فيه الكفر ، والشرك وصاحبه جاحد معاند دل على ذلك قَوْله تَعَالَى {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} . وَقَالَ {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة} . فَالْقَبَائِحُ تُسَوِّدُ الْقَلْبَ، وَتُطْفِئُ نُورَهُ. وَالْإِيمَانُ هُوَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ. وَالْقَبَائِحُ تَذْهَبُ بِهِ أَوْ تُقَلِّلُهُ قَطْعًا. فَالْحَسَنَاتُ تَزِيدُ نُورَ الْقَلْبِ والنور يحرق الشبهات ويطهره من الشهوات ، وَالسَّيِّئَاتُ على عكس ذلك تُطْفِئُ نُورَ الْقَلْبِ وتدنسه . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ كَسْبَ الْقُلُوبِ سَبَبٌ لِلرَّانِّ الَّذِي يَعْلُوهَا. من كلام ابن القيم بتصرف . عناية الإسلام بالطهارة من ناحية العبادة : 1 - من ناحية العبادة : فقد أمر بالوضوء ورغب فيه وحث عليه فقال جل في علاه :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا.. } إلى قوله : {..وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (06) المائدة . وقال تعالى :{ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ }(108). وقد ثبت أنّ النّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاهم في مسجد قباء، فقال: (( إنّ الله تبارك وتعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطُهور الذي تطهرون به؟)) ". قالوا: والله يا رسول الله! ما نعلم شيئاً؛ إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط؛ فغسلنا كما غسلوا. قال الألباني في صحيح أبي داود (1/75)وهذا إسناد حسن. رواه ابن خزيمة في "صحيحه " (1/14/2) .ثم رأيته في "المستدرك " (1/155) ؛ وصححه، ووافقه الذهبي. وقال عز من قائل :{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ }(11) الأنفال. وقال جل جلاله وجماله :{ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) الفرقان . فالله هو الذي أنزل من السماء ماء طهورا لنتطهر به في عبادتنا ونرغب في تطهير أبداننا إلى ربنا الذي أنزل هذا الماء الطاهر المطهر فطهر به الأرض من الجراثيم القاتلة وأجراه أنهارا وينابيع لنشرب منه ونسقي أرضنا لتنبت لنا الزروع والثمار والأشجار والأزهار فتحي الأرض في جمال رائع خلاب ، طبيعي طاهر لا تدنسه إلى يد الإنسان ، فأنظر إلى قوله تعالى :{أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } (60)النمل . لا والله ،لا إله إلا أنت سبحانك . وأسمع إلى هذه الرنة اللطيفة في هذا الكلام الجليل الذي يبهر عقلك ويهز كيانك حبا وتعظيما وتنزيها له سبحانه وأنت تتصور ذلك على أرض الواقع أو تتلو هذه الآيات وأنت تراها وتعيشها أمامك :{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ }(21) الزمر. فأي جمال يساوي هذا الجمال ، ولا يمكن للشيء أن يكون جميلا إلا إذا كان طاهرا نظيفا . أما الأحاديث فكثيرة جدا في الترغيب في الوضوء وفضله ، والحث عليه ، والأمر به وبيان منزلته من الدين . كقوله صلى الله عليه وسلم «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ .. )) مسلم (223). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ مَا تَقُولُونَ؟ هَلْ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا؟ )) قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: (( ذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا)).صحيح البخاري (528). وهذا فيه فضل التطهر من الدنس الحسي والمعنوي . وقوله : (( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ))متفق عليه . 2- الحث والحض على الغسل في كثير من المناسبات ، منها الجنابة قال تعالى :{.. وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ..}(06) المائدة . ومنها استحباب الغسل في العيدين والنسك ، والجمعة على خلاف في وجوبه وتأكيد سنيته ، وسيأتي في باب الجمعة .وغير ذلك كثير معلوم .. عناية الإسلام بالنظافة من ناحية العادة : 1 - أمر بنظافة الأفنية وعلل بأن اليهود لا يفعلون ذلك ، عن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه - قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( نظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود)) رواه الترمذي ، وفي رواية عند الطبراني (( طهروا أفنيتكم فإن اليهود لا تنظف أفنيتها)) وحسنه الألباني في تخريج المشكاة (4487) والسلسلة الصحيحة (ح236). وفي سنن أب داود (4089) عن أبي الدرداء قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ، وَلَا التَّفَحُّشَ))، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ قَالَ: أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: (( حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ)).والحديث طويل ذكرت ما يناسب المقام . وأخرجه الحاكم (4/183) وأحمد (4/180) من طريق هشام بن سعد عن قيس بن بشر وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "ووافقه الذهبي. قال شعيب الأرناؤوط – رحمه الله – يحتمل للتحسين ، وأما الألباني فقد ضعفه أنظر ضعيف الجامع (2039). عنايته بالطهارة المشتركة بين العبادة والعادة : والنظافة قد ينوي بها العبد العبادة ، وقد لا ينوي فتكون عادة ، ومما يشترك في ذلك قوله تعالى :{ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين } . قال السمعاني في تفسيره (1/225): قيل: مَعْنَاهُ: التوابين من الذُّنُوب. والمتطهرين من الْعُيُوب. وَالْقَوْل الثَّانِي: معنى التوابين الرجاعين إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار، وَمعنى المتطهرين: المتبرئين من حول أنفسهم وقوتهم. وَفِيه قَول ثَالِث: أَن التوابين: من التَّوْبَة، والمتطهرين يَعْنِي: بالاستنجاء بِالْمَاءِ. وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المتطهرين} يَعْنِي: المتطهرين بالاستنجاء بِالْمَاءِ بعد الْحجر. وقوله تعالى :{ وثيابك فطهر } قال ابن جرير (23/11) عن قتادة، قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب ، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب. وقال عكرمة وابن عباس - رضي اللهم عنهما- : لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب ولا تلبسها على معصية أو غدرة . وقال ابن عباس : :{ وثيابك فطهر } نقي الثياب . ابن كثير(8/263). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه- قال : قال رسول الله :((ولله على كل مسلم حق أن يغتسل في سبعة أيام )) وفي رواية (( يغسل فيه رأسه وجسده ))البخاري (856) وملسم (849). 3- الأمر بخصال الفطرة : ما المقصود بسنن الفطرة؟ وما هي؟ «سنن الفطرة» هي: الخصال التي إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحشرهم عليها، واستحبها لهم، ليكونوا على أكمال الصفات، وأشرف صورة. وهي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فكأنها أمر جبلي فطروا عليه (عمدة القاري للعيني وعنه الشوكاني في نيل الأوطار (1/ 109). ويتعلق بخصال الفطرة مصالح دينية ودنيوية تدرك بالتتبُّع، منها: تحسين الهيئة، وتنظيف البدن جملة وتفصيلاً (فيض القدير للمناوي (1/ 38). وهذه الخصال كلها تدل على الطريقة القديمة وهي الفطرة التي فطر الله عليها الخلق وسنها لأنبيائه وأتباعهم ، فالطهارة والنظافة ، من سنن الفطرة التي عليها الأنبياء والمرسلين ، والمحافظة عليها فيه خير كبير ، منها : وقاية الجسد من الأمراض والأدواء التي تفتك به ، والوقاية خير من العلاج .. ومنها والظهور أمام النّاس على أحسن حال .. نظيف الثياب ، نظيف البدن طيب الفم طيب الثياب والبدن ، لا يلقى النّاس منه الروائح الكريهة والأوساخ ، وإذا كان عنوانه كذلك فإن ذلك دليل على طهارة الباطن الذي عليه المؤمن . قال سبحانه وتعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (2) الروم. وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]. البخاري (1358) ومسلم ((2658)). ويقسم العلماء الفطرة إلى قسمين: قسم يطهر القلب والروح وهو الإيمان بالله وتوابعه من خوفه ورجائه ومحبته والإنابة إليه. وقسم: يعود إلى تطهير الظاهر ونظافته، ودفع الأوساخ والأقذار منه ، وهو سنن الفطرة العشر الواردة في حديث عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ )). قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ (( الْمَضْمَضَةَ )) زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: (( انْتِقَاصُ الْمَاءِ )): يَعْنِي " الِاسْتِنْجَاءَ " البخاري ((5550-5553) ومسلم 259-261). وعن أبي هريرة، رواية: " الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وقص الشارب " البخاري (5889)ومسلم (257). والحاصل من الحديثين أن خصال الفطرة ليست منحصرة في هذه العشر.. قال الشيخ محمد بن علي آدم الأثيوبي في المجتبى (37/397)(منها): ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو بيان سنن الفطرة. (ومنها): عناية الشريعة بالنظافة، وأنها منْ الأمور التي اتفقت عليها الشرائع. (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن الفطرة لا تقتصر عَلَى هذه العشر، بل تزيد، حيث عبّر بـ"منْ" وَقَدْ استوفيت البحث فِي ذلك فيما سبق منْ أبواب الطهارة ، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. منها : إكرام الشعر: في كتاب الآداب للبيهقي (1/229): بَابٌ فِي إِكْرَامِ الشَّعْرِ وَتَدْهِينِهِ وَإِصْلَاحِهِ : 560 - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» . رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا. رواه أبو داود صحيح الجامع (770) وقال صحيح ، والصحيحة (500). وفيه عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ فَأَصْلِحْ رَأْسَكَ وَلِحْيَتَكَ. فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ» . هَذَا مُرْسَلٌ جَيِّدٌ.شعب الإيمان (8/425). قال الألباني في الصحيحة (1/892) أخرجه مالك في " الموطأ " (2 / 949 / 7) بسند صحيح، ولكنه مرسل. وفي السلسلة الصحيحة (493) : 493 - " أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟! ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟! ". وفي صحيح سنن أبي داود 383 - عن عثَيْمِ بنِ كُلَيْبٍ عن أبيه عن جده: أنه جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: قد أسلمت. فقال له النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " آلْقِ عنك شَعْرَ الكُفْرِ "؛ يقول: "احلق ". قال : وأخبرني آخرُ: أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لآخرَ معه : " آلقِ عنك شَعْرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ ". (قلت: حديث حسن، وقواه شيخ الاسلام ابن تيمية) . وفي صحيح الجامع 858 - 415 - «اذهب فاغتسل بماء وسدر وألق عنك شعر الكفر».(حسن) ... [طب] عن واثلة. صحيح أبي داود: 383: طص، ك. الحكمة من تشريع الطهارة : شرع الإسلام الطهارة لحكم كثيرة منها : 1 – إظهار فضل هذا الدين ، الذين جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وليس من شك أن الظلمات فيها الأوساخ والقذرات ، وربما وقع فيها الإنسان من حيث لا يشعر ، على خلاف النور الذي يحرق الأوساخ ويكشف القاذروات أنى كانت وكيفما وجدت . 2 – هذا الدين دين الفطرة ، والطهارة من دواعي الفطرة ، كما رأينا في سنن الفطرة ، والإنسان يميل بفطرته إلى النظافة ، والنزاهة ، وينفر بطبعه من الوساخة والقذارة ، ولما كان الإسلام دين الفطرة كما أسلفت كان طبيعيا أن يأمر بالطهارة والمحافظة عليها في النفس والمحيط . 3 – المحافظة على الصحة ونظافة المحيط : فالنظافة من أهم الأسباب التي تحفظ الصحة وتحفظ الإنسان من الأمراض . فكثير من الأمراض تنتشر بسبب الأوساخ والأقذار . 4 – الوقوف بين يدي الله طاهرا نظيفا ، وقد أمر الله تعالى بالتزين له عند كل صلاة فقال { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ }(31)الأعراف . ولأن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين . 5- النظافة والطهارة عنوان أهلها ، فالنظيف يميل إليه النّاس ويرتاحون إليه ، ويحبونه ويحبون الجلوس معه على خلاف الوسخ القذر ، وقد مدح الله تعالى أنا يحبون التطهر بالماء ويحرصون عليه فقال:{ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ )(108)التوبة . 6- الطهارة والنظافة فيها الجمال الطبيعي ، ولا أجمل من الطبيعة على حالها التي خلقها الله عز وجل ، ولك أن تقارن بين رجلين أحدهما تطهر في بدنه وثيابه ثم تعطر وخرج وبين رجل ملطخ الثياب ، ملطخ اليدين ، ثائر الرأس متسخ أيهما أجمل في نظرك وأحب إليك مجلسا ؟ 7- الطهارة سبب للمغفرة وتناثر الذنوب ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مَنْ بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» مسلم في صحيحه (666) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( كُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ، يُكْتَبُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ، وَيُمْحَى عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةٌ )). مسند أحمد( 7801). والحمد لله رب العالمين . يتبع – إن شاء الله -
  6. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    بنعمته (1).... ---------------- 1 – وقوله : بنعمته : أي تفضلا منه سبحانه وتعالى وإحسانا إليه ، وليس وجوبا عليه، إذ لا يجب على الله شيء؛ فهو المالك لهم ولما عندهم، وهو الملك لكل الخلق، وهو الرب مربيهم بنعمه، والسيد المدبر لجميع شؤونهم ، وهو خالق كل شيء ، ونعمة إيجادهم من أعظم النعم . قال تعالى : {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }(7)المائدة. وقال جل وعز {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} (9)الأحزاب . وقال عز وجل {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ }(53)النحل . {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}20 لقمان. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله – (1/649)يمتن تعالى على عباده بنعمه، ويدعوهم إلى شكرها ورؤيتها؛ وعدم الغفلة عنها فقال: {ألم تروا} أي: تشاهدوا وتبصروا بأبصاركم وقلوبكم، {أن الله سخر لكم ما في السماوات} من الشمس والقمر والنجوم ( والرياح والأمطار ) ، كلها مسخرات لنفع العباد. {وما في الأرض} من الحيوانات والأشجار والزروع ، والأنهار والمعادن ونحوها كما قال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا}. {وأسبغ عليكم} أي: عمكم وغمركم نعمه الظاهرة والباطنة التي نعلم بها؛ والتي تخفى علينا، نعم الدنيا، ونعم الدين ، حصول المنافع ، ودفع المضار، فوظيفتكم أن تقوموا بشكر هذه النعم ؛ بمحبة المنعم والخضوع له ؛ وصرفها في الاستعانة على طاعته ، وأن لا يستعان بشيء منها على معصيته. {و} لكن مع توالي هذه النعم؛ {من الناس من} لم يشكرها؛ بل كفرها؛ ( وجحدها ) وكفر بمن أنعم بها ؛ وجحد الحق الذي أنزل به كتبه ؛ وأرسل به رسله، فجعل {يجادل في الله} أي: يجادل عن الباطل؛ ليدحض به الحق؛ ويدفع به ما جاء به الرسول من الأمر بعبادة الله وحده ، وهذا المجادل على غير بصيرة ، فليس جداله عن علم ، فيترك وشأنه، ويسمح له في الكلام {ولا هدى} يقتدي به بالمهتدين {ولا كتاب منير} [غير مبين للحق فلا معقول ولا منقول ولا اقتداء بالمهتدين] وإنما جداله في الله مبني على تقليد آباء غير مهتدين، بل ضالين مضلين. وقال تعالى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }(18) النحل. كم من نعمة يتقلب فيها العباد ؟؟ إنها نعم كثيرة وعظيمة ، وهل يمكن أن يحصي أحدنا نعم الله عليه ؟؟ يجيبنا ربنا سبحانه {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } ، وإذا كان الأمر كذلك أنه لا يمكن أن نحصي نعمه فبالضرورة لا يمكن أن نؤدي شكرها كلها بل لابد من التقصير في الشكر ولكن الله غفور رحيم غفور للتقصير رحيم بعباده . يا له من إله عظيم ما قدرناه حق قدره ؛ وما شكرناه حق شركه ، ومع ذلك إنه غفور رحيم ، أنظروا كيف أسبغ علينا نعمه العظيمة الكثيرة ظاهرة وباطنة ، في السماء والأرض ، في البر والبحر ، وانظروا كيف أتمها علينا، وسخرها لنا ، وانظروا كيف يتحبب بها إلينا ، وكيف يذكرنا بها ؟؟!! وما كان ذلك التذكير كذلك إلا لأننا قصرنا وغفلنا عن شكره سبحانه ومع ذلك فإنه غفور رحيم شكور حليم .
  7. سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : الذي ابتدأ (1) الإنسان (2).... ------------------ 1 - وقوله : ابتدأ ؛ يعني ابتدأ خلق الإنسان بإيجاده من العدم .كما قال تعالى :{ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا }الإنسان (2). وقوله عز وجل :{ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ }(29) الأعراف. وقوله تعالى :{ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ }(9). السجدة. 2- وقوله الإنسان : كلمة الإنسان جنس البشر ، أي جميع البشر ذكورا وإناثا .وقد ذُكِر لفظ الإنسان في القرآن (56) مرة ، منها: قوله تعالى :{ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} (4) النحل . وقوله تعالى :{ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ }(37)الأنبياء. وقوله :{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ} (3) الرحمن . وقوله تعالى :{ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ }(14) الرحمن. قوله تعالى :{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ }(2) العلق. فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الإنسان وكرمه وعلّمه وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة ، وأراه من آياته ما تدفعه ليكون عبدا مطيعا شاكرا لأنعمه ، ولكنه بعدما اشتد عوده فإذا هو خصيم مبين يجادل في آيات ربه ويجحد وجوده ونعمه عليه . قال تعالى :{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا }(70) الإسراء. قال العلامة السعدي- رحمه الله - (1/463) :وهذا من كرمه عليهم وإحسانه الذي لا يقادر قدره حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام، فكرمهم بالعلم والعقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب، وجعل منهم الأولياء والأصفياء وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. {وحملناهم في البر} على الركاب من الإبل والبغال والحمير والمراكب البرية. {و} في {البحر} في السفن والمراكب {ورزقناهم من الطيبات} من المآكل والمشارب والملابس والمناكح. فما من طيب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أكرمهم الله به ويسره لهم غاية التيسير. {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} بما خصهم به من المناقب وفضلهم به من الفضائل التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات؛ أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ودفع النقم ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم بل ربما استعانوا بها على معاصيه.
  8. حديث : (( مَا خَلا جَسَدٌ مِنْ حَسَدٍ ))

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، حمدا يليق بجلاله وجماله وكماله ،أحمده سبحانه كما يحب ويرضى ، وأحمده بعد الرضى ، وأحمد بجميع محامده حتى يرضى ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وسلم . أما بعد : سمعت أحدا الوعاظ المدرسين يعظ في بعض النّاس في مرض القلوب ، ومن أعظمها كما قال الحسد ، ثم قال : وفي الأثر : (( لا يخلو جسد من حسد )) . ولم يعز الأثر إلى مصدر أو مرجع يمكن أن نستفيد منه ، فاستغربت ذلك منه ، وقلت في نفسي وأين هذا الأثر من كتب السنة ؟؟ ومن أين له ذلك أنه أثر بمفهوم الحديث يرفع إلى رسول الله ، ولا يمكن للرسول أن يقول ذلك ، وخاصة وأن هذا تعميم يشمل الأنبياء والمرسلين وعباد الله الأتقياء الصالحين ، فليس من شك أن الأنبياء والمرسلين ، وعباد الله المخلصين الصادقين والأتقياء الصالحين لا يشملهم ذلك ولو شملهم لكان اتهاما لهم وطعنا في نبوتهم ورسالتهم ، فهم جاءوا ليحملوا النّاس على مكارم ، الأخلاق ، ومحاسنها ، ويحاربوا الحسد والبغضاء والشحناء والتدابر والتقاطع التي يثمر الحسد أو يكون بسببه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم :(( لا تحاسدوا و لا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ، ولا يخْذُلُه ، ولا يَحْقره التقوى هاهنا - وأشار إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله وعرضه)). أخرجاه . وقد أمرنا الله أن نتعوذ به من شر الحاسد فلا يمكن أن يرسل رسلا في أجسادهم حسد ، ولا يمكن أن يكون في أتقياء خلقه حساد يحسدون النّاس على ما أتاهم من فضله . وكنت أعرف أن هناك حديث ضعيف لا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وبلفظ : (( كل بني آدم حسود ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد)) الجامع الصغير (4222) فقد مر علي حين كتبت رسالتي تحفة الأكياس بحسن الظن بالله ثم بالنّاس . فلما رجعت إلى البيت بدأت أبحث عن ذلك الأثر، وبالفعل وجدته في كتاب أمراض القلوب للشيخ الإسلام ابن تيمية (1/21) والمجموع (10/125) ولكن بدون أن يذكر أنه أثر ؛ وإنما ذكره بقوله : وَالْمَقْصُود أَن الْحَسَد مرض من أمراض النَّفس وَهُوَ مرض غَالب فَلَا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس وَلِهَذَا يُقَال مَا خلا جَسَد من حسد لَكِن اللَّئِيم يبديه والكريم يخفيه .. ووجدته في المقاصد الحسنة للسخاوي حيث قال : 955 – حَدِيث : مَا خَلا جَسَدٌ مِنْ حَسَدٍ، لم أقف عليه بلفظه، ولكن معناه عند أبي موسى المديني في نزهة الحفاظ له من طريق خلف بن موسى العمي عن أبيه عن قتادة عن أنس رفعه : (( كل بني آدم حسود، وبعض أفضل في الحسد من بعض، ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد)) . وسنده ضعيف ، وهو عندنا أيضا مسلسل بجماعة يسمون خلفا في علوم الحديث للحاكم ، وبعلو في فوائد إسحاق الصابوني.. ولابن أبي الدنيا في ذم الحسد له بسند ضعيف. وكذا أخرجه ابن أبي الدنيا أيضا من وجه آخر مرسل ضعيف ، وللطبراني من حديث حارثة بن النعمان نحوه، وقد بسطت الكلام عليه فيما كتبته من شرح الترمذي. انتهى من المقاصد الحسنة للسخاوي . وفي الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية (1/381) تحقيق د. محمد إسحاق محمد إبراهيم. 99 - وسئلت عما اشتهر: "ما خلا جسدٌ من حسد، والعداوة في الأهل، والحسد في الجيران". فقلت: لم أقف على أصل بهذا اللفظ، نعم أخرج أبو موسى المديني في "نزهة الحفاظ" له معناه من طريق خلف بن موسى العمي عن أبيه عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل بني آدم حسود، وبعض أفضل في الحسد من بعض ولا يضر حاسدًا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد" وسنده ضعيف. وروينا من طريق بشر بن الحارث أنه قال: العداوة في القرابة والحسد في الجيران والمنفعة في الإخوان. وفي السلسلة الضعيفة برقم (3091) وقال الشيخ هناك ضعيف . وفيها تحت ( 6822) (كل بني آدم حسود، وبعض الناس أفضل في الحسد من بعض، ولا يضر حاسداً حسده ما لم يتكلم بلسانه، أو يعمل باليد) . وقال الشيخ ضعيف جدا وكتب فوق متنه مضى برقم (برقم 3091). فالأثر الأول بلفظه ليس بحديث أصلا ولا ينبغي أن يطلق عليه لفظ الأثر إلا مقيدا لمن أثر عنه ممن مضى والثاني : لا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف جدا ، والمصيبة كل المصيبة أنه قد كثر القصاص والوعاظ والمدرسين الذين ملئوا الدنيا أو كادوا بالأحاديث الضعيفة والواهية ، والموضوعة في بعض الأحايين والتي لا أصل لها ينسبونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة – رضوان الله عليهم - وآخر ما سمعت من ذلك أن أحدهم قال : قال النبي : (( إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ )). قلت : رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ – رضي الله عنه - مَرْفُوعًا بِهذا اللَفْظِ.. قال الزيلعي في تخريج أحاديث (1/436) : قلت غَرِيب . وَرَوَى الطَّبَرِيّ فِي تَفْسِيره أخبرنَا أَبُو كريب ثَنَا وَكِيع ثَنَا سُفْيَان عَن زِيَاد بن علاقَة عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة : قَالَ يَقُولُونَ الْقِيَامَة الْقِيَامَة وَإِنَّمَا قِيَامَة الرجل مَوته .. وَذكر أَبُو شُجَاع الديلمي فِي كتاب الفردوس من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: (( إِذا مَاتَ أحدكُم فقد قَامَت قِيَامَته)). وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (1/1403) أخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الْمَوْت من حَدِيث أنس بِسَنَد ضَعِيف. قلت : العراقي له مصطلح خاص إذا أطلق لفظ الضعيف فإنه يعني به الواهي والموضوع .وهو كذلك ؛ لأن سند هذا الأثر مظلم . ففي كنز العمال للتقي الهندي(15/548) (42123):(( أكثروا ذكر الموت، فإنكم إن ذكرتموه في غنى كدره، وإن ذكرتموه في ضيق وسعه عليكم، الموت القيامة، إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته، يرى ما له من خير وشر)) . أخرجه العسكري في الأمثال - عن أنس، وفيه داود بن المحبر - كذاب - عن عنبسة ابن عبد الرحمن وهو - متروك متهم - عن محمد بن زاذان - قال البخاري: لا يكتب حديثه" فأنت ترى أن الحديث مظلم فيه ، متهم بالكذب ، ومتروك ولا يلتفت إليه ، ومن لا يكتب حديثه . ولذلك حكم عليه الفتني في تذكرة الموضوعات (1/215) أنه موضوع ، والألباني في الضعيفة ( 5462 ). هذا من حيث السند حتى لا ننسب للنبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله فنقع في من كذب عليه .. في قوله صلى الله عليه وسلم : (( .. ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النّار..)) . بل المسألة أشد وأعظم جرما من ذلك ؛ فلو قال أحد من النّاس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو(( يَرى )) بفتح الياء المبني للمفعول ، أو(( يُرى ))بضمها أي المبني للمجهول على الوجهين أن ذلك الحديث كذب فهو أحدا الكَاذِبَيْنِ ، أو الكَاذِبِين. وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ (رقم 26) ومسلم في مقدمة صحيحه (1/8)حديث (1863) من حديث المغيرة بن شعبة عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ». وفي سنن ابن ماجة برقم (38) عن عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ».أنظر صحيح الجامع (6199). فالأمر خطير إذا ، فلا بد أن ننظر بما نحدث عنه صلى الله عليه وسلم وما نسمع ، ونتأكد من صحة الحديث والأثر وإلا كنّا من الكاذبين أو المتقولين عليه ما لم يقل .فمن سمع الحديث الواهي أو المكذوب وسكت عنه فإنه مشارك في الإثم لمن قال واعتقده وإلا ما يمنعه أن يبينه على أقل الأحوال لمن جاء به . فينبغي علينا معشر طلبة العلم أن نتعاون ونبين للنّاس ما يأتي به هؤلاء القصاص والوعاظ ، وأن نحذرهم من ابتلاع واعتقاد كل ما يسمعونه منهم ؛ فوالله لا تكاد تسمع عامي أو مثقف أو طالب علم مبتدئ إلا تجد عنده من هذه الآثار والأحاديث الضعيفة والواهية والقصص والخرافات العجيب ، والعجيب ينسبونها للنبي صلى الله عليه وسلم أو إلى بعض أصحابه .. ومن ذلك أن أحدهم قال : مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يختم القرآن من الصحابة أحد ، وكرر ذلك وبنفس متحمس يريد أن يؤكد الأمر .. وخالف المسكين أقل ما ورد في ذلك مما ذكره البخاري في صحيحه وإلا فقد ختم كتاب الله الكثير من الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلم ، وبعضهم مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق عليه إلا القليل ، وقد أحسن البقلاني في كتابه الانتصار للقرآن الكريم وفند كلام من يقول لم يختم القرآن إلا القليل ، ولكن صاحبي يقول لم يختمه أحد ، والله وحده المستعان على هؤلاء الذين يطعنون في الصحابة جملة وتفصيلا . أسأله الله تعالى أن يبصرنا بالحق وأن يرزقنا العمل به واثبات عليه إنه سميع مجيب .
  9. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وسلم . أما بعد : هذا شرح لمقدمة ابن أبي زيد القيرواني في معتقد أهل السنة والجماعة كنت قد شرحته للطلاب ، والآن أعيد شرحه ثانية في مسجد بلال بن رباح بالبليدة ، أنزله هنا في حلقات متتابعة لعل الله أن ينفع به إخواننا وأن يجعله دخرا لنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من جاء بقليب سليم ،فنسأل الله أن يتقبله منا خالصا لوجهه وأن يسلم قلوبنا من الشرك والعجب إن ربي سميع قريب مجيب . وهذا الشرح أرجو من الله أن يكون أوسع شرح لهذه المقدمة المباركة التي جعل الله لها القبول فبيعت الرسالة بوزنها ذهبا في عصر المؤلف - رحمه الله – وقد أقبل عليها العلماء شرحا وتدريسا ما بين مختصر ومتوسط ومطول ، ومن أفضل شروحها التي رأيت شرح علامة المدينة الشيخ العباد البدر -حفظه الله ورعاه - وقد استفدت منه شرحه كثيرا وخاصة المقدمة بين يدي الشرح التي فيها عشر قواعد مهمة جدا لطالب العلم . متن : قال الإمام أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني رضي الله عنه وأرضاه: الحمد لله (1) ................... ------------------- 1 – قوله : الحمد لله ؛ افتتح المصنف رسالته بالحمدلة اقتداء بكتاب الله تعالى ؛ إذ ليس من مذهبه أن البسملة آية من الفاتحة .. تعريف الحمد : هو الثناء على المحمود المنعم بالجميل الاختياري محبة وتعظيما ، والألف واللام في الحمد لاستغراق جنس المحامد ، واللام في لفظ الجلالة ( لله ) أي للتمليك والاستحقاق ، فالقائل : الحمد لله كأنه يقول : أحمدك يا رب وأثني عليك محبة وتعظيما بجميع المحامد التي تملكها وحدك وتستحقها وحدك لا شريك لك ، ولذلك كان الحمد من أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد لربه . قال ابن القيم في بدائع الفوائد(2/93- 95) فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه . وقال شيخ الإسلام في الفتاوى : "الْحَمْدُ ": هُوَ الْإِخْبَارُ بِمَحَاسِنِ الْمَحْمُودِ مَعَ الْمَحَبَّةِ لَهَا. فَلَوْ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِمَحَاسِنِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ مَحَبَّةٍ لَهَا لَمْ يَكُنْ حَامِدًا وَلَوْ أَحَبَّهَا وَلَمْ يُخْبِرْ بِهَا لَمْ يَكُنْ حَامِدًا. وَالرَّبُّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إذَا حَمِدَ نَفْسَهُ فَذَكَرَ أَسْمَاءَهُ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى وَأَفْعَالَهُ الْجَمِيلَةَ وَأَحَبَّ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ فَكَانَ هُوَ الْحَامِدَ وَالْمَحْمُودَ وَالْمُثْنِي وَالْمُثْنَى عَلَيْهِ وَالْمُمَجِّدَ وَالْمُمَجَّدَ وَالْمُحِبَّ وَالْمَحْبُوبَ كَانَ هَذَا غَايَةَ الْكَمَالِ؛ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ وَلَا يُوصَفُ بِهِ إلَّا هُوَ. والألف واللام في قوله "الحمد لله" فيها قولان: قيل : هي للجنس كما ذكره بعض المفسرين من المعتزلة وتبعه عليه بعض المنتسبين إلى السنة. والثاني : وهو الصحيح - أنها للاستغراق، فالحمد كله لله. ففي صحيح الترغيب والترهيب ( 1576)عن مصعب بن سعد عن أبيه : أَنَّ أعرابيّاً قال للنبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَلّمْني دُعاءً لَعَلَّ الله أنْ ينفعني بِهِ؟ قال : ((قُلْ: اللهُمَّ لَكَ الحمدُ كلُّه، وإليكَ يرجعُ الأَمرُ كُلُّهُ)).قال الشيخ : حسن . وعن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه - أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلماً. يقول: اللهم! لك الحمد كله، بيدك الخير كله، إليك يرجع الأمر كله؛ علانيته وسره، فأهل أن تحمد، انك على كل شيء قدير. اللهم! ...))(1). قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث جابر رضي الله عنه في حجة الوداع (1/22) : تعريف الحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيماً، ولا يمكن لأحد أن يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله عز وجل. وقول بعضهم: الحمد هو الثناء بالجميل الاختياري، أي : أن يثني على المحمود بالجميل الاختياري. ويفعله اختياراً من نفسه، تعريف غير صحيح، يبطله الحديث الصحيح: «أن الله قال : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى عليَّ عبدي» (2). فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد لأن الثناء تكرار الصفات الحميدة، وأل في الحمد للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع وعلى دفع الضرر، وعلى حصول الخير الخاص والعام، كلها لله على الكمال كله. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه «بدائع الفوائد» (2/ 92-96 ") بحثاً مستفيضاً نفيسا حول الفروق بين (المدح - والحمد) وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس .فلتراجع . والحمد يأتي في حق الله جل وعلا ، ويأتي في حق البشر . فإن كان في حق الله ، فهو الثناء على الله مطلقًا . نقول الحمد في حق الله هو الثناء عليه مطلقًا محبة وتعظيما . وأما في حق البشر فيكون الحمد هو الثناء على المنعم . ما الفرق هنا بين الثناء مطلقًا في حق الله ، وبين الثناء على المنعم في حق البشر ؟ نقول الفرق هو : أن الله سبحانه وتعالى يُحْمَد على كل حال . سواءٌ أنعم عليك بنعمة أو لم ينعم عليك بنعمة . فإنك تحمده سبحانه وتعالى على كل حال . فتحمده في السراء ، وتحمده في الضراء . لأن الشر لا يكون من الله جل وعلا شرًا محضًا . فما من بلاء أو مصيبة يلقيها على العبد إلا وفيها خير من وجه من الوجوه . بخلاف البلايا التي تقع من البشر ، والمصائب أو الشر الذي ينسب إليهم فقد يكون شرًا محضًا. وأما الله جل وعلا فالشر ليس إليه كما جاء في الحديث . عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: ((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)). رواه مسلم (771) وأبو داود (760) والترمذي (3422)والنسائي (897). وكما قال الله سبحانه وتعالى :{ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا $ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ }(78-79)النساء . قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، ولكن نسبة الشر ليست إلى الله عز وجل حقيقة وتأدبا مع الله لأنه لا يرضاه لعباده ، وأما من باب الخلق والإيجاد فهو الله جل وعلا الخالق للخير والشر ، للنفع والضُّر ، للنعمة والمصيبة كلها من إيجاد الله جل وعلا وخلقه ؛ ولكن تأدبًا مع الله لا تُذكر في مقابل النعمة . والشر ليس إليك . فبأي هذا كان الحمد في حق الله على كل حال . وأما في حق البشر فإنه لا يكون إلا مقابل الإنعام. مراتب الحمد : مراتبه ثلاثة وأعلاها: أ – الحمد لله : لما اشتملت عليه من الألف واللام التي تفيد استغراق جميع أنواع المحامد ، ولما فيها من لام التمليك والاستحقاق . فهذه الصيغة هي أفضل مراتب الحمد وأعلاها لأن الحامد بها يثني على الله بجميع المحامد التي يملكها سبحانه ويستحقها وحده لا شريك له . كيف لا يكون كذلك وقولها يملأ الميزان كما تملأ ما بين السموات والأرض مع سبحان الله ، وقولها صدقا وحقا يعتبر أكثر من ذكرك أيها المطيع الليل والنّار ، وقد جاء في فضل الحمد لله أحاديث كثيرة منها : ما في صحيح مسلم (223) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)). ومنها ما في صحيح الجامع ( 2615- 1206 ) (( ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار؟ تقول : الحمد لله عدد ما خلق ؛ الحمد لله ملء ما خلق ؛ الحمد لله عدد ما في السموات وما في الأرض ؛ الحمد لله عدد ما أحصى كتابه ؛ والحمد لله على ما أحصى كتابه والحمد لله عدد كل شيء؛ والحمد لله ملء كل شيء ؛ وتسبح الله مثلهن تَعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك)). قال العلامة الألباني (صحيح) ... [طب] عن أبي أمامة. الترغيب (2/252). وفي التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (2/211) (827 ): عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ : ((مَاذَا تَقُولُ يَا أَبَا أُمَامَةَ؟ )) قَالَ: أَذْكُرُ رَبِّي قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِكَ اللَّيْلَ مَعَ النَّهَارِ وَالنَّهَارَ مَعَ اللَّيْلِ؟ أَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِلْءَ مَا خَلَقَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِلْءَ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ وَسُبْحَانَ اللَّهِ مِلْءَ كُلِّ شَيْءٍ وَتَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذلك)قال الشيخ الألباني - رحمه الله - : حسن صحيح ـ ((التعليق الرغيب)) (2/ 252 ـ 253). والصحيحة (2578). وفي مسند الإمام أحمد – رحمه الله - ( 22144) عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ حَدَّثَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : (( مَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ مَا خَلَقَ ؛ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ مَا أَحْصَى كِتَابُهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَدَدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَسُبْحَانَ اللهِ مِثْلَهَا فَأَعْظِمْ ذَلِكَ )) (قال محققه ) حديث صحيح. وهذه صيغة الحمد التي أنزل الله بها كتابه فقال في سورة الحمد { الحمد لله رب العالمين } قال ابن القيم في صيغ الحمد(1/23- وَقَوله تَعَالَى فِي حَمده لنَفسِهِ الَّذِي أَمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يحمده بِهِ {وَقل الْحَمد لله الَّذِي لم يتَّخذ ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَلم يكن لَهُ ولي من الذل وَكبره تَكْبِيرا} فَهَذَا حَمده الَّذِي أنزلهُ على عَبده ارْتَضَاهُ لنَفسِهِ وَأمر رَسُوله أَن يحمده بِهِ ، وَقَالَ تَعَالَى حامدا لنَفسِهِ :{ الْحَمد لله الَّذِي أنزل على عَبده الْكتاب وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا قيمًا لينذر بَأْسا شَدِيدا من لَدنه ويبشر الْمُؤمنِينَ الَّذِي يعْملُونَ الصَّالِحَات أَن لَهُم أجرا حسنا}. وَقَالَ : {قل الْحَمد لله وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى} وَقَالَ : { الْحَمد لله الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَله الْحَمد فِي الْآخِرَة وَهُوَ الْحَكِيم الْخَبِير} وَقَالَ : {الْحَمد لله فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع يزِيد فِي الْخلق مَا يَشَاء إِن الله على كل شَيْء قدير} وَقَالَ عَن أهل الْجنَّة {وَقَالُوا الْحَمد لله الَّذِي صدقنا وعده وأورثنا الأَرْض نتبوأ من الْجنَّة حَيْثُ نشَاء فَنعم أجر العاملين} وَقَالَ {الْحَمد لله الَّذِي أذهب عَنَّا الْحزن إِن رَبنَا لغَفُور شكور} فَهَذَا حَمده لنَفسِهِ الَّذِي أنزلهُ فِي كِتَابه وَعلمه لِعِبَادِهِ وَأخْبر عَن أهل جنته بِهِ وَهُوَ آكِد من كل حمد وَأفضل وأكمل كَيفَ يبر الْحَالِف فِي يَمِينه بالعدول إِلَى لفظ لم يحمد بِهِ نَفسه وَلَا ثَبت عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا عَن سَادَات العارفين من أمته. ب – حمدا لله ، أو أحمد لله : وهذه هي المرتبة الثانية لما اشتملت عليه من لام التمليك والاستحقاق ، ولكنها خالية من لام الاستغراق لجميع أنواع المحامد ، وكأن الحامد حمد الله وأثنى عليه بحمد معين يملكه الله ويستحقه وحده لا شريك له ، ولم يحمده بجميع أنواع المحامد .. قَالَ سُفْيَانُ الثوري : دَخَلْتُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: «إِذَا كَثُرَتْ هُمُومُكَ فَأَكْثِرْ مِنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَإِذَا اسْتَبْطَأْتَ الرِّزْقَ فَأَكْثِرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، وَإِذَا تَدَارَكَتْ عَلَيْكَ النِّعَمُ فَأَكْثِرْ حَمْدًا لِلَّهِ» الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك( 342) لابن شاهين. ت – أحمد الله ، أو حمدت الله : وهذه المرتبة الثالثة ، وهي ثناء العبد على ربه ثناء غير شامل لأنواع المحامد ولا مُعَين لبعضه ، وهذا يمكن أن يشترك معه غيره فيه ، فهل يصح أن يشرك معه غيره في ذلك ، هذا من ناحية الصيغة واللغة جائز لكن من ناحية الشرع فلا بد أن يكون على وجه الترتيب ب ( ثم )وإلا فلا يصح أن تقول حمدت الله وفلان بواو المعية . شرح النظم الحبير بتصرف . وفي صحيح الأدب المفرد (ث 866) عن أنس بن مالك رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ سَأَلَ عُمَرُ الرَّجُلَ، كَيْفَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ. فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا الَّذِي أَرَدْتُ منك.صحيح موقوفاً ، وثبت مرفوعاً ـ «الصحيحة» (2952) . فَالْحَمْد لله ، فالحمد لله ، أحمده بمحامده الَّتِي حمد بهَا نَفسه وحمده بهَا الَّذين اصْطفى من عباده حمدا طيبا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يحب رَبنَا ويرضى وَصل اللهم على سيدنَا مُحَمَّد النَّبِي الْأُمِّي وَآله وَصَحبه وَسلم. الهوامش: (1) أخرجه أحمد (5/395، 396) بإسناد منقطع من حديث حذيفة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلما يقول: اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله بيدك الخير كله إليك يرجع الأمر كله علانيته وسره فأهل أن تحمد، إنك على كل شيء قدير، اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني عملا زاكيا ترضى به عني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاك ملك أتاك يعلمك تحميد ربك". وقال الهيثمي في "المجمع" (10/96) : "رواه أحمد وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات". وأورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (2/428، 429) من حديث أنس بنحو القصة وقال : "رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الذكر" ولم يسم تابعيه". وقال الشيخ الألباني في الضعيفة (6850): ضعيف . (2) أخرجه مالك في الموطأ (39) والبخاري في "القراءة خلف الإمام" (71) و (79) ومسلم في كتاب الصلاة / باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (395) عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأحمد (7291).
  10. نقض كلام الشيخ السدلان في الشيخ ربيع الذي يشغب به غلاة المميعة وجفاة الحدادية وصاحب الحمامات الفتان (1)

    حفظ الله الشّيخ ربيعا المدخلي زنفع بعلمه الأمة ، ورحم الله الشيخ الصالح السدلان و غفر له و جعل الجنّة مثواه آمين.
  11. إتحاف أهل الاقتداء بفضائل وأحكام عاشوراء

    مستخدم 753 مشاركات تم النشر · تقديم بلاغ للفائدة بمناسبة حلول الشهر الحرام وفيه يوم عاشوراء
  12. جواب سؤال " كيف تعالج النفس من هذا الداء العضال"

    بسم الله الرحمن الرحيم قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/132): قال الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه ذم الوسواس: "الحمد لله الذي هدانا بنعمه، وشرفنا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم وبرسالته، ووفقنا للاقتداء به والتمسك بسنته، ومن علينا باتباعه الذي جعله علماً على محبته ومغفرته وسببا لكتابة رحمته وحصول هدايته ، فقال سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] ، وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ} إلى قوله: {الّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النّبيَ الأمِّيَ} [الأعراف: 156-157] ثم قال: {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النبي الأُمِّيَ الّذِي يُؤْمِنْ بِاللهِ وَكِلمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] . أما بعد: فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوا للإنسان، يقعد له الصراط المستقيم، ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: {لأقْعُدَنّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيمْاَنهم وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16-17] . وحذرناً الله عز وجل من متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال سبحانه: {إِنّ الشّيْطَانَ لَكُمْ عَدُو فَاتّخِذُوهُ عَدُوا} [فاطر: 6]. وقال: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنّكُم الشّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أبَوَيْكُمْ مِنَ الجنَّةِ} [الأعراف: 27]. وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرا لنا من طاعته، وقطعاً للعذر في متابعته، وأمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع صراطه المستقيم ونهانا عن اتباع السبل، فقال سبحانه:{وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مستقيماً فَاتبِعُوهُ وَلا تَتّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] . وسبيل الله وصراطه المستقيم هو الذي كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وصحابته بدليل قوله عز وجل: {يس وَالْقُرْآنِ الْحكِيمِ إِنّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [يس: 1- 4] وقال: {وَإِنّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمً} [الحج: 67] وقال: {إِنّكَ لَتهْدِى إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] ، فمن اتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله أو فعله فهو مبتدع متبع لسبيل الشيطان غير داخل فيمن وعد الله بالجنة والمغفرة والإحسان" . تمهيد : لقد جاءني سؤال من أخٍ حامل لكتاب الله ، ومعلم للقرآن الكريم يشكو فيه مرضا عضالا وبلاء وبالا ، وهو الوسواس القهري ، وقد ذكرني هذا بعدة حالات مرت بي من بعض الناس الذين يصيبهم هذا الداء ، ومنهم شيخ كبير بلغ من العمر عتيا كان كلما خرجت من المسجد اعترضني يشكو حاله ويبكي نفسه التي كادت أن تخرجه من رحمة الله ، وأن يترك الصلاة والاستقامة على طاعة الله ، وقد وقفت معه مدة سنتين تقريبا وأنا أساعده ، وأرشده ، وآخذ بيده إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة ، وأحثه على الجماعة وترك العزلة ، وملء الفراغ الذي يعيشه ، والحمد لله رب العالمين فقد استجاب لذلك ومنّ الله عليه بالشفاء والعافية بثقته بالله وتمسكه القوي بطريقة العلاج التي كنت أحثه عليها ..والشافي هو الله سبحانه وتعالى . ولكن الغريب في سؤال هذا الأخ هو أنه وقع في حب شخص آخر حبا أعمى لا يستطيع أن يخالف له رأي ، ولا أن يفارقه ؛ بل إلى درجه أنه أصبح يعشقه ويقدم رضاه على رضا والديه ومن ثم على رضا الله تعالى نعوذ بالله من العشق كما قال ابن عباس رضي الله عنهما. وقبل أن أبين الطريق الأنجع والأنفع للعلاج له ولغيره ممن ابتلي أو ربما يبتلي به البعض أعرف الوسواس، وأعرج على الأسباب التي ينتج عنها هذا المرض الخطير والداء العضال الذي فتك بكثير من النّاس حتى أخرج بعضهم من - رحمة الله- إلى اليأس والقنوط ، والانتحار ، وبعضهم إلى الإفراط والتفريط ، والجفاء والغلو وأبعدهم من القصد والاقتصاد والوسطية والاعتدال في حياتهم الدينية والدنيوية ، والله هو العاصم وإليه المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله . تعريف الوسواس : الوَسْوَسةُ والوَسْواسُ الصوتُ الخَفِيُّ مِنْ رِيحٍ والوَسْواسُ صَوْتُ الحَلْيِ ، وقد وَسْوَسَ وَسْوَسةً ووِسْواساً بالكَسْرِ والوَسْوَسَةُ والوِسْوَاسُ حَدِيث النَّفْس وقد وَسْوَسَ في صَدْرِه ووَسْوَسَ إليه .. والوَسْوَاسُ الشَّيْطانُ وقوله تعالى {من شر الوسواس} أراد ذِي الوَسْواس وفلانٌ المُوَسْوِس بالكَسْر الذي يَعْتَرِيه الوَسْواس ، ووَسْوَسَ الرَّجُلَ كَلَّمَه كَلاَماً خَفِيّا. المحكم والمحيط الأعظم (8/539) والعين (7/335). قال القاضي عياض مشارق الأنوار على صحاح الآثار(2/296) (وس وس) قَوْله : وَمَا وسوست بِهِ أَنْفسهَا ، وَذكر الوسواس والوسوسة هُوَ مَا يلقيه الشَّيْطَان فِي الْقلب ، وَهُوَ الوسواس أَيْضا والشيطان وسواس .. وَأَصله الْحَرَكَة الْخفية ووسواس الْحَيّ صَوت حركته ، وَمَا وسوست بِهِ أَنْفسهَا أَي حدثتها بِهِ وألقته خواطرها إِلَيْهَا بِالرَّفْع . وَعند الْأصيلِيّ بِالنّصب وَله وَجه يكون وسوست بِمَعْنى حدثت وَرجلٌ موسوس إِذا غلب ذَلِك عَلَيْهِ بِكَسْر الْوَاو وَلَا يُقَال بِفَتْحِهَا. (وس س) : (الْوَسْوَسَةُ) الصَّوْتُ الْخَفِيُّ وَمِنْهَا (وَسْوَاسُ الْحَلْيِ) لِأَصْوَاتِهَا وَيُقَالُ (وَسْوَسَ الرَّجُلُ) بِلَفْظِ مَا سُمِّيَ فَاعِلُهُ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيٍّ يُكَرِّرُهُ ، وَهُوَ فَعْلٌ لَازِمٌ كَوَلْوَلَتْ الْمَرْأَةُ وَوَعْوَعَ الذِّئْبُ (وَرَجُلٌ مُوَسْوِسٌ) بِالْكَسْرِ، وَلَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ ، وَلَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ أَوْ إلَيْهِ أَيْ تُلْقَى إلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ . وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (الْوَسْوَسَةُ) حَدِيثُ النَّفْسِ وَإِنَّمَا قِيلَ (مُوَسْوِسٌ) لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ . (وَعَنْ) اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ قَالَ يَعْنِي الْمَغْلُوبَ أَيْ الْمَغْلُوبَ فَيَعْقِلُهُ إذَا تَكَلَّمَ ؛ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ نِظَامٍ . (وَالْوَسْوَاسُ) اسْمٌ بِمَعْنَى الْوَسْوَسَةِ كَالزَّلْزَالِ بِمَعْنَى الزَّلْزَلَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْطَانُ فِي قَوْله تَعَالَى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ} [الناس: 4] كَأَنَّهُ وَسْوَسَةٌ فِي نَفْسِهِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ « إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ» فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْوَسْوَسَةُ الَّتِي تَقَعُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَأَنْ يُرَادَ الْوَلْهَانُ نَفْسُهُ عَلَى وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ.المغرب في ترتيب المعرب (1/484) ولسان العرب (6/255). قلت : قال الترمذي بعدما أخرجه : وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مغفل قال أبو عيسى حديث أبي بن كعب حديث غريب وليس إسناده بالقوي عند أهل الحديث ؛ لأنا لا نعلم أحدا أسنده غير خارجة ، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن ، ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا وضعفه ابن المبارك. قال الألباني: ضعيف جدا، ابن ماجة (421) ، المشكاة (419) ، ضعيف الجامع الصغير (1970) ، ضعيف سنن ابن ماجة (94) . (وس وس) : الْوَسْوَاسُ بِالْفَتْحِ اسْمٌ مِنْ وَسْوَسَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ إذَا حَدَّثَتْهُ وَبِالْكَسْرِ مَصْدَرٌ وَوَسْوَسَ مُتَعَدٍّ بإلى ، وقَوْله تَعَالَى {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} [الأعراف: 20] اللَّامُ بِمَعْنَى إلَى فَإِنْ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ مُوَسْوَسٌ إلَيْهِ مِثْلُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، وَالْوَسْوَاسُ بِالْفَتْحِ مَرَضٌ يَحْدُثُ مِنْ غَلَبَةِ السَّوْدَاءِ يَخْتَلِطُ مَعَهُ الذِّهْنُ وَيُقَالُ لِمَا يَخْطُرُ بِالْقَلْبِ مِنْ شَرٍّ وَلِمَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَسْوَاسٌ. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير(2/658). والوسواسُ حالةُ اضطراب تُعرف اليوم بالاسم نفسه، وإن كان يُزاد فيها لدى المشتغلين بعلم النفس، وصف القهرى فيقال : الوسواس القهرى. منبع الوسواس ، الشيطان والنفس : فقد بينا الله تعالى في كتابه أنه أخذ على نفسه العهد أن يترك أبينا آدم وذريته دون وسوسة وكيد ومكر لذلك أمرنا الله أن نتخذه عدوا لأنه أعلن عداوته لنا . قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ }(169) البقرة . قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }(208)البقرة قال تعالى :{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (6) فاطر قال تعالى :{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ }(62)ياسين وقال تعالى :{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا...} (20) الأعراف . وقال تعالى :{ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} (120) طه . ولما كان الشيطان عدو مبين ، لا يقبل مصانعة ولا معروفا ولا إحسانا أمرنا الله أن نتعوذ به منه لأنه لا يصده ولا يدحره إلا التعوذ بالله وذكره سبحانه . قال ابن القيم – رحمه الله - ولا ريب أن الشيطان هو الداعي إلى الوسواس: فأهله قد أطاعوا الشيطان، ولبوا دعوته، واتبعوا أمره ورغبوا عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وطريقته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو اغتسل كاغتساله، لم يطهر ولم يرتفع حدثه، ولولا العذر بالجهل لكان هذا مشاقة للرسول.. فقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يتوضأ بالمد، وهو قريب من ثلث رطل بالدمشقي، ويغتسل بالصاع وهو نحو رطل وثلث، والموسوس يرى أن ذلك القدر لا يكفيه لغسل يديه، وصح عنه عليه السلام أنه توضأ مرة مرة، ولم يزد على ثلاث، بل أخبر أن: (( مَنْ زَادَ عَلَيْهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ)). فالموسوس مسيء متعد ظالم بشهادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به متعدّ فيه لحدوده؟، قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/ 134 -135):قلت: ذكر أبو الفرج بن الجوزي عن أبى الوفاء بن عقيل: "أن رجلاً قال له: أنغمس في الماء مرارا كثيرة وأشك: هل صح لي الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة. قال: وكيف؟ قال: لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنّائمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَالصَّبيِ حَتّى يَبْلُغَ)). ومن ينغمس في الماء مرارا ويشك هل أصابه الماء أم لا، فهو مجنون". وبلغني عن آخر أنه كان شديد التنطع في التلفظ بالنية والتقعر في ذلك، فاشتد به التنطع والتقعر يوماً إلى أن قال: أصلى، أصلي، مرارا، صلاة كذا وكذا. وأراد أن يقول: أداء، فأعجم الدال، وقال: أذاء لله. فقطع الصلاة رجل إلى جانبه، فقال: ولرسوله وملائكته وجماعة المصلين. ومن كيده الذي بلغ به من الجهال ما بلغ : الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم عن اتباع سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفى حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه. أسباب الوسواس : 1 - البعد عن الله حقيقة : إن البعد عن الله ، وعن توحيده ومحبته والتوكل عليه ، والاستعانة والاستغاثة به ، والرهبة والرغبة إليه والتضرع والإلحاح في الدعاء ، وعدم القيام بالواجبات على مراد الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كل ذلك يجلب الوحش والقلق ، والاضطرابات النفسية والعقلية ن والهم والغم والضيق وغير ذلك من الأمراض التي يدخل منها الشيطان ليغزو النفس ويقهرها حتى يخرجها من رحمة الله تعالى ، إلى اليأس والقنوط ومن ثم إلى الانتحار ، والجنون والعزلة والوحدة وغير ذلك . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) أخرجه البخاري (7537)، ومسلم(20/ 2067). أنظر- أيها الموفق - هذا الحديث القدسي العظيم ، وتعمن فيه جيدا نتيجة التقرب ، والقرب من الله أن يجعل الله تعالى هذا القريب المتقرب من أوليائه الذين يعلن الحرب على من عاداهم ، وأن الله يعطيهم إذا سألوه ويعيذهم إذا استعاذوا به وحده ، ويكره مساءتهم ، سبحانه من إله عظيم ، لا إله إلا أنت سبحانك ما أعظمك وما أحلمك !!! قال ابن القيم في كتابه طريق الهجرتين ( 1/321)والوسواس إنما ينشأُ من الغيبة والبعد، وأما الحاضر المشاهد فماله وللوسواس؟ فالموسوس يجاهد نفسه وقلبه ليحضر بين يدى معبوده، والمحب لم يغب قلبه عن محبوبه فيجاهده على إحضاره، فالوسواس والمحبة متنافيان، ومن وجه آخر أن (( المحب قد انقطعت عن قلبه وساوس الأطماع لامتلأ قلبه من)) محبة حبيبه فلا تتوارد على قلبه جواذب الأطماع والأماني لاشتغاله بما هو فيه. وأيضاً فإن الوسواس والأماني إنما تنشأُ من حاجته وفاقته إلى ما تعلق طمعه به. وهذا عبد قد جنى من الإحسان، وأُعطى من النعم ما سد حاجته وأغنى فاقته، فلم يبق له طمع ولا وسواس، بل بقي حبه للمنعم عليه وشكره له وذكره إياه في محل وساوسه وخواطره لمطالعة نعم الله عليه، وشهوده منها ما لم يشهد غيره. 2 - الأفراط والتفريط ، وبعبارة أخرى الجفاء أو الغلو . إن الغلو والجفاء هما سبب هلاك كثير من الإنس والجن ، فما أمر الله تعالى عباده بأمر إلا تدخل الشيطان فيه من هذين السبيلين المنحرفين المعوجين . قال ابن القيم في إغاثة اللهفان (1/116)قال بعض السلف: "ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان : إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلوّ. ولا يبالى بأيهما ظفر". وقد اقتطع أكثر الناس إلا أقل القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي. ( أي الجفاء ، والغلو ) والقليل منهم جدا الثابت على الصراط الذي كان عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه. فقوم قصر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحد. وقوم قصر بهم عن إخراج الواجب من المال، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما في أيديهم وقعدوا كَلا على الناس، مستشرفين إلى ما بأيديهم. وقوم قصر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة فأضروا بقلوبهم وأبدانهم. وكذلك قصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم. وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات، كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام. وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفور أو شاة ليأكله، وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على الدماء المعصومة. وكذلك قصر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به. وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص. وقصر بآخرين حتى زين لهم ترك سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من النكاح فرغبوا عنه بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام. وقصر بقوم حتى جفوا الشيوخ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم، ولم يقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى. وكذلك قصر بقوم حتى منعهم قبول أقوال أهل العلم والالتفات إليها بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه والحرام ما حرموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصحيحة الصريحة. إلى أن قال – رحمه الله - : وقصر بقوم حتى تزينوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يسقطون به جاههم عندهم، وسموا أنفسهم الملامية. وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها وعدوها فضلا، أو فضولا، وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعملهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف لا يسقط وارده لورده. وهذا باب واسع جداً لو تتبعناه لبلغ مبلغا كثيراً، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة. 4 - الفراغ والغفلة والإعراض عن أسباب الدفع والمراقبة للعدو الموسوس واللص الخفي والانشغال عنه بما يسد عليه هذه الأبواب ، وَهَلِ الْوَسْوَاسُ إِلَّا لِأَهْلِ الْغَفْلَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى والفراغ ؟ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ " البخاري (6412)،والترمذي (2304) وابن ماجه (4170). قال الماوردي في أدب الدنيا والدين(1/55) بعد ذكره لهذا الحديث : ((ونحن نستعيذ بالله من أن نغبن بفضل نعمته علينا، ونجهل نفع إحسانه إلينا. وقد قيل في منثور الحكم: من الفراغ تكون الصبوة. وقال بعض البلغاء: من أمضى يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله أو حمد حصله، أو خير أسسه أو علم اقتبسه، فقد عق يومه وظلم نفسه. وقال بعض الشعراء: لقد أهاج الفراغ عليك شغلا ... وأسباب البلاء من الفراغ . انتهى كلامه . وَلِلْحَاكِمِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: (( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ, وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ, وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ, وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ, وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)) صحيح الجامع (1077) وصحيح الترغيب 3355). وَقَالَ الْقَائِل: إِن فِي الْمَوْت والمعاد لشغلا ... وادكارا لذِي النهى وبلاغا فاغتنم نعمتين قبل المنايا ... صِحَة الْجِسْم يَا أخي والفراغا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنِّي أَكْرَهُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ يَمْشِي سَبَهْلَلًا أَيْ: لَا فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا فِي أَمْرِ آخِرَةٍ. وَرَأَيْت أَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَى فِي الزُّهْدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: إنِّي لَأَبْغَضُ الرَّجُلَ فَارِغًا لَا فِي عَمَلِ دُنْيَا وَلَا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ – فَمَنْ هَجَرَ اللَّذَّاتِ نَالَ الْمُنَى ... وَمَنْ أَكَبَّ عَلَى اللَّذَّاتِ عَضَّ عَلَى الْيَدِ وَفِي قَمْعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ اعْتِزَازُهَا ... وَفِي نَيْلِهَا مَا تَشْتَهِي ذُلُّ سَرْمَدِ وَلَا تَشْتَغِلْ إلَّا بِمَا يُكْسِبُ الْعُلَا ... وَلَا تُرْضِ النَّفْسَ النَّفِيسَةَ بِالرَّدِي وَفِي خَلْوَةِ الْإِنْسَانِ بِالْعِلْمِ أُنْسُهُ ... وَيَسْلَمُ دِينُ الْمَرْءِ عِنْدَ التَّوَحُّدِ وَيَسْلَمُ مِنْ قِيلٍ وَقَالَ وَمِنْ أَذَى ... جَلِيسٍ وَمِنْ وَاشٍ بَغِيضٍ وَحُسَّدِ فَكُنْ حِلْسَ بَيْتٍ فَهْوَ سِتْرٌ لِعَوْرَةٍ ... وَحِرْزُ الْفَتَى عَنْ كُلِّ غَاوٍ وَمُفْسِدِ وَخَيْرُ جَلِيسِ الْمَرْءِ كُتْبٌ تُفِيدُهُ ... عُلُومًا وَآدَابًا وَعَقْلًا مُؤَيِّدِ وَخَالِطْ إذَا خَالَطْت كُلَّ مُوَفَّقٍ ... مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ التُّقَى وَالتَّسَدُّدِ يُفِيدُك مِنْ عِلْمٍ وَيَنْهَاكَ عَنْ هَوًى ... فَصَاحِبْهُ تُهْدَ مِنْ هُدَاهُ وَتَرْشُدْ وَإِيَّاكَ وَالْهَمَّازَ إنْ قُمْت عَنْهُ وَاَلْ ... بَذِيِّ فَإِنَّ الْمَرْءَ بِالْمَرْءِ يَقْتَدِي وَلَا تَصْحَبْ الْحَمْقَى فَذُو الْجَهْلِ إنْ يَرُمْ ... صَلَاحًا لِشَيْءٍ يَا أَخَا الْحَزْمِ يُفْسِدْ وَخَيْرُ مَقَامٍ قُمْت فِيهِ وَخَصْلَةٍ ... تَحَلَّيْتَهَا ذِكْرُ الْإِلَهِ بِمَسْجِدِ وَكُفَّ عَنْ الْعَوْرَا لِسَانَك وَلْيَكُنْ ... دَوَامًا بِذِكْرِ اللَّهِ يَا صَاحِبِي نَدِي وَحَصِّنْ عَنْ الْفَحْشَا الْجَوَارِحَ كُلَّهَا ... تَكُنْ لَك فِي يَوْمِ الْجَزَا خَيْرَ شَاهِدِ وَوَاظِبْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ... يُلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِيًا مِثْلَ جَلْمَدِ وَحَافِظْ عَلَى فِعْلِ الْفُرُوضِ لِوَقْتِهَا ... وَخُذْ بِنَصِيبٍ فِي الدُّجَى مِنْ تَهَجُّدِ وَنَادِ إذَا مَا قُمْت فِي اللَّيْلِ سَامِعًا ... قَرِيبًا مُجِيبًا بِالْفَوَاصِلِ يَبْتَدِي وَمُدَّ إلَيْهِ كَفَّ فَقْرِك ضَارِعًا ... بِقَلْبٍ مُنِيبٍ وَادْعُ تُعْطَ وَتَسْعَدْ وَلَا تَسْأَمَنَّ الْعِلْمَ وَاسْهَرْ لِنَيْلِهِ ... بِلَا ضَجَرٍ تَحْمَدْ سُرَى السَّيْرِ فِي غَدِ وَكُنْ صَابِرًا لِلْفَقْرِ وَادَّرِعْ الرِّضَى ... بِمَا قَدَّرَ الرَّحْمَنُ وَاشْكُرْهُ وَاحْمَدْ فَمَا الْعِزُّ إلَّا فِي الْقَنَاعَةِ وَالرِّضَى ... بِأَدْنَى كَفَافٍ حَاصِلٍ وَالتَّزَهُّدِ فَمَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ الْكَفَافُ فَمَا إلَى ... رِضَاهُ سَبِيلٌ فَاقْتَنِعْ وَتَقَصَّدْ الآداب الشرعية والمنح المرعية (3/588- 591). 5- مرض عضوي : يعني ربما يكون مرض عضوي بغلبة السوداء والاضطرابات النفسية التي تحدثها الحوادث والمصائب ، والتركيبة النفسية للعبد ، كما يقول بعض الأطباء . وقد رأيت في المصباح المنير في غريب الشرح الكبير(2/658). أنه قال : وَالْوَسْوَاسُ بِالْفَتْحِ مَرَضٌ يَحْدُثُ مِنْ غَلَبَةِ السَّوْدَاءِ يَخْتَلِطُ مَعَهُ الذِّهْنُ وَيُقَالُ لِمَا يَخْطُرُ بِالْقَلْبِ مِنْ شَرٍّ وَلِمَا لَا خَيْرَ فِيهِ وَسْوَاسٌ. والوسواسُ حالةُ اضطراب تُعرف اليوم بالاسم نفسه، وإن كان يُزاد فيها لدى المشتغلين بعلم النفس، وصف القهرى فيقال : الوسواس القهرى. وهذا ما عليه كثير من الأطباء القدماء والمعاصرين ومن القدماء بو قراط وابن سينا وغيرهما ، وهذا علاجه يكون عضويا بأن يعرض نفسه على طبيب نفساني ، ولا يهمل الطب الأصلي ، وهو الاستشفاء بالقرآن والسنة والاستقامة على دين الله تعالى لفظا ومعنى . وإليك الآن الدواء والعلاج النافع بإذن الله تعالى – إن تمسكت به ، وإلتزمته فإنك بإذن الله تعالى تخرج من دوامة الإعصار كما تخرج الشعرة من العجين ، وتجد نفسك معافى مطمئنا لا تبالي بعدوك في أي واد هلك . 1 – علق قلبك بالله واملأه بحبه تعالى حتى لا تجد لغيره فيه مكان ، فإن هذا القلب الذي تعلق بالله في السراء والضراء في الضيق والوسع وامتلأ بمحبة الله تعظيما وخضوعا ، وزين بالإيمان ونور بذكر الله لا يستطع الشيطان أن يقترب منه . قال ابن القيم في الوابل الصيب (1/24) (القلب الثالث) قلب محشو بالإيمان قد استنار بنور الإيمان، وانقشعت عنه حجب الشهوات، وأقلعت عنه تلك الظلمات، فلنوره في صدره إشراق، ولذلك الإشراق إيقاد لو دنا منه الوسواس احترق به، فهو كالسماء التي حرست بالنجوم فلو دنا منها الشيطان يتخطاها رجم فاحترق. وليست السماء بأعظم حرمة من المؤمن، وحراسة الله تعالى له أتم من حراسة السماء، والسماء متعبد الملائكة ومستقر الوحي وفيها أنوار الطاعات، وقلب المؤمن مستقر التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان وفيه أنوارها، فهو حقيق أن يحرس ويحفظ من كيد العدو فلا ينال منه شيئاً. 2 – الاستغاثة بالله وحده ، ودعاؤه دعاء المضطرين ، فهو غوث المستغيثين ، وهو ملاذ المضطرين ، قال تعالى : {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ }(62)النمل . قال العلامة السعدي : أي: هل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب ((والوساوس والذنوب )) وتعسر عليه المطلوب ، واضطر للخلاص مما هو فيه (( من الغم والهم )) إلا الله وحده؟ ومن يكشف السوء أي: البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟ انتهى بتصرف يسير . فالله سبحانه يجيب المضطر وغير المضطر ، ولكن إجابته للمضطر المتضرع القانت الخاشع أولى وأسرع ؛ لأنه قوي التعلق بربه الكبير المتعال . قال تعالى :{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (10)الأنفال . متى كانت الإجابة ؟ الجواب في الحين . 3 – كثرة الاستعاذة بالله والتعوذ به سبحانه من الشيطان الرجيم ومن همزه ونفخه ، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} وقوله: {أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} وقوله: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}. ولكن الاستعاذة ليست خاصة بقراءة القرآن ، فمواطنها كثيرة ، وتتأكد في الصلاة وقراءة القرآن . وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عثمان بن أبى العاص قال: قلت: (( يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّ الشيطان قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلاتِي يُلَبِّسُهَا عَلَىَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى علَيْهِ وَسلّم: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَاركَ ثَلاثاً، فَفَعَلْتُ ذلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللهُ تَعَالَى عَنِّى)). فأهل الوسواس قرة عين خنزب وأصحابه، نعوذ بالله عز وجل منه. قلت : وهذا من أنفع الأدوية والعلاجات ، فإذا أحس العبد بشيء من ذلك فليتعوذ بالله من الشيطان وليعلم يقينا أنه إن تعوذ أن عدو يصغر ويدحر فيسلم من كيده ومكره في وسوسته .راجع إغاثة اللهفان والطب النبوي . 4 – ذكر الله تعالى . وهو الحصن الحصين ومن أنفع العلاج فلا يزال لسانك رطبا بذكر : قال ابن القيم في الوابل الصيب (1/36) ذكر الله وفوائده : وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « وأمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله» . فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى ، وأن لا يزال لهجاً بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه. وإذا ذكر الله تعالى خنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تعالى خنس أي كف وأنقبض، قال ابن عباس: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس". وفي مسند الأمام أحمد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة أنه بلغه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ما عمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله عز وجل». وقال معاذ: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله.قال ذكر الله عز وجل» وقد مثل ذلك بمثال حسن وهو ثلاثة بيوت: 1- بيت للملك فيه كنوزه وذخائره وجواهره. 2 - وبيت للعبد فيه كنوز العبد وذخائره، وليس جواهر الملك وذخائره. 3 - وبيت خال صفر لا شيء فيه. فجاء اللص يسرق من أحد البيوت فمن أيها يسرق؟ فإن قلت من البيت الخالي كان محالاً لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يُسرق، ولهذا قيل لابن عباس رضي الله عنهما: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب؟ وإن قلت: يسرق من بيت الملك كان ذلك كالمستحيل الممتنع، فإن عليه من الحرس واليزك وما لا يستطيع اللص الدنو منه، كيف وحارسه الملك بنفسه؟ وكيف يستطيع اللص الدنو منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟ فلم يبق للص إلا البيت الثالث فهو الذي يشن عليه الغارات. فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل ولينزله على القلوب فإنها على منواله. ولي مقال منشور على بعض شبكات التواصل الاجتماعي بعنوان الحصين الحسين فراجعه فإنه مفيد . 5 – الثبات على ما نويته وابتدأت فيه على حالة واحدة : امض على حالة واحدة واثبت عليها ، واحذر من وسوسته بالزيادة عليها وعدم الرضا بها ربما صورها لك قليلة أو خاطئة أو غير مقبولة ، فاثبت على ما نويته ابتداء على سنة النبي – صلى الله عليه وسلم - وآثار الصحابة ، ولا تلتفت إلى ما يوسوس لك به ، ولا تستجيب له ، ولا تسترسل معه بل أثبت على تلك الحالة متيقنا أنها الحق ما دمت تقوم بها على السنة والمباح ، ولا تتركه يفتح عليك باب الزيادة وعدم الإخلاص وعدم القبول و..و..من الشكوك وبنيات الطريق . 6 – معاكسته : فإذا ضعفت أمامه وانفتح عليك الباب فعاكسه ما دمت ابتدأت عملك على الإخلاص و السنة .. فمثلا يقول لك : لم تتوضأ ثلاثا ، ثلاثا ، فقل له ، تكفي الواحدة ، فإن قال لك لم تتوضأ واحدة ولم تغسل اليدين واحدة ، فقل له العضو لم يجف بعد، وأنت ما لك ولهذا ، لم ترسل عليا رقيبا ، فإن قال صلاتك غير مقبولة ؟ قل له اطلعت الغيب أم اتخذت عند الرحمن عهدا ، قال هي غير صحيحه قل له لست بأعلم مني في عملي ؛ بل هي صحيحه وقد علمتك تريد إفسادها علي، وأنا أمرت فامتثلت ، وأمّا أنت فعصيت ، وأعوذ بالله منك .. 7 – إياك والفراغ والغفلة : املأ فراغك ، وإياك والغفلة ، فالفرغ ، والغفلة مرضان قاتلان ، والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالباطل والمعصية فإن لم تقو على إيقاعك في المعصية شغلتك بفضول الكلام والسمع والنظر والأكل والنوم وغير ذلك من الأبواب التي تؤدي بالمدمن عليها إلى التساهل والدخول في المعاصي .. وقد ذكرت لك ما في الفراغ والغفلة في أسباب الوسواس . 8 – قطع علاقتك بذلك الصديق الذي تحبه إلى درجة العشق ... ينبغي عليك أن تقطع علاقتك بمن تحبه حبا أعمى أو تعشقه فهذا أضراره كثيره يعددها ابن القيم في كتابهالجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء (1/214) فيقول : أَضْرَارُ الْعِشْقِ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي عِشْقِ الصُّوَرِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ، بَلْ مَفْسَدَتُهُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا يُقَدَّرُ فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: الِاشْتِغَالُ بِحُبِّ الْمَخْلُوقِ وَذِكْرِهِ عَنْ حُبِّ الرَّبِّ تَعَالَى وَذِكْرِهِ، فَلَا يَجْتَمِعُ فِي الْقَلْبِ هَذَا وَهَذَا إِلَّا وَيَقْهَرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَيَكُونُ السُّلْطَانُ وَالْغَلَبَةُ لَهُ. الثَّانِي: عَذَابُ قَلْبِهِ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ عُذِّبَ بِهِ وَلَا بُدَّ، كَمَا قِيلَ: فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْ مُحِبٍّ ... وَإِنْ وَجَدَ الْهَوَى حُلْوَ الْمَذَاقِ تَرَاهُ بَاكِيًا فِي كُلٍّ حِينٍ ... مَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لِاشْتِيَاقِ فَيَبْكِي إِنْ نَأَوْا شَوْقًا إِلَيْهِمْ ... وَيَبْكِي إِنْ دَنَوْا خَوْفَ الْفِرَاقِ فَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ الْفِرَاقِ ... وَتَسْخَنُ عَيْنُهُ عِنْدَ التَّلَاقِي وَالْعِشْقُ وَإِنِ اسْتَلَذَّ بِهِ صَاحِبُهُ، فَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ عَذَابِ الْقَلْبِ. الثَّالِثُ: أَنَّ قَلْبَهُ أَسِيرُ قَبْضَةِ غَيْرِهِ يَسُومُهُ الْهَوَانَ، وَلَكِنْ لِسَكْرَتِهِ لَا يَشْعُرُ بِمُصَابِهِ، فَقَلْبُهُ كَعُصْفُورَةٍ فِي كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُهَا حِيَاضَ الرَّدَى، وَالطِّفْلُ يَلْهُو وَيَلْعَبُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: مَلَكْتَ فُؤَادِي بِالْقَطِيعَةِ وَالْجَفَا ... وَأَنْتَ خَلِيُّ الْبَالِ تَلْهُو وَتَلْعَبُ فَعَيْشُ الْعَاشِقِ عَيْشُ الْأَسِيرِ الْمُوثَقِ، وَعَيْشُ الْخَلِيِّ عَيْشُ الْمُسَيَّبِ الْمُطْلَقِ. طَلِيقٌ بِرَأْيِ الْعَيْنِ وَهْوَ أَسِيرُ ... عَلِيلٌ عَلَى قُطْبِ الْهَلَاكِ يَدُورُ وَمَيِّتٌ يُرَى فِي صُورَةِ الْحَيِّ غَادِيَا ... وَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ أَخُو غَمَرَاتٍ ضَاعَ فِيهِنَّ قَلْبُهُ ... فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْمَمَاتِ حُضُورُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَضَيْعُ لِمَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ عِشْقِ الصُّوَرِ، أَمَّا مَصَالِحُ الدِّينِ فَإِنَّهَا مَنُوطَةٌ بِلَمِّ شَعَثِ الْقَلْبِ وَإِقْبَالِهِ عَلَى اللَّهِ، وَعِشْقُ الصُّوَرِ أَعْظَمُ شَيْءٍ تَشْعِيثًا وَتَشْتِيتًا لَهُ. وَأَمَّا مَصَالِحُ الدُّنْيَا فَهِيَ تَابِعَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَصَالِحِ الدِّينِ، فَمَنِ انْفَرَطَتْ عَلَيْهِ مَصَالِحُ دِينِهِ وَضَاعَتْ عَلَيْهِ، فَمَصَالِحُ دُنْيَاهُ أَضْيَعُ وَأَضْيَعُ. الْخَامِسُ: أَنَّ آفَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَسْرَعُ إِلَى عُشَّاقِ الصُّوَرِ مِنَ النَّارِ فِي يَابِسِ الْحَطَبِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقَلْبَ كُلَّمَا قَرُبَ مِنَ الْعِشْقِ وَقَوِيَ اتِّصَالُهُ بِهِ بَعُدَ مِنَ اللَّهِ، فَأَبْعَدُ الْقُلُوبِ مِنَ اللَّهِ قُلُوبُ عُشَّاقِ الصُّوَرِ، وَإِذَا بَعُدَ الْقَلْبُ مِنَ اللَّهِ طَرَقَتْهُ الْآفَاتُ، وَتَوَلَّاهُ الشَّيْطَانُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهِ لَمْ يَدَعْ أَذًى يُمْكِنُهُ إِيصَالُهُ إِلَيْهِ إِلَّا أَوْصَلَهُ، فَمَا الظَّنُّ بِقَلْبٍ تَمَكَّنَ مِنْهُ عَدُّوهُ وَأَحْرَصُ الْخَلْقِ عَلَى غَيِّهِ وَفَسَادِهِ، وَبَعُدَ مِنْهُ وَلِيُّهُ، وَمَنْ لَا سَعَادَةَ لَهُ وَلَا فَرَحَ وَلَا سُرُورَ إِلَّا بِقُرْبِهِ وَوِلَايَتِهِ؟ السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْقَلْبِ وَاسْتَحْكَمَ وَقَوِيَ سُلْطَانُهُ، أَفْسَدَ الذِّهْنَ، وَأَحْدَثَ الْوَسْوَاسَ، وَرُبَّمَا أَلْحَقَ صَاحِبَهُ بِالْمَجَانِينِ الَّذِينَ فَسَدَتْ عُقُولُهُمْ فَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا. وَأَخْبَارُ الْعُشَّاقِ فِي ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا، بَلْ بَعْضُهَا مَشَاهَدٌ بِالْعِيَانِ، وَأَشْرَفُ مَا فِي الْإِنْسَانِ عَقْلُهُ، وَبِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، فَإِذَا عُدِمَ عَقْلَهُ الْتَحَقَ بِالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ حَالُ الْحَيَوَانِ أَصْلَحَ مِنْ حَالِهِ، وَهَلْ أَذْهَبَ عَقْلَ مَجْنُونِ لَيْلَى وَأَضْرَابِهِ إِلَّا ذَلِكَ؟ وَرُبَّمَا زَادَ جُنُونُهُ عَلَى جُنُونِ غَيْرِهِ كَمَا قِيلَ: قَالُوا جُنِنْتَ بِمَنْ تَهْوَى فَقُلْتُ لَهُمْ ... الْعِشْقُ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ الْعِشْقُ لَا يَسْتَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ ... وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ السَّابِعُ: أَنَّهُ رُبَّمَا أَفْسَدَ الْحَوَاسَّ أَوْ بَعْضَهَا، إِمَّا إِفْسَادًا مَعْنَوِيًّا أَوْ صُورِيًّا، أَمَّا الْفَسَادُ الْمَعْنَوِيُّ فَهُوَ تَابِعٌ لِفَسَادِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا فَسَدَ فَسَدَتِ الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ وَاللِّسَانُ، فَيَرَى الْقَبِيحَ حَسَنًا مِنْهُ وَمِنْ مَعْشُوقِهِ كَمَا فِي الْمُسْنَدِ مَرْفُوعًا: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» فَهُوَ يُعْمِي عَيْنَ الْقَلْبِ عَنْ رُؤْيَةِ مَسَاوِئِ الْمَحْبُوبِ وَعُيُوبِهِ، فَلَا تَرَى الْعَيْنُ ذَلِكَ، وَيُصِمُّ أُذُنَهُ عَنِ الْإِصْغَاءِ إِلَى الْعَدْلِ فِيهِ، فَلَا تَسْمَعُ الْأُذُنُ ذَلِكَ، وَالرَّغَبَاتُ تَسْتُرُ الْعُيُوبَ، فَالرَّاغِبُ فِي الشَّيْءِ لَا يَرَى عُيُوبَهُ، حَتَّى إِذْ زَالَتْ رَغْبَتُهُ فِيهِ أَبْصَرَ عُيُوبَهُ، فَشِدَّةُ الرَّغْبَةِ غِشَاوَةٌ عَلَى الْعَيْنِ، تَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، كَمَا قِيلَ: هَوَيْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ ... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي أَلُومُهَا وَالدَّاخِلُ فِي الشَّيْءِ لَا يَرَى عُيُوبَهُ، وَالْخَارِجُ مِنْهُ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لَا يَرَى عُيُوبَهُ، وَلَا يَرَى عُيُوبَهُ إِلَّا مَنْ دَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ خَيْرًا مِنَ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إِنَّمَا تَنْتَقِضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ. وَأَمَّا فَسَادُ الْحَوَاسِّ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ يُمْرِضُ الْبَدَنَ وَيُنْهِكُهُ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَلَفِهِ، كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي أَخْبَارِ مَنْ قَتَلَهُمُ الْعِشْقُ. وَقَدْ رُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ بِعَرَفَةَ شَابٌّ قَدِ انْتَحَلَ حَتَّى عَادَ جِلْدًا عَلَى عَظْمٍ، فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ قَالُوا: بِهِ الْعِشْقُ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الْعِشْقِ عَامَّةَ يَوْمِهِ. الثَّامِنُ: أَنَّ الْعِشْقَ كَمَا تَقَدَّمَ هُوَ الْإِفْرَاطُ فِي الْمَحَبَّةِ، بِحَيْثُ يَسْتَوْلِي الْمَعْشُوقُ عَلَى قَلْبِ الْعَاشِقِ، حَتَّى لَا يَخْلُوَ مِنْ تَخَيُّلِهِ وَذِكْرِهِ وَالْفِكْرِ فِيهِ، بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ عَنْ خَاطِرِهِ وَذِهْنِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَشْتَغِلُ النَّفْسُ عَنِ اسْتِخْدَامِ الْقُوَّةِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّفْسَانِيَّةِ فَتَتَعَطَّلُ تِلْكَ الْقُوَّةُ، فَيَحْدُثُ بِتَعْطِيلِهَا مِنَ الْآفَاتِ عَلَى الْبَدَنِ وَالرُّوحِ مَا يَعِزُّ دَوَاؤُهُ وَيَتَعَذَّرُ، فَتَتَغَيَّرُ أَفْعَالُهُ وَصِفَاتُهُ وَمَقَاصِدُهُ، وَيَخْتَلُّ جَمِيعُ ذَلِكَ، فَتَعْجِزُ الْبَشَرُ عَنْ صَلَاحِهِ، كَمَا قِيلَ: الْحُبُّ أَوَّلُ مَا يَكُونُ لَجَاجَةٌ ... يَأْتِي بِهَا وَتَسُوقُهُ الْأَقْدَارُ حَتَّى إِذَا خَاضَ الْفَتَى لُجَجَ الْهَوَى ... جَاءَتْ أُمُورٌ لَا تُطَاقُ كِبَارُ وَالْعِشْقُ مَبَادِيهِ سَهْلَةٌ حُلْوَةٌ، وَأَوْسَطُهُ هَمٌّ وَشُغْلُ قَلْبٍ وَسَقَمٌ، وَآخِرُهُ عَطَبٌ وَقَتْلٌ، إِنْ لَمْ تَتَدَارَكْهُ عِنَايَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قِيلَ: وَعِشْ خَالِيًا فَالْحُبُّ أَوَّلُهُ عَنَا ... وَأَوْسَطُهُ سَقَمٌ وَآخِرُهُ قَتْلُ وَقَالَ آخَرُ: تَوَلَّعَ بِالْعِشْقِ حَتَّى عَشِقْ ... فَلَمَّا اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يُطِقْ رَأَى لُجَّةً ظَنَّهَا مَوْجَةً ... فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا غَرِقْ وَالذَّنْبُ لَهُ، فَهُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ قَعَدَ تَحْتَ الْمَثَلِ السَّائِرِ: " يَدَاكَ أَوْكَتَا، وَفُوكَ نَفَخَ ". وأرجو أن تطالع بقية مسائله ومنها مقاماته ابتداء من ص 216 فما بعدها من نفس الجزء من الكتاب المذكور فإنه جد مفيد . ومقاطعته تعني الابتعاد عنه ، وعن الأماكن التي يرتادها ، وكذلك غيّر حتى المسجد الذي يصلي فيه بل إذا تطلب الأمر منك أن تهجر البلدة وتهاجر إلى غيرها فافعل فقد أخبر النبي عن الرجل الذي قتل مائة نفس أن العالم أفتاه بأن يخرج من تلك القرية التي قتل فيها أولئك إلى قرية أهلها صالحون فاعبد الله معهم . 9 – وأخير - تقوى الله تعالى : عليك بتقوى الله فهي المخرج من كل ضيق ، والفرج من كرب ،قال تعالى :{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (3)الطلاق . قال الماوردي في تفسيره (6/31)فيه سبعة أقاويل: أحدها: أي ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة ، قاله ابن عباس. الثاني: أن المخرج علمه بأنه من قبل اللَّه ، فإن اللَّه هو الذي يعطي ويمنع ، قاله مسروق. الثالث : أن المخرج هو أن يقنعه اللَّه بما رزقه ، قاله عليّ بن صالح. الرابع : مخرجاً من الباطل إلى الحق ، ومن الضيق إلى السعة ، قاله ابن جريج. الخامس: ومن يتق اللَّه بالطلاق يكن له مخرج في الرجعة في العدة ، وأن يكون كأحد الخطاب بعد العدة ، قاله الضحاك. والسادس: ومن يتق اللَّه بالصبر عند المصيبة يجعل له مخرجاً من النار إلى الجنة ، قاله الكلبي. السابع: أن عوف بن مالك الأشجعي أُسِر ابنُه عوف ، فأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ذلك مع ضر أصابه ، فأمره أن يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا باللَّه ، فأفلت ابنه من الأسر وركب ناقة للقوم ومر في طريقه بسرح لهم فاستاقه ، ثم قدم عوف فوقف على أبيه يناديه وقد ملأ الأقبال إبلاً ، فلما رآه أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبره وسأله عن الإبل ، فقال : (( اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعاً بمالك )) فنزلت هذه الآية {وَمَن يتق الّلَّه يجعل له مخرجاً} الآية . فروى الحسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من انقطع إلى اللَّه كفاه اللَّه كل مئونة ورزقه اللَّه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله اللَّه إليها). {إنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ}. قال مسروق : إن اللَّه قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أنَّ مَنْ توكّل يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجراً.انتهى. والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (3359) والصغير(312) وقال :لَمْ يَرْوِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ إِلَّا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْعَثِ الْخُرَاسَانِيُّ والشهاب في مسنده (493) والبيهقي في شعب الإيمان (1044).وقال الشيخ الألباني في الضعيفة (6854) ضعيف ،وضعيف الترغيب والترهيب (1061). وفي المسند: حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب)) ضعيف الترغيب والترهيب (1002). هذا كله مع المحافظة على الواجبات المأمور بها ومن أهمها الصلاة في أوقاتها ، وأذكار الصباح والمساء ، والنوم ، وأن تبتعد عن كل ما يبعدك عن الله ويشغلك عنه وخاصة رفقاء السوء ، ولن تجد طعم الإيمان وحلاوته إلا في هذا الطريق على منهاج النبوة ، فإن استقمت على هذا المنهج (سبيل السلف الصالح ) والتزمت بهذه الأمور على بصيرة من ربك فابشر بخير يوم ولدتك فيه أمك ، وإلا فلن تجد لك دواء ولو اجتمع عليك من بأقطارها .. تمت بحمد الله وعونه : 23/12/1438هـ
  13. فوائد ودرر في النوم وحكمه بعد العصر

    1 – محمد ابن إسحاق - رحمه الله - صاحب السيرة النبوية : قال الذهبي في ترجمته : العَلاَّمَةُ ، الحَافِظُ، الأَخْبَارِيُّ الصدوق أمير المؤمنين كما قال شعبة بن الحجاج : وقَال أَبُو دَاوُد : سمعت أَحْمَد ذكر مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، فَقَالَ: كَانَ رجل يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه . الضعفاء للعقيلي 4/ 28 وتاريخ بغداد (1/ 229) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (24/421) تحقيق د. بشار عواد معروف ، ونقله الذهبي في السير (6/499) ط دار الحديث- القاهرة وتهذيب التهذيب (9/ 43). أولا : هذا الإمام الذهبي- رحمه الله - اعتبر صنيع ابن إسحق الذي أشار إليه الإمام أحمد – رحمه الله - ، شبيهًا بمعلقات البخاري، وبالتالي لا يكون قادحًا، فقد عقب على قول أحمد السابق قائلًا: ((هَذَا الفِعْلُ سَائِغٌ، فَهَذَا (الصَّحِيْحُ) لِلْبُخَارِيِّ، فِيْهِ تَعلِيقٌ كَثِيْرٌ)). سير أعلام النبلاء: (7/46). ثانيا : عبارة الإمام أحمد- رحمه الله – صريحة واضحة بأنه كان يأخذ ، ويضع وما دام أنه ينشر ذلك ويُحدث به فإنه يَعلم أنهم يعلمون أن ذلك العلم ليس له ولو نسبه لنفسه لافتضح أمره . ثالثا : قوله : "هَذَا الفِعْلُ سَائِغٌ فَهَذَا "الصَّحِيْحُ" لِلْبُخَارِيِّ، فِيْهِ تَعلِيقٌ كَثِيْرٌّ ". وإن كان هذا التشبيه قياس مع الفارق ، لأن البخاري – رحمه الله – قال مبينا مكانة كتابه:" ما وضعت في كتابي هذا إلا الصحيح " مع ذلك فإن ذلك التعقيب يدفع في الجملة عن ابن إسحق الإمام الثقة الصدوق ؛ تهمة النقل عن الغير بدون عزو ، أو أخذ بعض كتب الناس ويبني عليها علمه ، ولو حصل منه فلا يعتبر قدحا فيه لأن طريقة العلماء الاستفادة من بعضهم البعض إلا إذا حدث بذلك وصرح بالسماع وهو لم يسمع ذلك فهذا يعتبر كذبا، أما إن لم يكن كذلك ووجد له قرينة ومحمل على خلاف ذلك فلا يعد عيبا ولا قدحا كما أفاده ابن سيد الناس في جوابه على كلام الإمام أحمد كما في عيون الأثر(1/15) نقلته بالمعنى. 2 - الإمام البخاري - رحمه الله - أمير المؤمنين في الحديث بلا منازع فقد أكثر النقل عن أبي عبيد معمر بن المثنى وفي الغالب لا يذكره ولا يصرح باسمه ولا يعزو كلامه إلى مصنفه . قال ابن حجر في ترجمة " أبي عبيدة ": قال البخاري وقال أبو عبيدة فذكره ... ووقع في بعض الروايات ، وقال أبو عبيد فكأنه تصحيف وهذه المواضع كلها في كتاب المجاز لأبي عبيدة معمر بن المثنى هذا ، وقد أكثر البخاري في جامعه النقل منه من غير عزو كما بينت ذلك في الشرح ، والله تعالى الموفق [ تهذيب التهذيب: (10/247 ). وأنا ناقل لك بعض الأمثلة مما نقل ولم يعزه على وجه التمثيل لا الحصر، قال في الصحيح : بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ، وَمَا يَجِبُ مِنَ الجِهَادِ وَالنِّيَّةِ : وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا، وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا، وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوكَ، وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 42] يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: {انْفِرُوا ثُبَاتٍ} سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ " يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ ثُبَةٌ " قال الحافظ في الفتح : (1/289) قَوْله : وَيُقَال وَاحِد الثَّبَات ثبة ، قائل ذَلِك هُوَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَهُوَ فِي كتاب الْمجَاز لَهُ . قال أمير المؤمنين البخاري في الصحيح بَابُ صِفَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ بِحُسْبَانٍ .... يُقَالُ: {يُولِجُ} [الحج: 61]: «يُكَوِّرُ»، {وَلِيجَةً} [التوبة: 16] «كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ». قال الحافظ في الفتح (1/295): قَوْله تَعَالَى يولج يكور وَقَوله وليجة كل شَيء أدخلته فِي شَيء هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي الْمجَاز . قال البخاري في الصحيح باب قَالَ مُجَاهِدٌ: {إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] «أَصْحَابِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِينَ» ... إلى أن قال : وَقَالَ غَيْرُهُ: {يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: 49]: " يُولُونَكُمُ الوَلاَيَةُ، - مَفْتُوحَةٌ - مَصْدَرُ الوَلاَءِ، وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، إِذَا كُسِرَتِ الوَاوُ فَهِيَ الإِمَارَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ " وَقَالَ قَتَادَةُ: {فَبَاءُوا}: «فَانْقَلَبُوا» وَقَالَ غَيْرُهُ: {يَسْتَفْتِحُونَ} [البقرة: 89]: يَسْتَنْصِرُونَ .. قال الحافظ في الفتح (1/310) : وَقَالَ غَيره يسومونكم يولونكم ... هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي الْمجَاز . قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُهُمُ . الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فوم .. هَذَا يَحْكِي عَن عَطاء وَقَتَادَة . قَوْله : وَقَالَ غَيره (( يستفتحون )) يستنصرون هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة ... فقد نقل عن أبي عبيدة ، وعطاء وقتادة دون عزو لأحد منهم . قال البخاري بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا} [طه: 10]- إِلَى قَوْلِهِ - {بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى} "(4/152) {المُثْلَى} [طه: 63]: تَأْنِيثُ الأَمْثَلِ، يَقُولُ: بِدِينِكُمْ، يُقَالُ: خُذِ المُثْلَى خُذِ الأَمْثَلَ، {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [طه: 64]، يُقَالُ: هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ اليَوْمَ، يَعْنِي المُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، {فَأَوْجَسَ} [طه: 67]: أَضْمَرَ خَوْفًا، فَذَهَبَتِ الوَاوُ مِنْ {خِيفَةً} [هود: 70] لِكَسْرَةِ الخَاءِ. {فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]: عَلَى جُذُوعِ.. قال الحافظ في الفتح (6/425): قَوْلُهُ الْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ يَقُولُ بِدِينِكُمْ يُقَالُ خُذِ الْمُثْلَى خُذِ الْأَمْثَلَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ بِطَرِيقَتِكُمْ أَيْ بِسُنَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَالْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ تَقول خُذِ الْمُثْلَى مِنْهُمَا لِلْأُنْثَيَيْنِ وَخُذِ الْأَمْثَلَ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ ذَكَرًا وَالْمُرَادُ بِالْمُثْلَى الْفُضْلَى قَوْلُهُ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا.. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْله ثمَّ ائْتُوا صفا أَيْ صُفُوفًا وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ مِنْ قَوْلِهِمْ هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ أَيِ الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ قَوْلُهُ فَأَوْجَسَ أَضْمَرَ خَوْفًا فَذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ خِيفَةٍ لِكَسْرَةِ الْخَاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أَيْ فَأَضْمَرَ مِنْهُمْ خِيفَةً أَيْ خَوْفًا فَذَهَبَتِ الْوَاوُ فَصَارَتْ يَاءً مِنْ أَجْلِ كَسْرَةِ الْخَاءِ ... قَوْلُهُ: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ عَلَى جُذُوعِ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ .. قَوْلُهُ خَطْبُكَ بَالُكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ قَالَ فَمَا خَطبك أَيْ مَا بَالُكَ وَشَأْنُكَ . وقال البخاري بَابُ قَوْلِهِ: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ... وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " {كَلِمَتُهُ} [النساء: 171] كُنْ فَكَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا {وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ} [النساء: 171] " قال الحافظ في الفتح (6/474) : وَقَالَ غَيْرُهُ وَرُوحٌ مِنْهُ أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم قَوْلُهُ كُنْ فَكَانَ وَرُوحٌ مِنْهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ أَيْ لَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ قَوْلُهُ وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة هُوَ بَقِيَّةُ الْآيَةِ الَّتِي فَسَّرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ .. وقال البخاري بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: بَابُ قَوْلِهِ: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ، وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا). وَقَالَ مَعْمَرٌ: " أَوْلِيَاءُ مَوَالِي، وَأَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ، (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ): هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ، وَهْوَ الحَلِيفُ وَالمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ العَمِّ، وَالمَوْلَى المُنْعِمُ المُعْتِقُ، وَالمَوْلَى المُعْتَقُ، وَالمَوْلَى المَلِيكُ، وَالمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ " وقال الحافظ في الفتح ( 8/248): قَوْلُهُ وَقَالَ مَعْمَرٌ أَوْلِيَاءُ مَوَالِيَ أَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهُوَ الحليف وَالْمولى أَيْضا بن الْعَمِّ وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ أَيْ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ أَيْ بِفَتْحِهَا وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ انْتَهَى . وَمَعْمَرٌ هَذَا بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكُنْتُ أَظُنُّهُ مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ إِلَى أَنْ رَأَيْتُ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ وَاسْمُهُ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَلَمْ أَرَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ الْمَوَالِي الْأَوْلِيَاءُ الْأَبُ وَالْأَخُ وَالِابْنُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَصَبَةِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ أَوْلِيَاء وَرَثَة وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم فالمولى بن الْعَمِّ وَسَاقَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وقال البخاري باب سورة الأنبياء .. وتحت حديث (4739) قال : وَقَالَ غَيْرُهُ: {أَحَسُّوا} [الأنبياء: 12]: «تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْتُ»... قال الحافظ في الفتح ( 8/436) وَقَالَ غَيْرُهُ : أَحَسُّوا تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْتُ. وَقَالَ مَعْمَرٌ أَحَسُّوا إِلَخْ وَمَعْمَرٌ هَذَا هُوَ بِالسُّكُونِ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى اللُّغَوِيُّ وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ نَقْلَ كَلَامِهِ فَتَارَةً يُصَرِّحُ بِعَزْوِهِ وَتَارَةً يُبْهِمُهُ .. نعم فقد أكثر البخاري النقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنى حتى توهم الكثير أنه معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق ولم يعزو إليه كما ذكر الهروي والحافظ فهل يعد أمير المؤمنين البخاري على جلالته ومكانته العلمية سارقا لتفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن نقل عنهم ؟؟؟ 3 - صنيع مسلم وابن أبي حاتم مع البخاري - رحمهم الله - قال أبو أحمد محمد بن محمد بن إسحاق الكرابيسي: (( رحم الله الإمام محمد بن إسماعيل، فإنه الذي ألف الأصول ، وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه، كمسلم بن الحجاج فرق كتابه في كتبه، وتجلد فيه حق الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله، ولعل من ينظر في تصانيفه لا يقع فيها ما يزيد إلا ما يسهل على من يعد عداً، ومنهم من أخذ كتابه، فنقله بعينه إلى نفسه كأبي زرعة، وأبي حاتم، فإن عاند الحق معاندٌ فيما ذكرت، فليس يخفى صورة ذلك على ذوي الألباب)) [ الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين: (293). قال الحافظ ابن حجر وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد (( في كتابه الكنى )): رحم الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الإِمَام فَإِنَّهُ الَّذِي ألف الْأُصُول وَبَين للنَّاس وكل من عمل بعده فَإِنَّمَا أَخذه من كِتَابه كمسلم فرق أَكثر كِتَابَهُ فِي كِتَابه ، وتجلد فِيهِ حق الجلادة حَيْثُ لم ينْسبهُ إِلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ لَوْلَا البُخَارِيّ لما رَاح مُسلم وَلَا جَاءَ، وَقَالَ أَيْضا إِنَّمَا أَخذ مُسلم كتاب البُخَارِيّ فَعمل فِيهِ مستخرجا وَزَاد فِيهِ أَحَادِيث . الفتح (1/489) الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1379). رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه : محمد فؤاد عبد الباقي .قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب .وعليه تعليقات العلامة : عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ونقله في ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»(8/519) محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي . وفي السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن (1/147) لمحمد بن عمر بن محمد، أبو عبد الله، محب الدين ابن رشيد الفهري السبتي تحقيق صلاح بن سالم المصراتي الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة روينَا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى الخليلي الْحَافِظ الْجَلِيل المتقن قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن فضَالة الْحَافِظ يَقُول سَمِعت أَبَا أَحْمد مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْكَرَابِيسِي الْحَافِظ يَقُول : رحم الله الإِمَام مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل فَإِنَّهُ الَّذِي ألف الْأُصُول وَبَين للنَّاس وكل من عمل بعده فَإِنَّمَا أَخذه من كِتَابه كمسلم بن الْحجَّاج فرق كِتَابه فِي كتبه وتجلد فِيهِ حق الجلادة حَيْثُ لم ينْسبهُ إِلَى قَائِله، وَلَعَلَّ من ينظر فِي تصانيفه لَا يَقع فِيهَا مَا يزِيد إِلَّا مَا يسهل على من يعده عدا .. وَمِنْهُم من أَخذ كِتَابه فنقله بِعَيْنِه إِلَى نَفسه كَأبي زرْعَة ، وَأبي حَاتِم ؛ فَإِن عاند الْحق معاند فِيمَا ذكرت فَلَيْسَ تخفى صُورَة ذَلِك على ذَوي الْأَلْبَاب انْتهى كَلَام الْحَافِظ أبي أَحْمد. وهو في الفتح أيضا (1/11). وقال الدارقطني: " وَأي شَيء صنع مُسلم إِنَّمَا أَخذ كتاب البُخَارِيّ فَعمل عَلَيْهِ مستخرجا وَزَاد فِيهِ زيادات ، وَهَذَا الَّذِي حكيناه عَن الدَّارَقُطْنِيّ جزم بِهِ أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ فِي أول كِتَابه الْمُفْهم فِي شرح صَحِيح مُسلم *)) الفتح الباري (1/11)لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي ،الناشر: دار المعرفة - بيروت،( 1379)رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي ،قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب ،وعليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز .وهو في النكت على كتاب ابن الصلاح (1/286) لابن حجر العسقلاني .تحقيق : الشيخ العلامة ربيع بن هادي عمير المدخلي . الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية . 4 - إمام أهل السنة الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه الله - وقع له شيء من ذلك : قال - رحمه الله - في خطبة كتابه" الرد على الجهمية " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بكتاب الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين . وقد نبَّه الإمام ابن قيّم الجوزيّة في ((الصواعق المرسلة)) (3/927-928) قائلاً : ((قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في ((الرد على الجهمية)) وذكرها))، ثم قال: ((وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، أو وافقه فيها، فقد ذكرها محمد بن وضاح في أوَّل كتابه في ((الحوادث والبدع (ص3)).. قلت : وهذه الخطبة من كلمات مروية عن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تلقاها الإمام أحمد عنه أو وافقه فيها فقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه البدع (1/26) تحقيق عمرو عبد المنعم سليم ، الناشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة- مصر، مكتبة العلم، جدة – السعودية كما ذكر ابن القيم . قال ابن وضاح في كتابه البدع والحوادث رقم (03): نا أَسَدٌ قَالَ: نا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يُوسُفُ ثِقَةٌ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ رَفَعَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى الْعِبَادِ بِأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى ، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى ، وَيُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى ، كَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ ، وَضَالٍ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ ، بَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ دُونَ هَلَكَةِ الْعِبَادِ ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ ، وَأَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا بِالْحُدُودِ وَنَحْوِهَا ، فَمَا نَسِيَهُمْ رَبُّكَ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [سورة مريم: 64] جَعَلَ قَصَصَهُمْ هُدًى ، وَأَخْبَرَ عَنْ حُسْنِ مَقَالَتِهِمْ ، فَلَا تَقْصُرْ عَنْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُمُ الْوَضِيعَةُ . ا.ه وهذه الديباجة قد اشتهرت عن الإمام أحمد في مقدمة كتابه الرد على الجهمية وقد نقل شيئا منها العكبري في الإبانة الكبرى (1/196) دون عزو منه لأحد . كما نقل جزءا منها عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله جميعا - في كتاب المورد العذب الزلال في كشف شبه أهل الضلال (مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجية، الجزء الرابع، القسم الأول)(1/289) الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية . وهذا ابن القيم – رحمه الله - الذي صرح بأن الإمام أحمد تلقاها عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – أو وافقه فيها ؛ ومع ذلك فقد افتتح بها كتابه ((مفتاح دار السعادة)) دون عزو، ولكنه تصرف فيها يسيرا . فقال -رحمه الله في :الجزء (1/2): وَالْحَمْد لله الَّذِي أَقَامَ فِي أزمنة الفترات من يكون بِبَيَان سنَن الْمُرْسلين كَفِيلا واختص هَذِه الأمة بِأَنَّهُ لَا تزَال فِيهَا طَائِفَة على الْحق لَا يضرهم من خذلهم وَلَا من خالفهم حَتَّى يَأْتِي أمْرَهْ وَلَو اجْتمع الثَّقَلَان على حربهم قبيلا يدعونَ من ضل إلى الْهدى ويصبرون مِنْهُم على الأذى ويبصرون بِنور الله أهل الْعَمى ويحيون بكتابه الْمَوْتَى فهم أحسن النَّاس هَديا وأقومهم قيلا فكم من قَتِيل لإبليس قد أحيوه وَمن ضال جَاهِل لَا يعلم طَرِيق رشده قد هدوه وَمن مُبْتَدع فِي دين الله بشهب الْحق قد رَمَوْهُ جهادا فِي الله وابتغاء مرضاته وبيانا لحججه على الْعَالمين وبيناته ، وطلبا للزلفى لَدَيْهِ ونيل رضوانه وجناته فحاربوا فِي الله من خرج عَن دينه القويم وصراطه الْمُسْتَقيم الَّذين عقدوا ألوية الْبِدْعَة وأطلعوا أعنة الْفِتْنَة وخالفوا الْكتاب وَاخْتلفُوا فِي الْكتاب وَاتَّفَقُوا على مُفَارقَة الْكتاب ونبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ وارتضوا غَيره مِنْهُ بديلا..وسأعود لابن القيم في نقولاته غير هذا . 5- أبو عبد الله محمد بن سعد صاحب الطبقات المعروف بابن سعد - رحمه الله -: قال الذهبي في السير (10/664)"مُحَمَّدُ بنُ سَعْدِ بنِ مَنِيْعٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ " الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ، الحُجَّةُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ، كَاتِبُ الوَاقِدِيِّ، وَمُصَنِّفُ: (الطَّبَقَاتِ الكَبِيْرِ) فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مُجَلَّداً، وَ (الطَّبَقَاتِ الصَّغِيْرِ) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. قال ابن حجر في مقدمة الفتح(1/417) : عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح بن عبد الله بن مَحْمُود الْمعَافِرِي أَبُو شُرَيْح الإسْكَنْدراني وَثَّقَهُ أَحْمد وبن معِين وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم وَالْعجلِي وَيَعْقُوب بن سُفْيَان وشذ بن سعد فَقَالَ مُنكر الحَدِيث . قلت : أي الحافظ : وَلم يلْتَفت أحد إِلَى بن سعد فِي هَذَا فَإِن مادته من الْوَاقِدِيّ فِي الْغَالِب والواقدي لَيْسَ بمعتمد. فهذا ابن الحافظ بن حجر يذكر عن ابن سعد – رحمه الله - أنه نقل غالب مادته في الطبقات من الواقدي ، والعلماء يستفيدون منها ، ولم يقل أحدهم أنه سرقها. 6 - أبو سليمان الخطابي – رحمه الله – صاحب معالم السنن وشرح صحيح البخاري وغيرها . قال الذهبي – رحمه الله – في السير (17/23)الخَطَّابِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ، اللُّغَوِيُّ، أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ خَطَّابٍ البُسْتِيُّ، الخَطَّابِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. قال الخطابي في أعلام الحديث (4/2291)(شرح صحيح البخاري)تحقيق د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود . عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: لَعَن الله السَّارق، يسرقُ البيضةَ فَتُقْطعُ يَدُه، ويسرِق الحَبْل فتُقطعُ يَدُه. قال الأعمشُ: كانوا يَرَوْنَ أنه بَيْض الحديد، والحَبْل: كانوا يرون أنه مما يَسْوى دراهم. قُلتُ (أي الخطابي) : تَأويلُ الأعمش هذا غَيرُ مطابقٍ لمذهب الحديث ومَخْرج الكلام فيه، وذلك أنه ليس بالسائغ في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه هذا الحديث من اللوم والتثريب: أخزى الله فلانا عَرَّض نفسه للتلف في مَالٍ له قدر ومزية ، وفي عَرَض له قِيمة. إنَّما يُضْرَب المَثَل في مِثْلهِ بالشيء الوَتِح الذي لاوَزنَ له ولا قيمة, هذا عادة الكلام وحكم العرف الجاري في مثله. وإنَّما وجه الحديث وتأويله : ذَمُّ السرقة وتهجينُ أمرِها وتحذيِرٌ سوءِ مغَبَّتها فيما قلَّ وكَثُرَ من الملا. يقول: إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة ، والحَبْل الخَلِقُ الذي لا قيمة له إذا تعاطاها المُسْتَرق, فاستَمرت بِه العادة لم يَنْشَبْ أن يؤديه ذلك إلى سَرِقَة ما فَوقَها، حتى يبلُغ قَدْرَ ما يقطَع فيه اليد، فتقطع يده. يقول: فَلْيَحذَر هذا الفعل وليتَوقّهْ قَبْل أن تَمْلِكَهُ العادة ويَمْرُنَ عليها ليسلم من سوء مغبته ووَخيمِ عاقِبتهِ. قال الحافظ في الفتح (12/82) متعقبا له: وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِيمَا حَكَاهُ بن بَطَّالٍ فَقَالَ احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي " رُبْعِ دِينَارٍ " فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّةِ شَعْرٍ أَوْ رِدَاءٍ خَلَقٍ وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ انْتَهَى وَرَأَيْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ . ونقل جزءا منه عبد الرحمن الساعاتي في الفتح الرباني (16/110) دار إحياء التراث (ط 2) دون عزو منه له فقال : قوله : (( البيضة فتقطع يد ويسرق الحبل فتقطع يده)) المعنى المراد ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء عاقبتها فيما قل وكثر من المتاع، يقول أن سرقة الشيء اليسير إذا تعاطاه المرء فاستمرت به العادة لم ينشب أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقه حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده، فليحذر هذا الفعل قبل أن تملكه العادة ليسلم من سوء العاقبة .. 7- القَاضِي عِيَاضٌ بنُ مُوْسَى بنِ عِيَاضٍ اليَحْصَبِيُّ : قال الذهبي – رحمه الله - الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ الأَوْحَدُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، القَاضِي، أَبُو الفَضْلِ. نقل القاضي عياض – رحمه الله - كلام الباقلاني - مع تصرف يسير- دون عزو إليه. قال القاضي عياض: ((وكذلك لا تنعقد (الإمامة ) ابتداء للفاسق بغير تأويل، وهل يخرج منها بموافقة المعاصى. ذهب بعضهم إلى ذلك، وأنه يجب خلعه، فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب لم يجز القيام عليه، ووجب الصبر عليه؛ لأن ما تؤدى الفتنة إليه أشد، وقال جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام: لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعته؛ للأحاديث الواردة في ذلك من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، ما أقاموا الصلاة "، وقوله: " صلِّ خلف كل بر وفاجر"، وقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "، وقوله: " وألا ننازع الأمر أهله "، وأن حدوث الفسق لا يوجب خلعه. وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذه المسألة الإجماع )). وهذا بعينه كلام "الباقلاني": في كتابه " تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل": (1/478): قال:((بَاب ذكر مَا يُوجب خلع الإِمَام وَسُقُوط فرض طَاعَته إِن قَالَ قَائِل مَا الَّذِي يُوجب خلعه الإِمَام عنْدكُمْ ؟ قيل لَهُ: يُوجب ذَلِك أُمُور : 1- مِنْهَا كفر بعد الْإِيمَان - 2 - وَمِنْهَا تَركه إِقَامَة الصَّلَاة وَالدُّعَاء إِلَى ذَلِك .. 3 - وَمِنْهَا عِنْد كثير من النَّاس فسقه وظلمه بِغَصب الْأَمْوَال وَضرب الأبشار وَتَنَاول النُّفُوس الْمُحرمَة وتضييع الْحُقُوق وتعطيل الْحُدُود. وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل الْإِثْبَات وَأَصْحَاب الحَدِيث لَا ينخلع بِهَذِهِ الْأُمُور وَلَا يجب الْخُرُوج عَلَيْهِ ؛ بل يجب وعظه وتخويفه وَترك طَاعَته فِي شَيء مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ من معاصي الله ، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بأخبار كَثِيرَة متظاهرة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن أَصْحَابه فِي وجوب طَاعَة الْأَئِمَّة وَإِن جاروا واستأثروا بالأموال ، وَأَنه قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : (( اسمعوا وَأَطيعُوا وَلَو لعبد أجدع ، وَلَو لعبد حبشِي وصلوا وَرَاء كل بر وَفَاجِر)) وَرُوِيَ أَنه قَالَ أطعهم وَإِن أكلُوا مَالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم مَا أَقَامُوا الصَّلَاة فِي أَخْبَار كَثِيرَة وَردت فِي هَذَا الْبَاب)) ا .هـ يتبع - إن شاء الله-
  14. فوائد ودرر في النوم وحكمه بعد العصر

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على الحبيبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد : هذه بعض التحف والنقولات عن أهل العلم في مسألة عدم العزو الاقتباس والتضمين وبناء الكتب على أصولٍٍ ، والاستفادة من علم الآخرين ونشره علنا بالمعنى أو بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى أو ملخصا أو مختصرا أو متصرفا فيه ؛ فأنه لا عيب في ذلك كله عند العلماء ، ولا يعتبر قدحا فيمن وقع له ذلك ، فربما كانت المصلحة أن لا يذكر صاحب الكلام ولا مؤلفه ، أو ربما غفل أو نسي ، أو لم يستحضر المصدر الذي قرأ منه ، أو حتى اعتمده ؛ فإن ذلك طريقة العلماء في مصنفاتهم ، وفي طريقة تأليفهم ، وخاصة إذا لم تكن هناك أي مضرة تعود على صاحبه أو ورثته ، ولا ادعى الناقل نسبته حقيقة إلى نفسه ، ولا ادعى حفظ حقوق ذلك الفعل ، وإنما كان القصد منه نشر العلم ليعم النفع والفائدة به ، فما زال العلماء قديما وحديثا يستفيدون من بعضهم البعض . وإن كان الأفضل والأولى عزو الكلام إلى قائله ، فمن بركة العلم نسبته إلى قائله كما قاله العلماء . قال صاحب كشف شبهة السرقة المنسوب للشيخ رسلان : ولو ألقينا الضوء على منهج التصنيف عند السلف ونظرنا في كتبهم لوجدنا أن مسألة "نقل العلم بدون عزو" كانت معلومة بين أهل العلم، وهي طريقة من طرق التصنيف عندهم. فطرق التصنيف –كما في رسالة "الاقتباس العلمي"- كالتالي: 1 - أن ذلك كان منهجا سائدا في تلك الحقبة الزمنية .. 2 - أن الغاية عند أهل العلم نشر العلم وبذله والتعاون في هذا الجانب بغض النظر عن نسبة الآراء والأقوال لأصحابها. 3 - قد يكون من أسباب عدم العزو مراعاة المصلحة في هذا الجانب فإنه في بعض البلاد لا يمكن أن يسمى بعض أهل العلم لوجود خصوم لهم يناوئونهم فإذا عزا المؤلف ربما تعرض لأمور لا تحمد عقباها فيترك العزو لتحقيق مصلحة نشر العلم. قلت : وهذا صحيح ، فمجرد ذكر اسم صاحب المقال ، والاستفادة من الحق الذي عنده يصنف الشخص الناقل ، أو يتهم بشتى التهم سواء للنظام القائم أو لبعض من يشتغلون بالعلم ، أو بعض الخصوم الذي لا هم لهم إلا تتبع العورات ، ويا ليتها عورة بل يعيبون النّاس بما ليس بعيب ، ويسقطونهم بغير موجب شرعي ، والأمثلة كثيرة في بلادي والبلاد المجاورة وفي بلاد الهند .. 4 - ربما يكون من أسباب عدم العزو شهرة هذا القول ، وعدم خفائه كما فعل ابن عبد البر- رحمه الله- من ذكر تعريف القدر بأنه ((سر الله)) وعدم عزوه محمول على شهرة هذا القول عند أهل السنة والجماعة. قلت : قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) الْقَمَرِ 12 وَقَالَ (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) الْأَحْزَابِ وَقَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحُكَمَاءُ قَدِيمًا الْقَدَرُ سِرُّ اللَّهِ فَلَا تَنْظُرُوا فِيهِ فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَلَّا يُعْصَى مَا عَصَاهُ أَحَدٌ فَالْعِبَادُ أَدَقُّ شَأْنًا وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْصُوا اللَّهَ إِلَّا بِمَا يُرِيدُ.الاستذكار (8/263). 5 - مما تميّز به جمع من أهل العلم من المتقدمين قوة ذاكرتهم فربما حفظ مسألة ( أو مسائل ) أو قولاً ( أو أقوال ) ((أو أصول بعض الكتب) ولقلة المصادر عند البعض فإنه ربما ينسى مورد الفائدة مع حفظه لنصها فيذكرها بدون عزو خصوصا إذا علم أن بعضهم ألَّف جملة من الكتب دون الرجوع إلى المصادر والمراجع بل يذكر ما يريد من حفظه كما فعل ابن القيم الجوزية في زاد المعاد والرسالة التبوكية.. قلت :( وغيره كما سيأتي ). تنبيه ما بين قوسين إضافة مني . ومن هنا نعلم: أن الأصل عند أهل العلم العزو عند التصنيف ، ولكن إن حصل منهم عدم العزو فلا يَسقط فاعله، وهذا نظرًا إلى أن الأصل عند أهل العلم نشر العلم وبذله والتعاون عليه. أما من يدَّعي خلاف ذلك فهو مخالف ويوقع نفسه في اتهام علماء السلف على مد العصور بالسرقة العلمية ، لأن المعلوم أن عدم العزو سار عليه جملة من المتقدمين، وعليه فلا ضير في هذا الصنيع. وعند النظر والتأمل في مصنفات أهل العلم المتقدمين والمتأخرين نجد أن كثيرا من مصنفاتهم لا تخلوا من نقل نصوص من علماء سابقين أو معاصرين بدون عزو، أو بناء كتب على أصول من سبقهم ، أو تضمين كتب أو فوائد نافعة استفادوها ، ولم ولن يتهمهم أحد بالسرقات العلمية .. قال الدكتور بشار عواد معروف في كتابه ((الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام)) (ص422): رابعا : طرائق النقل . 1- والإشارة إلى المصادر: (اختلف المؤرخون المسلمون في الإشارة إلى المصادر الني ينقلون معلوماتهم عنها أو عدم الإشارة إليها، ولم يكن عدم الإشارة عيباً كبيراً في الكتاب آنذاك، وقد جرَّبنا وجود كثرة من كبار المؤرخين لم يذكروا القسم الأكبر من مصادرهم مثل ابن الجوزي ((المنتظم)).. وابن الأثير في ((الكامل))، وبدر الدين العيني في ((عقد الجمان)) وغيرهم، كما جربنا عدم ذكر المصادر نهائياً عند طائفة من ثقات المؤرخين كالمنذري في كتابه ((التكملة)). وفي الوقت نفسه وجدنا طائفة أخرى عنيت بذكر مصادرها ولكنها تفاوتت في ذلك أيضا حيث كان قسم منهم يذكر موارده بصورة دقيقة بينما كان القسم الآخر يذكر موارده تارة ويغفله تارة أخرى . ولم يبق إلا أن أتمثل ما قاله عبد الله بن يوسف الجديع في كتابه " العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية "(1/16). الثالثة: بلغني عن شيخٍ فاضلٍ آخر دعواه أنِّي أنقلُ من كلام الإِمام ابنِ القيِّم رحمه الله في كتابي هذا ولا أسمِّيه موهِماً أنَّ ذلك من كلامي. وأقول: هذه دعوى جائرةٌ، فأنا في هذا الكتاب لم يكن من مَراجعي كتُب ابن القيم إلا قليلاً، مُعْتَمِداً على نقلِهِ عن بعضِ العُلماء، وقد عزوتُ ذلكَ في هامشِ كتابي، وسمَّيتُ مَصدرِي. وأنا يعلمُ اللهُ لم أعمدْ في شيءٍ من كُتبي أو تحقيقاتي إلى نقلِ كلامِ أحدٍ من أهلِ العلمِ ولا أسمِّيهِ، ولكن لكثرةِ ما أقرأ لبعضِ الأئمَّةِ كشيخ الإِسلام ابن تيميَّة مَثلًا فإنَّ بعضَ عباراتِهِم رُبَّما علقت في ذهني، ولا أستحضرُ حالَ الكتابةِ أنَّها لفُلانٍ، سواء كان معيّناً أو مُبهَماً، فتدخل ضمنَ سِياقَتي، وهذا أمرٌ واسعٌ في كِتابَةِ العِلْمِ، وما من إمامٍ من أئمَّتِنا ممَّن نأتَسي ونَقتَدي بهم إلا وله مثلُ ذلكَ كثيرٌ، وهذا لا يَعودُ بالتُّهمةِ عليهم، وما هو بعَيْبٍ، ويكذبُ في العلمِ من ادَّعى أنَّ مِثلَ ذلكَ لا يقعُ له إذا اشتغلَ بالتَّصنيفِ. هذا في الألفاظ. أمَّا المَعاني؛ فنحنُ لا نكادُ نتكلَّمُ بِشَيْءٍ لم نُسْبَق إليهِ، ولكنَّا نجتهدُ في إنشائِهِ. وإنَّما الخيانةُ في العلمِ أن يُنْقَلَ الكلامُ البيِّنُ الفَصْل والذي لم يدخُلْهُ إنشاءُ الكاتِبِ من غيرِ عزْوٍ إلى قائلهِ. قلت : هذا مع التصريح بنسبته لنفس الناقل ، أما أن يصلحه أو يزيد فيه أو يختصره ، أو يشرحه أو ينقله بالمعنى ، أو يقتبس الجملة والجملتين ، أو كانت المصلحة في عدم ذكره ، ولم يكن هناك أي ضرر فيه على صاحبه وورثته ، فلا يعد كذلك لأنه ربما أخذه عن طريق السماع أو حفظه من كتاب ثم نسيه .. وقابَلَ هؤلاءِ – وللأسفِ - طائفةٌ حملتْهم في الغالبِ خُصوماتٌ خاصَّةٌ على تتبُّعِ عَوراتِ خُصومِهم من الكُتَّاب، فأفحَشوا حتَّى عَدُّوا النَّقْلَ المَعْزُوَّ إذا كَثُرَ سَرِقَةً، وهذا ظُلْمٌ وإجحافٌ ؛ فإنَّ عزْوَ الكلامِ إلى قائله يُبَرِّىءُ النِّيَّةَ ولا يلبسُ على القارىءِ. قال الإمام السخاوي في " الجواهر والدرر ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" (1/390): ووراء ذلك أنه ( أي : ابن حجر) كان يعرفُ من أين أخذ المصنِِّف تصنيفه أو بعضه، فقرأت بخطه ما نصه: فصل : فيمن أخذ تصنيف غيره فادعاه لنفسه وزاد فيه قليلًا ونقص منه ولكن أكثره مذكور بلفظ الأصل. أ - "البحر" للروياني، أخذه مِنَ الحاوي للماوردي. ب - "الأحكام السلطانية" لأبي يَعْلَى، أخذها من كتاب الماوردي، لكن بناها على مذهب أحمد. ث - "شرح البخاري" لمحمد بن إسماعيل التَّيمي، مِنْ شرح أبي الحسن ابن بطَّال. ت - "شرح السُّنة" للبغوي، مستمدٌّ مِنْ شَرْحَي الخطَّابي على البخاري وأبي داود. ج - الكلام على تراجم البخاري للبدر بن جماعة، أخذه مِنْ تراجم البخاري لابن المنَيِّر باختصار. ح - "علوم الحديث" لابن أبي الدَّم، أخذه من "علوم الحديث" لابن الصلاح بحروفه، وزاد فيه كثيرًا. خ - "محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح" لشيخنا البُلقيني، كلُّ ما زاده على ابن الصلاح مستمدٌّ مِنْ "إصلاح ابن الصلاح" لمُغلْطاي. د - "شرح البخاري" لشيخنا ابن الملقن، جَمَعَ النِّصفَ الأول مِنْ عدَّة شُروح. وأما النَّصف الثاني، فلم يتجاوز فيه النَّقلَ مِنْ شيخي ابن بطال وابن التِّين، يعني حتى في الفروع الفقهية، كما سمعت ذلك مِنْ صاحب الترجمة. أي ابن حجر .انتهى كلامه. قال الشوكاني - رحمه الله – في البدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع (1/332-333) وَأَقُول لَا يخفى على الْمنصف مَا فِي هَذَا الْمَنْقُول من التحامل على هَذَا الإمام فإنه مَا اعْترف بِهِ من صعوبة علم الْحساب عَلَيْهِ لَا يدل على مَا ذكره من عدم الذكاء فإن هَذَا الْفَنّ لَا يفتح فِيهِ على ذكى إِلَّا نَادرا كَمَا نشاهده الْآن في أهل عصرنا كَذَلِكَ سُكُوته عِنْد قَول القايل لَهُ تجمع لَك أهل كل فن من فنون الِاجْتِهَاد فإن هَذَا كَلَام خَارج عَن الإنصاف لِأَن رب الْفُنُون الْكَثِيرَة لَا يبلغ تَحْقِيق كل وَاحِد مِنْهَا مَا يبلغهُ من هُوَ مشتغل بِهِ على انْفِرَاده وَهَذَا مَعْلُوم لكل اُحْدُ . وَكَذَا قَوْله إنه مسخ كَذَا وَأخذ كَذَا لَيْسَ بِعَيْب فإن هَذَا مازال دأب المصنفين يأتي الآخر فَيَأْخُذ من كتب من قبله فيختصر أَو يُوضح أوْ يعْتَرض أَو نَحْو ذَلِك من الْأَغْرَاض الَّتِى هي الباعثة على التصنيف وَمن ذَاك الذي يعمد إلى فن قد صنف فِيهِ من قبله فَلَا يَأْخُذ من كَلَامه. انتهى كلامه. وهذا ابن رشد من المالكية يستمد مادته في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد من كتاب الاستذكار لابن عبد البر .. وكتاب ابن جرير الطبري في التفسير هو العمدة في بابه ينقل منه الكثير من العلماء دون عزو إليه ولا إشارة لذلك ، وهذا القرطبي الذي أورد بالسند أن من بركة العلم عزوه إلى قائله ، نقل كثيرا عن ابن عطية من كتابه الوجيز .. ومن أبي عبيد عامر بن المثنى من كتابز المجاز ولم يعزو إليهما وإلى غيرهما ، وهذا امير المؤمنين في الحديث البخاري أكثر النقل في صحيحه عن أبي عبيد عامر بن المثنى ولم يعزو إليه ولم يصرح باسمه في كثير من المواطن ، وهذا لا يعني التبرير لسرقة جهود الآخرين ، وخاصة إذا كان القصد منه السلخ ، أو الانتحال ، ونسبة ذلك حقيقة إلى النفس ، وفوق ذلك يطبع ويستفيد من وراء ذلك .فليس من شك أن ذلك خيانة للأمانة العلمية . ومن المناهج المعروفة في التأليف عند المتقدمين أن يبني أهل العلم كتبهم على كتب من سبقهم : ذكر أحمد الغماري في ((المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار)) (ص281) ((أن خليلاً الفقيه المالكي المشهور ألف ((مختصره)) وبناه على من ((مختصر ابن رجب))، وألف ابن الحاجب ((مختصره)) وبناه على ((لجواهر)) لابن شاش، وألف ابن شاش كتاباً جله ((تهذيب)) البراذعي، وكتاب البراذعي جله ((مدونة)) سحنون ، وكتاب سحنون جله كلام ابن القاسم )) . وهذه نماذج من فعل العلماء من السلف والخلف ، نذكرها للعبرة حتى لينتهي أقوام من اتهام إخوانهم بالسرقة العلمية .
  15. القول الراجح في حكم الأكل من الذبيحة التي نسي الذابح أن يسمي عليها

    جاء في البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة (3/281-282) لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون : وتسمية الله سنة في الذكاة وليست شرطا في صحتها؛ لأن معنى قوله عز وجل: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] ، أي لا تأكلوا الميتة التي لم يقصد إلى ذكاتها لأنها فسق، ومعنى قوله عز وجل: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 118] . كلوا مما قصد إلى ذكاته، فكنى عز وجل عن التذكية بذكر اسمه كما كنى عن رمي الجمار بذكره حيث يقول: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203] ومن الدليل على أن مراده عز وجل بما لم يذكر اسم الله عليه ما لم يقصد إلى ذبحه قوله عز وجل: {وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] . وبين بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] . إلى قوله: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] . فبين بتسمية هذه الأشياء التي حرمها الله في هذه الآية بقوله فسقا أنها هي التي نهى عن أكلها لأنها فسق بقوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] . فمن ترك التسمية ناسيا أكلت ذبيحته .