اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

أبو بكر يوسف لعويسي

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    806
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 15

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : أبو بكر يوسف لعويسي

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

حقول الملف الشخصى

  • البلـد
    الجزائر

آخر زوار ملفى الشخصى

بلوك اخر الزوار معطل ولن يظهر للاعضاء

  1. أبو بكر يوسف لعويسي

    ( ويلٌ لِأَقْمَاعِ القولِ...) أتدري منهم ؟؟؟

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فقد قرأت حديثا عظيما يتوعد فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالويل الذين يستمعون القول الحق ، فلا يتبعون أحسنه ، الذين يعلمون أنه الحق ، ولا يعونه ولا يعملون به ، بل يهملوه إما تكبرا وعنادا ، وإما تعصبا وتقليدا، وإما غلوا وتقديسا في ما هم عليه ، أو في مشايخهم ، وما أكثر هؤلاء في زمننا الذين اتصفوا بصفات شر الدواب عند الله .. قال تعالى :{ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)}الأنفال . قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - في تلبيس الجهمية (8/227): (وهذا كله ذم لمن سمع الكلام ولم يفهم معناه ولم يفهمه ، وإنما يستحق الذم إذا كان الكلام مما يمكن فهمه وفقهه ، وما لا يكون كذلك لم يستحق به الذم . وقال الله فيمن لم يفهمها ويتدبرها: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] ، فذمهم على أنهم لا يفهمون، ولو فهموا لم يعملوا بعلمهم. سجود التلاوة معانيه وأحكامه (1/37) ت : فواز أحمد زمرلي. قلت : الحق الذي أرسل الله به رسله عليه نور، وهو مما لا يخفى ويلتبس على من أراد الله به خيرا فتعلم وعلم وتفقه وفقه ؛ بل لا يخفى على كثير من الكفار والمشركين ، ولذلك قال الله تعالى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ }(6) التوبة . ولكن ما أراد الله بهم خيرا لذلك لا يسمعهم الحق الذي كله خير . فكذلك أقماع القول أهل الأهواء الذين في قلوبهم زيغ ومرض الشبهات ، وهؤلاء هم الذين لا يريدون سماع الحق ، أو يسمعون الحجة والدليل أنصع من ضوء النهار ، ولا يريدون فهمه على وجه الحق ، ويقولون نحن نسمع للحق ، وفي الحقيقة هم لا يسمعون فإعراضهم عنه ، وواقعهم يشهد بذلك ، وخاصة عند الفتن والخصومة الحزبية والطائفية والتعصب الذميم ، لذلك شبههم النبي صلى الله عليه وسلم بأقماع القول ؛ المصرين على ما هم عليه من العناد ، وعدم الاستجابة لله ورسوله لما يحييهم ..فهم كالذين قال الله فيهم :{ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ }(21)الأنفال . وفي هذه السورة الفاضحة لهؤلاء من الآية (20 - 24 ) افتتح الله تعالى هذه الآيات بقوله عز وجل :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }(20). هذا نداء رباني للمؤمنين فيه الأمر المطلق بطاعة الله ورسوله ، والنهي المطلق عن التولي عما يأمر به وينهى عنه بعدم السماع والاتعاظ بما يؤمر به ، والاجتناب عما ينهي عنه .. ثم ختمها بقوله جل وعز :{ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ..} وفي إعادة النداء للذين آمنوا والأمر بالاستجابة لله ورسوله هو تكرار لما تضمنته الآية السابقة : :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } وتوكيد للطاعة المطلقة والاستجابة الفورية دون تردد لكل أمر ونهي منه سبحانه ، فمن لم يفعل كان كشر الدواب الذين لا خير فيهم لأنهم يسمعون الحق وكأنهم ما سمعوه . ولا رفعوا به رأسا . وقد رتب الله سبحانه في الآية الأخيرة ثمرة السمع والطاعة والاستجابة لله ورسوله فيما أمر وما نهى عنه وزجر بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة ، وكفى بها طيبة ، وليس فوقها ولا أفضل منها؛ لأن الله هو من وصفها بأنها طيبة .. وفي الآيات التي بينهما حذر المؤمنين أن يكونوا أقماع القول يسمعون الحق بأذن فيدخل منها ليخرج من الأذن الأخرى كأنهم ما سمعوه ، مصرين على عدم الطاعة وعدم الاستجابة للحق الذي دعاهم إليه . ففي صحيح الأدب المفرد (293/380) (صحيح) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( ارْحَمُوا تُرحموا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، ويلٌ لِأَقْمَاعِ القولِ وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ؛ الَّذِينَ يُصرّون عَلَى مَا فَعَلُوا وهم يعلمون)). السلسلة الصحيحة (482)وصحيح الجامع (874)(وصحيح الترغيب والترهيب (2257). وقوله : (الأقماع) بفتح الهمزة جمع (قمع) بكسر القاف وفتح الميم وتسكن: الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع. شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازا كما يمر الشراب في القمع. كذلك قال الزمخشري : من المجاز " ويل لأقماع القول " وهم الذين يستمعون ولا يعون. وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (1/197): وأقماع القول: الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه. وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/128): وَالْأَقْمَاعُ جَمْعُ قِمْعٍ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا كَنِطْعٍ وَنِطَعٍ، وَقِيلَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَهُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يَنْزِلُ فِي رُءُوسِ الظُّرُوفِ لِتُمْلَأَ بِالْمَائِعَاتِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَدْهَانِ. شَبَّهَ أَسْمَاعَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْقَوْلَ ( الحق ) وَلَا يَعُونَهُ وَيَحْفَظُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ بِالْأَقْمَاعِ الَّتِي لَا تَعِي شَيْئًا مِمَّا يُفَرَّغُ فِيهَا فَكَأَنَّهُ يَمُرُّ عَلَيْهَا مُجْتَازًا كَمَا يَمُرُّ الشَّرَابُ فِي الْأَقْمَاعِ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ (4/109): وفي رواية ((ويْلٌ لأَقْماع الآذانِ)) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ الْأَقْمَاعُ الَّذِينَ إذَا أَكَلُوا لَمْ يَشْبَعُوا، وَإِذَا جَمَعُوا لَمْ يَسْتَغْنُوا» أَيْ كَانَ مَا يَأْكُلُونَهُ وَيَجْمَعُونَهُ يَمُرُّ بِهِمْ مُجْتَازًا غَيْرَ ثَابِتٍ فِيهِمْ وَلَا بَاقٍ عِنْدَهُمْ، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِمْ أَهْلَ الْبَطَالَاتِ الَّذِينَ لَا هَمَّ لَهُمْ إلَّا فِي تَرْجِئَةِ الْأَيَّامِ بِالْبَاطِلِ، فَلَا هُمْ فِي عَمَلِ الدُّنْيَا وَلَا عَمَلِ الْآخِرَةِ. قلت : والحديث أخرجه تمام في جزء من حديثه عن علي". ذكره أبو حامد في إحياء علوم الدين قال ابن السبكي: (6/ 346) لم أجد له إسناداً. وبعد دخلوهم النّار يقمعون بمقامع من حديد ، وذلك في قَولُه تَباركَ وتَعالى: { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } (الحج: 21 -22): أي آلات يُقمَعُون بها ويُضرَبون. وقوله تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }(20) الأنفال . قال أبو جعفر(13/457- 458): يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله (أطيعوا الله ورسوله) ، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه (ولا تولوا عنه) ، يقول: ولا تدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفين أمره ونهيه "وأنتم تسمعون" أمرَه إياكم ونهيه، وأنتم به مؤمنون . 15852- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا وأنتم تسمعون) ، أي: لا تخالفوا أمره، وأنتم تسمعون لقوله، وتزعمون أنكم منه. والقول في تأويل قوله تعالى : {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) } قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا، أيها المؤمنون، في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه. فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم، بمنزلة من لم يسمعها. يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله – مجموع الفتاوى (10/16):وقوله تعالى :{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} فَقَوْلُهُ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} لَمْ يُرِدْ بِهِ مُجَرَّدَ إسْمَاعِ الصَّوْتِ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدِهِمَا : أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ إلَّا بِهِ. كَمَا قَالَ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}، وَقَالَ {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} ... وَالثَّانِي : أَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَنْفَعُ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ حَصَلَ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ وَكَفَرُوا بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ إسْمَاعِ الْفِقْهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ اللَّهُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ وَهَذَا نَظِيرُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ}. وَهَذِهِ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ السَّمَاعُ الَّذِي يَفْقَهُ مَعَهُ الْقَوْلَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِ خَيْرًا ؛ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا ، وَأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَوْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ وَيُفَقِّهَهُ ؛ إذْ الْحَدِيثُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ ؛ فَالْأَوَّلُ مُسْتَلْزِمٌ لِلثَّانِي ، وَالصِّيغَةُ عَامَّةٌ فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ اللَّهُ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا ، وَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ اللَّازِمُ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} بَيَّنَ أَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ لِلثَّانِي شَرْطًا نَحْوِيًّا ، وَهُوَ مَلْزُومٌ وَسَبَبٌ ؛ فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أَسْمَعَهُ هَذَا الْإِسْمَاعَ ؛ فَمَنْ لَمْ يُسْمِعْهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا، فَتَدَبَّرْ كَيْفَ وَجَبَ هَذَا السَّمَاعُ ، وَهَذَا الْفِقْهُ ، وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ ( أي يأخذون ) بِسَمَاعِ لَا فِقْهَ مَعَهُ أَوْ فِقْهٍ لَا سَمَاعَ مَعَهُ أَعْنِي هَذَا السَّمَاعَ.. وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ وَفَقِهَ يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ؛ بَلْ قَدْ يَفْقَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ خَيْرًا .. وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ إسْمَاعَ التَّفْهِيمِ إنَّمَا يُطْلَبُ لِمَنْ فِيهِ خَيْرٌ ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ ، فَأَمَّا مَنْ لَيْسَ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا يُطْلَبُ تَفْهِيمُهُ. و " الصِّنْفُ الثَّالِثُ " مَنْ سَمِعَ الْكَلَامَ وَفَقِهَهُ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يُطِعْ أَمْرَهُ: كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلَّا قَلِيلًا}. وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} إلَى قَوْلِهِ : {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ} أَيْ تِلَاوَةً. إلى أن قال : {طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فَهِيَ (أي القلوب ) وَإِنْ سَمِعَتْ الْخِطَابَ وَفَقِهَتْهُ لَا تَقْبَلُهُ وَلَا تُؤْمِنُ بِهِ لَا تَصْدِيقًا لَهُ وَلَا طَاعَةً وَإِنْ عَرَفُوهُ كَمَا قَالَ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}... إلى أن قال : وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ وَفَقِهَ كَلَامَ الرُّسُلِ وَلَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لَهُ بِالْإِقْرَارِ تَصْدِيقًا وَعَمَلًا .انتهى . فإياك أن تكون منهم فتكون من أقماع القول لا تريد أن تسمع قول ورثة الأنبياء فيما يبلغوك عن الله ورسوله فهم اعلم النّاس به ؛ أو تسمع ولا تريد أن تفهم ، أو تريد أن تفهم، وإذا فهمت أعرضت ولم تقبل ولم تعمل فيحال بينك وبين قلبك . وهذا أمر فظيع أن يحول الله بينك وبين قلبك فتكون من أهل الأهواء والبدع الذين هم أحط وأشر من شر الدواب . هم وقال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }(24). قال أبو جعفر (13/465): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وقال القرطبي (7/389) وقال مجاهد والجمهور: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية . قال الخازن (2/303): يعني أجيبوهما بالطاعة والانقياد لأمرهما إِذا دَعاكُمْ يعني الرسول صلى الله عليه وسلم. وإنما وجد الضمير في قوله تعالى: " إذا دعاكم " لأن استجابة الرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى ، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، واستدل أكثر الفقهاء بهذه الآية على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن كل من أمره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعل فقد دعاه إليه ، وهذه الآية تدل على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه . وقال السعدي (1/318): يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه. وقوله: {إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وعظيم حكمته ، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام. قال ابن القيم رحمه الله – في كتابه الفوائد (1/132): وقوله تعالى{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }(24). فَأَمرهمْ بالاستجابة لَهُ وَلِرَسُولِهِ حِين يَدعُوهُم إِلَى مَا فِيهِ حياتهم ثمَّ حذّرهم من التَّخَلُّف والتأخر عَن الاستجابة الَّذِي يكون سَببا لِأَن يحول بَينهم وَبَين قُلُوبهم قَالَ تَعَالَى :{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقين}... إلى أن قال : وَقَالَ تَعَالَى فِي حقّهم {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وآتاهم تقواهم}.. وقال في زاد المعاد (3/502): وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِنْ إِرَادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إِذَا دَعَاهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجَابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] . وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]. وَقَالَ تَعَالَى : {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] ، وَقَالَ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التوبة: 115] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ . وقال - رحمه الله – : الدَّلِيلُ الثَّانِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَدَعْوَتُهُ نَوْعَانِ: مُوَاجَهَةٌ ، وَنَوْعٌ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِجَابَةِ الدَّعْوَتَيْنِ فِي الْحَالَتَيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ حَيَاتَهُ فِي تِلْكَ الدَّعْوَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ لَهَا ، وَمِنَ الْمُمْتَنَعِ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا مَا ، أَوْ يُجِيبَهُ بِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا ، أَوْ يَتَوَعَّدَهُ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِجَابَةِ لِمَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا؛ بِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَاقَبَهُ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ. قلت : قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. إن الاستجابة لإصلاح ذات البين ، والإصلاح بين النّاس يكمن في إصلاح النّفس بالاستجابة لله تعالى ولسنة رسوله ، ثم السمع والطاعة لمن ولاه الله أمر بيان السنة وللحث على لزوم الجماعة ، وفي ذلك الحياة الطيبة ، التي لا شيء وأفضل منها ولا أطيب .. وذلك خير من الهم والغم الذي في الفرقة والتنازع والاختلاف . وقال ابن القيم – رحمه الله- : الدَّلِيلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ مُخَالِفٍ بَلَغَهُ أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا بَلَغَهُ لَمْ يُفِدْهُ عِلْمًا لَمَا كَانَ مُتَعَرِّضًا بِمُخَالَفَةِ مَا لَا يُفِيدُ عِلْمًا لِلْفِتْنَةِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا لِمُخَالِفِ أَمْرِهِ عُذْرٌ. مختصر الصواعق المرسلة (1/581). وليس من شك أن مخالفة أمر ورثة الأنبياء وولاة الأمر من أعظم المخالفات التي ينبغي أن يحذر منها اللبيب العاقل الذي يريد النجاة من عذاب النّار ، فإذا كان هذا في نفسه فكيف بمن كان سببا في مخالفات كثيرة للسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أعظمها أن تؤتى السنة وتفرق الجماعة من قبله ؟؟!!. فاحذر أخي ؛ أيها العاقل اللبيب أن تكون من أقماع القول الذين إذا جاءهم الحق وكان عليهم أعرضوا عنهم وأهملوه ولو يعوه ، فتصيبك فتنة أو عذاب أليم ، وتكون من شر الدواب عند الله ...أو يحيل الله بينك وبين قلبك ، فيطبع عليه وذلك منتهى العقوبة والحرمان .. واعلم أن الوعيد بالويل ليس أمرا هينا ؛ بل هو أمر عظيم فالويل : هُوَ الدُّعَاء بالشدة والهلاك. وقيل : هُوَ وَاد فِي جَهَنَّم، يسيل فِيهِ صديد أهل النَّار. وكلاهما أمر فظيع ؛ وعقاب شنيع تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ، وتلين قلوبهم للحق والخضوع له .. والعجب كل العجب في هذا الزمان الذي كثر فيه هذا النوع من النّاس (( أقماع القول ))، الذين لهم حظ وافر من التشبه باليهود الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، فلا تكن أنت (وأنت السلفي) الذي يعظم الأمر والنهي ويوقر العلماء الأكابر من الذين يسمعون القول الحق ويعلمونه ولا يرفعون به رأسا ؛ بل منهم من لا يكتفي بذلك حتى يهون من شأن الحق (1) الذي سمعه أو بلغه ويرده ويؤوله على غير وجهه انتصارا لحزبه وطائفته ، أو اتباعا لزيغه ومرض قلبه نعوذ بالله من ذلك .. فكم من مواعظ ومحاضرات ودروس ألقيت على أقماع القول ، فدخلت من أذن ، وخرجت من الأخرى ، وأكنهم ما سمعوها ، أو أنهم سمعوها وفقهوا معناها ومع ذلك لم تظهر ثمار ذلك عليهم لأنهم أقماع لا يسمعون وإذا سمعوا لا يفهمون وإذا تفهموا لا يقبلون ، ولا يهتمون ولا يرفعون بذلك رأسا .. بل يصرون على ما هم عليه من تعصب ، وإعراض لا لشيء إلا أن الحق ظهر على أيدي غيرهم . وأخيرا أخي تأمل معي هذه الآيات ، قال تعالى :{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }(54)لحج . وقال تعالى :{ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }(213) البقرة . وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ، وَيَقُولُ: " اللهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتَلَفْتُ فِيهِ مَنِ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " . أخرجه الخمسة مسلم (770) (200) ، وأبو داود (767) ، والترمذي (3420) ، والنسمائي فىِ "المجتبى(3/212-213)، وفي "السنن الكبرى" (1322) ، وابن ماجه (1357). صحيح أبي داود (743). اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنباه واجعلنا وإخواننا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأهدنا يا ربنا بإذنك إلى صراطك المستقيم .. برحمتك يا أرحم الراحمين .
  2. أبو بكر يوسف لعويسي

    إرشاد أئمة الزمان إلى خممس وعشرين مخالفة في صلاة القيام ودعاء القنوت قي رمضان

    يرفع للتذكير
  3. أبو بكر يوسف لعويسي

    إبطال بدعة الاحتياط في الإمساك قبل الأذان بثلث ساعة وحكم الأكل والشرب عند سماع الأذان الثاني

    يرفع للفائدة
  4. أبو بكر يوسف لعويسي

    منزلة إصلاح ذات البين في الإسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم جزى الله خيرا فضيلة لشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي على ما تبذله من جهود للإصلاح بين السلفيين فما علمناك إلا مجاهدا بحق داعيا إلى الألفة بين أهل السنة فأسأل الله تعالى أن يبارك في جهودكم ، وأن يكتب لكم ما أعده الله لمن يعمل ذلك ابتغاء مرضاة الله ، وأن يرفع ذكركم في عليين وأن يختم لنا ولكم بالحسنى . وللتذكير في فضل الإصلاح بين الناس: قال القرطبي رحمه الله: تفسير القرطبي (ج 5/385 ): وقوله تعالى : { لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (114) سورة النساء }. قال البغوي وقوله تعالى :{ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ }وبسنده عن أم الدرداء - رضي الله عنها- عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - r- : << ألا أخبرُكم بأفضلَ من درجة الصيام والصدقة والصلاة >> قال: قلنا بلى، قال: << إصلاحُ ذاتِ البين. وفساد ذات البين هي الحالقة >> .(1) . وقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبَ رِضَاهُ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ، فِي الْآخِرَةِ، أَجْراً عَظِيماً . تفسير البغوي (1/:701) وبوب البخاري رحمه الله . باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم . وبسنده إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله e :<<كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة >> . قال ابن المنير : ترجم على الإصلاح والعدل ولم يورد في هذا الحديث إلا العدل ، ولكن لما خاطب الناس كلهم بالعدل وقد علم أن فيهم الحكام وغيرهم كان عدل الحاكم إذا حكم ، وعدل غيره إذا أصلح . وقال الحافظ ابن حجر : وقال غيره : الإصلاح نوع من العدل ، فعطف العدل عليه من عطف العام على الخاص . فتح الباري (ج13 / 69). وَمِنْهَا: أَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ الْبَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَهْمَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ - r-: << أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ >>. صحيح لغيره أنظر الصحيحة (2639)وصحيح الترغيب والترهيب (2817). َفِي الْحَدِيثِ: << لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خَيْرًا >> وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّ تَرْكَ الْكَذِبِ وَاجِبٌ، وَلَا يَسْقُطُ الْوَاجِبُ إِلَّا بِوَاجِبٍ آكَدَ مِنْهُ. المهم أيها الأحبة أن الإصلاح كله خير ، والساعي في الإصلاح بين الناس ، أفضل من القانت بالصلاة ، والصيام ، والصدقة ، قال رسول الله - r- :<< ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة ، والصيام والصدقة ؟قالوا: بلى . قال: إصلاح ذات البين . قال : وفساد ذات البين هي الحالقة >> .رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ، وهو في صحيح الترمذي [ح 2037] . بل إن الإصلاح بين الناس في الخصومات أي كانت دينية أو دنيوية هي مما يرضاه الله ورسوله ، فكيف إذا كان بين طائفتين مؤمنتين سنيتين سلفيتين فإنه يحصل الخير الكثير بالصلح بينهما فلا شك أن هذا من الأعمال التي يحبها الله ورسوله ويرضاها الله ورسوله ، ألا تحبون ما يحبه الله ورسوله ؟؟ عن أبي أيوب - رضي الله عنه- قال : قال لي رسول الله - r- :<< يَا أَبَا أَيُّوبَ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى عَمِلٍ يَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؟>>.قَالَ : بَلَى. قَالَ:<< تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَفَاسَدُوا، وَتُقَارِبُ بَيْنَهُمْ إِذَا تَبَاعَدُوا >>.(2) الهامش : --------------- 1 - أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (118)، وأبو داود في الأدب، باب في إصلاح ذات البين: (7 / 25) والترمذي في صفة القيامة، باب سوء ذات البين: ( 7/212 ) وقال: هذا حديث صحيح ، وأحمد في المسند:(6 / 444 ، 445) والمصنف في شرح السنة :( 13 / 116). 2 - قال الشيخ الألباني - رحمه الله - في صحيح الترغيب والترهيب (3/46)(2820 ) ( حسن لغيره ).وهو في السلسلة الصحيحة برقم (2644)بلفظ آخر .
  5. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    تتمة للشرح : توقفنا في الدرس الماضي عند فرائض الصوم فقلت : أما بقية فرائضه وهي: الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ، وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى . 1 - 2 - الإمساك عن الطعام والشراب والجماع .. دليله قوله تعالى :{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ...}(187) البقرة . ففي الآية حلية الرفث وهو الجماع ليلة الصيام والأكل والشرب ، وهذا يفهم منه أن نهار الصيام يحرم الجماع وعليه إجماع العلماء لا يعرف من خالف في ذلك . قال البغوي في تفسيره (1/206) قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ.. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثُ فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ.انتهى . ثم بين حد إباحة ذلك وحليته فقال :{.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..}. قال القرطبي (2/314)المسألة: الأولى- قوله تعالى:{ أحل لكم}" لفظ" أحل" يقتضي أنه كان محرما قبل ذلك ثم نسخ. وروى البخاري عن البراء قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس ابن صرمة الأنصاري كان صائما- وفي رواية: كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما- فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية:" أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" ففرحوا فرحا شديدا، ونزلت:" وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر". وفي البخاري أيضا عن البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى:" علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم". يقال: خان واختان بمعنى من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم. ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب. وقال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شي فلا يؤدي الأمانة فيه. قال بن كثير (1/510): هَذِهِ رُخْصة مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ، ورَفْع لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُهُمْ إِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ أَوْ يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَتَى نَامَ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ. فَوَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَشَقة كَبِيرَةً. وَالرَّفَثُ هُنَا هُوَ: الْجِمَاعُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وعَمْرو بْنُ دِينَارٍ وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعي، وَالسُّدِّيُّ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. قال ابن القيم في التفسير القيم (1/147): والتحقيق أن يقال: لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر، حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة. ولا يباشروهن بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويبتغون ما أباح لهم من الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه. فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته. فقد كانت ليلي الصيام في أول الأمر محرم فيها الجماع والأكل والشرب إذا صلى العشاء الصائم أو نام قبل أن يفطر ، وقد كان بعض الصحابة يختانون أنفسهم في تلك الليالي ، فتاب الله عليهم وعفا عنهم وخفف عنهم ورخص لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر الصادق حيث يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من الفجر ، أي يظهر بياض النهار من سواد الليل فيحرم عليهم بعدها ذلك ويبتدئ وقت الصيام . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وقت ابتداء الصوم وهو من طلوع الفجر الصادق فقال : « الفجر فجران: فجر يحرم فيه الطعام وتحل فيه الصلاة وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام» صحيح الجامع (4279 ) وقال :(صحيح) [ك هق] عن ابن عباس. الصحيحة (693). عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( الْفَجْرُ فَجْرَانِ فَأَمَّا الْفَجْرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ فَلَا يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَرِّمُ الطَّعَامَ ، وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ)) سنن الدارقطني (1053) أنظر الصحيحة (2002)صحيح الجامع (4278). فالإمساك متعلق بطلوع الفجر الصادق ، فهو الذي يحرم الأكل على الصائم ويحل الصلاة ، ولا ينبغي تقديم الإمساك عن ذلك الوقت عملا بالاحتياط فهذا من البدعة المحدثة التي أحدث منذ قرون بعيد كما أفاده الحافظ ابن حجر رحمه الله . وقد كتبت في ذلك مقالا ونشرته فراجعه غير مأمور إن أردت زيادة الفائدة . تنبيه : فواقع المؤذنين اليوم أنهم في أغلب بلاد العالم الإسلامي يقدمون الآذان عن وقته عملا ببدعة الاحتياط ، فيوقعون الأمة في شر ، ومع تقديم الآذان فإن كثيرا من النّاس ؛ بل جمهور المسلمين يقدمون السحور إلى ما قبل الفجر الكاذب بوقت يزيد عن الساعة وأفضلهم الذي يؤخره إلى الآذان الأول الذي يؤذن بليل وقبل الفجر الكاذب فزاد على بدعة الاحتياط السحور تأخير على تأخير .. فرع : حكم من أخر السحور إلى الآذان الثاني ؛ فأذن المؤذن وهو يأكل ،فهل يتوقف عن الأكل مباشرة ويلفظ ما في فيه أم يتوقف عن الأكل ويبلع ما في فيه أو يواصل الأكل حتى يؤخذ نهمته منه ؟؟ إذا كان المؤذن يؤذن للفجر الصادق فعلى الصائم الذي يسمع النداء أن يتوقف عن الأكل ، وما في فيه لا يلفظه بل يأكله .. أما إذا كان المؤذن لا يؤذن للفجر الصادق بل يعمل بالاحتياط ويؤذن قبل ذلك فهذا لا يتوقف عن الأكل حتى يؤخذ حاجته منه . وكذلك إذا أقيمت الصلاة وكان الإناء في يد الصائم فله أن يأخذ منه ظمأه ولا يتركه . عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم : (( إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه )). وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ : " أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالْإنَاءُ فِي يَدِ عُمَرَ - رضي الله عنه - فَقَالَ: أَشْرَبُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ ، قَالَ: " نَعَمْ " ، فَشَرِبَهَا. أنظر الصحيحة (1394). فرع : في حكم من أكل أو شرب يظن أنه الفجر الكاذب أو أن الفجر الصادق الذي يحرم عليه الطعام مازال وقته لما انتهى من أكله تبين أن الفجر الصادق طلع؟؟ فهذا لا شيء عليه وصيامه صحيح ، وحكمه أيضا من جامع أهله ، ولكن بشرط أن يكون بذل جهده وسعى في معرفة الوقت ، أما من فرط وتهاون ولم يكلف نفسه شيئا من جهد فهذا عليه قضاء يوم ولا كفارة عليه لأنه في محل شبهة ، وظن ، ولم يتقن طلوع الفجر الصادق ، وهو غير قاصد للأكل فيوقت الصيام بل قاصد تأخير السحور إلى ذلك الوقت فأخطأه . وقال بعض فقهاء المذاهب عليه الكفارة ..وهو غير متجه . 3 - وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ .. دليله قوله تعالى :{.. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ..} ومن السنة ما في البخاري 1954 - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ومسلم (1100). فقوله :{ .. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ..} بعد قوله :{.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ..}. بيان وتحديد لطرفي النّهار الذي يجب على من يريد الصيام أن يستغرق فيه صيامه مع قوله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» البخاري (622) وفيه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ بِلاَلًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ» البخاري (1918) ومسلم (1092).فهذا في الابتداء والذي بعده في الانتهاء للوقت المحدد صيامه شرعا فلا عبرة بمن يؤخر لإفطار بعد غروب الشمس ، احتياطا وبعضهم حتى تظهر النجمة الأولى في السماء وهذا فعل اليهود وليس هو من شريعة المسلمين إذ شرع لهم التعجيل بالإفطار والتأخير بالسحور ، وفي ذلك حكم كثيرة وأعظمها ديمومة لأمة في الخيرية . وقوله : (( إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ )) ومسلم (1100). وشروط الصيام سبعة هي : 1 - الإسلام ، 2 - العقل ، 3 - الطهر من الحيض والنفاس، 4 - الإمساك عن المفطرات ، 5 - القدرة على الصوم ، 6 - البلوغ ، 7 – والإقامة .. وهذا ما نعرفه في الدرس القدم بإذن الله ...
  6. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    وإياك أخي ، وبارك فيك .
  7. أبو بكر يوسف لعويسي

    النصيحة لاستقبال شهر رمضان بالسبل الملائمة الصحيحة

    استحضر في قلبك الآن أحبَّ الناس إليك، وقد غاب عنك أحد عشر شهرًا وهَبْ أنك بُشِّرتَ بقدومه وعودته خلال أيام قلائل ... كيف تكون فرحتك بقدومه واستبشارك بقربه وبشاشتك للقائه؟ فقد أظلكم شهر مبارك كريم..نعم الضيف ونعم الهدية من الرحمن الرحيم ونعم الاستجابة من القلب السليم .. ونعم التعظيم للعلي العظيم . تراك لو علمت بمقدم ضيف عزيز.. كيف سيكون استعدادك لاستقباله؟ أحسب أنه على قدر كرمك وعلى جلال منزلة ضيفك سيكون عظيم استعدادك وتجهيزك وتفرغك وتهيئك
  8. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    بسم الله الرحمن الرحيم متن : قال المصنف – رحمه الله - : ويبيت الصيام في أوله ، وليس عليه البيات في بقيته ويتم الصيام إلى الليل . ----------------- شرح : يشير المصنف - رحمه الله - أبو محمد ابن أبي زيد القيرواني إلى حكم تبيت النية في الصيام . قال ابن عبد البر في التمهيد (2/38): وَفَرَائِضُ الصَّوْمِ خَمْسٌ وَهِيَ: 1 - الْعِلْمُ بِدُخُولِ الشَّهْرِ .. 2- وَالنِّيَّةُ .. 3- وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب .. 4- وَالْجِمَاع .. 5- وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ. أولا : العلم بدخول الشهر ، حتى يعبد الله تعالى على علم وبصيرة ، فيعرف من أين يبدأ الصوم ومتى ينتهي ، فهو مكلف بقوله صلى الله عليه وسلم :(( صوموا لرؤيته ..)) لأن الشرع علق ثبوت الحكم بالرؤية البصرية للهلال وهي في متناول كل مكلف خال من العوائق والأعذار التي ترفع عنه التكليف ، فإن رآه وجب في حقه أن يصوم عند مالك ، ويخبر غيره بذلك ، فإن أخبره غيره برؤيته أو سمع إعلان الصيام من ولي الأمر عقد النية م أوله لصيام الشهر كله .. وكذلك ينبغي عليه أن يعرف طلوع الفجر الصادق من الكاذب ، ويعلم متى تكون النية ، وحكمها فيعلم كيف يصحح نيته ، وغير ذلك من فرائض الصيام وشرائطه ، لأن عبادة الله بالجهل هي طريق النصارى الضالين ، وإذا علم ولم يعمل ففيه شبه باليهود المغضوب عليهم . فالعلم مهم وشرط لصحة العمل ...بوب البخاري في صحيحه "باب العلم قبل القول والعمل " ثم استدل لذلك بقوله تعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } . قَالَ بن الْمُنِيرِ : أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فَلَا يُعْتَبَرَانِ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلنِّيَّةِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَمَلِ .نقله الحافظ ابن حجر في الفتح.. فلابد من العلم لأنه شرط لصحة القول والفعل وذلك في جميع أبواب الدين ، فالعلم إذا أطلق يراد به علم الشرع .قال العمريطي والعلم لفظ للعمومي لم يخص - - للفقه مفهوما بل الفقه أخص وعلمنا معرفة المعلوم - - إن طابقت لوصفه المحتوم .. ولقد امتن الله تعالى علينا بالعلم : فقال :{هو الذي أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون }. قال الحكمي – رحمه الله -: وامتن ربي على كل العباد وكل - - الرسل بالعلم فاذكر أكبر النعم . وقال العلامة السعدي : واعلم أن أفضل المنن - - علم يزيل الشك عنك والدرن . وقال علي رضي الله عنهم : هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل . فالعلم النافع هو الذي يرتبط بالعمل ويعمل به صاحبه ليصح به عمله فيعبد الله على بصيرة من ربه ، فيرقى عمله إلى الإخلاص والصواب . ثانيا : فالنية شرط لصحة الصيام وأشار إلى ذلك بقوله: "ويبيت الصيام في أوله" أي ينوي بقلبه أول ليلة من رمضان بعد غروب الشمس من آخر يوم من شعبان أو بعد رؤيته الهلال ، وقبل طلوع الفجر أو مع طلوعه ، القربة إلى الله تعالى بأداء ما افترض عليه من استغراق طرفي النهار بالإمساك عن الأكل والشرب والجماع والمحرمات التي كانت محرمة عليه قبل رمضان وتأكد تحريمها بدخوله . فالنية فرض من فرائض الصيام ، وبعضهم يجعلها شرطا لصحة الصوم : قال العلامة السعدي - رحمه الله - : النية شرط لسائر العمل – بها الصلاح والفساد للعمل . والنية تكون شرطا في أول العمل وبدايته أما استمرارها مع العمل فهي ركن من أركان العمل هذا الذي عليه أهل التحقيق . دليله قوله تعالى :{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }(110) الكهف . ففي الآية الكريمة دليل واضح على أن الإخلاص في العمل ينبغي أن يكون مستمرا معه إلى نهايته . وعليه يجب إخلاص النية لله تعالى في أول الصيام ولا يكون ذلك إلا بابتدائها في أول الشهر وعقد العزم على صيامه إلى آخر يوم . ومن السنة : عن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى المِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) البخاري في عدة أبواب من صحيحه ومسلم . فقوله : إنما الأعمال بالبنيات ، أي من أولها إلى آخرها ، فالنية ينبغي أن تستمر معك في عملك إلى نهيته لله تعالى رب العالمين ، فإن كان أوله لله ، وما بعده لغيره ، فإنه كله لغير الله وبذلك جاءت الآثار . و في الموطأ (641 ) بَابُ مَنْ أَجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ : وعن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول :(( لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر )). أخرجه الشافعي والنسائي والبيهقي من طريق مالك .قال العلامة الألباني صحيح لغيره ، صحيح وضعيف النسائي (2340). وفيه (642): وقال مالك عن ابن شهاب عن عائشة وحفصة زوجي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك . أخرجه النسائي والطحاوي في شرح معاني الآثار، والبيهقي من طريق مالك.انظر صحيح الجامع الصغير (6538)وهي آثار صحيحة في حكم المرفوع . قال ابن عبد البر في الاستذكار ( 3/285) وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ سَائِرِ الشَّهْرِ. إلا المسافر: ولم يختلف عن مالك وابن الْقَاسِمِ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُبِيتُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ إِلَّا إِنْ بَيَّتَهُ مِنَ اللَّيْلِ . وقول المصنف : "وليس عليه البيات في بقيته ".. "و" بعد أن يبيت الصيام أول ليلة فـ "ليس عليه" وجوبا "البيات في بقيته" أي بقية شهر رمضان .. وعن مالك يجب التبييت كل ليلة وبه قال الإمامان الشافعي وأبو حنيفة لأن أيام الشهر عبادات ينفرد بعضها عن بعض ولا يفسد بعضها بفساد بعض ويتخللها ما ينافيها كالأكل والشرب والجماع ليلا فصارت الأيام كالصلوات الخمس في اليوم فيجب أن ينفرد صوم كل يوم بنية كما تنفرد كل صلاة بنية . ووجه المذهب قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فتناول هذا الأمر صوما واحدا وهو صوم الشهر وإنما كانت مبيتة لما رواه أصحاب السنن من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) وإنما اغتفر تقديمها في الصوم للمشقة . قال ابن ناجي ظاهر كلام الشيخ أنه لا يلزم تجديد النية لمن انقطع صومه كالحائض وهو كذلك عند أشهب وغيره.. بقي المريض والمسافر إذا تماديا على الصوم فإنه يجب عليهما النية في كل ليلة لعدم وجوب التتابع في حقهما ، وعند صحة المريض وقدوم المسافر يكفيهما نية لما بقي كالحائض تطهر والصبي يبلغ في أثناء الصوم والكافر يسلم في أثناء الشهر. ثم بين غايته بقوله: "ويتم الصيام إلى الليل" للآية وهي قوله :{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (187)البقرة . ولقوله عليه الصلاة والسلام في الصحيح: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم" أي انقضى صومه وتم .انتهى كلامه . والحديث أخرجه البخاري (1954)ومسلم (1100). قلت : وخلاصة الكلام في تبيت النية أنه تجب في أول ليلة من رمضان وتستحب في باقيه ؛ أي في كل ليلة قبل الفجر أو معه ؛ فإن قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) يحتمل في أول ليلة منه ويحتمل في كل ليلة . وبهذا القول يسقط الاحتمال ويجمع بين الخلاف ويصيب السنة فيكون جامعا للنية في كل الشهر على وجه الوجوب في أوله وعلى الاستحباب في كل ليلة . وهنا مسألة أخرى متعلقة بالنية هل هي خاصة بالفرض أم عامة ، والذي عليه جمهور العلماء أنها عامة في كل صوم ، وهو مذهب مالك ،وإن خالف فيه بعض أصحابه وقالوا أنها خاصة بالفرض وهو الصحيح . وهو ما رجحه المحققون من أهل المذهب . وتبيت النية خاص بالفرض غير النفل : قال ابن عبد البر : في الكافي (ص 76-77) والنية محلها القلب ، والتلفظ بها بدعة ، ويجب تخليصها لله تعالى من جميع شوائب الشرك ، فتعقد في قلبك أيها الصائم أن هذا الصوم لله تعالى وحده إيمانا واحتسابا. أما بقية فرائضه وهي الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَالْجِمَاعِ، وَاسْتِغْرَاقُ طَرَفَيِ النَّهَارِ الْمُفْتَرَضِ صِيَامُهُ فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى يتبع - إن شاء الله - ..
  9. أبو بكر يوسف لعويسي

    شرح باب الصيام من رسالة ابن أبي زيد القرواني

    بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد : فهذا بابٌ في الصيام من متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني - رحمه الله - وشرحي عليه سائلا المولى أن ينفع به كل من اطلع عليه وأن يكتب لي أجر نشر العلم وتعليمه إني ربي قريب سميع مجيب . قال ابن أبي زيد القيرواني –رحمه الله - : بابٌ في الصيام . متن : وصوم شهر رمضان فريضة ، يصام لرؤية الهلال ، ويفطر لرؤيته ، كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما فإن غم الهلال فيَعدُ ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام ، وكذلك في الفطر ... -------------------- شرح : في هذا مسائل : الأولى : قوله : باب في الصيام ، أي معناه هذا باب جامع في أحكام الصيام ، وما يتعلق به . كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي ، تحقيق : يوسف الشيخ محمد البقاعي.بتصرف يسير . أقول : وأول تلك المسائل فضائل الصيام والترغيب فيه ، فقد جاء في فضل الصيام عامة ، وفضل رمضان خاصة آيات وأحاديث كثيرة تبين فضله وتحض على فعله تقربا إلى الله تعالى ، وتدل على أن الصيام من أعظم القربات التي يُتقرب بها إلى الله، فمن القرآن قوله تعالى : { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } الأحزاب 35. فذكر تعالى في معرض المدح والثناء على هؤلاء أن الصائمين والصائمات ممن أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ، وهذا فيه ترغيب في فضل الصيام وتشويق لأجره العظيم الذي لا يعلمه إلا الله ، أنه المغفرة والأجر العظيم .وإذا استعظم الله شيئا فلا تسأل بعده عن عظمته، ونفس المؤمن تواقة للأمور العظيمة فلا ترضى بالدون . وقوله تعالى : { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }(184) البقرة. ففي الآية الكريمة أن الصيام مع القدرة فيه خير كبير للصائم ، وأي خير من الله يَعِد به الصائمين ، فلا تسأل عن عِظمه وفضله ..لأنه من العظيم . ففي الموطا (324) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. إِنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ، وَطَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي. فَالصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلاَّ الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». أنظر إلى سر عظيم الأجر كيف يملأ نفسك شوقا للتطلع إليه وحرصا على الحصول عليه بالحرص التام على الصيام إيمانا واحتسابا ؛ فليس فقط في رمضان ولكن أن تجعل السنة كلها رمضان .. فالصيام حصن حصين من الشهوات ،ومن النّار وتربية للنفس وترغيبها وحملها على الصبر وتحمل المشاق فالصوم مدرسة وقائية تربوية .. فمن الشهوات ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَنْكِحْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَا فَلْيَصُمْ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ)) البخاري (5065-5066)ومسلم (1400) . ومن النّار ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ " (9225)وقال محققه حديث صحيح . والصيام جنّة يستجنّ بها العبد من النّار:(( عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ، وَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ))أخرجه أحمد(14669) من حديث جابر وعثمان بن أبي العاص y .قال محققه حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن . فقد أخرج مالك في موطئه رقم ( 696) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (( الصيام جنّة ، فإذا كان أحدكم صائما ، فلا يرفث ، ولا يجهل ، فإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل:إني صائم ، إني صائم )). أخرجه البخاري ( 1894) وأبو داود والنسائي من طريق مالك ، وأخرجه أحمد . وفي عظيم فضله قال r: ((من صام يوما في سبيل الله باعد الله بذلك وجهه عن النار سبعين خريفا >> رواه البخاري (6/35) ومسلم 1153). هذا في صيام يوم واحد فكيف بمن يصوم شهرا إيمانا واحتسابا ، فكيف بمن يصوم الدهر كذلك. ولكن هل أحد يصوم الدهر أو يستطيعه ؟ نعم . كيف ذلك ؟ إذا صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فقد صام الدهر أي العام كله لأن الحسنة بعشر أمثالها.فإذا واظب كل سنة كذلك فهو صائم للدهر وكذلك إذا صام رمضان ، وصام من كل شهر ثلاثة أيام ؛ فهذا صيام الدهر . والصوم يدخل الجنة ، فإذا كان وقاية من النّار فهو يدخل الجنة ؛عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: مُرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: " عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ ". ثُمَّ أَتَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لِي : " عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ " أحمد(22149)قال محققه : إسناده صحيح على شرط مسلم.والنسائي في الكبرى (2544)وفي الصغرى (2223) وابن حبان في صحيحه (3425)وقال الألباني صحيح . وله في الجنة بابا خاصا يسمى الريان لا يدخل منه إلا من صام لله تعالى ، أي من أكثر الصيام نفلا زائدا عن صيام رمضان . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَلِلْجَنَّةِ أَبْوَابٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ )). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ ضَرُورَةٍ مِنْ أَيِّهَا دُعِيَ، فَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( نَعَمْ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ )).أخرجه مالك في "الموطأ"(2/479)، والبخاري (1897)باب الريان للصائمين وفيه (1896-3275) عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ )). وأخرج مسلم حديث أبي هريرة (1027-85)وحديث سهل بن سعد (1152) والترمذي حديث أبي هريرة (3674)، والنسائي (4/168- 169و6/47-48) وأحمد (7633-9800). وله أجرا لا يعلمه إلا الله يوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ، والصيام أعظم عمل اجتمع فيه أنواع الصبر، قال تعالى :{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (10)الزمر. وفي الحديث عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ..))البخاري (1904)ومسلم (1151). وحديث الموطأ(58) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((...فَالصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ.كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلاَّ الصِّيَامَ، فَهُوَ لِي. وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)).فاجتمع الصبر كله في الصيام ، ولهذا السر قال الله إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ، فلا يعلم أجره إلا هو سبحانه كما لا يعلم أجر الصابرين إلا هو سبحانه وتعالى . والصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما ، قال صلى الله عليه وسلم :((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان)) . صحيح الجامع (3882)،وقال: (صحيح) [حم طب ك هب] عن ابن عمرو. المشكاة (1963) وصحيح الترغيب (973) وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند : إسناده صحيح. وهو كفارة للذنوب : قال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات ما بينهن؛ إذا اجتُنبتِ الكبائر) . مسلم (233) ومسند أحمد (7129) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي بَعْدَهَا، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا "، قَالَ: " وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالشَّهْرُ إِلَى الشَّهْرِ - يَعْنِي رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ - كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا " قال أحمد شاكر : (6/353)إسناده صحيح ، وقال الأرنئوط : صحيح دون قوله : "إلا من ثلاث ... "إلى آخر الحديث .وكذلك صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (3322). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» البخاري (38-1901) بَابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً.(2014)ومسلم (760). ومن ثمرته أنه فرح وسرور وحبور لصحبه يوم فطره ويوم يلقى ربه ، قال صلى الله عليه وسلم :(( للصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بفطره ))مالك في الموطأ باب جامع في الصيام ،والبخاري (1805) ومسلم (1151). بهذا كله من الفضائل وغيرها جاءت الآيات و الأحاديث النبوية الصحيحة ، فطوبى لمن صام رمضان إيمانا واحتسابا واتبعه بما استطاع من تطوع ونافلة في سبيل الله . المسألة الثانية : تعريف الصيام : والصيام في اللغة : قال ابن عبد البر - رحمه الله- : وأصله في اللغة الإمساك مطلقا ، وكل من أمسك عن شيء فقد صام عنه ، ويسمى صائما .. ألا ترى قول الله تعالى : { إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا } فسمي الإمساك صوما ، وكل ممسك عن حركة ، أو عمل ، أو طعام ، أو شراب فهو صائم في أصل اللسان . تعريفه في الشرع : لكن الاسم الشرعي هو : الإمساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارا ، إذا كان تارك ذلك يريد به وجه الله وينويه ، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة . موسوعة شروح الموطأ ( 9/ 344- 345). وقال في الكافي في فقه أهل المدينة (1/ 320):معنى الصيام في الشريعة الإمساك عن الأكل والشرب والجماع ، وذلك فرضه . وسنته :أن يجتنب الصائم قول الزور ، والغيبة ، والخنا ، وما لا يصلح من والقول والعمل . أقول : إن كان يقصد بقوله فرضه أي مما فرضه الله عليه ، وسنته ما سنه رسول الله فنعم ، أما إن كان يقصد بالفرض الاصطلاحي والسنية عند الفقهاء فغير صحيح بل واجب عليه( أي الصائم ) أن يجتنب قول الزور والرفث والغيبة والنميمة وغير ذلك من المعاصي التي تأثر في الصيام ، وإن كانت لا تبطله على قول المختار وقال ببطلانه طائفة من العلماء . وجاء في كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي : أن الصيام شرعا هو : الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية قبل الفجر أو معه في غير أيام الحيض والنفاس وأيام الأعياد ، ويضاف إليه قيد : بقصد التقرب إلى الله. وهذا التعريف هو المختار في المذهب . والذي تعضده الأدلة . ============================= متن : ثم قال المصنف رحمه الله : وصوم شهر رمضان فريضة ... ------------------ المسألة الرابعة : حكم الصيام : قوله هذا فيه حكم الصيام : أي أنه فريضة على الأعيان المكلفين ، بالكتاب والسنة والإجماع ، بعد أن كان على التخيير ..فإن الصيام مر بثلاث مراحل . أولا : كان يصام عاشوراء وجوبا ثم نسخ الوجوب بنزول صيام شهر رمضان ، ونزل في البداية على التخيير فمن شاء صام ومن شاء أفطر وأفدى ، ثم نسخ هذا وفرض صيامه على الأعيان المكلفين بشروط سيأتي ذكرها . قال القرطبي - رحمه الله -:في المقدمات (1/246): وكان في أول الإسلام من شاء أن يصوم صام ومن شاء أن يفطر أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا على ما ورد في هذه الآية، فنسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]، وهذا مذهب مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجميع أصحابه. أما وجوبه بالكتاب فقوله تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ...} البقرة :.. وقال عز وجل : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ..} هذه الآية نسخت الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى : { وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون }. روى البخاري برقم (4507)عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها . وروي أيضا من حديث عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر، قال: هي منسوخة. ولابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره قول في هذه الآية أنها غير منسوخة وإنما هي في الشيخ الكبير والمرأة العجوز العاجزين عن الصوم..والحامل والمرضع، وسيأتي الكلام عليهما. أخرج البخاري برقم (4505): حدثنا إسحاق، أخبرنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: (( وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مسكين )). قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا .وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه. وقال القرطبي (1/247) وقد قيل: إن الآية محكمة وردت في الشيخ الكبير والعجوز والمرضع والحامل. جاء ذلك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في رواية، جاء عنه وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أنهما قرءا وعلى الذين يطوقونه. ومعنى هذه القراءة يكلفونه فلا يطيقونه إلا بجهد ومشقة. وقد وردت الآية عامة في هؤلاء وفي الصحيح المقيم، فنسخ من ذلك الصحيح المقيم بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وبقيت الآية محكمة في المذكورين.انتهى كلام القرطبي. وقال ابن رشد القرطبي المالكي في المقدمات (1/246)وقَوْله تَعَالَى في شهر رمضان: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] منسوخ، نسخه قول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. وفي حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/440):ومن السنة أيضا على وجوب الصوم حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما-قال : قال رسول الله :(( بني الإسلام على خمس ، شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ )) والحديث أخرجه البخاري (1/47)(رقم 8- 4514)وبوب عليه : بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ)).وكذلك فعل في صحيح مسلم (رقم16). وعنده في رواية تقديم الصوم على الحج.انظر فقه العبادات على المذهب المالكي(1/304). وحديث طلحة بن عبيد الله أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ : ((شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)) أخرجه البخاري باب وجوب صوم رمضان (1891)ومسلم (11).من طريق مالك وهو في الموطأ برقم ( 188)هكذا فيهما بتقديم الصوم على الزكاة وذلك حسب سؤال الأعرابي . وأما الإجماع : فإن الأمة قد أجمعت من عصر الصحابة إلى يومنا هذا على وجوب صيام رمضان وأنه أحد أركان الإسلام الخمسة وشرائعه التي علمت من الدين بالضرورة ، فإن منكره كافر مرتد عن الإسلام . جاء في كفاية الطالب الرباني لرسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/553) لأبي الحسن المالكي قال : ولوجوبه شروط - يأتي الكلام عليها- وقد دل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع ؛ فمن جحد وجوب صوم رمضان فهو كافر إجماعا يستتاب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل ، ومن أقر بوجوبه وامتنع من صومه فهو عاص يجبر على فعله؛ فإن لم يفعل قتل حدا كالصلاة ، هذا قول عامة العلماء . وكذلك قاله في الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (1/293). لصالح بن عبد السميع الآبي الأزهري (المتوفى : 1335هـ). وخلاصة الموضوع : أن الصيام من فروض الأعيان يجب على كل مكلف ، ومن المعلوم بالضرورة من الدين الذي لا يجوز جهل فرضه ووجوبه لوضوحه وبيان حكمه للعالم والجاهل والكبير والصغير فلا يعذر أحد بتركه فمن تركه جحودا فهر كافر مرتد ، ومن تركه عمدا تهاونا بلا عذر فهو على كبيرة عدها بعض العلماء أعظم من شرب الخمر وتعاطي الزنا . قال الحافظ الذهبي رحمه الله : أن من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا عذر أنه شر من الزاني ، ومدمن الخمر ، بل يشكون في إسلامه ،ويظنون به الزندقة والانحلال . يتبع- إن شاء الله -...
  10. أبو بكر يوسف لعويسي

    الحِكم من صيام شعبان والتي تكون سببا في زيادة الإيمان :

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولي الصالحين ، والعاقبة للمتقين الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين . أما بعد : فهذه بعض الحِكم في صيام شعبان الشهر ذي الفضائل الجمة التي يغفل عنه كثير من النّاس كما أخبر بذلك سيدي وحبيبي رسول رب العالمين ، فهذه الحكم إذا عرفها العبد وحرص عليها كانت سببا من أسباب زيادة الإيمان ، تقربه إلى ربه عز وجل . 1 – التمرن والتدرب على الصيام والاستعداد نفسيا وبدنيا من أجل صيام رمضان . جرت سنة الله تعالى في خلقه أن الاستعداد الروحي والبدني ، لكل أمر ديني أو دنيوي لا بد منه حتى يكون النجاح والفوز وجني أفضل الثمار والنتائج ، وإن صيام شعبان هو تدريب النفس والجسد على الطاعة ، وذلك بتزكية النفس بالصيام وحملها على الصبر على مشاق الجوع والعطش وشهواتها ، فتستشعر التقوى والتوبة ، وتسارع إلى الحرص على تفقه العلم النافع ، والإكثار من العمل الصالح .. نعم ؛ في هذه الأيام الفاضلة من شهر شعبان يُروض المسلم نفسه على الطاعة ، والصبر بأنواعه ، بكثرة الصيام ، وقراءة القرآن في شهر القراء ، استعدادا لشهر القرآن ، والذكر ، والإنفاق مما يحب ، وقراءة سير الصالحين المتقين في هذا الشهر الذي صيامه كالراتبة لصيام فريضة رمضان ، وسماع المواعظ ، والرقائق لعله يدرك ركبهم فيكون منهم أو ملحقا بهم .. وإذا كان حال المسلم في شعبان بهذا القدر من الاستعداد فليس من شك أنه يزداد إيمانا وعملا صالحا في حينه وحاله ، وهو يستقبل رمضان فيكون حاله أفضل من حاله في السنة التي خلت ، وإن لم يزيد على ما قام به في غابر ماضيه فلا يفتر وينقص مما كان عليه ، فقد كان صواما قواما ، جواد كريما، لا يفتر عن الذكر ولا يتأخر عن البركة والخير .. 2 – صيام شعبان كالراتبة للرمضان: يعتبر بعض العلماء صيام شعبان كرواتب الصلاة . فيجعلون لرمضان راتبة قبلية ، وراتبة بعدية ، فشعبان راتبته القبلية ، وست من شوال راتبته البعدية . فالراتبة القبلية تكون للإعداد النفسي والمعنوي وقد مر ذلك قريبا ، والبعدية تكون للحمد والشكر وجبر النقص الذي يحصل للمسلم في صيامه .وكذلك هي الحكمة من راتبة الصلاة . 3- شهر يغفل عنه النّاس . ومعنى غفلة النّاس فيه ، أنهم مشغلون عن العبادة فيه ، يستعدون لاستقبال رمضان بتخزين المؤن جمعا للمال ، فهم غافلون عن فضل اغتنام أوقاته منغمسون في ملذات الدنيا مثل غفلة أهل السوق عن العبادة والذكر فيه ، فقل ما تجد في السوق متيقظا فطنا يذكر الله. فانفراد العبد بالعبادة في غفلة الناس له أجر أعظم وفضل كبير . ويكفيه أنه لا يكتب من الغافلين ، بل يكتب من الذاكرين الله . قال رسول الله : (( فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا، يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ» وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» السلسلة الصحيحة( 494)وصحيح الجامع (993). وعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: " طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ "، فَقِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ، فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ " صحيح الجامع (3921). وفي صحيح مسلم ( 145) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» وذلك معنى قوله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ }(29)الرعد . وفي هذه النصوص دليل على استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة وأن ذلك محبوب لله عز وجل كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشاءين بالصلاة ويقولون: هي ساعة غفلة .لطائف المعارف (1/131). فقد روى الطبراني في الكبير عن الأسود بن يزيد، قال قال عبد الله بن مسعود: نعم ساعة الغفلة، يعني الصلاة فيما بين المغرب والعشاء. قال الهيثمي: فيه جابر الجعفي، وفيه كلام كثير، وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: ساعة ما أتيت عبد الله بن مسعود فيها إلا وجدته يصلي ما بين المغرب والعشاء، فسألت عبد الله. (عن ذلك) فقال: إنها ساعة غفلة. قال الهيثمي: وفيه ليث بن أبي سليم، وفيه كلام. وفي الزهد للإمام أحمد (1779) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَدْخُلُ السُّوقَ نِصْفَ النَّهَارِ يُكَبِّرُ وَيُسَبِّحُ وَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا بَكْرٍ السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((إِنَّهَا سَاعَةُ غَفْلَةٍ)). وورد في فضل الذكر في الأسواق ما ورد من الحديث المرفوع والآثار الموقوفة حتى قال أبو صالح: إن الله ليضحك ممن يذكره في السوق .لطائف المعارف . ففي الصحيحة (3139):قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (مَنْ دَخَلَ سُوقاً من الأسواقِ فقال :"لا إله إلا الله وحده لا شريكَ لهُ، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كلَّ شيءٍ قديرٌ" كَتَبَ الله له ألفَ ألفِ حسنةٍ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيئةٍ) . وهذا أجر عظيم ، وسبب ذلك أنه ذكر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ، رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللهُ: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقَوْا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللهُ لَهُ. وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلُومُ ")).(1). قال الحافظ ابن رجب : فهؤلاء الثلاثة انفردوا عن رفقتهم بمعاملة الله سرا بينهم وبينه فأحبهم الله ؛ فكذلك من يذكر الله في غفلة الناس أو من يصوم في أيام غفلة الناس عن الصيام.لطائف المعارف (1/131). ومنها: أن العبادة في غفلة النّاس أشق على النفوس: وأفضل الأعمال أشقها على النفوس ، وسبب ذلك أن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال أبناء الجنس ؛ فإذا كثرت يقظة الناس وطاعاتهم كثر أهل الطاعة لكثرة المقتدين بهم ؛ فسهلت الطاعات ، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدون بهم فيها ، ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( للعامل منهم أجر خمسين منكم ،إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون))(2).لطائف المعارف (1/132). وقال صلى الله عليه وسلم : ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)) وفي رواية قيل : ومن الغرباء: قال : (( الذين يصلحون إذا فسد الناس)). وفي هذا دليل على يقظتهم وغفلة النّاس ؛ بل الذي يقرأ سيرهم يرى العجب في يقظتهم ونشاطهم وتقربهم إلى الله بشتى أنواع العبادات ، مما تزيد في إيمانهم . أخرج قوام السنة في الترغيب والترهيب (1754): عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال :((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استهلوا شعبان أكبوا على المصاحف فعرضوها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم يقوون المسكين ، والضعيف على صيام شهر رمضان ...)). وفي صحيح مسلم باب فضل العبادة في الهرج (2948) من حديث معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( العبادة في الهرج كالهجرة إلي)). قال :محمد فؤاد عبد الباقي (4/2268): (العبادة في الهرج كهجرة إلي) المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا الأفراد]: عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، الَّذِينَ يُمْسِكُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ حِينَ يُتْرَكُ ، وَيَعمَلُونَ بِالسُّنَّةِ حِينَ تُطْفَأُ)) البدع لابن وضاح (169). 4- ترفع فيه الأعمال ، وتعرض على رب العالمين : والعرض والرفع يومي في العصر والفجر ، وأسبوعي الاثنين والخميس ، وسنوي في شهر شعبان .وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة . العرض والرفع اليومي : قال تعالى :{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ..} أورد ابن جرير (20/445) عن ابن عباس قوله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قال: الكلام الطيب: ذكر الله، والعمل الصالح: أداء فرائضه، فمن ذكر الله سبحانه في أداء فرائضه حمل عليه ذكر الله فصعد به إلى الله، ومن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به. أي وهذا كل يوم . فهو سبحانه (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (29)الرحمان. قال البغوي : (7/446) قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُحْيِيَ وَيُمِيتَ، وَيَرْزُقَ، وَيُعِزَّ قَوْمًا، وَيُذِلَّ قَوْمًا، وَيَشْفِيَ مَرِيضًا، وَيَفُكَّ عَانِيًا وَيُفَرِّجَ مَكْرُوبًا، وَيُجِيبَ دَاعِيًا، وَيُعْطِيَ سَائِلًا وَيَغْفِرَ ذَنْبًا إِلَى مَا لَا يُحْصَى مِنْ أَفْعَالِهِ وَأَحْدَاثِهِ فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ. وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» متفق عليه . العرض والرفع الأسبوعي والشهري السنوي: وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الأيام يسرد حتى نقول لا يفطر ويفطر الأيام حتى لا يكاد يصوم إلا يومين من الجمعة إن كانا في صيامه وإلا صامهما ولم يكن يصوم من الشهور ما يصوم من شعبان فقلت يا رسول الله إنك تصوم حتى لا تكاد تفطر وتفطر حتى لا تكاد تصوم إلا يومين إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما؟ قال:(( أي يومين ؟)) قلت : يوم الاثنين ويوم الخميس قال: (( ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم )) قلت : ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال:(( ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم )). ففي هذا الشهر يجتمع فيه أنواع رفع العمل وعرضه على الله ، وهذه مزية وفضيلة لهذا الشهر إذا عرفها العبد الصالح بادر إلى الطاعات وتحسين العمل الصالح وتخليصه من شوائب الشرك والبدعة حتى يكون خالصا صوابا فيرفع إلى ربه ويعرض عليه وهو صائم ، لذلك كان نبينا يحرص على صيام شعبان كله أو أغلبه ، حتى لا يفوته شيء من العرض وهو صائم . 5- شهر تقضى فيه الفوائت من الديون ، والنوافل : لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي فيه الأيام التي لم يكن يصمها من الشهور ، ولذلك كانت عائشة تغتنم هذا الشهر في قضاء صيامها الذي يكن عليها من رمضان أما باقي الشهور فهي مشتغلة به . ففيه دليل على جواز قضاء نوافل الصوم ، ومن باب أولى الواجبات. 6 – أنه شهر القراء ... وقال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: هذا شهر القراء وكان عمرو بن قيس الملائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن قال الحسن بن سهل: قال شعبان: يا رب جعلتني بين شهرين عظيمين فما لي؟ قال: جعلت فيك قراءة القرآن يا من فرط في الأوقات الشريفة وضيعها وأودعها الأعمال السيئة وبئس ما استودعها. مضى رجب وما أحسنت فيه .. وهذا شهر شعبان المبارك فيا من ضيع الأوقات جهلا .. بحرمتها أفق واحذر بوارك فسوف تفارق اللذات قسرا .. ويخلي الموت كرها منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا .. بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم .. فخير ذوي الجرائم من تدارك. لطائف المعارف . أخرج قوام السنة في الترغيب والترهيب (1754): عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال :((كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استهلوا شعبان أكبوا على المصاحف فعرضوها...)) 7 – سابعا : فضل ليلة النصف من شعبان : إذا كان في هذا الشهر يجتمع في عرض العمل اليومي في كل يوم في صلاة الفجر والعصر ، وفي الأسبوع ، في كل خميس واثنين، والسنوي ، في شعبان ، ليراجع العبد نفسه ، ويحاسبها في هذا الشهر أشد الحساب ، فيحملها على الصيام ليعرض عمله اليومي والأسبوعي والسنوي وهو صائم ، فهو أدعى إلى مغفرة ذنوبه ولكن بشرطين اثنين هما عدم الإشراك بالله ، وعدم مشاحنة الإخوان والخلان من أجل الدنيا ،ففيه ليلة يطلع فيها الله عز وجل على عباده فيغفر لجميع خلقه إلا مشرك أو مشاحن . عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:((يَطَّلِعُ الله إلى خَلْقِ فِي لَيْلَةِ النِّصف مِنْ شَعْبَانَ ، فيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ؛ إلا لُمشْرِكٍ أو مُشَاحِنٍ)).(3). وقوله : ( لجميع خلقه ) هذا من العام المخصوص والمراد به المسلمين ، أو المؤمنين ؛ فقد جاء مفسرا في الترغيب والترهيب لقوام السنة (1858 ): عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر لكل مسلمٍ إلا لمشركٍ أو مشاحن أو قاطع رحمٍ أو امرأة تبغي في فرجها)) .فزاد فيه قاطع الرحم ، والمرأة البغي . وفي السنة لابن أبي عاصم (511) وهو أصح : ((فيغفر للمؤمنين، ويترك أهل الضغائن، وأهل الحقد بحقدهم)) قال الألباني حديث صحيح. وقال في صحيح الترغيب والترهيب (2771) [صحيح لغيره]. وزاد في مسند أحمد(6642): ((فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ إِلَّا لِاثْنَيْنِ : مُشَاحِنٍ، وَقَاتِلِ نَفْسٍ )). فتلخص أن الذين لا يغفر الله لهم في هذه الليلة العظيمة التي يطلع الله فيها إلى خلقه : المشرك وتحته الكافر والمنافق فاقا أكبر ، والمشاحن الحاقد على إخوانه من أجل الدنيا، وقاطع الرحم ، والمرأة البغي ، وقاتل النفس ، والمبتدع الذي حجب الله التوبة عنه ، فعمله مردود عليه ؛ فهو ليس أهلا لأن يغفر له ، إلا أن يتوبوا من تلك الأعمال فالله يتوب عليهم ويغفر لهم . فإذا علم العبد أن الله لا يغفر لهؤلاء وكانت فيه خصلة من تلك الخصال ، وخاصة مشاحنة الإخوان والخلان والحقد عليهم سارع إلى التوبة والأوبة وتدارك ذلك حتى لا يؤخر عن مغفرة الله ، فربما جاءته منيته وهو على تلك الحال فلا يستطيع أن يستدرك المغفرة من ربه فيخسر هذا الفضل ، وذلك اللطف من ربه الغفور الرحيم . قال بعض علماء السلف - رحمه الله-: ينبغي للناس إذا دنا رمضان أن يفرحوا ويستبشروا بدنوه ويدعوا الله تعالى ويسألوه أن يبلغهم إياه، ويوفقهم لصيام أيامه وقيام لياليه، ويجنبهم فيه الفسوق والعصيان ويوطنوا نفوسهم أن يتشمروا لأداء حقه وأن يتراءوا هلاله ليلة الثلاثين من شعبان فعل من يستعجل لقدوم غائب كريم، ويقولون ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند رؤية الهلال: ((اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والإسلام، ربي وربك الله)) . وروي أنه كان يقول: ((الله أكبر ثم يدعو)) ، وفي رواية ((أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى)) . الترغيب والترهيب (2/365) لقوام السنة . الهامش : ----------- (1)- مسند أحمد (21355)وقال محققه :حديث صحيح ، وكذلك قال في تحقيق صحيح ابن حبان (3349)وقال الترمذي (2568): هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهَكَذَا رَوَى شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، نَحْوَ هَذَا، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ. وقال الحاكم على شرطهما وأقره الذهبي في التلخيص ،وقال محقق موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (1602) :إسناده جيد وقال عبد الله الدويش في تنبيه القارئ (1/126): قال في التعليق على صحيح ابن خزيمة (4: 150) : إسناده ضعيف ، وإن صححه بعضهم فإن زيد بن ظبيان ما روى عنه غير ربعي. أقول ( أي الدويش ): هكذا ضعفه هنا، وقد صححه في موضع آخر فقال (حم) عن أبي ذر في صحيح الجامع (3: 74، 75، رقم 3069) صحيح، تخريج المشكاة (1922) ، ت، حب، ك، ابن المبارك ابن أبي شيبة، ابن نصر، الطحاوي. والله أعلم. (2)- قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (1/783): رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه ا.هـ. (3)- التعليقات الحسان(5636) وقال حسن ـ ((التعليق الرغيب)) (3/ 282 ـ 283) و((الصحيحة)) (1144).وقال حديث صحيح.
  11. اللهم إنك أمرتنا بسؤالك ووعدتنا بالإجابة ، وهذا يوم الجمعة فلعلها تكون ساعة إجابة فإني أسالك بأسماءك الحسنة وصفاتك العلى أن تصلح بين الصلحين وأن تؤلف بين قلوبهم وأن تجمع شملهم ، وأن توفق المخطئ منهم للرجوع إلى الحق ، والمصيب منهم للتنازل عن شح نفسه وحقوقه حتى يلتئم الجرح وتعود المياه إلى مجراها الطبيعي إنه سميع قريب مجيب . اللهم أميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن
  12. أبو بكر يوسف لعويسي

    تحذير العقلاء من خطر أذية العلماء

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة عُلماءَ عاملين، وأئمة مخلصين، وهيَّأهم لهذا الدّين ينفون عنه تحريفَ الغالين ، وانتحالَ المبطلين ، وتأويلَ الجاهلين ، فلا يخلوا زمان من قائم لله بحجة . ولقد كان في كل عصر منهم نخبة فضلاءٌ لهم في الذبّ عن كتاب الله وسنة رسوله - r- والردّ على أهل الأهواء والبدع والزّيغ والضلال جهودٌ عظيمة، ومواقف صلبة متينة، نصر الله بهم الحق ، وأظهر فضلهم وشفقتهم على الخلق. وأصلي وأسلم على إمام الأنبياء وشيد العلماء ، وعلى آله وصحبه الأتقياء وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم اللقاء . أما بعد : فلا يشك أحد من النّاس فضلا عن طلبة العلم لما للعلماء من مكانة عظيمة في الإسلام، فهم ورثة الأنبياء ، ويكفيهم شرفا وفضلا بذلك لما يحملونه من العلم الذي أعطاهم الله عز وجل إياه، فورثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ولأنهم هم الهداة، وهم مثل النجوم في السماء يهتدي بها الناس، ولهذا رفعهم الله عز وجل عنده درجات، فقال الله عز وجل: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]. قال الحكمي رحمه الله في الميمية : والسالكون طريق العلم يسلكهم - - إلى الجنان طريقا بارئ النسم والسامع العلم والواعي ليحفظه - - مؤديا ناشرا إياه في الأمم فيا نظارته إذ كان متصفا بذا - - بدعوة خير الخلق كلهم كفاك في فضل أهل العلم أن رفعوا - - من أجله درجات فوق غيرهم فَالْعُلَمَاء هم الحافظون لكتاب الله القائمون بشرع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهم الموضحون لحكم الله وهم الناصرون لدين الله وهم الْمَأْمُور بِلُزُوم جَمَاعَتهمْ وَترك مفارقتهم ومنازعتهم . قَالَ الإِمَام البُخَارِيّ - رَحمَه الله - فِي كتاب الاعتصام (9/107) بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] وَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلُزُومِ الجَمَاعَةِ، وَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ . فمحبة العلماء محبة للأنبياء ، والمرء يحشر مع من أحب ، وبغض العلماء بغض للأنبياء ؛ وما أخزى وأحقر وأذل من كان هذا حاله . فالكلام في أهل العلم والطعن فيهم ، وعدم احترامهم وعدم حفظ مكانتهم وشرفهم وانتقاصهم انتقاص لميراث النبي صلى الله عليه وسلم وتهوين للنصوص التي جاءت في فضلهم ، ومن هنا يظهر جليا ، خطورة الطعن في العلماء، ورميهم بالمداهنة ، وخفة الديانة، أو أنهم مرجئة الحكام ، أو أنهم يتكلمون بغير علم ، ويلقون الكلام جزافا ، أو .. أو .. مما تسمع من المتطاولين على شرف وقدر علماء الأمة الربانيين ، وهذا خطر عظيم يترتب عليه فقدان الثقة في العلماء ، ومن ثم فقدان العلماء ، مما يفتح الباب أمام أهل الجهل لينصبوا عليهم جاهلا يفتيهم بغير علم فيَضل ويُضل .. وليعلم الطاعنون على العلماء ، المؤذون لهم بأي أنواع من الأذى أن أذية العلماء أذية لله ورسوله ، ومن كان كذلك فليستعد لحرب الله الذي سينزلها به ولينظر هل يستطيع أو يقوى أن يحارب الله تعالى ؛ أم سيناله ذلة وخزي وعار وشنار وربما ختم له بسوء الخاتمة ؛ فيكون من أعداء الله لأن الله لا يعلن الحرب إلا على أعدائه . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: « مَنْ آذَى فَقِيهًا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آذَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» الفقيه والمتفقه (ص142). ومصداق ذلك في قول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ )) البخاري (6502). وقوله : (آذنته بالحرب) أعلمته بالهلاك والنكال . فليستعد أولئك الذين يؤذون العلماء بالهلاك والنكال من الله تعالى .ثم ينظروا هل يستطيعون لذلك النكال والهلاك أم يجدون أعذارا لهم تنجيهم ؟! قال تعالى :{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)} قال البغوي في تفسيره (6/376) مِنْ غَيْرِ أَنْ عَلِمُوا مَا أَوْجَبَ أَذَاهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَقَعُونَ فِيهِمْ وَيَرْمُونَهُمْ بِغَيْرِ جُرْمٍ . قال قتادة :فإياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضب له.تفسير ابن جرير(20/324). قلت : إذا كانت هذا هو جزاء من يؤذي المؤمن بغير ما اكتسب فكيف بمن يؤذي ورثة الأنبياء الذين رفعهم الله على خلقه وارتضى شهادتهم على وحدانيته ؟! قال القرطبي في تفسيره (14/240): أذية المؤمنين والمؤمنات هي أيضا بالأفعال والأقوال القبيحة، كالبهتان والتكذيب الفاحش المختلق. وهذه الآية نظير الآية التي في النساء:{ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا}" [النساء: 112]. وقد قيل: إن من الأذية تعييره بحسب مذموم، أو حرفة مذمومة، أو شيء يثقل عليه إذا سمعه، لأن أذاه في الجملة حرام.انتهى . وقوله (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) يقول: فقد احتملوا زورا وكذبًا وفرية شنيعة، والبهتان: أفحش الكذب، (وَإِثْمًا مُبِينًا) يقول: وإثما يبين لسامعه أنه إثم وزور. ألا تخشى يا من تطلق لسانك في ورثة الأنبياء بالثلب والنقيصة أن ينالك شيء من هذا الوعيد الشديد التي توعد الله تعالى من يقوم بأذية عباده فضلا عن أوليائه ، راجع نفسك ، وانظر أين تضع قدمك ، واستعد للمثول بين يدي ربك ؛ فإن الجرم عظيم ، لا يقل عن جرم أعداء الله الذين أعلن عليهم الحرب . قال ابن كثير (6/480) وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا} أَيْ: يَنْسُبُونَ إِلَيْهِمْ مَا هُمْ بُرَآء مِنْهُ ، لَمْ يَعْمَلُوهُ وَلَمْ يَفْعَلُوهُ. وقوله : {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} وَهَذَا هُوَ الْبُهْتُ الْبَيِّنُ أَنْ يُحْكَى أَوْ يُنْقَلَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ مَا لَمْ يَفْعَلُوهُ، عَلَى سَبِيلِ الْعَيْبِ وَالتَّنَقُّصِ لَهُمْ، ومَنْ أَكْثَرِ مَنْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الكفرةُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، ثُمَّ الرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَتَنَقَّصُونَ الصَّحَابَةَ وَيَعِيبُونَهُمْ بِمَا قَدْ بَرَّأهم اللَّهُ مِنْهُ، وَيَصِفُونَهُمْ بِنَقِيضِ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ أَخْبَرَ أنه قد رضي عن المهاجرين وَالْأَنْصَارِ وَمَدَحَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ الْأَغْبِيَاءُ يَسُبُّونَهُمْ وَيَتَنَقَّصُونَهُمْ ، وَيَذْكُرُونَ عَنْهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ وَلَا فَعَلُوهُ أَبَدًا، فَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْكُوسُو (هكذا وردت) الْقُلُوبِ يَذُمُّونَ الْمَمْدُوحِينَ، وَيَمْدَحُونَ الْمَذْمُومِينَ . قلت : وبعدهم في المنزلة من يطعن على ولاة الأمر ويخرج عليهم وعن طاعتهم في المعروف وفي مقدمتهم العلماء فإن أذيتهم إعلان عن العداوة لله تعالى وقد آذن الله بحرب من يفعل ذلك . وَالْعُلَمَاء أَيْضا هم المسمون فِي كتاب الله أهل الْأَمر الْمَأْمُور بطاعتهم فِي السِّرّ والجهر قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم} قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا أولُوا الْأَمر الْعلمَاء حَيْثُ كَانُوا ،وَكَذَا قَالَه جَابر وَمُجاهد وَعَطَاء وَالْحسن وَالضَّحَّاك وَالْمبَارك بن فضَالة وَإِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد رَحِمهم الله تَعَالَى ذكره الثعالبي وَغَيره . وَقَالَ الواحدي - رَحمَه الله - أولُوا الْأَمر الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء . وَقَالَ الثعالبي - رَحمَه الله - فِي قَوْله تَعَالَى {وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم} إِنَّهُم حَملَة الْفِقْه وَالْحكمَة .حَكَاهُ عَن جُوَيْبِر عَن الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم . وَقد قيل فيهمَا غير ذَلِك لَكِن هَذَا هُوَ الْأَصَح . نشر طيّ التعريف في فضل حملة العلم الشريف والرد على ماقتهم السخيف (1/43). عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَة، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: "أيُّ الرِّبَا أَرْبَى عِنْدَ اللَّهِ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَرْبَى الرِّبَا عِنْدَ اللَّهِ استحلالُ عِرْضِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ"، ثُمَّ قَرَأَ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} صحيح الجامع (2203) وقال صلى الله عليه وسلم : ((الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل أمه وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه )). الصجيحة (1871) صحيح الجامع (2531)(3537-3538-3579). هل رأيتهم أقبح من هذه الفعلة الشنيعة أن يأتي الرجل أمه وهي أدنى أبواب الربا ، وأن أكبره مضعف سبعين مرة ، وهو أربى الربا الذي هو استطالة الرجل في عرض أخيه ، فكيف باستطالة التلميذ في عرض شيخه بالباطل ، أو استطالة طالب العلم في عرض العالم الذي لم يوافقه على ما أراد ... فصح أَن استحلال أو شتم أو سب أو استطالة المرء في عرض أخيه بَاب من أعظم أَبْوَاب الرِّبَا الذي أذن الله سبحانه بالحرب عليه ، هذا في عامة النّاس فكيف بم ينتقص أو يطعن أو يسب أو يشتم أعراض العلماء ، وصدق من قال :لحوم العلماء مسمومة من شمها مرض وأمن أكل منها مات . قال الهيثمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/187): تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ صَرِيحُ هَذَا الْوَعِيدِ الَّذِي لَا أَشَدَّ مِنْهُ إذْ مُحَارَبَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - لِلْعَبْدِ لَمْ تُذْكَرْ إلَّا فِي أَكْلِ الرِّبَا وَمُعَادَاةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَنْ عَادَاهُ اللَّهُ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا ... ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ فِي الْخَادِمِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ الْحَدِيثِ وَتَأَمَّلْ هَذَا الْوَعِيدَ وَهُوَ حِينَئِذٍ وَآكْلُ الرِّبَا فِي قَرْنٍ {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]. وروي عن الإمام أحمد أنه قال : (لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات). ((المعيد في أدب المفيد والمستفيد)) (ص: 71). وعن مخلد قال: حدثنا بعض أصحابنا قال: ذكرت يوماً عند الحسن بن ذكوان رجلاً بشيء، فقال: (مه لا تذكر العلماء بشيء، فيميت الله قلبك). لحوم أهل العلم مسمومة ... ومن يعاديهم سريع الهلاك فكن لأهل العلم عونا، وإن ... عاديتهم يوما فخذ ما أتاك قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى: (واعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن لحوم العلماء - رحمة الله عليهم - مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمر عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لِنَعش العلم خلق ذميم). ((تبيين كذب المفتري)) (ص: 28). وَأنْشد بَعضهم فِي معنى مَا قَالَه ابْن عَسَاكِر رَحمَه الله شعرًا يَقُول فِيهِ (وتجنب الْعلمَاء وَإِن هم خلطوا- - - فالعلم يغْفر زلَّة الْعلمَاء) (فلحومهم مَسْمُومَة وبأكلها - - - يخْشَى هَلَاك الشّعْر وَالشعرَاء) وَأَن من أطلق لِسَانه فِي الْعلمَاء بالثلب بلاه الله قبل مَوته بِمَوْت الْقلب وَأي مُصِيبَة أعظم من موت الْقلب الَّذِي هُوَ دَلِيل على غضب الرب سُبْحَانَهُ فَإِن الَّذِي مَاتَ قلبه لَا يخشع وَلَا فِيهِ المواعظ قطّ تنجع وَإِذا تليت عَلَيْهِ آيَات ربه أصر مستكبرا كَأَن لم يسمع فبشره بِعَذَاب أَلِيم وخطب عَظِيم جسيم .ا.ه قال العلامة السعدي – رحمه الله - (1/671) أي: بغير جناية منهم موجبة للأذى {فَقَدِ احْتَمَلُوا} على ظهورهم {بُهْتَانًا} حيث آذوهم بغير سبب {وَإِثْمًا مُبِينًا} حيث تعدوا عليهم، وانتهكوا حرمة أمر الله باحترامها. ولهذا كان سب آحاد المؤمنين، موجبًا للتعزير، بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ ، وتعزير من سب العلماء، وأهل الدين، أعظم من غيرهم. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةَ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنْ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ.وقال في صحيح الترغيب والترهيب [صحيح لغيره] انظر الصحيحة (3950). حكم الذين يؤذون العلماء أن يعزروا وأن ينكل بهم في الدنيا قبل الآخرة حيث يكون جزاء الحرب عليهم إن لم يتوبوا العذاب الشديد . فال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيُّ ، أَنَّ زِيَادًا ،خَطَبَ النَّاسَ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: " إِنِّي بِتُّ لَيْلَتِي هَذِهِ مُهْتَمًّا بِثَلَاثَةٍ: بِذِي الشَّرَفِ ، وَذِي الْعِلْمِ ، وَذِي السِّنِّ ، لَا أُوتَى بِرَجُلٍ رَدَّ عَلَى ذِي شَرَفٍ ، لَيَضَعَ بِذَلِكَ شَرَفَهُ إِلَّا عَاقَبْتُهُ ، وَلَا أُوتَى بِرَجُلٍ رَدَّ عَلَى ذِي عِلْمٍ ، لَيَضَعَ بِذَلِكَ عِلْمَهُ إِلَّا عَاقَبْتُهُ ، وَلَا أُوتَى بِرَجُلٍ رَدَّ عَلَى ذِي شَيْبَةٍ ، لِيَضَعَهُ بِذَلِكَ إِلَّا عَاقَبْتُهُ ، إِنَّمَا النَّاسُ بِأَعْلَامِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ ، وَذَوِي أَسْنَانِهِمْ " الفقيه والمتفقه (ص 143). فيَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ ، لا تؤذوا العلماء ، ولا تنالوا منهم فإنهم أولياء الله يوشك أن يمسكهم فيحصل ضلال كبير وفساد عريض . وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ )) صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن وأخرجه أبو داود (4880)الشيخ الألباني حسن صحيح، المشكاة (5044 / التحقيق الثاني) ، التعليق الرغيب (3 / 177) وصحيح الترغيب والترهيب (2340) .ا.ه.وقد ورد من حديث ابن عمر عند الترمذي (2033) بسند حسن . اللهم نسألك حبك وحب من يحبك ، اللهم طهر قلوبك من الغل والحسد لأوليائك وألسنتنا من قول السوء والأذى لهم وانفعنا بعلمهم وسمتهم واحشرنا في زمرتهم إنك سميع قريب مجيب .
  13. أبو بكر يوسف لعويسي

    زَلَّةُ الْعَالِمِ زلة العَالمَ

    عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ )) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمُرَادُ بِهَدْمِ الْإِسْلَامِ تَعْطِيلُ أَرْكَانِهِ الْخَمْسَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» " الْحَدِيثَ. وَتَعْطِيلُهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَمِنْ جِدَالِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَغُلُوِّهِمْ فِي إِقَامَةِ الْبِدَعِ بِالتَّمَسُّكِ بِتَأْوِيلَاتِهِمُ الزَّائِفَةِ وَمِنْ ظُهُورِ ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ وَحُكْمِ الْمُزَوِّرِينَ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ زَلَّةُ الْعَالِمِ لِأَنَّهَا هِيَ السَّبَبُ فِي الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ، كَمَا جَاءَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ زَلَّةُ الْعَالَمِ (رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) : أَيْ مَوْقوفًا. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/334) قال المناوي في فيض القدير(1/140)وقوله ( زَلَّةُ الْعَالِمِ ) أي سقطته وهفوته وفعلته الخطيئة جهرا إذ بزلته يزل عالم كثير لاقتدائهم به فهفوته يترتب عليها من المفاسد ما لا يحصى وقد يراقبه للأخذ عنه من لا يراه ويقتدي به من لا يعلمه فاحذروا متابعته عليها والاقتداء به فيها ولكن مع ذلك احملوه على أحسن المحامل وابتغوا له عذرا ما وجدتم لذلك سبيلا وعلم من ذلك أنه لا عذر لنا في قولنا إن أكلنا الحرام فالعالم الفلاني يأكله مثلا قال الغزالي: في هذا جهل وكيف يتعذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإن من خالف أمر الله تعالى لا يقتدى به كائنا من كان ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على أن لا تدخلها فلا عذر لك في موافقته. والزلة في الأصل استرسال الرجل بغير قصد والمزلة المكان الزلق وقيل للذنب من غير قصد زلة تشبيها بزلة الرجل ذكره الراغب. انتهى وقال صاحب الهداية: فَسَادٌ كَبيرٌ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ ... وَأَكْبَرُ مِنْهُ جَاهِل يَتَنَسَّكُ هُمَا فِتْنَةٌ لِلْعَالَمِينَ عَظِيمَةٌ ... لِمَنْ بِهِمَا فِي دِينِهِ يَتَمَسَّكُ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (1/189)
  14. أبو بكر يوسف لعويسي

    رسالة إلى المالكية

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، حمدا يليق بجلاله وكماله وجماله ، حمدا كما يحب ربنا ويرضى ، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الغر الميامين رضي الله عنهم أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان على يوم الدين . أما بعد : فهذه رسالة لمتعصبة المالكية المقلدين الذين يقلدون مالكا في الفروع تقليدا أعمى ، ويتعصبون إلى مذهبه ، ولو قام مالك من قبره ورآهم لتبرأ منهم لأنهم حصروا الإسلام في مذهبه ، وذلك الذي رفضه مالك على أبي جعفر المنصور لمّا أراد أن يحمل النّاس على الموطأ وليس على مذهبه فقط بل على سنن رسول الله وآثار الصحابة وعمل أهل المدينة وفتاواه ومع ذلك رفض أن يقبل طلب الخليفة ليحمل النّاس على كتابه الذي قيل فيه أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك . قال الشافعي ما على وجه الأرض بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك قاله "قبل وجود الصحيحين" توضيح الأفكار(1/51). ذكر ابْنُ سَعْدٍ في الطبقات قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ، سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُوْلُ : لَمَّا حَجَّ المَنْصُوْرُ، دَعَانِي، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَحَادَثْتُه، وَسَأَلَنِي، فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: عَزمتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ -يَعْنِي: (المُوَطَّأَ) - فَتُنسَخَ نُسَخاً، ثُمَّ أَبعَثَ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ المُسْلِمِيْنَ بِنُسخَةٍ، وَآمُرَهُم أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِيْهَا، وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ العِلْمِ المُحْدَثِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَصْلَ العِلْمِ رِوَايَةُ أَهْلِ المَدِيْنَةِ وَعِلْمُهُم. قُلْتُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، لاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سِيقَتْ إِلَيْهِم أَقَاوِيْلُ، وَسَمِعُوا أَحَادِيْثَ، وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا سِيقَ إِلَيْهِم، وَعَمِلُوا بِهِ، وَدَانُوا بِهِ، مِنِ اخْتِلاَفِ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَغَيْرِهم، وَإِنَّ رَدَّهُم عَمَّا اعْتَقَدُوْهُ شَدِيْدٌ، فَدَعِ النَّاسَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَمَا اخْتَارَ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ لأَنْفُسِهِم. فَقَالَ: لَعَمْرِي، لَوْ طَاوَعْتَنِي لأمَرتُ بِذَلِكَ .(1). قَالَ الزُّبَيْرُ بنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مِسْكِيْنٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، قَالاَ: سَمِعْنَا مَالِكاً يَذْكُرُ دُخُوْلَهُ عَلَى المَنْصُوْرِ، وَقَوْلَهُ فِي انْتِسَاخِ كُتُبِهِ، وَحَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: قَدْ رَسَخَ فِي قُلُوْبِ أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ مَا اعْتَقَدُوْهُ وَعَمِلُوا بِهِ، وَرَدُّ العَامَّةِ عَنْ مِثْلِ هَذَا عَسِيْرٌ. قال ابن كثير في الباعث الحثيث (1/30): وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه، فلم يجبه إلى ذلك. وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال : " إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها ".انتهى صدق ابن كثير والله ، فذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف . هذا أولا ؛ وثانيا : هم ينتسبون إلى الإمام مالك - رضي الله عنه – ولكن يتهمون إمام المذهب ، وينتقصون من قدره ، شعروا أم لم يشعروا إذ لا يرتضون عقيدته ؛ ولا سلوكه ، وذلك مذمة ، وأي مذمة ، ومسبة لمالك وأي مسبة أن يأخذوا من مالك إلا ما ذهب إليه من اجتهادات ويحصرون الإسلام في ذلك ؛(2) بل أبعد من ذلك فإنهم يأخذون بعض المسائل الفقهية - كقراءة الحزب الراتب - ممن شرد بهم وقتل منهم العلماء وحاربهم حربا ضروسا ؛ ثم يتعصبون تعصبا أعمى في نسبة تلك المسائل إلى مالك أو مذهبه ، ومذهبه منها براء (3). وفي هذه الرسالة ، سأجلي طعنهم وانتقاصهم في الإمام مالك إمام مذهبهم ، إذ يتعصبون له تعصبا ذميما في الفروع ، ويستنكرون جدا على من أخذ بالسنة في بعض المسائل التي خالف فيها المالكية الدليل ، أو يأخذ بالراجح الذي رجحه بعض المحققين من المذهب نفسه ، مثل مسألة الاحتفال بالمولد النبوي ، وزكاة الفطر والحزب الراتب ، وترك العصا للخطيب ، والقبض في الصلاة ، المسح على الخفين والجوربين ، والجمع بين الصلاتين عند المطر أو البرد الشديد ،والإحرام من جدة وغير ذلك كثير ..من المسائل التي خرجوا فيها عن المذهب . والعجب كل العجب منهم يبيحون لأنفسهم الخروج عن مذهبه في العقيدة ، وفي الفروع إذا ضاق بهم المذهب ، ولا يبيحون ذلك لغيرهم إذا خرج عن المذهب في الفروع إلى السنة وإذا استنكر عليهم أحد حاصوا وصاحوا به ، ورموه بكل نقيصة ، ووسموه بأنه وهابي نسبة إلى الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب النجدي وأخيرا مداخلة يقصدون بذلك أن علم أولئك وافد على قطرنا الجزائر ونسوا أو تناسوا أن الإمام مالك أصبحي مدني ، ول كان تتعجب أخي كيف يقبلون من مالك وهو ليس جزائري ، ويرفضون من غيره من العلماء الحجاز من موطن مالك ؟؟ ولا نستطيع أن نفسر هذا الفعل إلا بالتعصب الأعمى ؛ فالقوم متعصبون حقيقة لا يقبلون إلا ما كان من رجال المذهب ، أو من كتبهم ؛ بل بعضهم لا يقبل حتى لو آتيته بالدليل في قول المحققين من المالكية ، ولا يقبل إلا قول المالكية العاكفين على الجمود والتقليد، يقبل ذلك ، ولا يقبل أن تقول له قال الله تعالى ، قال رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويتهمك بالجرأة على القرآن والسنة ، ولسان حاله يقول ليس لكم الحق أن تقولوا قال الله قال رسوله ، فأنتم لا تفهمون معنى ذلك ، وكأن الله خاطبنا بالألغاز ..أو لسنا طلاب علم لا نفهم الخطاب . إن الذين ينادون بوجوب التقليد بحجة الحفاظ على وحدة الأمة الواحدة في القطر الواحد وتوحيد المرجعية وهم يعلمون أن الفروع يسع فيها الخلاف ، وأن العلماء يذكرون في المسألة الواحدة ثلاثة أقوال ، وأربعة أقوال ، وأكثر في المسألة الواحدة في نفس المذهب ، بل إن بعض المسائل فيها أكثر من عشرة أقوال في مذهب مالك وغيره ، كيف يمكنهم أن يوحدوا المرجعية ، وأن يحافظوا على وحدة الأمة بذلك أمام هذا الزخم من الاختلاف في المسألة الواحدة ؟! والحقيقة المرة أن القوم ليس بهم الغيرة على مذهب مالك ، وإنما هي الأهواء تتجارى بهم والسياسات ؛ لأنهم إذا ضاق عليهم المذهب خرجوا إلى غيره ، وتتبعوا الرخص من كل مذهب .. ولو جئتَ لأحصيَ عليهم مخالفاتهم للمذهب لجمعت مجلدا .. وهذا القاضي منور بن سعيد البلوطي - رحمه الله - يقول معرضا بمثل هؤلاء : عذيري من قوم يقولون كلما طلبت دليلا هكذا قال مالك ، فإن قلت : قال رسول الله . قالوا : وقد قاله ابن القاسم الثقة الذي على قصد منهاج الهدى هو سالك ، فإن عدت ، قالوا : هكذا قال أشهب وقد كان لا تخفى عليه المسالك ..أه هذا هو طريق التعصب في أوضح صوره ، والتقليد الأعمى المقيت ، ومذهب كل هالك وليس هو مذهب مالك .. والقوم في دعواهم هذه – الأخذ بمذهب مالك وحمل الناس عليه- متناقضون غير صادقين ، والدليل على ذلك ما هم عليه من حمل النّاس على مذهب ملفق من عدة مدارس ويا ليهم تقيدوا بما كان عليه أربابها الأوائل . فهم يقولون مذهب مالك لكن لا يأخذون منه إلا في الفروع على اختلاف في ذلك بينهم ، أما عقيدة مالك فهي غير مرضية عندهم ، وكذلك سلوك وأخلاق مالك . أما السلفيون فهم أسعد الناس بمالك ، وأشد النّاس اتباعا لمذهبه ، لأنهم يأخذون ما صح عنه عقيدة وفقها وسلوكا ، ويتمسكون بقاعدته التي قعدها كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذه الحجرة أو صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم . ولا يفوتني أن أطرح عليهم هذا السؤال وهو : على أي قول تحملون الناس إذا وجدتم في المذهب اختلاف وبعض المسائل فيها أكثر من عشرة أقوال في المذهب في القطر الواحد ناهيك عن الأقوال الأخرى في الأقطار الأخرى التي ينتشر فيها مذهب مالك ؟ فهل تحملون الأمة على قول واحد في قطرنا ؛ أم ترجعون إلى علماء خارج الوطن ، أم ستقولون اختلاف علماء المذهب رحمة ؟ وإذا كان هذا الأخير هو جوابكم كما يدندن به البعض فلمَ لم تجعلوا اختلاف الصحابة – رضوان الله عليهم - رحمة تسع الأمة . قال ابن عبد البر في التمهيد (8/367): ألا ترى أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا وهم الأسوة فلم يعب واحد على مخالفه ، ولا وجد عليه في نفسه ، إلى الله الشكوى وهو المستعان على أمة نحن بين أظهرها تستحل الأعراض إذا خولفت في أمر يسوغ الخلاف فيه.. انتهى بتصرف يسير. والعجب منهم حين يقولون الخروج عن المذهب يفرق الأمة المالكية التي مرجعها المذهب المالكي ، وفي الحقيقة هم من يفرق الأمة بتعصبهم تارة ، وخروجهم عن المذهب تارة أخرى إذا ضاقت عليهم المسالك ، وبتفريقهم ثالثة بين عقيدة مالك وسلوكه ، وفقهه ..وإليك البيان . جاء في نظم ابن عاشر المسمى ب (( المرشد المعين على الضروري من الدين )) لأبي محمد عبد الواحد بن عاشر (4) الذي يعتمده المالكية ، ويدرسونه في المساجد والزوايا .. وبعد فالعون من الله المجيد - - - في نظم أبياتٍ للأمي تفيد في عقد الأشعري وفقه مالك - - - وفي طريقة الجنيد السالك فتعالى معي أخي القارئ ، نفكك هذه الأبيات ، ونرى على أي شيء يقوم مذهب المالكية المتأخرين ، وكيف لفقوا مذهبهم من طرق وطوائف شتى ، وفرقوا بين عقيدة مالك السلفية وبين فقهه الأثري ، وسلوكه السني ، ثم يدعون أنهم مالكية وأن إمامهم هو مالك إبن أنس .. وإذا سلمنا لهم جدلا فهم مالكية في الفروع فقط ؛ بل ليس في كل ما ذهب مالك إليه ، فهم يخالفونه إذا خالفت فتواه مصالحهم وسياستهم ، أما في الأصول أي العقيدة والسلوك فهم أشعرية وجنيدية ،(5). وأما السلفيون فمالكيون أكثر وأشد منهم لأننا نأخذ عقيدة مالك وسلوكه كما نأخذ فقهه ، كما نحن وطنيون أكثر وأشد ممن يتغنى بالوطنية مع أنها لا مزية لأحد فيها على أحد ؛فهي غريزة يستوي فيها كل أبناء الوطن .. ومع ذلك فالسلفيون يحبون هذا الوطن عقلا وشرعا وعرفا ، ولم تظهر منهم خيانات للوطن ، ولا يخرجون على أولياء الأمور ، بل يرون الطاعة في المعروف ، والإلتزام بالجماعة وهي : ولي الأمر ومن تحته من الرعية .. أما دعاة الوطنية فهم يأكلون الغلة ويسبون الملة ، فهم مع ولاة الأمور بوجه ، ومع المعارضة في الداخل والخارج بوجوه متعددة .. فانظر إلى قوله : في عقد الأشعري وفقه مالك - - - وفي طريقة الجنيد السالك . في هذا البيت ثبتٌ لثلاثة مدارس ، المدرسة الفقهية ، ينتسبون فيها إلى الإمام مالك – رحمه الله - والمدرسة العقدية ينتسبون فيها إلى الأشعري – رحمه الله - والمدرسة السلوكية المنهجية أو قل الصوفية ينتسبون فيها إلى الجنيد – رحمه الله - ؛ أنظر كيف جمعوا ولفقوا دينهم من عدة مدارس وكأنهم لا يرتضون عقيدة مالك السلفية ، كما يتهمون الأشعري في عقيدته التي رجع إليها ، وفقهه وسلوكه فلا يقبلون شيئا منه لأنهم مالكية ، ولا يرتضون أيضا عقيدة وفقه الجنيد ؛ ولا يقبلون شيئا منه لأنهم مالكية ؛ بل حتى طريقته لا يرتضونها ولا يسرون على شيء منها ، وذلك مذمة ومسبة واتهام لهم جميعا . والأسئلة التي يمكن أن نوجهها للقوم مع السؤال الذي مر آنفا؟ لماذا لم تأخذوا بعقيدة مالك وسلوكه ؟ فإذا كنتم لا ترتضون عقيدته ( وهي عقيدة سلفية )؟ فهل كان مالك عندكم على ضلال حتى تركتم عقيدته ؟ والجواب : حاشاه ورضي الله عنه بل كان سلفيا قحا ، وأنتم الذين وقعتم في الضلال والزيغ في العقيدة ، والمنهج وليس مالك رضي الله عنه . أم كان مالكا عندكم أشعري العقيدة جنيدي السلوك حتى أخضعتم مذهبه إلى عقيدة الأشعري وسلوك الجنيد ..؟؟ إن الإمام مالك – رحمه الله - من أتباع التابعين ، ومات ولم يخلق الأشعري ولا الجنيد فما هو السر عندكم في اختيار مذهب الأشعري الذي تركه وطريقة الجنيد ؟؟؟ عقيدة الإمام مالك بن أنس - رحمه الله - السلفية : إن أصول مالك التي بنى عليها مذهبه هي الاعتصام بالكتاب والسنة ، والعمل بهما ، وتحكيمهما في أصول الدين وفروعه ، والحرص الشديد والحض على الاتباع ، والتحذير من الابتداع والتقليد . ولم يخرج مالك - رحمه الله- في عقيدته وسلوكه عن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم ، فقد كان شديد الإتباع للسنة ولآثار الصحابة والتابعين في معتقدهم ومنهجهم ، وما قرره من كلام في أبواب العقيدة لا يخرج عن هذا الأصل ، وكل من جاء بعده من العلماء شهدا له بذلك وأخذوا أقواله يستشهدون بها على المخالفين لمنهج السلف. ومن خلال تتبع آثار الإمام مالك في أقواله في المسائل العلمية العقدية يظهر واضحا دقة الاستنباط وصحة الفهم ، واستخراج الأحكام من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله علي وسلم . قال خالد بن نزار الأيلي : ما رأيت أحدا أنزع بكتاب الله عز وجل من مالك بن أنس .(6). وما زال العلماء من كل الطبقات يستشهدون بأقواله في التوحيد والعقيدة والإيمان والصفات ، واستنباطاته في ذلك وفي الفروع . وسأذكر ذلك في الحلقات القادمة - إن شاء الله – واتبعها بعقيدة الأشعري التي رجع إليها مات عليها ، وعقيدة الجنيد وطريقته حتى يتبين أن مذهب القوم ملفق غير موفق على نهج مالك - رحمه الله - الأوفق . الهوامش : (1). ترتيب المدارك ( 1 / 192، 193) والطبقات لابن سعد (5/468) وسير أعلام النبلاء (8/79). (2) هذا هو تعريف المذهب ، فهو في اللغة مصدر ميمي يطلق على الطريق ومكان الذهاب وزمانه قال أحمد الصاوي المالكي رحمه الله: "المذهب في الأصل محل الذهاب كالطريق المحسوسة" حاشية الصاوي على شرح الصغير للدردير 1/16. ونقل عند الفقهاء من حقيقته اللغوية إلى الحقيقة العرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة في الأحكام الاجتهادية، فالمذهب المالكي مثلا هو ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله من الأحكام الاجتهادية استنتاجا واستنباطا. انظر شرح الزرقاني على شرح اللقاني لخطبة المختصر 133, ونور البصر للهلالي 132. ولذلك قال القرافي المالكي رحمه الله: "مذهب مالك ما اختص به من الأحكام الشرعية الفروعية الاجتهادية..." الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام 220. وقال الدردير المالكي رحمه الله: "مذهب مالك مثلا: عبارة عما ذهب إليه من الأحكام الاجتهادية التي بذل وسعه في تحصيلها" حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/19. الملتقى الفقهي . (3) مسألة الحزب الراتب أول من ابتدعه هم الفاطميون ((الموحدون)) في القرن السادس وألزموا النّاس وأئمة المساجد به ... تاريخ الجزائر العام لعبد الرحمن الجيلالي (2/54-55)وسبه لكتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب (ص134)ط. ليدن 1881م وأحال على مجموع الفتاوى لابن تيمية (ج11/476) و(ج35/142)ط الرباط المغرب 1401هـ1981م. (4) عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر بن سعد الانصاري، الاندلسي، الفاسي، المالكي (أبو محمد) .عالم مشارك في القراءات ،والنحو والتفسير وعلم الكلام والفقه وأصوله وغيرها. نشأ بفاس، وتوفي بها في ذي الحجة. من تصانيفه: المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، الكافي في القراءات، فتح المنان المروي بمورد الظمآن في رسم القرآن. سلوة الأنفاس (2: 275- 276) للكتاني، اليواقيت الثمينة للازهري (1/230- 231) هدية العارفين (1/ 636) البغدادي . (5)حتى في ذلك فهم أدعياء فقط ، فهم يخالفون الأشعري في عقيدته وسلوكه ، كما يخالفون الجنيد في عقيدته وسلوكه . وفي الحقيقة هم ينتسبون إلى طرق غير طريقة الجنيد كالتجانية التي حكم عليها بعض من كان من أقطابها أنها طريقة مباينة للإسلام ، والشاذلية ، والعليوية والهبرية والقادرية ، والبعض منهم الرفاعية وهكذا طرق شتى غير طريقة الجنيد التي قال عنها : طريقتنا طريق الكتاب والسنة وسيأتي ذلك عنه ، فانظر رحمك الله إلى الخلط والتلفيق ثم يقولون نحن مالكية ؟؟؟ (6) رواه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (188) وذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك من رواية البهلول بن راشد (1/125)والذهبي في السير (8/95).
  15. أبو بكر يوسف لعويسي

    سلسلة : ( معرفة الفوائد وجليل المعاني من شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني )رقم 01

    متن : وقوله – رحمه الله - : وأعذر إليه على ألسنة رسله (1)... ------------- 1 - ش / عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: (( لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً، لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْهِ ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْهِ )) رواه أحمد (7713) وأخرجه البخاري (6419) وبوب عليه باب من بلغ ستين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله : {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير} [فاطر: 37]: «يعني الشيب» . قال أبو جعفر (20/475-478)وقوله (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) : فتأويل الكلام إذن: أولم نعمركم يا معشر المشركين بالله من قريش من السنين، ما يتذكر فيه من تذكر، من ذوي الألباب والعقول، واتعظ منهم من اتعظ، وتاب من تاب، وجاءكم من الله منذر ينذركم ما أنتم فيه اليوم من عذاب الله، فلم تتذكروا مواعظ الله، ولم تقبلوا من نذير الله الذي جاءكم ما أتاكم به من عند ربكم. اختلف أهل التأويل في مبلغ ذلك؛ فقال بعضهم: ذلك أربعون سنة. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) أربعون سنة. حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله. وقال آخرون: بل ذلك ستون سنة. ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن ابن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) قال: ستون سنة. حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم ستون سنة. حدثنا علي بن شعيب قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن إبراهيم بن الفضل عن أَبي حسين المكي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "إذا كان يومُ القيامةِ نُودِي: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) ". حدثني أحمد بن الفرج الحمصي قال: ثنا بقية بن الوليد قال: ثنا مطرف بن مازن الكناني قال: ثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "لَقدْ أعْذَرَ اللهُ إلَى صاحب السِّتَّين سنة والسَّبعين". حدثنا أَبو صالح الفزاري قال: ثنا محمد بن سوار قال: ثنا يعقوب بن عبدٍ القاريُّ الإسكندريُّ قال: ثنا أَبو حازم عن سعيد المقبري عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: "منْ عَمَّرهُ اللهُ ستين سنةً فَقَد أعذرَ إليهِ في العُمْرِ". قلت : أخرجه البخاري في الرقاق، باب: من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر: 11 / 238. حدثنا محمد بن سوار قال: ثنا أسد بن حميدٍ عن سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه في قوله (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة. وأشبه القولين بتأويل الآية إذ كان الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خبرًا في إسناده بعض من يجب التثبت في نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عن كماله في حال الأربعين. قال ابن كثير (6/553): وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْم، عن مجاهد قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى ابْنِ آدَمَ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} أَرْبَعُونَ سَنَةً. هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} سِتُّونَ سَنَةً. فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْضًا، لِمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ -كَمَا سَنُورِدُهُ-لَا كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ. فَقَدْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الطَّرِيقُ الَّتِي ارْتَضَاهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَكَفَتْ. وَقَوْلُ ابْنُ جَرِيرٍ: (إِنَّ فِي رِجَالِهِ بَعْضُ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ) ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مَعَ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعُمُرَ الطَّبِيعِيَّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فَالْإِنْسَانُ لَا يَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ إِلَى كَمَالِ السِّتِّينَ، ثُمَّ يَشْرَعُ بَعْدَ هَذَا فِي النَّقْصِ وَالْهَرَمِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا بَلَغَ الفتَى ستينَ عَاما ... فَقَدْ ذَهَبَ المَسَرَّةُ والفَتَاءُ . وَلَمَّا كَانَ هَذَا هُوَ الْعُمُرُ الَّذِي يَعْذُرُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ بِهِ، وَيُزِيحُ بِهِ عَنْهُمُ الْعِلَلَ، كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَن يَجُوزُ ذَلِكَ". وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ برقم (3550) وَابْنُ مَاجَهْ و ابن ماجه برقم (4236) .جَمِيعًا فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَهَذَا عَجَب مِنَ التِّرْمِذِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَطَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ". وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "كِتَابِ الزُّهْدِ" أَيْضًا برقم (2331) ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ، بِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هريرة، وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ. هَذَا نَصَّهُ بِحُرُوفِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قال البغوي في تفسيره (6/425){وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقِيلَ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَوَكِيعٌ: هُوَ الشَّيْبُ. مَعْنَاهُ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ حَتَّى شِبْتُمْ. وَيُقَالُ: الشَّيْبُ نَذِيرُ الْمَوْتِ. وَفِي الْأَثَرِ: مَا مِنْ شَعَرَةٍ تَبْيَضُّ إِلَّا قَالَتْ لِأُخْتِهَا: اسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ الْمَوْتُ. وقال ابن الأثير في النهاية (3/ 196): لم يُبْقِ له موضعاً للإعذار). قال أبو سليمان الخطابي:" أعذر إليه" أي بلغ به أقصى العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته. قال القرطبي (14/353)والمعنى: أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر، لأن الستين قريب من معترك المنايا، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى، ففيه إعذار بعد إعذار. قَالَ مَالِكٌ : فَاللهُ أَعْذَرُ بِالْعُذْرِ.الموطأ (168) ترتيب محمد فؤاد عبد الباقي . وذلك في قوله تعالى :{ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }(165) النساء ، وفي البقرة قبلها (213) وفي الأنعام (48) وفي الكهف (56). قال أبو جعفر (9/407): قوله : (( مبشرين))، يقول: أرسلتهم رسلا إلى خلقي وعبادي، مبشرين بثوابي من أطاعني واتبع أمري وصدَّق رسلي، ((ومنذرين)) عقابي من عصاني وخالف أمري وكذب رسلي. وقوله : (( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل))، يقول: أرسلت رسلي إلى عبادي مبشرين ومنذرين، لئلا يحتجّ من كفر بي وعبد الأنداد من دوني، أو ضل عن سبيلي بأن يقول إني أردتُ عقابه: { لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى} [سورة طه: 134] . فقطع حجة كلّ مبطل ألحدَ في توحيده وخالف أمره، بجميع معاني الحجج القاطعة عذرَه، إعذارا منه بذلك إليهم، لتكون لله الحجة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه. وفي قوله :{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)} البقرة . وقوله :{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)}سبأ. وقوله :{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24)} فاطر . وقوله:{ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا..} (130)الأنعام. وقد أعذر الله عز وجل لجميع خلقه بأن أرسل لهم رسلاً، وهؤلاء الرسل كانت مهمتهم إثبات وحدانية الله عز وجل وربوبيته، الذي تستوجب عبادته وحده ، وهداية الخلق إليه عز وجل الذي خلقهم ورباهم وتولى أمرهم، وقام على شئونهم، وأنزل مع الرسل الكتب فيها الهدى والنور.وهاهم يوم القيامة تتنزل كلمة الحق على الكافرين ويشهدون بذلك على أنفسهم ولكن بعد فوات الأوان . وقال الحافظ في الفتح ( 11/ 244): الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مد لي في الأجل، لفعلت ما أمرت به، يقال: أعذر إليه: إذا بلغه أقصى الغاية في العذر، ومكنه منه. يعني ذلك أمده من العمر أقصاه ، وجاءتك كثير من العظات والعبر لتستيقظ وتفطن وتتذكر وتترك المعاصي والذنوب ، والرتع في الباطل والفجور والفسق ، بعد كل هذا تعتذر لم يبق لك أي عذر فالله تبارك وتعالى مد في عمرك وأقام عليك الحجة منذ ستين عاماً، ولا زلت مصراً على معصيته والفرار من عبوديته ؟ إنك على خطر عظيم جداً بين يدي الله عز وجل. ولم يكتف العبد بذلك حتى جاء يحتج على ربه ، ولكن أنى له ذلك والحق سبحانه كتب على نفسه تحريم ظلم عبده شيئا ، فهذه أعماله شاهدة عليه ، وهذه جوارحه تنطق بالحق عليه ، فأين المهرب وأين المخرج؟ وقد قطعت جميع أعذاره . أخرج مسلم في " الصحيح " من حديث فضيل، عن الشعبي، عن أنس، قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فضحك ، فقال: " هل تدرون مما أضحك "؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا ربِّ ألم تُجرني من الظلم؟ يقول: بلى، فيقولُ: إني لا أُجيزُ اليوم على نفسي شاهداً إلاَّ مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالملائكة الكرام عليك شهوداً، فيُختم على فيه، ويُقالُ لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لَكنَّ وسُحقاً فعَنْكُنَّ كنتُ أُناضلُ ". أخرجه مسلم (2969)، وأبو يعلى (3975) و (3977)، وابن حبان (7358)، والبيهقي في " الأسماء والصفات " ص 217 - 218. فهذا عذرٌ حَقُّ من الله عزَّ وجلَّ يقابل العذر الباطل من العبد، وإلا فعلم العبد الضروري بأنه كاذبٌ أقوى حجة في باطن الأمر، وعلم الرب عز وجل أقوى من علم العبد الضروري. وهذا الحديث وإن كان حديثاً واحداً، فالقرآن يشهد له حيث قال مخبرا عنهم: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيء} [فصلت: 21] مع أن الحديث الظني في هذا المقام من أرفع ما يحتج به، لأن القصد في هذا المقام بيان مجرد احتمال الحكمة، وقطع قول من أحالها فيه، أو عيَّنها في وجهٍ باطل. وقد وَرَدَ من الحديث الصحيح نحو هذا، وصُرِّح فيه بلفظ العذر عن أبي هريرة في بعض رواياته في حديث الرؤية، قال: " فيلقى العبد فيقول: أيْ فُلْ: ألم أُكرمك وأسوِّدْك؟ فيقول: بلى، فيقول: أظننتَ أنك مُلاقيَّ؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني ... إلى قوله في المنافق: "فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرُسُلِك، وصُمْتُ، وتَصَدَّقتُ، ويُثني بخيرٍ ما استطاع، فيقول: ها هنا إذاً، قال: فيقال: الآن نبعثُ شاهداً عليك، ويتفكر في نفسه من الذي يشهدُ عليَّ، فيُختَمُ على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذُه ولحمه وعظامُه، وذلك ليُعْذِرَ من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه" هذا لفظ مسلم عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. أخرجه الحميدي (1178)، ومسلم (2968)، وأبو داود (4730) وابن حبان في صحيحه (7445). وفي البخاري (7416) قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» ومسلم (1499). قال النووي في شرح مسلم في شرحه هذا الحديث (10/132) مَعْنَى الْأَوَّلِ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْأَعْذَارُ مِنَ اللَّهِ تعالى فالعذر هنا بِمَعْنَى الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ وَلِهَذَا بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا }(15) الإسراء . وَقَالَ تَعَالَى: {فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} [المرسلات: 5]. ومسألة العذر بالجهل اختلف فيها العلماء اختلافا بينا ، فمنهم من قال بالعذر مطلقا ، ومنهم من قال بعدمه مطلقا ، ومنهم من فصل في المسألة ، وقال بالعذر في المسائل الخفية ، دون الواضحة ، لأن تعتبر في حكم عدم بلوغ الحجة وعدم فمهما ، فإن عذبه بسبب ذلك انتفت حكمة الله ووجد العبد حجة له في مخاصمة ربه بأنه لا يظلم أحدا ، وهو هنا قد ظلمه بعدم بلوغ الحجة في المسألة الخفية التي هي فوق طاقته وقدرته وهو لم يكلفه شيئا فوق وسعه واستطاعته . وأحسن من رأيته تكلم في مسألة العذر بالجهل من المعاصرين شيخ مشايخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان وبعد أن نقل الخلاف في المسألة وناقشه ختم إلى القول بالجمع بين القولين والتفصيل في المسألة فقال . قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ الأمين الشنقيطي في أضواء البيان : الظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ: هَلْ يَعْذُرُ الْمُشْرِكُونَ بِالْفَتْرَةِ أَوْ لَا؟ هُوَ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِالْفَتْرَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْتَحِنُهُمْ بِنَارٍ يَأْمُرُهُمْ بِاقْتِحَامِهَا، فَمَنِ اقْتَحَمَهَا دَخْلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَوْ جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَنِ امْتَنَعَ دَخَلَ النَّارَ وَعُذِّبَ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَوْ جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا؛ لَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانُوا عَامِلِينَ لَوْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ - أَنَّ هَذَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثُبُوتُهُ عَنْهُ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. فَلَا وَجْهَ لِلنِّزَاعِ أَلْبَتَّةَ مَعَ ذَلِكَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ الدَّالَّةَ عَلَى عُذْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ وَامْتِحَانِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَادًّا عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَضْعِيفَ أَحَادِيثِ عُذْرِهِمْ وَامْتِحَانِهِمْ، بِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا عَمَلٍ، وَأَنَّ التَّكْلِيفَ بِدُخُولِ النَّارِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ مَا نَصَّهُ: وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ: أَنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَيْفٌ يَتَقَوَّى بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ. وَإِذَا كَانَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ الْوَاحِدِ مُتَّصِلَةً مُتَعَاضِدَةً عَلَى هَذَا النَّمَطِ، أَفَادَتِ الْحُجَّةَ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا دَارُ جَزَاءٍ، وَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ فِي عَرَصَاتِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ. كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ امْتِحَانِ الْأَطْفَالِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا: «أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، وَيَعُودُ ظَهْرُهُ كَالصَّفِيحَةِ الْوَاحِدَةِ طَبَقًا وَاحِدًا، كُلَّمَا أَرَادَ السُّجُودَ خَرَّ لِقَفَاهُ» أخرجه البُخَارِيّ (6/2704) (7000) ، وَمُسلم (1/167) (183) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا: «أَنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَلَّا يَسْأَلَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا بن آدم، مَا أغدرك ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ» أخرجه البُخَارِيّ (5/2403) (6204) ، وَمُسلم (1/163) (182) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمُ اللَّهُ دُخُولَ النَّارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِمْ؟ فَلَيْسَ هَذَا بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ، كَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَمِنْهُمُ السَّاعِي، وَمِنْهُمُ الْمَاشِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا، وَمِنْهُمُ الْمَكْدُوسُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ. وَلَيْسَ مَا وَرَدَ فِي أُولَئِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ هَذَا، بَلْ هَذَا أَطَم وَأعظم! وَأَيْضًا: فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الدَّجَّالَ يَكُونُ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَهُ أَنْ يَشْرَبَ أَحَدُهُمْ مِنَ الَّذِي يرى أَنه نَار فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا . فَهَذَا نَظِيرُ ذَلِكَ. أخرجه البُخَارِيّ (3/1272) (3266) ، وَمُسلم (4/2248) (2934) من حَدِيث حُذَيْفَة رَضِي الله عَنهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قَتَلُوا فِيمَا قِيلَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ، وَهُمْ فِي عَمَايَةِ غَمَامَةٍ أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ . انْظُر الْآثَار الْوَارِدَة فِي ذَلِك فِي " تَفْسِير الطَّبَرِيّ" (1/286). وَهَذَا أَيْضًا شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ جِدًّا لَا يَتَقَاصَرُ عَمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ بِقَلِيلٍ مَا نَصُّهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ الْمَحْشَرِ، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسَابِقِ الشَّقَاوَةِ . أخرج أَحْمد (4/24) عَن الْأسود بن سريع أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {أَرْبَعَة يَوْم الْقِيَامَة رجل أَصمّ لَا يسمع شَيْئا وَرجل أَحمَق وَرجل هرم وَرجل مَاتَ فِي فَتْرَة فَأَما الْأَصَم فَيَقُول رب لقد جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أسمع شَيْئا وَأما الأحمق فَيَقُول رب لقد جَاءَ الْإِسْلَام وَالصبيان يحذفوني بالبعر وَأما الْهَرم فَيَقُول رَبِّي لقد جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أَعقل شَيْئا وَأما الَّذِي مَاتَ فِي الفترة فَيَقُول رب مَا أَتَانِي لَك رَسُول فَيَأْخُذ مواثيقهم ليطيعنه فَيُرْسل إِلَيْهِم أَن أدخلُوا النَّار قَالَ فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو دخلوها لكَانَتْ عَلَيْهِم بردا وَسلَامًا} ، وَأخرج نَحوه عَن أبي هُرَيْرَة، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - رَحمَه الله - فِي الصَّحِيحَة (1434) ، وَهُوَ فصل النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ، الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ (الِاعْتِقَادِ) وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ وَالنُّقَّادِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا فِيمَا ذَكَرْنَا. الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِلَّا هَذَا الْقَوْلُ بِالْعُذْرِ وَالِامْتِحَانِ، فَمَنْ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَمْتَثِلْ مَا أَمَرَ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الِامْتِحَانِ، وَيَتَّفِقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْأَدِلَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. الجموع البهية للعقيدة السلفية التي ذكرها العلامة الشِّنقيطي في تفسيره أضواء البيان(2/353).
×