• Sahab
  • Sky
  • Blueberry
  • Slate
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Charcoal

أبو عبد الودود عيسى البيضاوي

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    762
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 30

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : أبو عبد الودود عيسى البيضاوي

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم
  1. مناقشة الدكتور الشريف حاتم العوني فيما انتقده على العلامة عبد الرحمن المعلمي في تعريفه للعبادة وتزهيده في عامَّة ما نُشر للشيخ حديثاً . قال الشريف حاتم العوني في صفحته على الفيس بوك: ((طبعت آثار الشيخ المحقق عبدالرحمن المعلمي ( عليه رحمة الله ) كاملة، ومنها كتاب ( رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله ) ، وهو كتاب كبير في مجلدين كبيرين ، ويُطبع شبه كامل لأول مرة . وهو كتاب لم يطبعه الشيخ في حياته ، ولا جزءا منه ، وبقي يكتب الشيخ في مسوداته ، ويبيض بعضها . لكنه لم يدفع منه شيئا للطباعة في حياته ، رغم أن بداية كتابته فيه كانت قبل وفاته بأكثر من خمسة ...عشر عاما ، كما بين ذلك محققه !! ومع ذلك مكث الكتاب هذه السنين كلها ، ولم يطبع المؤلف في حياته ، ولا أوصى بطباعته بعد موته !! ولذلك وجب التنبيه على أن مثل هذه المسودات والكتب التي لم يدفعها المؤلفون للطباعة ( في العصر الحديث ) ، يرد فيها احتمال أن أفكارها ما زالت محل نظر لديهم ، ولربما مازالوا يرونها لم تأخذ منهم حظها الكافي لكي تمثل اجتهادهم ورأيهم، ولذلك لم يخرجوها . وهذا مما يوسع العذر لهم ، ولكنه يوجب أيضا الحذر من نسبة كل ما فيها إليهم ؛ إلا ما وجدناه في كتاب له آخر رضيه وأخرجه ، مما يدل على رضاه عن نسبة أفكاره واجتهاداته التي فيه إليه)). ولما نقل أحد الإخوة الذين عقبوا على مقاله تعريفاً للمعلمي للعبادة عن كتاب القائد مع الإحالة إلى كتاب العبادة قال بعد ذلك: ((وهذا يدل على انه حرر كتاب العبادة و دعا الناس للاطلاع عليه)) , فقال الدكتور حاتم العوني ردَّا عليه: (( أولا : لو كان كلامك صحيحا على إطلاقه , لماذا لم يطبع المعلمي كتابه العبادة لمدة تزيد على خمسة عشر عاما , وطبع كتاب القائد الذي كتبه بعده ؟! هل لديك دليل , أو عند المحقق الفاضل : أنه قد ارتضى كل فكرة في الكتاب ؟ فقدان ذلك : يدل على صحة تقريري في آثار المعلمي وفي كل مسودة ليس لدينا دليل على انتهاء المؤلف من مجال النظر والاجتهاد فيها )). أقول: الأصل فيما يكتبه الشخص مريداً به التأليف بحثا لمسألة أو تحقيقاً لقضية أنه يرتضي مكتوبه، ومخالفة هذا الأصل هي التي تحتاج إلى دليلٍ؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان. ومَن قال: إن ما تركه الشيخ مسوَّدات؟. بل كتاب العبادة في الأصل حسب الظاهر عبارة عن سبعة دفاتر، وجدنا ستة منها مبيَّضة معتمدة بعضها بخطه وبعضها بخط مَن استكتبه. ثم راجع هذا كلَّه وأجرى قلمه هنا وهناك زيادة لمعلومة أو توثيقاً لنصٍّ، وعمل عدَّة ملاحق يحدِّد موضع الملحق أوَّلاً في الصفحة ثم يكتب الملحق في صفحة أو صفحات مستقلة مع الإشارة إلى الصفحة التي يُلحَق بها، مع الإحالات المتكررة لصفحات آتية أو سابقة. فهل هذه الأشياء تنقص من قيمة التأليف أو تقوِّيه؟ وقد قيل قديماً كما في مقدمة يتيمة الدهر للثعالبي: إنَّ أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتاباً فيبيت عنده ليلة إلا أحب في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه، هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدَّة؟. ووجدنا أيضاً أصولاً زادها المؤلف على الدفاتر السبعة مبيَّضة تبييضاً لا مزيد عليه، وهي بمقدار أحد الدفاتر الستة من حيث مادَّتها. وبقي علينا الدفتر الثالث من الدفاتر السبعة، ووجدنا مادَّته في مسوَّدة (س)، فنسأل أساطين فنِّ تحقيق الكتب، هل قواعد التحقيق تقتضي سدَّ النقص الذي في الكتاب من المسوَّدة التي هي بخط المؤلِّف أو يُترك الخرم الكبير لاحتمال أنَّ المسوَّدة لا تمثِّل اجتهاده الذي رضيه؟. وقد اعترف الدكتور الشريف حاتم العوني أن تعريف العبادة الذي انتقده على المعلمي وُجد هو بعينه في كتاب القائد إلى تصحيح العقائد المنشور في آخر التنكيل، وهو يعتقد أن المؤلف طبعه في حياته، فسقط بذلك التمهيد الذي مهَّد به للتشكيك فيما توصَّل إليه المؤلف، وسقط أيضاً ما دندن حوله من وجوب التأني في نسبة ما في المخطوطات المعاصرة لمؤلفيها إن لم يطبعوها في حياتهم. ولا شك أن الشيخ رضي أن يُنْسبَ الكتاب إليه، ويكفي في ذلك قوله عن كتاب العبادة: «هو كتاب من تأليفي، استقرأت فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة والتاريخ وغيرها؛ لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله تعالى مما هو عبادة لغيره. يسَّر الله نشره». التنكيل 2/435. فهل يُقال بعد هذا إن الشيخ لم يكن يرغب في طباعة كتابه، وأن أفكاره لم تزل محلَّ نظر لديه، وأنه يجب التأني في نسبة ما فيه إليه؟. وكلامنا الآن في تعريف العبادة، وقد أقرَّ الدكتور حاتم في تعليقه على منشوره أنَّ هذا التعريف نفسه في كتاب القائد الذي طُبع في حياته، حسب قوله، وإن كان الصواب أن التنكيل لم يخرج في حياة الشيخ، بل بعد وفاته بيسير. ثم إنَّ من أسباب عدم طباعة الكتاب قلَّة ذات اليد وارتفاع تكاليف الطباعة التي لم تكن متيسِّرة في ذاك الوقت مثلما تيسَّرت في الآونة الأخيرة. فاستمع إلى ما يبثُّه المعلمي في هذا الشأن في تقديمه لكتاب فضل الله الصمد في شرح الأدب المفرد 1/18: قال: ((والشارح-كغالب أهل العلم في هذا العصر- يستطيع أن يُتعب نفسه السنين العديدة في خدمة العلم والدين ثم يعجز عن نشر عمله، فعسى أن يقيض الله له من أصحاب المطابع أو محبي العلم مِن ذوي الثروة مَن يقوم بهذا الغرض. والله الموفق)). وقد كتب الشيخ هذا الكلام في 19 جمادى الآخرة 1370هــ قبل وفاته بخمس عشرة سنة، وقبيل قدومه إلى مكة. قال الدكتور الشريف حاتم العوني: ((وقد خلص الشيخ ( رحمه الله) إلى تعريف جديد للعبادة، لم يُسبق إليه ، وهو أنها:(( خضوع اختياري ، يُطلب به نفع غيبي )). قال أبو عبد الله عثمان بن معلم محمود: أحسب أن الشيخ المعلمي بذل وسعه في بيان ما دلَّ عليه الكتاب والسنة وكلام أهل العلم في حقيقة العبادة، وأنه قد وُفِّق في ذلك أيَّما توفيق. وأهلية الشيخ في بحث هذه المضايق لا ينكرها منصف، فقد أعدَّ عُدَّته لذلك وبحث ونقَّب ورتَّب ورصف ونوَّع العبارات ونظر فيما يحتاج إلى نظر من عبارات أهل العلم في تعريف حقيقة العبادة، وتوصَّل إلى ما رآه تعريفاً جامعاً مانعاً محرَّراً أوَّلاً من حيث العبادة المطلقة سواء وُجِّهت إلى الله أو إلى غيره، وثانياً من حيث العبادة المقيَّدة. فقال في العبادة من حيث هي:(( خضوع اختياري يُطلب به نفع غيبي)). ثم شرح ذلك وبيَّن محترزات التعريف، ثم قال: ((وهذا تعريف للعبادة من حيث هي، فإن أُرِيد تعريف عبادة الله عزَّ وجلَّ زِيد: (بسلطانٍ)، أو تعريفُ عبادة غيره، زِيد: (بغير سلطانٍ)، وقد يكون الفعل عبادةً لغير الله عزَّ وجلَّ، ولَكِنَّ فاعله معذورٌ؛ فلا يُحْكَمُ عليه بالشرك, كما سيأتي إن شاء الله تعالى)). فإذاً قول الشيخ: (بسلطان) أو (بغير سلطان) داخل في تعريف العبادة المقيَّدة. فماذا فعل الدكتور الشريف حاتم العوني؟. قال- وليته لم يقل-: ((والمهم عندي هو محاكمة هذا التعريف : هل هو صواب ؟ أم خطأ ؟ والحقيقة أنه بتأمل يسير سوف يتضح خلله ، وأوضح ذلك من خلال الإيرادين التاليين : أولا : على هذا التعريف لو سجد رجل للمسيح عليه السلام ( وكان السجود جائزا لغير الله جائزا [كذا] في بني إسرائيل ) وخضع له خضوع المؤمن بالله أمام روح الله وكلمته ورسوله على أن يحيي له ابنه ، أو أن يخبره بغيب رزقه الماضي ، أو أن يشفيه من العمى أو البرص الذي يعجز الخلق عن شفائه ، ولو قبّل يد المسيح ، واستجداه متذللا أن يفعل شيئا من ذلك = فقد عبد المسيح عليه السلام ، وأشرك بالله تعالى ! مع أن هذا الرجل ما زاد على آمن [كذا] بما أخبرهم به المسيح عليه السلام نفسه { وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . وهذا يبين أنه ليس كل خضوع اختياري طلبا لأمر غيبي شركا ! وعلى هذا القول : يكون خضوع بعض الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له طالبين منه إخبارهم ببعض المغيبات المتعلقة بأشراط الساعة أو حال بعض أهاليهم بعد وفاتهم أو ببعض أخبار الأمم الغابرة أو بذكر من يكون أبوه [كذا] الحقيقي ( كما وقع ذلك كله ) شركا منهم ! فقد خضعوا للنبي صلى الله عليه وسلم طالبين أمرا غيبيا !! وحاشاهم من مثل هذا الإطلاق !!!)). أقول: يؤسفني أن أقول: إن الدكتور حاتماً لم يُنصف الشيخ المعلِّمي، ولم يُعطِ المسألة حقها وحجمها. فإيراداه اللَّذَان أوردهما لا يَرِدان على الشيخ. فبالنسبة للإيراد الأول فإنَّ ما كان يفعله المسيح عليه السلام هو آيات له ومعجزات أيَّده الله بها، تدلُّ على صدقه في قوله: إنه رسول الله، فهي محسوسة ومشاهَدة لمن معه. وما كان يُسألُه المسيح عليه السلام مِن غيب الطعام لم يكن أمراً غيبيّا بالنسبة له، بل مما أطلعه الله عليه معجزة له، فإن سأله الناس عن ذلك فلديهم سلطان من الله عليه، حتى تتمَّ المعجزة. ويشبه ذلك من وجهٍ الشفاعةُ التي سيسألها الناس يوم القيامة رسولَنا صلى الله عليه وسلم، فإنه يملك الدعاء يومئذ. و((السؤال في المحشـر من النبيِّ صلى الله عليه وسلم سؤالٌ من حاضرٍ مشاهَدٍ يُسْأَلُ منه ما يقدر عليه بمقتضـى الحسِّ والمشاهدة)) كما قاله المعلم. (رفع الاشتباه 793). قال المعلمي: ((ومن الحِكَمِ في التنبيه على أنَّ ما جرى على يد عيسى عليه السلام من الخوارق إنما كان يقع بإذن الله تعالى, أي لا كعمل البشر الأحياء لما يقدرون عليه عادة ــ قَطْعُ شبهة مَنْ يُشْـرِكه)). (رفع الاشتباه 822 ). وتعريف النفع الغيبي عند الشيخ المعلمي كما في (رفع الاشتباه 731، 552): ((ما كان على خلاف العادة المبنيَّة على الحِسِّ والمشاهدة)). ((وهو ما يكون المخضوع له غيبيًّا أو يزعم الخاضع أنَّ له قدرة غيبيَّة أي غير عاديَّة، والنفع المطلوب يتعلق بها)) أي بتلك القدرة الغيبيَّة. وأما الخضوع للمسيح بالسجود الذي فرضه الدكتور حاتم فهو على نوعين: فإن كان جائزاً في شريعتهم كما ذكرتَ فليس سجود عبادة وإنما هو سجود تحية. ثبت ذلك عن عدي بن حاتم فيما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وثبت عن قتادة وابن زيد فيما رواه الطبري في تفسيره. وذكر القرطبي إجماعَ أهل التفسير على ذلك. وأما إن كان غير جائز وكان سجودَ عبادة لم يأذن الله به، فمن أين للدكتور حاتم أن هذا ليس بشرك؟. وما ذُكر في الكتاب والسنة من هذا القبيل فلم يُغفله المعلمي، بل أورده ووجَّهه بما يوافق التعريف الذي انتهى إليه. فاستمع إليه يقول:(( فأما سجود الملائكة لآدم، وسجود آل يعقوب ليوسف, فذاك طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ كان عندهم بذلك من الله سلطانٌ.)). (رفع الاشتباه 748). وقال أيضاً: ((وأما مَن كان عنده سلطانٌ من الله عزَّ وجلَّ أن يخضع لشيءٍ من المخلوقات طلبًا للنفع الغيبِيِّ فخضع له طاعةً لله عزَّ وجلَّ، فهذا موافقٌ للشهادة لا مخالفٌ لها، لكن بشرط أن يكون خضوعُه لذلك المخلوق هو الخضوعَ الذي عنده به من الله تعالى سلطانٌ...... ولا شكَّ أن الله تبارك وتعالى أَمَرَ بإكرام الأناس الصالحين الذين عبدهم قوم نوحٍ وبإكرام المسيح وأمِّه وبإكرام الملائكة، ولكن لما تجاوز الناس الإكرام المأذون فيه إلى غيره على الوجه المتقدِّم كان ذلك شركًا بالله عزَّ وجلَّ)). (رفع الاشتباه 736). وأما ما بناه الدكتور حاتم على إيراده الأول من أنه ((يكون خضوع بعض الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له طالبين منه إخبارهم ببعض المغيبات المتعلقة بأشراط الساعة أو حال بعض أهاليهم بعد وفاتهم أو ببعض أخبار الأمم الغابرة أو بذكر من يكون أبوه الحقيقي ( كما وقع ذلك كله ) شركا منهم ! فقد خضعوا للنبي صلى الله عليه وسلم طالبين أمرا غيبيا)). فهذا هو سوء الفهم بعينه، فإن الأمور الغيبية المتعلِّقة بالدين مما كان في العصور الخوالي وأخبار الأنبياء وأممهم وما يكون بعد الموت إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم ما يكون فيهما من النعيم أو العقاب، فهذا من الدين الذي جاء به، فكثير منه في القرآن، وكثير منه ابتدأهم الرسول صلى الله عليه وسلم به دون سؤالٍ منهم، وبعضه كان بأسئلة منهم. وقد قال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) [الجن 26-27]. وسؤالهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمور عندهم من الله فيه سلطان. فهذا إلزامٌ لا يلزم. ولا يُسلَّم أن أسئلتهم كان يصحبها الخضوع والتذلُّل، بل (( الحقُّ أن السؤال من الأنبياء والعلماء إنما يصحبه الإكرام والاحترام الذي أمر الله عزَّ وجلَّ به)). كما قال المعلمي في (رفع الاشتباه 772). وتأمَّلْ هذا الإيراد الذي أورده المعلمي على نفسه وأجاب عنه. قال: ((فإن قيل: كيف يكون السؤال من الملائكة دعاءً لهم وعبادةً، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يسألون جبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام؟ قلتُ: ليس هذا من ذاك؛ فإن الأنبياء عليهم السلام إنما يسألون جبريل عن بعض المعارف ونحوها سؤالَ استفهامٍ وهو حاضرٌ مُشَاهَدٌ لهم، أرسله الله عزَّ وجلَّ ليعلِّمهم ويخبرهم عما يسألونه عنه، فسؤالهم منه طلب حقٍّ، وهذا السؤال لا خضوع معه للمسؤول، ولا هو غائبٌ، ومع ذلك فعندهم من الله تعالى بذلك سلطانٌ)). (رفع الاشتباه 795). ثم ذكر الدكتور حاتم إيراده الثاني على تعريف العبادة الذي انتهى إليه المعلمي فقال: (( ثانيا : وعلى هذا التعريف : لو خضع رجل لمخلوق ، طالبا نجاة ابنه من أيدي اللصوص الذين يقفون أمامه ، ويقبضون على ابنه ، وليس أمرا غيبيا ، لكنه خضع له على أن هذا المخلوق يتصرف في الكون بغير إذن الله تصرف الرب المالك المدبر : فلن يكون مشركا ؛ لأنه لم يطلب أمرا غيبيا )). والجواب على هذا الإيراد أن يقال: إن الدكتور حاتماً خلط هنا بين أمرين: الأول خضوع لا يُطلب به نفع غيبي، فهذا لا إشكال في أنه ليس عبادة ما لم يتجاوز الحدَّ المسموح به شرعاً. الأمر الثاني: مسألة مستقلة تقتضـي وحدها الكفر والشـرك، وهي الاعتقاد في مخلوق أنه ((يتصرف في الكون بغير إذن الله تصرف الرب المالك المدبر)). فمَن قال: إن هذا لا يقتضي الشرك عند الشيخ؟ مع أن الشيخ يرى أن ((الذي يدل عليه القرآن أن التدبير بالخلق والرزق ونحوهما على سبيل الاستقلال هو الذي ينبغي أن يكون مناطًا للألوهية، فمَن لم يكن كذلك لم يَنْبَغِ أن يُتَّخَذَ إلهًا، وأعني بالتدبير المستقلِّ: أن يكون المدبِّر ذا قدرة مطلقة، بحيث لا يكون فوقه قادرٌ محيط به علمًا وقدرة، يعلم جميع أحواله ويمنعه إذا أحبَّ ويغني عنه إذا أراد, أو يكون فوقه قادر كذلك ولكنَّ الأعلى فَوَّضَ الأمرَ إلى الأدنى مطلقًا يتصرَّف كيف يشاء)). (رفع الاشتباه 347 ). وقال أيضاً: ((والقطع بلا إله إلا الله يستدعي القطع بثلاثة أمور: الأول: أنه لا مدبِّر في الكون استقلالًا إلا الله عزَّ وجلَّ، فمن جَوَّز أن يكون في الكون مدبر مستقل قد يعجز الله تعالى عن منعه وقد يستطيع هو منع الله عزَّ وجلَّ عن إنفاذ قضائه، فقد جَوَّز أن يكون مع الله إله آخر. وكذلك إذا جوّز أن يكون الله عزَّ وجلَّ فَوَّضَ أمر العالم أجمع، أو أمر العالم الأرضي، أو أمر قُطْر خاص، أو بلد خاص، أو شخص واحد إلى مخلوق، وأذن له أن يصنع به ما أراد على أن يتـخلّى الباري عزَّ وجلَّ عن تدبير ذلك الشخص مثلًا أصلًا. وكذلك إذا جوّز أن يكون مخلوق من الخلق مقبولَ الشفاعة أو الدعاء البتة بحيث لا يخالفه الله عزَّ وجلَّ في شيء قطعًا)). (رفع الاشتباه 876). وقال أيضاً: ((عامَّة المشركين لا يعتقدون لشركائهم تدبيرًا مستقلًّا، ولذلك قامت عليهم الحجة بهذه الآيات. ولكن من الأمم مَنْ يُشْرِكُ الروحانيين زاعمًا أنه كما أن للبشر قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم فينفعون ويضرون ويغيثون ويعينون ويقتلون ويستحيون ونحو ذلك مما هو مشاهد، فللروحانيين قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم وهي أعظم وأكمل من قدرة البشر. قالوا: وكلا القدرتين مخلوقة لله عزَّ وجلَّ وممنوحة منه، وإذا شاء سَلْبَ القدرة من بعض الروحانيين فَعَلَ، كما إذا شاء سَلْبَ القدرة مِنْ بعض البشر. قالوا: فنحن نؤلِّه الروحانيين ونعبدهم لينفعونا بهذه القدرة الموهوبة لهم من الله عزَّ وجلَّ، كما أن البشر يعظِّم بعضُهم بعضًا ويخضعُ بعضُهم لبعض رغبةً في منفعة أو خشيةً من مضرَّة مع العلم بأن قدرة البشر موهوبة لهم من الله عزَّ وجلَّ. ومِنْ هؤلاء عامَّةُ وَثَنِيِّي الهند وغيرهم)). (رفع الاشتباه 348). وقال أيضاً: ((ومَن اعتقد في غيره قدرة على النفع والضر، فإن اعتقد لذلك الغير قدرة مستقلَّة عن قدرة الله تعالى، أي غير مستمدَّة منها، فذلك هو الكفر، سواء اعتقد أن تلك القدرة تستقلُّ بالإيجاد أو تحتاج إلى إعانة قدرة الله تعالى. وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين)). (تحقيق الكلام في المسائل الثلاث 222 ). وألزم الدكتور حاتم العلَّامة المعلمي: بأن هذا المعتقِد في بشر أنه يتصـرف في الكون بغير إذن الله تصرُّفَ المالك المدبِّر ليس مشركا لأنه لم يطلب منه أمراً غيبيا. وغفل الدكتور حاتم عن أنَّ هذه القدرة التي أثبتها السائل للمسؤول قدرة غيبية (( لا نعلم عليها سلطانًا، بل قد استأصل الله عزَّ وجلَّ شأفتها ببرهان التمانع)) كما في (رفع الاشتباه 1038) . والعبادة ليست محصورة في الأعمال وحدها، بل منها عقائد، فإنَّ اعتقاد هذا السائل أنَّ مسؤوله يتصرف في الكون تصرف الرب دون إذن من الله دعوى منه أنه يستحق أن يُعبد من دون الله ويُطلبَ منه النفع الغيبي، والنفع الغيبي كما قال المعلمي: (( ما يكون المخضوع له غيبيًّا أو يزعم الخاضع أنَّ له قدرة غيبيَّة أي غير عاديَّة، والنفع المطلوب يتعلق بها)) أي بتلك القدرة الغيبية. وبعد أن ظنَّ الدكتور حاتم أنه فنَّد تعريف الشيخ المعلمي صحَّح تعريفاً للعبادة يخالف القرآن ودعوات الرسل وما كان عليه المشركون على مرِّ العصور. فقد اقترح فيصل المزني في التعليقات على صفحة الفيس بوك التي فيها منشور الدكتور حاتم العوني تعريفاً للعبادة، قال فيه: ((العبادة : هي صرف عمل قلبي او فعلي للمعبود معتقدا فيه شئ من خصائص الربوبية)). هذا ما فهمته من خلاصة بحث شيخنا الفاضل في (العبادة بوابة التوحيد او بوابة التكفير).... هل فهمي هذا صحيح ؟)). فأجابه الدكتور الشريف حاتم العوني بقوله: ((نعم فهمك صحيح)). واستطرد فيصل قائلا: ((وبناء عليه، فان الشرك هو صرف عمل قلبي او فعلي لغير الله معتقدا فيه خصيصة ربوبية ع الاستقلال او المشاركة او الولاية !! هل هذا ايضا صحيح)).فأجابه الدكتور الشريف حاتم العوني بقوله: ((صحيح أيضا بارك الله لي ولك في العلم)). قال ذلك مع أنَّ الله تعالى حكى عن المشركين أنَّ غاية مطلوبهم من عبادة معبوداتهم أن تقرِّبهم إلى الله، فقال سبحانه: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر 3 ). وقال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) (الزخرف 9 ). وقال سبحانه: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله) إلى آخر الآيات في هذا المعنى. (المؤمنون 84- 89 ). وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (يوسف 106 ) ((إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره)). أخرجه ابن جرير 13/ 374. وقد رُوي نحو هذا عن ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال المعلمي عن المشركين: و((لذلك يؤلِّهون المخلوقات والجمادات مع علمهم باحتياجها وافتقارها واعترافهم بذلك)). (رفع الاشتباه 339) . وقال أيضاً: ((وبعدُ، فقد علمت شهادة الله عزَّ وجلَّ على المشركين بأنهم يعترفون بأن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يدبِّر الأمر والذي يرزقهم من السماء والأرض وغير ذلك، وقد أخبر الله تعالى عن كثير من الأمم أنهم اتـخذوا الأصنام آلهة، واتـخذوا الشياطين آلهة، واتـخذوا الهوى إلهًا، واتـخذوا الأحبار والرهبان أربابًا وآلهة, مع أنهم لم يعتقدوا لشيء من ذلك التدبير المستقل)). (رفع الاشتباه 345) . وقال أيضاً: ((فقد ثبت بما تقدم أن اتـخاذ الشيء إلهًا لا يتوقف على اعتقاد كونه واجبَ الوجود، ولا اعتقاد كونه مستغنيًا عما سواه، ولا كونه مدبِّرًا مستقلًّا، بل ولا غير مستقلٍّ؛ فإن الذين ألَّهوا الأصنام لم يعتقدوا لها شيئًا من التدبير)). (رفع الاشتباه 346) . ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام قوله في كتابه (الإشارة والإيجاز إلى أنواع المجاز) تعليقاً على قوله تعالى:﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ﴾ [الشعراء: 97- 98] ما نصُّه: «وما سَوَّوهم به إلا في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال». المصدر السابق والموضع نفسه. وقال المعلمي: ((ومن العجائب أنك تجد في هذا العصر كثيرًا من طلبة العلم ــ إن لم أقل مِنَ العلماء ــ يتوهَّمون أن المشركين يعتقدون في الأصنام من أشجار وأحجار وغيرها أنها واجبة الوجود قادرة على كلِّ شيء خالقة رازقة مدبِّرة للعالَم، ولقد كَلَّمْتُ بعضهم في شأن الوثنيِّين من أهل الهند وقولهم في الأصنام, فقال: إذا كان هذا قولهم في الأصنام فليسوا بمشركين!! وحجته أنهم لم يخالفوا التوحيد الذي حقَّقه علماء التوحيد، وهكذا غلب الجهلُ بمعنى لا إله إلا الله، والغلطُ فيه وفي حقيقة الشرك الذي بعث الله عزَّ وجلَّ رسله لإبطاله، فإنا لله وإنا إليه راجعون)). (رفع الاشتباه 341). وقد نبَّه الأخ ماهر أمير في تعليقه على منشور الشريف حاتم إلى أن الذي أوقع الدكتور حاتماً في الخطأ هو إهماله القيدين الذين ذكرهما المعلمي للعبادة المقيَّدة فقال : ((لو انكم قيدتم كلامه بالقيد الذي ذكره هو نفسه " بسلطان او بغير سلطان " لزال الخلل المتوهَّم)) إلى آخر مناقشته التي ختمها بقوله: ((فاتمنى منكم الاطلاع ع بقية مؤلفاته ليتحرر رأيكم في التعريف خصوصا و المعلمي رحمه الله مشهود له بالتبحر في هذا فلا يكفي ( التأمل اليسير ) ! )) . فأجابه الدكتور الشريف حاتم بقوله: ((هو لم يقيده بالقيد الذي تذكره , وتعريفه للعبادة خال من هذا القيد تماما . أما القيد الذي تذكره فهو قيد لا لتعريف العبادة , وإنما هو تعريف العبادة التي تخص الله تعالى)). ألم يتبيَّن لك أيها القارئ أن الدكتور الشريف حاتماً لم يتصوّر القضية كما ينبغي، ولما نُبِّه وخنقته الحجَّة فرَّ إلى حذلقة لم يُوفَّق فيها. فالأخ طلب منه أن يزيد القيد الذي زاده المعلمي، فالقيدان اللَّذان ذكرهما المعلمي موزَّعان، فإن كان ذلك الخضوع الخاصُّ بسلطانٍ من الله فهو عبادة لله، وإن كان بغير سلطان من الله فهو عبادة لغير الله. وصاحبنا الدكتور الشريف حاتم يقول: ((فهو قيد لا لتعريف العبادة, وإنما هو تعريف العبادة التي تخص الله تعالى)). فتأمل هذا الجواب يسيراً وقل لي كيف تكون عبادة الله بغير سلطان؟. أفهكذا يكون نقد الأكابر على صفحات الفيس بوك؟!!!. وقال معلِّق آخر في تعليقه على المنشور ذاته في موقع النخبة مع اعترافه أنه يخالف المعلمي في أصول وفروع موجِّهاً كلامه إلى الدكتور الشريف حاتم: ((اخي بارك الله فيك ..أرى أنك حملت النص ما لا يحتمله .. و أغربت في التاويل ..إلى أن قال: فأرجوا أن تراجع ما ألزمت به الرجل)). قال الدكتور الشريف حاتم العوني في ختام منشوره:((فتبين بهذين الإيرادين خلل التعريف وقصوره . وهذا التعريف هو لب الكتاب ، وغاية بحثه . وقد تبين خلله، وأن ضخامة الكتاب لم تكن كافية لتوفيق مؤلفه العلامة القدير ( رحمه الله) للصواب فيه)). أقول: الموفَّق مَن وفَّقه الله، وقد تبيَّن للقارئ أنَّ الخلل في الإيرادين لا في التعريف الذي حرَّره العلامة المعلمي. ثم لما ذا يزهِّد الدكتور حاتم القرَّاء في كتاب الشيخ المعلمي إن لم يعجبه التعريف، فإنَّ فيه مباحث كثيرة في بيان التوحيد وضدِّه، وما كان يعمله المشـركون أو يعتقدونه في معبوداتهم باستقراء تامٍّ لا نجده حسب علمي إلا في هذا الكتاب، وقدَّم للكتاب بأصول محرَّرة، وعقد فصلاً بديعاً في حكم الجهل والغلط، شرح فيه أحوال الناس في بلوغ الدعوة وقيام الحجة، واستطرد في بحث أحوال مشـركي العرب بعد إسماعيل وما فعله عمرو بن لحي، ونقد أموراً يعتمد عليها بعض الناس في أمور الاعتقاد وهي لا تصلح لذلك، فتكلَّم عن التقليد، والبناء على الرأي والقياس، أو الاعتماد على الحديث الضعيف، والاغترار بالخوارق التي تقع على أيدي بعض مَن يُعتقد فيهم الصلاح، وكيف كان الصالحون الأولون يتجنبون تزكية أنفسهم ويظهرون التواضع، وبحث تفسير أهل العلم للفظ (إله) سواء في كتب التفسير أو كتب علم الكلام أو كتب اللغة، وما قاله أهل العلم في تفسير لفظ العبادة، وبيَّن تقصير المتكلمين في إيضاح توحيد الألوهية الحقيقي، وقرَّر برهان التمانع بأحسن تقرير، ودافع عن الملائكة فيما يوهم عدم العصمة، وحقَّق قصة هاروت وماروت. وتحدَّث عن تفسير الإله بالمعبود، وتفسير أهل العلم للعبادة، وبيَّن معناها لغة واصطلاحاً، وأقام البرهان على أن المشركين كانوا مقرِّين بربوبية الله مع اتخاذهم آلهة من دون الله. قال: ولم يكن مناط تأليه المشركين للملائكة دعوى أنهم بنات الله، وبيَّن المناط الحقيقيَّ لذلك التأليه والعبادة. وأبطل الشيخ شبهتي التقليد والتشبث بالقَدَر لدى المشركين، ونَقَلَ ما قرَّره بعض أهل العلم من أنَّ عبادة الملائكة أصل الشرك ومبدؤه. وأوضح أنَّ المشركين يعبدون الأوثان والأصنام تعظيماً لأشخاص معظَّمين. واستعرض جُلَّ الآيات التي تحدَّثت عن شرك الأمم السابقة ابتداء من قوم نوح وانتهاء بمشـركي العرب الذين كانوا قبل البعثة، ولا يترك تفسير الآيات التي تحتاج إلى تفسير، وفصَّل في اعتقاد المشـركين في الأصنام والملائكة والشياطين، وكيف كان تأليه الأحبار والرهبان وعيسـى وأمِّه والهوى، وحرَّر تعريف العبادة، وعقد فصلاً للقيام وفصلاً آخر يزيد على ثمانين صفحة في الدعاء وأحكام الطلب، والجواب عن الشبهات المثارة في هذه المسألة، لا تجده بهذا التوسُّع والتحرير عند غيره حسب اطِّلاعي، ثم عقد فصلاً للرَّدِّ على شبهات المشـركين بأصنافهم، وفصلاً في الأعذار، ثم ختم بما يتعلَّق بالطِّيَرة والتمائم والتولة والسحر والقسم بغير الله، وكلُّ بحث من هذه البحوث لو نُشـر مفرداً لكان نافعاً جدّاً، فلماذا حكم الدكتور حاتم العوني على هذا الجهد العظيم بالإلغاء والإقصاء؟!!. كتبه: الدكتور عثمان بن معلم محمود الباحث في مركز الدراسات القرآنية بمجمع الملف الفهد لطباعة المصحف الشريف المدينة النبوية في 16 جمادى الآخرة 1434
  2. http://store1.up-00.com/2017-01/1483487003131.png
  3. النصح العلي في نقض اطروحات الدكتور سعيد الكملي (3-3) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله وسلم على رسوله ومصطفاه، أما بعد: فنحن في زمن عَظمت فيه الغيرة على الشيوخ، وهان الدفاع عن العقيدة عند كثير من النفوس، وصار من تظاهر بالحفظ والتحقيق، وفذلكةٍ في الحوار، وفنقلةٍ في الجدال، ونحو ذلك صار هو الإمام المبجل، والعالم النحرير الذي لا يجوز الرد عليه، أو التعقيب على أغلاطه، فالله المستعان، وإليه المشتكى. وحيث أنه قد سبق أن بينت شيئاً من مغالطات الدكتور سعيد الكملي في الاحتفال بالمولد النبوي، وقد نُشر له أيضاً جواب عن معنى التصوف، فزعم أن التصوف فن من فنون المعرفة، وعلم من العلوم الشرعية، وله مسميات عدة: فيسمى علم التصوف، وعلم السلوك، والتزكية، وغير ذلك. وهذه من المغالطات التي اصطِيد بها كثير من الضحايا التي لم تعرف خطر التصوف، فأحببت أن أسهم في كشفها وبيان زيفها فيما يلي: أولاً: أن التصوف مصطلح بدعي لم يرد ذكره في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام السلف الصالح، بل هو لفظة أعجمية لا أصل لها في لغة العرب، وهي جامدة غير مشتقة، وقد صرح القشيري وهو من أئمة الصوفية بقوله: «ليس يشهد لهذا الاسم –صوفيء من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب»[1]، وأكثر تعليلات هذا الاصطلاح شيوعًا هو (لبس الصوف)، مثل (تقمُّص) من لبس القميص، وقد طرأت هذه البدعة في أواخر القرن الثاني الهجري. قال العلاّمة المقبلي رحمه الله: «فالتصوف ليس من مسمى الدين، لأن الدين كمل قبله، أعني دين الإسلام، ولا هو من النعمة، لأنها تمت قبله، وليس التصوف داخلاً في مسمى الإسلام، لأن الإسلام تم قبله، وهم معترفون بالغيرية، فحينئذ هو بدعة ضلالة»[2]. ثانياً: أنه بسبب رواج فكرة: (أن الزهد في الدنيا وتطهير النفس ومجاهدتها هو عين التصوف) على بعض ممن ينتسب للعلم آل إلى اعتبار مَن عُرف بالزهد والرغبة عن الدنيا، والإقبال على الله كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وعبدالله بن المبارك ونحوهم= إلى أنهم من الصوفية، والذي ساعد على هذا الخلط تلك المؤلفات في طبقات الصوفية، ومنها ما أشار إليه الدكتور سعيد الكملي: كتاب (التشوف إلى رجال التصوف)، وقد تجرأ بعضهم كالشعراني فدمج الخلفاء الراشدين في طبقاته وحاشاهم. ثالثاً: أن الصوفية وإن كانوا يوافقون أهل السنة والجماعة على فضل الزهد وتزكية النفس والإحسان، فهم مخالفون لهذه الحقائق مبنى ومعنى، لفظاً ومضموناً، وعليه ففي شريعة الإسلام ما يغني عن التصوف، وقد سئل العلاّمة صالح الفوزان حفظه الله عمّن يدعو إلى تصوف الجيلاني ونحوه دون تصوف ابن عربي فقال: «التصوف كله مبتدع، وإن كان بعضه أخف من بعض، والخفيف يجر إلى ما هو أشد منه، كما هو المشاهد للواقع من متصوفة اليوم، وهكذا البدعة تجر إلى ما هو شر منها»[3]. رابعاً: أنه لو فرضنا جدلاً أن ترويج الدكتور سعيد الكملي للتصوف كان للمصطلحات الشرعية: كالإحسان والزهد وتزكية النفس ومجاهدتها، وغير ذلك مما دلت عليه النصوص، لما جاز ذلك أيضاً؛ لأن دعاة السنة لا يمكن أن يكونوا متصوفة، فالتصوف مبتَدعٌ كله، اسمه ورسمه، وقد سُئل العلاّمة صالح الفوزان حفظه الله: هل إذا تصوف المسلم السني أصبح مجرماً؟فقال: «نعم، من تصوف فقد ابتدع، ومن ابتدع كان مجرماً، والسني إذا تصوف لم يبق سنياً، بل يكون بدعياً»[4]. ومن المغالطات التي ذكرها الدكتور سعيد الكملي ما ادعاه من استمداد علم التصوف، وأنه مستمد من مرتبة الإحسان المذكورة في حديث جبريل الطويل. والحقيقة هي كما قال الشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله: «إن أمر التصوف كله مختلف فيه، فكما أختلف في أصله واشتقاقه، وحدّه وتعريفه، بدئه وظهوره، وفي أول من تسمى به وتلقب به، كذلك اختلف في منبعه ومأخذه، ومصدره ومرجعه، فتشعبت الآراء وتنوعت الأقوال، وتعددت الأفكار ... وقال قوم: لا علاقه له بالإسلام إطلاقاً، قريبة ولا بعيدة في اليوم الذي نشأ فيه، ولا بعد ما تطور، وهو أجنبي عنه كاسمه، فلذلك لا يفتش عن مصادره ومآخذه في القرآن والسنة وإرشاداتهما، بل يبحث عنها في الفكر الأجنبي، وهو رأي أكثر السلفيين ومن نهج منهجهم وسلك مسلكهم وكذلك الفقهاء والمتكلمين من أهل السنة من المتقدمين، والأكثرية الساحقة من المستشرقين، والكثير من الباحثين والمفكرين المتحررين من الجمود وعصبية التقليد، من المتأخرين»[5]. والمقصود مما سبق أنه ينبغي لطالب العلم أن يحذر من أمثال هؤلاء، الذين أقل أحوالهم أن يلبسوا الحق بالباطل، والسنة بالبدعة، «وذلك أن أحوال أهل الزمان قد اضطربت، والمعتمد فيهم قد عز، ومن يبيع دينه بعرض يسير، أو تحبباً إلى من يراه قد كثر، والكذب على المذاهب قد انتشر، فالواجب على كل مسلم يحب الخلاص أن لا يركن إلى كل أحد، ولا يعتمد على كل كتاب، ولا يسلم عنانه إلى من أظهر له الموافقة»[6]، حتى لا يكون مصيدة لمن ليست لهم خبرة بالعقيدة السلفية، ومن رام النجاة من هؤلاء، والسلامة من الأهواء، فليكن ميزانه الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، في كل ما يسمع ويرى، وبهذا القدر كفاية، وبالله التوفيق. وكتبه/ أبو رقية عبدالله البنعلي 5 / محرم / 1437هـ 18 / أكتوبر / 2015م ــــــــــــــــــــــــــــــ [1] الرسالة القشيرية (250/2). [2] العلم الشامخ (ص: 470). [3] إبطال تلبيسات الرفاعي، مطبوع ضمن مجلة البحوث الإسلامية (351/81). [4] المصدر السابق. [5] التصوف - المنشأ والمصادر (ص: 49). [6] مقتبس من رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص: 357).
  4. هـذه هـي السلفية كتبها أبو عمار علي بن حسين الشرفي مقدمة الحمد له رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فالدعوة السلفية مبنية على أسس الدين الخالص، لأنها قائمة على التمسك بالكتاب والسنة على طريقة فهم السلف، وتدعو إلى الدعوة إلى التوحيد، ونبذ المحدثات التي دخلت في هذا الدين على جميع المستويات، سواء كانت المحدثات في الاعتقاد أو العلم أو العمل. ومما يؤسف له أن بعض الناس يهاجم الدعوة السلفية بغير حق، فبعضهم يهاجمها جهلا، وآخرون يهاجمونها بغيا وظلما، لأن السلفية لا توافقه في هواه وبدعته وضلاله. وهذا غير من انتسب إليها بغير حق من أهل الانحرافات فتنقل انحرافاته للناس على أنها هي السلفية، والسلفية بريئة من انحرافاته وضلالاته. وهذه رسالة أحببنا أن نبين فيها شيئًا من الصورة المشرقة للدعوة السلفية، نسأل الله أن يكتب لها القبول، إنه جواد كريم. وتتكون الرسالة من عدة فصول: المبحث الأول حقيقة السلفية. المبحث الثاني الأدلة على وجوب اتباع مذهب السلف. المبحث الثالث خصائص السلفية. المبحث الرابع المواقف المشرفة للسلفية. المبحث الخامس نزاهة السلفية من افتراءات أعدائها. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله كتبه أبو عمار علي بن حسين الشرفي ذو القعدة / 1432هـ عدن / اليمن المبحث الأول حقيقة السلفية المطلب الأول معنى السلفية السلفية مأخوذة من كلمة السلف، والسلف من حيث اللغة تعني ما تقدم ومنه قوله تعالى: (عفا الله عما سلف). أي: عما تقدم، وقوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف). أي: إلا ما قد تقدم فمعفو عنه. واصطلاحا: السلفية هي الدعوة إلى الإسلام الخالص الذي أنزله الله على رسوله قبل أن حدوث البدع والمحدثات. والميزان في معرفة الدين الخالص هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال شيخ الإسلام في "الواسطية" في وصف أهل السنة: (وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا، لكن لما أخبر النبي أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وفي حديث عنه أنه قال: "هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب: هم أهل السنة والجماعة) ا.هـ المطلب الثاني حقيقة الدعوة السلفية دعوة أهل السنة تهدف إلى تحقيق العبادة لرب العالمين في الأرض، وتدعو الناس إلى الرجوع إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وسائر صحابته الكرام، من التمسك بأحكام الإسلام وتعاليمه، وتحكيمه في جميع شؤون حياتهم, وتسعى لإصلاح أوضاع المسلمين عمومًا، دون أن يكون وسيلتهم في ذلك سفك الدماء أو الخروج على جماعة المسلمين أو إثارة الفتن والقلاقل في المجتمعات، أو التنازل عن شيء من الدين. فليست الدعوة السلفية دعوة إجرامية تسلك مسلك العنف والإرهاب، ولا دعوة سياسية تسعى إلى الوصول إلى كرسي الحكم ولو بالتنازل عن أسس الدين، ولا دعوة تفصل الدين عن سائر نواحي الحياة، بل دعوة تنادي بتربية المجتمع التربية الصحيحة، وتدعو أفراده إلى أن يرجعوا إلى دينهم، بأن يقيموا الإسلام في نفوسهم ليقوم بعد ذلك على أرضهم. إن الدعوة السلفية – باختصار – التمسك بالإسلام الخالص والسعي بصدق للعودة إلى الإسلام الذي كان عليه المسلمون الأوائل. المبحث الثاني الأدلة على وجوب اتباع مذهب السلف المطلب الأول الأدلة على وجوب اتباع مذهب السلف والأدلة على اتباع السلف كثيرة منها: 1 ـ قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم). قال شيخ الإسلام في تفسير معنى: "رضي الله عنهم": (فكل من أخبر الله عنه أنه رضي الله عنه فإنه من أهل الجنة وإن كان رضاه عنه بعد إيمانه وعمله الصالح فإنه يذكر ذلك في معرض الثناء عليه والمدح له، فلو علم أنه يتعقب ذلك بما يسخط الرب لم يكن من أهل ذلك) ا.هـ [1] 2 ـ قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى). والحسنى: هي الجنة، فهذه الآية تفيد أن أصحاب رسول الله كلهم في الجنة، ونقل الحافظ ابن حجر في مقدمة "الإصابة" عن ابن حزم أنه قال: (كل أصحاب رسول الله في الجنة) ا.هـ 3 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). رواه البخاري عن أبي سعيد، ومسلم عن أبي هريرة. المطلب الثاني ضابط السلف الذين يجب اتباعهم واختلف العلماء في ضابط السلف الذين يجب إتباعهم، فقيل: يجب اتباع الصحابة فقط دون غيرهم، وقيل: يجب اتباع الصحابة والتابعين، وقيل: يجب اتباع الثلاثة القرون فقط، وقيل: إلى خمسمائة عام. والصحيح أنه يجب اتباع القرون الثلاثة فقط دون غيرهم [2] لأنهم الذين ورد فيهم الحديث، ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني - وفي رواية: خيركم، وفي رواية: خير أمتي - ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). متفق عليه، وليس في شيء من الروايات لفظة: "خير القرون". والقرن: قد وقع خلاف بين أهل العلم في ضابطه على أقوال: والصحيح فيما يظهر من كلام أهل العلم أن المراد بالقرن هو الطبقة من الناس، فقد قال النووي في "شرح مسلم": (والصحيح أن قرنه صلى الله عليه وسلم الصحابة، والثاني التابعون، والثالث تابعوهم). وقد يقول قائل: إن الصحابي الواحد قد تتأخر وفاته وأيضا قد يموت مبكراً، وكذلك التابعون فيكون الواحد منهم قد عاش إلى عهد أتباع التابعين أو ما هو أبعد من ذلك فكيف الجواب عن هذا ؟! والجواب هو ما قاله شيخ الإسلام: (فان الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه). [3] المطلب الثالث مشروعية الانتساب إلى السلفية قال شيخ الإسلام: (لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا. فإن كان موافقا له باطنا وظاهرا: فهو بمنزلة المؤمن الذي هو على الحق باطنا وظاهرا. وإن كان موافقا له في الظاهر فقط دون الباطن : فهو بمنزلة المنافق. فتقبل منه علانيته وتوكل سريرته إلى الله. فإنا لم نؤمر أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم) ا.هـ [4] قال شيخ الإسلام: (فعلم أن شعار أهل البدع: هو ترك انتحال اتباع السلف، ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم") ا.هـ [5] المطلب الرابع معنى الرجوع إلى فهم السلف ومعنى الرجوع إلى مذهب السلف هو التقيد بفهمهم للكتاب والسنة، وسلوك طريقتهم في العمل بالشريعة، وليس معناها التقيد بطريقة معيشتهم، فليس معنى ذلك أن السلفية هي ترك الجديد من وسائل التكنولوجيا والرجوع إلى وسائل المعيشة القديمة، فإننا نسمع من العلمانيين والليبراليين - وأمثالهم من مرضى القلوب - من يغالط الآخرين فيقول عن السلفيين: "إن هؤلاء يريدون أن يردونا إلى عهد الإبل والحمير" !!. وهذا كذب افتراه هؤلاء المفترون على أهل السنة، فإن السلفية لا تحرم التقنية المعاصرة أي: التكنولوجيا الحديثة، ولا تمنع من استعمال وسائل النقل العصرية أو وسائل الاتصالات أو وسائل الطب أو غيرها من الوسائل الحديثة التي خرجت علينا في هذا العصر، لأنه لا تعارض بين الشريعة وهذه التكنولوجيا، ولكن أهل السنة يدعون الناس إلى الرجوع إلى طريقة السلف في فهم الدين، فالمسألة كما قال بعض الفضلاء من أهل العلم: "عليك في أمر الدين بالقديم، وعليك في أمور الدنيا بالجديد". فالشريعة لا تعارض التكنولوجيا الحديثة، ولم يقل أحد من أهل العلم اتركوا السيارة وعودوا إلى الحمير، واتركوا السراجات وارجعوا إلى عهد المصابيح القديمة، واتركوا حنفيات الماء وارجعوا إلى عهد البئر والدلو، لم يقل هذا أحد ولن يقوله أحد ممن يعرف الدعوة السلفية. المبحث الثالث خصائص السلفية المطلب الأول منهج الدعوة السلفية هو منهج الطائفة المنصورة فالمنهج الذي تسير عليه الدعوة السلفية عليه هو منهج الطائفة المنصورة، فالطائفة الناجية هم أهل الحديث. قال شيخ الإسلام كما "مجموع الفتاوى": (وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية هم أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يوالون وفيه ويعادون إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم هم الفقهاء فيها، وأهل المعرفة بمعانيها واتباعاً لها، تصديقاً وعملاً وحباً وموالاة لمن والاها، ومعاداة لمن عاداها، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة، هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه) ا.هـ [6] والطائفة المنصورة والفرقة الناجية اسمان لفرقة وطائفة واحدة وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنهما فرقة واحدة كاللالكائي في مقدمة "أصول الاعتقاد"، وشيخ الإسلام ابن تيمية في أول "الواسطية" حيث قال: (أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره) ا.هـ وكذلك نص غير واحد من أهل العلم على أنهما فرقة واحدة، وقد جمعهم الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي في رسالة: "أهل الحديث هم الطائفة المنصورة". وإنما سميت الفرقة الناجية لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة). رواه أهل السنن وأحمد وغيرهم. [7] وتسمى أيضاً "الطائفة المنصورة" للحديث الآخر المشهور في "الصحيحين" وغيرهما: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). [8] ونحن أهل السنة نعتقد بأن هذه الطائفة لا تزال على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من عاداهم. فهذه الطائفة على الحق: فلا يقال: على بعض الحق، ولا يقال: هم أقرب إلى الحق !! بل على الحق كله، وهم ظاهرون: أي منتصرون، والانتصار هنا إما بالسيف والسنان، وإما بالحجة والبيان، والأول قد ينقطع لسبب كضعف ونحوه، والثاني مستمر لا ينقطع. وهذه الطائفة لا يضرهم من خذلهم ممن هو داخل الطائفة. ولا من عاداهم ممن هو خارج الطائفة، وهم مستمرون على هذا الوصف حتى يأتي أمر الله عز وجل كما يدل عليه الحديث السابق. وتسمى هذه الطائفة بأهل الحديث، وأهل السنة، وأهل الأثر، والسلفيين، وغير ذلك من الأسماء التي تتنوع أسماؤها ومسماها واحد. والمراد بأهل الحديث ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى": (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه، أو كتابته، أو روايته، بل نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً أو باطناً، واتباعه باطناً وظاهراً وكذلك أهل القرآن) ا.هـ [9] المطلب الثاني معالم الحق في الدعوة السلفية وللدعوة السلفية معالم حق ترشد الجاهل إلى أنها هي دعوة الحق، وأنها هي الطائفة المنصورة المذكورة في الحديث، تميزت بهذه المعالم عن غيرها من الدعوات، ولا يشاركها فيها أحد من الطوائف الأخرى، ونحن سنذكر أهم هذه الصفات التي يستطيع عامة الناس أن يميزوها من غيرها بهذه الصفات، فمن ذلك: الأولى أن الدعوة السلفية قديمة قدم الإسلام وليست وليدة العصر: فهي طائفة قديمة وليست حادثة بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر أصحابه، بل هي موجودة معهم، وكائنة في عهدهم، وما من جيل من أجيال أهل السنة إلا وسبقهم جيل قبلهم يحملون الدعوة السلفية، فإسنادنا متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي المقابل نجد أن كل هذه الفرق التي حدثت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم يجمعها كلها أنه حادثة وجديدة، وليس لأفكارها إسناد متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سوى شبهات يجمعونها من هنا وهناك. روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" عن أيوب ابن أبي تميمة السختياني أنه قال: (أنا أكبر من المرجئة) ا.هـ يريد بذلك أنه أقدم منهم ولادة وأكبر منهم سناً، فهو يستدل بحدوثها على بطلان منهجها، وهكذا فقس على جميع الفرق والطوائف القديمة والمعاصرة. وهذه الكلمات يقولها السلف في الفرق القديمة، فكيف بالطوائف العصرية وغيرهم ممن هم على شاكلتهم، والتي إذا قارناها بالطوائف السابقة وجدناها على أقل الأحوال كالطفلة الرضيعة مع المرأة الكبيرة ؟! ففارق السن بينهم كبير. الثانية الاستمرارية وعدم الانقطاع: ففي الحديث: "لا تزال" ونفي الزوال فيه إثبات الاستمرارية والبقاء، فيقال: "لا يزال الرجل قائما أي: مستمرا، فالطائفة المنصورة قد يخلو منها مكان من الأمكنة، ولكن لا يخلو منها زمان من الأزمنة. الثالثة الشمولية وعدم الاعتكاف على جزئية من الدين: فهي تعتني بجميع شرائع الإسلام وشعائره، فليس عندها شيء مهجور من الشرع ولا متروك، وليس عندها شيء معظم مقابل إهمال شعائر أخرى، ما لم يكن منها شيء منسوخ فحينئذ يكون العمل بالناسخ. وهناك أمر يشتبه على الكثير من الناس يسيئون به فهم الدعوة السلفية، حيث يظنون أن الجهاد منزوع من قاموس الدعوة السلفية، وهذا الفهم الخاطئ نشأ من جهل الكثير من الناس بالدعوة السلفية تارة، ومن أمراض النفوس تارة أخرى. وجوابنا عن هذا أن يقال: إن كتب العقيدة عند السلفيين تشتمل على بيان أن الجهاد ماض مع كل بر وفاجر إلى قيام الساعة، لكن كثيراً من الناس يأخذ بعض "المصطلحات" ويدندن بها دون أن يفهم قيودها وضوابطها، فصاروا كالرجل الذي يريد أن يصلي الظهر قبل الزوال، فإذا قيل له: (لم يدخل وقت الظهر فلا تصل الآن)، استدل علينا بقول الله تعالى: (أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى). فلفظة "الجهاد" من هذه المصطلحات التي دعا إليها أقوام دون معرفة ملابساتها وحدودها وقيودها الشرعية، وإنما أخذه بعض حدثاء الأسنان دون معرفة ضوابطه الشرعية، ولا قيوده المرعية، ولا فهموه بفهم سلفنا الصالح ثم الراسخين من أهل العلم. فهذه الفرائض والواجبات لها شروط وضوابط وقيود ينبغي أن تكون معتبرة، ومن ذلك فريضة الجهاد في سبيل الله، وقد جاهد السلفيون في كثير من المواضع، فهم الذين أشعلوا فتيل الجهاد في أندونيسيا - جزيرة أمبون – وهم الذين أشعلوا فتيل الجهاد في اليمن ضد الرافضة الأنجاس في اليمن. [10] وما زالت دعوتهم المباركة وعلماؤها الراسخون يصدرون الفتوى متى جاء وقتها. وكلامنا هنا في الجهاد الذي شرعه الله وهو قتال الكفار من اليهود والنصارى والوثنيين وأمثالهم ممن لا يستريب العلماء في كفرهم، ويكون قتالهم لإعلاء كلمة الله، وأما سفك الدماء المعصومة، والخروج على جماعة المسلمين، وشق عصا الطاعة، وتخريب المجتمعات الإسلامية بهدم منشئاتها، وتخريب مرافقها وتشريد أهاليها، وفتح الباب للعدو للتسلط عليها فهذا ليس من الجهاد الشرعي بل هو من الجهاد البدعي. قال شيخ الإسلام في "الرد على الأخنائي": (والكتاب والسنة مملوءان بالأمر بالجهاد وذكر فضيلته لكن يجب أن يعرف الجهاد الشرعي الذي أمر الله به ورسوله من الجهاد البدعي جهاد أهل الضلال الذين يجاهدون في طاعة الشيطان وهم يظنون أنهم يجاهدون في طاعة الرحمن كجهاد أهل البدع والأهواء كالخوارج ونحوهم الذين يجاهدون في أهل الإسلام وفيمن هو أولى بالله ورسوله منهم من السابقين الأولين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين كما جاهدوا عليا ومن معه وهم لمعاوية ومن معه اشد جهادا) ا.هـ الرابعة التميز والوضوح: وقد عرفنا تميزها عن غيرها من عدة أمور منها: كونها ظاهرة على أعدائها من الطوائف المنحرفة، ولاشك أن هذا يستلزم أن لها معالم خاصة بها، تدعو إليها وتنافح من أجلها، وترد على المخالفين لها، وهو منهج خاص يتناقله أفرادها، ينقله اللاحق عن السابق، والخلف عن السلف. المطلب الثالث الخطوط العريضة في الدعوة السلفية أولا الاعتماد على الوحيين: فالدعوة السلفية تعتمد على الوحيين وهما الكتاب والسنة، فتعتمد عليهما في دينها كله، فهما مصدر التلقي عندهم وبهما يكون الاستدلال على المسائل، وهما العمدة في الرد على المخالفين، وهما المرجع عند الاختلاف، وهما منطلقهم في الدعوة، وعليهما يعتمد في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الشريعة الإسلامية، فلا يخرجون عنهما إلى أي شيء، فلا يعتمدون على المنامات ولا على المكاشفات ولا على الإلهامات، ولا على الوجد ولا الذوق ولا العادات ولا التقاليد ولا غير ذلك، لا في تلقيهم ولا في استدلالهم وإثباتهم، ولا في أحكامهم على الآخرين ولا غير ذلك. ثانيا السير على طريقة السلف الصالح: أي السير على ما كان عليه سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم. قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى": (فعلم أن شعار أهل البدع: هو ترك انتحال اتباع السلف، ولهذا قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس بن مالك: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم") ا.هـ [11] ثالثا الاهتمام بالتوحيد والعناية به: فأهل السنة يعتنون بالتوحيد الله عناية عظيمة، فيدرسونه، ويؤلفون في توضيح معانيه للناس ويجعلون من أساسيات دعوتهم، لأن هذا حق الله على العبيد وهو الغاية من خلق الخلق، وهو لب دعوة الرسل، فلا يمكن تحقيق هذه الغاية ولا أن يؤدى حق الله ولا أن يتبع الرسل حق الإتباع إلا بهذه الدراسة، فهي أول خطوات تصحيح العقائد وتحقيق الغاية. ولأنه لا عزة للأمة إلا برجوعها إلا دينها، وتمسكها بشريعة الإسلام من جميع جوانبه، ولا شك أن الاهتمام بالتوحيد - دراسة وتدريساً - هو أول تلك الخطوات وأولاها. فإعداد جيل مسلح بالعقيدة الصحيحة هو أول خطوات رجوع الأمة إلى عزها ومجدها. ولأن دراسة التوحيد والرجوع إليه، وتنقية المجتمعات من الشرك ظاهراً وباطناً من أعظم أسباب اجتماع الأمة ورجوعها إلى ربها واعتصامها بدينها. رابعا الوسطية والاعتدال: فالدعوة السلفية تدعو إلى الوسطية في كل شيء، فتدعو إلى نبذ الغلو والجفاء، ونبذ الإفراط والتفريط، وتدعو إلى التمسك الصحيح خلافًا لأهل الإفراط والتفريط. وأهل السنة السلفيون هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط بين الأمم كما قال شيخ الإسلام في "العقيدة الواسطية". فالمسلمون متوسطون بين الأمم، لا ينحرفون إلى غلو ولا إلى تقصير، أما اليهود والنصارى فهم على طرفي نقيض، فهؤلاء ينحرفون إلى جهة، وهؤلاء ينحرفون إلى الجهة التي تقابلها، فاليهود عندهم علم دون عمل، والنصارى بنوا عبادتهم على جهل، واليهود قتلوا الأنبياء والنصارى عبدوا الأنبياء، وأهل الإسلام جمعوا بين العلم والعمل، وأنزلوا الأنبياء منازلهم فشهدوا لهم بالعبودية خلافًا للنصارى، وشهدوا لهم بالرسالة خلافًا لليهود. وأهل السنة السلفيون هم كذلك وسط في كل شيء ومن ذلك: أنهم وسط باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل، وأهل التمثيل، وهم في باب أفعال الله تعالى هم وسط بين الجبرية والقدرية، وهم في باب الوعد والوعيد والأسماء والأحكام هم وسط بين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة، وهم وسط في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بين الروافض الذي غلوا فيه وبين الخوارج الذي كفروه، وهم على هذا المعتقد في سائر الصحابة. خامسا السير وراء العلماء وعدم التقديم بين أيديهم: فالدعوة السلفية أعطت العلماء مكانتهم اللائقة بهم، وليس هناك دعوة تعظم العلماء وتنزلهم المكانة اللائقة بهم كمثل الدعوة السلفية، فللعلماء في ديننا مكانة عظيمة، ومرتبة سامية لأنهم ناقلو هذه الشريعة ومعلموها، وهم المرجع عند النوازل لأنهم حملة الشريعة وحماتها. والمجتمعات لا تستغني عنهم لأنهم بمنزلة النظر للإنسان، وما هبطت مجتمعاتنا الإسلامية إلى هذه الهوة السحيقة إلا لما همشت العلماء، وسلبتهم مكانتهم العظيمة ودورهم الريادي والقيادي، وسلمت دورهم إلى رموز حقيرة من المفكرين والأدباء والمشاهير وأمثالهم، فضلوا وأضلوا. فالعلماء هم أصحاب الدور القيادي للمجتمع لأمور: أولا: لأنهم حملة الشريعة والإسلام، فهم أهل المعرفة التامة والعميقة بشرع الله تعالى، فهم أرسخ الناس علما وأعمقهم فهما وأعظمهم تقوى. وثانيا: لأنهم رحماء بالمجتمعات الإسلامية وأهلها، وناصحون لها، ومشفقون عليها من كل مكروه في دينها أو دنياها. وثالثا: لأنهم أعظم فراسة وأقلهم تكلفًا. ورابعا: لأنهم المصلحون الحقيقيون. وخامسا: لأنهم أعرف الناس بمكر أعداء الإسلام. فالدعوة السلفية مربوطة بأهل العلم، لأن دعوتهم مربوطة بالكتاب والسنة وأعرف الناس بالكتاب والسنة هم أهل العلم، فلابد من الرجوع إليهم لمعرفة الحلال والحرام والأوامر والنواهي، ولاسيما في المستجدات والنوازل والأحداث. ولقد كان لارتباط عامة أهل السنة بالعلماء ثمار عظيمة لا تحصى، ومردود كبير لا يعد، من ذلك أن الله وقى أهل السنة من كثير من الفتن ودفع عنهم كثيرًا من الضلالات وهذا بفضل الله أولًا وآخرًا، ثم بفضل اتباع العلماء ولزوم غرزهم، والأخذ نصائحهم وتوجيهاتهم. سادسا نقد الأخطاء وبيان البدع والضلالات: قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى": (فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: "الذب عن السنة أفضل من الجهاد"). [12] وقال العلامة ابن القيم في "مفتاح دار السعادة": (فقوام الدين بالعلم والجهاد، ولهذا كان الجهاد نوعين: جهاد باليد والسنان وهذا المشارك فيه كثير، والثاني الجهاد بالحجة والبيان وهذا جهاد الخاصة من اتباع الرسل، وهو جهاد الأئمة، وهو أفضل الجهادين لعظم منفعته وشدة مؤنته وكثرة أعدائه. قال تعالى في سورة الفرقان - وهي مكية -: "ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا0فلاتطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا". فهذا جهاد لهم بالقرآن وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" ومعلوم أن جهاد المنافقين بالحجة والقرآن) ا.هـ وقال شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي في "ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر": (فإن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن الدعوة إلى الله بل ومن الجهاد في سبيل الله بيان عقيدة أهل السنة والجماعة والذب عنها، وكشف عوار أهل البدع والملحدين والتحذير منهم) ا.هـ وينبغي أن يعلم أن النقد شيء ضروري لكل جماعة وفرقة، لا تستغني أي طائفة عن ذكر المخالفين وتحذير أتباعها منهم، وقد رأينا أناسا يعيبون على أهل السنة لماذا ينتقدون المنحرفين وأصحاب البدع، ثم رأينا هؤلاء - الذين أنكروا على أهل السنة - يمزقون أعراض أهل السنة بأسوأ الطعونات، ويتهمونهم بأخبث التهم، كالعمالة للحكام وخدمة العلمانيين والعمل الاستخباراتي لصالح الحكومات. أو يتهمونهم بالجهل بواقع المسلمين وتفريق كلمتهم وبلبلة صفوفهم ووقوع كبرائهم من العلماء في الإرجاء وغيرها من التهم، بل نبزهم بـ "الجامية" والمدخلية وغيرها. فهذا أحد "الإخوان المسلمين" يجعل السلفيين هم أعداء الدين، بل هم أخطر أعداء الدين، فقد قال: (والصحوة الإسلامية مهددة من أعداء كثيرين، والغريب أن أخطر خصومها نوع من الفكر الديني يلبس ثوب السلفية) ا.هـ [13] فالسلفيون هم أعداء الدين، بل هم أخطر أعدائه، نسي هذا الكاتب العبقري اليهود والنصارى والروافض والزنادقة والباطنية وغيرهم، ولم يذكر إلا صفوة المجتمع وحماة العقيدة وحراس التوحيد. فالذين يحرمون نقد الأشخاص - ولو بحق - يجيزون الافتراءات والأكاذيب والبهتان في حق السلفيين. [14] أما نقد أهل السنة للآخرين فإنما هو لبيان هذه الأخطاء ونصح الناس منها، معتمدين على الحجج والأدلة نصحا لله ولدينه ولعامة المسلمين، ومن خرج عن ذلك فإنما يمثل نفسه ولا يمثل دعوة أهل السنة. سابعا مفاصلة أهل الأهواء: وقد أجمع سلفنا الصالح على نبذ أهل الأهواء، والتحذير منهم حرصًا على نقاء المنهج السلفي من الشوائب، وحرصًا على صفاء النفوس من البدع، وحرصًا على سلامة الصف من الاختلاف، وهذا من محاسن دعوة أهل السنة أنها تفاصل أهل الأهواء حتى تتميز دعوة الحق ويعرف القاصي والداني الفرق بين الحق والباطل والفرق بين أهليهما. فمفاصلة المخالفين كذلك هو شيء ضروري لكل جماعة وفرقة، لا تستغني أي طائفة عن مفاصلة المخالفين لها في أصولها، ولا تستغني عن مجانبة أتباعها لهم، إلا أن السؤال هو: هل مفاصلتها للآخرين بحق أو بباطل ؟! هذه هي أهم الأمور التي يدعو إليها أهل السنة، ويربون عليها أبناءهم وينقلونها إلى الأجيال التي وراءهم، هذه هي أهم ما تميزت به دعوة أهل السنة. المبحث الرابع المواقف المشرفة للسلفية ولأهل السنة السلفيين مواقف كثيرة مشرفة، ترفع الرؤوس وتقر الأعين وتثلج الصدور وليس ذلك لأحد إلا لأهل السنة أو من أسترق السمع عنهم، فمن هذه المواقف: 1 ـ موقفهم من الحكام: موقف أهل السنة من الحكام موقف مشرف للغاية بل هو أشرف المواقف على الإطلاق، فهم يأمرون الناس بلزوم الجماعة، والحذر من الخروج على الحاكم المسلم خوفًا من سفك الدماء وإثارة الدهماء، وتسلط الأعداء، في الوقت الذي تراهم أغنى الناس عن الحكام فلا يمدونهم أيديهم إلى الحكام ولا يحتاجون إليهم. والأدلة على الصبر على الولاة كثيرة منها قول عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان). متفق عليه. قوله: بواحًا: يقال: باح بالشيء: إذا أظهره وأشهره، قال في "النهاية في غريب الحديث": (أي جهارًا من باح بالشيء يبوح به إذا أعلنه). وقال النووي رحمه الله "شرح صحيح مسلم": (ومعنى الحديث لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين). وقال صلى الله عليه وسلم: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه). رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة. وليس المقام مقام استيعاب الأدلة كلها، فالأدلة في ذلك كثيرة ومتواترة. قال الشوكاني في "السيل الجرار": (وقد قدمنا في أول "كتاب السير" هذا أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بغوا في الظلم أيَّ مبلغ، ما أقاموا الصلاة ولم يظهر منهم الكفر البواح والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة) ا.هـ ويقول الإمام أبو عثمان الصابوني في كتابه: "عقيدة السلف أصحاب الحديث": (ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برا كان أو فاجرا ويرون الدعاء لهم بالتوفيق والصلاح ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف). وقال الإمام الطحاوي رحمه الله: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة). وأجمع سلف الأمة وأئمتها الكرام من الصحابة والتابعين وأتباعهم على الصبر على الولاة الظلمة وتحريم الخروج عليهم. وقال النووي في "شرح مسلم": (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين) ا.هـ ويرون معالجة مظالم الحاكم بالنصيحة والصبر لا بالثورات والانقلابات لأنها تشتمل على مفاسد أعظم من المفاسد التي يطلبون علاجها. قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة": (وقلّ من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير، كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضا وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء) أ.هـ وقال ابن أبي العز شارح "العقيدة الطحاوية": (وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا، فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم) ا.هـ فهذه النصوص المتواترة ظاهرة، وهذه الآثار السلفية واضحة، والذي يقف مع هذه النصوص ويحترمها ويتأدب معها يعتبر من المرجئة مع الحكام عند أصحاب الجماعات الإسلامية المنحرفة، ومن أجل أن ترضى عنك "الجماعات الإسلامية" فلابد أن تهمل هذه الأحاديث، وأن تهمشها وأن تضعها وراء ظهرك، وأن تتفلسف على علماء الأمة وسلفها الذين صبروا في أحلك الظروف على أئمة الجور. لابد أن تقوم بهذا كله لترضى عنك الجماعات الإسلامية. أضرار الخروج على الولاة: وأهل السنة يرون أن وسيلة نصيحة ولاة الأمور وتذكيرهم بالله أخف وأنفع وأعظم جدوى من الخروج بالسلاح والقتال، لأن هذه الطريقة تؤدي إلى كوارث على المجتمع ومصائب وأضرار كثيرة لا حصر لها، لا يعرفها إلا أهل البصيرة والعلم، وهي كثيرة فمن ذلك ما عشناه في الآونة الأخيرة فيما يسمى بالربيع العربي، وهو صيف ملتهب، حصدت الأمة من ورائه أضرارًا عظيمة، يعرفها أهل البصيرة ويغفل عنها عميان البصيرة. لقد ذهبت كثير من النفوس البريئة من المدنيين وغيرهم، تقدر في الوطن العربي بعشرات الآلاف من القتلى وآلاف من الجرحى، وحصلت خسائر كبيرة وعظيمة في الأموال العامة للدولة فدمرت المنشئات والبنيان وذهبت الذخائر والأسلحة وغيرها، واستنزفت القدرات العسكرية، وضعف الجيوش بسبب المصادمات المستمرة. وحصلت خسائر فادحة نتجت من تعطيل المنشئات الحيوية، وتوقفت بعض المرافق عن الإنتاج، بل ودمرت مساكن كثير من الناس في المدن وغيرها، حتى هرب سكانها من بيوتهم ومساكنهم إلى أماكن أخرى، تشردوا فيها عن بيوتهم وتعطلوا فيها عن أعمالهم، وسكنوا في مدارس الطلاب الحكومية، بل وفي حدائق بل وفي كهوف الجبال. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم ما أصيب به كثير من المسافرين بالخوف والرعب في أسفارهم لكثرة المخاوف والحروب، لقد أصيب كثير من الناس بالخوف والكآبة والهموم، حتى سافر بعضهم سافروا إلى بلاد الغرب يبحثون عما يسمونه بالأمان. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم ما حصل من شماتة أعداء الإسلام بمجتمعات المسلمين وتدخلهم في الشئون الخاصة لبلادهم لنهب الثروات وفرض الوصايا، وإملاء الشروط، وإغراق البلاد العربية والإسلامية في مزيد من الديون، وإدخالها في أزمات اقتصادية متتابعة، بل أرسلوا بقواتهم. ومن ثمار هذه الصيف العربي ارتفاع صوت الكفار في البلاد الإسلامية، فالنصارى في مصر ارتفع صوتهم في ربيعنا العربي، وهذا لم يحدث في تاريخ مصر منذ فتحها عمرو بن العاص، فلقد صرح النصارى بمعارضتهم لتحكيم الشريعة الإسلامية وخرجوا مظاهرات. ولقد نشط دعاة النصرانية في البلاد العربية وفي اليمن بالذات، فمنظمات التنصير كثرت ونشطت على مستوى اللاجئين - في فترة "الربيع العربي" التي عشناها – فوق نشاطها السابق. ولا أنسى كذلك نشاط الروافض في بعض البلاد العربية، فإن ما يسمى بالربيع صنع للروافض جسرا يمرون عليه إلى هذه البلاد، ولعل كثيرا منكم لا يعلم أن بعض الروافض المسجونين لقضايا سياسية في سجون مصر ساعدهم الربيع العربي في الهروب من سجون مصر، وقد افتتحت في مصر حسينيات كثيرة كما صرح بعض الشيعة. وأما البلاد اليمنية فقد كان الروافض يقاتلون فيها الدولة، فجاء الربيع العربي فأعطى للروافض استراحة يلتقطون فيها أنفاسهم، ويتجهزون فيها لحروب أخرى، ولاسيما وأن الدولة كانت منشغلة بالثوار. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم ما نعانيه من قطع الطريق على الناس، كقطع الطريق على الموظفين وكبار السن والمرضى، ووالله لقد تسبب قطع الطريق في موت بعض المرضى وولادة بعض الحوامل في السيارات كما نعلم من ذلك يقينًا وعايشناه بأنفسنا. بل احترقت بعض العمارات في منطقة ولم تستطع سيارة الدفاع المدني أن تدخل للإطفاء، وأصبحنا نستغرق في السير في طرق المدينة الفرعية أضعاف ما نستغرقه في الطرق الرئيسية، على أننا في أحيان كثيرة نجد الطرق الفرعية مغلقة. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم ما عانيناه من أزمة شديدة في المحروقات، وفي كثير من المواد الضرورية، وكثير من الناس لا ينسى الطوابير في وقت الصيف الشديد وفي أيام رمضان. ونتج من هذا الأزمة أن أصبحت الحركة في كثير من الأماكن مشلولة، وارتفع سعر المواصلات، وبيعت المحروقات في أسواق سوداء، وأتلفت كثير من الزروع لانعدام الماء. وفي وقت من الأوقات ارتفعت أسعار المحروقات حتى وصلت إلى ثمانية أضعاف سعرها الأصلي. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم الانقطاع المتواصل للكهرباء، والذي تسبب بمشقة كبيرة علينا جميعًا ولاسيما المرضى والضعفاء والأطفال، وما زال انقطاع الكهرباء إلى يومنا هذا. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم ما حصل من تدمير أنابيب النفط وخطوط الكهرباء وخطوط الهاتف، حتى خسرت وزارة الكهرباء وحدها قرابة ثلاثة وثلاثين مليار ريال يمني من جراء إتلاف الخطوط. ولقد سرقت خطوط أعمدة الكهرباء التي تنير الشوارع ليبيعها اللصوص بثمن بخس دراهم معدودة. ومن مفاسد هذا الربيع ما عرفناه من السيارات المفخخة وبعض الانفجارات وحرق السيارات الحكومية والخاصة، فقد حرق بعض المتظاهرين بعض السيارات منها اثنان من باصات النقل الجماعي والذي حرقه مواطنون. وحرقت بعض السيارات لمواطنين آخرين، وحرقت أخرى حكومية. ومن مفاسد هذا الربيع ارتفاع أسعار كثير من البضائع كالمواد الغذائية والمحروقات وغيرها. ومن مفاسد هذا الربيع بسط ضعفاء الذمة على أراضي الآخرين من الممتلكات العامة والخاصة بل بنوا عليها بدون بيع شرعي ولا ترخيص قانوني. ومن مفاسد هذا الربيع انتشار بيع الحبوب والمخدرات حتى وقع كثير من أبنائنا بل وفتياتنا في المخدرات. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم نشوء عصابات تسلطت على المواطنين، بعضها لغرض الانتقام من بعض الناس، وبعضها لغرض أخذ المال، فنتج من ذلك مداهمة المرافق العامة للدولة وسرقة ما فيها من أثاث وأمتعة حتى في النهار، مداهمة المحلات الخاصة والسطو عليها ليلا، حتى اضطر الناس إلى حراستها ليلا حتى صعب على بعضهم الجمع بين الحراسة ليلا والعمل نهارا. ومن مفاسد هذا الربيع خروج كثير من المجرمين من السجون وفرارهم من عقوبات يستحقونها على جرائم ارتكبوها. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم ما حصل من الإضرابات في كثير من المستويات: منها إضراب بعض المدارس فتعطلت كثير من المدارس والكليات عن مواصلة الدراسة فوقع الطلاب في أضرار كثيرة، وتعطل الطلاب عن الدراسة وتأخروا عن الدراسة فترة ليست بالقصيرة. ومنها إضراب بعض الدكاترة والممرضين فتعطلت بعض المستشفيات عن العمل بسبب هذا الإضراب مما أدى إلى معاناة كثير من المرضى وأصحاب الحالات الطارئة. ومنها إضراب عمال النظافة حتى تعفنت الشوارع بسبب تكدس القمامات، وانفجرت البيارات، ومنها إضراب عمال النفط وغيرهم، كلهم انتهزوا فرصة ضعف البلاد وانشغال الدولة. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم تعطل مرافق الشرطة والمحاكم وغيرها حتى أصبحت خاوية على عروشها، مما أدى إلى تعطل كثير من الأعمال والمتابعات وأدى إلى تطاول كثير من المنحرفين. ومن ثمار هذه الصيف العربي المشئوم اختلاط الرجال بالنساء في ساحات التغيير وفي مظاهرات الشوارع بل والمسيرات التي تنتقل من محافظة إلى محافظة، وهذه صور لم تكن تعرفها البلاد الإسلامية من قبل. فهذه ثمار الربيع العربي المشئوم، فهنيئا للثورة والثوار هذه الإنجازات العظيمة. لقد عاش الغرب ربيعا أوروبيا بحق وحقيقة، أما نحن فعشناه صيفًا عربيًا مشئومًا. وقد حذر العلماء من هذه الكوارث قبل وقوعها وذلك لما خص الله العلماء بنور البصيرة وبعد النظر. وهذه المفاسد لم يلق لها المثقفون والمتحضرون أي قيمة ولا أي ميزان، لأن نظرتهم للأمور كانت سطحية، ودوافعهم فيها كانت مصلحية. وهذه المفاسد مفاسد محضة لم نر معها أي مصلحة، وإن كانت هناك مصلحة فدفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. فإذا قال أهل السنة: لا يجوز الخروج على الحاكم المسلم ولا تشرع مفارقة الجماعة لما تقدم من النصوص الواضحة ولهذه المفاسد الكثيرة والمتنوعة، أيكون أهل السنة عملاء للحكام ؟! ومما ينبغي أن يعلم أن كل هذه المفاسد وغيرها قد رآها الناس كلهم اليوم عيانًا، وعانوا منها وكثير منهم يتراجع عن تفكيره بمثل هذه الثورات. وكل الذين ثاروا على حكوماتهم كانوا يريدون أشياء: منها إزالة ظلم هذا الحاكم، واستبداله بحاكم أفضل منه، ومحاكمة الحاكم السابق، ولم يتحقق من أهدافهم شيء، وإلى اليوم هم يعترفون أنها لم تتحقق، وما زالت الاعتصامات والمظاهرات في مصر وتونس إلى ساعتنا هذه بعد مرور أكثر من سنتين على ابتعاد حكام تونس ومصر عن الحكم، وآخر هذه الاعتصامات تلك المليونية التي خرجت للحفاظ على الثورة - كما يزعمون – خوفا من ضياع الثورة. وعلى فرض أن المفسدين حوكموا، فماذا عسى أن تأتي مصلحة الانقلابات ومحاكمة المفسدين – إن قلنا إنها مصلحة - مع هذه المفاسد العظيمة التي يصعب حصرها، فقد دخل الحزن كل بيت، وأصاب الخوف جميع النفوس، فتيتم كثير من الأطفال، وترملت كثير من النساء، وفقد كثير منهم أحبابه وأصحابه. وأما تبديل الأوضاع فهذا شيء بيد الله، وسنة الله الكونية أن تتبدل الأوضاع لكن ليست بهذه الطريقة، بل برجوع الناس إلى الله وتوبتهم من ذنوبهم قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). فالمطلوب تغيير النفوس إلى الأفضل فمن هنا يبدأ التغيير. قال شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى": (وإن سلط عليه مخلوق فما سلط عليه إلا بذنوبه، فليخف الله وليتب من ذنوبه التي ناله بها ما ناله كما في الأثر يقول الله: "أنا الله مالك الملوك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي من أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة فلا تشتغلوا بسب الملوك وأطيعوني أعطف قلوبهم عليكم") ا.هـ وقال ابن أبي العز شارح "العقيدة الطحاوية": (فإن الله ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل. قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" "وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون" فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير فليتركوا الظلم). والسلفيون في الوقت الذي هم يأمرون بالصبر على مظالم الحكام، نجد أنهم أنزه الناس وأغناهم وأعفهم عما في يد الحكام، فلا ينافسونهم على كراسيهم ولا على دنياهم. فأهل السنة يقولون للحكام: "ابقوا على كراسيكم فنحن لا نزاحمكم عليها ولكن نطلب منكم أن تحكموا شرع الله في الناس فالناس مسلمون ومجتمعاتنا مسلمة، والله سائلكم عن الناس وعن تحكيم شريعته". وأما الذين يتهمون أهل السنة بأنهم خدم للحكام فنقول لهم: إن خدم الحكام والمصفقين لهم هم على قسمين أحدهما: حواشي الحكام وبطانتهم المصفقين لهم، فهؤلاء هم الذين يصفقون لهم ويصنعون لهم الدعايات لينالوا شيئًا من الفتات الباقي على موائدهم. والقسم الثاني: من يصفق لأخطائهم ويؤيدهم على باطلهم، فهؤلاء أسوأ من خدم الحكام، وإن زعموا أنهم يخالفونهم في أشياء كثيرة، فهؤلاء مثل الذين وافقوا الحكام على الديمقراطية، وناصروهم في الدعوة إلى الفوضى التي تسمى بـ "حرية التعبير" والدعوى إلى تدمير المرأة والمسماة بـ "تحرير المرأة"، وكلما جاءت مصيبة من الغرب تراهم يسارعون في الاستدلال لها بدلا من مناصحة الحاكم وتوجيهه وإرشاده، وهذا كحال كثير الكتاب وأصحاب الأقلام، فكثير منهم وإن زعم أنه ناقد للحكام لكنهم هم الذي روجوا لأخطاء الحكام وسوغوا لهم الحكم بغير الشريعة، كحال كثير من أصحاب الأفكار الهدامة كالعلمانيين والليبراليين ونحوهم. فإذا انتقد السلفيون الحكم بالديمقراطية وتنحية الشريعة قام هذا الصنف – من خدم الحكام - لينتصر للحكام ويصوب أخطاءهم ويروج لديمقراطيتهم فهؤلاء هم خدم الحكام الحقيقيون، وهم المنتصرون لباطلهم والمصفقون لأخطائهم، أما أهل السنة فقد خالفوا الحكام في كثير من المسائل منها: مسألة الديمقراطية وفروعها كالانتخابات، وخالفوهم في الاختلاط في الجامعات ومرافق العمل، وخالفوهم في إهمال إقامة الحدود وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخالفوهم في فرض الضرائب والجمارك، وخالفوهم في أمور كثيرة وتكلموا عن هذه الأمور وكتبوا فيها وبينوا حكمها. 1 ـ موقف السلفيين من الديمقراطية: ومن المواقف المشرفة للدعوة السلفية أنهم يرفضون السقوط في حضيض الديمقراطية النتن، ومستنقعها العفن، فرفضهم الدخول في الديمقراطية من مواقفهم المشرفة، لا المواقف السلبية، فمشاركة الآخرين في البرلمانات تحت لواء الديمقراطية فيه من المفاسد أضعاف المفاسد التي أرادوا أن يغيروها، وكم من أناس دخلوا في البرلمانات ليغيروا فتغيروا، ولم يغيروا شيئًا، بل ذابوا في مستنقعها، فثبتت في المجتمع بصورة أكبر من ذي قبل، وظن الناس أنها من الدين، حتى صار إنكار الديمقراطية شيئًا غريبًا على المجتمع. وقد سقط جماعة في أوحال ديمقراطية البرلمانات، فتفرعت عن سقوطهم مصائب لا حصر لها من الانحرافات، منها: الاعتراف بذوي الأفكار العلمانية كالماركسيين الشيوعيين والبعثيين، وإضفاء الشرعية على أحزابهم وكياناتهم وهيئاتهم، لأنهم التزموا بما يسمى بـ "ميثاق الشرف"، وهذا في حد ذاته مفسدة عظيمة لا يعلم بقدرها إلا الله، ثم الراسخون من أهل العلم. ومنها التحالف معهم وهذه مفسدة أخرى فوق المفسدة السابقة. ومنها إعطاء الحق للملاحدة في التصريح بإلحادهم، لأن الديمقراطية التي اعترف بها أعطت الحق لهؤلاء الملاحدة. قال الغنوشي - وهو رأس الإخوان المسلمين في تونس -: (إنه يجب طرح الإسلام مثل غيره، ويجب احترام إرادة الشعوب ولو طالبت بالإلحاد والشيوعية) ا.هـ [15] ومنها فتح المجال للآخرين بالتحزب، ولو بالأحزاب العلمانية المنحرفة، وأظهروا التسامح وغضوا الطرف عن هذه الانحرافات، فهدموا الحواجز بين دين الإسلام وغيره من الأديان الباطلة وأضاعوا أصل البراءة من هذا الضلال. يقول محمد مهدي عاكف "المرشد العام السابق للإخوان المسلمين" إنه لا مانع لدى الجماعة من أن يترأس قبطي رئاسة حزب "الحرية والعدالة"، ما دام جاء عن طريق الانتخابات وحظي بقبول أعضاء الجمعية العمومية للحزب، وسيسير على برنامجه.[16] والعجيب أنهم يزعمون أنهم هم الذي قاموا بالتصدي للعلمانية وفصل الدين عن السياسية. 3 ـ ومن ذلك موقفهم من الخلاف: فالسلفيون يرون الخلاف ينقسم – بالجملة - إلى نوعين خلاف سائغ وخلاف غير سائغ، فالأول: نوع من الخلاف لا يسع أحد الطرفين أن ينكر فيه على الآخر، بل يكون لكل واحد وجهته التي يعذر بها عند الله. الثاني: نوع آخر من الاختلاف حرمه الله، لما فيه من البعد عن كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتفريق كلمة المؤمنين، فهذا حرام وينبغي على المؤمنين سد الأبواب الموصلة إليه. وهذا الاختلاف أكثر الاختلاف وقوعاً في هذه الأمة، ومن هنا عني أهل العلم بضبطه وتفصيله حتى لا يبغي أحد على أحد بحسن قصد أو سوء قصد. وضابطه أن يكون أحد الطرفين على نقيض مقاصد الشرع، وهو على قسمين: الأول: أن يسلك المرء هذا المسلك اتباعاً للهوى الذي في النفوس، فطريقة أهل العلم مع هذا الصنف كشفهم والتحذير منهم، ومن هنا جاءت أقوال سلفنا في التحذير من أهل البدع والضلال وبيان سبيلهم للناس. والثاني: أن يقع فيه المجتهد عن حسن قصد، وبعد بذل ما في الوسع، فمثل هذا الغلط يرد على صاحبه مهما كانت جلالته ومنزلته، ويبين للناس صيانة للشريعة، مع بقاء مكانة هذا العالم في هذه الأمة ولاسيما إذا كان له قدم صدق فيها، وهذه أحد الأمور التي اختلفنا فيها مع الحدادية فإنهم شنعوا على الحافظ ابن حجر والنووي وغيرهما من الذين شهدت لهم الأمة بفضلهم وعلو منازلهم لأخطاء حصلت منهما كان يكفيهم أن يحذروا من هذه الأخطاء ولو بتسمية هؤلاء العلماء، ولكن دون التعرض لأشخاص هؤلاء المذكورين بشيء من التنقص لمكانتهم أو التطاول عليهم، فنبرأ إلى الله من الحدادية وأهلها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى": (وقد اتفق الصحابة - في مسائل تنازعوا فيها - على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم كمسائل فى العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة وغير ذلك، وحكم عمر أول عام فى الفريضة الحمارية بعدم التشريك وفى العام الثاني بالتشريك فى واقعة مثل الأولى ولما سئل عن ذلك قال: "تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضى" وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم) ا.هـ [17] وقال بعدها رحمه الله: (وتنازعوا فى مسائل علمية اعتقادية كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله ورؤية محمد ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والألفة. وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعاً، ومنها ما المصيب فى نفس الأمر واحد عند الجمهور اتباع السلف والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه وهل يقال له مصيب أو مخطئ ؟ فيه نزاع ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم فى نفس الأمر) ا.هـ وقال رحمه الله بعدها: (ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ، فهذا النوع يشبه النوع الأول من وجه دون وجه، أما وجه المخالفة فلأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الإقرار على الخطأ بخلاف الواحد من العلماء والأمراء فانه ليس معصومون من ذلك ولهذا يسوغ بل يجب أن نبين الحق الذي يجب اتباعه، وإن كان فيه بيان خطأ من أخطأ من العلماء والأمراء وأما الأنبياء فلا يبين أحدهما ما يظهر به خطأ الآخر وأما المشابهة فلأن كلا مأمور باتباع ما بان له من الحق بالدليل الشرعي كأمر النبي باتباع ما أوحى إليه) ا.هـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (20/66). : (لا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاداته ولا يؤاخذه بما أخطأ تحقيقا لقوله ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ا.هـ [18] وبعد الذي تقدم فإن معرفة أنواع الاختلاف أمر مهم، فالناس فيه طرفان ووسط: فأحد الطرفين: لا يعذر أحد في مسائل يسوغ فيها الخلاف، وهي مسائل لا تستحق أن يفترق عليها المسلمون كالجهر بالبسملة والضم بعد الركوع وغيرها، وآخرون ترى اختلاف التضاد منزوع من قواميسهم كالجماعات الإسلامية الموجودة اليوم، فلا ينكرون على أحد أي مخالفة، ولو كانت في أصول العقيدة، إلا إذا خالفوا طريقة حسن البنا فقط فحينها تجد التشنيع والتشويه. 4 ـ موقفهم من الدماء: أهل السنة يذكرون ما ورد من أدلة في عصمة دم المسلم ويحذرون من سفك الدماء وإثارة الفتن التي تؤول بالمجتمع الحروب والقلاقل والفتن ونحوها. 5 ـ موقفهم من الإرهاب: وأما ما يسمى اليوم بالإرهاب - وهو إخافة المعصومين الآمنين، وما يلحقه من تدمير وتخريب وتشريد، فهذا كله يبرأ منه أهل السنة، بينوا حكمه، وحذروا منه، وأخبروا أنه لا يمت إلى الإسلام بأي صلة. 6 ـ موقفهم من أموال الناس: وأهل السنة يقفون من أموال الناس موقف العفيف، فلا يطمعون فيها ولا يسألون الناس إياها، بل يستغنون بالله في أمورهم كلها، في دعوتهم وطلبهم للعلم ومعاشهم، ويعلمون أن البركة من الله وحده، وأن هذه هي طريقة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. المبحث الخامس نزاهة السلفية من افتراءات أعدائها المطلب الأول نزاهة السلفيين من ألقاب السوء 1 ـ الوهابية: وهذا الوصف أكثر ما يطلقه على الدعوة السلفية هم القبوريون من الروافض والصوفية وأشباههم ممن ابتلوا بمشارب مكدرة، ومناهل ملوثة، يرضعون وينهلون منها. ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي دعوة إلى التوحيد الخالص، لكن القبوريين لما رأوا أن هذه الدعوة تخالف ضلالهم وانحرافهم، ورأوها تصادم مصالحهم لقبوها بكل ما ينفر عنها. [19] 2 ـ السلفية الجهادية: وأما مصطلح "السلفية الجهادية" فهو مصطلح قامت وسائل الإعلام بحمله سفاحًا وولادته وحضانته ورعايته، حملت به من السفاح، لا ندري من أين أتت به، ذلك أن الإعلام يقسم السلفية إلى أقسام: أحدها: سلفية علمية، وهم يعنون به السلفية المعروفة. والثاني: سلفية سياسية، وهم الإخوان المسلمون. والثالث: سلفية جهادية ويعنون به القاعدة وما شابهها، وهذه المصطلحات جنت على الحقائق جناية عظيمة وقلبت المفاهيم كثيرا. وهذا التقسيم ليس له أي صلة بالدعوة السلفية لا من قريب ولا من بعيد، فليس هناك شيء اسمه سلفية سياسية، لتعارض السلفية مع هذا الطريق. وليس هناك شيء اسمه "سلفية جهادية"، فنحن أهل السنة والجماعة وإن كنا نرى مشروعية الجهاد في سبيل الله، وأنه ماض إلى يوم القيامة مع كل بر وفاجر، لكن الجهاد في سبيل الله ليس هو ما يفعله المفسدون في الأرض، فالذي يخرج على الولاة ويعتزل المجتمعات، ويقتل عساكر المسلمين، ويقتل غير المسلمين من المستأمنين، ويفجر المنشئات، ويهدم العمران، ويقطع الطريق، ويخوف الآمنين فهذا مفسد وليس مجاهدًا. فالجهاد الشرعي الصحيح يختلف عما تفعله هذه التنظيمات من أوجه كثيرة. 3 ـ الجامية: والجامية نسبة إلى الشيخ محمد أمان بن علي الجامي رحمه الله، عالم جليل من علماء أهل السنة والجماعة، داعية إلى السلفية الصحيحة، جاهد بلسانه وقلمه لبيان الدعوة الصحيحة والدين الخالص، وقام بالرد على ضلالات المنحرفين. والجامية لقب لقبه به الحزبيون من الإخوان المسلمين والقطبيين ونحوهم، ممن يحقد على الشيخ لأنه أحد الذين كشفوا حقائق هذه الفرق المعاصرة. [20] المطلب الثاني نزاهة السلفيين من تهم المخالفين 1 ـ تحريم الأعمال الخيرية: ومما يتهم به أهل السنة أنهم لا يحبون الأعمال الخيرية، ويحاربون القائمين عليها، وهذا غير صحيح وإنما هم يكرهون التستر بهذه الأعمال الخيرية، وإخفاء النشاطات المشبوهة وراءها، كاتخاذ الأمراء لهذه الجماعات، والبيعة لغير وليّ الأمر، وغير ذلك مما نعرفه. 2 ـ الكلام في أعراض العلماء: ومما يتهم به أهل السنة أنهم يقعون في أعراض الدعاة، وهي فرية إخوانية، تسوي بين النصيحة، وبين الغيبة التي حرمها الله تعالى. 3 ـ التكفير: والدعوة السلفية بعيدة كل البعد عن التكفير بغير حق، لآحاد الناس خصوصًا، أو تكفير المجتمعات عمومًا، وهذا مقرر في كتب العقيدة عندهم، يدرسونها في مدارسهم ومراكزهم وجامعاتهم، ويعتقدون ما فيها قربة إلى الله، مخالفة للخوارج كلاب أهل النار، ويردون على من وقع في ذلك بقصد أو بغير قصد. 4 ـ الغفلة عما يدور في الواقع: ومما يذكره أعداء السلفية أن السلفيين يجهلون الواقع الذي يدور حولهم، ولا يدرون بما يدبره الأعداء لهذه الأمة، وهذه من الافتراءات على أهل السنة، بل إن علماء الدعوة السلفية هم أعلم الناس بواقع المسلمين، وأعظمهم فقها فيه، ذلك لأن فقه الواقع مربوط بنصوص الشريعة، فأعظم أسباب تخلف الأمة وضعفها وتأخرها عن أسباب النصر هو بعدهم عن دينهم، واشتغالهم بأمور الدنيا، وتفرقهم فيما بينهم إلى شيع وأحزاب، وموافقتهم لأعدائهم ومشابهتهم لهم، هذه هي أعظم أسباب ضعف الأمة. ودعوة أهل السنة تدور حول التمسك بتوحيد الله تعالى، ورد الناس إلى دينهم، واجتماعهم على كلمة واحدة، وترك أسباب الفرقة والخلاف. بينما نجد الدعوات الأخرى لا تقيم لهذه الأسس - التي لا يمكن أن تعود الأمة إلا بها - أي قيمة، وإذا وجدنا من يهتم ببعضها فهو اهتمام ضعيف من باب ذر الرماد على العيون. فهذه الفرق الموجودة هم – في الحقيقة - دعاة فرقة وخلاف، يهملون الدعوة إلى التوحيد ولا يقيمون لها وزنًا، وينفرون منها، ويخرجون على المجتمعات، ويفارقون جماعة المسلمين، فمن أين سيأتي النصر وهم على هذه الطريقة ؟! 4 ـ الغفلة عن كيد أعداء الإسلام: لا أبالغ إذا قلت إن أهل السنة تميزوا بأمرين أولهما: المعرفة التامة بأنواع المكائد التي يكيد بها أعداء الإسلام للإسلام وأهله على مدى الأزمان، من مختلف أصناف الكفار، من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم. وثانيهما: أنهم أعرف الناس بأساليب القرآن في صد هذه المكائد وكشفها وبيانها. فقد حذرنا ربنا من مكائد أعداء الإسلام في كتابه الكريم كما قال تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم). وقال سبحانه: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق). ونحو ذلك من الآيات. وأهل السنة يعرفون أن الأعداء كان اتجاههم في البداية إلى الحروب العسكرية ليستأصلوا الإسلام ويبيدوا أهله، ثم جاء الوقت الذي أيقن فيه الكفار أن الحروب مع المسلمين لا تزيد الإسلام والمسلمين إلا قوةً، فتحوّلوا إلى أساليب أخرى ماكرة ينفذون فيها أهدافهم، فنوعوا هذه المكائد، حاولوا فيها زعزعة المسلمين عن دينهم، وتفكيكهم وتفريقهم وتأخيرهم، وإغرائهم بالشهوات، وقذف الشبه في نفوسهم بأنواع كثيرة، وأساليب مذهلة، وهذه مؤامرات كثيرة ومتنوعة كلها تهدف إلى إبعاد المسلمين عن دينهم بشتى الوسائل، وضرب قوتهم وإضعاف كيانهم. ومن هذه الطرق - بل أسوأها - الحرب العقدية، والتي تحمل تشكيك المسلمين بدينهم مصدر عزتهم وقوتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، يشككونهم في عقائدهم ليبقى المسلمون ضعفاء، متخبطين في حياتهم، عرضة لأي فتنة. ومن الحرب العقدية قذف الشبهات حول القرآن، وأكثرها وأسوأها تلك التي أثارها المستشرقون المندسون بيننا، ومنها تسليط الجهلة العقلانيين على القرآن الكريم ليفسروه للمسلمين تفسيرًا خاطئًا، ويقرروه للعوام تقريرا عجيبًا. ومن ذلك التشكيك في السنة النبوية بأنواع من الشبهات، والسعي لنزعها من حياة المسلمين العلمية والعملية، وإسقاطها من قلوبهم وعقولهم، وأقاموا لهذه المؤامرة معاهد أجنبية في الغرب وفي الوطن العربي، استقطبوا فيها كثيرا من أبناء جلدتنا لينشروا مثل هذه الأفكار. ومن ذلك التشكيك في تمام الشريعة وكمالها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وأن تطور العصر وتقدمه يأبى أن يقبل مثل شريعة الإسلام. ومن ذلك التشويه بالحدود الشرعية وأنها بشعة لا تصلح لهذا الزمان ولا لغيره، لأنها تحمل من العنف والقسوة ما يجعلها غير صالحة لهذه الأزمنة. ومن ذلك دس النظريات الإلحادية المنحرفة والمذاهب الهدامة على جميع المستويات، لتهدم الدين وتقوض أركانه في المجتمعات، مثل نظرية داروين والتي تسمى بأصل الأنواع، ونظرية فرويد الجنسية والتي تجعل أصل اندفاع ابن آدم إنما شهواني محض، ونظرية مالتس والتي تنذر العالم من خطر الانفجار السكاني، حتى سهل على المنظمات الغربية في مجتمعاتنا الإسلامية إقناع الكثير من المسلمين بالإجهاض وتحديد النسل. ومن هذه المؤامرات الدعوة إلى القومية العربية والتعصب للوطنية، فدسوا بين الشباب المثقف هذه المؤامرات الفكرية حتى مزقوا المسلمين، وأصبح كثير من المسلمين يرى أن وطنه هو بلده فقط دون سائر بلاد المسلمين الواسعة في المشرق والمغرب. ومن ذلك الديمقراطية والعلمانية والليبرالية ونحوها، وهي أفكار هدامة أوجدوها لتنحية الشريعة وإقصائها من حياة المسلمين. ومن ذلك الدعوة إلى شعارات هدامة مثل حرية الرأي وحرية الاعتقاد والحرية الشخصية وغيرها من الشعارات التي تدعو إلى التمرد على الدين الفضيلة والأخلاق. ومن ذلك زرع الحركات الهدامة من الباطنية وغيرهم كالبهائية والبابية والإسماعيلية والنصيرية والدروز وغيرها من الطوائف الباطنية التي عانى الإسلام منها معاناة شديدة. ومن ذلك صناعة أدعياء النبوة وتشجيعهم كالقادياني وغيره، وهم سرطان نبت في جسد الأمة الإسلامية صنعهم الغرب على عينه، ورباه وجعله تحت رعايته إلى اليوم. ومن ذلك بث المستشرقين بين الناس في الدول العربية والإسلامية والذين يقومون بالتجسس على المسلمين ودراسة تاريخهم وجوانب دينهم وأوضاعهم، ودراسة مواضع الخلل فيهم ونقاط الضعف عندهم، وإحياء كل ما يساعد على بقاء المسلمين متأخرين مادياً مأسورين فكرياً. ومن ذلك إرسال المنظمات التنصيرية والمدارس الأجنبية، وغيرها التي تدعو إلى التنصير ليلاً ونهاراً دون ملل ولا كلل، فإن ظفرت بمطلوبها وإلا فيكفيها مسخ هوية المسلم وتذويب شخصيته. ومن ذلك "المنظمات الإغاثية" والتي تحمل أصنافا من المؤامرات الخارجية والمخططات الغربية والتي تقوم بعمل استخباراتي باسم العمل الإنساني. وأما مؤامرة الأعداء على المستوى الاقتصادي فمن ذلك الحرب التي تشنها الدول الغربية على العالم عموماً وبلاد المسلمين خصوصاً، وسلوك سياسة التجويع والتحكم بمصادر القوة الاقتصادية، ومحاربة اقتصاد البلدان العربية حرباً داخلية يكون تحت إشرافها وإطلاعها. ومن ذلك حرب الكفاءات وعدم توفير الشيء المناسب لها ومضايقتها ليتم تصديرها إلى الخارج. ومن ذلك منع الدول العربية من الاكتفاء بذاتها، والحرص على إبقاءها محتاجة إلى الدول الغربية في الموارد والصناعية الزراعية حتى تبقى هذه الدول راضخة لهم حكومات وشعوباً، فما زالت الدول العربية والإسلامية عالة على الدول النصرانية والوثنية في كثير من الصناعات. وأما المؤامرة العسكرية فبعد أن أسقطوا الدولة العثمانية قاموا بتجزئة العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة، وقاموا بتفرقة أهلها والتحريش بينهم بأنواع المكائد، حتى تبقى هذه الدول ضعيفة عاجزة، كل دولة مشغولة بقضاياها الخاصة بها وهي غير قضايا الدول الأخرى. ومن ذلك زرع دولة يهودية وسط العالم العربي، وقيام الدول الغربية ولاسيما أمريكا بدعم هذه الدولة دعماً واضحاً حتى تبقى هذه الدولة مصدر إزعاج وقلق متواصل، وحتى تبقى سبب خلاف بين الدول العربية. ومن ذلك الحرص على إبقاء المسلمين ضعفاء من جهة التسليح العسكري، فكلنا نعلم أن التطور العسكري هو حق مقصور على الدول العظمى، ومن أراد أن يزاحمها قاموا عليه باسم الحفاظ على السلام العالمي. وأما المؤامرة السياسية فمثل إحياء الاتجاهات والفرق التي تنتمي إلى الإسلام وهي تقوض أركانه وتهدم بنيانه، كالشيعة والخوارج والمعتزلة والصوفية وأفراخهم من العصريين ممن جمع شرهم جميعًا. ومن ذلك فتح الباب للتعددية السياسية وإظهارها على أنها من معالم التحضر، ومن علامات المجتمع الحديث المتمدن، وأنها من الظواهر الصحية الدالة على رقي المجتمعات. ومن ذلك تشجيع أحزاب المعارضة في البلاد الإسلامية دون تشجيع أهل السنة في بلاد الروافض ونحوهم، وإنما يشجعون المعارضة لتبقى البلاد الإسلامية ضعيفة تحت الضغوط الدولية، ولتدخل في حروب ودوامات لا نهاية لها، ولتكون هذه المعارضة ذريعة لهم يتحججون بها في دخولهم إلى أراضي المسلمين. ومن هذه المؤامرات أنهم تدخلوا في مناهج التعليم في البلاد الإسلامية على جميع المستويات في الابتدائية والثانوية والكليات وغيرها، فهم يقومون بالإشراف على كثير من هذه المناهج تارة بالترغيب وتارة بالترهيب. ومن ذلك ممارسة أشد الضغوط السياسية على حكومات دول العالم كي تسير في فلك السياسة الغربية عموماً والأمريكية خصوصاً. ومنها المؤامرة الأخلاقية فما زال الأعداء يركزون على الشباب لأنهم قوة الأمة وأملها بعد الله عز وجل، فقد قذفوا بالشباب بين الشهوات وقذفوا بالشهوات بين الشباب، فأغرقوا شبابنا بأنواع الأفلام والأغاني ورسائل الدردشة والرحلات الاختلاطية ومباريات كرة القدم بأنواعها، وقذفوا الشباب في المخدرات والحبوب ومسابقة الغناء وأمثالها من التفاهات. وأما الفتيات فإنهن كذلك غارقات في المسلسلات التافهة، ومنشغلات بالمغنيات واللواتي سماهن المجتمع زورًا بالنجوم. وأما المؤامرة الاجتماعية فلها صور كثيرة منها الحرص على إضعاف المسلمين وذلك من جهة تقليل أعداد المسلمين بكل وسيلة من الوسائل التي توصل إلى هذه الغاية مثل إشعال الحروب، والدعوة إلى تحديد النسل تارة بالترهيب من حيث تخويف الناس من مواجهة كارثة سكانية قادمة، وتارة بالترغيب من جهة قبول بعض الإغراءات. ومن ذلك استعمال بعض الوسائل التي توصل إلى هذا المقصود مثل تحقيق شيء من هذا من التنفير عن الزواج المبكر، والدعاية لتحديد النسل على أيدي الصحفيين وغيرهم من الإعلاميين وبعض الأطباء. ومن ذلك الغزو الفكري والثقافي الذي امتلأت المجتمعات الإسلامية بها، وكلها تدعو إلى صبغ المجتمعات الغربية والإسلامية بالعادات الغربية، وتحويل العالم إلى قطعة مكبرة من المجتمع الغربي وهو ما يسمى اليوم بالعولمة، وذلك عن طريق وسائل الإعلام من صحافة وراديو وتلفزيون وغيرها. ومن ذلك مضايقة الدول الإسلامية إذا أرادت أن تحكم بالشريعة أو بشيء منها تارة بالضغط عليها، وتارة بتشويه الإسلام وأن حدوده وعقوباته لا تصلح لهذا العصر لأنها وحشية، مما نتج عن أشياء منها: انحراف كثير من محاكم المسلمين عن الجادة. وما زالت في كثير من دوائر البحث الجنائي في المجتمعات الإسلامية تتعامل بغير الشرع، فلا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، ولا تتعاون على البر والتقوى. وما زالت كثير من المدارس معزولة عن تدريس العلم الشرعي، والآداب الإسلامية، وأما مناهجها الدراسية فضعيفة، ويقوم بها مدرسون أضعف منها بكثير. هذا شيء يسير من المكائد التي يقوم بها أعداء الإسلام، وأهل السنة يرون أن صدر هذه الأمة أعزهم الله بالإسلام فتمسكوا به، وعملوا بشرائعه، ونشروه بين الناس، ودعوا إليه بصدق، فرفعهم الله وأعلى منزلتهم، ثم لما تغيرت الأمة وابتعدت عن دينها شيئًا فشيئًا سلبت هذه العزة ونزلت إلى الحضيض بعد أن كانت لها الريادة والقيادة بين الأمم. فالابتعاد عن هذا الدين هو سبب الوقوع في هذا الضعف، فعلى المسلمين أن يرجعوا إلى دينهم ويتمسكوا به. المطلب الثالث نزاهة السلفية من أخطاء المنتسبين إليها والسلفية نزيهة من الأخطاء كنزاهة الإسلام من أخطاء أهله من المسلمين، وأما أخطاء أتباعها فلا علاقة للسلفية نفسها بهذه الأخطاء، لأن السلفية لأنها منهج رباني، فكما أن الإسلام لا يحمل وزر أخطاء أتباعه، فكذلك لا تحمل السلفية وزر أخطاء أهلها. ونحن ننصح كل من يسمع عن الدعوة السلفية بشيء من الاتهامات والافتراءات أن يسلك معها هذا المسلك: أولا: التثبت من دليل أصحاب الافتراءات. فإن أهل البدع والضلال يقولون كلامًا غير صحيح، ولا أصل له من الصحة أو له أصل لكن مبتور ومشوه. ثانيا: الحذر من خلط الأمور. فإن الأمر قد يكون أصله صحيحًا لكن مقيد بحال دون حال، أو وضع دون وضع، فينقلونه بدون تفصيل. ثالثا: التفريق بين خطأ الفرد وخطأ المنهج. كما تقدم قبل قليل. نسأل الله العظيم بأسمائه وصفاته أن ينصر دينه ويعلي وكلمته وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله كتبه أبو عمار علي بن حسين الشرفي المقلب بالحذيفي تم مراجعته في 20 / رجب / 1437 هـ الفهرس المقدمة المبحث الأول حقيقة السلفية. معنى السلفية. وفيه بيان أن الدعوة السلفية هي السعي بصدق للعودة إلى الإسلام الذي كان عليه المسلمون الأوائل. المبحث الثاني الأدلة على وجوب اتباع مذهب السلف. الأدلة على ذلك. ضابط السلف الذين يجب اتباعهم: وفيه أن الصحيح وجوب اتباع القرون الثلاثة فقط دون غيرهم لأنهم الذين ورد فيهم الحديث. مشروعية الانتساب إلى السلفية: وفيه أن معنى الرجوع إلى مذهب السلف هو التقيد بفهمهم للكتاب والسنة وسلوك طريقتهم في العمل بالشريعة، وليس معناها التقيد بطريقة معيشتهم. معنى الرجوع إلى فهم السلف. المبحث الثالث خصائص السلفية. منهج الدعوة السلفية هو منهج الطائفة المنصورة. معالم الحق في الدعوة السلفية فمن ذلك: الأولى أن الدعوة السلفية قديمة ليست وليدة العصر. الثانية الاستمرارية وعدم الانقطاع. الثالثة الشمولية وعدم الاعتكاف على جزئية من الدين. الرابعة التميز والوضوح. الخطوط العريضة في الدعوة السلفية أولا الاعتماد على الوحيين. ثانيا السير على طريقة السلف الصالح. ثالثا الاهتمام بالتوحيد والعناية به. رابعا الوسطية والاعتدال. خامسا السير وراء العلماء وعدم التقديم بين أيديهم. سادسا نقد الأخطاء وبيان البدع والضلالات. سابعا مفاصلة أهل الأهواء. المبحث الرابع المواقف المشرفة للسلفية. موقفهم من الحكام. بيان أضرار الخروج على الحكام. موقف السلفيين من الديمقراطية. موقفهم من الدماء. موقفهم من الإرهاب. موقفهم من أموال الناس. المبحث الخامس نزاهة السلفية من افتراءات أعدائها. نزاهة السلفية من ألقاب السوء. الوهابية: وفيه بيان أن هذا الوصف أكثر ما يطلقه على الدعوة السلفية هم القبوريون من الروافض والصوفية وأشباههم ممن حرموا من صفاء الدعوة السلفية ونقائها، وابتلوا بمشارب مكدرة ومناهل ملوثة يرضعون منها. السلفية الجهادية: وبيان أن مصطلح "السلفية الجهادية" مصطلح حملت به وسائل الإعلام من السفاح، لا ندري من أين أتت به، ثم قامت وسائل الإعلام الظالمة بولادته وحضانته ورعايته. الجامية. نزاهة السلفية من تهم المخالفين الكلام على أعراض العلماء. التكفير. الغفلة عما يدور في الواقع. الغفلة عن كيد أعداء الإسلام. نزاهة السلفية من أخطاء المنتسبين إليها. الطريقة الصحيحة في التعامل مع افتراءات الآخرين: أولا: التثبت من دليل أصحاب الافتراءات. ثانيا: الحذر من خلط الأمور. ثالثا: التفريق بين خطأ الفرد وخطأ المنهج. [1] "الصارم المسلول" (ص573). [2] وهو اختيار جماعة منهم الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فضل علم السلف على علم الخلف". [3] "مجموع الفتاوى" (10/357). [4] "مجموع الفتاوى" (4/149). [5] "مجموع الفتاوى" (4/155). [6] "مجموع الفتاوى" (3/347). [7] وقد صحح الحديث عدد من الأئمة والعلماء: منهم الترمذي في "سننه" والحاكم في "المستدرك" وابن بطة في "الإبانة الكبرى" وشيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم" وابن كثير رحمه الله في "تفسيره" والشاطبي في "الاعتصام" والعراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" والبوصيري في "زوائد ابن ماجة" وحسنه المناوي في "شرح الجامع"، والعلامة الألباني في "الصحيحة" (204)، وليس مع من ضعف الحديث حجة علمية يعتمد عليها. [8] وهو حديث متواتر كما نص عليه شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط" (1/69)، والسيوطي في"الأزهار المتناثرة" والعلامة الألباني في "الصحيحة" (4/597). [9] "مجموع الفتاوى" (4/95). [10] بل هم الذين أشعلوا فتيل الجهاد في أفغانستان لولا أن سرقته بعض الطوائف وعزته إلى نفسها. [11] "مجموع الفتاوى" (4/155). [12] "مجموع الفتاوى" (4/13). [13] محمد الغزالي في كتاب: "سر تأخر العرب" (ص52). [14] وقد نقلت صورا مخزية من دعاوى هؤلاء الذين يمنعون النقد الشرعي بحق، ويفتحون الباب لألسنتهم للطعونات الباطلة في السلفية وأهلها. انظر: "نقد الأخطاء والضلالات وجرح أهل الأهواء منهج شرعي". يسر الله تعالى طبعه. [15] بواسطة كتاب "الطريق إلى الجماعة الأم" (ص:183). [16] موقع "الإخوان المسلمون" 31/3/2011م، نقلا عن برنامج "لقاء خاص" من "فضائية الأقصى". [17] "مجموع الفتاوى" (19/122). [18] "مجموع الفتاوى" (20/66). [19] انظر: "تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابية" لمحمد بن سعد الشويعر. [20] انظر تزكية أئمة العلماء المعاصرين لفضيلة الشيخ العلامة محمد أمان بن علي الجامي في مقدمة رسالة أخينا صلاح محمد الخلاقي "جهود الشيخ محمد أمان بن علي الجامي في تقرير عقيدة السلف والرد على المخالفين". وهي رسالة قدمها للجامعة الإسلامية لنيل شهادة الماجستير. وهذا اللقب نوع من التشويه الذي يقوم به الحزبيون لدعاة السلفية شأنهم شأن سلفهم الذي يرمون أهل السنة بالحشوية والظاهرية ونحوهما، ولا ندري أين ذهبوا بكلامهم في حرمة الأعراض وحرمة أكل لحوم العلماء ؟!.
  5. بارك الله فيكم، لكن أليس المجيب هو الشيخ محمد بن عمر بازمول حفظه الله؟
  6. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أقدم لإخواني طلَّاب العلم هذه المادة مشاركة في خدمة منهج أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح، في بابٍ مُهمٍّ، وهو باب الدعوة والمنهج، وذلك لتصفية الدعوة مما شابها من الشوائب، وهذا ضرب من الجهاد الذي ميَّز الله به أهل العلم على مرِّ العصور، ونرجو أن نسير على خطاهم . وأرجو أن أكون قد وفرت لطالب العلم الأدلة والنقولات التي يحتاجها في الاحتجاج والرد، كما أرجو من الله أن يظهر الحق لمن خفي عليه. كتبه : حسن أسعد أحمد غزواني تفضل من هنا
  7. النصح العلي في نقض اطروحات الدكتور سعيد الكملي (3-3) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وصلى الله وسلم على رسوله ومصطفاه، أما بعد: فنحن في زمن عَظمت فيه الغيرة على الشيوخ، وهان الدفاع عن العقيدة عند كثير من النفوس، وصار من تظاهر بالحفظ والتحقيق، وفذلكةٍ في الحوار، وفنقلةٍ في الجدال، ونحو ذلك صار هو الإمام المبجل، والعالم النحرير الذي لا يجوز الرد عليه، أو التعقيب على أغلاطه، فالله المستعان، وإليه المشتكى. وحيث أنه قد سبق أن بينت شيئاً من مغالطات الدكتور سعيد الكملي في الاحتفال بالمولد النبوي، وقد نُشر له أيضاً جواب عن معنى التصوف، فزعم أن التصوف فن من فنون المعرفة، وعلم من العلوم الشرعية، وله مسميات عدة: فيسمى علم التصوف، وعلم السلوك، والتزكية، وغير ذلك. وهذه من المغالطات التي اصطِيد بها كثير من الضحايا التي لم تعرف خطر التصوف، فأحببت أن أسهم في كشفها وبيان زيفها فيما يلي: أولاً: أن التصوف مصطلح بدعي لم يرد ذكره في الكتاب ولا في السنة ولا في كلام السلف الصالح، بل هو لفظة أعجمية لا أصل لها في لغة العرب، وهي جامدة غير مشتقة، وقد صرح القشيري وهو من أئمة الصوفية بقوله: «ليس يشهد لهذا الاسم –صوفيء من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب»[1]، وأكثر تعليلات هذا الاصطلاح شيوعًا هو (لبس الصوف)، مثل (تقمُّص) من لبس القميص، وقد طرأت هذه البدعة في أواخر القرن الثاني الهجري. قال العلاّمة المقبلي رحمه الله: «فالتصوف ليس من مسمى الدين، لأن الدين كمل قبله، أعني دين الإسلام، ولا هو من النعمة، لأنها تمت قبله، وليس التصوف داخلاً في مسمى الإسلام، لأن الإسلام تم قبله، وهم معترفون بالغيرية، فحينئذ هو بدعة ضلالة»[2]. ثانياً: أنه بسبب رواج فكرة: (أن الزهد في الدنيا وتطهير النفس ومجاهدتها هو عين التصوف) على بعض ممن ينتسب للعلم آل إلى اعتبار مَن عُرف بالزهد والرغبة عن الدنيا، والإقبال على الله كإبراهيم بن أدهم، والفضيل بن عياض، وعبدالله بن المبارك ونحوهم= إلى أنهم من الصوفية، والذي ساعد على هذا الخلط تلك المؤلفات في طبقات الصوفية، ومنها ما أشار إليه الدكتور سعيد الكملي: كتاب (التشوف إلى رجال التصوف)، وقد تجرأ بعضهم كالشعراني فدمج الخلفاء الراشدين في طبقاته وحاشاهم. ثالثاً: أن الصوفية وإن كانوا يوافقون أهل السنة والجماعة على فضل الزهد وتزكية النفس والإحسان، فهم مخالفون لهذه الحقائق مبنى ومعنى، لفظاً ومضموناً، وعليه ففي شريعة الإسلام ما يغني عن التصوف، وقد سئل العلاّمة صالح الفوزان حفظه الله عمّن يدعو إلى تصوف الجيلاني ونحوه دون تصوف ابن عربي فقال: «التصوف كله مبتدع، وإن كان بعضه أخف من بعض، والخفيف يجر إلى ما هو أشد منه، كما هو المشاهد للواقع من متصوفة اليوم، وهكذا البدعة تجر إلى ما هو شر منها»[3]. رابعاً: أنه لو فرضنا جدلاً أن ترويج الدكتور سعيد الكملي للتصوف كان للمصطلحات الشرعية: كالإحسان والزهد وتزكية النفس ومجاهدتها، وغير ذلك مما دلت عليه النصوص، لما جاز ذلك أيضاً؛ لأن دعاة السنة لا يمكن أن يكونوا متصوفة، فالتصوف مبتَدعٌ كله، اسمه ورسمه، وقد سُئل العلاّمة صالح الفوزان حفظه الله: هل إذا تصوف المسلم السني أصبح مجرماً؟فقال: «نعم، من تصوف فقد ابتدع، ومن ابتدع كان مجرماً، والسني إذا تصوف لم يبق سنياً، بل يكون بدعياً»[4]. ومن المغالطات التي ذكرها الدكتور سعيد الكملي ما ادعاه من استمداد علم التصوف، وأنه مستمد من مرتبة الإحسان المذكورة في حديث جبريل الطويل. والحقيقة هي كما قال الشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله: «إن أمر التصوف كله مختلف فيه، فكما أختلف في أصله واشتقاقه، وحدّه وتعريفه، بدئه وظهوره، وفي أول من تسمى به وتلقب به، كذلك اختلف في منبعه ومأخذه، ومصدره ومرجعه، فتشعبت الآراء وتنوعت الأقوال، وتعددت الأفكار ... وقال قوم: لا علاقه له بالإسلام إطلاقاً، قريبة ولا بعيدة في اليوم الذي نشأ فيه، ولا بعد ما تطور، وهو أجنبي عنه كاسمه، فلذلك لا يفتش عن مصادره ومآخذه في القرآن والسنة وإرشاداتهما، بل يبحث عنها في الفكر الأجنبي، وهو رأي أكثر السلفيين ومن نهج منهجهم وسلك مسلكهم وكذلك الفقهاء والمتكلمين من أهل السنة من المتقدمين، والأكثرية الساحقة من المستشرقين، والكثير من الباحثين والمفكرين المتحررين من الجمود وعصبية التقليد، من المتأخرين»[5]. والمقصود مما سبق أنه ينبغي لطالب العلم أن يحذر من أمثال هؤلاء، الذين أقل أحوالهم أن يلبسوا الحق بالباطل، والسنة بالبدعة، «وذلك أن أحوال أهل الزمان قد اضطربت، والمعتمد فيهم قد عز، ومن يبيع دينه بعرض يسير، أو تحبباً إلى من يراه قد كثر، والكذب على المذاهب قد انتشر، فالواجب على كل مسلم يحب الخلاص أن لا يركن إلى كل أحد، ولا يعتمد على كل كتاب، ولا يسلم عنانه إلى من أظهر له الموافقة»[6]، حتى لا يكون مصيدة لمن ليست لهم خبرة بالعقيدة السلفية، ومن رام النجاة من هؤلاء، والسلامة من الأهواء، فليكن ميزانه الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة، في كل ما يسمع ويرى، وبهذا القدر كفاية، وبالله التوفيق. وكتبه/ أبو رقية عبدالله البنعلي 5 / محرم / 1437هـ 18 / أكتوبر / 2015م
  8. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد فضمن سلسلة الكتب والرسائل المنهجية، صدر بحمد الله وتوفيقه عن دار سبيل المؤمنين كتاب جديد للأخ أبي معاذ حسن العراقي بعنوان (بلوغ الأماني في ذكر الفوائد التي تضمنتها نونية القحطاني ) .
  9. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد : فقد من الله جل و عز على إخوانكم المغاربة أن يسر الله لهم زيارة بلاد الحرام و لقاء علمائها الناصحين ، لينهلوا من معين علمهم و ليستفيدوا من وصاياهم و ليعملوا بتوجيهاتهم ، راجين من المولى تبارك و تعالى أن يرفع راية الدعوة السلفية في البلاد المغربية حرسها الله و في سائر أنحاء العالم . فمن فضل الله تعالى عليهم أن قام الشيخ العلامة عبيد بن عبدالله الجابري حفظه الله بإلقاء مجموعة من الدروس في شرح رسالة «قاعدة في الاكتفاء بالرسالة و الاستغناء بالنبي صلى الله عليه و سلم عن اتباع ما سواه » لشيخ الإسلام ابن تيمية و ذلك من يوم السبت 10 شعبان 1436 إلى يوم الاثنين 12 شعبان 1436 في جامع الرضوان بالمدينة النبوية. و دونكم تسجيل الدروس : شرح رسالة «قاعدة في الاكتفاء بالرسالة» لشيخ الإسلام ابن تيمية (مكتمل) ثم تكرم حفظه الله بإلإجابة على أسئلة الإخوة يوم الثلاثاء 13 شعبان 1436 و دونكم التسجيل : أجوبة الشيخ عبيد الجابري حفظه الله على أسئلة الإخوة المغاربة و من فضل الله تعالى عليهم أن قام الشيخ الدكتور عبدالله بن عبدالرحيم البخاري حفظه الله بإلقاء محاضرة عن اغتنام الأوقات يوم الاثنين 12 شعبان 1436 ، و دونكم تسجيل المحاضرة : محاضرة عن اغتنام الأوقات للشيخ عبدالله البخاري حفظه الله ثم أكرمهم بلقاء مع الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله في مكتبته العامرة ليلة الأربعاء 14 شعبان 1436 ، حيث أوصى جزاه الله خيرا الإخوة بأداء مناسك العمرة و بالالتقاء بمشايخ السنة في تلك البلاد ، كما أوصاهم بتقوى الله و بالاعتصام بالكتاب و السنة كما قال تبارك و تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) [ سورة آل عمران] و ذكر أن في هاتين الآيتين أمورا عظيمة ، منها أن تقوى الله حق تقاته كما قال ابن مسعود : أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر . و أن من عاش على شيء مات عليه و من مات على شيء بعث عليه . ثم دعا إلى الاعتصام بحبل الله و أن حبل الله هو كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم ، و حث على الاجتماع و الائتلاف و حذر من البدع ، فإن البدع تؤدي إلى التفرق ، و و حذر من أسباب الفرقة و الاختلاف ، و أوصى أبناءه بوصايا ثمينة ثم تفضل بالإجابة على بعض أسئلتهم جزاه الله عنهم خيرا . و من منن الله عليهم أن يسر الله لهم جلسة مع الشيخ العلامة محمد بن هادي المدخلي حفظه الله في استراحة بمكة يوم السبت 18 شعبان 1436 تكرم فيها بالإجابة على بعض أسئلتهم أجزل الله له المثوبة و دونكم التسجيل جلسة مع الشيخ العلامة محمد بن هادي المدخلي حفظه الله كما أكرمهم تعالى بجلسة ثانية مع الشيخ الدكتور عبدالله بن عبد الرحيم البخاري حفظه الله في استراحة بمكة يوم الثلاثاء 21 شعبان 1436 ، تفضل خلالها بالإجابة على بعض أسئلتهم ، كتب الله له الأجر و الثواب و دونكم التسجيل جلسة مع الشيخ الدكتور عبدالله بن عبد الرحيم البخاري حفظه الله و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم و جزى الله خيرا كل من أسهم في نشر هذا الخير العميم من قريب أو من بعيد
  10. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد: فهذا رد للشيخ د. بدر بن مقبل الظفيري حفظه الله ،عضو هيئة التدريس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية، على الشبهة التي أثيرت حول دخول قبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده ، و ذلك في البرنامج المسمى بالثامنة: لقاء مع المدعو خالد المولد . بسم الله
  11. بارك الله فيكم و هذا رابط آخر للتحميل من هنا
  12. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الصادق الأمين ، أما بعد: فقد أخبرني الشيخ عبد الله بن مهاوش الزوبعي أنه التقى الشيخ العلاّمة الوالد ربيع بن هادي المدخلي إمام الجرح والتعديل في هذا الزمان وذلك في بيته في المدينة النبوية مساء اليوم الجمعة الخامس من رجب من عام 1436 وعرض عليه رسالة (براءة الدعوة السلفية من أصول وسلوك المميّعة وقواعد وغلو الحدّاية) فأيدها وانتقد بشدة من انتقدها وأن الشيخ ربيع - سدده الله - قرأ الفقرة التالية بنفسه وأيدها بقوة وهي : "وقد دلَّ كلام العلماء على عدة أمور منها: أولًا: حتى يكون الحكم على الشخص من باب الخبر؛ فلابد أن يصدر من عالم صادق أمين عارف بأسباب الجرح والتعديل، «وخصوصًا في المسائل الخفية»، وأما المسائل الواضحة الظاهرة «كالرفض مثلًا» فهذه للعلماء ومن دونَهم كطلبة العلم . وإذا تخلفت هذه الشروط ، فلا ينطبق عليه هذا التأصيل كأن تتخلف عنه العدالة، أو الضبط، أو العلم بأسباب الجرح والتعديل، وذلك حتى لا نقع من جهة أخرى بمشابهة الحدَّادية فنجرِّح من لا يستحق التجريح، أو نُبَدع من ليس بمبتدع، بناءً على حكم أي ثقة؛ لأن منهج أئمة النقد المتقدمين ومنهم ابن أبي حاتم الذي نقله السخاوي، والعلماء المعاصرين والمتمثل بكلام الشيخ بن باز، والشيخ ربيع، والشيخ عبيد، مقيد بأحكام العلماء الأمناء العالمين بأسباب الجرح والتعديل مع معرفتهم بالرجال، وأقوالهم، ومقالاتهم، وخبرتهم الطويلة بأصولهم المعوجة وخطورتها وخطورة لوازمها." ولا يلزم من كلامي هنا أن الجرح والتعديل خاص بالعلماء فقط! فهذا ليس محور الرسالة، وهذا الموضوع له بحث خاص، وتكلم فيه العلماء كثيرًا، وفرقوا بين البدع الظاهرة الواضحة وبين البدع الخفية. وتأكيدًا على هذا الكلام؛ فقد أخبرني الشيخ عبد الله بن مهاوش أنَّه سأل فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي - سدده الله - في (23 صفر عام 1435) بعد أذان المغرب في مكة المكرمة.حول هذا الموضوع: السؤال التالي: (هل حكم الثقة كخبره) يختص بالعلماء. أو: هو لكل ثقة وإن لم يكن عالمًا كطلبة العلم مثلًا ؟ قال الشيخ ربيع – حفظه الله - الجواب: «هذا السؤال أفصل فيه، فإن كان الأمر ظاهرًا كالرافضة فنعم لطلبة العلم... وأما المسائل المُشكلة والتي تحتاج بحث فهذه خاصة بالعلماء» وقد التقيتُ أنا حسن أبو معاذ بشيخنا العلاّمة – الشيخ عبيد الجابري يوم الثلاثاء 2/ رجب 1436 – وذكرتُ له أنَّ بعض الأشخاص فهم من رسالة ( البراءة ) أنّ فيها تقرير وتمرير لقواعد الحلبي بثوب جديد ، فتعجب الشيخ من هذا الفهم القاصر ، وأكد أن الرسالة ( سليمة سليمة) وكان ذلك في جلسة خاصة جمعتني بالشيخ في المدينة النبوية بحضور بعض الأخوة طلبة العلم ، بعد انتهاء درسه في شرح كتاب الإمارة من مختصر صحيح مسلم وفصل الشيخ في هذه المسألة تفصيلاً رائعاً ، ولم أخرج عنه في رسالتي السابقة ولله الحمد. فأسأل الله العظيم أن يتقبل منَّا، ويجعل ذلك في ميزان حسناتنا، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشد، وأن يجمع كلمة أهل السنة على الحق والهدى وأن يعيذنا وإيَّاهم من نزغات الشيطان. كتبه حسن أبو معاذ العراقي حمل من هنا أو من هنا
  13. براءة الدعوة السلفية من أصول وسلوك المُميِّعة وقواعد وغلو الحدَّادية اطلع عليها فضيلة الشيخ العلاّمة الوالد ربيع بن هادي المدخلي وحثَّ على نشرها فضيلة شيخنا العلاّمة الوالد عبيد الجابري. إعداد أبي معاذ حسن العراقي حدثني الشيخ عبد الله بن مهاوش الزوبعي أنّه عرض رسالة (براءة الدعوة السلفية ) على الشيخ الوالد ربيع بن هادي المدخلي (فقرأها وقال عنها جيدة ) وذلك في موسم حج عام 1434 هــ. وحدثني مرةً أخرى بحضور جمعٍ من طلبة العلم في المدينة النبوية في شهر 24 جمادى الآخرة عام 1436هــ، وطلب مني نشرها . وفي زيارتي إلى المدينة النبوية التقيت ُ بشيخنا الوالد " عبيد الجابري – سدده الله – في بيته في المدينة النبوية 27/ جمادى الآخرة عام 1436 ، فقرأتُها عليه فحثَّ على نشرها ، وكان ذلك بحضور مجموعة من طلبة العلم . درر من كلام العلماء • قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات؛ فيتولد فساد عظيم»( ). • وقال: «فرب قاعدة لو علم صاحبها ما تفضي إليه لم يقلها»( ). • وقال ابن القيم - رحمه الله -: «إن القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره؛ فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة للحق وكراهة للباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فَقْدِهما؛ وكذلك وصف سبحانه كتابه ووحيه بأنَّه روح لحصول حياة القلب به، فيكون القلب حيًّا ويزداد حياة بروح الوحي فيحصل له حياة على حياة، ونور على نور»( ). • وقال العلَّامة ابن عثيمين - رحمه الله - : «يقول العلماء: من حُرم الأصول حُرم الوصول؛ لذلك ينبغي لنا أن نحرص على معرفة القواعد، وعلى معرفة ما تتضمنه، وأن نتباحث فيها، وأن نسأل من هو أعلم منّا حتى نحصل على المقصود». انتهى( ). • وقال: «وإنَّما على المرء أن ينظر في كلام من ردَّ عليه؛ فإن تبين أن الصواب معه وجب عليه أن يحمد الله تعالى؛ حيث هيأ له من يبين له الصواب ويفتح له باب الحق، ووجب عليه أن يرجع إلى الصواب؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل»( ). قال الشيخ العلاّمة ربيع بن هادي المدخلي . • «والعاقل المنصف البصير يدرك متى يجب أو يجوز الكلام، ومتى يجب أو يجوز السكوت» «المجموع» (9/145). • وقال: «فعلى من يتصدى لنقد البدع وأهلها أن يسلك طريق الكتاب والسنة، ويسلك مسلك السلف الصالح في الدقة في النقد والجرح» «المجموع» (9/159). الهدف من الرسالة • الدفاع عن المنهج السلفي وبيان براءته من غلو الغالين وتفريط المضيعين المتهاونين. • الدفاع عن علماء المنهج السلفي؛ وذلك لأن أهل الغلو –الحدَّاديةء يتهمون العلماء بالتمييع والتفريط، وأهل التمييع يتهمون علماء أهل السنة بالغلو والتشدد. • تحذير المسلمين عمومًا وطلبة العلم خصوصًا من الوقوع في هذين المنهجين. أهمية الرسالة تتضح أهمية الرسالة من أهمية الموضوع الذي تعالجه، وهو: «خطورة الانحراف المنهجي» الذي أدى إلى كثرة الاختلافات بين طلبة العلم خصوصًا؛ حيث انقسم طلبة العلم في أكثر البلاد الإسلامية إلى طرفين ووسط. قسمٌ: غلا وتعنت وتعصب لذوات أشخاص، يعتقد أن عندهم غيرة على السُّنة، أكثر من غيرهم، فقلدوهم في تبديع من لا يستحق التبديع، وهجر من لا ينبغي هجره، والطعن فيمن يحرم الطعن فيه، وهم من نهج المنهج الحدادي وسار عليه وارتضاه منهجًا وسلوكًا. وقسم آخر: تعصب وتحزب حول أُناس، اعتقد أنَّهم أحرص على جمع الصف، وأرأف حالًا بالناس، وأبلغ مقالًا، وأعدل أصولًا من غيرهم. فقلدوهم في توثيق من لا ينبغي توثيقه، وتعديل من يجب تجريحه، والدفاع عمَّن اتضح وافتضح أمره، وشاع بين العالمين انحرافه، وهم من نهج منهج الحلبي وسار عليه، وارتضاه منهجًا وسلوكًا. وبسبب هذين المنهجين ضاع كثير من الشباب، الذين كانت الأمة الإسلامية تنتظرهم ليحملوا عقيدتها ويدافعوا عن صفاء منهج سلفها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقسم ثالث: وهم أهل الحق الذين أخذوا بمنهج السلف والتفوا حول العلماء؛ فسلكوا المنهج الوسط المبني على الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، من غير إفراط الحدَّادية وغلوهم، ولا تفريط الحلبية وتهاونهم. بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: لا يخفى على طلبة العلم المتابعين لما يحدث في الساحة الدعوية من كثرة المناهج المنحرفة التي تأسست على قواعد وأصول مخالفة لأصول السلف، وكثرة الفتن التي أثمرتها تلك المناهج المنحرفة. فالسعيد من هُدي إلى الصراط المستقيم والشقي من كُتبت عليه الضلالة. قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: ١١٨، 119]. يقول الإمام السعدي في تفسير هذه الآية الكريمة: «اقتضت حكمته، أن لا يزالون مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار، كلٌّ يرى الحق فيما قاله، والضلال في قول غيره.﴿ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ فهداهم إلى العلم بالحق والعمل به، والاتفاق عليه، فهؤلاء سبقت لهم سابقة السعادة، وتداركَتْهم العناية الربانية والتوفيق الإلهي، وأما من عداهم، فهم مخذولون موكولون إلى أنفسهم»( ). وإنَّ من أبرز أسباب الفتن: هو عدم الالتفاف حول علماء السنة والتقيد بمنهجهم، وعدم الرجوع إليهم في النوازل الكبيرة، على عكس ما كان عليه سلف هذه الأمة حيث ضربوا لنا أروع الأمثلة في احترام العلماء، وإنزالهم المنزلة التي تليق بهم، وأخذ أحكامهم وخصوصًا في باب الجرح والتعديل، ومعرفة الرجال والطوائف. ومن فتن العصر التي أحرقت كثيرًا من الشباب، فتنة الحلبي ، وقواعده الباطلة الجائرة، والتي هي امتداد للقواعد الإخوانية، العرعورية، المأربية، وإن أبى وأنكر، وموَّه وتفلسف وتفلت عن أصول السلف! فالأصول التي سار عليها الحلبي هي نفس الأصول التي سار عليها حسن البنا المصري، وعرعور الشامي، والمأربي المصري، مع تغير في ألفاظ بعض القواعد، مع بقاء المضمون. فقاعدة المعذرة: «نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه». التي طورها عرعور إلى: «نصحح ولا نجرح». ثم جاء المأربي فألبسها ثوبًا جديدًا فقال: «نبني ولا نهدم الأشخاص». ثم انتهت السلسلة بالحلبي ليلبسها ثوبًا حلبيًّا برَّاقًا يسر الناظرين! فقال: «لا نجعل الخلاف في غيرنا سببًا للخلاف بيننا» . ثم «قاعدة التثبت العرعورية المأربية»، التي انتهت بقاعدة الحلبي «اشتراط الإقناع في الجرح حتى يقبل، أو إجماع معتبر ورد خبر الثقة أو التشكيك فيه، والتفريق بين أحكام الثقات، وأخبارهم في الجرح والتعديل على الإطلاق، وبدون تفصيل . والذي نعتقده وندين الله به: أنَّ هذه القواعد باطلة مصادمة لمنهج السلف. وليس هذا من باب التقليد الأعمى، كما يزعمون! إنّما هذا المنهج هو الذي سار عليه علماء السلف قديمًا وحديثًا. ولا يسع المقام هنا لذكر أقوالهم في هذا الباب، لكني سأقتصر على ذكر ما قرره إمام من أئمة الجرح والتعديل وهو: عبد الرحمن بن أبي حاتم في مقدمة كتابه «الجرح والتعديل» وما نقله أيضا السخاوي - رحمه الله - عن حال السلف مع أحكام علمائهم وأئمتهم في العصور الأولى، وكيف كانوا يُنزِلونها منزلتها؛ لاعتقادي أن كلام السخاوي ينقل الصورة المشرقة التي كان عليها سلف هذه الأمة من احترام العلماء والالتفاف حولهم، وأخذ أحكامهم والعمل بها؛ لأنّهم يتكلمون بعلم وعدل، ونصحًا للأمة وتحذيرًا لها من المتلاعبين وقواعدهم. ثم أذكر أمثلة من أقوال علماء الجرح والتعديل المعاصرين؛ لأبرهن أن هذا هو المنهج السلفي الذي سار ويسير عليه العلماء الأمناء جيلٌ بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تصديقًا لحديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم : «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون». أخرجه البخاري ومسلم. ولفظ مسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم»( ). أولًا: ما قرره عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في مقدمته النفيسة لكتابه( ) «الجرح والتعديل» من أحكام الجرح والتعديل وقوانين الرواية، ومنها: «فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث؛ فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال»(). ثانيا: قال السخاوي - رحمه الله - : «ثم انتدب في زمانهم أيضًا لنقد الرجال الحافظان الحجتان يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي؛ فمن جرحاه لا يكاد يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو المقبول، ومن اختلفا فيه -وذلك قليل- اجتهد في أمره»( ). ثالثًا: الإمام بن باز - رحمه الله - ( ). جوابًا على سؤال إذا تعارض الجرح والتعديل أيهما يقدم؟ قال - رحمه الله - : «يقدم الجرح إذا صدر مبينًا من عالم من الأئمة العارفين بالأسباب، مبين - سيئ الحفظ ، كذاب - يبين أسباب الجرح ويكون الجارح إمامًا معروفًا. قال السائل: أحسن الله إليك يا شيخ، وإذا عرف بالشدة كالنسائي؟ فأجاب الشيخ: ولو... إذا بين السبب( ). رابعًا: قول الشيخ ربيع إمام الجرح والتعديل في هذا العصر. قال - سدده الله -: «إن أقوال أئمة الجرح والتعديل الأمناء الصادقين العادلين من باب الأخبار؛ لأنها قائمة على دراسات لأحوال الرواة ورواياتهم، وعلى معرفتهم بسيرهم وأخلاقهم وصدقهم وضبطهم وإتقانهم، أو كذبهم أو سوء حفظهم أو سوء معتقدهم، ومن طرق كثيرة توصلهم إلى معرفة مراتب الرجال ومراتب رواياتهم؛ لأن الله الذي تعهد بحفظ دينه أحلهم هذه المنزلة. فيجب على المسلمين قبول أخبارهم عن أحوال الرجال وعن أحوال رواياتهم وعقائدهم، هذا هو الأصل. ومن الأدلة على أن أقوال العلماء في الجرح والتعديل من باب الأخبار الحديثان النبويان الآتيان: عن أنس بن مالك ﭬ قال: مُر بجنازة فأثني عليها خيرًا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «وجبت وجبت وجبت» ومُر بجنازة فأثني عليها شرًّا فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : «وجبت وجبت وجبت» قال عمر: فدًى لك أبي وأمي، مُر بجنازة فأثني عليها خيرًا فقلت: «وجبت وجبت وجبت» ومُر بجنازة فأُثني عليها شرًّا فقلت: «وجبت وجبت وجبت» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض». متفق عليه. أخرجه البخاري في «صحيحه» حديث (1367)، ومسلم حديث (949)، واللفظ لمسلم. الشاهد من هذا الحديث: 1- إقرار النبي شهادة بعض أصحابه على أناس بالخير والشر»( ). ثم ذكر الشيخ ربيع - سدده الله - حديث عمر بن الخطاب وهو بنفس معنى الحديث المتقدم. خامسًا: قول الشيخ عبيد وهو من علماء الجرح والتعديل الأمناء الثقات العالمين بالرجال والمناهج. سُئل الشيخ عبيد الجابري -سدده الله- هل هناك فرق بين خبر الثقة، وحكم الثقة؟ فأجاب الشيخ: الحكم قضاء والخبر نقل: فمثلًا حينما يأتيك رجل ثقة عندك لا تشك فيه ويذكر لك خبرًا ما، في قريتك أو في غيرها فأنت تقبله، هذا هو السبب، ولا تحتاج إلى تثبت، ومن الأدلة على قبول خبر العدل، وأنه لا يحتاج إلى تثبت قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا }الحجرات: ٦ . ﴾ [الحجرات: ٦]. فهذه الآية بمنطوقها قاضية بوجوب التبيُّن والتثبت في خبر الفاسق أصحيح هو أو لا؟ هذا بمنطوقها، وبمفهومها قاضية على عدم التثبت في خبر العدل وإن كان واحدًا. أما الحكم فهو قضاء، يعني: أحيانا يكون فتوى، عالم يصدر كلامًا فيقبله الناس يجب عليهم قبوله، وقد يطلبون منه الدليل، وقد يكون عندهم من الثقة ما يكفيهم، إلا إذا عارضه قول عالم آخر؛ فنحتاج هنا إلى إقامة الدليل. عالم زكى رجلًا وعالم جرحه، فهنا نحتاج إلى الدليل؛ لأن ذلك ثبتت عندنا عدالته، زكاه رجل عالم فاضل موثوق بعلمه زكاه، والآخر جرحه فنطلب منه الدليل، أما المستور والمجهول فإذا جرحه عالم من العلماء يكفي لا يلزم طلب الدليل منه؛ لأنه مستور أصلًا أو مجهول، فهذا خبر وحكم في آنٍ واحد»( ) انتهى. وسُئل الشيخ عبيد -حفظه الله- أيضًا: «ما قولكم فيمن يقول: لابد من التفريق بين حكم الثقة وخبر الثقة، فحكمه لا يلزمنا وخبره يلزمنا؟ الجواب: لا أعلم لهذا أصلا عند السلف أبدًا، فهذه من الفلسفات والتقعيدات الحديثة من إفراز قاعدة المعذرة والتعاون فيما أظن، هي تؤدي إلى تلطيف البدع وأهلها، حكم الثقة وخبر الثقة معمول بها عند السلف إذا ثبت نقل الدليل حكم عليه أولًا، فمن ثبتت عدالته حكم له بها يقال عدل، ومن ثبت جرحه حكم بجرحه بناء على ما ثبت بالدليل فنحن أمة الدليل»( ). قلتُ «حسن»: وفي آخر لقاء جمعني بالشيخ عبيد الجابري -سدده الله- في بيته دار النقاش حول هذا الموضوع ضمن مجموعة أسئلة سألتُها له منها السؤال الآتي: سؤال: في جلسة علمية جمعت بعض الإخوة دار النقاش حول موضوع «حكم قبول خبر الثقة» و«حكم الثقة»، وذلك لأن بعض الإخوة غير ضابط لهذه المسألة، ومعلوم كلامكم، وكلام الأئمة أنه قد يخرج الحكم مخرج الخبر إذا كان من عالم ناقد يقوم بنقد الرجال يخرج مخرج الخبر يجب قبوله، لكن الأصل: أن الحكم قضاء والخبر نقل، هل هذا التفصيل فيه شيء يا شيخ؟ الجواب: أولًا: نحن لسنا قضاة، ولا نلزم أحدًا بأقوالنا أبدًا، وإنما نحن مفتون فإذا بلغنا أمر أصدرنا فيه من القول ما ندين الله به من حيث الصحة والضعف، وإذا كان عن الرجال من حيث الجرح والتعديل بالدليل، وهذا هو الملزم، الملزم ما هو؟ الملزم: الدليل! وقد يختلف العلماء في رجل، أو في رجال إلى طائفتين إحداهما تجرح وأخرى تعدل، فقول هؤلاء المختلفين ليس ملزمًا بحد ذاته للطرف الآخر، وإنما يلزم الطرف الآخر الدليل الذي لا يقبل التأويل، هذه القاعدة التي تقررت عندي من خلال النظر في أقوال علمائنا المتقدمين والمعاصرين. س2: هل عندكم كلام آخر يا شيخ قديم هو: الذي يقول بهذا التفصيل قد شابه أقوال المميِّعة مع أن المميِّعة معروف أنهم إنما فرقوا لا ، لأجل التفريق وإنما لرد كلام العلماء. الجواب: هذا مثلًا للذي خالفنا في هذا قد يكون مميِّعًا ويمكن يسمَّى المُخذِّل المُثبّط. مسألة ظهر فيها الدليل أنا أقول نعم هذا مثبِّط؛ لأن الدليل ظاهر ليس بمحتمل، وقد يكون عالمًا صاحب سُّنّة لكن ما بلغه ما بلغنا من الدليل! يعني المسألة تحتاج إلى نظر وتفصيل، ولسنا على قاعدة الحلبي «لا نجعل الخلاف في غيرنا سببا للخلاف بيننا». فهذا ليس بصحيح، هذا الرجل معروف من المُثبِّطة من المُخذّلة والمُميّعة والجانحة إلى السياسة. لكن قد يكون الرجل الذي عدَّله فلان من الناس يعني خفي عليه ما علمته أنا، هنا يقال أنا أريد أنا أدافع عمَّا وصلتُ إليه، ومن قَبِل قولي كذلك، هذا الدفاع من قاعدة: «من علم حجة على من لم يعلم». سؤال: يعني يا شيخ من جهة اللغة هناك فرق بين الحكم والخبر. الجواب: الحكم هو القضاء. لكن الحكم على المقالة نفسِها، هذا يمكن لعالم من العلماء يقول هذه المقولة كفر، وقائل هذا كافر على سبيل العموم، لكن على سبيل التقييد والتعيين ، لابد من اجتماع الشروط وانتفاء الموانع. ثم الحكم الذي يوجب الحد أو التعزير، هذا للقاضي، لكن أنا أحكم على المقالة ، وأحكم على القائل على سبيل العموم، وقد أحكم على شخص بعينه بأنه قال ما هو معلوم من الدين بالضرورة بأنه كفر، مثل قول السويدان أنّه «ليس عنده مشكلة في الاعتراض على الله»واستدل بما هو فاسد ثم قال أنا ما أردتُ! القائل أو الفاعل لا يسأل عن مراده أبدًا، العبرة بالظاهر من الأقوال والأفعال، فإن كانت حسنة حُكم لهذا الذي أظهر قولًا أو فعلًا بأنه صائب، وإن كانت سيئة يحكم عليه بالإساءة. هذا واضح؟ واضح للجميع...» انتهى. سجل هذا اللقاء في بيت الشيخ عبيد الجابري في المدينة النبوية: (7/5/1434 هجرية). وقد دلَّ كلام العلماء على عدة أمور منها: أولًا: حتى يكون الحكم على الشخص من باب الخبر؛ فلابد أن يصدر من عالم صادق أمين عارف بأسباب الجرح والتعديل، «وخصوصًا في المسائل الخفية»، وأما المسائل الواضحة الظاهرة «كالرفض مثلًا» فهذه للعلماء ومن دونَهم كطلبة العلم . وإذا تخلفت هذه الشروط ، فلا ينطبق عليه هذا التأصيل كأن تتخلف عنه العدالة، أو الضبط، أو العلم بأسباب الجرح والتعديل، وذلك حتى لا نقع من جهة أخرى بمشابهة الحدَّادية فنجرِّح من لا يستحق التجريح، أو نُبَدع من ليس بمبتدع، بناءً على حكم أي ثقة؛ لأن منهج أئمة النقد المتقدمين ومنهم ابن أبي حاتم الذي نقله السخاوي، والعلماء المعاصرين والمتمثل بكلام الشيخ بن باز، والشيخ ربيع، والشيخ عبيد، مقيد بأحكام العلماء الأمناء العالمين بأسباب الجرح والتعديل مع معرفتهم بالرجال، وأقوالهم، ومقالاتهم، وخبرتهم الطويلة بأصولهم المعوجة وخطورتها وخطورة لوازمها( ). ولا يلزم من كلامي هنا أن الجرح والتعديل خاص بالعلماء فقط! فهذا ليس محور الرسالة، وهذا الموضوع له بحث خاص، وتكلم فيه العلماء كثيرًا، وفرقوا بين البدع الظاهرة الواضحة وبين البدع الخفية. وتأكيدًا على هذا الكلام؛ فقد أخبرني الشيخ عبد الله بن مهاوش أنَّه سأل فضيلة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي -سدده الله- في (23 صفر عام 1435) بعد أذان المغرب في مكة المكرمة.حول هذا الموضوع: السؤال التالي: (هل حكم الثقة كخبره) يختص بالعلماء. أو: هو لكل ثقة وإن لم يكن عالمًا كطلبة العلم مثلًا ؟ قال الشيخ ربيع – حفظه الله - الجواب: «هذا السؤال أفصل فيه، فإن كان الأمر ظاهرًا كالرافضة فنعم لطلبة العلم... وأما المسائل المُشكلة والتي تحتاج بحث فهذه خاصة بالعلماء»( ). ثانيًا: ومن ثمرات كلام العلماء ، هو عدم الوقوع في أصول المميِّعة والمفرِّطة ومنهجهم الذي بَنوه على قاعدة «لا يلزمني»، أو «لابد من الإجماع أو الإقناع في الجرح حتى يُقبل ،! أو تفريقهم بين خبر الثقة وحكم الثقة في الحكم على الأشخاص على الإطلاق، الذي أرادوا به عدم قبول أحكام العلماء الثقات الأمناء النُّقاد بالمجروحين. ثالثًا: أن أحكام العلماء مبنية على الاستقراء التام لأحوال المُتكلم فيهم، وسبر أقوالهم، ومعرفة مضمونها وما دلت عليه، مع الاستشهاد بنصوص الكتاب والسُّنَّة على إبطالها؛ فهي ليست من مسائل الاجتهاد التي لا يثرَّب على عدم الأخذ بها كما يدندن حوله الحلبي والحلبيون. رابعًا: المنهج الوسط أن الأصل لغةً وشرعًا أن هناك فرق بين الحكم والخبر، لكن الحكم قد يخرج مخرج الخبر بالشروط التي ذكرتُها، وعلى هذا تلقت الأمة أحكام أئمة الجرح والتعديل في الرجال بمثابة الأخبار. براءة الدعوة السلفية من أصول وسلوك الحدادية . حاولت في رسالتي هذه بيان الآثار الخطيرة للدعوة الحدَّادية على المجتمع المسلم عمومًا وعلى طلبة العلم خصوصًا( ). فمن المعلوم: أن أهل السُّنة والجماعة هم أرأف الناس بالناس، فأحكامهم مبنية على العلم والعدل، والدافع لها النصح للأمة وللمنصوح أو المردود عليه، ويقصدون في ذلك التعبد لله تعالى، وتحقيق الولاء والبراء، الذي هو "من أصول " العقيدة الإسلامية، إلى غيرها من مقاصد الهجر التي ذكرها أهل العلم في كتبهم ورسائلهم، ويسلكون في ذلك الوسط من غير إفراط ولا تفريط؛ فلا يظلمون من ظلمهم، ولا يجهلون على من جهل عليهم، مع استخدام النصيحة للمخالف سرًّا، وعلنًا حسب ما يقتضية المقام، مع الصبر الطويل على المخالف خصوصًا إذا كان يدعي السُّنّة. قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي - سدده الله -: «وأنا أقول للإخوان: الذي يقصر ما نسقطه - نهلكه -، الذي يخطئ منَّا ما نهلكه - بارك الله فيكم -، نعالجه باللطف والحكمة، ونوجه له المحبة والمودة إلى آخره، حتى يئوب، وإن بقي فيه ضعف ما نستعجل عليه، وإلا والله ما يبقى أحد، ما يبقى أحد. الناس الآن يطاردون، يطاردون السلفيين حتى أتوا إلى العلماء وسموهم مُميِّعين، - بارك الله فيكم - ، الآن ما بقي في الساحة عالم تقريبًا إلا - طبعًا هي طريقة الإخوان - طريقة أهل بدع - طريقة أهل البدع من أسلحتهم أن يبدءوا بإسقاط العلماء، بل هي طريقة يهودية، هي طريقة يهودية ماسونية، إذا أردت إسقاط فكرة فأسقط علماءها أو شخصياتها - بارك الله فيكم - »( ). ومن الفتن الكبيرة الفتنة التي أطلَّت على الناس في هذا الزمان «فتنة الحدَّادية». تلك الفتنة التي أوقعت شباب المسلمين في أصول أهل الغلو والتعنت، والتجريح غير المنضبط بضوابط المنهج السلفي، والتي كان الحداد رأسًا لها، ومن سار على شاكلته. حيث ابتدأت الطعن في النووي وابن حجر والبيهقي والطحاوي، ثم التبديع لكل من لم يبدع هؤلاء على قاعدتهم «كل من لم يبدع المبتدع فهو مبتدع»، دون تفصيل، أو قيود. ثم الطعن في أئمة الدعوة السلفية كشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ورميه بموافقة المرجئة. ثم الطعن في علماء الدعوة السلفية المعاصرين؛ حيث بدءوا بالمُحدِّث الألباني، وتضافرت جهودهم في ذلك، ورميه بالإرجاء تارة، وبالتحزب تارة أخرى. ثم انتقل طعنهم إلى علماء المدينة النبوية ورميهم بالتحزب والتقليد للشيخ الألباني، ورميهم بالإرجاء وغيرها، من الطعونات الجائرة المبنية على الهوى والجهل. وغمزهم ولمزهم لعلماء كبار أيضًا كالشيخ ابن باز، والشيخ العثيمين، تارة تصريحًا وتارة من طرف خفي. ولا زالت حربهم قائمة مُستعِرَة ضد المنهج السلفي وعلمائه، يعلنون ذلك ويكتبونه في مواقعهم المنحرفة كموقع «الآفاق» و منتدى «الأثري»، ومنتدى وموقع «عماد فراج»( ) الحدادي... وغيرها. نسأل الله العافية والسلامة من الانحراف العقدي والمنهجي والسلوكي( ). ومن هنا يعلم براءة الدعوة السلفية من منهج الحدَّادية الغالي، ومنهج المُميِّعة الحلبية المُفرِّط. فأسأل الله العظيم أن يتقبل منَّا، ويجعل ذلك في ميزان حسناتنا، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلال بعد الهدى، ومن الغي بعد الرشد، وأن يجمع كلمة أهل السنة على الحق والهدى وأن يعيذنا وإيَّاهم من نزغات الشيطان. حمل من هنا أو من هنا
  14. يقول السائل ما رأي فضيلتكم بهذه المقولة : ''..وللأسف لا توجد دولة إسلامية إلا وعندها دستور يحمل في طياته الكفر..“ (*) الجواب: الحمد لله، لا شك أيها الإخوة؛ أن هذه الإطلاقات، والمجازفات، إنما تكون لمن لم تكن عنده بصيرة. فولله الحمد والمنة توجد مثلا دولة الممكلة العربية السعودية تُـحَكِّمُ الشَريعة. وقد بين العلماء الثِّقات كالشيخ ابن باز رحمه الله، والشيخ ابن عثيمين رحمه الله، هذه الحقيقة الناصعة، وهم يعلمون ما تَـحْكُم به تلك الدولة أعني المملكة العربية السعودية. ثمَّ إني أقُول: إنّ الإنسان إذا تكلّم بكلام ينبغي أن ينظر إلى فائدته؛ فالكلام لايكون حقا إلا إذا اجتمعت فيه ثلاثُ صفاتٍ: ١) أن يكون حقَّا في أصله ٢) وأن يكون حقّاً في قصد صاحبه ٣) وأن يكون حقّاً في أثره أن يكون حقا في أصله، فيكون صدقاً موافقاً للواقع، وليس كذبا ولا اختلاقا. وأن يكون حقّاً في قصد قائله، بأن يكون القائلُ يعلم من قلبه أنّه يريد الخير، ويريد الصّلاح. وأن يكون حقا في أثره، بأن يُـثْمِر مصلحةً وخيراً، ولا يثمر مفسدة. فإذا وجد الإنسان في كلامه أنه حق في قصده، حق في أصله، حق في أثره؛ فإنه يتكلم به، وإلا؛ فيسكت. لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ''مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله واليَوْمِ الآخِرِ؛ فَاليَقُل خَيْراً أَو لِيَصْمُت“. فهذه قضية يجب أن نعلمها، ونتنبه لها، لأن المسلمين لما غَفَلُوا عن هذه القضية أصبحنا نجد أن المسلمين يُكثرون اللّغو والكلَامَ فيما لا ينبغي أن يتكلموا به، فنجد أن بعض المسلمين مثلا يعيشون في دولة ويحتاجون إلى تقرير التوحيد، وتعليم الناس التوحيد، وتربية النشء على الاستقامة وعلى لزوم دين الله عز وجل، فلا نجدهم يتكلمون في هذه الأمور. ولكن يتكلمون في أمور لا تفيدهم، ولا تجلب لهم خيرا، وهذا من الغفلة عن الطريق الشرعي في تعامل المسلم مع الأمور، والله أعلم. بسم الله و جزى الله خيرا من قام بالتفريغ و رفع المقطع الصوتي ------------------------------ (*) كتاب المؤامرة الكبرى على المرأة (ص ٤١)