اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

أبو عمر عبد الباسط المشهداني

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    12
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : أبو عمر عبد الباسط المشهداني

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

آخر زوار الملف الشخصي

عدد زيارت الملف الشخصى : 738
  1. الإنصاف لما في كتابات عبد اللطيف الكردي من الكذب والانحراف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم واقتدى أثرهم إلى يوم الدين أما بعد: فإن نعمة الهداية إلى المنهج القويم والصراط المستقيم من أعظم نعم الله تعالى على عباده، فإن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب ليهتدي الناس إلى صراط الله المستقيم، وليقيموا دين الله تعالى كما أمر الله سبحانه وتعالى، ونهى الله تعالى عباده عن التفرق في الدين والانحراف عن الصراط المستقيم. قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} قال ابن كثير: وقرأ بعضهم: "فارقوا دينهم" أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإسلام، كما قال تعالى: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون }فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل، عليه السلام عن الفرقة الناجية منهم، فقال:ما أنا عليه [اليوم] وأصحابي[1]. والتفرق في الدين والاختلاف فيه إنما يكون بتركه والانحراف عنه؛ وذلك بإحداث البدع وعدم الالتزام بدين الله تعالى الذي أنزله وأمر باتباعه وعدم الخروج عنه. وما تفرق من تفرق عن دين الله تعالى إلا بإحداث أنواع من البدع سواء أكانت بدعا عقدية أم بدعا عملية؛ فإن السنة تجمع والبدعة تفرق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والبدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة ولجماعة كما يقال: أهل البدعة والفرقة"[2]. والمنحرفون في هذا العصر الذين فرقوا دين الله تعالى وافترقوا عنه كثر، اجتمعوا جميعهم على مخالفة الكتاب والسنة وعدم الالتزام بهدي سلف الأمة من الصحابة والتابعين. فمن المنحرفين من صرح بمخالفته للكتاب والسنة وعدم الالتزام بهما؛ كالجماعات الحزبية من الإخوان وغيرهم، ومن سار على منهجهم كالمأربي وعرعور والحلبي ومن سار على منهجهم. وهؤلاء جميعهم أظهروا مخالفاتهم لمنهج أهل السنة والجماعة وذلك باختراع أنواع من القواعد البدعية، وكان من آخر هؤلاء المنحرفين هو: علي بن حسن الحلبي، الذي قعد قواعد مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، ومن تلك القواعد عدم الالتزام بكلام العلماء المدلل بالأدلة إلا إذا كان الكلام مجمعا عليه؛ أو مقتنعا به. وبهذه القاعدة المنحرفة رد الحلبي كلام العلماء في الرد على أهل البدع؛ فراح يزكي الحزبيين كجمعية إحياء التراث الكويتية، والتكفيرين كالمغراوي، والمنحرفين كمحمد حسان وغيرهم. وقال بمقالات بدعية كالتبرير لمن طعن في الصحابة واتهمهم بالغثائية، وتكلم في الإمام البخاري واتهمه بالإرجاء، واتهامه لعلماء الأمة بالغلو والانحراف، وغير ذلك من أنواع البدع والانحراف. وممن تبع الحلبي في أصوله واقتدى أثره في قواعده هو: أبو عبد الحق عبد اللطيف الكردي، وذلك من خلال تصرفاته وتزكياته وتعامله مع المخالفين، وجمع قواعده الباطلة ومواقفه المنحرفة في كتابه: منهج علماء أهل السنة المعاصرين في تقرير العمل بمنهج السلف لمعالجة العوائق. وكتابه هذا جمع أنواعا من البدع والقواعد المنحرفة، فهو يريد إبطال منهج العلماء السلفيين المعاصرين في العمل بالمنهج السلفي في معالجة الانحراف والمنحرفين فهو: حَمَلَ انحراف المنحرفين على أنها زلات للعلماء وأراد أن يعاملها معاملة الخطأ والزلة وهذا تزوير واضح لقواعد السلف، فالسلف يفرقون بين الانحراف والضلال وبين الأخطاء والزلات، ويفرقون بين أهل البدع والضلال وبين المخطئين من أهل السنة والجماعة خاصة إذا كانوا علماء وأئمة. وعبد اللطيف الكردي انتهج منهج الحلبي في تزوير القواعد السلفية، وإلباس القواعد البدعية لباس السلفية، ومن تتبع انحرافات عبد اللطيف الكردي يجد تشابها كبيرا بينه وبين الحلبي فهو متأثر به سائر على منهجه. ومنهج العلماء السلفيين واحد لا يختلفون فيما بينهم في تقعيد القواعد السلفية والالتزام بها؛ فهم منتسبون لمنهج واحد وهو: المنهج السلفي. ومن خالف وانحرف من المنحرفين يريد إلصاق التهم بالعلماء السلفيين، وتبرئة نفسه ودعوته من البدعة والضلال. وهو يشير إشارات واضحة إلى اتهام جملة من كبار العلماء السلفيين بأنهم خالفوا منهج العلماء المعاصرين في تقرير العمل بمنهج السلف وقد صرح في مواطن أخرى بأنهم: الشيخ ربيع بن هادي المدخلي والشيخ عبيد الجابري وكلامه يشمل أيضا الشيخ أحمد النجمي والشيخ زيد المدخلي والشيخ مقبل الوادعي وغيرهم كثير. والطعن في هؤلاء الأئمة هو طعن في جميع العلماء المعاصرين كالشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد ناصر الدين الألباني والشيخ محمد بن صالح العثيمين والشيخ صالح الفوزان وغيرهم من العلماء السلفيين، وذلك لأن هؤلاء الأئمة قد زكوا أولئك العلماء تزكية واضحة بسلامة منهجهم وطريقتهم وأنهم من العلماء السلفيين الداعين إلى المنهج السلفي المجاهدين في سبيله. وهذا يدل على أن الطعن فيهم هو طعن في المنهج السلفي وطعن في علمائه الداعين إليه، وهذا ما يريده أعداء المنهج السلفي من الإخوان وغيرهم. وكلام عبد اللطيف الكردي يدل على ذلك دلالة واضحة؛ فهو يريد صرف الناس عن العلماء إلى الدعاة المنحرفين، وهذا ما يفعله بوضوح. وسأقف مع كتابه هذا عدة وقفات أبين من خلالها ضلاله وانحرافه، وجنايته على المنهج السلفي، وطعنه في العلماء السلفيين: الوقفة الأولى: ادّعى أبو عبد الحق الكردي أن هؤلاء العلماء لا يفرقون بين أخطاء وزلات العلماء وبين الرد على أهل البدع والضلال. وكلامه هذا مردود عليه من الوجوه الآتية: أولا: أن من قواعد السلف التفريق بين أهل البدع والضلال وبين أهل السنة والجماعة، فلا يمكن أن يخلط الأمر بأي وجه من الوجوه، فلا يمكن أن يقال للسلفي أنه مبتدع أو أنه ضال، ولا يمكن في الوقت نفسه أن يقال للمبتدع المنحرف بأنه سني سلفي. ومن خلط بين هذين الأمرين فرقتان هما: الخوارج والحدادية من جهة، والمميعة من جهة أخرى. مع أن الفرقتين يجتمعان في الطعن في علماء أهل السنة والنيل منهم. فأصول أهل السنة والجماعة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، قامت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف عليها، وكذلك فإن أصول أهل البدع واضحة وبينة للعيان، قامت الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع السلف على بيانها والتحذير منها. فأهل السنة والجماعة: هم المتمسكون بسُنٌة النَّبِيِّ- صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم- وأَصحابه ومَن تبعهم وسلكَ سبيلهم في الإعتقاد والقول والعمل، والذين استقاموا على الإتباع وجانبوا الابتداع، وهم باقون ظاهرون منصورون إِلى يوم القيامة فاتِّباعُهم هُدى، وخِلافهم ضَلال. وأهل البدع متفقون على مخالفة الكتاب والسنة ومفارقون لها، يقدمون عقولهم وآرائهم عليهما، ومخالفون لما كان عليه السلف الصالح من العقائد والأعمال، ويبتدعون في دين الله تعالى ما ليس منه. ثانيا: تطبيقات الأئمة قديما وحديثا موافقة لما عليه قواعد السلف من التفريق بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع والضلال؛ فالسني كرامته محفوظة ما دام على السنة مع بيان ما أخطأ فيه وعدم متابعته على ذلك، أما المبتدع فلا كرامة له عند أهل السنة والجماعة فيُحذَّر من أخطائه ويبين حاله للناس نصحا لدين الله تعالى وبيانا لعموم الناس للحذر من الاغترار به وبكلامه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأما الصديقون، والشهداء، والصالحون: فليسوا بمعصومين. وهذا في الذنوب المحققة. وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون. فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطئوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين: فتارة يغلون فيهم، ويقولون: إنهم معصومون. وتارة يجفون عنهم؛ ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان لا يعصمون. ولا يؤثمون. ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال"[3]. وقال ابن القيم: "والثاني معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم؛ فهذان طرفان جائران عن القصد وقصد السبيل بينهما فلا نؤثم ولا نعصم"[4]. وهذا منهج أهل السنة والجماعة فيمن أخطأ من علماء أهل السنة. أما أهل البدع والضلال فالأمر معهم مختلف فليس لهم كرامة تحفظ، ولا عرض يصان، لأنهم محاربون للكتاب والسنة، مخالفون لهما، مختلفون عنهما، يتركون المحكم ويعملون بالمتشابه، يصدون الناس عن سبيل الله تعالى. قال الإمام أحمد في وصف أهل البدع: "فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين"[5]. وما ذاك إلا لأنهم تركوا الشريعة واتبعوا أهوائهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم: أهل الأهواء ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتر بهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال مثل: المكاشفات وخرق العادات"[6]. وقال الإمام أحمد: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين"[7]. وقال أيضا: "وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء؛ إنما هو الإتباع وترك الهوى"[8]. ثالثا: وأريد أن أسأل عبد اللطيف الكردي الذي يدعي زورا وبهتانا أن العلماء يبدعون من خالف من علماء أهل السنة والجماعة المشهود لهم بالخير والعلم: من هؤلاء العلماء الذين بَدعوا أمثال هؤلاء، ومن هم العلماء الذين بُدعوا بسبب مخالفة أو مخالفتين، فليسمهم لنا إن كان صادقا. العلماء بَدعوا أناسا معروفين بالبدعة والمخالفة والانحراف؛ بعد بذل النصح لهم والصبر عليهم وإرسال مخالفاتهم لهم؛ فلما أصروا وعاندوا وعُلم من حالهم أنهم مخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة، متبعون لأهوائهم، حكم الأئمة عليهم بالبدعة وحذروا الأمة منهم ومن شرهم. وهؤلاء المبَدَعون معروفون بضلالهم وانحرافهم ومخالفتهم للحق أمثال: سيد قطب وحسن البنا والغزالي والمودودي وسلمان العودة وعبد الرحمن عبد الخالق وأبو الحسن المأربي وعدنان عرور وأبو إسحق الحويني ومحمد حسان وعلي الحلبي وغيرهم ممن خالف منهج أهل السنة والجماعة. فهل هؤلاء من علماء أهل السنة والجماعة، وهل هم وقعوا في مخالفة أو مخالفتين لم يتبين لهم الحق فيها، وهل هم بذلوا جهدهم لمعرفة الحق فيها؛ فلم يوفقوا إليه. أم أنهم عرفوا الحق وتبين لهم، ثم انحرفوا عنه وتركوه بسبب أهوائهم ومصالحهم الحزبية والدنيوية، فقدموا أهوائهم على معرفة الحق والثبات عليهم. وما أراك إلا أنك تأثرت بهم وبمنهجهم فقدمت المصالح والأهواء على الحق والثبات عليه، وإلا مثلك لا يخفى عليه مصائب القوم وطوامهم. الوقفة الثانية: أن أهل السنة والجماعة لهم ضوابط في التفريق بين زلات العلماء وأخطائهم وبين إبتداع المخالفين وانحرافهم، وهذه الضوابط بمثابة قواعد سلفية لا يخالفها السلفيون فضلا عن العلماء السلفيين، ومن خالف هذه الضوابط والقواعد وقع في البدعة بلا أدنى ريب أو شك، فإما أن يكون حزبيا مميعا، أو أن يكون حداديا خبيثا. والعلماء السلفيون اهتموا ببيان هذه القواعد وتطبيقها على القريب والبعيد، لا يحابون أحدا في هذه القواعد، والأمثلة من تطبيق العلماء كثيرة جدا. وسأذكر في هذه الوقفة بعض هذه الضوابط ليتبين للسلفيين مدى محاربة عبد اللطيف الكردي ومن تأثر بهم من الحزبيين للمنهج السلفي، وأن محاربتهم لا تقتصر على الطعن في العلماء بل هو: الطعن في المنهج السلفي وضرب القواعد السلفية التي ثبتت في قلوب السلفيين بفضل الله تعالى ثم بفضل جهاد العلماء ونصحهم. ومن هذه الضوابط: أولا: ظهور الحق ومعرفته: العلماء من أهل السنة الموصوفون بالمعرفة والعلم والمشهود لهم بالخير لا يتركون الحق ولا يقصرون في معرفته، بل يسعون جاهدين إلى معرفة الحق، ويبذلون الغالي والنفيس في التوصل إليه، ويدعون الله تعالى أن يوفقهم لذلك؛ فإذا ظهر إليهم وعرفوه لم يتركوه لأي سبب من الأسباب. أما المبتدع فقصده ابتداءا مخالفة الحق، فهو لا يسعى ابتداءا إلى معرفته، وإذا عرفه خالفه، لأنه لم يكن قاصدا اتباع الحق والتجرد إليه، ولذلك تراه يضع الأسباب والمعاذير التي تسوغ له مخالفة الحق والانحراف عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن الناس في هذا المقام على طرفين ووسط، أما الطرف الواحد فهم: الغلاة من النصارى الذين يدعون أن الحواريين كانوا معصومين فيما يقولونه ويروونه ويرونه، وكذلك يقولون بتصويب علماء النصارى فيما يقولونه من تأويل الإنجيل. والطرف الآخر يقول: بل كل من غلط وأخطأ في شيء من ذلك فإنه مستحق للوعيد، بل كافر. والثالث الوسط: أنهم لا يعصمون ولا يؤثمون، بل قد يكونون مخطئين خطأ مغفورا لهم إذا كانوا مجتهدين في معرفة الحق واتباعه بحسب وسعهم وطاقتهم، وعلى هذا تدل الأدلة الصحيحة، وكتب الله تدل على ذم الضال والجاحد ومقته مع أنه لا يعاقب إلا بعد إنذاره"[9]. ولهذا كان من أهم أسباب عدم التوفيق لمعرفة الحق أو الثبات عليه هو التقصير في معرفة الحق، فغالب من قصر في معرفة الحق لم يوفق إليه، بل ضل عنه. وقال أيضا: لكن ينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى لبني آدم: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}. قال ابن عباس: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه، أنْ لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية"[10]. ثانيا: إتباع الهوى: العلماء من أهل السنة والجماعة يخالفون الأهواء ولا يتبعونها، بل يحذرون من اتباع الهوى لأنه يضل عن سبيل الله تعالى ويصد عن معرفة الحق واتباعه. قال تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان هذه الآية: "فبين أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فمن اتبع ما تهواه نفسه أضل عن سبيل الله، فإنه لا يكون الله هو المقصود، ولا المقصود الحق الذي يوصل إلى الله، فلا قصد الحق، ولا ما يوصل إلى الحق، بل قصد ما يهواه من حيث هو يهواه، فتكون نفسه في الحقيقة هي مقصوده، فيكون كأنه يعبد نفسه، ومن يعبد نفسه فقد ضل عن سبيل الله قطعا، فإن الله ليس هو نفسه"[11]. وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. أما أهل البدع والمنحرفون فهم انحرفوا عن الحق بسبب اتباعهم لأهوائهم، وغالبهم عرفوا الحق واتبعوه دهرا من الزمن، ثم انحرفوا عنه بسبب الهوى وما ينتج عنه من أفكار ردية ومواقف مزرية، فصاروا يحاربون العلماء، ويصدون الناس عن سبيل الله تعالى، وغيروا مواقفهم من أهل البدع والضلال، وسوّغوا لانحرافهم مسوغات باطلة، تدل على اتباعهم لأهوائهم، وتأثرهم بأهل البدع والضلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء، فإنهم على ضلال، والضلال مستلزم لاتباع الهوى، كما أن الهدى لازم لاتباع سبيله، وهذا الهدى الثاني كما في قوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} ، قال طائفة من التابعين: لزم السنة والجماعة"[12] والضابط في التفريق هو: معرفة الحق واتباعه، وألا يصده عن الحق اتباع الهوى. قال شيخ الإسلام: "قد يحسب الإنسان أن اجتهاده أو تقليده مبيح له أن يفعل ويكون مصيبا في ذلك تارة ومخطئا أخرى، لكن متى تحرى الحق ولم يصده عنه اتباع الهوى؛ فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها"[13]. ثالثا: الاجتهاد السائغ: ومما يفرق العلماء عن غيرهم أنهم قد يخطئون ولا يصيبون الحق باجتهاد سائغ، على خلاف أهل البدع فهم يخالفون الحق بسبب الهوى، ولا يكون لهم اجتهاد سائغ في ذلك. قال شيخ الإسلام: "أن حكم الله واحد وأن من خالفه باجتهاد سائغ مخطئ معذور مأجور فعلى هذا يكون ذلك الفعل الذي فعله المتأول بعينه حراما لكن لا يترتب أثر التحريم عليه لعفو الله عنه فإنه لا يكلف نفسا إلا وسعها"[14]. أما المبتدع فليس له ما يبرر مخالفته من اجتهاد سائغ، بل يخالف الحق بسبب اتباعه للهوى كما تقدم. رابعا: أن العلماء لا يتعمدون مخالفة الحق، وإذا تبين لهم الحق اتبعوه ولم يصروا على قولهم وفعلهم. أما أهل البدع فهم يتعمدون المخالفة ويصرون عليها بعد تبين الحق لهم وقيام الحجة عليهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "و سبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله وإن لم يكن مطابقا لكن اعتقادا ليس بيقيني؛ كما يؤمر الحاكم بتصديق الشاهدين ذوي العدل وإن كانا في الباطن قد أخطأ أو كذبا؛ وكما يؤمر المفتي بتصديق المخبر العدل الضابط أو باتباع الظاهر فيعتقد ما دل عليه ذلك وإن لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقا؛ فالاعتقاد المطلوب هو الذي يغلب على الظن مما يؤمر به العباد وإن كان قد يكون غير مطابق وإن لم يكونوا مأمورين في الباطن باعتقاد غير مطابق قط. فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين مع قصده للحق واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة عذر بما لم يعلمه وهو الخطأ المرفوع عنا بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} ويجزمون بما يقولونه بالظن والهوى جزما لا يقبل النقيض مع عدم العلم بجزمه فيعتقدون ما لم يؤمروا باعتقاده لا باطنا ولا ظاهرا ويقصدون ما لم يؤمروا بقصده ويجتهدون اجتهادا لم يؤمروا به فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه فكانوا ظالمين شبيها بالمغضوب عليهم أو جاهلين شبيها بالضالين. فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه. وثم قسم آخر وهم غالب الناس وهو أن يكون له هوى وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة فتجتمع الشهوة والشبهة. ولهذا جاء في حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات". [في المغني عن حمل الأسفار للعراقي (ص1774 ) حَدِيث "إِن الله يحب الْبَصَر النَّاقِد عِنْد وُرُود الشُّبُهَات وَالْعقل الْكَامِل عِنْد هجوم الشَّهَوَات" أخرجه أَبُو نعيم فِي الْحِلْية من حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن وَفِيه حَفْص بن عمر الْعَدنِي ضعفه الْجُمْهُور.] فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيء، وهم في ذلك درجات بحسب ما يغلب وبحسب الحسنات الماحية. وأكثر المتأخرين من المنتسبين إلى فقه أو تصوف مبتلون بذلك"[15]. خامسا: أن العلماء من أهل السنة معروفون بنشر السنة والعلم والرد على أهل الأهواء والبدع، فإن وقعت منه زلة عُلم أنه لم يقصد ترك الحق واتباع الهوى، بل يعتذر له بعدم علمه أو توصله للحق أو غير ذلك من المعاذير الشرعية التي ذكرها العلماء. قال شيخ الإسلام: "نعم يفترقان من وجه آخر، وهو: أن هذا اجتهد فقال باجتهاد؛ وله من نشر العلم وإحياء السنة ما تنغمر فيه هذه المفسدة وقد فرق الله بينهما من هذا الوجه فأثاب المجتهد على اجتهاده وأثاب العالم على علمه ثوابا لم يشركه فيه ذلك الجاهل، فهما مشتركان في العفو مفترقان في الثواب، ووقوع العقوبة على غير المستحق ممتنع جليلا كان أو حقيرا فلا بد من إخراج هذا الممتنع من الحديث بطريق يشمل القسمين"[16]. أما أهل البدع فليست لهم هذه المنقبة، فهم مخالفون للسنة مختلفون فيها، محاربون لأهلها، ومن كان منهم قد نشر السنة في بعض أوقاته فإنه يهدم ما فعله من مخالفته للسنة ومحاربته لأهلها. الوقفة الثالثة: أن أبا عبد الحق الكردي أراد في تقعيداته البدعية أن يخلط الأمر على السلفيين، وأن يتوصل في ذلك إلى أن يزكي المبتدعة الذين حكم عليهم العلماء بالبدعة والانحراف، وأن يساوي بين انحرافهم وبين من أخطأ من أهل السنة والجماعة. وهذه قاعدة شيطانية يتوصل بها إلى ضرب القواعد السلفية في التعامل مع أهل البدع والضلال، من الذين خالفوا المنهج السلفي، وحاربوا أهله، ونشروا البدعة ونصروا أهلها. وهذا يدل على أن أبا عبد الحق الكردي تابع لأهل البدع كأمثال المأربي والحلبي وأمثالهما من المنحرفين. ومن تتبع كلام العلماء يجد أنهم يفرقون بين خطأ العالم وزلته، وبين ابتداع المبتدع وانحراف المنحرف، ولكل منهما موقف معين. فالعالم لا يتابَع على خطئه بل يبين الخطأ لعموم الناس ويحذر منه، مع حفظ كرامة العالم وصيانة عرضه. قال شيخ الإسلام: "أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل مأجور لا يجوز أن يتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين"[17]. قال الذهبي: "ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه. نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"[18]. أما المبتدع فلا كرامة له عند أهل السنة والجماعة، فتبين بدعته ويحذر منها ومنه. قال البغوي بعد ذكره لحديث كعب بن مالك: "وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم: خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلفوا عن الخروج معه، فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم براءتهم، وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم"[19]. وقال ابن أبي زمنين: "ولم يزل أهل السنة يعيبون أهل الأهواء المضلة، وينهون عن مجالستهم ويخوفون فتنتهم، ويخبرون بخلاقهم، ولا يرون ذلك غيبة لهم ولا طعنا عليهم"[20]. وقال ابن قدامة المقدسي: "ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع، كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية، والكلابية، ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها"[21]. وقال شيخ الإسلام: "والكلام الذي ذموه نوعان: أحدهما: أن يكون في نفسه باطلا وكذبا وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل كذب فإن أصدق الكلام كلام الله. والثاني: أن يكون فيه مفسدة مثلما يوجد في كلام كثير منهم: من النهي عن مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم. وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم؛ فإن الحق إذا كان ظاهرا قد عرفه المسلمون وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك، فإذا هجر وعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي، وكما كان المسلمون يفعلونه، أو قتل كما قتل المسلمون الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما، كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك داعيا وهو لا يقبل الحق: إما لهواه وإما لفساد إدراكه فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين"[22]. وقال أيضا: "رأى المسلمون أن يهجروا من: ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع الداعين إليها، والمظهرين للكبائر. فأما من كان مستترا بمعصية، أو مسرا لبدعة غير مكفرة؛ فان هذا لا يهجر، وإنما يهجر الداعي إلى البدعة إذ الهجر نوع من العقوبة وإنما يعاقب من أظهر المعصية قولا أو عملا. وأما من أظهر لنا خيرا فإنا نقبل علانيته ونكل سريرته إلى الله تعالى، فإن غايته أن يكون بمنزلة المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله لما جاؤوا إليه عام تبوك يحلفون ويعتذرون. ولهذا كان الإمام أحمد وأكثر من قبله وبعده من الأئمة كمالك وغيره لا يقبلون رواية الداعي إلى بدعة ولا يجالسونه بخلاف الساكت، وقد أخرج أصحاب الصحيح عن جماعات ممن رمي ببدعة من الساكتين ولم يخرجوا عن الدعاة إلى البدع"[23]. وقال أيضا: "والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات، كتارك الصلاة، والزكاة، والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة واجماع سلف الأمة التي ظهر انها بدع. وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة أن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم"[24]. والمقصود أن هجر أهل البدع وخصوصا الدعاة إلى بدعهم عليه إجماع السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وعليه الأدلة الكثيرة والمتكاثرة من الكتاب والسنة وعمل سلف الأمة من الصحابة والتابعين. ولم يخالف في ذلك إلا المبتدعة في كل زمان، بحيث يحاولون أن يشغبوا على الناس أمر دينهم، كما يفعل المأربيون والحلبيون ومن تبعهم أمثال عبد اللطيف الكردي. الوقفة الرابعة: أقوال الأئمة المعاصرين في التفريق بين المبتدع ومن أخطأ من أهل السنة. أئمة أهل السنة الذي طعن فيهم أبو عبد الحق الكردي وخالف منهجهم يفرقون بين المبتدع الذي خالف أصول أهل السنة والجماعة وبين المخطئ من أهل السنة، ويفرقون في التعامل بينهما، كما هو منهج أهل السنة والجماعة الذي خالفه أبو عبد الحق الكردي واتبع هواه ومن ضل عن المنهج القويم من المأربيين والحلبيين. قال الشيخ ربيع: "ومن ظنَّ أن عالما من أئمة الإسلام المعتبرين عند الأمة ولهم قَدمُ الصدق في الإسلام أو اعتقد فيهم أنهم يتعمدون مخالفة سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا قد أساء إلى الإسلام وإلى المسلمين، لا يجوز أن يظن بهم هذا، ولهذا ألف شيخ الإسلام رحمه الله في هذه القضية كتاباً سماه "رفع الملام عن أئمة الإسلام" وجاء فيه بأعذار للأئمة في الأحاديث التي خالفوها، فمما اعتذر لهم به أنه: إما أنها لم تبلغهم، أو أنها بلغتهم من طريق ضعيف، أو لم يُدرك دلالتها على الحكم الذي خالفه أو شيئا من هذا، وجاء بحوالي عشرة أعذار لهم، وهذا كله انطلاقا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، هذا في المجتهد المخلص الصادق، وأما المتبع لهواه فهذا إنما يتبع هواه. لهذا يجب أن نفرِّق بين أئمة السنة المشهود لهم بالسنة والإمامة في الدِّين وبين أهل الأهواء، أهل الأهواء يتعمدون مخالفة الكتاب والسنة! والأئمة الأعلام الراسخون في العلم المجتهدون بحق، هؤلاء لا يخالفون ولا يتعمدون مخالفة نصوص الكتاب والسنة"[25]رحمهم الله تعالى قال الشيخ عبيد: "ثم هذ ا المخـالف لا يخلو عن واحد من رجلين: إما أن يكون صاحب سنة عرف الناس منه الاسـتقـامة عليها، والذَّبَّ عـنها وعن أهلـها، كما عرفوا منه النصح للأمة، فهذا لا يـتابع على زلته، وتحفظ كرامـته، وإن كنا رددنا مخالفـته فإنَّا نتأدب معه، ونحفظ كرامته، ولا نشنع عليه كما نشنع على المبتدعة الضـُّلال؛ وذلك رعايـةً لما مـنَّ الله به عليه من السـابقة في الفضل، والجلالة في القدر، والإمامة في الدين، فنحن نرعـى هذا كله، وإذا نظـرت في كثير من الأئمة الذين هم على السنة، يشهد لهم الناس في محياهم، وكذلك نرجوا أن يكونوا بعد مماتهم - إن شاء الله تعالى - حدثت منهم أخطاء، زلت بهم القدم، فردَّ عليـهم المعاصـرون لهم واللاحقون لهـم مع حفظ كرامتهم، وصيانه أعراضهم، وعدم التطاول عليهم بنابيات العبارات. * وإما أن يكون هذا المخالف الذي خالف في أمر لا يسوغ فيه الاجتهاد- ولكنه خالف- قد يكون هذا خالف عناداً، واستكباراً، وترفعاً عن الحق، وانسياقاً وراء الـهوى، فهذا لا كرامة له عند أهل السنة؛ يردون عليه قوله، ويشنعون عليه، ويصفونه البدعة والضلال، ويحذرون منه، ويغلظون فيه القول"[26]. الوقفة الخامسة: اتهم الكردي العلماء الربانيين بأنهم تكلموا فيه من غير دليل ولا حجة واضحة. والظاهر أن عبد اللطيف نسي ما وقع فيه من الطامات والمخالفات، أم أنه صار يرى الحق باطلا، والباطل حقا، أم أن البدعة ومخالطته للمبتدعة والمنحرفين قلبت عنده الحقائق، ولهذا صار يتخبط في ظلمات البدعة والانحراف. وسأذكره ببعض مخالفاته التي وقع فيها، وكل مخالفة من مخالفاته عليها عشرات الأدلة الواضحة البينة التي لا ينكرها إلا معاند أو مكابر: موقفه من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب موقفه من شرك الصوفية موقفه من بعض الأشاعرة موقفه من الإخوان المسلمين موقفه من الحلبية موقفه من حماس طعنه الصريح في مشايخ أهل السنة طعنه في السلفيين ووصف بعضهم بالمنافقين وتزكياته للمنحرفين تقعيداته للقواعد المنحرفة رده لقواعد أهل السنة وغير ذلك من المخالفات الكثيرة، إضافة إلى مواقفه المنحرفة والتي شهد عليه أغلب السلفيين. ومع ذلك كله فقد صبر عليه العلماء صبرا عظيما مع المناصحة المتكررة، حتى ظهرت بدعته وشاع انحرافه، تكلم فيه العلماء وحذروا منه ومن دعوته. الوقفة السادسة: طعن عبد اللطيف الكردي في علماء أهل السنة والمشايخ السلفيين: أساء عبد اللطيف الكردي الأدب مع المشايخ السلفيين عموما ومع الشيخ ربيع على وجه الخصوص، ومن تلك الطعونات: أولا: قوله: أن الشيخ ربيعا لا يتكلم بالدليل، وأنه يحكم على المخالفين على حسب الظن، والقيل والقال. وهذا القول باطل ظاهر البطلان، فكل من عرف الشيخ ربيعا وجالسه عرف منهجه في التعامل مع المخالفين، فلا يحكم الشح ربيع على أي مخالف إلا بعد جمع الأدلة الكثيرة المتكاثرة من صريح كلامه، أو ما يسطره في كتابه، ومع ذلك لا يتكلم فيه إلا بعد مناصحته وبيان أخطائه وصبره عليه عسى أن يتوب ويرجع إلى الله تعالى، أما إذا أصر وعاند واتبع هواه فيتكلم عليه بما يستحقه من ألفاظ الجرح. وهذه كتب الشيخ ربيع ومقالاته موجودة فليأتنا عبد اللطيف الكردي بمن جرحه الشيخ ربيعا من غير دليل ولا حجة واضحة. ثانيا: قوله الباطل: بأن الشيخ ربيعا فرق السلفيين، وأن كلامه سبب الفتنة. وهذا الكلام لا يخرج من رجل يتقي الله تعالى ويخشاه، بل لا يخرج من رجل عنده مسكة من عقل أو دين. لأن هذه التهمة باطلة أشد البطلان، لأن الدعوة السلفية دعوة تجمع ولا تفرق، تجمع الناس على التوحيد والسنة، ولا يتفرق عنها إلا مخالف لها أو منحرف عنها. الذي يفرق هم المخالفون للمنهج السلفي، الطاعنون في العلماء السلفيين، والرادون للقواعد السلفية. وعلى هذا فالدعوة السلفية تجمع أهلها، وتفرق من خالفها، والدعوة السلفية تفرق بين الحق والباطل، وبين التوحيد والشرك، وبين السنة والبدعة. قال الشيخ الفوزان حفظه الله: "لفظة سلفي تفرق بين الناس , بين السلفيين والمبتدعة وأهل الضلال , الحمد لله هذه ميزة أن الإنسان يكون على مذهب السلف { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء } إتباع السلف على التوحيد وعلى العقيدة هذا شرف ومدح فنحن نفتخر ونسأل الله أن يجعلنا على مذهب السلف وأن يثبتنا عليه ,نعم ولو فارقنا ..مانجمع الناس حنا ما نجمع الناس نحن ندعوهم إلى مذهب السلف والعقيدة الصحيحة فإن استجابوا فالحمد لله وإن أرادوا المفارقة فهم وما أختارو لأنفسهم , نعم". ثالثا: عبد اللطيف الكردي اعتاد الكذب على المشايخ، فقديما كذب على جمع من المشايخ، واليوم يعود ويكذب على السلفيين، وأنهم مقلدون للشيخ ربيع، وأن الشيخ ربيعا رباهم على التعصب له وتقليده. وكذبتك هذه ظاهرة البطلان، فقد انتشر كذبك بين السلفيين، وعرفك القاصي والداني. والشيخ ربيع يعرفه جميع من جالسه وأنه يدعوا إلى الاتباع وينهى عن التقليد والتعصب الأعمى، وأن الشيخ ربيعا يعلم كل من جالسه أن لا يأخذ قولا إلا بالدليل الواضح. ومما يدل على كذبك على الشيخ ربيع ما كتبه الشيخ ربيع: فقد كتب الشيخ ربيع مقالا بعنوان: مفاسد التعصب، قال حفظه الله تعالى في ختام المقال: "فالذي يلزمنا معشر الإخوة أن نفتش أنفسنا فمن وجد في نفسه شيئا من هذا المرض فعليه أن يتدارك نفسه ويقبل على العلاج الناجع ويبحث دائما على الحق لينجو بنفسه من وهدة التعصب الأعمى الذي قد يؤدي إلى الشرك بالله تبارك وتعالى أو يؤدي إلى الضلال الخطير. هذه لمحات موجزة عن التعصب وما أدى ويؤدي إليه من نتائج وخيمة كفى الله الأمة الإسلامية شرها ووفقها للعودة إلى كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم ومنهج سلفها الصالح ، وأخذ بناصيتها إلى كل خير ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين". وقال الشيخ ربيع: "إن الله لا يرضى للأمة أن تلغي عقولها وتسلم زمامها لأحد من خلق الله غير رسله. فالله يأمرهم بالاعتصام بالكتاب والسنة وبالاحتكام إلى الله ورسوله، ويذم أشد الذم من لا يستخدم عقله في فهم الكتاب والسنة ويركن إلى التقليد الأعمى، ولا يرضى إلا أن تسلم الأمة كلها زمامها لرسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، {فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في انفسخم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}". رابعا: أن الأئمة لايرضون أن تسلم لهم الأمة زمامها، فلقد حاربوا التقليد وتسليم الأزمة لهم أشد المحاربة، وأقوالهم كثيرة ومدونة يستفيد منها العقلاء المنصفون، ويدير لها ظهورهم غلاة المتعصبين المقلدين. خامسا: أن الله قد أكمل بناء صرح هذا الدين قال تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فدور العلماء هو الفهم والتطبيق وتفهيم الناس ودعوتهم إلى الفهم والتطبيق، وأما البناء فقد انجزه الله على غاية من الكمال والتمام". وقال حفظه الله: "ﻻنقول أغمضوا أعينكم وأركضوا وراءنا بل نقول: أدرسوا بفهم وعقل ووعي وقارنوا بصدق وإخلاص". وهذا الكلام من العلامة الرباني يرد على عبد اللطيف الكردي ويبين تعديه على المنهج السلفي وأهله. رابعا: كذب عبد اللطيف الكردي أن منهج الشيخ ربيعا مخالف لمنهج العلماء الكبار. وهذا الكذب الواضح الفاضح يرده ثناء العلماء الكبار على الشيخ ربيع وعلى منهجه؛ فقد أثنى على الشيخ ربيع كبار علمائنا كالشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين والشيخ الفوزان وغيرهم من العلماء والمشايخ. قال الشيخ ابن باز: "الذي أنصح به أن الشيخ ربيع من خيرة أهل السنة والجماعة ومعروفة كتاباته ومقالاته". وقال الشيخ الألباني: "هؤلاء الذين ينتقدون الشيخ إما جاهل فيعلم، وإما صاحب هوى فيستغاد بالله من شره، وكتابات الشيخ مفيدة ولا أذكر أني رأيت له خطأ، وخروجاً عن المنهج الذي نحن نلتقي معه ويلتقي معنا فيه". وقال الشيخ ابن عثيمين: "سلفية الشيخ ربيع امتداد للسلف الصالح وليست حزب، وما أكثر الذين يندمون على ما قالوا في العلماء إذا تبين لهم أنهم على صواب". وقال الشيخ الفوزان: "من العلماء البارزين الذين لهم قدم في الدعوة، فيجب أن تروج أشرطته ودروسه لينتفع بها". وهذه الأقوال من هؤلاء الجبال تبين كذب عبد اللطيف الكردي وتعديه على الشيخ ربيع وعلى جميع علماء أهل السنة. ولقد بنى عبد اللطيف الكردي دعوته وكتاباته على الكذب والانحراف، مع ما علمه لأتباعه من التعصب له ولأقواله ومواقفه، وكل من جالسه ودرس عنده عرف حقيقته وحقيقة دعوته المنحرفة. وختاما فقد ظهر للجميع أن عبد اللطيف الكردي قد فارق المنهج السلفي متبعا للمنحرفين من الحزبيين وغيرهم، وأن كلام العلماء فيه مطابق للواقع الذي هو فيه. وأنه أساء الأدب مع العلماء الربانين؛ بل أساء الأدب مع المنهج السلفي، وأنه يحاول يخاطب السلفيين بكذبه وتعديه. لكن أقولها له أن السلفيين في جميع البلدان عرفوا انحرافك وكذبك والحمد لله، وما ذاك إلا بفضل الله تعالى ثم بفضل جهود علمائنا الكبار. وأن السلفيين في كل مكان يعرفون قدر العلماء الربانيين ويقدرونهم حق قدرهم، وأنهم ملتفون حولهم يتعلمون منهم السنة والاتباع، والحمد لله رب العالمين أسأل الله تعالى أن يحفظ علمائنا، وأن يثبتنا على السنة حتى الممات، وأن يجمع قلوب أهل السنة على الحق، وأن ينصر الحق وأهله على الباطل وأهله، إنه نعم المولى ونعم النصير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين كتبه أبو عمر عبد الباسط المشهداني [1]تفسير القرآن العظيم 6/ 316-317 [2]الاستقامة 1 /42. [3]المجموع 3 /453-454. [4]إعلام الموقعين 3 /283. [5] الرد على الزنادقة 6. [6] الاستقامة 1 /254. [7] أصول السنة 14-15. [8] المصدر نفسه 16-17. [9]الجواب الصحيح 2 /304-305. [10]الفتاوى الكبرى 1 /143. [11] جامع المسائل 6 /143. [12]جامع المسائل 6 /146. [13] رفع الملام 70. [14] رفع الملام 56. ووصف هذا القول بأنه قول عامة السلف والفقهاء. [15] القواعد النورانية 129-130. [16]رفع الملام 62. [17] الفتاوى الكبرى 6/93. [18] سير أعلام النبلاء 9/325. [19] شرح السنة 1/226-227. [20] أصول السنة 293. [21] لمعة الاعتقاد 32. [22] درء تعارض العقل والنقل 3 /374. [23]المجموع 24 /175. [24] المجموع 28 /205. [25] شرح عقيدة السلف 2/ 108-109. [26] الحد الفاصل بين معاملة أهل السنة وأهل الباطل.
  2. بارك الله في الأخوين الفاضلين أبي معاوية مجدي الصبحي وأبي أسامة عبد السلام وجزاهما خيرا أسأل الله العظيم أن يثبتني وإياكم على السنة حتى الممات وأن يحفظ علماء أهل السنة وأن يرد كيد أهل البدع إنه ولي ذلك والقادر عليه
  3. الشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله- يدمغ الحدادية ويبين فساد منهجهم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين: وبعد: فلا زال الحداديون يكذبون على أهل العلم ويسلكون مسالك أهل الضلال في التعامل مع كلام أهل العلم، ولم يتعظوا من نصائح العلماء الربانيين، ولم ينتفعوا من بيان العلماء بفساد منهجهم وبُعدهم عن منهج أهل السنة والجماعة. بل راح الحداديون يتهمون العلماء ويحذرون منهم، فتشابهوا مع الخوارج تشابها عظيما، ومن أعظم تشابههم مع الخوارج هو: ردهم لنصوص الكتاب والسنة، وطعنهم في علماء الملة. ولقد سلك الحداديون مسلكا خبيثا في تعاملهم مع كلام العلماء ألا وهو: مسلك بتر النصوص، وعدم جمع كلام القائل ليظهر مقصده ويتضح كلامه، بل إن الحدادية ليس لهم همٌّ سوى أنهم يضربون كلام العلماء بعضهم ببعض. فالحدادية لا يحترمون كلام العلماء ولا يقدرون علمهم ولا مكانتهم، بل إن الطعن في أهل العلم والتحذير منهم هو من صلب منهجهم الباطل؛ فلقد طعنوا في أئمة كبار وقللوا من شأنهم وحذروا منهم، ولم يهتموا لتزكيات أكابر العلماء لهم ولا لجهودهم في الدعوة إلى الله تعالى، ولا إلى جهادهم في سبيل نصرة منهج أهل السنة والجماعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. ومن ذلك ما نشره منتدى الحدادية المسمى بــ( منتديات الآفاق السلفية)، فقد نشروا صوتية للشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله تعالى- يريدون من خلالها ضرب كلام الشيخ محمد بن هادي المدخلي بكلام الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، سالكين في ذلك مسلك أهل البدع في ضرب كلام العلماء بعضهم ببعض، وسأقف معهم عدة وقفات: الوقفة الأولى: أن الشيخ محمد بن هادي المدخلي –حفظه الله- من علماء أهل السنة والجماعة في هذا العصر، ومن المعروفين بقوة دفاعه عن منهج أهل السنة والجماعة ورده على أهل البدع والضلال، وتزكيات العلماء له مشهودة ومعروفة. والشيخ معروف بسلامة منهجه السلفي، ودعوته وعلمه أكبر شاهد على ذلك، فلا يعرف عن الشيخ إلا بيان السنة والدعوة إليها ونصرة أهلها، وبيان البدع والتحذير منها ومن أهلها، والشيخ لا يخاف في ذلك لومة لائم، أسأل الله أن يحفظه وأن يمد في عمره. الوقفة الثانية: أن الشيخ محمد بن هادي المدخلي –حفظه الله- يحترم علماء أهل السنة ويحترم قدرهم، ولا يطعن في عقيدتهم بعكس هؤلاء الحدادية الأصاغر. قال الشيخ محمد بن هادي في العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله-:((فالشيخ من أعلام السنة في هذا العصر, وعلم يعرفه العالم كله ولله الحمد. علم في السنة وعلم إن شاء الله في العبادة, وعلم في فقه السنة, علم في الاتباع علم في الدعوة, علم في الحرص على الدعوة السلفية, علم في الصبر على ما يلحقه في سبيل ذلك, علم في متابعته لأحوال السلفيين في العالم كله, ما ورد علينا سؤال عن شخص وجهلناه وسألناه عنه إلا وجدنا عنده منه علما؛ فهو والله ذهبي العصر في معرفته بالرجال في هذا الزمان. فهذا الرجل لما كثر إنكاره على المخالفين, كثر طعن المخالفين فيه؛ فلا يضيره ذلك إن شاء الله تعالى . وهو شيخ معروف عمره فوق الثمانين من زهرة شبابه وهو في العلم, بل من صغره وهو في العلم؛ فهو ووالدي في سن واحدة, أعرف منه تمام المعرفة . ويعرفه ولله الحمد العلماء الأعلام وقد أثنوا عليه وشهدوا له, وإذا كان الأمر كذلك فهذا لا يضيره من قال فيه مثل هذه المقالة . ويقال لهذا وأمثاله : يا ناطح الجبل العالي ليكلمه ** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل كناطح صخرة يوما ليوهنها ** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل)). المصدر:http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=113109 وقال الشيخ محمد بن هادي المدخلي في العلامة الألباني -رحمه الله-: ((والألباني من الصخور التي تكسرت عليها معاول أهل البدع، ممن ناوش أهل الأهواء والبدع، أنا أقول: الألباني لا نوافقه في كذا ولا نوافقه في كذا ولا نوافقه في كذا، لكن هل هو من المرجئة ( كلمة غير واضحة ) لو تعدد أئمة الإسلام ستجد لفلان غلط ولفلان غلط ولفلان غلط، لكن هذه الأغلاط ما تخرجهم عن السنة، حياته كلها في نصرة السنة وفي تدوين السنة وتنقية السنة وإقرار السنة والدعوة إلى السنة ومحاربة البدع، إذا قلت هذا القول كأنما جئت بأعظم العظائم عندهم صرت ألبانيا مرجئا، أنا قلت له اعتقد أن تارك الصلاة الذي أدين الله أنا به أنه كافر، لكن الذي لا يقول أنه كافر ما أقول أنه مرجيء ...)). المصدر: http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=97679 فأين الحدادية من كلام الشيخ محمد -حفظه الله- في دفاعه عن أئمة السنة في هذا الزمن؟ وأين الحدادية من كلام الشيخ في ذمه لمن يطعن بعلماء السنة؟ لكن الحدادية لا يقيمون لأحد اعتبارا، بل هم لا يعتدون إلا بأنفسهم كحال أهل الأهواء والبدع. الوقفة الثالثة: أن هذه الصوتية لو تدبرها الحداديون لعرفوا حقيقة منهجهم وفساد عقيدتهم ولبيان ذالك أقول: أولا: أوصى الشيخ محمد بن هادي –حفظه الله- السائل بلزوم العلماء الكبار المعوَّل عليهم أمثال: الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد صالح العثيمين والشيخ صالح الفوزان واللجنة الدائمة، وترك كلام غير العلماء مما يكتب في الإنترنت وغيره. وأنا أقول للحدادية يا لها من وصية عظيمة. إنها والله وصية حريص ومشفق. لزوم كلام العلماء في جميع مسائل الدين، وعدم ترك كلامهم، وعدم النظر في كلام غير العلماء. فهل الحدادية متمسكون بكلام العلماء؟. وهل الحدادية صادقون في ذلك؟. فالعلماء قد زكوا الشيخين الألباني والربيع ووزكوا منهجهما وعقيدتهما وأثنوا على جهودهما وقدروا علمهما وفضلهما. لكن الحدادية ضربوا كلام العلماء عرض الحائط، وطعنوا في الشيخين وفي منهجهما، بل ولم يتأدبوا معهما، فدلَّ ذلك على مخالفة الحدادية لمنهج العلماء، بل هم مخالفون لمنهج أهل السنة والجماعة، محاربون له، ومحاربون لأهله، مناصرون لأهل البدع. ثانيا: أن الشيخ محمد بن هادي –حفظه الله- حصر مفهوم الإرجاء فيمن أخرج العمل عن مسمى الإيمان فقد قال في مقطع صوتي منشور بعنوان[تبديع السلف لمرجئة الفقهاء]: ((ولا شك أنه مرجيء من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان فهو مرجيء)). المصدر: http://cutt.us/mKPI فهذا يدل على أن الشيخ يرى أن مفهوم الإرجاء هو إخراج العمل عن مسمى الإيمان، فلا يسمي الصلاة ولا الصيام ولا الحج إيمانا، ولا يسمي أعمال البر إيمانا، فهذا لا يشك أحد بأنه مرجيء. وقال في نفس الصوتيه التي نشرها الحداديون: (( فمن أراد إخراج الأعمال من مسمى الإيمان فقد قال بالإرجاء ...)). وقال الشيخ –حفظه الله- في في (شرحه الإبانه الصغرى الدرس 17): ((فالمرجئة ليسوا من أهل السنَّة، ابن المبارك لمَّا قالوا له: أنت مرجئ، قال: أنا المرجئة لا تقبلني، أنا أقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، هم يقولون: الإيمان قول واعتقاد ما في عمل وما يقولون بالزيادة والنقصان، هم أصلًا ما يقبلونني أنا، لو جيت أنا أقول: أنا منكم ما يقبلونني، فكيف أنت تريد أن تجعلهم على مذهب ابن طبارة الذي هو مذهب أهل السنَّة)). المصدر: http://www.sahab.net/forums/?showtopic=131082 وقال أيضا -حفظه الله- في (شرحه الإبانه الصغرى الدرس 12): ((الحمدُ لله؛ هذا هُو بين يديّ؛ هذه الفتاوى لشيخ الإسلام والله نسيت عنها! والذي نفسي بيده، ما دام وُجدت نقرأ؛ هذا في الجُزء العاشر في صفحة (748) يقول:(وحينئذٍ قوله –صلّى الله عليه وسلّم-:(إنّ الله تجاوز لأمّتي...) الحديث. حقُّ، والمُؤاخذات بالإرادات المُستلزمة لأعمال الجوارح حقٌّ ولكنّ طائفةً من النّاس قالوا: إنّ الإرادة الجازمة قد تخلُو عن فعلٍ أو قولٍ)؛ وتكلّم إلى أن وصل إلى قوله في هذه المسألة في نقاشها قال:(وهذا أصلٌ فاسدٌ في الشّرع والعقل، حتّى إنّ الأئمّة كوكيع بن الجرّاح وأحمد بن حنبل وأبي عُبيدة وغيرهم كفّرُوا من قال في الإيمان بهذا القول، بخلاف المُرجئة من الفُقهاء الذي يقولون: هُو تصديق القلب واللِّسان). ما هُو هذا تعريف المُرجِئة الفُقهاء؟! اعتقادٌ بالقَلْبِ وقولٌ باللِّسان. قال:(بخلاف المُرجئة من الفُقهاء الذين يقولون: هُو تصديقُ القلب واللِّسان فإنّ هؤلاء لَم يُكفِّرهُم أحدٌ من الأئمّة وإنّما بدّعُوهم) بدّعُوا من؟! مُرجئة الفُقهاء ولاّ لا؟! إبراهيم الرّحيلي يقول: لم يُبدِّعهم السّلف؛ وهذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في المُجلّد العاشر (748)، ثُمّ قال:"وقد بُسِط الكلام في الإيمان وما يتعلّق بذلك في غير هذا الموضع" أنا رجعتُ للإيمان شرح حديث جبريل فصوّرتُ منه ووالله ما كُنت أظنّ أنّني سأقرؤه! وإذا به في الكتاب قال:(وأنكر حمّاد بن أبي سُليمان ومن اتّبعه تفاضُل الإيمان، ودُخول الأعمال فيه، والاستثناء فيه) كم؟! ثلاثُ مسائل: أوّل شيء: تفاضل الإيمان، إيمان هذا ليس كإيمان هذا، إيمان هذا ليس كإيمان هذا. ثانيًا: دُخول الأعمال فيه. ثالثًا: الاستثناء فيه.)). المصدر: http://www.sahab.net/forums/?showtopic=133908 وهذا يرد على الحدادية الذين يسمون أهل السنة مرجئة ويصفونهم بأخبث الأوصاف. ثالثا: أن الشيخ يرى أن أخف الناس إرجاء هو مرجئة الفقهاء الذين يقولون: بأن الأعمال ليست من الإيمان، مع أنهم يرون العقاب والثواب عليها فقال كما في في مقطع صوتي منشور بعنوان[تبديع السلف لمرجئة الفقهاء]: (( وأخف الناس إرجاء أهل الفقه، مرجئة الفقهاء: أبو حنيفة وشيخه حماد بن سليمان، وقد اشتد نكير السلف عليهم غاية الاشتداد؛ فقد أنكروا عليهم ونصحوهم وحذروهم؛ فلما زاد أمرهم واشتهر وأصروا على ذلك بدعوهم وردوا عليهم .....)). المصدر: http://cutt.us/mKPI وهذا الكلام من الشيخ العلامة محمد بن هادي المدخلي يقصم ظهور الحدادية الذين يبدعون السلفيين ويتهمونهم بالإرجاء، فقد صرح الشيخ بأن: أخف الناس إرجاء هم: مرجئة الفقهاء، وهم مع ذلك اخرجوا العمل من مسمى الإيمان. وعلى كلام الشيخ هذا فلا يمكن وصف أحد يسمي العمل إيمانا بأنه وقع في الإرجاء، إلا على طريقة الخوارج ومن تبعهم من الحدادية. رابعا: أن الشيخ يرى أن من يرى عدم كفر تارك الصلاة تكاسلا لا يمكن أن يوصف بالإرجاء. قال الشيخ في مقطع صوتي منشور عنوانه( جنس العمل الدقيقة 34 وما بعدها): (( كنت في جمعة في المسجد الجمعة الماضية في مجلس وإذا بشخص أعرفه وهو فاضل لكن انطلت عليه هذه القضية وسياتيكم بعد الجمعة جلسنا معه وإذا به يقول يعني بعض الشباب الأن فتنوا بفتنة التكفير وبعضهم فتنوا بفتنة الإرجاء، فمثلا منهم من لا يرى تكفير تارك الصلاة على مذهب الألباني على طول هكذا، خلاص تركته حتى أكمل، قلت له تسمحلي: قال: تفضل، استدرك على نفسه قال: الشافعي، قلت له تسمحلي، قال: تفضل. فقلت: يكفر بالإجماع من لها جحد ... ولم يخالف فيه قطعا من أحد لأنه قد ماثل الشيطانا ... وكذَّب الرسول والقرآنا وهو كغيره من الكفار ... وحكمهم يعطى بلا تمار ومن أقر بالوجوب وأبى ... فقتله على الأصح وجبا للكفر أو حداً على خلاف ... قد جاء عن أئمة الأسلاف وأعدت العبارة هذه واتكئت عليها كما يقوله أخوننا المصريين عليها وقتله بترك فرض قد وجب ... تعمدا وقبله فليستتب وقال قوم إنه لا يكفر ... كلا ولا يقتل بل يعزر وحبسه حتى يصلي قد رأوا ... والحق قل مع من بقتله قضوا سكت قليلا وقال: قول من هذا، ثم أدركه سريعا وقال: هذا قول الشيخ حافظ الحكمي، قلتله: نعم، فقلت له: ووالله حفظنا هذا قبل أن نعرف هذه الأشياء، وقبل أن ندخل حتى التعليم الجامعي؛ فالآن أقول لك: عن أئمة الأسلاف، فلم وجعلتم الألباني هو الذي انفرد بهذا القول.........)). المصدر: http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=97679 فالشيخ يرى أن الخلاف في حكم تارك الصلاة تكاسلا هو خلاف بين أئمة السلف، وأن أغلب الأئمة على عدم تكفيره بل هو عليه مذهب الحنابلة فقال: ((فقلت له: الشافعي الذي ذكر وهو موجود في الأم، ومالك وأبو حنيفة ورواية عن الإمام أحمد وهي المذهب أيضا عندنا نحن الحنابلة، ليش صار الألباني هو اللي انفرد بهذا، وصار اللي ما يكفرون مرجئة تبعا له ....)). وكلام الشيخ هذا يرد على هؤلاء الحدادية الذين يتهمون أهل السنة بالإرجاء لأنهم لا يكفرون تارك الصلاة تكاسلا. ويرد على الجهني والغامدي ومن تبعهم الذين يدعون أن تارك الصلاة تكاسلا يكفر إجماعا منكرين أقوال أئمة السلف كالشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. ويرد على الجهني الجاهل الذي يدعي أن قول مالك أنه يكفر تارك الصلاة تكاسلا وأدعى ذلك لجهله وبعده عن التحقيق العلمي. فأين أنتم أيها الحدادية من كلام الشيخ محمد بن هادي المدخلي؟! هل أنتم صادقون في اتباعه واعتبار كلامه؟! أم أنتم كاذبون في ذلك ؟! وهذا هو الحق لأنكم ضربتم بأقوال السلف عرض الحائط، واتبعتم أهوائكم وآرائكم الفاسدة. الوقفة الرابعة: قضية جنس العمل من البدع التي أحدثها الخوارج المعاصرين وقصدهم في ذلك تفتيت لأهل السنة وضرب علمائها. قال الشيخ: (( فالقضية هذه ليست قضية جنس عمل القضية تفتييت لأهل السنة وضرب لأهل السنة )). المصدر: http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=97679 وهذا هو حال الحدادية الآن، فليس لهم همٌّ إلا تفريق أهل السنة وضرب أهل السنة، يكفرون بلا ضوابط، ويبدعون أهل السنة، ويصفونهم بأخبث الأوصاف، ولا يحترمون العلماء ولا يجلونهم ولا يقدرونهم حق قدرهم، بل يتعدون عليهم ويتهمونهم ويطعنون فيهم كما طعنوا في الشيخين الفاضلين وهما: الشيخ الألباني –رحمه الله تعالى- والشيخ ربيع –حفظه الله تعالى- وغيرهما ممن خالفهم. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين كتبه أبو عمر عبد الباسط المشهداني
  4. الحدادية مخالفون لحكمة الله تعالى في عباده: قال ابن القيم في ( حادي الأرواح 259-260): وليس لله سبحانه غرض في تعذيب عباده بغير موجب؛ كما قال تعالى ((مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا))}سورة النساء/آية 147{، واستمر الأشقياء مع تغيير الفطرة و نقلها مما خلقت عليه إلى ضده حتى استحكم الفساد و تم التغيير؛ فاحتاجوا في ازالة ذلك إلى تغيير آخر و تطهير ينقلهم إلى الصحة حيث لم تنقلهم آيات الله المتلوة و المخلوقة و أقداره المحبوبة و المكروهة في هذه الدار؛ فأتاح لهم آيات آخر وأقضية و عقوبات فوق التي كانت في الدنيا تستخرج ذلك الخبث و النجاسة التي لا تزول بغير النار؛ فإذا زال موجب العذاب و سببه زال العذاب و بقي مقتضى الرحمة لا معارض له، فان قيل هذا حق و لكن سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان السبب عارضا كمعاصي الموحدين أما إذا كان لازما كالكفر و الشرك فان أثره لا يزول كما لا يزول السبب، وقد أشار سبحانه إلى هذه المعنى بعينه في مواضع من كتابه منها: قوله تعالى ((وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ))}سورة الأنعام/ آية28{، فهذا إخبار بأن نفوسهم و طبائعهم لا تقتضي غير الكفر و الشرك وإنها غير قابلة للإيمان أصلا، ومنها: قوله تعالى ((وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا))}سورة الإسراء/ آية 72{ فأخبر سبحانه أن ضلالهم و عماهم عن الهدى دائم لا يزول حتى مع معاينة الحقائق التي أخبرت بها الرسل، و إذا كان العمى و الضلال لا يفارقهم فإن موجبه وأثره و مقتضاه لا يفارقهم، ومنها: قوله تعالى ((وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ))}سورة الأنفال/ آية 23{ و هذا يدل على أنه ليس فيهم خير يقتضي الرحمة، و لو كان فيهم خير لما ضيع عليهم أثره، و يدل على أنهم لا خير فيهم هناك أيضا قوله: ((أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من خير)) فلو كان عند هؤلاء أدنى أدنى مثقال ذرة من خير لخرجوا منها مع الخارجين)).
  5. وقفات مع مجازفات ومغالطات عبد الله بن صوان الغامدي في تعدية على السنة وعلماء الأمة – نسخة معدلة- بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده وسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد: فإن منهج الحدادية مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة من جهة الاستدلال والأحكام والاعتقاد وغير ذلك. ولقد وقفت على كلام خطير للغامدي في موقعه بعنوان: (مواطن أخطاء المرجئة العصريين في مسألة الإيمان والكفر)، حيث ذكر وجوها عدة من هذه الأخطاء على حد زعمه منها: أولا: استدلالهم بأدلة المرجئة الأولى. قال الغامدي في مقال (مواطن أخطاء المرجئة العصريين في مسألة الإيمان والكفر): (( الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد : فهذه بعض مواطن أخطاء المرجئة العصريين في مسائل الإيمان والتكفير على طريق الإجمال أسأل الله أن ينفع بها 1-استدلالهم بأدلة المرجئة الأولى ومنها : -حديث البطاقة -وحديث الجارية -وحديث الشفاعة -وأحاديث لاإله إلا الله المطلقة -وحديث : "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب .." الحديث والجواب عنها معروف في مواضعه والحمد لله)) . ولي عليه في كلامه هذا وقفات، فأقول مستعينا بالله العظيم: الوقفة الأولى: إن الغامدي بكلامه هذا يطعن في أئمة السنة من أصحاب الحديث كأصحاب الكتب الستة وغيرهم، وممّن صنف في كتب العقيدة ومن محققي أهل السنة والجماعة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم، فضلا عن طعنه الصريح بأئمة السنة المعاصرين. وذلك لأن أئمة السنة رووا هذه الأحاديث في كتبهم مستدلين بها على مسائل متعلقة بمسائل الإيمان وغيرها. وذكر هذه الأحاديث الأئمة ممن صنف في كتب العقيدة كابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة وابن بطة في الإبانة واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة. واستدل بهذه الأحاديث شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم من محققي أهل السنة والجماعة. وسار على منهج أئمة أهل السنة والجماعة ومحققيهم علمائنا المعاصرون فأثبتوا هذه الأحاديث ودافعوا عنها واستدلوا بها على مسائل عظيمة من أصول أهل السنة والجماعة، وردوا بها على المخالفين من الخوارج والمرجئة وغيرهم وإليك تفصيله: أ- حديث البطاقة: رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (6994) والترمذي في سننه برقم (2639) وابن ماجة في سننه برقم (4300) وابن حبان في صحيحه برقم (225) والطبراني في معجميه الكبير برقم (1490) والأوسط برقم (4725) وكذا رواه ابن المبارك في كتاب الزهد برقم(371) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وذكره الحديث البغوي في شرح السنة (15/134). والبهقي في شعب الإيمان (1/448). وبوب الترمذي لهذا الحديث بباب: ( ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله ). وبوب له ابن ماجة بباب: ( ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة ). واستدل ابن حبان عليه بقوله: (ذكر البيان بأن الله جل وعلا بتفضله قد يغفر لمن أحب من عباده ذنوبه بشهادته له ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يكن له فضل حسنات يرجو بها تكفير خطاياه ). ب- حديث الجارية: رواه مسلم في صحيحه برقم (33-537) وابن أبي شيبة في مصنفه برقم (30979) والإمام أحمد برقم (23762) و(23765) و (23767) وأبو داود برقم (931) و (3284) والنسائي برقم (1218) وابن حبان برقم (165) و(2247) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ورواه الإمام أحمد برقم (7906) وأبو داود برقم (3286) من حديث أبي هريرة. وذكره ابن أبي عاصم في كتاب السنة برقم (489) والبخاري في القراءة خلف الإمام (ص41) والدارمي في الرد على الجهمية ( ص45 ) وابن منده في التوحيد (2/183) وابن خزيمة في التوحيد (1/179و180و181) وغيرهم. ج- حديث الشفاعة: رواه البخاري مختصرا ومطولا برقم (22 و 7439 ) ومسلم في صحيحه برقم (302-183) وأبو داود الطيالسي برقم (2179) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وذكره ابن أبي عاصم في كتاب السنة برقم (527) وابن منده في الإيمان (2/804) وابن خزيمة في التوحيد (1/464). د- حديث يدرس الإٍسلام: رواه ابن ماجة برقم (4049) والحاكم في المستدرك برقم (4/520 و 550 و587). والحديث ذكره ابن فضيل الضبي في الدعاء (ص176) ونعيم بن حماد المروزي في الفتن (2/598) وأبو عمرو الداني في الفتن (4/825). وهكذا باقي الأحاديث التي تعدى عليها الغامدي. الوقفة الثانية: إن هذه الأحاديث وغيرها استدل بها أئمة أهل السنة والجماعة على مسائل متعددة متعلقة بمسائل الإيمان من أهمها: أ- ما دلت عليه هذه الأحاديث من مسائل الأسماء والصفات كعلو الله تعالى وغير ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية( مجموع الفتاوى 5/192): ((وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري في كتاب " الرسالة في السنة " له : ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان سلف الأمة لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سمواته، قال: وإمامنا أبو عبد الله الشافعي احتج في كتابه " المبسوط " في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها بخبر { معاوية بن الحكم وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة ؛ وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إعتاقه إياها فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا فقال لها : أين ربك ؟ فأشارت إلى السماء فقال : أعتقها فإنها مؤمنة } فحكم بإيمانها لما أقرت أن ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية)). وقال أيضا ( مجموع الفتاوى16/90): ((وأنك لو سألت صغيرهم وكبيرهم فقلت : " أين الله ؟ " لقالوا : " إنه في السماء " ولم ينكروا لفظ السؤال بـــــ " أين " {لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التي عرضت للعتق فقال أين الله؟ قالت في السماء مشيرة بها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة } ولو كان ذلك قولا منكرا لم يحكم بإيمانها ولأنكره عليها )). وهذه فائدة عظيمة وهي: أن السؤال بـــــ ( أين ) لتعليم الناس من الكبار والصغار والرجال والناس من فعل السلف، وأنه غير مستنكر ولو كان منكرا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية أين الله. بــــــــ- ما دلت عليه هذه الأحاديث من الرد على أهل البدع من الجهمية والخوارج وغيرهم. قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/302): ((الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان، فقال في كتابه في باب عتق الرقبة المؤمنة وذكر حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية وبيضت وجوه المحمدية؛ فلما وصفت الإيمان قال أعتقها فإنها مؤمنة، وهي إنما وصفت كون ربها في السماء وأن محمدا عبده ورسوله فقرنت بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان)). وقال شيخ الإسلام ( الكيلانية 99_100): فأما أصل الإيمان الذي هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقا به وانقيادا له ؛ فهذا أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن ؛ ولهذا تواتر في الأحاديث " { أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان } { مثقال حبة من إيمان } . وفي رواية الصحيح أيضا " { مثقال حبة من خير } " " { مثقال ذرة من خير } وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة {الإيمان بضع وستون - أو بضعة وستون أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان } " فعلم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة وأن قليله يخرج الله به من النار من دخلها ليس هو كما يقوله الخارجون عن مقالة أهل السنة : إنه لا يقبل التبعيض والتجزئة ؛ بل هو شيء واحد : إما أن يحصل كله أو لا يحصل منه شيء. وقال: ( الكيلانية103): فهذا أصل مختصر في " مسألة الأسماء " وأما " مسألة الأحكام " وحكمه في الدار الآخرة فالذي عليه الصحابة ومن اتبعهم بإحسان وسائر أهل السنة والجماعة . أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان ؛ بل يخرج منها من معه مثقال حبة أو مثقال ذرة من إيمان . وأما " الخوارج " ومن وافقهم من المعتزلة فيوجبون خلود من دخل النار وعندهم من دخلها خلد فيها ولا يجتمع في حق الشخص الواحد العذاب والثواب وأهل السنة والجماعة وسائر من اتبعهم متفقون على اجتماع الأمرين في حق خلق كثير . كما جاءت به السنن المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم . ج- ما دلت عليه هذه الأحاديث بأن الإيمان يتبعض ويتجزأ، وأن أهله يتفاضلون فيما بينهم بما عندهم من الإيمان. قال شيخ الإسلام ( مجموع الفتاوى12/491-492): وأيضا : فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم { إن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان } " وفي رواية : { مثقال دينار من خير ثم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان } " وفي رواية " من خير " " { ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير } " وهذا وأمثاله من النصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان والخير وإن كان قليلا وأن الإيمان مما يتبعض ويتجزأ . وقال ( مجموع الفتاوى 3/355): وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبعض؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان } وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك . وقال ابن القيم ( حاشية ابن القيم على سنن أبي داود12/2929): وكل هذه الألفاظ التي ذكرناها في الصحيحين أو أحدهما والمراد بالخير في حديث أنس الإيمان فإنه هو الذي يخرج به من النار. وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان وبعضهم أرجح من بعض. د- وأن نفس الإيمان الذي في القلب يتفاوت على حسب تفاوت معرفة العبد لربه خلافا لأهل البدع. قال شيخ الإسلام ( مجموع الفتاوى 6/479): ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم في الدنيا ويتفاوتون في درجات العرفان والنبي صلى الله عليه وسلم أعلمنا بالله . وقد قال : { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه وهي مسألة كبيرة . والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها : أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان }. وقال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه [التخويف من النار]: ((والمراد بقوله: "لم يعملوا خيراً قط" من أعمال الجوارح؛ وإنْ كان أصل التوحيد معهم، و لهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار إنه "لم يعمل خيراً قط غير التوحيد" خرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ومن حديث ابن مسعود موقوفاً، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الشفاعة قال: "فأقول: يا رب ائذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله" خرجاه في الصحيحين، وعند مسلم: "فيقول: ليس ذلك لك أو ليس ذلك إليك"، وهذا يدل على أنَّ الذين يخرجهم الله برحمته من غير شفاعة مخلوق هم أهل كلمة التوحيد الذين لم يعملوا معها خيراً قط بجوارحهم، والله أعلم)). هــ- دلت أحاديث الشفاعة على أن الإنسان ينتفع بغير عمله، وأن من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع. ومن وجوه الانتفاع بغير عمله ما يلي: الوجه الأول: إستدلال أهل السنة بأحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة على انتفاع الإنسان بسعي الغير من شفاعة الشافعين واستغفار الملائكة. كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله- في جامع المسائل (5/ 203): ((من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة((. ثم ذكر: ((ثانيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير)). الوجه الثاني: إستدلال أهل السنة بحديث : "لم يعملوا خيرا قط " بأن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته. كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله- في جامع المسائل لابن تيمية (5/ 203): ((من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة((. ثم قال: ((خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم)). و- دلت هذه الأحاديث على شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي ينكرها بعض أهل البدع ويردون أحاديثها. قال شيخ الإسلام ( جامع الرسائل والمسائل5/1110): وكذلك يومَ القيامة يَتوسَّلُ به أهلُ الموقفِ ويستشفعون به، فيَشفعُ لهم إلى ربّه أن يَقْضِي بينهم. ثمَّ يشفعُ شفاعةً أخرى لأهلِ الكبائرِ من أمَّتِه، ويَشفَعُ في أن يُخرِجَ الله من النار مَن في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمان، كما استفاضتْ بذلك الأحاديثُ الصحيحة. وقال (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة 2/273): ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر، وانه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد. بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان. وقال ( مجموع الفتاوى4/309): وسئل : عن الشفاعة في " أهل الكبائر " من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يدخلون الجنة أم لا ؟ . فأجاب : إن أحاديث الشفاعة في " أهل الكبائر " ثابتة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين ؛ وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم . ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان بل كلهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة ويبقى في الجنة فضل . فينشئ الله لها خلقا آخر يدخلهم الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ز- دلت هذه الأحاديث على عدم كفر تارك الصلاة تهاونا، ولهذا استدل أهل السنة الذين لا يرون كفر تارك الصلاة كالإمام الأوزاعي والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام شعبة. ففي كتاب الصلاة وأحكام تاركها لابن القيم (ص/42): ((والثانية: يقتل حدا لا كفرا وهو قول مالك والشافعي واختار أبو عبد الله ابن بطة هذه الرواية ونحن نذكر حجج صليت أدلة الذين لا يكفرون تارك الصلاة قال الذين لا يكفرونه بتركها قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه فلا نخرجه عنه إلا بيقين)). ثم قال (ص/ 44): ((وقال الترمذي هذا حديث حسن قالوا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي لفظ آخر: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي صحيح قصة عتبان بن مالك وفيها: "إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: "وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله". وفيه مجمع الزوائد: "فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط"، وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم تخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته ولم يذكر في الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج له صحائف حسناته فترجح سيئاته ويكفينا في هذا قوله فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ولو كان كافرا لكان مخلدا في النار غير خارج منها. فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول وهذا يقر بالوحدانية شاهدا أن محمدا رسول الله مؤمنا بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد)). الوقفة الثالثة: ومن أهم المسائل المتعلقة بمسائل الإيمان والتكفير التي دلت عليها هذه الأحاديث هي: أنه لا يخلد في النار من مات وفي قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان. قال شيخ الإسلام ( جامع الرسائل والمسائل 2/252-253): كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلي الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان وَأبي ذَر ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وعتبان بن مَالك وَعبادَة بن الصَّامِت وَغَيرهم وَلَا يخلد فِي النَّار من أهل التَّوْحِيد أحد بل يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال دِينَار من إِيمَان أَو مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان أَو مِثْقَال ذرة من إِيمَان. وقال ( جامع الرسائل والمسائل 5/242): والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأهل الحديث، وأئمة السنة يقولون: لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، بل يخرج منها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، بخلاف قول الخوارج والمعتزلة. وعلى هذا فلا يكفر إلا من ذهب عنه كل أجزاء هذا الإيمان، فمن لم يخلد في النار لا يمكن أن يكون كافرا. قال ( جامع الرسائل والمسائل 6/221-222): وهذا هو الإيمان الواجب، وقد يكون مع كثير من الناس شيء من الإيمان ولم يَصِلْ إلى هذا، كالذين قال فيهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَخرجُ من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن ذرةً، أو من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من إيمان " . فسَلْبُ الإيمان عنهم لا يقتضي سلبَ هذا المقدار من الإيمان، بل هذه الأجزاء اليسيرة من الإيمان قد يكون في العبد ولا يَصِلُ بها إلى الإيمان الواجب، فإنه إذا انتفت عنه جميع أجزاء الإيمان كان كافرًا. وقال ابن القيم (حادي الأرواح ص254): ((أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار و أحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار و أن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم و لم يختص الخروج بأهل الإيمان)). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في التعليق على لفظة "لم يعملوا خيراً قط": ((ليس في الحديث نفي إيمانهم!، وإنما فيه نفي عملهم الخير، وفي الحديث الآخر: "فيخرج منها مَنْ كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"؛ وقد يحصل في قلب العبد مثقال ذرة من إيمان وإنْ كان لم يعمل خيراً، ونفي العمل أيضاً لا يقتضي نفي القول!، بل يقال: فيمن شهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ومات ولم يعمل بجوارحه قط إنه لم يعمل خيراً، فإنَّ العمل قد لا يدخل فيه القول لقوله: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه"، وإذا لم يدخل في النفي إيمان القلب واللسان لم يكن في ذلك ما يناقض القرآن)) نقله عنه ابن المحب المقدسي في كتاب [إثبات أحاديث الصفات ص 455/ب]. واستدل جمهور أهل السنة بقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}وبأحاديث الشفاعة على أن من ليس له عمل صالح فهو ينجو من الخلود في النار. فقد قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره (2/ 380-381): ((وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء، والله أعلم. وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟! ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. كما ذكرناه غير مرة، إن كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه مرفوعا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا، ولكن لا يصح ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب. وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل. وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان)). وبعد هذا يتبين تعدي الغامدي وحزبه من الحدادية على هذه الأحاديث العظيمة التي اعتمد عليها علماء أهل السنة والجماعة في إثبات منهج أهل السنة وردهم على المبتدعة من الخوارج والجهمية والمرجئة وغيرهم. فهل يا ترى أن الغامدي وحزبه سيتهم هؤلاء الأئمة بأنهم مرجئة أو وافقوا المرجئة. الوقفة الرابعة: وليعلم الغامدي وحزبه أن المرجئة يختلف استدلالهم بهذه الأحاديث عن استدلال أهل السنة والجماعة اختلافا جذريا، وهذا يدل على جهل الغامدي بمنهج أهل السنة والجماعة وجهله أيضا بمناهج الفرق المخالفة. فإن استدلال المرجئة بهذه الأحاديث مبني على إخراج العمل من الإيمان، وعلى هذا فعندهم أن تارك العمل كامل الإيمان ولا ينقص ذلك من إيمانه مطلقا، كما أنه لو عمل عملا أو ترك محرما فإنه كامل الإيمان ولا يزيد ذلك في إيمانه مطلقا. وهذا مبني على أصلهم الفاسد من أن الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعض. قال شيخ الإسلام( مجموع الفتاوى7/223): ((وقالت " المرجئة " على اختلاف فرقهم : لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه؛ كقوله : { يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان })). وقال شيخ الإسلام( مجموع الفتاوى18/271): ((والحزب الثاني وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان ؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض فقالوا : كل فاسق فهو كامل الإيمان وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال وقالوا : الأعمال ليست من الإيمان لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه . ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول : إن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان وهذا المنقول عن حماد بن أبي سليمان ومن وافقه كأبي حنيفة وغيره وقال جهم والصالحي ومن وافقهما من أهل الكلام كأبي الحسن وغيره : إنه مجرد تصديق القلب)). وبهذا يفترق استدلال أهل السنة والجماعة بهذه الأحاديث عن استدلال المرجئة ببعضها، لكن الحدادية يصرون على محاربة منهج أهل السنة والجماعة وعلمائه. الوقفة الخامسة: أن الغامدي وغيره من الحدادية يذهبون إلى تأويل الأحاديث مع أنهم لم يرجحوا قولا معينا من هذه التأويلات، إلا أنهم اقتصروا على قول بعض العلماء في تأويل هذه الأحاديث وعدم ترجيح قول منها مع تعددها، وهذا دليل على ضعف الغامدي وحزبه من الحدادية في التحقيق العلمي، وبعدهم عن الانصاف في التعامل مع الأدلة الشرعية، إضافة إلى التنطع والغلو. مع أنه يحكي القول وينصره في مكان ويبطله في مكان آخر من حيث يشعر أو لا يشعر. والتأويلات التي ذكرها الغامدي من كلام أهل العلم كما في مقال((الجواب عن الشبهات)) وهو موجود في موقعه، وهذه التأويلات هي: أولا: أن لفظة (( لم يعملوا خيرا قط )) من العام الذي يريد به الخصوص، فيكون المقصود لم يعملو أعمالا كاملة لنقصها وعدم تمامها. وهذا القول ما ذكره ابن عبد البر وابن خزيمة. وهذا القول ليس عليه ما يكفي من الأدلة الشرعية التي تصرف هذا اللفظ العام إلى المعنى الخاص، والأصل في ألفاظ الكتاب والسنة أنها تجري على عمومها ما لم يصرفها صارف عن هذا العموم. الثاني: أن لفظة (( لم يعملوا خيرا قط )) ليس عاما وإنما هو في أناس مخصوصين لم يتمكنوا من العمل لعذر. وهذا قول اللجنة الدائمة وأحد قولي الشيخ ابن عثيمين وهو قول الشيخ الفوزان. وهذا يرد عليه بأن من لم يجب عليه العمل أو لم يتمكن منه ومات على ذلك مات مؤمنا محققا للإيمان الواجب، فكيف يتصور أن يعذبه الله تعالى. قال شيخ الإسلام( مجموع الفتاوى7/197): ((وكذلك قولهم : من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا فصحيح؛ لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه والعمل لم يكن وجب عليه بعد؛ فهذا مما يجب أن يعرف فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين)). وقد رد هذا التأويل الشيخ الفوزان نفسه؛ فقد سُئل الشيخ الفوزان حفظه الله السؤال الآتي: ما ردكم على الذين يقولون بأنه لا يوجد دليل واضح على أنَّ أحاديث الشفاعة تطبق على الذين لم يتمكنوا من العمل، وأنَّ القول بذلك يأتي من باب التأويل؟ فكان جواب الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: ((الذين دخلوا في الإسلام ولم يتمكَّنوا من العمل ماتوا على طول: ما يحتاجون شفاعة، هذول ما يحتاجون شفاعة؛ لأنهم لا يعذَّبون على ترك العمل، لأنهم لم يتمكنوا منه، ما يحتاجون إلى شفاعة، إنما الشفاعة فيمن ترك شيء من الأعمال التي دون الكفر ودون الشرك واستحق بها العقوبة، هذا تنفعه الشفاعة بإذن الله، لأنه مسلم عنده معصية ومستحق للعذاب، تنفعه شفاعة الشافعين، إذا أَذِنَ اللهُ بذلك، نعم، أما إذا ما تمكَّن من العمل؛ نطق بالشهادتين مؤمناً وصادقاً ولم يتمكن من العمل حتى مات فهذا ما يحتاج إلى شفاعة)). وهذا القول يرده الغامدي من حيث لا يشعر حيث قال في مقال له بعنوان(الإيمان ومسائله): ((فمطلق الإيمان هو وصف المسلم الذي معه أصل الإيمان الذي لا يتم إسلامه إلا به، بل لا يصح إلا به؛ فهذا في أدنى مراتب الدين، إذا كان مصرا على ذنب أو تاركا لما وجب عليه مع القدرة عليه. (( فمن ترك واجبا من غير القدرة عليه فلا يضر إبمانه شيء، لأنه لم يتمكن من أداء العمل، وهذا يكون له الإيمان المطلق على قول الغامدي. وهذا يبطل قول اللجنة الدائمة الذي يكرره الغامدي وستنصر بهم، لأنه كيف يعذب الله تعالى من له الإيمان المطلق وهو من ترك العمل من غير قدرة على أداه. الثالث: أن لفظة (( لم يعملوا خيرا قط )) مقيدة بالأدلة الدالة على كفر بعض الأعمال كالصلاة. وهذا أحد قولي ابن عثيمين. فأين قول الغامدي وحزبه الحدادي، أم أنهم لا يعبئون بأقوال هؤلاء العلماء فضلا عن غيرهم. مع أن أهل السنة يرون أن هذه الأحاديث من الأدلة المحكمات التي ترد الأدلة المتشابهة في الوعيد التي يستدل بها الخوارج على أهل السنة. ففي إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 217-218): ((المثال الثالث عشر:رد الرافضة النصوص الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة والثناء عليهم ورضاء الله عنهم ومغفرته لهم وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم واستغفارهم لهم واقتدائهم بهم بالمتشابه من قوله «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ونحوه. كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب التي تقع مكفرة بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة، وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب تمحق أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بد من دخول النار، ثم يخرجون منها؛ فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا قصدوا بها طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد، وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب، فاشتركوا هم والرافضة في رد المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى، وبالله التوفيق)). ومما يخالف الغامدي وحزبه من الحدادية أصول أهل السنة والجماعة وأقوال العلماء اتهامهم لجمهور العلماء ممن رجحوا العمل بهذه الأحاديث الصريحة في ألفاظها والصحيحة في أسانيدها بأنهم من المرجئة، وهذا قدح كبير في علماء الأمة. والغامدي وحزبه يسير على منهج الخوارج في تعديه على علماء الأمة، وهذا منهج معروف عندهم، والغامدي وحزبه الحدادي هم على المنهج القطبي التكفيري، الذي يريد أن يوسع دائرة التكفير في الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله. الوقفة السادسة: أن مفهوم الإرجاء عند الغامدي وحزبه مضطرب جدا؛ فهم لا يفهمون حقيقة الإرجاء من جهة، ويطعنون في علماء السنة بأنهم من المرجئة من جهة أخرى، ويطعنون كذلك في الأدلة الشرعية الصحيحة والصريحة والتي استدل بها أئمة أهل السنة والجماعة على مر العصور وعلى اختلاف الأماكن، بأنها من أدلة المرجئة. ومن الأدلة على أن الغامدي وحزبه لا يفهمون معنى الإرجاء تناقضهم في هذا الباب وإليك بيانه: ذكر الغامدي في مقال له بعنوان( التعريف بالمرجئة) أقسام المرجئة وأصنافها فقال:قال ابن تيمية رحمه الله: والمرجئة ثلاثة أصناف: ((القول الأول :الذين يقولون‏:‏ الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة،كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقاً كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه‏.‏ والقول الثاني‏:‏ من يقول‏:‏ هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكَرَّامية‏.‏ والقول الثالث‏:‏ تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منه.(( وأنا أقول للغامدي أين من قول شيخ الإسلام ابن تيمية أن من قال: بعدم تخليد من لم يعمل خيرا قط في النار أنه من كلام المرجئة، مع أنهم قائلون بأن الأعمال من الإيمان، وأن من لم يعمل خيرا قط معرض للعقوبة والعذاب كما دلت عليه أحاديث الشفاعة وغيرها؟!. أم أن الغامدي والحدادية سالكون مسلك الخوارج في هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله. والأئمة متفقون على أن المرجئة من أخرج العمل الظاهر عن مسمى الإيمان، وذلك لأن العمل الظاهر عندهم ليس من مسمى الإيمان، ويكتفى بالباطن في حقيقة الإيمان، وعلى هذا فإن الإيمان عندهم لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية، وأنه لا يتبعض ولا يتجزأ، وأنه أهله لا يتفاضلون فيه. ولبيان جهل الحدادية وخاصة في هذا الباب سأنقل لهم كلام الشيخ ربيع في المرجئة ليروا حقيقة ما هم عليه من الجهل والظلم. قال الشيخ ربيع في شريط بعنوان( وسطية الإسلام): ((وعند المرجئة تعلّقٌ بنصوص الوعد و إهمال لنصوص الوعيد؛ فأهل الذنوب عندهم مؤمنون كاملوا الإيمان, لا تُنقِص المعاصي من إيمانهم شيئا، وغلاتهم يرون أنّه لا يضرّ مع الإيمان ذنب, فإذا لقي الله موحِّداً غير مشرك فلا عقوبة عليه ولا تنطبق عليه نصوص الوعيد وهو مؤمن كامل الإيمان و لو كان من أفجر النّاس و أفسقهم إيمانه مثل إيمان جبريل و محمد عليهما الصلاة و السلام, اشتطّوا وغلوا في التّعلق بنصوص الوعد واشتطّ الخوارج في التعلق بنصوص الوعيد, فكفّروا العصاة وحكموا عليهم بالخلود في النّار, وغلاة المرجئة قالوا بنجاة الموحدّين ولا عقاب عليه ولا عذاب وهم مؤمنون كاملوا الإيمان)) . وبين الشيخ ربيع الإيمان عند السلف فقال في ( نصيحة أخوية ص35 ): ((والأولى التزام ما قرره وآمن به السلف من أنَّ الإيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح . وأنه يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم الإيمان بأحاديث الشفاعة التي تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان أو أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان)). وبعد هذا البيان البديع لحقيقة الإيمان وحقيقة الإرجاء يأتي من ملأ الجهل قلبه من الحدادية ويتهم هذا العلَم الجبل بالإرجاء، وما تجرؤوا على ذلك إلا لأنهم ساروا على طريق الخوارج الغلاة، فهم جمعوا بين رد النصوص الشرعية والطعن في أئمة الإسلام وهذا هو حقيقة مذهب الخوارج على مر العصور. ومما يدمغ الغامدي وجزبه ويظهر مدى جهلهم وتعديهم على أئمة السنة من المتقدمين والمتأخرين قول شيخ الإسلام ابن تيمية كما في ( مجموع الفتاوى3/355): ((وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبعض ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم { يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان } وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك . وإذا عرف أصل البدع فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب ، ويعتقدون ذنبا ما ليس بذنب ، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفرون من خالفهم ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم { يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان } ولهذا كفروا عثمان وعليا وشيعتهما ؛ وكفروا أهل صفين - الطائفتين - في نحو ذلك من المقالات الخبيثة... )). وبعد هذا يتعدى الغامدي على أهل السنة ويصفهم بأنهم من المرجئة على أساس قواعدة الفاسدة المخالفة لقواعد أهل السنة والجماعة والموافقة لأصول الخوارج. وأخيرا يلزم الغامدي وحزبه من رده لهذه النصوص النبوية أن يرد نصوصا من القرأن العظيم، لأنها موافقة لمضمونها، ويلزم أن يطعن كل من استدل بها ويتهمهم بالإرجاء، ومن ذلك قول الله تعالى: ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))( الزلزلة الآيتان 7،8). وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا))( النساء آية40). وقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ))( النساء 48و 116). وغيرها من الآيات. وومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري برقم (7439) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه الطويل وفيه: ((وإذا رأوا أنهم قد نجوا فى إخوانهم يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا . فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه . ويحرم الله صورهم على النار ، فيأتونهم وبعضهم قد غاب فى النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه . فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه . فيخرجون من عرفوا » . قال أبو سعيد فإن لم تصدقونى فاقرءوا ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ) « فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتى . فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا ، فيلقون فى نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة ، فينبتون فى حافتيه كما تنبت الحبة فى حميل السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ ، فيجعل فى رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه . فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه)). وتأمل في قول أبي سعيد رضي الله عنه: فإن لم تصدقونى فاقرءوا ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ). وكذلك قول شيخ الإسلام كما في ( مجموع الفتاوى 7/184): ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة : " { يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان } " وفي بعضها : " { مثقال ذرة من خير } " وهذا مطابق لقوله تعالى { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره } { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وذلك الذي هو مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من إيمان وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب وهؤلاء الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم " { من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا } " فإنه ليس من هؤلاء ؛ بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم . وختاما أسأل الله العظيم أن يثبتنا على السنة حتى نلقاه، وأن يحفظ لنا علمائنا، وأن يخذل كل من عادى السنة وأهلها، وينصر السنة وأهلها في كل مكان إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وقفات مع مجازفات ومغالطات عبد الله صوان الغامدي في تعديه على السنة وطعنه في علماء الأمة.doc
  6. (2)من فضائح الحدادية بيان جهل الجهني وتشغيبه على الإمام مالك في حكم تارك الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد: فإن الحدادية جمعوا بين الجهل والظلم، فمع جهلهم بمنهج أهل السنة والجماعة وجهلهم بكلام الأئمة أضافوا إليه الظلم فراحوا يطعنون بالعلماء الأكابر ويتهمونهم بشتى الاتهامات الباطلة. ومن ذلك ما سطره الجهني في مقاله ( تحقيق قول مالك في حكم تارك الصلاة والجواب عن بعض الشبه). وقد أبنت عن بعض تعدي الجهني وكذبه في مقالي: (من فضائح الحدادية: بيان كذب الجهني الصريح في تشغيبه على الشيخ ربيع في نسبة كتاب البرهان للسكسكي). وأما في هذا المقال والذي هو تتمة للرد على مقال عبد الحميد الجهني(تحقيق قول مالك في حكم تارك الصلاة والجواب عن بعض الشبه). فقد أبان الجهني فيه عن جهله وأظهر عن حقيقة علمه واطلاعه في تحقيق المسائل، فهو ليس من أهل العلم الذين يوثق في تحقيقهم للعلم الشرعي، وإنما هو من أهل الشبه الذين يتشبثون بأدنى دليل ويتركون الأدلة الواضحة الصريحة. حيث أن الجهني خالف جماهير الأئمة فذكر: أن قول الإمام مالك والشافعي في تارك الصلاة متعمدا بأنه مرتد وحكمه القتل. واستدل الجهني على كلامه بأدلة لا تسمن ولا تغني من جوع عند أهل العلم. ولي مع الجهني وقفات فيما ذكره: الوقفة الأولى: أن تحقيق العلم يتوقف على جمع الأدلة المختلفة ومحاولة التوفيق بينها على أسس وقواعد علماء أهل السنة والجماعة، ومن هذا الباب إثبات قولٍ لإمام أو نفيه عنه. وليس التحقيق أن تأخذ بدليل واحد وتترك الأدلة الباقية، وكذا أن تأخذ بقول عالم في إثبات قول لإمام وتترك أقوال العلماء المخالفون لهذا العالم. والجهني لا يعرف معنى التحقيق العلمي وإنما هو مدعٍ له والأدلة مخالفة لادعائه مبطلة له، وهذا ما سيتضح من خلال هذا المقال إن شاء الله تعالى. فمعنى التحقيق العلمي عند الجهني أن يمسك بقول أحد العلماء ويضرب بأقوال الآخرين عرض الحائط. وإن من معاني التحقيق العلمي عند الجهني أن يستخدم نصوص العلماء للوصول لآرائه بطريقة بعيدة عن التحقيق، وإنما هي قائمة على فهم سقيم للنصوص وبُعدٍ عن طريقة العلماء. وهاك مثال التحقيق العلمي عند الجهني الحدادي؛ فقد قال الجهني في مقاله ( تحقيق قول مالك في حكم تارك الصلاة) بعد أن ذكر كلام الطحاوي فقال: ((فيا حبذا لو نقض أحد هذا الكلام بالدليل والإسناد الصحيح المتصل إلى الإمامين مالك والشافعي . لا يأتي بكلام الخطابي ومحمد بن نصر وابن عبدالبر والبغوي والنووي . فليس بنقل هؤلاء أولى من نقل الطحاوي المؤيد –فيما يخص الشافعي –بنقل المزني في المختصر . كما كنت بينته في مقال ( كشف الخفاء ) , وأما مالك فالطحاوي يروي عن الطبقة الثانية من أصحابه , فأين هذا العلو لمثل الفقهاء المتأخرين ممن يحكي عن مالك القول بعدم كفر تارك الصلاة بلا زمام ولا خطام)). فالجهني لا يقبل كلام محمد بن نصر المروزي ولا كلام البغوي ولا كلام ابن عبد البر -رحمهم الله- فضلا عن غيرهم في حكاية أقوال الأئمة وهذا يدل على أن الجهني إنما يثبت أقوال الأئمة ويردها على حسب ما يهواه وما يوافق منهجه الحدادي الخبيث، وإلا فأين التعامل العلمي مع أقوال الأئمة، وأين رد كلامهم بالأدلة والبراهين الصحيحة. ومن سبق الجهني في عدم قبول كلام محمد بن نصر المروزي والبغوي وابن عبد البر -رحمهم الله- ، ومن قعَّدَ هذه القواعد الباطلة، ومن قال بأنه المتأخر لا يقبل كلامه مع من سبقه، وأين الأدلة في قبول كلام الأئمة وفي رده. وأنا أقول لم يسبق الجهني أحد من أهل العلم؛ وإنما سلفه في ذلك المليبارية الذين يبطلون كلام الأئمة ويردون قواعد أهل السنة. ولا زال الأئمة ينقلون كلام ابن عبد البر في حكاية أقوال الإمام مالك وكذا الخطابي وغيرهما، ولم يقل واحد منهما أنا لا أقبل كلام ابن عبد البر فيما نقله عن الإمام مالك أو عن غيره، كيف وهو إمام أهل المغرب في عصره وكتابه التمهيد أشرف كتاب صنف في بابه. الوقفة الثانية: استدل الجهني في إثبات قول الإمام مالك والشافعي في تكفير تارك الصلاة متعمدا بقول الطحاوي (239هـ-321هـ)واعتمد عليه فقال: ((فقد قال الحافظ أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله - في كتابه (مختصر اختلاف العلماء 393/4): قَالَ بعض حفاظ قَول مَالك إِن من مَذْهَب مَالك أَن من ترك صَلَاة مُتَعَمدا لغير عذر حَتَّى خرج وَقتهَا فَهُوَ مُرْتَد وَيقتل إِلَّا أَن يُصليهَا وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. انتهى)). وعلق الجهني على كلام الطحاوي قائلا:((فيا حبذا لو نقض أحد هذا الكلام بالدليل والإسناد الصحيح المتصل إلى الإمامين مالك والشافعي . لا يأتي بكلام الخطابي ومحمد بن نصر وابن عبدالبر والبغوي والنووي . فليس بنقل هؤلاء أولى من نقل الطحاوي المؤيد –فيما يخص الشافعي –بنقل المزني في المختصر . كما كنت بينته في مقال (كشف الخفاء) , وأما مالك فالطحاوي يروي عن الطبقة الثانية من أصحابه , فأين هذا العلو لمثل الفقهاء المتأخرين ممن يحكي عن مالك القول بعدم كفر تارك الصلاة بلا زمام ولا خطام)). وللرد عليه أقول: أولا: أن الطحاوي خالف بقوله ما الذي اشتهر عنهما في جميع البلدان ونقله العلماء بعضهم عن بعض. ومما يدل على ذلك أن من نقل عن الإمام مالك والشافعي أثبتوا خلاف ما نقله الطحاوي عنهما، وهذا لا يحتاج إلى مزيد عناء للوصول إلى هذه الحقيقة الواضحة. ويكفي في ذلك كلام إمام من أئمة السنة المالكية وهو الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي، يقول وينقل عن الإمام مالك القول بعدم كفر تارك الصلاة مع إقراره بوجوبها: فقد سئل الإمام ابن أبي زيد القيرواني (310هـ-386هـ) في [فتاوى ابن أبي زيد القيرواني (ص/104)] عن تارك الصلاة عمدا، وهو مُقرٌّ بها، هل يُزوج مسلمة، وتؤكل ذبيحته؟ فأجاب–رحمه الله-: ((أتى عظيما من الكبائر، ولايُخرجه ذلك من الإسلام، وتؤكل ذبيحته، ويُصلى عليه، ويورث ويُناكح، وهو قول مالك وشعبة خلافا لابن حبيب، فإنه يُكفِّره, وقد أفرط في القول, وإن كان روى عنه عليه أفضل وأشرف السلام: "ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة", فلم يحمله العلماء على كفر الحجة, واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت وفيه: "أنه ليس له عند الله عمل؛ إن شاء عذَّبه وإن شاء أدخله الجنة" الحديث, فلو كان كافرا لحرَّم الجنة عليه لأنها محرمة عليهم)). ثانيا: أن القول الذي نسبه الطحاوي للإمام مالك إنما هو لطائفة من أصحاب مالك كابن حبيب وليس له؛ كما في النقل السابق عن الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي. ويؤيد ذلك قول الإمام أبو عبد الله محمد بن سحنون (202هـ-256هـ)، ابن الإمام عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، الملقب بسحنون (160هـ-240هـ) صاحب المدونة الكبرى في فروع الفقه المالكي،كما في [فتاوى ابن سحنون(ص438–439)]حين سئل عن تارك الصلاة من غير عذر وما حكمه، فقال -رحمه الله-: ((...وإذا أقر بوجوبها وامتنع من أدائها، وقال: لا أصلي، فإنه يُنظر إلى خروج الوقت الذي أمر فيه بالصلاة، فإن لم يصلها قُتل، واختلف في قتله: فقيل: يقتل حدّاً ويدفن في مقابر المسلمين ويرثه ورثته المسلمون، لأنه مؤمن عاص، وعليه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وقيل: يقتل كفراً ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويكون ماله لبيت مال المسلمين، وهو قول ابن حبيب وجماعة من التابعين، وسندهم في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "بين العبد المؤمن والكافر ترك الصلاة"، ظاهر الحديث على أي وجه تركها، وقال جمهور العلماء: معنى الحديث: إذا تركها جاحداً لوجوبها)). وكان الإمام ابن سحنون -رحمه الله- عالماً حافظاً لمسائل الخلاف بين الصحابة فقد قال عن نفسه كما في أحد أجوبته [فتاوى ابن سحنون (ص163)]: ((بالله الذي لا إله إلا هو ما خفي علي من أهل العلم إختلاف لا من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا من عهد الخليفتين، ولا أحد من الصحابة والتابعين إلى طبقة أهل زماننا هذا، ولكن كل ما ذكرناه في هذه الأجوبة إنما هو مذهب أهل المدينة؛ لأنه أكرم المذاهب كلها وأشرفها؛ لأن مذهبنا شديد الاحتياط في الدين)). وقال كما في أحد أجوبته كما في [فتاوى ابن سحنون (ص367)] عندما قال له تلميذه: ((ما أعلمك برجال أهل العلم؟!، وما أحفظك في الخلاف؟! فقال: تالله ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أحد من أهل العلم ممن كان مضى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الخلفاء بعده إلى عصرنا هذا ممن لا أعرفه وأعرف قوله ومن خالفه، وكأني أنظر إليهم، وكأني أسمع كل واحد منهم، وكأنهم كلهم بإزائي حضوراً...)). وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ابن سحنون بالإمامة وعده قريباً من طبقة الائمة الشافعي وأحمد وابن راهويه كما في [الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص/512-513)] فقال: ((وقد قال الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه(161هـ-238هـ) وهو أحد الأئمة يعدل بالشافعي(150هـ-204هـ) وأحمد(164هـ-241هـ): (قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله عليه الصلاة والسلام أو دفع شيئا مما أنزل الله أو قتل نبيا من أنبياء الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بما أنزل الله). كذلك قال محمد بن سحنون وهو أحد الأئمة من أصحاب مالك وزمنه قريب من هذه الطبقة: (أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المنتقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر) )). وجاء في [النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهاتللإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي (310هـ-386هـ) (1/150)]: ((ومن العتبية، قال ابن القاسم، عن مالك: ومن ترك الصلاة قيل له: صل. فإن صلى، وإلا قتل. ومن قال: لا أصلي. استتيب، فإن صلى وإلا قتل. وكذلك من قال: لا أتوضأ. قال ابن الماجشون، وأصبغ: إن قال: لا أجحدها، ولا أصلي. قتل)). فلم يذكر الإمام مالك بأن تارك الصلاة كافر مرتد، بل ذكر أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهذا القول يدل على ضعف قول الطحاوي في نسبة كفر تارك الصلاة للإمام مالك. ثم قال –رحمه الله- (1 /151): ((وذهب ابن حبيب أن تارك الصلاة متعمدا أو مفرطا كافر، وأنه إن ترك أخواتها متعمدا، من زكاة، وصوم، وحج، فقد كفر. قال: وقاله الحكم بن عتيبة. وقال غير ابن حبيب: إنه لا يكفر إلا بجحد هذه الفرائض، وإلا فهو ناقص الإيمان؛ ولأنه يوارث، ويصلى عليه، واحتج بحديث مالك، عن عبادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة". وفي آخر الحديث: "ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة". وهذا يبين معنى الحديث الذي ذكره ابن حبيب. والله أعلم)). ثالثا: أن هذا القول المنسوب للإمام مالك هو قول ضعيف ولا تصح نسبته للإمام. قال العلامة الشنقيطي في [ أضواء البيان3 /447]: ((اختلف العلماء في تارك صلاة عمدا تهاونا وتكاسلا مع اعترافه بوجوبها، هل هو كافر أو مسلم، وهل يقتل كفرا أو حدا أو لا يقتل؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك، وإن لم يتب قتل كفرا، وممن قال بهذا: الإمام أحمد رحمه الله في أصح الروايتين، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومنصور الفقيه من الشافعية، ويروى أيضا عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية، وهو رواية ضعيفة عن مالك)). ثم قال–رحمه الله-( 3 /449): ((وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن تارك الصلاة عمدا تهاونا وتكاسلا إذا كان معترفا بوجوبها غير كافر، وأنه يقتل حدا - كالزاني المحصن - لا كفرا، وهذا هو مذهب مالك وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه، وعزاه النووي في شرح المهذب للأكثرين من السلف والخلف، وقال في شرح مسلم: ذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب، فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف)). ومما يدل على ذلك أن الطحاوي لم يسم أي حافظ من الحفاظ الذين نقلوا مذهب الإمام مالك، ولو نقله الحفاظ عنه لما خفي على أغلب العلماء ممن نقلوا كلام الإمام في هذا الباب. رابعا: أن الطحاوي نقل هذا القول أيضا عن الإمام الشافعي، وهذا القول هو مخالف لما هو مشهور من قول الإمام الشافعي، فإن المشهور أن الإمام الشافعي يرى قتل تارك الصلاة متعمدا من غير عذر بعد استتابته، ولا يرى أنه مرتد كما نقل الطحاوي. ومما يدل على ذلك قال الإمام الشافعي كما في [الأم(1 /291)]: ((من ترك الصلاة المكتوبة ممن دخل في الإسلام قيل له لم لا تصلي؟ فإن ذكر نسيانا قلنا فصل إذا ذكرت، وإن ذكر مرضا قلنا فصل كيف أطقت قائما أو قاعدا أو مضطجعا أو موميا فإن قال أنا أطيق الصلاة، وأحسنها، ولكن لا أصلي وإن كانت علي فرضا قيل له الصلاة عليك شيء لا يعمله عنك غيرك، ولا تكون إلا بعملك فإن صليت، وإلا استتبناك فإن تبت، وإلا قتلناك فإن الصلاة أعظم من الزكاة، والحجة فيها ما وصفت من أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال " لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه لا تفرقوا بين ما جمع الله)). وقال أيضا–رحمه الله- (1/ 292): ((وقد قيل يستتاب تارك الصلاة ثلاثا، وذلك إن شاء الله تعالى حسن فإن صلى في الثلاث، وإلا قتل، وقد خالفنا بعض الناس فيمن ترك الصلاة إذا أمر بها، وقال: لا أصليها فقال: لا يقتل، وقال بعضهم: أضربه وأحبسه، وقال بعضهم أحبسه، ولا أضربه، وقال بعضهم لا أضربه، ولا أحبسه، وهو أمين على صلاته)). فلم يذكر الإمام الشافعي بأن تارك الصلاة كافر مرتد، بل ذكر أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهذا القول يدل على ضعف قول الطحاوي في نسبة كفر تارك الصلاة للإمام الشافعي أيضا. ويؤيده ذلك قوله (1/ 239): ((حضور الجمعة فرض فمن ترك الفرض تهاونا كان قد تعرض شرا إلا أن يعفو الله كما لو أن رجلا ترك صلاة حتى يمضي وقتها كان قد تعرض شرا إلا أن يعفو الله)). فقوله: (إلا أن يعفو الله) معناه: أنه تحت المشيئة، وهذا لا يكون إلا فيما هو دون الشرك. وقد قال الإمام المروزي–رحمه الله-(249هـ) في [تعظيم قدر الصلاة (2/956)]: ((قال أبو عبد الله رحمه الله : واحتجوا بهذه الأخبار وجعلوها معارضة لتلك الأخبار التى جاءت في إكفار تارك الصلاة قالوا فهذه الأخبار تدل على أن تارك الصلاة حتى تجاوز وقتها غير كافر قالوا وفى اتفاق عامة أهل العلم على أن التارك للصلاة حتى خرج وقتها متعمدا يعيدها قضاء ما يدل على أنه ليس بكافر لأن الكافر لا يؤمر بقضاء ما ترك من الصلاة في قول عامة العلماء وكان ممن ذهب هذا المذهب من علماء أصحاب الحديث الشافعى رضى الله عنه وأصحابه أبو ثور وغيره وأبو عبيد فى موافقيهم)). وقال الجويني الشافعي–رحمه الله-(478هـ)في [نهاية المطلب في دراية المذهب (2/ 651)]: ((اختلف مذاهب العلماء في حكم الله تعالى على من يترك الصلاة من غير عذر. فذهب أحمد: إلى أنه يكفر، ولو مات قبل التوبة، فهو مرتد، وماله فيء. وتوبتُه عنده أن يقضي تلك الصلاة. وقال أبو حنيفة: لا يكفر ولا يقتل أيضاً، ثم قال في رواية: لا يتعرض له، بل يخلّى سبيله؛ فإن الصلاة أمانةُ الله تعالى، فأمره في تركها وإقامتها موكول إلى الله تعالى، وقال في رواية: يحبس ويؤدب، فإن استمر على ترك الصلاة، أدّبناه في وقت كل صلاة، ولا ينتهي الأمر إلى ما يكون سبباً للهلاك. وهذا مذهب المزني. وأما الشافعي؛ فإنه رأى قتلَ تارك الصلاة، ومأخذ مذهبه الخبرُ، مع أنه لم يرد في هذا الخبر قتلٌ على التخصيص. والهجوم على قتل مسلمٍ عظيمٌ مشكل...)). الوقفة الثالثة: وأكد الجهني استدلاله بأن مذهب الإمام مالك تكفير تارك الصلاة متعمدا بمنعه من الصلاة بثوب تارك الصلاة فقال: ((ولقد وقفت على مسألة, تؤكد نقل الطحاوي عن مالك في كونه يكفر تارك الصلاة . قال ابن القاسم في " مجالسه 71/1 " : قلت لمالك: رأيت رجلا صلى بثوب ولم يعلم (أنه نجس)، هل صلاته جائزة أم لا؟ قال مالك: إن كان الثوب لتارك الصلاة يعيد الغسل إن كان اغتسل، والوضوء إن كان توضأ، والصلاة إن كان صلى، لأن ثوب تارك الصلاة نجس مبين للنجاسة، وأما الصلاة فيعيدها في الوقت، وإلا فلا إعادة عليه. انتهى فما هي العلة عند الإمام مالك رحمه الله في كون تارك الصلاة ثوبه نجس بيِّن النجاسة ؟ فالجواب من " المدونة 140/1 " حيث جاء فيها ما يلي : قَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلِّي فِي ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا، قَالَ: وَأَمَّا مَا نَسَجُوا فَلَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: مَضَى الصَّالِحُونَ عَلَى هَذَا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُصَلِّيَ بِخُفَّيْ النَّصْرَانِيِّ اللَّذَيْنِ يَلْبَسُهُمَا حَتَّى يُغْسَلَا. انتهى . فالعلة في المنع من الصلاة في ثياب أهل الذمة هي نفسها العلة في المنع من الصلاة في ثياب تارك الصلاة , وهي نجاسة الكافر. فهذا ظاهر جدا في أن مذهب مالك رحمه الله هو كفر تارك الصلاة كفرا ينقل عن الملة. ومن يدعي خلاف ذلك فليأتِ بجامع معتبر غير نجاسة الكفر بين ثياب أهل الذمة وثياب تارك الصلاة)). وإني لأعجب من هذا الاستدلال الغريب بحيث أن الجهني أوضح عن جهله الكبير وبعده الكبير عن طريقة العلماء بل وعن فهم كلامهم، إضافة إلى أنه حمل كلام الإمام مالك ما لم يتحمل وقوَّله ما لم يقل، وهذه هي طريقة أهل البدع في التعامل مع نصوص الأئمة، ولبيان ذلك أقول: أولا: أن كلام الإمام مالك صريح وواضح في المنع من الصلاة بثوب من لم يصلِّ وكذا الصلاة بثوب الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم، وأوضح الإمام أن علة المنع هي نجاسة الثوب؛ لأن تارك الصلاة لا يطهر ثوبه ولا يتحرز من النجاسات؛ كما هو الحال عند الكفار. ومما يوضح ذلك ما فهمه الأئمة من كلام الإمام مالك: قال ابن الحاجب في [جامع الأمهات (ص34)]: ((ولا يصلي بلباسهم بخلاف نسجهم ولا بثياب غير المصلي بخلاف لباس رأسه ولا بما يحاذي الفرج من غير العالم)). وأوضح ابن ميارة كلام ابن الحاجب كما في [الدر الثمين والمورد المعين (ص142)] فقال:((قال ابن الحاجب ولا يصلى بلباسهم بخلاف نسجهم ولا بثياب غير مصل بخلاف لباس رأسه ولا بما يحاذي الفرج من غير العالم بخلاف ثوب الجنب والحائض التوضيح قوله ولا يصلى بلباسهم أي بلباس الكافرين وشاربي الخمر بخلاف نسجهم قال في المدونة مضى الصالحون على ذلك أي على عدم الغسل ولأنا لو أمرنا بغسله لأدى إلى الحرج ولأنهم يصونون ذلك لغلاء الثمن وقوله ولا بثياب غير المصلي لعدم توقيه النجاسة ولا تصل غالبا إلى رأسه قوله ولا بما يحاذي الفرج أي القبل والدبر يريد من المصلي لأنه قل من يتقن أمر الاستبراء وفهم من التقييد بما يحاذي الفرج الجواز فيما لا يحاذيه من المصلي اللخمي وابن بشير ويلحق بما يحاذي الفرج ما ينام فيه ولو من المصلي لأن الغالب نجاسته والمراد بالعالم العالم بأمور الاستبراء ولا يشترط أن يكون عالما بغيره وكل من ولي أمراً في الشريعة فإنما يطلب منه العلم بذلك فقط)). وجاء في [منح الجليل شرح مختصر خليل (1/ 57)]: (( (ولا) يصلى (بثياب غير مصل) رجلا كان، أو امرأة بالغا، أو صبيا لغلبة نجاستها؛ إذ شأن من لا يصلي عدم توقيها واستثنى مما ينام فيه مصل آخر ومن ثياب غير المصلي فقال (إلا) ثياب (كرأسه) وما فوق سرته من قلنسوة وعمامة وسديري وقميص للسرة فتجوز الصلاة بها لعدم غلبة نجاستها)). ثانيا: ومما يدل على أن العلة من المنع هو غلبة النجاسة ما ذكره الإمام مالك كما في [المدونة(1 /140)] فقال:((لا يصلي في ثياب أهل الذمة التي يلبسونها، قال: وأما ما نسجوا فلا بأس به، قال: مضى الصالحون على هذا. قال: وقال مالك: لا أرى أن يصلي بخفي النصراني اللذين يلبسهما حتى يغسلا)). فلما ذكر أنه لا يصلى في خفي النصراني اللذين يلبسهما حتى يغسلا دلَّ على أنه أراد النجاسة الحسية، لأن النصراني لا يتحرز من النجاسة فيتنجس ثوبه وخفيه، ولذلك قيد الخفين بأنهما اللذين يلبسهما النصراني فدل على غلبة النجاسة لعدم الاحتراز، ويؤكد ذلك أنه أجاز لبسهما إذا غسلهما لزوال النجاسة. قال الدسوقي في [حاشيته على الشرح الكبير (1 /182)]: ( قوله : ولا يصلى بلباس كافر ) إلى قوله غير عالم، هذه الأحكام مبنية على تقديم الغالب على الأصل إذا تعارض الأصل والغالب، فإن تلك الأمور الأصل فيها الطهارة، والغالب فيها النجاسة وكل ما غلبت عليه النجاسة لا يصلى به والشأن في الكافر وما عطف عليه عدم توقي النجاسة ( قوله : بالبناء للمفعول ) أي: لأجل الإشارة إلى أنه لا يجوز حتى لذلك الكافر إذا أسلم أن يصلي في ذلك اللباس حتى يغسله؛ كما رواه أشهب عن مالك ثم إن محل الحرمة إذا جزم بعدم الطهارة أو ظن عدمها أو شك في الطهارة أما لو تحققت طهارته أو ظنت فإنها تجوز الصلاة فيها وهذا بخلاف ثياب شارب الخمر من المسلمين فإنه لا تجوز الصلاة فيها عند تحقق النجاسة أو ظنها لا إن شك في نجاستها فإنه تجوز الصلاة فيها تقديما للأصل على الغالب)). وهذه العلة هي عند غالب الأئمة كالإمام أحمد وغيره، فقد نقل صالح ابن الإمام أحمد كما في [مسائل الإمام أحمد بروايته(3 /48) عن أبيه] فقال: (( قال أبي ولا يصلى في ثياب المجوس ثياب اليهود والنصارى عندي أسهل ما لم يكن ثوب يلي سفلته فإنهم لا يتنزهون من البول)). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد كما في [مسائل الإمام أحمد بروايته(ص 14)]: ((حدثنا قال سمعت أبي يقول كل ثوب يلمسه يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كان مثل الإزار والسراويل فلا يعجبني أن يصلى فيه وذلك أنهم لا يتنزهون من البول)). فانظر إلى قول الإمام أحمد في حكم الصلاة في الثوب اليهودي والنصراني وجعل العلة في ذلك أنهم لا يتنزهون من البول. فأين الجهني وقواعده الحدادية من كلام هذا الإمام؟!. وقد فصل الحافظ ابن رجب –رحمه الله- في أقوال العلماء في حكم الصلاة بثياب الكفار التي يلبسونه كما في [الفتح (2 /375)] فقال: ((فأما ما لبسوه من ثيابهم، فاختلف العلماء في الصلاة فيه قبل غسله: فمنهم: من رخص في ذلك. قال الحسن: لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني وهو قول الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد. قال الثوري: وغسلها أحب إلي. ومنهم: من كره ذلك، من غير تحريم، وهو قول الشافعي، ورواية عن أحمد. وكره أبو حنيفة وأصحابه ما ولي عوراتهم، كالإزار والسراويل. وقال الشافعي: أنا لذلك أشد كراهة. وقالت طائفة: لا يصلى في شيء من ثيابهم حتى يغسل، وهو قول إسحاق، وحكي رواية عن أحمد، وهو قول مالك - أيضا -، وقال: إذا صلى فيه يعيد ما دام في الوقت)). ثم أكد الحافظ ابن رجب على علة منع الصلاة بثوب الكفار قائلا: ((وفرقت طائفة بين من تباح ذبيحته ومن لا تباح: قال أحمد - في رواية حنبل - في الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني: إذا لم يجد غيره غسله وصلى فيه، وثوب المجوسي لا يصلى فيه، فإن غسله وبالغ في غسله فأرجو؛ هؤلاء لا يجتنبون البول، واليهود والنصارى كأنهم اقرب إلى الطهارة من المجوس)). ثم أكد الحافظ ابن رجب بيان هذه العلة عند بعض الأئمة من أن الثياب التي يمنع الصلاة بها هي ما تلي أجسامهم لا جميع الثياب فقال: ((وفرقت طائفة بين ما يلي عوراتهم وما لا يلي العورات: قال أحمد - في رواية حنبل -: لا بأس بالصلاة في ثوب اليهودي والنصراني، إلا ما يلي جلده، فأما إذا كان فوق ثيابه فلا بأس به. وقال عَبْد الله بن أحمد: سمعت أبي قال: كل ثوب يلبسه يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كان مثل الإزار والسراويل فلا يعجبني أن يصلى فيه؛ وذلك أنهم لا يتنزهون من البول. ونقل بكر بن محمد، عن أبيه، عن أحمد، فيمن صلى في سراويل يهودي أو نصراني أو مجوسي: أحب إلي أن يعيد صلاته كلها. ونقل حرب، عن أحمد، قال: لا يصلى في شيء من ثياب أهل الكتاب التي تلي جلده: القميص والسراويل وغير ذلك. قال ابن أبي موسى: لا تستعمل ثياب المجوسي حتى تغسل، ولا ما سفل من ثياب أهل الكتاب كالسراويل، وما لصق بأبدانهم حتى يغسل)). وختم الحافظ ابن رجب بقاعدة مهمة تهدم قواعد الحدادية في هذه المسألة فقال: ((والمسألة: ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر، فالأصل الطهارة، والظاهر أنه لا يسلم من النجاسة، وقد يقوى ذلك الظاهر في حق من لا تباح ذبائحه؛ فإن ذبائحهم ميتة، وما ولي عوراتهم؛ فإن سلامته من النجاسة بعيد جدا، خصوصا في حق من يتدين بالنجاسة)). وأنا أقول للجهني هذه أقوال الأئمة مفصلة أتم تفصيل وموضحة أتم إيضاح، وما رأينا أحدا منهم على اختلاف مذاهبهم قال أن العلة من المنع هي الكفر أو الشرك، بل كلمتهم متفقة على أن العلة هي النجاسة الحسية. فمن أين أتيت بقولك هذا يا جهني؟! والمصيبة أن الجهني ادعاه على أنه قول الإمام مالك، وراح يستنبط منه القواعد والمسائل الفاسدة المؤيدة للقواعد والمسائل الحدادية. ثالثا: إني لأعجب من جهل الجهني في فهمه لكلام الأئمة فهو يعلل كلام العلماء على ما يهواه ثم يستنبط منها الأحكام على حسب منهجه الحدادي، ومن ذلك قوله: ((فالعلة في المنع من الصلاة في ثياب أهل الذمة هي نفسها العلة في المنع من الصلاة في ثياب تارك الصلاة , وهي نجاسة الكافر. فهذا ظاهر جدا في أن مذهب مالك رحمه الله هو كفر تارك الصلاة كفرا ينقل عن الملة. ومن يدعي خلاف ذلك فليأتِ بجامع معتبر غير نجاسة الكفر بين ثياب أهل الذمة وثياب تارك الصلاة)). فجعل العلة التي من أجلها منع الإمام مالك الصلاة بثوب الكفار هي: الكفر، ثم حمل هذه العلة على تارك الصلاة واستنبط أن الإمام يكفر تارك الصلاة كفرا ينقل عن الملة، مع أن كل من نقل كلام الإمام مالك فهم أن العلة في ثياب الكفار هي غلبة النجاسة الحسية لانهم لا يستنزهون من النجاسة، وهي العلة نفسها في تارك الصلاة. وأنا أسأل الجهني من وافقك في قولك هذا؟! بل ومن سبقك لهذا القول؟! ومن نسب هذا القول للإمام مالك أو لأحد من الأئمة؟! وقد قال ابن قدامة –رحمه الله- في [المغني (1/ 62)]: ((ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة الصلاة في الثوب الذي ينسجه الكفار؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، إنما كان لباسهم من نسج الكفار. فأما ثيابهم، التي يلبسونها، فأباح الصلاة فيها الثوري، وأصحاب الرأي، وقال مالك في ثوب الكفار: يلبسه على كل حال، وإن صلى فيه يعيد، ما دام في الوقت. ولنا أن الأصل الطهارة، ولم تترجح جهة التنجيس فيه، فأشبه ما نسجه الكفار)). رابعا: أن الإمام مالك أشار إلى أن العلة من منع الصلاة بثياب أهل الذمة هي النجاسة الحسية بقوله: (لَا يُصَلِّي فِي ثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّتِي يَلْبَسُونَهَا)، فذكر أن الثياب التي يمنع الصلاة فيها هي التي يلبسونها بخلاف التي لم يلبسونها. ومما يدل على ذلك ما ذكره الدسوقي في حاشيته على [الشرح الكبير(1 /181)] حيث خص ثياب غير المصلي بالمحاذية للفرج واستثنى غطاء الرأس والعمامة فقال: (( ( ولا ) يصلى ( بثياب غير مصل ) أصلا أو غالبا كالنساء والصبيان أعدها للنوم أو لا لعدم توقيه النجاسة غالبا (إلا) ثياب ( كرأسه ) من عمامة وعرقية ومنديل فمحمولة على الطهارة إذ الغالب عليه عدم وصول النجاسة إليها والاستثناء راجع للفرعين قبله (ولا) يصلى ( بمحاذي ) أي بمقابل ( فرج غير عالم ) بالاستبراء وأحكام الطهارة كالسراويل والأزرة إلا أن تعلم طهارته وأما العالم فيصلي بمحاذي فرجه)). ويمكن تلخيص القرائن التي يفهم من خلالها مذهب الإمام مالك في تحديد علة منع الصلاة بثياب الكفار وأنها النجاسة الحسية لا المعنوية وهي: أ-أنه لم يمنع من الصلاة بجميع ثيابهم، وإنما حدد هذا المنع بما يلبسونه من الثياب. ب- أنه أجاز الصلاة بثياب الكفار التي يلبسونها بعد غسلها. ج- ومما يؤكد ذلك ما ذهب إليه بعض الأئمة من أن الممنوع من الثياب ما يلي أجسامهم من السراويل والأزرة. خامسا: ثم إن ما يؤكد فساد ما ذهب إليه الجهني أن حكم الكفر على تارك الصلاة إنما يكون بعد الاستتابة، فتارك الصلاة قبل الاستتابة لا يكفر عند من يرى كفره. وعلى هذا فإن ثياب تارك الصلاة قبل الحكم عليه بكفره لا بأس من الصلاة بها على حسب مذهب الجهني، وهذا باطل؛ وذلك لأن من منع الصلاة بثياب تارك الصلاة منعها حال كونه تاركا للصلاة؛ فأما بعد الاستتابة فلا داعي لهذا الحكم لأنه سيقتل إن لم يتب من تركه للصلاة. الوقفة الرابعة: وأكد الجهني ادعائه على الإمام مالك بأنه يكفر تارك الصلاة بشبهة أخرى فقال: ((دليل آخر يؤكد أن الإمام مالك يكفر تارك الصلاة قال ابن عبدالبر - رحمه الله - في " التمهيد 4/213 ": وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَجَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ قَالَ مَالِكٌ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وَأَبَى أَنْ يُصَلِّيَ قُتِلَ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ مَكْحُولٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَوَكِيعٍ. انتهى. فهذا دليل على كفره عند الإمام مالك, لكونه دخل في الإسلام بالشهادتين " آمن بالله وصدق المرسلين " ثم ارتد عن الإسلام بالإباء عن أداء الصلاة, فيُقتل ردةً . وهذا ظاهر لمن تأمل , ومع ذلك فقد تأولوا كلام مالك هذا وصرفوه عن ظاهره كما فعلوا في نصوص الوحيين وآثار الصحابة رضي الله عنهم)). والجهني أفصح عن جهله بحاله ومقاله ولبيان ذلك أقول: أولا: أن الجهني مدع على الإمام من غير دليل ولا برهان؛ فإن الإمام لم يذكر الكفر مطلقا وإنما ذكر القتل وهناك فرق بين القتل والكفر، فليس كل من يستحق القتل يستحق أن يطلق عليه الكفر كما هو معلوم. ثانيا: أن الذي فهمه العلماء ونقلوه عن الامام مالك بأن تارك الصلاة يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل. قال ابن عبد البر–رحمه الله- في [الاستذكار 1 /204]: ((وقال مالك وأصحابه إذا أبى من الصلاة وقال لا أصلي ضربت عنقه، وهو معنى قول الشافعي. وقال الشافعي: يقول له الإمام صل فإن قال لا أصلي سئل عن العلة التي من أجلها ترك الصلاة فإن ادعى علة بجسده لا يطيق من أجلها القيام والركوع والسجود قيل له صل كيف أطقت فإن قال لا أصلي وحضر وقتها فلم يصل وأبي حتى خرج وقتها قتله الإمام، ذكره الطبري عن الربيع عن الشافعي)). وقال ابن القيم–رحمه الله- في [الصلاة وأحكام تاركها (ص42)]: ((وأما المسألة الثالثة: وهو انه هل يقتل حدا كما يقتل المحارب والزاني أم يقتل كما يقتل المرتد والزنديق هذا فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد. إحداهما: يقتل كما يقتل المرتد وهذا قول سعيد بن جبير وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي وأبي عمرو الأوزاعي وأيوب السختياني وعبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وعبدالملك بن حبيب من المالكية وأحد الوجهين في مذهب الشافعي وحكاه الطحاوي عن الشافعي نفسه وحكاه أبو محمد ابن حزم عن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وعبدالرحمن بن عوف وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة. والثانية: يقتل حدا لا كفرا وهو قول مالك والشافعي واختار أبو عبدالله ابن بطة هذه الرواية ونحن نذكر حجج صليت أدلة الذين لا يكفرون تارك الصلاة قال الذين لا يكفرونه بتركها قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه فلا نخرجه عنه إلا بيقين. ثالثا: ومما يدل على أن الإمام مالك لا يرى كفر تارك الصلاة غير الجاحد أنه كان يورثه بعد قتله)). قال ابن عبد البر -رحمه الله- في [الاستذكار(2 /116)]: ((وأما الشافعي رحمه الله فقال بقول الإمام لتارك الصلاة صلِّ؛ فإن قال لا أصلي سئل فإن ذكر علة بجسمه أمر بالصلاة على قدر طاقته فإن أبى من الصلاة حتى يخرج وقتها قتله الإمام. وإنما يستتاب ما دام وقت الصلاة قائما يستتاب في أدائها وإقامتها فإن أبى قتل وورثه ورثته، وهو قول مالك رحمه الله وأصحابه. قال بن وهب: سمعت مالكا يقول من آمن بالله وصدق المرسلين وأبى أن يصلي قتل، وبه قال أبو ثور وهو قول مكحول وحماد بن زيد ووكيع)). وقال ابن الحاجب -رحمه الله- في [جامع الأمهات (ص105)]: ((ويؤخذ تارك الصلاة بها في آخر الوقت الضروري لا الاختياري على المشهور فإن امتنع فعلا وقولاً قتل حدا لا كفراً وقال ابن حبيب كفراً فإن قال أنا أصلي ولم يفعل ففي قتله قولان أما جاحدها فكافر باتفاق)). وقال القاضي عبد الوهاب المالكي [الإشراف على نكت مسائل الخلاف1/ 352]: ((مسألة: إذا اعتقد وجوب الصلاة ثم تركها كسلا يقتل ولا يكفر، خلافاً لأبي حنيفة في قوله لا يقتل، ولأحمد في قوله قد كفر. فدليلنا على أبي حنيفة قوله - صلى الله عليه وسلم -: (بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة)، وأقل ما يوجبه هذا اللفظ وجوب القتل. ولأن الأمر أحد نوعي التكليف فجاز أن يقتل في مخالفته كالنهي. ودليلنا على أحمد أنها من أفعال البدن فلم يكفر بتركها مع اعتقاد وجوبها كالحج)). وقال الماوردي في [الحاوي الكبير للماوردي (2/ 525)]: ((اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي ومالك أن دمه مباح وقتله واجب، ولا يكون بذلك كافرا. والمذهب الثاني: هو مذهب أبي حنيفة والمزني أنه محقون الدم لا يجوز قتله، لكن يضرب عند صلاة كل فريضة أدبا وتعزيزا. والمذهب الثالث: وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنه كان كافر كالجاحد، تجري عليهم أحكام الردة)). وبهذا يتبين أن مذهب الإمام مالك أن من ترك الصلاة من غير جحود لها لا يكفر وإنما يستتاب فإن تاب وإلا قتل حدا، وأن ما نسب للمالكية من تكفير تارك الصلاة إنما هو مذهب ابن حبيب من المالكية. وبعد هذا البيان يتبين بوضوح جهل الجهني وبعده عن التحقيق العملي، بل هو من أبعد الناس عن العلم وفهم كلام العلماء. فيا ترى ماذا سقول الجهني؟! هل سيتهمهم بالإرجاء؟ أم هل سيرد كلامهم بحجج واهية؟ أم أن الجهني سيبقى متشبثا بشبهاته الباطلة وآرائه الفاسدة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. كتبه أبو عمر عبد الباسط المشهداني
  7. الأخ الغالي أبا الحسين الحسيني بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا، أسأل الله العظيم أن يثبتنا وإياكم على السنة، وأن يفضح كل من حاربها وحارب أهلها.
  8. من فضائح الحدادية بيان كذب الجهني الصريح في تشغيبه على الشيخ ربيع في نسبة كتاب البرهان للسكسكي بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد: فإن مما اشتهر به الحدادية اليوم هو كذبهم الصريح على العلم والعلماء، فمع الخارجية المقيتة في التكفير، أضافوا الكذب الفاضح. ومن ذلك ما سطره الجهني الحدادي في مقاله: (تحقيق قول مالك في حكم تارك الصلاة والجواب عن بعض الشبه) فقد اشتمل هذا المقال على صغر حجمه على أنواع من الجهل والظلم والبغي، حيث تجاوز فيه الجهني على العلم والعلماء، ومن تلك المسائل التي ابتدعها الجهني هو: الطعن في نسبة كتاب: (البرهان في عقائد أهل الإيمان) للسكسكي حيث قال: ((جواب عن شبهة: رأيت بعضهم ينقل عن كتاب اسمه (البرهان في عقائد أهل الإيمان) منسوب للسكسكي. وهذا الكتاب هو من كتب الفرق والأديان, ليس كما يظهر من عنوانه, ثم إن نسبته للسكسكي لا تصح, فقد حقق بعض المتخصصين في التراث اليمني أن مؤلف هذا الكتاب هو العباس بن منصور البريهي الشافعي المتوفى سنة (683). فهذه نبذة عن أصل الكتاب, أما النص الذي أثار الشبهة عند بعضهم فقوله وهو يتكلم عن موقف الفرق من أهل السنة والجماعة, حيث قال "ص 95-96 ": وتسميهم المنصورية وهم أصحاب عبدالله بن زيد (من الرافضة) مرجئة لقولها إن تارك الصلاة إذا لم يكن جاحدا لوجوبها مسلم على الصحيح من المذهب ويقولون هذا يؤدي إلى أن الإيمان عندهم قول بلا عمل)). وسأقف مع الجهني عدة وقفات: الوقفة الأولى: سوء أدب الجهني الحدادي مع كلام العلماء الكبار وهذه هي طبيعة الحدادية، فقد ذكر الجهني كلام الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في اعتماده على كلام السكسكي في كتابه البرهان في عقائد أهل الإيمان، فقال: (( رأيت بعضهم ينقل عن كتاب اسمه ( البرهان في عقائد أهل الإيمان ) منسوب للسكسكي)). وهذا البعض هو الشيخ ربيع حفظه الله تعالى إمام الجرح والتعديل في هذا الزمان، الذي شهد له الأئمة بالعلم والفهم والنصح لجميع الأئمة، أظهر الله على يديه كثيراً من أهل البدع والضلال فأبان ضلالهم، وحذر الأمة من خطرهم وشرورهم، وكتبه ورسائله شاهدة على ذلك؛ فجزاه الله خير الجزاء. وهذا التجهيل من الجهني لا يصح مع إمام كبير وعلَمٍ مشهور من علماء الأمة، فكان الواجب على الجهني أن يتأدب مع كلام العلماء ويحترمه، لكنه بعيد كل البعد عن العلم وأدب التعلم. وهذا الحدادي صاحب كذب ودعاوى عريضة على الشيخ ربيع فقد وصفه بالإرجاء في غير ما مقال، وأنه يعذر الملاحدة أهل الوجود وهذا دليل واضح وشاهد على حقيقة منهج هؤلاء الحدادية في عدائهم للسنة والتأليب على أهلها ولا حول ولا قوة إلا بالله. الوقفة الثانية: جهل الغامدي وكذبه في الطعن بنسبة كتاب: ( البرهان في عقائد الإيمان) للعلامة السكسكي حيث شكك في نسبة هذا الكتاب لمؤلفه أبي الفضل عباس بن منصور البريهي المشهور بالسكسكي (المتوفى 683هـ) فقال: ((رأيت بعضهم ينقل عن كتاب اسمه ( البرهان في عقائد أهل الإيمان ) منسوب للسكسكي . وهذا الكتاب هو من كتب الفرق والأديان, ليس كما يظهر من عنوانه , ثم إن نسبته للسكسكي لا تصح , فقد حقق بعض المتخصصين في التراث اليمني أن مؤلف هذا الكتاب هو العباس بن منصور البريهي الشافعي المتوفى سنة( 683) )). وهذا الكلام من الجهني يدل على جرأة حدادية وتعالم، ومما يدل على جهل الجهني وأن الكتاب هو لمؤلفه أبي الفضل عباس بن منصور البريهي السكسكي، وليس منسوباً له، كما يزعم الجهني فقد ذكره أهل الشأن في هذا الباب وممن ذكره ونسب كتاب البرهان إليه: بهاء الدين محمد بن يوسف بن يعقوب الجندي السكسكي الكندي، المتوفى سنة 732هــــ، في كتابه: (السلوك في طبقات العلماء والملوك) حيث قال (2/173-174): ((منهم ابو الفضل عباس بن منصور ابن عباس البريهي السكسكي مولده سنة عشرة وستمائة تقريبا وتفقهه بعمر بن مسعود الابيني المقدم الذكر ومحمد بن اسماعيل الحضرمي وببطال بن احمد الاتي ذكرهما في اهل ناحيتهما ان شاء الله تعالى وكان من اعرف الناس بكتب الشيخ ابي اسحاق واكثرهم لها نقلا ودرسا روى بعض الصالحين بعد موته وسئل عن هذا عباس فقال هو في ضيافة الشيخ ابي اسحاق ولما ورد امر السلطان المظفر على قاضي القضاة يومئذ بفصل محمد بن يوسف الاتي ذكره عن القضاء جعل هذا عباس مكانه وكانت ارزاق القضاة اذ ذاك من جزية اليهود فلما اراد المظفر ان يبتني مدرسة بمغربة تعز امر بجمع الجزية من كل بلد ويعوض اربابها من مال الخراج فحين علم القاضي عباس، بذلك عزل نفسه ولزم بيته ثم درس بالراتبة ولما انتقل علي بن مسعود عن النجمية صار اليها ودرس بها وانتفع به خلق كثير من جبلة وغيرها كابن مسلم وابن الاحنف وابن ابي الرجا وغيرهم وكان فقيها فاضلا محققا متقنا بالفروع والاصول له فيه مختصر سماه البرهان في معرفة عقائد أهل الاديان واخبرني الشيخ عيسى بن محمد الصوفي انه اجتمع هو ووالدي يوسف بن يعقوب رحمه الله تعالى ومعهم رجل من تهامة وذلك بمدرسة عبد الله بن العباس بالجند قال فتذاكرنا بها الفقهاء والأفقه فيهم ثم ذكرنا القاضي عباس فقيه الجند وذلك انه حدث ببلادنا مسئلة غريبة فاضطربت فيها اجوبة فقهاء تهامة اضطرابا كليا فبعثوا بها الى الجبال فاضطربت منها اجوبة الفقهاء كذلك فقدر ان وصل كتاب العزيز شرح الوجيز من الشام ففتش عليها به فلم يوجد جواب على صواب غير جواب القاضي عباس ولم يزل على الحال المرضي من التدريس والفتوى الى أن توفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة)). أبي الحسن علي بن الحسين الخزرجي، المتوفى سنة 812 هــ، في كتابه (العقد الفاخر الحسن في طبقات أكابر أهل اليمن ويسمى أيضا طراز أعلام الزمن في طبقات أعيان اليمن)، وذكره في ج٣ ص ١١٢٧-١١٢٩. بدر الدين أبي عبد الله الحسين بن عبد الرحمن بن محمد الأهدل، المتوفى سنة 855هـــ، في كتابه (تحفة الزمن في تاريخ سادات اليمن)، تحقيق الباحث عبد الله بن محمد الحبشي!، وذكره في ج١ ص ٤٨٨ -٤٨٩. أبي محمد الطيب بن عبد الله بن أحمد بن علي بامَخْرمة الحضرمي، المتوفى سنة 947هـ، في كتابه (قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر)، وذكره في ج5 ص 405. إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي، المتوفى سنة 1399هـ، في كتابه (هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين)، وذكره في ج1 ص 437، وكتابه (إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون)، وذكره في ج3 ص 179. خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس الزركلي الدمشقي، المتوفى سنة 1396هـ، في كتابه (الإعلام)، وذكره في ج3 ص 268. عمر بن رضا بن محمد راغب بن عبد الغني كحالة الدمشقي، المتوفى سنة 1408هـ، في كتابه معجم المؤلفين، وذكره في ج5 ص65. إسماعيل بن علي الاكوع اليمني، في كتابه المدارس الاسلامية في اليمن، وذكره ص ٧٥-٧٦. الباحث اليمني عبد الله بن محمد الحبشي في كتابه (مصادر الفكر الإسلامي في اليمن)، وذكره ص 125. وقدأكثرت من النقول لأبين جهل عبد الحميد الجهني في هذا الباب وجرأته، ولأن الكتاب مشهور ومعروف للسكسكي، فطعنه في نسبته إليه جهل كبير. الوقفة الثالثة: طعن الجهني بنسبة كتاب البرهان للسكسكي وأن الصحيح أنه للبريهي! فقال الجهني المتعالم: ((ثم إن نسبته للسكسكي لا تصح, فقد حقق بعض المتخصصين في التراث اليمني أن مؤلف هذا الكتاب هو العباس بن منصور البريهي الشافعي المتوفى سنة (683)). وقد نسب الجهني هذه كلامه هذا واعتمده زاعماً أنه يأخذ كلامه من أهل التحقيق وهو في الحقيقة لم يحقق الموضوع بأدنى درجات التحقيق، ولم يرجع إلى المصادر المعتمدة في هذا الباب ليعرف حقيقة هذا الموضوع. وللرد على كذب وتعالم وجهل عبد الحميد الجهني أقول: 1- البريهي يرجع نسبهم إلى السكاسك فلا تعارض كم توهمه الجهني. فقد جاء في تاج العروس للزبيدي(36/ 343): ((وبنو البريهى: جماعة باليمن يرجع نسبهم إلى السكاسك، ذكر الجندي منهم جماعة)). وفي معجم قبائل العرب القديمة والحديثة (1/ 78): ((البريهي:جماعة باليمن. يرجع نسبهم الى السكاسك)). وقد ذكر أهل العلم جماعة منهم. قال القاضي أبو عبد الله الجندي السكسكي الكندي في السلوك في طبقات العلماء والملوك (1/ 318): ((ثم نرجع إلى ذكر علماء اليمن فمن أهل الطبقة أبو الحسن أحمد بن الفقيه محمد بن عبد الله بن سلمة بن يوسف بن إسماعيل البريهي ثم السكسكي ثم الكندي المعروف بين فقهاء اليمن المعتبرين سيف السنة)). وقال السخاوي في الضوء اللامع لأهل القرن التاسع (8/ 57): ((محمد بن عبد الصمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الجمال السكسكي البريهي بضم الموحدة مصغر الدملوي اليمني المكي الشافعي ويعرف بابن عبد الصمد. ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة واشتغل في الفقه والنحو على أبيه وعمه وسمع ببلاد اليمن)). وقال السيوطي في بغية الوعاة (2/ 11):((صالح بن عمر بن أبي بكر بن إسماعيل البريهي السكسكي الشافعي أبو عبد الله، قال الخزرجي: كان فقيها فاضلا، وإماما كاملا، عارفا بالفقه والنحو واللغة والفرائض والجبر والمقابلة)). وقال أيضاً (2/ 59): ((عبد الله بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن إسماعيل البريهي ثم السكسكي أبو محمد. قال الخزرجي: كان متفننا في العلوم، عارفا بالحديث والتفسير والفقه، والنحو واللغة، والتصوف، ورعا صالحا، زاهدا عابدا صوفيا، له كرامات، سهل الأخلاق، مبارك التدريس، عظيم الصبر على الطلبة، كثير الحج. مات في المحرم سنة أربع وستين وسبعمائة)). 2- كل الذين ترجموا لأبي الفضل عباس البريهي ذكروا أنه من السكاسك كما ذكرنا في مصادر الترجمة له في الوقفة الثانية، ولم يخالف في ذلك أحد إلا الجهني المتعالم. 3- والجهني قد نسب كلامه هذا إلى أحد المتخصصين في التراث اليمني، فلم يذكر اسمه ولا مكان كلامه، والظاهر أنه لم يرجع إليه أصلا، ولو رجع إليه لعرف جهله وبعده عن التحقيق العلمي. وهذا المتخصص هو: عبد الله بن محمد الحبشي في مقاله والذي بعنوان: (تصحيح الأعلام اليمنية في هداية العارفين)، والمنشور في: مجلة معهد المخطوطات العربية، العدد الثالث والثلاثون، جمادى الأولى 1409هـ، صفحة 261-275. ومما يدل على أن الجهني لم يرجع لكلام الحبشي أن الحبشي لم يتطرق أصلا لموضوع نسبة الكتاب إلى السكسكي أو إلى غيره، وإنما تكلم على نسبة التريمي للسكسكي وأن هذه النسبة خطأ، وإنما الصحيح البريهي فقال ص 267 من المقال: ((أبو الفضل عباس بن منصور التريمي السكسكي. صوابه البريهي بدل التريمي نسبة إلى آل البريهي يسكنون مدينة أب وغيرها)). فأين قال المتخصص اليمني أن كتاب البرهان في عقائد أهل الإيمان لأبي الفضل عباس البريهي أن نسبته للسكسكي غير صحيحة؟!، لكن الهوى يعمي ويصم. ومما يؤكد هذا الكلام ما ذكره الباحث اليمني عبد الله الحبشي في كتابه مصادر الفكر الإسلامي في اليمن (ص/ 125) حين قال: ((البريهي: عباس بن منصور بن عباس البريهي السكسكى ولد سنة 620 من شيوخه بطال بن أحمد الركبي برع في الفقه وتولي القضاء بعد محمد بن يوسف ولما علم أن الملك المظفر أمر بتحويل جزية اليهود من العلماء إلى بناء مدرسة تعز استقال من القضاء ولزم بيته وعمل مدرسا بالمدرسة النجمية توفى سنة683. البرهان في عقائد أهل الأديان ...)). الوقفة الرابعة: ذكر الجهني أن هذا الكتاب من كتب الفرق والأديان فقال: ((وهذا الكتاب هو من كتب الفرق والأديان, ليس كما يظهر من عنوانه )). ويقصد بكلامه هذا التقليل من شأن هذا الكتاب، وأنه ليس من الكتب المعتمدة في ذكر عقيدة أهل السنة والجماعة، وكلامه باطل من وجوه: الوجه الأول: أن الجهني لو قرأ مقدمة السكسكي لعرف جهله بهذا الموضوع ولبيان ذلك سأنقل كلام السكسكي في بيانه سبب تأليف الكتاب فقال(ص 13): ((وبعد فإني لما رأيت أهل العلم والسنة يأخذون في النقصان وأهل الأهواء والمذاهب يكثرون في الأقطار والبلدان ويستميلون كثيرا من الجهال والعوام، ويهدمون بتلبيسهم قواعد الإسلام، أحببت أن أجمع مختصرا أذكر فيه قواعد عقائد الثلاث وسبعين فرقة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وقال أيضا (ص 94): ((قد ذكرت من فرق هذه الأمة الأثنين وسبعين فرقة وذكرت بعض عقائدها وما ذهبو إليه من الضلالة وخرجوا به عن طريق الحق واستوجبوا به الهلاك بدليل الحديث النبوي الذي قدمته في صدر هذا الكتاب وذكر بعض ضلال الأمم السالفة وبعض ما اعتقدوه وأنا الأن أذكر الفرقة الثالثة والسبعين)). وهذا يبين أن المؤلف يريد بيان العقائد المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، بسبب أنهم يستميلون كثيرا من الجهال والعوام. الوجه الثاني: إن بيان العقائد المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة هي من صلب عقيدة أهل السنة، ولا يمكن نشر هذه العقيدة المباركة إلا ببيان العقائد المخالفة والتحذير منها. وهذا ما صنعه المؤلف في هذا الكتاب حيث يذكر الفرق الثلاث والسبعين وما تولدت عنها من الفرق، ثم بيان عقائدهم المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة، ثم يذكر وجه المخالفة في ذلك. ومن تتبع الكتاب رأى حقيقة جهل الجهني فيما كتبه في هذا الباب. الوجه الثالث: أن المؤلف ذكر في آخر الكتاب عقيدة أهل السنة والجماعة وسماها: الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة. ثم ذكر فضلها وما اختصت به عن سائر الفرق وذكر عداء الفرق لهذه الفرقة الناجية، ثم ختم عقيدة الفرقة الناجية في مسائل كثيرة من مسائل الدين. الوقفة الخامسة: تعدى الجهني على كلام العلماء فقال: ((فهذه نبذة عن أصل الكتاب, أما النص الذي أثار الشبهة عند بعضهم فقوله وهو يتكلم عن موقف الفرق من أهل السنة والجماعة, حيث قال "ص 95-96 ": وتسميهم المنصورية وهم أصحاب عبدالله بن زيد (من الرافضة) مرجئة لقولها إن تارك الصلاة إذا لم يكن جاحدا لوجوبها مسلم على الصحيح من المذهب ويقولون هذا يؤدي إلى أن الإيمان عندهم قول بلا عمل)). ولبيان تعديه أقول: أولا: لم أجد في المطبوع من كتاب البرهان عبارة (من الرافضة) فهل يدلنا الجهني على مصدر هذه الزيادة، أم أنها من كيس الجهني. ثانياً: ما هو دليل الجهني أن المنصورية الذين ذكرهم العلامة عباس السكسكي أنهم من الرافضة. ثالثاً: المنصورية الذين ذكرهم العلامة أبو الفضل السكسكي هم أتباع عبد الله بن زيد وهم الذين يسمون أهل السنة مرجئة لقولهم: إن تارك الصلاة إذا لم يكن جاحدا لوجوبها مسلم، وأما المنصورية من الرافضة فهم أتباع اتباع أبى منصور العجلي فهم من الإباحية الذين يسقطون الفرائض، قال شيخ الإسلام في منهاج السنة النبوية (2/ 504-506): ((ذكروا عن المنصورية أصحاب أبي منصور أنهم كانوا يقولون عنه أنه قال: إن آل محمد هم السماء والشيعة هم الأرض، وأنه هو الكسف الساقط في بني هاشم وأنه عرج به إلى السماء فمسح معبوده رأسه بيده، ثم قال له: أي بني، اذهب فبلغ عني، ثم نزل به إلى الأرض، ويمين أصحابه إذا حلفوا: لا والكلمة. وزعم أن عيسى ابن مريم أول من خلق الله من خلقه، ثم علي، وأن رسل الله لا تنقطع أبدا، وكفر بالجنة والنار، وزعم أن الجنة رجل وأن النار رجل، واستحل النساء والمحارم وأحل ذلك لأصحابه. وزعم أن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر حلال، قال: لم يحرم الله ذلك علينا ولا حرم شيئا تقوى به أنفسنا، وإنما هذه الأسماء أسماء رجال حرم الله ولايتهم، وتأول في ذلك قول الله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}، وأسقط الفرائض وقال: هي أسماء رجال أوجب الله ولايتهم، فأخذه يوسف بن عمر والي العراق في أيام بني أمية قال: إن آل محمد هم السماء والشيعة هم الأرض، وأنه هو الكسف الساقط في بني هاشم وأنه عرج به إلى السماء فمسح معبوده رأسه بيده، ثم قال له: أي بني، اذهب فبلغ عني، ثم نزل به إلى الأرض، ويمين أصحابه إذا حلفوا: لا والكلمة. وزعم أن عيسى ابن مريم أول من خلق الله من خلقه، ثم علي، وأن رسل الله لا تنقطع أبدا، وكفر بالجنة والنار، وزعم أن الجنة رجل وأن النار رجل، واستحل النساء والمحارم وأحل ذلك لأصحابه. وزعم أن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر حلال، قال: لم يحرم الله ذلك علينا ولا حرم شيئا تقوى به أنفسنا، وإنما هذه الأسماء أسماء رجال حرم الله ولايتهم، وتأول في ذلك قول الله تعالى: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}، وأسقط الفرائض وقال: هي أسماء رجال أوجب الله ولايتهم، فأخذه يوسف بن عمر والي العراق في أيام بني أمية)). رابعاً: أن الشيخ ربيعاً –حفظه الله- من العلماء الكبار الرجاعين للحق نحسبه والله حسيبه ولما تبين له خطأ نسبة المنصورية من أتباع عبد الله بن زيد إلى الرافضة وأنهم ليسوا المنصورية المشهورة في كتب الفرق، قام بإنزال نسخة معدلة حذف فيها أنهم من الرافضة فجزاه الله خيراً على إنصافه. الوقفة السادسة: أن الجهني الحدادي أنكر قضية أن من طعن في عالم سني ففيه خصلة من الخوارج، وراح يدافع عن خارجيته بقواعد ليس لها أصل عند أهل السنة والجماعة، ولبيان باطله أقول: إن اتهام أئمة أهل السنة والجماعة بالإرجاء لعدم تكفيرهم تارك الصلاة قول الخوارج. وممن قال ذلك العلامة ابن عثيمين –رحمه الله- في سؤال وجه لفضيلته - وكان ذلك بعد عصر آخر يوم من شهر رمضان 1416هـ في غرفته في الحرم المكي. ((الشيخ عادل منصور: شيخ عندنا مجموعة شباب من طلاب العلم باليمن ويقولون في كبار أهل العلم المعرفين يعني كلمات شديدة، ووجدوا لهم أيضاً مجموعة من الشباب معهم، من ذلك أنهم يقولون في الشيخ الألباني إمامٌ في الإرجاء، ويقولون أيضاً في كبار هيئة العلماء هنا يقولون فيهم إرجاء وجهلٌ في الواقع، وللأسف إذا ناقشناهم يا شيخ قالوا نحن من أهل السنة نحن سلفيين، وهكذا من هذا القبيل فإيش الموقف معهم، إيش الكلام فيهم نعم. العلامة ابن عثيمين: أما كلامهم في العلماء فإنه لا يضر العلماء شيئاً. ولا أعلم عن الألباني قول يدل على أنه من أهل الإرجاء، بل هو سلفيٌ، سنيٌ، محدث، قل أن يوجد في عصره مثله، وأما هيئة كبار العلماء هنا، فدعواهم أنهم جاهلون بالواقع كغيرها من الدعاوى، "البينةُ على المدعي واليمين على من أنكر"، وهل ناقشوا هؤلاء العلماء وعرفوا أنهم عندهم جهل بالواقع، وكلمة جهل بالواقع، وفقه الواقع، وما أشبه ذلك، هذه كلها كلمات محدثة جاءت من بعض الدعاة، والفقه المحمود هو الفقه في دين الله عز وجللقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيراً يفقه في الدين"، أما الفقه في الواقع، فهو وسيلةٌ لتصور القضية حتى يحكم عليها بما تقتضيه الشريعة. الشيخ عادل منصور: طيب يا شيخ موقف هؤلاء الشباب. العلامة ابن عثيمين: أما موقفكم معهم فأرى أن تتركوهم. الشيخ عادل منصور: يعني نهملهم. العلامة ابن عثيمين: أبداً، ولا كأنهم شيء. لكن لو جاء أحد من غيرهم وأراد أن يتكلم بمثل هذا ينصح ويقال له اتق الله عز وجل، ولا يحل لك أن تتكلم بما لا تعلم . الشيخ عادل منصور: طيب يا شيخ اتهامهم لكبار أهل العلم بأن فيهم إرجاء يعني ما يكون في هؤلاء ميل ... يعني أذكر أن بعض أهل العلم ذكر أن ابن بدران الحنبلي ذكر في مقدمة الفقه يقول أن بعض فرق الخوارج تلمز أهل السنة بالإرجاء . العلامة ابن عثيمين: نعم، نعم ما فيه شك يعني أي إنسان يرمي المعتدلين بالإرجاء فإنه يميل إلى رأي الخوارج. الشيخ عادل منصور: يكون فيه عرق من الخوارج. العلامة ابن عثيمين: نعم فيه عرق من الخوارج)). http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=144115 فقول هذا العالم الجبل يدك حصون الحدادية ويظهر حقيقة ما هم عليه من الضلال والانحراف، وهو يوافق كلام السكسكي فيما نقله من عقيدة المنصورية الخارجية. والجهني في كلامه هذا يريد أن يبرر مذهب الخوارج الذين يعادون السنة وأهلها ويردون الأحاديث الصحيحة الصريحة لمذهبهم الباطل، بدعوى أنه حق فيقبل لهذا السبب. وهل الحق اتهام أئمة أهل السنة والجماعة بالإرجاء؟! أم هل الحق اتهام أئمة أهل السنة باختراع الأدلة وتوليدها؟! وبعد هذا كله يريد الجهني أن يعتبر نفسه من أهل العدل والإنصاف، فهو لا يعرف معنى العدل والإنصاف، بل هو قلب الحقائق فجعل الظلم عدلا والبغي إنصافا. وأين من قول أهل السنة والجماعة قبول قول الكافر وأهل البدع بحجة أنهم وافقوا الحق، بل قول أهل السنة أن ما في الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة غنية عن أقوال هؤلاء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. كتبه أبو عمر عبد الباسط المشهداني توثيق كلام عبد الحميد الجهني من موقعه توثيق كلام الباحث اليمني عبد الله الحبشي في مجلة معهد المخطوطات والذي كذب عليه عبد الحميد الجهني
  9. الاخوة الأفاضل جزاكم الله خيرا وبارك فيكم أسأل الله العظيم أن يباركَ في هذه الشبكة والقائمين عليها، وأن يحفظ علمائنا، وأن يرد كيد أعداء السنة، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه
  10. وقفات مع مجازفات ومغالطات عبد الله بن صوان الغامدي في تعديه على أحاديث فضل التوحيد والشفاعة وعلى علماء الأمة بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد: فإن منهج الحدادية مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة من جهة الاستدلال والأحكام والإعتقاد وغير ذلك. ولقد وقفت على كلام خطير للغامدي في موقعه بعنوان: (مواطن أخطاء المرجئة العصريين في مسألة الإيمان والكفر)، حيث ذكر وجوهاً عدة من هذه الأخطاء على حد زعمه منها: أولا: استدلالهم بأدلة المرجئة الأولى. قال الغامدي في مقال (مواطن أخطاء المرجئة العصريين في مسألة الإيمان والكفر): (( الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد : فهذه بعض مواطن أخطاء المرجئة العصريين في مسائل الإيمان والتكفير على طريق الإجمال أسأل الله أن ينفع بها 1-استدلالهم بأدلة المرجئة الأولى ومنها : -حديث البطاقة -وحديث الجارية -وحديث الشفاعة -وأحاديث لاإله إلا الله المطلقة -وحديث : "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب .." الحديث والجواب عنها معروف في مواضعه والحمد لله)) . ولي عليه في كلامه هذا وقفات، فأقول مستعينا بالله العظيم: الوقفة الأولى: إن الغامدي بكلامه هذا يطعن في أئمة السنة من أصحاب الحديث كأصحاب الكتب الستة وغيرهم، وممّن صنف في كتب العقيدة ومن محققي أهل السنة والجماعة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم، فضلا عن طعنه الصريح بأئمة السنة المعاصرين. وذلك لأن أئمة السنة رووا هذه الأحاديث في كتبهم مستدلين بها على مسائل متعلقة بمسائل الإيمان وغيرها. وذكر هذه الأحاديث الأئمة ممن صنف في كتب العقيدة كابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة وابن بطة في الإبانة واللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة. واستدل بهذه الأحاديث شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- وغيرهم من محققي أهل السنة والجماعة. وسار على منهج أئمة أهل السنة والجماعة ومحققيهم علمائنا المعاصرون فأثبتوا هذه الأحاديث ودافعوا عنها واستدلوا بها على مسائل عظيمة من أصول أهل السنة والجماعة، وردوا بها على المخالفين من الخوارج والمرجئة وغيرهم وإليك تفصيله: أ- حديث البطاقة: رواه الإمام أحمد في مسنده برقم (6994) والترمذي في سننه برقم (2639) وابن ماجة في سننه برقم (4300) وابن حبان في صحيحه برقم (225) والطبراني في معجميه الكبير برقم (1490) والأوسط برقم (4725) وكذا رواه ابن المبارك في كتاب الزهد برقم(371) وغيرهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. وذكره الحديث البغوي في شرح السنة (15/134). والبيهقي في شعب الإيمان (1/448). وبوب الترمذي لهذا الحديث بباب: (ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله). وبوب له ابن ماجة بباب: (ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة). واستدل ابن حبان عليه بقوله: (ذكر البيان بأن الله جل وعلا بتفضله قد يغفر لمن أحب من عباده ذنوبه بشهادته له ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن له فضل حسنات يرجو بها تكفير خطاياه). ب- حديث الجارية: رواه مسلم في صحيحه برقم (33-537) وابن أبي شيبة في مصنفه برقم (30979) والإمام أحمد برقم (23762) و(23765) و (23767) وأبو داود برقم (931) و (3284) والنسائي برقم (1218) وابن حبان برقم (165) و(2247) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ورواه الإمام أحمد برقم (7906) وأبو داود برقم (3286) من حديث أبي هريرة. وذكره ابن أبي عاصم في كتاب السنة برقم (489) والبخاري في القراءة خلف الإمام (ص41) والدارمي في الرد على الجهمية ( ص45 ) وابن منده في التوحيد (2/183) وابن خزيمة في التوحيد (1/179و180و181) وغيرهم. ج- حديث الشفاعة: رواه البخاري مختصرا ومطولا برقم (22 و 7439 ) ومسلم في صحيحه برقم (302-183) وأبو داود الطيالسي برقم (2179) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وذكره ابن أبي عاصم في كتاب السنة برقم (527) وابن منده في الإيمان (2/804) وابن خزيمة في التوحيد (1/464). د- حديث يدرس الإٍسلام: رواه ابن ماجة برقم (4049) والحاكم في المستدرك برقم (4/520 و 550 و587). والحديث ذكره ابن فضيل الضبي في الدعاء (ص176) ونعيم بن حماد المروزي في الفتن (2/598) وأبو عمرو الداني في الفتن (4/825). وهكذا باقي الأحاديث التي تعدى عليها الغامدي. الوقفة الثانية: إن هذه الأحاديث وغيرها استدل بها أئمة أهل السنة والجماعة على مسائل متعددة متعلقة بمسائل الإيمان من أهمها: أ- ما دلت عليه هذه الأحاديث من مسائل الأسماء والصفات كعلو الله تعالى وغير ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ( مجموع الفتاوى 5/192): ((وقال الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني النيسابوري في كتاب " الرسالة في السنة " له : ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة وأعيان سلف الأمة لم يختلفوا أن الله تعالى على عرشه وعرشه فوق سمواته، قال: وإمامنا أبو عبد الله الشافعي احتج في كتابه " المبسوط " في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها بخبر { معاوية بن الحكم وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة ؛ وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إعتاقه إياها فامتحنها ليعرف أنها مؤمنة أم لا فقال لها : أين ربك ؟ فأشارت إلى السماء فقال : أعتقها فإنها مؤمنة } فحكم بإيمانها لما أقرت أن ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية)). وقال أيضا ( مجموع الفتاوى 16/90): ((وأنك لو سألت صغيرهم وكبيرهم فقلت : " أين الله ؟ " لقالوا : " إنه في السماء " ولم ينكروا لفظ السؤال بــ " أين " {لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التي عرضت للعتق فقال أين الله؟ قالت في السماء مشيرة بها . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة } ولو كان ذلك قولا منكرا لم يحكم بإيمانها ولأنكره عليها )). وهذه فائدة عظيمة وهي: أن السؤال بــ ( أين ) لتعليم الناس من الكبار والصغار والرجال والناس من فعل السلف، وأنه غير مستنكر ولو كان منكرا لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية أين الله. ب- ما دلت عليه هذه الأحاديث من الرد على أهل البدع من الجهمية والخوارج وغيرهم. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- (إعلام الموقعين 2/ 302): ((الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادة عند الله وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان، فقال في كتابه في باب عتق الرقبة المؤمنة وذكر حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية وبيضت وجوه المحمدية؛ فلما وصفت الإيمان قال أعتقها فإنها مؤمنة، وهي إنما وصفت كون ربها في السماء وأن محمدا عبده ورسوله فقرنت بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان)). وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- ( الكيلانية ص/ 99-100): ((فأما أصل الإيمان الذي هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقا به وانقيادا له ؛ فهذا أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن ؛ ولهذا تواتر في الأحاديث "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ، "مثقال حبة من إيمان". وفي رواية الصحيح أيضا "مثقال حبة من خير"، "مثقال ذرة من خير" وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: "الإيمان بضع وستون - أو بضعة وستون أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"، فعلم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة وأن قليله يخرج الله به من النار من دخلها ليس هو كما يقوله الخارجون عن مقالة أهل السنة: إنه لا يقبل التبعيض والتجزئة ؛ بل هو شيء واحد : إما أن يحصل كله أو لا يحصل منه شيء)). وقال أيضا ( الكيلانية ص/103): ((فهذا أصل مختصر في " مسألة الأسماء " وأما "مسألة الأحكام " وحكمه في الدار الآخرة فالذي عليه الصحابة ومن اتبعهم بإحسان وسائر أهل السنة والجماعة . أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان ؛ بل يخرج منها من معه مثقال حبة أو مثقال ذرة من إيمان . وأما الخوارج ومن وافقهم من المعتزلة فيوجبون خلود من دخل النار وعندهم من دخلها خلد فيها ولا يجتمع في حق الشخص الواحد العذاب والثواب وأهل السنة والجماعة وسائر من اتبعهم متفقون على اجتماع الأمرين في حق خلق كثير . كما جاءت به السنن المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم )). ج- ما دلت عليه هذه الأحاديث بأن الإيمان يتبعض ويتجزأ، وأن أهله يتفاضلون فيما بينهم بما عندهم من الإيمان. قال شيخ الإسلام -رحمه الله- ( مجموع الفتاوى12/491-492): ((وأيضا : فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان"، وفي رواية : "مثقال دينار من خير ثم يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان"، وفي رواية: "من خير"، "ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير"، وهذا وأمثاله من النصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل أنه لا يخلد في النار من معه شيء من الإيمان والخير وإن كان قليلا وأن الإيمان مما يتبعض ويتجزأ)). وقال أيضا ( مجموع الفتاوى 3/355): ((وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبعض؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك)). وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله- ( حاشية ابن القيم على سنن أبي داود12/2929): ((وكل هذه الألفاظ التي ذكرناها في الصحيحين أو أحدهما والمراد بالخير في حديث أنس الإيمان فإنه هو الذي يخرج به من النار. وكل هذه النصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل في أن نفس الإيمان القائم بالقلب يقبل الزيادة والنقصان وبعضهم أرجح من بعض)). د- ومما دلت عليه هذه الأحاديث أن الإيمان الذي في القلب يتفاوت على حسب تفاوت معرفة العبد لربه خلافا لأهل البدع. قال شيخ الإسلام -رحمه الله- ( مجموع الفتاوى 6/479): ((ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم في الدنيا ويتفاوتون في درجات العرفان والنبي صلى الله عليه وسلم أعلمنا بالله . وقد قال : "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه وهي مسألة كبيرة. والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها : أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان". وقال العلامة ابن رجب -رحمه الله- (التخويف من النار ص/256): ((والمراد بقوله: "لم يعملوا خيراً قط" من أعمال الجوارح؛ وإنْ كان أصل التوحيد معهم، و لهذا جاء في حديث الذي أمر أهله أن يحرقوه بعد موته بالنار إنه "لم يعمل خيراً قط غير التوحيد" خرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة مرفوعاً، ومن حديث ابن مسعود موقوفاً، ويشهد لهذا ما في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الشفاعة قال: "فأقول: يا رب ائذن لي فيمن يقول لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله" خرجاه في الصحيحين، وعند مسلم: "فيقول: ليس ذلك لك أو ليس ذلك إليك"، وهذا يدل على أنَّ الذين يخرجهم الله برحمته من غير شفاعة مخلوق هم أهل كلمة التوحيد الذين لم يعملوا معها خيراً قط بجوارحهم، والله أعلم)). هـ- دلت أحاديث الشفاعة على أن الإنسان ينتفع بغير عمله، وأن من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع. ومن وجوه الانتفاع بغير عمله ما يلي: الوجه الأول: إستدلال أهل السنة بأحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة على انتفاع الإنسان بسعي الغير من شفاعة الشافعين واستغفار الملائكة. كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله- في جامع المسائل (5/ 203): ((من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة)). ثم ذكر: ((ثانيها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها. ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير. رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير)). الوجه الثاني: إستدلال أهل السنة بحديث : "لم يعملوا خيرا قط " بأن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته. كما قال شيخ الإسلام –رحمه الله- في جامع المسائل لابن تيمية (5/ 203): ((من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة)). ثم قال: ((خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط بمحض رحمته، وهذا انتفاع بغير عملهم)). و- دلت هذه الأحاديث على شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي ينكرها بعض أهل البدع ويردون أحاديثها. قال شيخ الإسلام -رحمه الله- ( جامع المسائل 5 /110): ((وكذلك يومَ القيامة يَتوسَّلُ به أهلُ الموقفِ ويستشفعون به، فيَشفعُ لهم إلى ربّه أن يَقْضِي بينهم. ثمَّ يشفعُ شفاعةً أخرى لأهلِ الكبائرِ من أمَّتِه، ويَشفَعُ في أن يُخرِجَ الله من النار مَن في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من إيمان، كما استفاضتْ بذلك الأحاديثُ الصحيحة)). وقال أيضا (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة 2 /273): ((ومذهب الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أنه صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر، وانه لا يخلد في النار من أهل الإيمان أحد. بل يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان)). وقال أيضا( مجموع الفتاوى4/309): ((وسئل : عن الشفاعة في " أهل الكبائر " من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهل يدخلون الجنة أم لا؟ . فأجاب: إن أحاديث الشفاعة في " أهل الكبائر " ثابتة متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين ؛ وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم . ولا يبقى في النار أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان بل كلهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة ويبقى في الجنة فضل . فينشئ الله لها خلقا آخر يدخلهم الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم)). ز- دلت هذه الأحاديث على عدم كفر تارك الصلاة تهاونا. ولهذا استدل أهل السنة الذين لا يرون كفر تارك الصلاة كالإمام الزهري والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام شعبة. ففي كتاب الصلاة وأحكام تاركها لابن القيم -رحمه الله- (ص/42): ((والثانية: يقتل حدا لا كفرا وهو قول مالك والشافعي واختار أبو عبد الله ابن بطة هذه الرواية ونحن نذكر حجج أدلة الذين لا يكفرون تارك الصلاة قال الذين لا يكفرونه بتركها قد ثبت له حكم الإسلام بالدخول فيه فلا نخرجه عنه إلا بيقين)). ثم قال (ص/ 44): ((وقال الترمذي هذا حديث حسن قالوا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي لفظ آخر: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". وفي صحيح قصة عتبان بن مالك وفيها: "إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله". وفي حديث الشفاعة يقول الله عز وجل: "وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله". وفيه مجمع الزوائد: "فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط"، وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم تخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله فترجح سيئاته ولم يذكر في الشهادة ولو كان فيها غيرها لقال ثم تخرج له صحائف حسناته فترجح سيئاته ويكفينا في هذا قوله فيخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ولو كان كافرا لكان مخلدا في النار غير خارج منها. فهذه الأحاديث وغيرها تمنع من التكفير والتخليد وتوجب من الرجاء له ما يرجى لسائر أهل الكبائر قالوا ولأن الكفر جحود التوحيد وإنكار الرسالة والمعاد وجحد ما جاء به الرسول وهذا يقر بالوحدانية شاهدا أن محمدا رسول الله مؤمنا بأن الله يبعث من في القبور فكيف يحكم بكفره والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل فكيف يحكم للمصدق بحكم المكذب الجاحد)). الوقفة الثالثة: ومن أهم المسائل المتعلقة بمسائل الإيمان والتكفير التي دلت عليها هذه الأحاديث هي: أنه لا يخلد في النار من مات وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-( جامع المسائل 2/252-253): ((كَمَا ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي صلي الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان وَأبي ذَر ومعاذ بن جبل وَأبي هُرَيْرَة وعتبان بن مَالك وَعبادَة بن الصَّامِت وَغَيرهم وَلَا يخلد فِي النَّار من أهل التَّوْحِيد أحد بل يخرج من النَّار من كَانَ فِي قلبه مِثْقَال دِينَار من إِيمَان أَو مِثْقَال شعيرَة من إِيمَان أَو مِثْقَال ذرة من إِيمَان)). وقال أيضاً ( جامع المسائل 5/242): ((والصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأهل الحديث، وأئمة السنة يقولون: لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، بل يخرج منها من في قلبه مثقال ذرة من إيمان كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، بخلاف قول الخوارج والمعتزلة. وعلى هذا فلا يكفر إلا من ذهب عنه كل أجزاء هذا الإيمان، فمن لم يخلد في النار لا يمكن أن يكون كافرا)). وقال أيضاً(جامع المسائل 6/221-222): ((وهذا هو الإيمان الواجب، وقد يكون مع كثير من الناس شيء من الإيمان ولم يَصِلْ إلى هذا، كالذين قال فيهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَخرجُ من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن ذرةً، أو من كان في قلبه مثقال ذرّةٍ من إيمان " . فسَلْبُ الإيمان عنهم لا يقتضي سلبَ هذا المقدار من الإيمان، بل هذه الأجزاء اليسيرة من الإيمان قد يكون في العبد ولا يَصِلُ بها إلى الإيمان الواجب، فإنه إذا انتفت عنه جميع أجزاء الإيمان كان كافرًا)). وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله-(حادي الأرواح ص/254): ((أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار و أحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة بخروج عصاة الموحدين من النار و أن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم و لم يختص الخروج بأهل الإيمان)). وقال شيخ الإسلام في التعليق على لفظة "لم يعملوا خيراً قط" كما نقله عنه العلامة ابن المحب المقدسي -رحمه الله- في كتاب (إثبات أحاديث الصفات ص 455/ب): ((ليس في الحديث نفي إيمانهم!، وإنما فيه نفي عملهم الخير، وفي الحديث الآخر: "فيخرج منها مَنْ كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"؛ وقد يحصل في قلب العبد مثقال ذرة من إيمان وإنْ كان لم يعمل خيراً، ونفي العمل أيضاً لا يقتضي نفي القول!، بل يقال: فيمن شهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ومات ولم يعمل بجوارحه قط إنه لم يعمل خيراً، فإنَّ العمل قد لا يدخل فيه القول لقوله: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه"، وإذا لم يدخل في النفي إيمان القلب واللسان لم يكن في ذلك ما يناقض القرآن)) واستدل جمهور أهل السنة بقوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}وبأحاديث الشفاعة على أن من ليس له عمل صالح فهو ينجو من الخلود في النار. فقد قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره (2/ 380-381): ((وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتقوية الرجاء، والله أعلم. وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟! ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. كما ذكرناه غير مرة، إن كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأن الله وضع عنا الأغلال والآصار التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه مرفوعا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعا، ولكن لا يصح ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط. وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب. وبتقدير دخول القاتل إلى النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدا، بل الخلود هو المكث الطويل. وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى ذرة من إيمان)). الوقفة الرابعة: ومن المسائل المتعلقة بمسائل الإيمان والتكفير التي دلت عليها هذه الأحاديث أن الذرة الإيمانية هي أصل الإيمان ومن لم يأت بها يكون كافرا ومخلدا في النار. قال شيخ الإسلام -رحمه الله- مجموع الفتاوى (12/ 474-475)((" الإيمان ثلاث درجات ": إيمان السابقين المقربين. وهو ما أتى فيه بالواجبات والمستحبات: من فعل وترك. وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين. وهو ما أتى فيه بالواجبات من فعل وترك. وإيمان الظالمين. وهو ما يترك فيه بعض الواجبات أو يفعل فيه بعض المحظورات. ولهذا قال علماء السنة في وصفهم (إعتقاد أهل السنة والجماعة) : إنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة بذنب إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب فأما أصل الإيمان الذي هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقا به وانقيادا له؛ فهذا أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن؛ ولهذا تواتر في الأحاديث "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"،"مثقال حبة من إيمان" . وفي رواية الصحيح أيضا "مثقال حبة من خير"، "مثقال ذرة من خير"، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: "الإيمان بضع وستون - أو بضعة وستون أو بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"، فعلم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة وأن قليله يخرج الله به من النار من دخلها ليس هو كما يقوله الخارجون عن مقالة أهل السنة: إنه لا يقبل التبعيض والتجزئة؛ بل هو شيء واحد: إما أن يحصل كله أو لا يحصل منه شيء)). وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله- (حادي الأرواح ص/269): ((إنه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز و جل شفعت الملائكة و شفع النبيون و شفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل فيقول الله الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه و لا خير قدموه؛ فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو: الفحم المحترق بالنار، وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير فإن لفظ الحديث هكذا فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا، فيقول الله عز و جل شفعت الملائكة و شفع النبيون و شفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين؛ فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير و مع هذا فأخرجتهم الرحمة، و من هذا رحمته سبحانه و تعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار و يذروه في البر و البحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه و تعالى فهذا قد شك في المعاد و القدرة و لم يعمل خيرا قط و مع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت قال خشيتك و أنت تعلم فما تلافاه إن رحمه الله فلله سبحانه و تعالى في خلقه حكم لا تبلغه عقول البشر)). وبعد هذا يتبين تعدي الغامدي وحزبه من الحدادية على هذه الأحاديث العظيمة التي اعتمد عليها علماء أهل السنة والجماعة في إثبات منهج أهل السنة وردهم على المبتدعة من الخوارج والجهمية والمرجئة وغيرهم. فهل يا ترى أن الغامدي وحزبه سيتهم هؤلاء الأئمة بأنهم مرجئة أو وافقوا المرجئة. الوقفة الخامسة: ليعلم الغامدي وحزبه أن المرجئة يختلف استدلالهم بهذه الأحاديث عن استدلال أهل السنة والجماعة إختلافا جذريا، وهذا يدل على جهل الغامدي بمنهج أهل السنة والجماعة وجهله أيضا بمناهج الفرق المخالفة. فإن إستدلال المرجئة بهذه الأحاديث مبني على إخراج العمل من الإيمان، وعلى هذا فعندهم أن تارك العمل كامل الإيمان ولا ينقص ذلك من إيمانه مطلقا. وهذا مبني على أصلهم الفاسد من أن الإيمان لا يتجزأ ولا يتبعض. قال شيخ الإسلام -رحمه الله- (مجموع الفتاوى7 /223): ((وقالت " المرجئة " على اختلاف فرقهم : لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه؛ كقوله : { يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان })). وقال أيضا ( مجموع الفتاوى18 /271): ((والحزب الثاني وافقوا أهل السنة على أنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد ثم ظنوا أن هذا لا يكون إلا مع وجود كمال الإيمان ؛ لاعتقادهم أن الإيمان لا يتبعض فقالوا : كل فاسق فهو كامل الإيمان وإيمان الخلق متماثل لا متفاضل وإنما التفاضل في غير الإيمان من الأعمال وقالوا : الأعمال ليست من الإيمان لأن الله فرق بين الإيمان والأعمال في كتابه . ثم قال الفقهاء المعتبرون من أهل هذا القول : إن الإيمان هو تصديق القلب وقول اللسان وهذا المنقول عن حماد بن أبي سليمان ومن وافقه كأبي حنيفة وغيره وقال جهم والصالحي ومن وافقهما من أهل الكلام كأبي الحسن وغيره : إنه مجرد تصديق القلب)). وبهذا يفترق استدلال أهل السنة والجماعة بهذه الأحاديث عن استدلال المرجئة ببعضها، لكن الحدادية يصرون على محاربة منهج أهل السنة والجماعة وعلمائه. الوقفة السادسة: أن الغامدي وغيره من الحدادية يذهبون إلى تأويل الأحاديث مع أنهم لم يرجحوا قولا معينا من هذه التأويلات، إلا أنهم اقتصروا على قول بعض العلماء في تأويل هذه الأحاديث وعدم ترجيح قول منها مع تعددها، وهذا دليل على ضعف الغامدي وحزبه من الحدادية في التحقيق العلمي، وبعدهم عن الانصاف في التعامل مع الأدلة الشرعية، إضافة إلى التنطع والغلو. مع أنه يحكي القول وينصره في مكان ويبطله في مكان آخر من حيث يشعر أو لا يشعر. والتأويلات التي ذكرها الغامدي من كلام أهل العلم كما في مقال((الجواب عن الشبهات)) وهو موجود في موقعه، وهذه التأويلات هي: أولا: أن لفظة (( لم يعملوا خيرا قط )) من العام الذي يريد به الخصوص، فيكون المقصود لم يعملو أعمالا كاملة لنقصها وعدم تمامها. وهذا القول ما ذكره ابن عبد البر وابن خزيمة -رحمهما الله-. وهذا القول ليس عليه ما يكفي من الأدلة الشرعية التي تصرف هذا اللفظ العام إلى المعنى الخاص، والأصل في ألفاظ الكتاب والسنة أنها تجري على عمومها ما لم يصرفها صارف عن هذا العموم. وقد علَّق العلامة محمد خليل الهراس- رحمه الله- في حاشيته على (كتاب التوحيد لابن خزيمة ص/309 طبعة مكتبة الكليات الأزهرية) على كلمة الإمام ابن خزيمة -رحمه الله- ((لم يعملوا خيراً قط على التمام والكمال)) فقال: ((لا؛ بل ظاهرها أنهم لم يعملوا خيراً قط كما صرح به في بعض الروايات، أنهم جاؤوا بإيمان مجرد لم يضموا إليه شيئاً من العمل)). الثاني: أن لفظة (( لم يعملوا خيرا قط )) ليس عاما وإنما هو في أناس مخصوصين لم يتمكنوا من العمل لعذر. وهذا قول اللجنة الدائمة وأحد قولي الشيخ ابن عثيمين وهو قول الشيخ الفوزان. وهذا يرد عليه بأن من لم يجب عليه العمل أو لم يتمكن منه ومات على ذلك مات مؤمنا محققا للإيمان الواجب، فكيف يتصور أن يعذبه الله تعالى. قال شيخ الإسلام -رحمه الله-(مجموع الفتاوى7 /197): ((وكذلك قولهم : من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا فصحيح؛ لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه والعمل لم يكن وجب عليه بعد؛ فهذا مما يجب أن يعرف فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين)). وقد رد هذا التأويل الشيخ الفوزان نفسه؛ فقد سُئل الشيخ الفوزان حفظه الله السؤال الآتي: ما ردكم على الذين يقولون بأنه لا يوجد دليل واضح على أنَّ أحاديث الشفاعة تطبق على الذين لم يتمكنوا من العمل، وأنَّ القول بذلك يأتي من باب التأويل؟ فكان جواب الشيخ صالح الفوزان حفظه الله: ((الذين دخلوا في الإسلام ولم يتمكَّنوا من العمل ماتوا على طول: ما يحتاجون شفاعة، هذول ما يحتاجون شفاعة؛ لأنهم لا يعذَّبون على ترك العمل، لأنهم لم يتمكنوا منه، ما يحتاجون إلى شفاعة، إنما الشفاعة فيمن ترك شيء من الأعمال التي دون الكفر ودون الشرك واستحق بها العقوبة، هذا تنفعه الشفاعة بإذن الله، لأنه مسلم عنده معصية ومستحق للعذاب، تنفعه شفاعة الشافعين، إذا أَذِنَ اللهُ بذلك، نعم، أما إذا ما تمكَّن من العمل؛ نطق بالشهادتين مؤمناً وصادقاً ولم يتمكن من العمل حتى مات فهذا ما يحتاج إلى شفاعة)).المصدر من هنا وهذا القول يرده الغامدي من حيث لا يشعر حيث قال في مقال له بعنوان(الإيمان ومسائله): ((فمطلق الإيمان هو وصف المسلم الذي معه أصل الإيمان الذي لا يتم إسلامه إلا به، بل لا يصح إلا به؛ فهذا في أدنى مراتب الدين، إذا كان مصرا على ذنب أو تاركا لما وجب عليه مع القدرة عليه فمن ترك واجبا من غير القدرة عليه فلا يضر إبمانه شيء، لأنه لم يتمكن من أداء العمل، وهذا يكون له الإيمان المطلق على قول الغامدي. وهذا يبطل القول الذي يكرره الغامدي ويستنصر به، لأنه كيف يعذب الله تعالى من له الإيمان المطلق وهو من ترك العمل من غير قدرة على أداه. الثالث: أن لفظة (( لم يعملوا خيرا قط )) مقيدة بالأدلة الدالة على كفر بعض الأعمال كالصلاة. وهذا أحد قولي العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-. فأين قول الغامدي وحزبه الحدادي، أم أنهم لا يعبئون بأقوال هؤلاء العلماء فضلا عن غيرهم. مع أن أهل السنة يرون أن هذه الأحاديث من الأدلة المحكمات التي ترد الأدلة المتشابهة في الوعيد التي يستدل بها الخوارج على أهل السنة. ففي إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم -رحمه الله-(2/ 217-218) قال:((المثال الثالث عشر:رد الرافضة النصوص الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة والثناء عليهم ورضاء الله عنهم ومغفرته لهم وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم واستغفارهم لهم واقتدائهم بهم بالمتشابه من قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ونحوه. كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب التي تقع مكفرة بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة، وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب تمحق أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بد من دخول النار، ثم يخرجون منها؛ فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا قصدوا بها طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد، وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب، فاشتركوا هم والرافضة في رد المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى، وبالله التوفيق)). ومما يخالف الغامدي وحزبه من الحدادية أصول أهل السنة والجماعة وأقوال العلماء اتهامهم لجمهور العلماء ممن رجحوا العمل بهذه الأحاديث الصريحة في ألفاظها والصحيحة في أسانيدها بأنهم من المرجئة، وهذا قدح كبير في علماء الأمة. والغامدي وحزبه يسير على منهج الخوارج في تعديه على علماء الأمة، وهذا منهج معروف عندهم، والغامدي وحزبه الحدادي هم على المنهج القطبي التكفيري، الذي يريد أن يوسع دائرة التكفير في الأمة ولا حول ولا قوة إلا بالله. الوقفة السابعة: أن مفهوم الإرجاء عند الغامدي وحزبه مضطرب جدا؛ فهم لا يفهمون حقيقة الإرجاء من جهة، ويطعنون في علماء السنة بأنهم من المرجئة من جهة أخرى، ويطعنون كذلك في الأدلة الشرعية الصحيحة والصريحة والتي استدل بها أئمة أهل السنة والجماعة على مر العصور وعلى اختلاف الأماكن، بأنها من أدلة المرجئة. ومن الأدلة على أن الغامدي وحزبه لا يفهمون معنى الإرجاء تناقضهم في هذا الباب وإليك بيانه: ذكر الغامدي في مقال له بعنوان( التعريف بالمرجئة) أقسام المرجئة وأصنافها فقال:قال ابن تيمية رحمه الله: والمرجئة ثلاثة أصناف: ((القول الأول :الذين يقولون‏:‏ الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة،كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقاً كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه‏.‏ والقول الثاني‏:‏ من يقول‏:‏ هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكَرَّامية‏.‏ والقول الثالث‏:‏ تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منه)). وأنا أقول للغامدي أين قول شيخ الإسلام ابن تيمية أن من قال: بعدم تخليد من لم يعمل خيرا قط في النار أنه من كلام المرجئة، مع أنهم قائلون بأن من لم يعمل خيرا قط أنه معرض للعقوبة والعذاب كما دلت عليه أحاديث الشفاعة وغيرها؟! أم أن الغامدي والحدادية سالكون مسلك الخوارج في هذا الباب؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. والأئمة متفقون على أن المرجئة من أخرج العمل الظاهر عن مسمى الإيمان، وذلك لأن العمل الظاهر عندهم ليس من مسمى الإيمان، ويكتفى بالباطن في حقيقة الإيمان، وعلى هذا فإن الإيمان عندهم لا يزيد بالطاعة ولا ينقص بالمعصية، وأنه لا يتبعض ولا يتجزأ، وأنه أهله لا يتفاضلون فيه. ولبيان جهل الحدادية وخاصة في هذا الباب سأنقل لهم كلام الشيخ ربيع في المرجئة ليروا حقيقة ما هم عليه من الجهل والظلم. قال الشيخ ربيع -حفظه الله- في شريط بعنوان( وسطية الإسلام): ((وعند المرجئة تعلّقٌ بنصوص الوعد و إهمال لنصوص الوعيد؛ فأهل الذنوب عندهم مؤمنون كاملوا الإيمان, لا تُنقِص المعاصي من إيمانهم شيئا، وغلاتهم يرون أنّه لا يضرّ مع الإيمان ذنب, فإذا لقي الله موحِّداً غير مشرك فلا عقوبة عليه ولا تنطبق عليه نصوص الوعيد وهو مؤمن كامل الإيمان و لو كان من أفجر النّاس و أفسقهم إيمانه مثل إيمان جبريل و محمد عليهما الصلاة و السلام, اشتطّوا وغلوا في التّعلق بنصوص الوعد واشتطّ الخوارج في التعلق بنصوص الوعيد, فكفّروا العصاة وحكموا عليهم بالخلود في النّار, وغلاة المرجئة قالوا بنجاة الموحدّين ولا عقاب عليه ولا عذاب وهم مؤمنون كاملوا الإيمان)) . وبين الشيخ ربيع الإيمان عند السلف فقال في ( نصيحة أخوية ص/35 ): ((والأولى التزام ما قرره وآمن به السلف من أنَّ الإيمان قول وعمل قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح . وأنه يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم الإيمان بأحاديث الشفاعة التي تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان أو أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان)). وبعد هذا البيان البديع لحقيقة الإيمان وحقيقة الإرجاء يأتي من ملأ الجهل قلبه من الحدادية ويتهم هذا العلَم الجبل بالإرجاء، وما تجرؤوا على ذلك إلا لأنهم ساروا على طريق الخوارج الغلاة، فهم جمعوا بين رد النصوص الشرعية والطعن في أئمة الإسلام وهذا هو حقيقة مذهب الخوارج على مر العصور. ومما يدمغ الغامدي وجزبه ويظهر مدى جهلهم وتعديهم على أئمة السنة من المتقدمين والمتأخرين قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في ( مجموع الفتاوى 3 /355): ((وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبعض ؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" وحينئذ فتتفاضل ولاية الله وتتبعض بحسب ذلك . وإذا عرف أصل البدع فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب ، ويعتقدون ذنبا ما ليس بذنب ، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفرون من خالفهم ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان"، ولهذا كفروا عثمان وعليا وشيعتهما ؛ وكفروا أهل صفين - الطائفتين - في نحو ذلك من المقالات الخبيثة... )). وبعد هذا يتعدى الغامدي على أهل السنة ويصفهم بأنهم من المرجئة على أساس قواعدة الفاسدة المخالفة لقواعد أهل السنة والجماعة والموافقة لأصول الخوارج. وأخيرا يلزم الغامدي وحزبه من رده لهذه النصوص النبوية أن يرد نصوصا من القرأن العظيم، لأنها موافقة لمضمونها، ويلزم أن يطعن كل من استدل بها ويتهمهم بالإرجاء، ومن ذلك قول الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}( الزلزلة الآيتان 7،8). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}( النساء آية40). وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء 48و 116). وغيرها من الآيات. وومما يدل على ذلك ما أخرجه الإمام البخاري برقم (7439) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه الطويل وفيه: "وإذا رأوا أنهم قد نجوا فى إخوانهم يقولون ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا . فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه . ويحرم الله صورهم على النار ، فيأتونهم وبعضهم قد غاب فى النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه . فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه . فيخرجون من عرفوا » . قال أبو سعيد فإن لم تصدقونى فاقرءوا {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها} فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتى . فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا ، فيلقون فى نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة ، فينبتون فى حافتيه كما تنبت الحبة فى حميل السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة إلى جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ ، فيجعل فى رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه . فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه". وتأمل في قول أبي سعيد رضي الله عنه: "فإن لم تصدقونى فاقرءوا {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها}". وكذلك قول شيخ الإسلام -رحمه الله- ( مجموع الفتاوى 7 /184): ((ولهذا جاء في أحاديث الشفاعة الصحيحة : "يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" وفي بعضها : "مثقال ذرة من خير" وهذا مطابق لقوله تعالى:{ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره}، {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، وذلك الذي هو مثقال ذرة من خير هو مثقال ذرة من إيمان وهؤلاء المؤمنون الأبرار الأتقياء هم أهل السعادة المطلقة وهم أهل الجنة الذين وعدوا بدخولها بلا عذاب وهؤلاء الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا ومن حمل علينا السلاح فليس منا" فإنه ليس من هؤلاء ؛ بل من أهل الذنوب المعرضين للوعيد أسوة أمثالهم)). وختاما أسأل الله العظيم أن يثبتنا على السنة حتى نلقاه، وأن يحفظ لنا علمائنا، وأن يخذل كل من عادى السنة وأهلها، وينصر السنة وأهلها في كل مكان إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين كتبه أبو عمر عبد الباسط المشهداني
×
×
  • اضف...