أبوعمر عبدالباسط بو ثليجان

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    71
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : أبوعمر عبدالباسط بو ثليجان

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

آخر زوار ملفى الشخصى

عدد زيارت الملف الشخصى : 1,811
  1. المقال الشهري تسليط الأضواء على أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنَّة لا يَنتسِبُ إليه أهلُ الأهواء الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد: فمِنَ المعلوم أنَّ مُصطلَحَ «أهلِ السُّنَّة والجماعة» ـ بالمعنى العامِّ ـ يُطلَقُ على ما يُقابِل الشيعة؛ فتدخل الفِرَقُ المُنتسِبةُ إلى الإسلام في مفهوم أهل السنَّة، الذي «يُرادُ به: مَنْ أَثبتَ خلافةَ الخلفاء الثلاثة؛ فيدخل في ذلك جميعُ الطوائف إلَّا الرافضة»(١). أمَّا إطلاقُ مُصطلَحِ «أهل السنَّة» ـ بالمعنى الخاصِّ ـ فإنما يُرادُ به ما يُقابِل أهلَ البِدَع والأهواء؛ فلا يدخل في مفهومِ أهلِ السنَّة إلَّا مَنْ يُثبِتُ الأصولَ المعروفة عند أهل الحديث والسنَّة، دون أصحاب المقالات المُحدَثة مِنْ أهل الأهواء والبِدَع(٢). غير أنَّ المُلاحَظ حدوثُ التداخل بين مفهوم المُصطلَحَيْن، وانتفاءُ التمييز بين المعنيَيْن عند كثيرٍ مِنَ المُخالِفين لمنهج السلف؛ فيُطلِقون مُصطلَحَ «أهلِ السُّنَّة والجماعة» على الأشاعرة والماتريدية ومَنْ سَلَك طريقَهما إطلاقًا واحدًا معرًّى عن الفرق والتمييز بينهما؛ وضِمْنَ هذا المعنى قال عَضُدُ الدِّين الإِيجيُّ(٣): «وأمَّا الفِرْقةُ الناجية المستثناةُ الذين قال فيهم: «هُمُ الَّذِينَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»(٤) فهُمُ الأشاعرةُ والسلفُ مِنَ المحدِّثين وأهل السنَّة والجماعة»(٥)، وقال المُرْتضى الزَّبِيديُّ(٦): «إذا أُطلِقَ أهلُ السنَّة والجماعة فالمرادُ بهم: الأشاعرةُ والماتريدية»(٧)؛ بل يُضيفُ بعضُهم الصُّوفيةَ والإباضية والمناهجَ الدَّعْوية العقلانية والحزبية، ويَزعم مشموليةَ الجميعِ بمذهبِ أهلِ السنَّة والجماعة بمعناه الخاصِّ، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ ادِّعاءٌ باطلٌ كاسدٌ وقولٌ عاطلٌ فاسدٌ، واصطلاحٌ يَمتنِعُ عليهم التسمِّي به باعتباره اسْمًا شرعيًّا استعمله أئمَّةُ السلف؛ فكُلُّ مَنْ خالف اعتقادَ السلفِ الصالحِ ومذهبَهم في أيِّ أصلٍ مِنَ الأصول، أو انحرف عن منهجهم لا يجوز تسميتُه به فضلًا عن أَنْ يجوز له التسمِّي به، بل يُذَمُّ ويُعابُ عليه استعمالُه وانتحالُه. وليس المرادُ ـ مِنْ هذه الكلمة ـ الدخولَ في مُناقشةِ عقيدةِ مذهب الأشاعرة والماتريدية والصُّوفية والإباضية والاتِّجاهات العقلانية الحديثة، وانحرافِهم عن منهج السلف الصالح، وإنَّما أرَدْتُ أَنْ أُذكِّر ـ بإيجازٍ ـ بالإسلام الذي يُمثِّله أهلُ السنَّةِ أتباعُ السلف مهما اختلفَتْ أسماؤهم التي يُعْرَفون بها(٨)، وأَنْ أبيِّن أنَّ مذهبهم لا يتَّسِع لأهل الأهواء والافتراق والبِدَع على مختلفِ مَشارِبِهم مهما كَثُرَتْ وعَظُمَتْ؛ ذلك لأنَّ أهل السُّنَّة إنَّما يُوحِّدهم الإيمانُ والتوحيد، ويجمعهم اتِّباعُ الهُدَى والهديِ النبويِّ وَفْقَ منهجٍ ربَّانيٍّ قائمٍ على الكتاب والسنَّة، باعتبارهما مَصدرَيِ الحقِّ اللَّذَيْن يَنْهَلون منهما عقائدَهم وتصوُّراتِهم وعباداتِهم ومعاملاتِهم وسلوكَهم وأخلاقَهم، ويستنبطون منهما الأحكامَ الشرعية في مسائل العبادات والمعاملات امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكُم مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [الأعراف: ٣]، ويَردُّون إليهما نِزاعَهم واختلافهم باعتبارهما مِشْعَلَ النورِ والهداية، ومِقْياسَ الحقِّ والصواب؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَٰزَعتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱليَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيرٞ وَأَحسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩﴾ [النساء]، ويسترشدون بفهمِ سلفِ الأمَّة لنصوص الكتاب والسنَّة مِنَ الصحابة والتابعين ومَنِ الْتزَمَ بنهجهم واقتفى أثَرَهم؛ يَستخدِمون ألفاظَ نُصوصِ الكتاب والسنَّةِ وألفاظَ السلف عند بيان العقيدة خاصَّةً، مُبعِدِين المُصطلَحاتِ المُوهِمةَ غيرَ الشرعية، «ينفون عن كتاب الله تحريفَ الغالين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويلَ الجاهلين»(٩)، ويوظِّفون ـ أيضًا ـ الأدلَّةَ العقلية والأقيسة المُستنبَطةَ مِنْ نصوص الكتاب والسنَّة، اللَّذَيْن يتَّخِذونهما ميزانًا للقَبول والرفض، ويُقدِّمون النقلَ على العقل مع نفيهم للتعارض بينهما، «يَدْعون مَنْ ضلَّ إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحْيُون بكتاب الله الموتى، ويبصِّرون بنورِ الله أهلَ العمى»(١٠)، وتربطهم الأُخوَّةُ الإيمانية في الله، القائمةُ على مبدإ الوَلاء والبراء؛ فالهُدى ـ إذن ـ هو فيما بَعَث اللهُ به رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم، ومَنْ أَعرضَ عنه لم يكن مُهتدِيًا، ومَنْ قدَّم العقلَ عليه فقَدْ ضلَّ سواءَ السبيل. وقَدْ ذكَرْتُ ـ في مقالاتٍ سابقةٍ ـ أنَّ الإسلامَ الذي يُمثِّله أهلُ السُّنَّة والجماعة ـ أتباعُ السلف الصالح ـ إنَّما هو الإسلام المصفَّى مِنْ رواسب العقائد الجاهلية القديمة، والمبرَّأُ مِنَ الآراء الخاطئة المُخالِفةِ للكتاب والسُّنَّة، والمجرَّدُ مِنْ مَوروثاتِ مَناهجِ الفِرَق الضَّالَّة كالشيعة الروافض والمُرجِئةِ والخوارجِ والصُّوفيةِ والجهميةِ والمعتزلةِ والأشاعرة، والخالي مِنَ المناهج الدَّعْوية المُنحرِفة كالتبليغ والإخوان وغيرِهما مِنَ الحركات التنظيمية الدَّعْوية أو الحركات الثورية الجهادية ـ زعموا ـ كالدواعش والقاعدة، أو مناهجِ الاتِّجاهات العقلانية والفكرية الحديثة، المُنتسِبين إلى الإسلام. فمذهبُ أهلِ السنَّة ـ أتباعِ السلف ـ هو الوحيد الذي يَصْدُق عليه الإسلامُ في صفائه وتجريدِه وخُلُوِّه مِنْ رواسب الضلال ومناهجِ الانحراف؛ ذلك لأنَّه لا يَدخله الاختلافُ في وحدةِ أصوله العَقَدية والمعارفية، ولا النزاعُ في وحدةِ مبادئه ومُنطَلَقاتِه العامَّة، ولا الشِّقَاقُ في مَنهجه الدَّعْويِّ وخصائصِه المتميِّزة، سواءٌ مِنْ حيث الشمولُ والتوسُّطُ ما بين إفراط المناهج الأخرى وتفريطِها، والاعتدالُ بين الغُلُوِّ والتقصير؛ أو مِنْ حيث خُلُوُّ العقيدة والمنهج مِنَ التناقض والاضطراب الذي تنهجه الفِرَقُ الأُخرى في العلم والعمل؛ أو مِنْ حيث محاربتُه للحوادث والبِدَع المُحدَثة في الدِّين وتحذيرُه منها ومِنْ أصحابها، أو مِنْ حيث نَبذُه للتعصُّب المذهبيِّ والجمودِ الفكريِّ بغلقِ باب الاجتهاد على المؤهَّلين، أو بتمييعِه وتعميمه بجعله مفتوحًا ولو على غيرِ المؤهَّلين له أو فيما لا مجالَ للاجتهاد فيه، أو مِنْ حيث ثباتُ أهلِ الحقِّ عليه وعدمُ اختلافهم في شيءٍ مِنْ أصولِ دِينهم، وإِنِ اختلفوا في فُروع الشريعة بناءً على ما أدَّى إليه اجتهادُهم في مسائل الفقه، فلم يكن خلافُهم فيها وليدَ الهوى والشهوة ولا طمعًا في مصلحةٍ ـ أدبيَّةً كانَتْ أو مادِّيَّةً ـ ولم يكن عن زيغٍ ولا انحرافٍ، ولا كان رَميةً مِنْ غيرِ رامٍ، وإنما كان لأسبابٍ اجتهاديةٍ، يُعذَرُ بمثلها المخطئُ ويُؤْجَرُ أجرًا واحدًا، ويُحْمَد المُصيبُ ويُؤْجَرُ أجرين ـ رحمةً مِنَ الله وفضلًا ـ كما جاء في الحديث(١١). لذلك لا يحوي مذهبُ أهلِ السنَّة ـ في ذاته ولا في نطاقه وطيَّاتِه ـ مظاهِرَ الابتداعِ ولا صُوَرَ الانحلال والتمييع لدِينِ الله الحنيف: ـ فلا يَقبل ـ في حِيَاضه ـ طاعنًا في ذات الله المقدَّسة وأسمائه وصِفَاتِه، ولا محرِّفًا ولا مُؤوِّلًا ولا مُعطِّلًا ولا مُشبِّهًا، ولا مُشكِّكًا في الثوابت والمقدَّسات الإسلامية، ولا مُبدِّلًا لدِين الله ولا مغيِّرًا لشرعه في العلم والعمل. ـ ولا يَقبل ناقدًا للقُرآن الكريم أو قادحًا في صلاحِيَتِه للتطبيق بدعوَى عدمِ استجابتِه لمقاييس الحداثة. ـ ولا مستهينًا بالسنَّة المطهَّرة، مُعتبِرًا إيَّاها مِنَ التُّرَاث المطمور الذي لا يَصلح للتطبيق لِفُقدانها لمعايير الحضارة، ولا مَنْ كان حربًا على أهلها. ـ ولا مُكتفِيًا بالقُرآن وَحْدَه مصدرًا للتشريع والتَّلَقِّي دون السنَّة النبوية. ـ كما لا يحوي مذهبُ أهلِ السنَّة ـ في نطاقه أيضًا ـ المستهينَ بجيلِ الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وتابِعِيهم رحمهم الله، ولا مَنْ سبَّ السلفَ ـ أهلَ الحديث والسنَّة ـ أو لَمَزهم أو تَنقَّص طريقتَهم أو عرَّض بهم، أو فضَّل مناهجَ غيرِهم على منهجهم، ولم يتَّخِذِ الصحابةَ رضي الله عنهم المَثَلَ الأعلى والمَقصِدَ الأسمى في معرفة الرِّسالة ونزولِ الوحي وأحوالِ النبوَّة وفهمِ الدِّين علمًا وعملًا. ـ ولا يَقبل غاليًا في تقديس الأشخاص أو قائلًا بعصمتهم أو مُدَّعِيًا اطِّلاعَهم على الغيب. ـ ولا يقبل عابدًا مُتبرِّكًا بالأشياء والجمادات والآثارِ والأحجار والأضرحة والقبور، ولا مُبتدِعًا في العبادات والأعياد والموالد. ـ ولا يقبل المُنحازَ المُوالِيَ للكُفَّار وأهلِ الأهواء في عاداتهم وتقاليدهم وأنماطِ حياتهم ونُظُمِ حُكمهم. ـ ولا المُنساقَ وراءَ تيَّار التغريب والتقريب بين الأديان، والعملِ على إلغاء الفوارق العَقَدية، أو إلغاءِ عقيدة الولاء والبراء، أو إفسادِ الدِّين والأخلاق والمرأة بدعوى حقوق الإنسان وحقوقِ المرأة ونحوِ ذلك. ـ ولا الخارجَ على الأئمَّةِ المُكفِّرَ لهم، التاركَ لمناصحتهم والصبرِ على ظُلْمهم وجَوْرهم، ولا الثائرَ عليهم بالمظاهرات والاعتصامات والإضرابات باسْمِ التصحيح والتغيير وَفْقَ ما تمليه الحُرِّيَّاتُ الديمقراطيةُ ـ زعموا ـ وما ترسمه مخطَّطاتُ أعداء المِلَّة والدِّين. ـ كما لا يحوي مذهبُ أهلِ السنَّة ـ في نطاقه ـ مَنْ يرفع شعارًا أو رايةً أو دعوةً غيرَ الإسلام والسنَّة بالانتماء إليها أو التعصُّب لها كالعلمانية والاشتراكية والليبرالية الرأسمالية، والقَبَلية والوطنية والقومية، والديمقراطية والحزبية، والحداثة وغيرِها. ـ كما لا يضمُّ ـ في حياضه ـ المُنتسِبين لمذهبِ أهل السنَّة ممَّنْ تَسَمَّوْا بالسلفية ـ زورًا ومَيْنًا ـ وهُم على غيرِ أصولها ومَعالِمِها ومنهجِها ودعوتها، ممَّنْ أحدثوا فيها ما ليس منها بدوافعَ تنظيميةٍ حركيةٍ جهاديةٍ ـ زعموا ـ أو حزبيةٍ أو وطنيةٍ. ـ ولا يحوي ـ أيضًا ـ سائرَ الاتِّجاهات والطرائقِ المذهبية والفكرية المُنحرِفة، سواءٌ كان يمثِّلها أفرادٌ أو فِرَقٌ أو تنظيماتٌ. ـ ولا مُخادِعًا باسْمِ الدِّين والدعوة، يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا، أو مميِّعًا للثوابت الدِّينية والمقدَّسات الشرعية وما هو معلومٌ مِنَ الدِّين بالضرورة، بالفتاوى المنحرفة والمواقف المُخذِّلة لسببٍ أو لآخَرَ، طمعًا في مصلحةٍ شخصيةٍ أو مَنْصِبٍ أو عَرَضٍ مِنَ الدنيا زائلٍ. ـ ولا مُتعاطِفًا مع مَنْ سَبَق مِنْ هؤلاء جميعًا، يقول ـ في نفسه ـ مِثلَ ما يقولون على الله غيرَ الحقِّ، ناصرًا لهم ومدافِعًا عنهم، ومُتحمِّسًا ـ مُعلَنًا كان موقفُه أو خفيًّا ـ وراضيًا بعقائدهم وأفكارهم ودعوتهم، مُخالِفًا لأهل السنَّة الغرباء خاذلًا لهم. إنَّ نطاقَ مذهبِ أهلِ السنَّة لا يتَّسِع لهؤلاء جميعًا؛ ذلك لأنَّ منهجَ أهلِ السنَّة ـ أتباعِ السلف ـ مُستمَدٌّ مِنْ كتاب الله الذي لا يأتيه الباطلُ مِنْ بين يدَيْه ولا مِنْ خلفه، ومِنْ سنَّةِ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم الذي لا ينطق عن الهوى، والذي يَسلك فيه أهلُه سبيلَ الاتِّباع والاقتداء والاهتداء بهما، وبما عليه سلفُ الأمَّة فهمًا وعلمًا وإدراكًا وعملًا؛ في حينِ تَستمِدُّ المذاهبُ الأخرى أساليبَها ومناهجَها مِنْ عقول البشر وتأويلِهم وتحريفهم وتخليطهم، مع عقدِهم ألويةَ البِدَع، وإطلاقهم عُقُلَ الفِتَن؛ يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علمٍ، وهُم مُجْمِعون على مفارقة الكتاب، ومختلفون فيه؛ يخدعون سُفَهاءَ الناس ويراوغون جُهَّالهم بما يشبِّهون عليهم، ويكتمون الحقَّ ويَلبِسونه بالباطل ـ وهم يعلمون ـ ويموِّهون حقائقَ الأمور، ويتلاعبون بالثوابت والمقدَّسات، وغيرِ ذلك ممَّا لا يرتضيهِ اللهُ لعباده المؤمنين؛ فشتَّان بين منهجَيِ الفريقين ومَشرَبَيْهما!! فمنهجُ أهلِ السنَّة هو ـ بحقٍّ ووضوحٍ ـ منهجُ الإسلام نفسِه في مُسايرته للفطرة السليمةِ والعقلِ القويم، بعيدًا عن تراكمات الفكر الفلسفيِّ، والتأويلِ الكلاميِّ، والشطحِ الصُّوفيِّ، والانحراف الحزبيِّ، والانحيازِ التغريبيِّ، والإعراض العلمانيِّ المتنكِّرِ للتُّرَاث الإسلاميِّ والحضاريِّ؛ فهؤلاء يخلعون الحقَّ ويجعلونه تحت أقدامهم، ويُديرون للتوحيد والسنَّةِ ظهورَهم، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خيرٌ؛ فهذا دأبُ مَنْ عُطِّلَتْ عقولُهم وعُمِّيَتْ أبصارُهم وغُشِّيَتْ بصائرُهم عن نور الهدى ووهجِ الفطرة، لم يعتصموا بحبل الله المَتين، ولم يهتدوا إلى صراط الله المستقيم، بسببِ أوهام العقل وأغاليطِ الحسِّ وتغليبِ الهوى على الشرع. هذا، وإذا كان ـ في زمن ظهور التشيُّع وانقسامِ الناس إلى سنَّةٍ وشيعةٍ ـ قد تُسُومِحَ بانتسابِ بعضِ أهل الكلام والبِدَع للسنَّة مِنْ جهةِ إثباتهم خلافةَ الخلفاء الثلاثة وتعظيمِهم للصحابة رضي الله عنهم، في مُقابِلِ الشيعة المستهينين بهم وبمَقامهم والمُنكِرين لخلافة الخلفاء الثلاثة، إلَّا أنه ـ بعد ظهور الفِرَق وكثرتِها وتشعُّبِها واقتباسِ بعضها مِنْ ضلالاتِ بعضٍ ـ فقَدْ صارَتْ كُلُّ الفِرَق قسيمةً لأهل السنَّة قسمةَ تَضَادٍّ، فيَمتنِعُ عليهم ـ جزمًا ـ الاعتزاءُ إليهم؛ لاستهانتهم بمنهج الصحابة رضي الله عنهم ومخالفتِهم لهم ـ وإِنْ زعموا تعظيمَهم واتِّباعَهم ـ. وعليه، فلا يُنْسَبُ إلى مذهب السنَّة ـ حقًّا وصدقًا ـ إلَّا القائمون به الغُرَباءُ مِنْ أهلِه، وهم «أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم»(١٢)، قال ابنُ رجبٍ ـ رحمه الله ـ: «وإنما ذلَّ المؤمنُ ـ آخِرَ الزمان ـ لغُربتِه بين أهل الفساد مِنْ أهل الشُّبُهات والشهوات؛ فكُلُّهم يكرهه ويؤذيه؛ لمخالفةِ طريقته لطريقتهم، ومقصودِه لمقصودهم، ومباينتِه لِمَا هم عليه»(١٣). فمَنْ صدَّ عن مذهبِهم وأَعرضَ عن منهجهم، وزَعَم أنَّه يَسَعُ أهلَ الكلام والأهواءِ والافتراقِ الانتسابُ إلى مذهبِ أهل السنَّة؛ فهو ـ كما قِيلَ ـ «أَضلُّ مِنْ حمارِ أهله»، يتقلَّب في غفلةٍ عن الهدى، ويتخبَّط في ظُلُمات الجهل والضلال، ﴿وَٱللَّهُ يَهدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّستَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣؛ النور: ٤٦]. وفي زماننا هذا، رُفِع شعارُ السنَّة ـ بمفهومه العامِّ ـ على أنه بالمفهوم الخاصِّ، مموَّهًا بأباطيلِ التصوُّف والكلام والاعتزال؛ لترويج المناهج المُنحرِفة والمذاهبِ الباطلة، والعملِ على تثبيتها وتكريسها، وتمييعِ العقيدة السلفية، وشلِّ الدفاع عنها والتصدِّي لمَنْ يخالفها، والتنفيرِ مِنْ دُعَاتها ورُوَّادها، وتشويهِ صورة أئمَّتها، والعملِ على إبطالِ مبدإ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر؛ كُلُّ ذلك باسْمِ حُرِّيَّة الاعتقاد والتفكيرِ والتجديد والمعاصرة. كما رُفِعَتْ شعاراتُ التجميع والتلفيق بين منهجِ أهل السنَّة ـ أتباعِ السلف ـ وبين مناهجِ أهل الأهواء والافتراق بأسماءٍ مُختلِفةٍ تُوهِم الغافلَ بالرغبة في الخير وعزَّةِ الإسلام؛ فتارةً تأتي باسْمِ: جمع الكلمة، ووحدةِ الصفِّ، ولمِّ الشمل، تحت ظِلِّ مبدإ الوطنية، وتارةً أخرى باسْمِ الدعوة ورأبِ الصدع، وتحقيقِ التآلف والأخوَّة، وتكثيرِ الجموع، بإلغاء الفوارق العَقَدية والمنهجية وتركِ الإنكار لها؛ وقد غاب عنهم أنَّ الاعتصام بحبل الله وتجسيدَ الأخوة الإيمانية لا يتحقَّق إلَّا بالحقِّ والسنَّة، وأنَّ الأمَّة المهديَّة معصومةٌ لا تجتمع على ضلالةٍ ولا على باطلٍ. وهذه الأباطيل المروَّجُ لها اليومَ ـ وإِنْ كانت لها صولةٌ وجولةٌ ـ إلَّا أنَّ أصحابها مُفلِسون أمواتٌ غيرُ أحياءٍ بمَعاصِيهم وبِدَعِهم وخُرَافاتِهم، لا يعرفون المعروفَ ولا يُنكِرون المنكر، يعيشون عيشةَ نَكَدٍ في المعاصي، تَرْهَقُهم ذلَّةٌ وكآبةٌ؛ فلا يُذْكَرون ـ بعد وفاتهم ـ إلَّا بالذمِّ والخزي واللوم والتحذير منهم، وقد صَدَق قولُ الشاعر: لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ *** إِنَّمَا المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ إِنَّمَا المَيْتُ مَنْ يَعِيشُ كَئِيبًا *** كَاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرَّجَاءِ(١٤) وختامًا، نسأل اللهَ أَنْ يُصلِح أمرَ آخِرِ هذه الأمَّةِ كما أَصلحَ أمرَ أوَّلِها، وأَنْ يَهَبَ لنا مِنْ لَدُنْه رحمةً وعلمًا ورشدًا، وأَنْ يرزقنا الإخلاصَ في السرِّ والعلن، ويُعيذَنا مِنَ الفِتَن في القول والعمل، ما ظَهَر منها وما بَطَن؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»(١٥). والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا. الجزائر في: ١٤ جمادى الأولى ١٤٣٩ﻫ http://ferkous.com/home/?q=art-mois-125
  2. قال فضيلة شيخنا الشيخ عبد المجيد جمعة _حفظه الله _ كلّ ما في الأمر أنّا طلبنا منكم: 1 - عدم العمل بالمنهج الأفيح الذي يُعاد فيه إدماج السلفيين المخالفين في مجلة الإصلاح على نمط ما يسير عليه الحلبي في دعوته، وهو ما ظهر من خلال إعادة استكتاب المخالفين والاجتماع بهم ومناصرتهم في المجمع والمجالس الأخرى. 2 ـ الإقلاع عن نبز مشايخ الدعوة في الجزائر، وخاصة في مجالسكم المغلقة. 3 ـ الاعتذار عما صدر في الفيديوهات، وكذا التعامل مع جمعية الونشريسي المعروفة بتوجهها . 4 ـ ترك مصاحبة بعض المخالفين، وتزكيتكم لهم. 5 ـ كتابة تراجع واضح عن تزكية المشايخ المخالفين للمنهج السلفي كابن حنفية والحلبي وعبد المالك. 6 ـ ترك إقامة الدروس في بعض مساجد المخالفين، وتزكيتكم لهم. 7 ـ الكف عن استغلال الدعوة السلفية لأغراض شخصية، والإقلاع عن المتاجرة بها. وهو ما أبلغه الشيخ أزهر إلى الشيخ عبد الغني عوسات، وانتظرنا منكم الجواب، فلم نتلقّ منكم أيّ جواب. فلماذا تأخذك العزّة بالإثم؟!ولماذا هذا الإصرار، والتحدّي، والتعنّت؟! ماذا عليكم لو كتبتم بيانًا تتراجعون فيه عمّا أُخذَ عليكم، فيرفع الله قدركم، برجوعكم إلى الحقّ، فإنّ الحق قديم، والحقّ أحقّ أن يتّبع؛ فيحسم الخلاف، وتنطفئ الفتنة ويُرْأَب الصدعُ؛ وكان في وسعكم احتواء الخلاف والحدّ من إطالته؛ وإلا فمن أطال في عمر الخلاف، ووسّع دائرته؟!
  3. جناية التصوُّف على الإسلام وآثارُه السيِّئة على منهج السلف في العلم والعمل الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد: فقَدْ جَعَل اللهُ تعالى البناءَ العقديَّ المتين والتكوين الفقهيَّ السليم والاسترشادَ بمنهج السلف القويم عاصمًا مِنَ الوقوع في الزلل والخطإ، وكفيلًا للوقاية مِنَ التزيُّد والتجاوز والابتداع في منهج الفهم والتعقُّلِ لقضايا التنزيل العقدية وأحكامِ التطبيق العملية. ولا يخفى على ذي لبٍّ أنَّ الله تعالى لم يجعل دِينَه وشرعه مَرْتعًا للرُّؤَى، ولا مسرحًا للخيال في فهم نصوص الوحيين ـ الكتابِ والسنَّة ـ للوصول بالسالك إلى اليقين المنشود كما تزعمه المتصوِّفة، وذلك عن طريق المشاهدة والكشف والذوق والمنامات وغيرها مِنَ الطُّرُق المُلتوِيَة والبعيدة عمَّا كان عليه الصدرُ الأوَّل مِنْ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتِه الكرام رضي الله عنهم الذين زكَّاهم اللهُ تعالى بالنصِّ، وشَهِد لهم بالأعلمية في مثلِ قوله تعالى: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلعِلمَ دَرَجَٰتٖ﴾ [المجادلة: ١١]، وقولِه تعالى: ﴿وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلعِلمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وقولِه تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلعِلمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًا﴾ [محمَّد: ١٦]؛ فإنَّ اللام في «العلم» إنما هي للعهد لا للاستغراق، أي: العلم الذي أرسل اللهُ به نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، وإذا أُوتُوا هذا العلمَ كان حريًّا بغيرهم اتِّباعُهم(١)، وقد أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ خير الناس قرنُه مطلقًا؛ وهو الأمر الذي يقتضي تقديمَهم على غيرهم في كُلِّ بابٍ مِنْ أبواب الخير في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»(٢)، كما جَعَل اللهُ الهدايةَ للصراط المستقيم لا سبيلَ للخَلْق إليها إلَّا بما آمَنَ به معشرُ المؤمنين في قوله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهتَدَواْ﴾ [البقرة: ١٣٧]، وجَعَل الضلالَ بالإعراض عن سبيل الهدى والإيمان ـ الذي طريقُه العلمُ والعمل ـ هو عينَ الشِّقاق، ويَلْزَم مِنَ المُشاقَّةِ مُحادَّةُ اللهِ ورسولِه وعداوتُهما، وبِئْسَ شِقُّ أهلِ الضلال والغواية وساءَ مَصيرُهم، ونِعْمَ شقُّ أهلِ الهدى والإيمانِ وحَسُنَ مَآلُهُم، واللهُ يكفيهم شرَّهم وكيدهم ومكرهم وعداوتهم؛ قال تعالى: ﴿وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ ١٣٧﴾ [البقرة]. ومِنْ ذلك ما أوجب الله تعالى مِنْ متابعة السبيل الذي سَلَكه المؤمنون ـ وفي طليعتهم صحابةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في عقائدهم وأعمالهم، وما حرَّم مِنْ مخالفتهم فيها بعد ظهور الهدى والعلم بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية، وقد رتَّب اللهُ تعالى الوعيدَ على المُشاقِق المخالفِ بالتخلِّي عنه في الدنيا والعذابِ في الآخرة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيرَ سَبِيلِ ٱلمؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصلهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥﴾ [النساء]؛ إذ لا يخفى أنَّ لفظ «المؤمنين» في الآية يدخل فيه الصحابةُ الكرام رضي الله عنهم دخولًا أوَّليًّا. غير أنَّ العَجَب لا ينقطع مِنْ ذهنيةِ قومٍ مُنِحَتْ لها مسؤوليةُ الأمَّة، وجُمِعَتْ بين أيديها آليَّاتُ التغيير المادِّيةُ والبشرية طمعًا في الارتقاء إلى الأحسن ـ زعموا ـ تنشد ـ في قوالبها الدِّينية ـ التجديدَ ضِمْنَ المسلك الصوفيِّ المُنحرِف بمُختلَفِ طُرُقه وأحواله ومقاماته، وتأييدَ زواياه ومدارسِه المتفاوِتةِ في الفساد والإفساد، بدءًا مِنْ مدرسة الزهد وانحداراتها عن سُمُوِّ الإسلام بإحداثِ مفاهيمَ وسلوكياتٍ غريبةٍ عن الدِّين، واختلاقِ مصطلحاتٍ ما أَنْزَل اللهُ بها مِنْ سلطانٍ، وقد تبلغ بهم إلى حدِّ الوساوس والدَّرْوَشة والخُرافة، ثمَّ مدرسة الكشف والمعرفة، إلى القول بوحدة الوجود، وإلى الاتِّحاد والحلول والفَناء، وإلى التواكل والركون إلى السلبية، وغيرها مِنْ ضلالات القوم الدخيلة على الإسلام في عقيدته وأحكامه. إنَّ التصوُّف ـ بأفكاره المنحرفة ومعتقداته الباطلة، وبمختلفِ مناهجه ومدارسِه ومسالكه ـ خطرٌ عظيمٌ على عقيدة التوحيد والعمل؛ فهو يشوِّه الإسلامَ في معانيه ومبانيه وعقيدتِه وشريعته مِنَ الداخل والخارج تشويهًا يخرجه عن جماله، ويعرِّيه عن حُسْنه ورونقه. بل التصوُّف قضاءٌ مُبْرَمٌ على العقيدة والفقه الإسلاميَّيْن، وانحرافٌ ظاهرٌ عن الصراط المستقيم، وانحدارٌ خطيرٌ عن دعوة الأنبياء والرُّسُل، وعن منهج الإسلام القائم على العلم والعمل ونشرِ التوحيد ونبذِ الشرك والبِدَع، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها ممَّا جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ دِين الإسلام، وقامَتْ عليه حجَّتُه ودعوتُه، وسار عليه صحابتُه الكرام رضي الله عنهم، ومَنِ انتهج منهجَهم مِنْ بعدِهم؛ فقَدْ أَثْبَت اللهُ لهم الخيريةَ على سائر الأمم ـ كما تقدَّم ـ ووَصَفهم بأنهم يأمرون بكُلِّ معروفٍ وينهَوْن عن كُلِّ منكرٍ في قوله تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَتَنهَوۡنَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، كما جَعَلهم شُهَداءَ الله على الناس في الأرض، وأقام شهادتَهم مَقامَ شهادة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في قولِه تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيكُمۡ شَهِيدٗا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فإنَّ الصّحابة الكرام رضي الله عنهم ـ في هذه الآيةِ والتي قبلها ـ هم المُشافَهون ـ حقيقةً ـ بهذا الخطاب المبلَّغِ على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، شهادةَ حقٍّ وصدقٍ، ولا شيءَ يُعادِلُ شهادةَ الله تعالى لهم بذلك. هذا، وقد ازداد انحرافُ التصوُّف عن خطِّ الإسلام القويم في عقيدته وفقهه، وتوسَّعَتْ دائرةُ فساده وضررِه بما جَمَعه ونَشَره على مرِّ العصور وكرِّ الدهور مِنْ آفات المعتقدات والتزيُّدِ في الدِّين ومختلف الضلالات والحوادث التي تولَّدَتْ مِنْ جرَّاءِ ترك الاعتصام بحبل الله المتين وبمنهجه القويم؛ والمعلومُ أنَّ مَنْ تَرَك الاعتصامَ به وعَمَد إلى التخلِّي عنه كان عُرْضةً لجميع الآفات والبليَّات، وقد شبَّهه الله تعالى بمَنْ ﴿خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخطَفُهُ ٱلطَّيرُ أَوۡ تَهوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١﴾ [الحج]. ذلك لأنهم سألوا الهدايةَ وطلبوا الاستقامةَ في غير الكتاب والسنَّة، زاعمين أنَّ لهم علومًا خاصَّةً يتلقَّوْنها مِنَ الله مباشرةً دون واسطةٍ عن طريق الكشوفات والهواتف المزعومة، فضلًا عن دعوَى لقائهم بالأنبياء والأولياءِ حقيقةً وحسًّا، وعلى رأسهم الخَضِرُ الذي يتعلَّمون منه العلومَ اللدنية؛ الأمرُ الذي دَفَعهم إلى الاعتقاد بوجودِ حقيقةٍ تخالف الشريعة، وبالغلوِّ المُفْرِط في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والأولياء. ومِنْ أعظم العوامل المؤثِّرة ـ أيضًا ـ التي زادَتْ عقيدةَ المتصوِّفة فسادًا: اختلاطُ التصوُّف بجملةٍ مِنَ الفلسفات القديمة وتأثُّرُه بها، حتَّى أصبح التصوُّفُ ـ في عقيدته وسلوكه ـ مزيجًا مِنَ الفلسفة الهندية واليونانية والرهبانية وعقائدِ الشيعة(٣) وغيرها. ومِنَ الآثار السيِّئة التي نَشَرها التصوُّفُ في هذه الأمَّة، وبان فيها خطرُه على عقيدتها ودِينها: ـ انتشار الوثنية وعبادة القبور، وذلك بقيام المتصوِّفة ببناء المساجد والقِباب على قبور الموتى، ودعوةِ الناس إلى زيارةِ أماكنها والتمسُّحِ بأعتابها، وصرفِ العبادات لأصحابها المدفونين، مِنْ دعاءٍ واستغاثةٍ وذبحٍ ونذرٍ وغيرها مِنَ العبادات التي لا يجوز صرفُها إلَّا لله تعالى. ـ انحراف الصوفية في التوحيد بإقحام وحدة الوجود في عقيدة الأمَّة، وأنَّ مفهوم التوحيد الحقيقي ـ في زعمهم ـ هو القول بوحدة الوجود، وما ترتَّب عليها مِنْ مضاعفاتٍ في تجويزِ كُلِّ شيءٍ موجودٍ في الكون، والقول بوحدة الأديان وغيرهما. ـ انحراف الصوفية في المحبَّة، واعتقادهم بحلول الله في خلقه ومسألة الفَناء وغيرها مِنْ آفات معتقداتهم. ـ تقسيم الدِّين إلى حقيقةٍ وشريعةٍ على نحوِ ما بيَّنْتُه في موضوعِ: «بدعة تقسيم الدِّين إلى حقيقةٍ وشريعةٍ وآثاره السيِّئة على الأمَّة»(٤). ـ تعطيل وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوَى أنَّ الكُلَّ ـ عندهم ـ معروفٌ وقَدَرٌ محبوبٌ، والاعتقاد بأنَّ مشايخهم يُحِلُّون لهم ما حرَّم الله عليهم، فضلًا عمَّا تنشره المتصوِّفةُ مِنْ حوادثِ الموالد والأذكار والصلوات المُبتدَعة وغيرها مِنَ الأفعال والصُّوَر والألوان والأحوال المشينة التي يمارسها الخرافيون منهم ويعتقدونها في كُلِّ العالَم، وهي محسوبةٌ على الإسلام ظلمًا وزورًا. فالحاصل: أنَّ دِينَ المتصوِّفة مبنيٌّ على دعاوَى مُختلَقةٍ كاذبةٍ متمثِّلةٍ في اعتقادهم أنَّ التوحيد الذي أرسل اللهُ به الرُّسُلَ وأنزل به الكُتُبَ فهو توحيد العوامِّ الذي يُعَدُّ ـ بالنسبة إليهم ـ شركًا بالله يترفَّعون عنه بزعمهم، وادِّعاؤهم عدمَ انقطاع الوحي، وأنَّ المشايخ مكشوفٌ عن بصيرتهم، وهُم أعلمُ بحقائق العلوم مِنَ الأنبياء، ويجوز لهم الخروجُ عن الشريعة والتمرُّدُ على أوامر الله ورسولِه؛ بناءً على تقسيم الدِّين ـ عندهم ـ إلى حقيقةٍ وشريعةٍ، فضلًا عن الغُلُوِّ المُفْرِط في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورفعِه مِنْ مرتبة البشرية ومقام العبودية والرسالة إلى مقام الألوهية والمعبودية، وغيرها مِنْ ضلالات القوم وبِدَعهم. الأمر الذي أفضى بالمتصوِّفة إلى تقديس أوليائهم ومشايخهم وتعظيم منزلتهم بالغُلُوِّ الزائد، في حياتهم وبعد وفاتهم: يخضعون لهم في طاعةٍ عمياءَ وحبٍّ أصمَّ، ويعترفون بذنوبهم بين أيديهم على طريقةِ أصحابِ صكوك الغفران عند النصارى، ويشيِّدون عليهم الأضرحةَ والقِبابَ بعد وفاتهم، ويشدُّون إليها الرِّحالَ ويتمسَّحون بها ويتوسَّلون لقضاء حوائجهم ـ زعموا ـ وهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ مِنَ المفاهيم والسلوكات والمُعتقَدات والشَّطَحات التي ابتدعوها في دِين الإسلام، متشبِّهين باليهود والنصارى كما أخبر النبيُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟!»(٥)، ولا يخفى ما في هذه الحوادثِ والعوائد والمعتقدات مِنْ مخالفةٍ لجناب التوحيد، ومباينةٍ لِمَا دَعَا إليه الإسلامُ وما كان عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتُه الكرام رضي الله عنهم. وقد انقلب التصوُّفُ ـ بعدها ـ كسبًا مُرْبِحًا للمُشَعْوِذين والسَّحَرة والبطَّالين والدجَّالين، وطريقةً لتحضير الأرواح، وتجارةً مَهينةً للسُّفَهاء السافلين ومَنْ قلَّتْ بضاعتُهم في العلم الشرعيِّ ولا اشتغلوا به ولا دعَوْا إليه؛ فضَلُّوا وأَضَلُّوا وفَسَدوا وأفسدوا؛ فلا الإسلامَ نصروا ولا عدوًّا كسروا، ولا طاغيًا كافحوا ولا غاصبًا طردوا. وقد استغلَّ أعداءُ الإسلام والمُستعمِرون الحاقدون عليه طوائفَ المتصوِّفة لتشويهِ جمال الإسلام والقضاءِ على صفاء التوحيد، وتصيير المسلمين أطوعَ لسلطة الأعداء وأخضعَ إلى مأموريَّتِهم وأركنَ إلى السلبية؛ لئلَّا تقوم للمسلمين قائمةٌ. علمًا أنَّ المتصوِّفة لم يكن لهم موقفٌ عدائيٌّ تُجاهَ المستعمر المحتلِّ، بل موقفُ متعاوِنٍ خدومٍ لمصالح المُستعمِر ومنافعِه، سواءٌ في العالَمِ الإسلاميِّ عامَّةً أو في خصوصِ بلدنا هذا، والأدلُّ على ذلك أنَّ أتباع الطريقة التيجانية ساعدوا الجيوشَ الفرنسية بمختلف الوسائل الحربية مِنَ التجسُّس لهم وإرسالِ الأَدِلَّاء والقتالِ إلى جانب فرنسا ضِدَّ مُواطِنيهم مِنَ المسلمين، واعتُبِر ذلك عند مشايخ الصوفية واجبًا يُمليهِ الشرفُ ويَبْغون فيه الاحتسابَ عند الله تعالى(٦). فهذه هي المواقف المخذولة للمتصوِّفة في هذه البلادِ وغيرها مِنْ بلدان العالَم، «مِنْ أجلِ ذلك يجب ألَّا نستغرب إذا رأينا المُستعمِرين يُغْدِقون على الصوفية الجاهَ والمال، فرُبَّ مفوَّضٍ سامٍ لم يكن يرضى أَنْ يستقبل ذوي القيمة الحقيقية مِنْ وجوه البلاد، ثمَّ تراه يسعى إلى زيارةِ حلقةٍ مِنْ حلقات الذكر، ويقضي هنالك زيارةً سياسيةً تستغرق الساعات؛ أليس التصوُّف الذي على هذا الشكلِ يقتل عنصرَ المقاومة في الأمم؟!»(٧). ولا تزال جنايةُ الصوفية على الدِّين مُستمِرَّةً بهذه المواقفِ المخزية: يؤيِّدون الفسادَ أينما كان، ويَرْمُون غيرَهم بالباطل، ويتكيَّفون مع واقع الزمن الذي يعيشون فيه ولو بإيديولوجياتٍ مُستَوْرَدةٍ، مِنِ: اشتراكيةٍ أو ليبيراليةٍ أو ديمقراطيةٍ وأفكارٍ دخيلةٍ على المجتمع المسلم، ويدورون مع واقعهم المَعيش حيث دارَ، ويسايرونه كُلَّ مَسارٍ، سواءٌ كان الواقعُ مُوافِقًا للإسلام أو مخالفًا له، وسواءٌ كان قادةُ بلاد المسلمين وحُكَّامُهم مسلمين أو كُفَّارًا، وقد قال قائلُهم: «إنَّ الكُفَّار والمجرمين والفَجَرةَ والظلمة مُمتثِلون لأمر الله تعالى، ليسوا بخارجين عن أمره»(٨). هذا، وإنَّ قومًا ممَّنْ يحملون الغِلَّ على أهل السنَّة يسعَوْن جاهدين إلى محاربةِ دعوة الكتاب والسنَّة على منهجِ سلف الأمَّة عقيدةً وشريعةً على نطاقٍ واسعٍ، باستخدامِ أساليب التضييق، سواءٌ على الدُّعَاة أو الأئمَّة أو رُوَّاد الدعوة إلى الله أو طلبة العلم بالتشويه والإقصاء، أو على منشوراتهم ومؤلَّفاتهم بالمنع والتشديد والمصادرة. في حينِ يفتحون المجالَ للتصوُّف ـ بأفكاره المنحرفة ومعتقداته الباطلة ـ واسعًا على مِصْراعَيْه، بعقد الندوات والمُلتقَيات، وإعداد البرامج والحِصَص المرئيَّةِ وغير المرئيَّة، وتخصيص الأغلفة المالية لتدعيمها وتقويتها، وتمكين الزوايا على ما فيها مِنْ بلايَا ورزايَا، فضلًا عن إرادة إحلال العقيدة الممزوجة بعقائد الفلاسفة وتُرَّهات المناطقة وتمحُّلات المتكلِّمين محلَّ عقيدةِ أهل السنَّة والجماعة، ليعقِّدوا العقيدةَ ويشوِّهوا صفاءَها وجمالها؛ فيُنشِئوا لهذه الأمَّةِ جيلًا خُرَافيًّا مُبتدِعًا ومتكلِّمًا، يُفْسِد عقيدةَ الأمَّة ويلوِّث صفاءَها ويهدم بنيانَها. وكان الأجدرُ بهم: ردَّ الأمَّة إلى منهج السنَّة القويم ومنهجِ السلف الصالح السليم، وتخليصَها مِنْ آثار الشُّبَه والشكوك والأفكار الهدَّامة والاتِّجاهات المُنحرِفة، وتجنيبَها طُرُقَ الباطل والغواية؛ ليصونوا الأمَّةَ مِنَ الهلكة والضلالة. ولكِنْ لا يزالون على ظلمهم سائرين، لا تردُّهم موعظةٌ ولا يزجرهم بيانٌ ولا برهانٌ، يبذلون قُصارَى جُهدهم ليتوصَّلوا إلى إطفاءِ نور الله بمقالاتهم الكاسدة: يردُّون بها الحقَّ، وقد تَكفَّل اللهُ تعالى بإشاعةِ نوره ونصرِ دِينه وإتمامِ الحقِّ الذي أرسل به نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم؛ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ﴾ [الصف: ٨]. نسأل اللهَ أَنْ يحفظ دِينَه، ويُعليَ كلمتَه، وينصر أولياءَه المؤمنين المُتَّقين، وأَنْ يثبِّتنا على الحقِّ المُبين، ويعصِمَنا مِنَ الزلل عند المِحَن، ويجنِّبنا الشرَّ والفِتَن، ما ظَهَر منها وما بَطَن؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا. الجزائر في: ١٠ صفر ١٤٣٩ﻫ الموافق ﻟ: ٣٠ أكتوبر ٢٠١٧م ـــــــــــــ (١) انظر: «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٤/ ١٣٠). (٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم» بابُ فضائلِ أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم (٣٦٥٠)، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢٥٣٥)، مِنْ حديثِ عمران بنِ حصينٍ رضي الله عنه. (٣) انظر: «مقدِّمةَ ابنِ خلدون» الفصل السابع عشر: في علم التصوُّف (٢٨٥). (٤) يُوجَد ضِمْنَ مؤلَّفي: «تنبيه المستبصرين بمفهوم التقسيم الاصطلاحيِّ للدِّين ـ نماذجُ وآثارٌ ضِمْنَ رؤيةٍ نقدية» (١٥). (٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» (٣٤٥٦) بابُ ما ذُكِر عن بني إسرائيل، ومسلمٌ في «العلم» (٢٦٦٩)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. (٦) ويؤكِّد ذلك قولُ محمَّد بن الكبير صاحبُ السجَّادة التيجانية الكبرى وخليفةُ أحمد التيجاني الأكبر مؤسِّسِ الطريقة التيجانية، في خطبةٍ ألقاها أمامَ رئيس البعثة العسكرية الفرنسية في عين ماضي بالأغواط [الجزائر] بتاريخ ٢٨ ذي الحجَّة عام ١٣٥٠ﻫ ما نصُّه: «إنَّ مِنَ الواجب علينا إعانةَ حبيبةِ قلوبنا فرنسا مادِّيًّا ومعنويًّا وسياسيًّا؛ ولهذا فإنِّي أقول ـ لا على سبيل المنِّ والافتخار، ولكِنْ على سبيل الاحتساب والشرف بالقيام بالواجب ـ: إنَّ أجدادي قد أحسنوا صنعًا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أَنْ تَصِل إلى بلادنا، وقبل أَنْ تحتلَّ جيوشُها الكرام دِيارَنا» [«تاريخ المغرب في القرن العشرين» لروم لاندرو (١٤٣)]. (٧) «هذه هي الصوفية» لعبد الرحمن الوكيل (١٧٢). (٨) «جواهر المعاني» لعلي برادة (١/ ٢٢١). __________________ عنوان البريد الإلكتروني tasfia@tasfiatarbia.org
  4. تَذْكِير واسْتِنْكَار على قرارِ منعِ الجمع في الحَضَر بسببِ عُذرِ المَطَرِ لِفضِيلة شَيخِنَا العَلَّامَة محُمَّد عَلِي فَرْكُوس حفظه الله. الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد: فقَدْ جاء في التنزيلِ المُحكَم قولُه تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١﴾ [الأحزاب]، ففي الآيةِ أصلٌ كبيرٌ في التأسِّي برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والاقتداءِ به ومتابعتِه في أقواله وأفعاله وأحواله؛ وممَّا جرَتْ عليه سنَّةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: العملُ بالرخصة المشرَّعة بفعله صلَّى الله عليه وسلَّم عند وجود الحرج؛ إذ دِينُ اللهِ تعالى قائمٌ على التيسير ورفعِ الحرج ودفعِ المَشقَّة؛ والأدلَّةُ على ذلك متضافرةٌ بلغَتْ درجةَ القطع، فمنها: قولُه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖ﴾ [الحج: ٧٨]، وقولُه تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ﴾ [المائدة: ٦]، وقولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وغيرُها مِنَ الآيات، ومِنَ السنَّة: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» [رواه البخاريُّ معلَّقًا (١/ ٩٣)]، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» [أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى » (٥٤١٥). وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٣/ ٩)]. ومِنْ الرُّخَص المبنيَّة على أعذار العباد: رخصةُ الجمع بين الصلاتين في الحضر بسبب المطر؛ ففي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ» [أخرجه مسلمٌ (٧٠٥)]، وعن نافعٍ «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ ـ إِذَا جَمَعَ الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَطَرِ ـ جَمَعَ مَعَهُمْ» [أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (٢/ ١٩٩)]، وعن موسى بن عقبة «أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِذَا كَانَ الْمَطَرُ، وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَشْيَخَةَ ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُمْ وَلَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ» [أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٥٥٥٨)]، وقد تتابعَتْ مذاهبُ أمَّة الإسلام على العمل بهذه السنَّة جيلًا بعد جيلٍ، وقرَّروها في مصنَّفاتهم، ومِنْ ذلك أئمَّةُ المالكية، قال ابنُ العربيِّ المالكيُّ ـ رحمه الله ـ في [«القَبَس في شرح موطَّإ مالك بنِ أنس» (٣٢٧)]: «ولا يَطمئِنُّ إلى الجمع ولا يفعله إلَّا جماعةٌ مُطمئِنَّةُ النفوس بالسنَّة، كما أنه لا يكع [أي: يجبن ويضعف] عنه إلَّا أهلُ الجفاء والبداوة». هذا، وإنَّ أبا عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ وإدارةَ موقعه لَيَستنكِرُون مِنَ البيان الصادر مِنْ وزارة الشؤون الدِّينية والأوقاف، والقاضي بمنع الجمع بين الصلوات في حالِ نزول المطر أو وقوع الثلج، والمُصادِم للسنَّة الفعلية، والمُنافي لِمَا عليه عملُ الأمَّة الإسلامية، ويتعجَّبون مِنْ حظرِ إقامةِ سنَّةٍ مِنْ سُنَنه صلَّى الله عليه وسلَّم في بيوت الله بإحداثِ قولٍ خارجٍ عن المذهب الفقهيِّ الذي تعتمده الجهةُ الوصيَّةُ مرجعًا لها دون غيره، وهو مذهب مالك الذي ـ كثيرًا ـ ما تُدندِنُ الوزارةُ حوله. وإنَّ مِنْ واجب التواصي بالخير: تذكيرَ أصحابِ القرار ـ وفَّقهم الله ـ أنَّ مِنْ نِعَم الله الجليلةِ على المسلم أَنْ يوفِّقه للعمل في حراسةِ دِينه الحنيف، والذبِّ عن سنَّةِ نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم، والعملِ على إحيائها، وأَنْ يُقيمَه في مَنْصِبٍ يحصل له به شرفُ خدمةِ هذا الدِّينِ العظيم، ورعايةِ مصالحه القائمة على الخير والنفع الدنيويِّ والأخرويِّ. علمًا أنه لا تعارضَ بين إعمالِ سنَّة الجمع لعذرِ المطر رفعًا للحرج، وبين استبقاءِ المسجد مفتوحًا ـ لزومًا ـ إلى وقت صلاة العشاء الأصليِّ لمَنْ أراد العملَ بالعزيمة؛ فيتحقَّق ـ بذلك كما لا يخفى ـ التوفيقُ والجمع بين المصلحتين، وفي كِلَيْهما خيرٌ، سواءٌ لمَنْ فضَّل العزيمةَ أو لمَنْ أخَذ بالرخصة. وفَّق اللهُ المسؤولين في وزارة الشؤون الدِّينية والأوقاف ـ القائمين على التوجيه والقرار ـ لِمَا فيه عزُّ الإسلام والمسلمين، ونصرُ السنَّة وإحياؤها، والدعوةُ إليها على بصيرةٍ وهُدًى، لا مبدِّلين لدِين الله ولا مغيِّرين لشرعِه، ﴿رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣﴾ [الأحزاب]. وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا. الجزائر في: ٢٢ جمادى الأولى ١٤٣٩ﻫ الموافق ﻟ: ٠٨ فيفري ٢٠١٨م المصدر: الموقع الرسمي للشيخ محمد علي فركوس حفظه الله http://ferkous.com/home/?q=tawjih-14
  5. كتاب الإقناع بما جاء عن أئمَّة الدعوة من الأقوال في الاتِّباع تأليف فضيلة الشيخ محمَّد بن هادي بن علي المدخلي - حفظه الله - المسألة الأولى: هل يجب على الناس تقليد شخص معيّن، ســـواء كـان من الأئــمَّة الأربـــعة أو غــيرهم ؟ أوَّلاً: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: <إنَّه متى اعتقد أنَّه يجب على الناس اتِّباعُ واحدٍ بعينه من هؤلاء الأئمَّة الأربعة دون الآخر؛ فإنَّه يجب أن يُستَتاب، فإن تاب وإلاَّ قُتِل. بل غاية ما يقال: إنَّه يسوغ، أو ينبغي، أو يجب على العامِّي أن يقلِّد واحدًا لا بعينه، من غير تعيين زيد ولا عمرو. وأمَّا أن يقول قائل: إنَّه يجب على الأمَّة تقليد فلان أو فلان، فهذا لا يقولُه مسلم. ومَن كان مُواليًا مُحبًّا لهم يقلِّد كلّ واحد منهم فيما يظهر له أنَّه موافق للسنَّة فهو محسن في ذلك، بل هو أحسن حالاً من غيره؛ فالأئمَّة اجتماعهم حُجَّة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة؛ فمَن تعصَّب لواحد بعينه كان بمنزلة الرافضة الذين يتعصَّبون لواحد من الصحابة دون غيره وكالخوارج. وهذا طريقة أهل البدع والأهواء الذين هم خارجون عن الشريعة بإجماع الأمَّة والكتاب والسنَّة. ثُمَّ عامَّة المتعصِّبين لواحد إمَّا مالك، أو الشافعي، أو أحمد، أو أبي حنيفة، أو غيره، غايته: أن يكون جاهلاً بقدره في العلم والدين وبقدر الآخرين؛ فيكون جاهلاً ظالِمًا، والله يأمر بالعدل وينهى عن الجهل والظلم. فالواجب: موالاة المؤمنين والعلماء، وقصد الحقِّ واتباعه، وليعلم: أنَّ مَن اجتهد منهم فأصاب فله أجران، ومَن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد. وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله عليهم التُّرْك: كثرةُ التفرُّق والفتن بينهم في المذاهب؛ وكلّ ذلك من الاختلاف الذي ذمَّه الله؛ فإنَّ الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين؛ والواجب على الخلق: اتباع المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاَّ وحي يوحى: }فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{([1])؛ فعلى أقواله وأحواله وأفعاله تُوزَن جميع الأحوال والأقوال والأفعال> انتهى كلامه ـ رحمه الله تعالى ـ([2]). ويقول أيضًا ـ رحمه الله تعالى ـ: <إنَّما يجب على الناس طاعة الله وطاعة الرسول r؛ وهؤلاء أولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله: }أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ{([3])... وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنَّه يستفتي مَن اعتقد أنَّه يُفْتِيه بشرع الله ورسـوله من أيِّ مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كلّ ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معيَّن غير الرسول r في كلّ ما يوجبه ويخبر به، بل كلّ أحد من الناس يُؤخَذ من قوله ويترك إلاَّ الرسول r، واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته، إنَّما يسوغ له، وليس هو مِمَّا يجب على كلّ أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كلّ أحد عليه أن يتَّقي الله ما استطاع ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله، فيفعل المأمور ويترك المحظور. والله أعلم>([4]). ويقول ـ أيضًا ـ: <مَن نصَّب إمامًا فأوجب طاعته مطلقًا اعتقادًا أو حالاً فقد ضلَّ في ذلك كأئمَّة الضلال الرافضة الإمامية، حيث جعلوا في كلّ وقت إمامًا معصومًا تحت طاعته، فإنَّه لا معصوم بعد الرسول r، ولا تجب طاعة أحد بعده في كلّ شيء.. ـ إلى أن قال ـ: وكذلك مَن دعا لاتِّباع شيخ من مشايخ الدين، في كلّ طريق من غير تخصيص ولا استثناء، وأفرده عن نظرائه، كالشيخ: عدي.. والشيخ: عبد القادر... ـ إلى أن قال ـ: وكذلك مَن دعا إلى اتِّباع إمام من أئمَّة العلم في كلّ ما قاله، وأمر به، ونهى عنه مطلقًا، كالأئمَّة الأربعة...>([5]). فانظر أخي طالب العلم ـ وفَّقني الله وإيَّاك لِمَا يُحبُّه ويرضاه ـ إلى هذا الكلام الرصين، والتحقيق المتين من هذا الإمام البحر الحبر الحُجَّة في المعقول والمنقول ـ رحمه الله تعالى ـ؛ ترى في كلامه الأمور الآتية: الأوَّل: أنَّ مَن اعتقد أنَّه يجب على الناس اتباع واحد بعينه من هؤلاء الأئمَّة الأربعة دون الآخر فإنَّه يجب أن يُستتاب فإن تاب وإلاَّ قتل. فليت شعري ما هي حال مَن يقول: <مَن لم يكن حنبليًّا فهو خارجي جهيماني> ؟ ألم يوجب هذا القائل على الناس أن يتبعوا واحدًا بعينه من هؤلاء الأئمَّة دون الآخر، وإلاَّ كانوا خوارج جهيمانيين ؟!!! الثاني: أنَّ غاية ما يقال في التقليد: إنَّه يسوغ، أو ينبغي، أو يجب على العامِّي أن يقلِّد واحدًا، لكن من غير تعيين زيد ولا عمرو. وعلى المقالة الثانية بعد الترقيع من هذا الجاهل أوجب على الناس جميعًا أن يقلِّدوا <وإلاَّ كانوا خوارج جهيمانيين>، سواءً في ذلك طلبة العلم، أو العلماء من غير تفصيل. الثالث: أنَّه لا يقول مسلم: إنَّه يجب على الأمَّة تقليد فلان أو فلان. قلت: فلينظر صاحب المقالتين لنفسه أين وضعها حينما أوجب على الناس ذلك. الرابع: أنَّ مَن تعصَّب لواحد من الأئمَّة بعينه كان بمنزلة الرافضة الذين يتعصَّبون لواحد من الصحابة دون غيره، وكالخوارج. فهنيئًا لصاحب المقالة: <مَن لم يكن حنبليًّا فهو خارجي جهيماني> بهذه المنزلة التي ذكرها شيخ الإسلام !! وهنيئًا له بهؤلاء الضُّلاَّل؛ فإنَّهم هم قدوته. ومَن هو الخارجي حينئذ ؟ الذي يدعو الناس إلى اتباع الكتاب والسنَّة ؟ أمْ مَن يتعصَّب لواحد من الأئمَّة بعينه ؟ أَدَعُ الإجابة للقارئ. الخامس: أنَّ هذا الطريق طريق أهل البدع والأهواء الذين هم خارجون عن الشريعة بإجماع الأمَّة والكتاب والسنَّة. السادس: أنَّ مَن تعصَّب لواحد من الأئمَّة غايته أن يكون جاهلاً بقدره في العلم والدين وبقدر الآخرين؛ فيكون جاهلاً ظالِمًا. قلت: وهذا منطبق على صاحب هذه المقالة: <مَن لم يكن حنبليًّا فهو خارجي جهيماني>. السابع: أنَّ بلاد الشرق من أسباب تسليط الله عليهم التُّرْك: كثرة التفرُّق والفتن بينهم في المذاهب. قلت: وقد عصمنا الله ـ سبحانه وتعالى ـ في هذه البلاد بفضله ورحمته من هذه الفتن، والافتراقات في المذاهب؛ بسبب دولة قامت على كتاب الله وسنَّة رسوله r، ولو احتزب كلّ واحد لمذهب من المذاهب يوالي ويعادي عليه ـ كما يدعو إلى ذلك هذا الجاهل ـ ماذا ستكون النتيجة ؟ إنَّه التفرُّق والفتن ـ كما قال شيخ الإسلام ـ. ونعوذ بالله من غضبه وأليم عقابه. الثامن: أنَّ الواجب على الخلق إنَّما هو اتباع المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى. التاسع: أنَّه إذا نزلت بالمسلم نازلة فإنَّه يستفتي مَن اعتقد أنَّه يُفتِيه بشرع الله ورسوله؛ من أيِّ مذهب كان. العاشر: أنَّه لا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كلّ ما يقول. الحادي عشر: أنَّه لا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معيَّن غير الرسول r. الثاني عشر: أنَّ اتباع الشخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنَّما هو مِمَّا يسوغ له، وليس هو مِمَّا يجب على كلّ أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق. ثانيًا: ويقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: <هل يلزم العامِّي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا ؟ فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه. وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلاَّ ما أوجبه الله ورسوله r، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمَّة، فيقلِّده دينه دون غيره. وقد انطوت القرون المفضلة مبرَّاة، مبرَّأ أهلها من هذه النسبة. بل لا يصحُّ للعامِّي مذهب ولو تمذهب به، فالعامِّي لا مذهب له، لأنَّ المذاهب إنَّما يكون لِمَن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرًا بالمذاهب على حَسَبِه، أو لِمَن قرأ كتابًا في فروع ذلك المذهب، وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأمَّا مَن لم يتأهَّل لذلك البتَّة، بل قال: أنا شافعي، أو حنبلي، أو غير ذلك؛ لم يصر كذلك بمجرَّد القول، كما لو قال: أنا فقيه، أو نحوي، أو كاتب؛ لم يصر كذلك بمجرَّد قوله. يوضِّحُه: أنَّ القائل: إنَّه شافعي، أو مالكي، أو حنفي، يزعم أنَّه متَّبع لذلك الإمام، سالك طريقه. وهذا إنَّما يصحُّ إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال. فأمَّا مع جهله وبعده جدًّا عن سيرة الإمام وعلمه وطريقه فكيف يصحُّ له الانتساب إليه، إلاَّ بالدعوى المجرَّدة، والقول الفارغ من كلّ معنى ؟ والعامِّي لا يُتصوَّر أن يصحَّ له مذهب، ولو تصوّر ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحدًا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمَّة بحيث يأخذ أقواله كلّها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمَّة، لم يقل بها أحد من أئمَّة الإسلام، وهم أعلى رُتْبَة وأجلُّ قدرًا وأعلم بالله ورسوله من أن يُلزِموا الناس بذلك، وأبعد منه قول مَن قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء. وأبعد منه قول مَن قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فيا لله العجب ! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله r، ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمَّة الإسلام، وبطلت جملة إلاَّ مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمَّة والفقهاء ؟ وهل قال ذلك أحد أو دعا إليه ؟ أو دلَّت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه ؟ والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على مَن بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال، فلذلك ـ أيضًا ـ تابع لِمَا أوجبه الله ورسوله. ومَن صحَّح للعامِّي مذهبًا؛ قال: هو قد اعتقد أنّ هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحقّ، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده. وهذا الذي قاله هؤلاء لو صحَّ لَلَزِم منه: تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه، أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنّه إذا رأى نصّ رسول الله r أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النصّ وأقوال الصحابة ويقدّم عليها قول مَن انتسب إليه. وعلى هذا: فله أن يستفتي مَن شاء من أتباع الأئمَّة الأربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيَّد بأحد من الأئمَّة الأربعة بإجماع الأمَّة> انتهى المقصود من كلامه ـ رحمه الله ـ([6]). قلت: فهل وقف هذا المتهوِّك على هذا الكلام العظيم لهذا الإمام وغيره من الأئمَّة الذين سبق النقل عنهم ؟ وإن كان قد وقف عليه ـ ولا أظنُّ أنّه وأمثاله يعرفونه ـ فهل تصحُّ نسبته هو إلى مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ ؟ فإنّه يتبجّح بأنّه حنبلي ؟! والجواب: ما هو إلاَّ ما قاله الإمام ابن القيم فيه وفي أمثاله؛ فإنّه لم يسلك سبيل الإمام أحمد في العلم والمعرفة والاستدلال، بل هو مع جهله بعيد جدًّا عن سيرة الإمام أحمد وعلمه وطريقه، فبقي انتسابه إليه بالدعوى المجرَّدة، والقول الفارغ من كلّ معنى. وقد ثبت عندي عنه من أكثر من عشرين طريقًا من طلبة العلم، وعن شيخين من المشايخ: أنّه قام أمام جمع من الناس كان يتكلّم فيهم أحد المشايخ في مسجد، يحثُّهم على التمسُّك بالكتاب والسنَّة واتباعهما، وأنّه لا يلزم أحدًا من الناس ولا يجب عليه أن يتبع أحدًا في كلّ ما يقول غير الرسول r، فقام أمامهم جميعًا ودفع إلى هذا الشيخ الفاضل كتابًا للإمام ابن رجب عنوانه: <الردُّ على مَن اتَّبع غير المذاهب الأربعة>، وطلب منه أن يقرأ منه على الحاضرين. فما الذي يدلُّ عليه هذا الفعل ؟ أليس يدلُّ على ما اشتهر عنه وشاع، وانتشر وذاع، من: إيجابه اتباع المذاهب الأربعة على الناس ؟ وبهذه المناسبة لا بدَّ من استطراد هنا يقتضيه المقام بسبب ذكر كتاب ابن رجب. فأقول: أوَّلاً: هذا الاسم على الكتاب ليس هو من وضع ابن رجب ـ رحمه الله ـ، وإنَّما هو من المحقّق. وثانيًا: يقال لهذا الجاهل: سلَّمنا أنّ ابن رجب هو الذي وضع اسم الكتاب، لكنَّنا لا نوافقه على هذا الذي قاله. فإن قال: أنتم أعلمَ من ابن رجب ؟ قلنا: نحن لم نخالف ابن رجب من غير إمام اتبعناه، بل اتبعنا مَن هو مثله أو أعلم منه؛ خالفه واستدلَّ بالأدلَّة من الكتاب والسنَّة. فإذا عاد هذا الجاهل لمقالته وقال: أنتم أعلم من ابن رجب ؟ قلنا: وهل أنت أعلم من شيخ الإسلام، وشيخ ابن رجب: ابن القيم، وأئمَّة الدعوة الذين نقلنا عنهم، وغيرهم مِمَّن لم ننقل عنهم ؟ فنكون قد عارضنا هذا الجاهل الظالم بمثل ما عارضنا به، وسلم الدليل من المعارض، واتبعنا قول الله تعالى: }فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ{([7])، واتبعنا مَن اتَّبع الدليل من أهل العلم. والحمد لله. ثالثًا: ويحسن هنا أن نذكِّر هذا الجاهل وأمثاله مرَّةً ثانيةً بما قاله شيخ ابن رجب ـ وهو ابن القيم رحمه الله ـ، فإنّه قال عمّن قال بلزوم التمذهب فيما سبق نقله قريبًا عنه: <وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمَّة، لم يقل بها أحد من أئمَّة الإسلام، وهم أعلى رتبة، وأجلّ قدرًا، وأعلم بالله ورسوله من أن يُلزِموا الناس بذلك، وأبعد منه قول مَن قال: يَلزَمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء. وأبعد منه قول مَن قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة. فيا لله العجب ! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله، ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمَّة الإسلام، وبطلت جملةً إلاَّ مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمَّة الفقهاء ؟ وهل قال ذلك أحد أو دعا إليه، أو دلَّت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه، والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على مَن بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدَّل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال؛ فذلك ـ أيضًا ـ تابع لِمَا أوجبه الله ورسوله> انتهى المقصود نقله من كلامه هنا. ثالثًا: وقال الإمام محمَّد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله تعالى ـ في رسالته إلى عبد الله بن محمَّد بن عبد اللطيف الأحسائي: أ ـ <... أقول ـ ولله الحمد والمنَّة وبه القوَّة ـ: }إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ{([8])، ولست ـ ولله الحمد ـ أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلّم، أو إمام من الأئمَّة الذين أُعظِّمُهم مثل: ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، أو غيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنَّة رسول الله r التي أوصى بها أوَّل أمَّته وآخرهم>([9]). ب ـ ويقول أيضًا ـ رحمه الله ـ: <هل الواجب على كلّ مسلم أن يطلب علم ما أنزل الله على رسوله ولا يُعذَرَ أحد في تركه البتَّة؟ أم يجب عليه أن يتَّبع <التُّحْفَةَ>([10]) ـ مثلاً ـ ؟ فَأَعْلَمُ المتأخرين وساداتهم منهم كابن القيم قد أنكروا هذا غاية الإنكار، وأنّه تغيير لدين الله، واستدلّوا على ذلك بما يطول وصفه من كتاب الله الواضح، ومن كلام رسول الله r البيِّن لِمَن نَوَّر اللهُ قلبَه. والذين يجيزون ذلك ـ يعني: التقليد ـ أو يوجبونه يُدْلُونَ بِشُبَهٍ واهية، ولكنَّ أكبر شبههم على الإطلاق: إنا لسنا من أهل ذلك، ولا نقدر عليه، ولا يقدر عليه إلاَّ المجتهد، و}إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ لَمُقْتَدُونَ{([11]). ولأهل العلم في إبطال هذه الشبهة ما يحتمل مجلَّدًا، ومن أوضحه قول الله تعالى: }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ{([12])، وقد فَسَّرها رسول الله r في حديث عدي بهذا الذي أنتم عليه اليوم في الأصول والفروع، لا أعلمهم يزيدون عليكم مثقال حبَّة خردل...>. إلى أن قال: <وهذه رسالة لا تحتمل إقامة الدليل، ولا جوابًا عمَّا يدلي به المخالف، لكن أعرض عليه من نفسي الإنصاف والانقياد للحقّ، فإن أردتم الردَّ عَلَيَّ بعلم وعدل؛ فعندكم كتاب <إعلام الموقعين> لابن القيم عند ابن فيروز في مشرفة([13])، فقد بسط الكلام فيه على هذا الأصل بسطًا كثيرًا، وسَرَدَ من شُبَهِ أئمَّتكم ما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم، وأجاب عنها> انتهى([14]). ج ـ ويقول ـ رحمه الله ـ في رسالته التي أجاب بها الشيخ إسماعيل الجراعي حينما سأله عمَّا يقوله الكذَّابون عنه من أنَّه: <لا يعمل بكتب المتأخرين>. فقال: <وأمَّا المتأخرون ـ رحمهم الله ـ فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النصَّ منها، وما لا يوافق النص لا نعمل به> انتهى([15]). د ـ ويقول ـ أيضًا ـ هو والإمام عبد العزيز بن محمَّد بن سعود ـ رحمهم الله ـ في رسالتهما إلى البهكلي: <وأمَّا ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد؛ فنحن مقلِّدون الكتاب والسنَّة وصالح سلف الأمَّة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمَّة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل ـ رحمهم الله تعالى ـ >([16]). شبهة... والجواب عنها ولعلَّه يشكل عليك ـ أخي الموفَّق ـ ما جاء في مقابل هذا الكلام عن الإمام محمَّد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ من كونه على مذهب الإمام ـ رحمه الله ـ، كما جاء ذلك عنه في رسالته إلى أهل مكة حيث يقول: ـ <من محمَّد بن عبد الوهاب.. إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام ـ نصر الله بهم دينَ سيِّد الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام، وتابعي الأئمَّة الأعلام..>. إلى أن قال: <فنحن ـ ولله الحمد ـ مُتَّبِعون لا مبتدعون، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل...>([17]). ـ وكذلك ما جاء عن ابنه الإمام عبد الله ـ رحمه الله ـ، حيث يقول في رسالته إلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني: <.. وأمَّا مذهبنا: فمذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ إمام أهل السنَّة...>([18]). وكذلك ما جاء عنه أيضًا ـ رحمه الله ـ في رسالته التي لَمَّا دخلوا مكة سنة 1218ﻫ من قوله: <ونحن ـ أيضًا ـ: في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل>([19]). والجواب عن هذا الإشكال سهل ـ ولله الحمد ـ فيقال: أوَّلاً: كلامه رحمه الله تعالى ـ يوضِّح بعضه بعضًا، فكما أنّه قال: <نحن على مذهب أحمد>، فهو الذي قال ـ أيضًا ـ: <نحن مقلِّدون الكتاب والسنَّة وصالح سلف الأمَّة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمَّة الأربعة...> الخ. فهذا الثاني يُفسِّر الأول، ويوضِّحه زيادة قوله رحمه الله: <وأمَّا المتأخرون فكتبهم عندنا، فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص لا نعمل به>. ـ وكذلك يوضِّحه ـ أيضًا ـ قول ابنه الإمام عبد الله ـ رحمه الله ـ في جوابه على رسالة الصنعاني، فإنَّه قال بعد كلامٍ له على معنى كلمة <المذهب>، ونقله لكلام العلماء فيها، قال: <فقد تلخَّص من كلامهم: أنّ المذهب في الاصطلاح: ما اجتهد فيه إمام بدليل، أو قول جمهور، أو ما ترجَّح عنده ونحو ذلك. وأنّ المذهب لا يكون إلاَّ في مسائل الخلاف التي ليس فيها نصٌّ صريح ولا إجماع. فأين هذا من توهُّمكم أنّ قولنا: <مذهبنا مذهب الإمام أحمد> أنَّا نُقلِّده فيما رأى وقال وإن خالف الكتاب والسنَّة والإجماع!! فنعوذ بالله من ذلك> انتهى كلامه([20]). وهم في فعلهم هذا واتباعهم الدليل ـ رحمهم الله تعالى ـ متَّبِعون للإمام أحمد ـ رحمه الله ـ، فإنَّه قال: <عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحَّته؛ يذهبون إلى رأي سفيان والله يقول: }فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{([21])، أتدري ما الفتنة؟ الشرك؛ لعلَّه إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيَهلَك>. وقد نقل عنه الإمام محمَّد في <كتاب التوحيد>، أفتراه يخالفه ؟!! كلاَّ ـ والله ـ، فهو وتلاميذه من أبنائه وغيرهم ـ رحمهم الله ـ أتباع أحمد حقًّا وصدقًا. وقد قال مثل هذا القول الذي نقلته عن الإمام عبد الله بن محمَّد رحمهما الله في هذه القضية سماحة شيخنا العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله، عن شيخ الإسلام ابن تيمية في ردِّه على محمَّد علي الصابوني؛ حينما قال عنه: <إذا كان ابن تيمية ـ رحمه الله ـ مع درجة علمه لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد، وإنَّما مذهبه حنبلي، يتقيَّد به في كثير من الأحيان>. قال سماحة شيخنا رادًّا عليه: <هذا القول فيه نظر، بل هو خطأ ظاهر؛ فإنَّ شيخ الإسلام رحمه الله، من أعلم المجتهدين، وقد توافرت فيه شروط الاجتهاد. وانتسابه إلى المذهب الحنبلي لا يُخرِجه عن ذلك، لأنَّ المقصود من ذلك: موافقته لأحمد في أصول مذهبه وقواعده، وليس المقصود من ذلك: أنَّه يقلِّده فيما قاله بغير حُجَّة، وإنَّما كان يختار من الأقوال أقربها إلى الدليل حَسْبَمَا يظهر له رحمه الله>. انتهى كلامه ـ حفظه الله ـ([22]). قلت: وهذا الذي ذكره سماحة شيخنا حفظه الله عن شيخ الإسلام رحمه الله قد قاله شيخ الإسلام نفسه، ونقله عنه تلميذه الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله، فإنّه يقول: <ولقد أنكر بعض المقلِّدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي وهي وَقْفٌ على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال ـ يعني: شيخ الإسلام رحمه الله ـ: إنَّما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له> انتهى([23]). قلت: وهكذا الإمام محمَّد بن عبد الوهاب وأئمَّة الدعوة من بعده، من أبنائه، وأحفاده، وسائر تلاميذه وتلاميذهم ـ رحمهم الله تعالى ـ، فهم الحنابلة حقًّا، وهم أتباع أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ صدقًا. ثانيًا: يوضح هذا الذي قلتُه ويؤيِّده ما قاله الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في ردِّه على المقلِّدين، وبيانه أنَّهم ليسوا هم أتباع الأئمَّة في الحقيقة، حيث يقول: <الوجه الثالث والأربعون: قولهم ـ يعني: المقلِّدين ـ: إنَّ الله سبحانه وتعالى أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين وأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، وتقليدهم هو اتباعهم بإحسان !! فما أصدق المقدمة الأولى، وما أكذب الثانية، بل الآية من أعظم الأدلة ردًّا على فرقة التقليد، فإنَّ اتباعهم هو: سلوك سبيلهم ومنهاجهم، وقد نُهُوا عن التقليد وكون الرجل إِمَّعَة، وأخبروا: أنَّه ليس من أهل البصيرة، ولم يكن فيهم ـ ولله الحمد ـ رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلِّدين، وقد أعاذهم الله وعافاهم مِمَّا ابتلى به مَن يردُّ النصوص لآراء الرجال وتقليدها، فهذا ضدُّ متابعتهم، وهو نفس مخالفتهم. فالتابعون لهم بإحسان حقًّا هم: أولو العلم والبصائر، الذين لا يقدِّمون على كتاب الله وسنَّة رسوله r رأيًا ولا قياسًا ولا معقولاً ولا قول أحد من العالمين، ولا يجعلون مذهب أحد عيارًا على القرآن والسنن. فهؤلاء هم أتباعهم حقًّا، جَعَلَنَا اللهُ منهم بفضله ورحمته. يوضِّحه الوجه الرابع والأربعون: أنَّ أتباعهم لو كانوا هم المقلِّدين الذين هم مُقرُّون على أنفسهم، وجميع أهل العلم؛ أنَّهم ليسوا من أولي العلم؛ لكان سادات العلماء الدائرون مع الحُجَّة ليسوا من أتباعهم، والجُهَّال أسعد بأتباعهم منهم. وهذا عين المحال، بل مَن خالف واحدًا منهم للحُجَّة فهو المتَّبِع له دون مَن أخذ قوله بغير حُجَّة. وهكذا القول في أتباع الأئمَّة y، معاذ الله أن يكونوا هم المقلِّدون لهم الذين ينزلون آراءهم منزلة النصوص، بل يتركون لها النصوص. فهؤلاء ليسوا من أتباعهم، وإنَّما أتباعهم: مَن كان على طريقتهم، واقتفى منهاجهم>. ثُمَّ ذكر قصَّة شيخ الإسلام مع مدرسة ابن الحنبلي. ثُمَّ قال: <ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمَّة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلِّدونهم. فَأَتْبَعُ الناس لمالك: ابن وهب وطبقته مِمَّن يُحكِّم الحُجَّة وينقاد للدليل أين كان. وكذلك أبو يوسف ومحمَّد أتبع لأبي حنيفة من المقلِّدين له، مع كثرة مخالفتهما له. وكذلك البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم، وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبع له من المقلِّدين المحض المنتسبين إليه. وعلى هذا: فالوقف على أتباع الأئمَّة؛ أهل الحُجَّة والعلم أحقّ به من المقلدين في نفس الأمر> انتهى([24]). قلت: وهذا الكلام فيه أبلغ ردٍّ على مَن يدَّعي أنَّه من أتباع الأئمَّة بمجرَّد التقليد. وفيه أيضًا أبلغ ردٍّ على مَن زعم أنّ الإمام محمَّد بن عبد الوهاب مقلِّد، لا سيما وهو رحمه الله يحيل عليه، كما سبق النقل عنه في المسألة الأولى من هذا البحث، من رسالته إلى عبد الله بن محمَّد بن عبد اللطيف الأحسائي، ويقول: <.. فإن أردتم الردَّ عَلَيَّ بعلم وعدل؛ فعندكم كتاب <إعلام الموقعين> لابن القيم عند ابن فيروز في مشرفة، فقد بسط الكلام فيه على هذا الأصل ـ يعني: التقليد ـ بسطًا كثيرًا، وسرد من شُبَهِ أئمَّتكم ما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم، وأجاب عنها>. أَفَيُعْقَلُ بعد إحالته هذه على هذا الكتاب، وعلى هذا الموضع منه بالذات، وقوله: <وسَرَدَ من شُبَهِ أئمَّتكم ـ يعني: الموجبين للتقليد ـ>، أفيعقل بعد هذا كلّه أن يكون مقلِّدًا ؟ هذا ـ والله ـ ما لا يصدق. ولكنَّ الحقيقة التي يجب أن تُعرَف: أنَّه رحمه الله على طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في اتباعه أحمد، كما ذكر ذلك عنه ابن القيم رحمه الله، وسماحة شيخنا عبد العزيز بن باز حفظه الله. ثالثًا: وكيف لا يكون ـ رحمه الله ـ من أتباع أحمد، وهو الذي امتثل أمر أحمد في اتباع الدليل والأخذ به، وتقديمه على قول كلّ أحد كائنًا مَن كان ؟ فهذا هو ـ والله ـ الاتباع لأحمد، والاقتداء بأهل العلم من الأئمَّة y. واسمع إليه ـ أيضًا ـ حينما يبيِّن هذا الأمر في رسالته إلى الأحسائي، فإنَّه يقول ـ رحمه الله ـ: <وأمَّا هذا الخيال الشيطاني الذي اصطاد به الناس: أنَّ مَن سلك هذا المسلك ـ يعني: اتباع الدليل من الكتاب والسنَّة ـ فقد نسب نفسه للاجتهاد، وترك الاقتداء بأهل العلم، وزخرفه بأنواع الزخارف؛ فليس هذا بكثير على الشيطان وزخارفه، كما قال تعالى: }يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا{([25]). فإنَّ الذي أنا عليه وأدعوكم إليه هو في الحقيقة: الاقتداء بأهل العلم؛ فإنّهم قد وَصَّوا الناس بذلك، ومن أشهرهم كلامًا في ذلك: إمامكم الشافعي، قال: <لا بدَّ أن تجدوا عنِّي ما يخالف الحديث؛ فكلّ ما خالفه فأُشهِدكم أنِّي قد رجعتُ عنه>([26]). ثُمَّ ذكر مناظرة بينه وبين شافعي في أبوال مأكول اللحم. ثُمَّ قال: <وهذا على التنَزُّل؛ وإلاَّ فمن المعلوم: أنَّ اتِّباعكم لابن حجر ـ يعني: المكي ـ في الحقيقة، ولا تعبؤون بِمَن خالفه من رسول، أو صاحب، أو تابع، حتى الشافعي نفسه، ولا تعبؤون بكلامه إذا خالف نصَّ ابن حجر، وكذلك غيركم؛ إنَّما اتباعهم لبعض المتأخرين لا للأئمَّة: فهؤلاء الحنابلة: من أقلِّ الناس بدعة، وأكثر <الإقناع> و<المنتهى> مخالف لمذهب أحمد ونصِّه([27])، يعرف ذلك مَن عرفه. ولا خلاف بيني وبينكم أنَّ أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم، وإنَّما الشأن إذا اختلفوا، هل يجب عَلَيَّ أن أقبل الحقَّ مِمَّن جاء به، وأَرُدَّ المسألة إلى الله والرسول، مقتديًا بأهل العلم، أو انتحل بعضهم من غير حُجَّة ؟ وأزعم أنَّ الصواب في قوله ؟ فأنتم على هذا الثاني ـ يقصد: التقليد المذموم بعد قيام الحُجَّة وظهور الدليل على خلاف قول المقلِّد ـ، وهو الذي ذمَّه الله وسماه شركًا، وهو اتخاذ العلماء أربابًا. وأنا على الأول ـ يقصد: اتباع الدليل ـ، أدعو إليه، وأناظر عليه، فإن كان عندكم حقٌّ رجعنا إليه وقبلناه منكم. وإن أردت النظر في <إعلام الموقعين> فعليك بالمناظرة في أثنائه، عقدها بين مقلِّد وصاحب حُجَّة، وإن أُلْقِي في ذهنك أنَّ ابن القيم مبتدع، وأنَّ الآيات التي استدلَّ بها ليس هذا معناها، فاضرع إلى الله واسأله أن يهديك لِمَا اختلفوا فيه من الحقِّ، وتجرَّد ناظرًا ومناظرًا، واطلب كلام أهل العلم في زمانه، مثل: الحافظ الذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وغيرهم. ومِمَّا يُنسَب للذهبي ـ رحمه الله ـ: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه فإن لم تتَّبع هؤلاء، فانظر كلام الأئمَّة قبلهم، كالحافظ البيهقي في كتاب <المدخل>، والحافظ ابن عبد البر ومَن قبلهم؛ كالشافعي، وابن جرير، وابن قتيبة، وأبي عبيد...>. إلى أن قال ـ رحمه الله ـ: <وإذا كنتم مُقِرِّين: أنَّ الواجب على الأولين: اتباع كتاب الله وسنَّة رسوله، لا يجوز العدول عن ذلك، وأنَّ هذه الكتب والتي خير منه لو تحدث في زمن عمر بن الخطاب لفعل بها وبأهلها أشدَّ الفعل، ولو تحدث في زمن الشافعي وأحمد لاشتدَّ نكيرهم لذلك؛ فليت شعري: متى حرَّم الله هذا الواجب وأوجب هذا المحرم ؟! ولَمَّا حدث قليل من هذا ـ لا يشبه ما أنتم عليه ـ في زمن الإمام أحمد، اشتدَّ إنكاره لذلك، ولَمَّا بلغه عن بعض أصحابه أنَّه يروي عنه مسائل بخراسان، قال: <أُشْهِدُكُم أنِّي قد رجعت عن ذلك>، ولَمَّا رأى بعضهم يكتب كلامه؛ أنكر عليه وقال: <تكتب رأيًا لَعَلِّي أرجع عنه غدًا ؟ اطلب العلم مثل ما طلبناه>، ولَمَّا سُئِل عن كتاب أبي ثور ؟ قال: <كلّ كتاب ابتدع فهو بدعة>. ومعلوم أنَّ أبا ثور من كبار أهل العلم، وكان أحمد يثني عليه، وكان ينهى الناس عن النظر في كتب أهل العلم الذين يثنى عليهم ويعظمهم. ولَمَّا أخذ بعض أئمَّة الحديث كتب أبي حنيفة؛ هجره أحمد، وكتب إليه: <إن تركتَ كُتُبَ أبي حنيفة أتيناك تُسْمِعُنَا كُتُبَ ابن المبارك>. ولَمَّا ذكر له بعض أصحابه: أنَّ هذه الكتب فيها فائدة لِمَن لا يعرف الكتاب والسنَّة، قال: <إن عرفت الحديث لم تحتج إليها، وإن لم تعرفه لم يحلَّ لك النظر فيها>. ثُمَّ ذكر ـ رحمه الله ـ قول الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: <عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحَّته....> الخ. ثُمَّ قال: <ومعلوم أنَّ الثوري عنده غاية، وكان يسميه: أمير المؤمنين. فإذا كان هذا كلام أحمد في كُتُبٍ نتمنَّى الآن أن نراها، فكيف بكتب قد أقرَّ أهلها على أنفسهم أنَّهم ليسوا من أهل العلم ؟! وشهد عليهم بذلك...> الخ كلامه ـ رحمه الله ـ في هذه الرسالة المهمَّة جدًّا([28]). وإنَّما أَطَلْتُ النقل منها لِمَا فيه من الدليل الساطع والبرهان القاطع على أنَّ الشيخ محمَّد ـ رحمه الله ـ كان يتَّبع الحديث؛ يدعو إليه، ويناظر عليه، ويذمُّ التقليد والمقلِّدة. وفي هذا النقل الطويل ردٌّ على مَن يقول: إنَّ الإمام محمَّدا ـ رحمه الله ـ مع إمامته هو مقلِّد. وعلى مَن يقول: إنَّه ـ رحمه الله ـ لا يدري الحديث، وأنَّه جدَّد في دعوته في جانب العقيدة، وأمَّا في الفروع والفقه فلم يُجَدِّد من حيث الدعوة إلى الأخذ بالدليل قرآنًا وسنَّة. وهؤلاء لم يطَّلعوا على كلام الإمام محمَّد ـ رحمه الله ـ هذا، بل لم يطَّلعوا على ما كتبه في بعض رسائله الصغيرة المختصرة. فمن ذلك ما كتبه في رسالة: <الستة الأصول>، فإنَّه يقول فيها: <الأصل السادس: ردُّ الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنَّة، واتباع الآراء والأهواء المتفرِّقة المختلفة، وهي: أنَّ القرآن والسنَّة لا يعرفها إلاَّ المجتهد المطلق، والمجتهد هو: الموصوف بكذا وكذا، أوصافًا لَعَلَّها لا توجد تامَّة في أبي بكر وعمر ! فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضًا حتمًا لاشكَّ ولا إشكال فيه. ومَن طلب الهدى منهما فهو: إمَّا زنديق، وإمَّا مجنون؛ لأجل صعوبة فهمها !! فسبحان الله وبحمده ! كم بيَّن الله ـ سبحانه ـ شرعًا وقدرًا خلقًا وأمرًا في ردِّ هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتَّى؛ بلغت إلى حدِّ الضرورة العامَّة: }وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ{([29])، }لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ` إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ{ إلى قوله: }فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ{([30])([31]). ويقول مفتي الديـار النجديـة في عصره الشيـخ العلامة: عبد الله ابن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ ـ رحمه الله ـ في نصيحة له: <أمَّا بعد: فالموجب لهذا هو: الوصية بتقوى الله تعالى، فإنَّها وصية الله للأولين والآخرين.. وقد أخبر r عن غربة الإسلام.. وقد أنعم الله علينا وعليكم في أواخر هذه الأزمان، التي هي من أزمان الفترات، وأوقات الغربة، واندراس الإسلام وأفول شموسه، وظهور الجاهلية؛ من أحبار هذه الأمَّة وعلمائها مَن: برز في أنواع العلوم، ووقف على كثير من المنقول والمفهوم، وجمع ما تفرَّق في غيره من المكارم والفضائل، فسلك على منهاج السلف الصالح وأعيان الأماثل، وشابههم في هديه وسمته وعلمه، وحاكاهم في معتقده وزهده وفهمه، يعرف هذا مَن عرف الرجال بالعلم، وبحث في هذه الصناعة من أهل الإنصاف والفهم، وهو شيخ الإسلام إمام الدعوة النجدية: محمَّد بن عبد الوهاب. فإنَّه لم يزل ـ رحمه الله وشكر علمه ومسعاه ـ يدعو إلى هذا الدين، وعنه يناضل مع كلّ فاضل وخامل، حتى كشف الله عن هذه الملَّة الغراء، والشريعة الظاهرة السمحاء؛ حجب الجهل والتأويل... وقد كانت شموسها قبل ظهوره وبحوثه مكسوفة، وعزائم الطلاب إلى غير حياضها مجذوبة مصروفة، ومستقيم أصولها قد هدمت بمعاول التأويل والتقليد>. ثمَّ تكلّم عن التوحيد العلمي الاعتقادي، والعملي الإرادي، ثمَّ قال: <وأمَّا باب تجريد المتابعة للرسول r وتحقيق الشهادة له بذلك في الأقوال والأفعال، والسير على المنهاج والمنوال؛ فذلك قد نسخته حِرْفَة التقليد، وكلّ قوم يرون أنَّ مذهبهم ورأيهم هو الواجب السديد. ففتح الله على يد هذا الشيخ ـ قدس الله روحه ـ ما أُغْلِقَ من تلك الأبواب، وأشرقت بوجوده شموس السنَّة والكتاب، وبدت حياضها للواردين والطالبين، وارتوى من كوثرها عباد الله المؤمنين والموحدين، وجرَّت به نجد ذيول افتخارها... ـ إلى أن قال ـ: وحاشا وكلاَّ أن يكون الشيخ ومَن قبله من الأئمَّة الأعلام قد تبيَّنت لهم سنَّة رسول الله r في قول أو عمل واختاروا غيرها عليها. فالواجب عليكم: السير على منهاجهم وسلوك طريقهم؛ فإنَّ خلافهم دليل على فساد المقاصد والنيَّات، ومن أعظم الوسائل إلى الطعن في الداعين إلى الله والمنتسبين إلى ذلك>([32]) انتهى المقصود من كلامه ـ رحمه الله ـ. وبعد: فهل يقال بعد هذه النقول الواضحة الجلية عن شيخ الإسلام الإمام المجدِّد محمَّد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ وأبنائه وأحفاده: إنه مقلِّد ؟ أو أنَّه جدَّد في جانب العقيدة ولم يُجدِّد في جانب الفقه من حيث دعوته الناس إلى الأخذ بالدليل ؟ والجواب: إنَّه بعد الاطِّلاع على كلام شيخ الإسلام هذا الذي نقلته وغيره مِمَّا هو مثله ـ ولم أنقله طلبًا للاختصار ـ لا يقول عنه القول الذي سبقت حكايته مع الردِّ عليه إلاَّ واحد من رجلين: إمَّا جاهل بكلام الشيخ هذا الذي نقلته، لم يطَّلع عليه. فهذا ينبغي أن يُعلَّم، ويُقرأ عليه كلام الإمام محمَّد السابق وما كان في معناه مِمَّا لم أنقله. وإمَّا كذَّاب صاحب هوى. فهذا الله حسيبنا عليه، ولا حيلة فيه، ونعوذ بالله منه. رابعًا: ويقال ـ أيضًا ـ: إنَّ المقلِّد ـكما سبق مرارًا النقل عن الإمام محمَّد ابن عبد الوهاب وتلاميذه ـ رحمهم الله جميعًا ـ ليس من أهل العلم، وقد حكوا الإجماع في ذلك عن ابن عبد البر وابن القيم. فهل يجدد الله دينه وينصر شريعة رسوله r بمثل من كان على هذه الشاكلة ؟ كلاَّ ـ والله ـ. لقد جدَّد الله ـ سبحانه وتعالى ـ دينه، وأحيا سنَّة رسوله r بالإمام محمَّد ابن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ وبدعوته، وفتح الله بها باب الاجتهاد والدعوة إلى الأخذ بالدليل كتابًا وسنَّة، وقطعت ربقة التقليد والتعصُّب للمذاهب. حتَّى عدَّ المنصفون من العلماء والمؤرخين هذا من آثار دعوة الشيخ وحسناتها بعد الحسنة العظمى: تصحيح العقيدة وتنقيتها من شوائب الشرك والبدع. رابعًا: وقال الشيخ عبد الله والشيخ حسين والشيخ علي والشيخ إبراهيم أبناء الشيخ محمَّد، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر ـ رحمهم الله تعالى ـ: <وأمَّا قولكم: هل يجب على المكلَّف التقليد في المسائل المختلف فيها ؟ فهذا يحتاج إلى تفصيل وبسط ليس هذا موضعه، لكنَّ الواجب على المكلَّف: أن يتقي الله ما استطاع كما قال تعالى: }فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{([33])، وقال تعالى: }لاَ يُكَلِّفُ اللهَ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا{([34])، فإن كان المكلَّف فيه أهلية لمعرفة دلائل المسائل من الكتاب والسنَّة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، وإن لم يكن فيه أهلية كحال العوامِّ الذين لا معرفة لهم بأدلة الكتاب والسنَّة؛ فهؤلاء يجب عليهم التقليد وسؤال أهل العلم فقط، كما قال تعالى: }فَاسْأَلُوا أَهْلِ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{([35])> انتهى([36]). خامسًا: ويقول الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ـ رحمه الله تعالى ـ بعد أن نقل عن ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ كلاما في التقليد من كتاب <جامع بيان العلم وفضله>، ثمَّ قال: أ ـ <فتأمَّل ما في هذا الكلام من الردِّ على مَن يقول: بلزوم التمذهب بمذهب من هذه المذاهب الأربعة، لا يَخْرُج عن ذلك المذهب، ولو وجد دليلاً يخالفه، لأنَّ الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه. ويجعل هذا عذرًا له في ردِّ الحديث أو ترك العمل به إذا خالف المذهب. وتأمَّل قوله ـ يعني: ابن عبد البر ـ: <لا خلاف بين أئمَّة الأمصار في فساد التقليد>، ومراده هنا: إذا كان المقلِّد قادرًا على الاستدلال، وأمَّا العاجز عنه فهو كالأعمى يقلِّد في جهة القبلة، فهو معذور إن كان عاجزًا. وقد حكى الإمام أبو محمَّد بن حزم الإجماع على أنَّه: لا يجوز التزام مذهب بعينه لا يخرج عنه، فقال: <أجمعوا على أنَّه لا يجوز لحاكم ولا لِمُفْتٍ تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلاَّ بقوله> انتهى. فحكاية الإجماع من هذين الإمامين ـ أعني: أبا عمر بن عبد البر، وأبا محمَّد ابن حزم ـ كاف في إبطال قول المتعصبين للمذهب. والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم، ونسأل الله أن يهدينا لِمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنه، فإنَّه يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم. وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا>([37]). ب ـ ويقول ـ أيضًا ـ بعدما تكلَّم على تفسير قوله تعالى: }فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ...{([38]) الآية، وأنَّه قد اتفق السلف والخلف على أنَّ الردَّ إلى الله هو الردُّ إلى كتابه، والردَّ إلى الرسول هو الردُّ إلى سنَّته بعد وفاته: <وهذه قاعدة عظيمة مهمَّة؛ يحتاج إليها كلّ أحد، وطالب العلم إليها أحوج، فإنَّه في غالب الأحوال يرى نصوص أهل مذهبه قد خالفت نصوص غيرهم من أهل المذاهب، فلا ينبغي له أن يهجم على كتب المذاهب ويأخذ بعزائمها ورخصها، بل الواجب عليه: أن يطلب ما جاء في تلك المسائل عن الله ورسوله، ويعرض نصوص مذهبه ونصوص مذهب غيرهم من أهل المذاهب على ما جاء عن الله ورسوله؛ فما وافقها قَبِلَه وما خالفها ردَّه على قائله كائنًا مَن كان، فيجعل ما جاء عن الله ورسوله هو: المعيار، ويدور معه حيث دار. وكثير من الناس ـ أو أكثرهم ـ نكس هذا الحكم على رأسه، وجعلوا الحكم للكتب التي صنَّفها المتأخرون }فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ{([39])، بل صرَّح بعضهم في مصنَّفاته بأنَّه يجب على العامِّي أن يتمذهب ويأخذ بعزائمه ورخصه وإن خالف نصَّ الكتاب والسنَّة. وهذا من أعظم حيل الشيطان التي صاد بها كثيرًا مِمَّن ينتسب إلى العلم والدين، فنبذوا كتاب الله وسنَّة رسوله r وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون..> انتهى كلامه([40]). سادسًا: ويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن؛ فيمن ترك العمل بالحديث الصحيح إذا خالف المذهب: <هذا من محدثات الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: }اتَّبِعُوا مَا أُنزَلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ{([41])، وقال: }فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ...{([42]) الآية. وهذا أصل عظيم من أصول الدين، قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: <كلٌّ يؤخذ من قوله ويُتْرَك إلاَّ رسول الله r>. وهذا القول الذي يقوله هؤلاء يفضي إلى هجران الكتاب والسنَّة، وتبديل النصوص، والتقليد المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبُّر الكتاب والسنَّة فيه شَبَهٌ بِمَن قال الله فيهم: }اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِن دُونِ اللهِ{([43])، وقوله: }أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ{([44])> انتهى المقصود من كلامه([45]). سابعًا: سُئِلَ الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ـ رحمه الله ـ عمَّن اعتمد على كتب المتأخرين من غير التفات إلى ما خالفها من نصوص القرآن والسنَّة وكلام السلف والعلماء المتقدمين... ؟ الخ السؤال. فأجاب بقولـه: <لا ريب أنَّ الله ـ سبحانه ـ فرض على عباده طاعته وطاعة رسوله، قال تعالى: }اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ{([46])، وقال تعالى: }يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ{([47])، وقال: }قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ... وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا{([48]) الآية. ولم يوجب الله ـ سبحانه ـ على الأمَّة طاعة أحد بعينه في كلّ ما يأمر به إلاَّ رسول الله r. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن المقلِّد ليس معدودًا من أهل العلم، وأنَّ العلم: معرفة الحقِّ بدليله..> الخ كلامه([49]). ثامنًا: قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمَّد بن عبد الوهاب: أ ـ <الواجب على المكلَّفين في كلّ زمان ومكان: الأخذ بما صحَّ وثبت عن رسول الله r، ولا لأحد أن يعدل عن ذلك إلى غيره. ومَن عجز عن ذلك في شيء من أمر دينه فعليه بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول. فإن لم يدر شيئًا من ذلك وصحَّ عنده عن أحد من الأئمَّة الأربعة المقلَّدين الذين لهم لسان صدق في الأمَّة فتقليدهم سائغ حينئذ. فإن كان المكلَّف أنزل قدرًا وأقلّ علمًا وأنقص فهمًا من أن يعرف شيئًا من ذلك فليتَّق الله ما استطاع، وليقلِّد الأعلم من أهل زمانه أو مَن قبلهم، خصوصًا مَن عُرِفَ بمتابعة السنَّة، وسلامة العقيدة، والبراءة من أهل البدع؛ فهؤلاء أحرى الناس وأقربهم إلى الصواب، وأن يلهموا الحكمة، وتنطق بها ألسنتهم. فاعرف هذا، فإنه مهم جدا> انتهى([50]). ب ـ ويقول ـ أيضًـا في رسالتـه التي أرسلها إلى الشيخ: محمَّد بن عمر آل سليم: <وبعد: فلا يخفاك حاجة الناس إلى تعليم مثلك وتدريسه، وإفتائه،.. ـ إلى أن قال ـ: وقد أذنت لك بالإقراء، والتدريس، والإفتاء بما ترجَّح عندك من كلام أهل العلم، بشرط أن يكون لك فيه سلف صالح من مشايخ الإسلام وأئمَّة الهدى>([51]). تاسعًا: قال الشيخ العلامة: محمَّد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: <ونعتقد: أنَّ الله أكمل لنا الدين، وأتَمَّ نعمته على العالمين ببعثة محمَّد الرسول الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلاة الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ـ، قال تعالى: }اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا{([52])....>. إلى أن قال: <وإذا بانت لنا سنَّة صحيحة عن رسول الله r عملنا بها، ولا نقدِّم عليها قول أحد كائنًا مَن كان، بل نتلقَّاها بالقبول والتسليم؛ لأنَّ سنَّة رسول الله r في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدِّم عليها قول أحد؛ فهذا الذي نعتقده وندين الله به> انتهى([53]). عاشرًا: وقال الشيخ سليمان بن سحمان ـ رحمه الله تعالى ـ: <الواجب على مَن نصح نفسه وأراد نجاتها وكان من أهل العلم: أن ينظر القول الذي يدلُّ عليه الكتاب والسنَّة من الأقوال المتنازع فيها؛ اتباعًا لقوله: }فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ{([54])، فإنَّ طاعة الله ورسوله واجبة على كلّ أحد في كلّ حال، وأقوال أهل الإجماع والمفتين والحكام وغيرهم إنَّما اتبعت لكونها تدلُّ على طاعة الله ورسوله، وإلاَّ فلا تجب طاعة مخلوق لم يأمر الله بطاعته، وطاعة الرسول طاعة لله. وهذا حقيقة التوحيد الذي يكون كلّه لله. وإذا عُرِفَ أنَّ القول قد قاله بعض أهل العلم ومعه دلالة الكتاب والسنَّة كان هو الراجح، وإن كان قد قال غيره مِمَّن هو أكبر من قائل ذلك القول؛ فإنَّ ذلك القول هو الذي ظهر أنَّ فيه طاعة الله ورسوله r> انتهى([55]). حادي عشر: وقال سماحة شيخنا مفتي البلاد السعودية الشيخ: عبد العزيز ابن عبد الله بن باز ـ حفظه الله ـ في ردِّه على الصابوني؛ لَمَّا قال عن تقليد الأئمَّة الأربعة: <إنَّه من أوجب الواجبات>، قال الشيخ: أ ـ <لاشك أنَّ هذا الإطلاق خطأ؛ إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمَّة الأربعة ولا غيرهم، مهما كان علمه؛ لأنَّ الحقَّ في اتباع الكتاب والسنَّة، لا في تقليد أحد من الناس. وإنَّما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغًا عند الضرورة؛ لِمَن عُرِفَ بالعلم والفضل واستقامة العقيدة، كما فصَّل ذلك العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه: <إعلام الموقعين>. ولذلك كان الأئمَّة ـ رحمهم الله ـ لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلاَّ ما كان موافقًا للكتاب والسنَّة. وذكر ـ حفظه الله ـ مقالة مالك المشهورة في هذا الباب، ثمَّ قال: <فالذي يتمكَّن من الأخذ بالكتاب والسنَّة يتعيَّن عليه أَلاَّ يقلِّد أحدًا من الناس، ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحقِّ. والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له: أن يسأل أهل العلم، كما قال الله عزَّ وجلَّ: }فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إْن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ{([56])> انتهى كلامه([57]). ب ـ وقال ـ أيضًا حفظه الله ـ في المقابلة التي أجرتها معه مجلَّة <المجلة>([58]): <أنا ـ الحمد لله ـ لست بمتعصِّب، ولكنِّي أحكم الكتاب والسنَّة، وأبني فتاواي على ما قاله الله ورسوله، لا على تقليد الحنابلة ولا غيرهم. الفتاوى التي صدرت منِّي إنَّما أبنيها على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنَّة حسب ما ظهر لي. وهذا هو الذي سِرْتُ عليه منذ عرفت العلم، ومنذ أن كنت في الرياض قبل القضاء وبعد القضاء، وكذلك في المدينة، وما بعد المدينة، وإلى الآن والحمد لله>. ولَمَّا سأله مندوب المجلَّة قائلاً: سماحتكم أَمْيَل للحديث في الدراسة ؟ قاطعه ـ حفظه الله ـ قائلاً: <لا بدَّ من الحديث، الحديث سمعناه مع القرآن، وكما قال الله جلَّ وعلا: }فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ{([59])، فالردُّ إلى الله: القرآن، والردُّ إلى الرسول: الحديث. فلا علم ولا فتوى إلاَّ عن طريق القرآن والحديث، هذا هو العلم، أمَّا التقليد فليس بعلم> انتهى. فهذه أقوال أئمَّة الدعوة ـ رحمهم الله تعالى ـ ابتداءً بالإمام المجدِّد شيخ الإسلام محمَّد بن عبد الوهاب، بل ومَن قبلهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ رحمهما الله تعالى ـ، وانتهاء بمفتي البلاد في هذا العصر سماحة الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ حفظه الله ـ. هذه أقوالهم في التقليد. فهل هذا الكذَّاب الأفَّاك على طريقتهم ؟ وما حكمهم عنده ؟ لا سيما وهم لا يوجبون على الناس تقليد أحد، لا الأئمَّة الأربعة ولا غيرهم من العلماء. فهل هم عنده خوارج ؟ وهل سماحة مفتي البلاد المعاصر الشيخ: عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ بعد كلامه الواضح هذا <خارجي جهيماني> ؟ ألا قاتل الله أهل الهوى والزيغ، وقطع أدبارهم؛ لَمَّا عجزوا عن الطعن في الدعاة إلى اتباع الكتاب والسنَّة، ولم يجرءوا على التصريح بذلك؛ لأنَّهم لو فعلوا لانكشفوا، ذهبوا إلى التلبيس على العامَّة بأنَّ هؤلاء يحاربون كتب الفقه والفقهاء، وأنَّهم يحاربون أصحاب المذاهب، فكان بحقٍّ هذا الكاذب ومَن شايعه وُرَّاث الماذق المارق: <جميل أفندي صدقي الزهاوي العراقي>، ومَن قبله: <سليمان ابن سحيم>، وغيرهم مِمَّن كذب على دعوة الإمام المجدِّد شيخ الإسلام محمَّد ابن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ بمثل ما كذب به هؤلاء اليوم }تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ{([60]) !! وإنَّنا ـ بحمد الله ـ، أنا كاتب هذه الأوراق، وكلّ مَن نسب إليهم هذا الكذاب ومَن شايعه، ما نسبوه؛ على هذا الذي نقلته عن هؤلاء الأئمَّة الأعلام؛ أئمَّة الهدى، ومشايخ الإسلام، لا نخالفهم في شيء مِمَّا قالوه رحمهم الله تعالى، ولا نخرج عن قولهم قيد أنملة. ومَن نسب إلينا غيره أو نسبنا إلى غيره فهو كذَّاب، دجَّال، أفَّاك، مفتر. عليه من الله ما يستحقُّ. !!! ([1]) سورة النساء، الآية: (65). ([2]) انظر: <مختصر الفتاوى المصرية>: (ص/46 ـ 47). ([3]) سورة النساء، الآية: (59). ([4]) انظر: <مجموع الفتاوى>: (20/208 ـ 209). ([5]) <مجموع الفتاوى>: (19/69 ـ 70). ([6]) <إعلام الموقعين>: (4/261 ـ 263). ([7]) سورة النساء، الآية: (59). ([8]) سورة الأنعام، الآية: (161). ([9]) انظر: <الدرر السنية>: (1/37). ([10]) يعني: <التحفة> لابن حجر الهيتمي المكي الشافعي؛ وهي من كتب فقه الشافعية. ([11]) سورة الزخرف، الآية: (23). ([12]) سورة التوبة، الآية: (31). ([13]) اسم مكان. ([14]) انظر: <الدرر السنية>: (1/39 ـ 41). ([15]) <الدرر السنية>: (1/100). ([16]) <الدرر السنية>: (1/96). ([17]) <الدرر السنية>: (1/57) ط: الجديدة. ([18]) <الدرر السنية>: (1/136) ط: القديمة و(1/245) <الدرر> ط: الجديدة. وانظر: مؤلفات الشيخ محمَّد ط: جامعة الإمام، القسم الخامس، الرسائل الشخصية: (107). ([19]) <الدرر السنية>: (1/126) ط: القديمة، وط: الجديدة: (1/227). ([20]) <الدرر السنية>: (4/19) ط: الجديدة. ([21]) سورة النور، الآية: (63). ([22]) انظر: <مجموع فتاوى الشيخ>: (3/52 ـ 53). ([23]) انظر: <إعلام الموقعين>: (2/222 ـ 223). ([24]) انظر: <إعلام الموقعين>: (2/222 ـ 223). ([25]) سورة الأنعام، الآية: (112). ([26]) انظر: <مناقب الشافعي> للحافظ البيهقي: (1/473) ط: سيد صقر. ([27]) وفي موضع آخر يقول ـ رحمه الله ـ: <فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة، وأكثر <الإقناع> و<المنتهى> مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلا عن: نص رسول الله r، يعرف ذلك من عرفه> <الدرر>: (4/11) ط: الجديدة. ([28]) انظر: <الدرر السنية>: (1/35 ـ 55) ط: الجديدة. ([29]) سورة يوسف، الآية: (21). ([30]) سورة يس، الآيات من: (7 ـ 11). ([31]) انظر: <الدرر السنية>: (1/174) ط: الجديدة. ([32]) انظر: <الدرر السنية>: (11/106 ـ 108 قسم النصائح)، ط: القديمة، دار الإفتاء 1388ﻫ. ([33]) سورة التغابن، الآية: (16). ([34]) سورة البقرة، الآية: (233). ([35]) سورة النحل، الآية: (43). والأنبياء، الآية: (7). ([36]) انظر: <الدرر السنية>: (4/26). ([37]) انظر: <الدرر السنية>: (4/63 ـ 64) ط: الجديدة. ([38]) سورة النساء، الآية: (59). ([39]) سورة المؤمنون، الآية: (53). ([40]) انظر: <الدرر السنية>: (11/95 ـ 96) ط: الجديدة. ([41]) سورة الأعراف، الآية: (3). ([42]) سورة النساء، الآية: (59). ([43]) سورة التوبة، الآية: (31). ([44]) سورة الشورى، الآية: (21). ([45]) انظر: <الدرر>: (4/64 ـ 65) ط: الجديدة. ([46]) سورة الأعراف، الآية: (3). ([47]) سورة الأنفال، الآية: (20). ([48]) سورة النور، الآية: (54). ([49]) انظره في: <الدرر>: (4/65 ـ 73). ([50]) انظر: <الدرر>: (4/105) ط: الجديدة. ([51]) انظر: <الدرر>: (11/88 قسم النصائح) ط: القديمة بدار الإفتاء 1388ﻫ. ([52]) سورة المائدة، الآية: (3). ([53]) انظر: <الدرر السنية>: (4/106) ط: الجديدة. ([54]) سورة النساء، الآية: (59). ([55]) انظر:<الدرر السنية>: (4/107). ([56]) سورة النحل، الآية: (43). والأنبياء، الآية: (7). ([57]) انظر: <مجموع فتاوى ومقالات الشيخ>: (3/52). ([58]) في عددها رقم: (806) وتاريخ: 25 صفر عام 1416ﻫ ص (23). ([59]) سورة النساء، الآية: (59). ([60]) سورة البقرة، الآية: (118).
  6. جزى اللهُ خيرا شيخَنا الفاضل محمد بن هادي المدخلي -أعزه الله بالسنة-
  7. فهذا تفريغٌ لمقطع صوتي للشيخ -حفظه الله- بعنوان : الخوف كل الخوف على أهل السنة والسلفيين ليس من الحزبيين الواضحين ولكن ممن دخل فيهم أو من كان منهم لفضيلة الشيخ: محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله- التفريغ: لآن ما يُراد منَّا أن نقول هذا كذا وهذا كذا والخوف -واللهِ- كلّ الخوف على أهل السُّنّة والسلفيين ليس من الحزبيين الواضحين ولكن ممّن دخل فيهم أو من كان منهم وتأثر بهؤلاء فإن الخوف منه أشَدّ لأنّ هذا يُفْسِد الصَّفّ السلفي من الداخل ويشكِّك في المُسَلَّمات عند السلفيين من الداخل حتى يزلزلهم فيضطربوا فيَسْهُل بعد ذلك عليه أن يَحْرِفَهُم، فيا معشر الإخوة والأبناء اللهَ اللهَ في الثبات على السنة والتَّمَسُّك بها ومعرفة أهلها والإنكار على من خالفها كائنا من كان، واللهِ لا يقوم أمامنا في الإنكار للباطل أحد وبيننا وبينه هذه الكتب وهذه الآثار المُدَوَّنة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وعن أصحابه وعن التابعين فنحن ما اشتريناها لنُزَيِّن بها المجالس ولا المكاتب ما اشتريناها ولنقرأها للبَرَكَة إنّما اشتريناها ودرَسناها على أشياخنا وعَلِمناها لنعمل بها فمن تركها بعدما عرفها فقد قامت عليه حُجَّةُ الله تبارك وتعالى وما كان الله سبحانه وتعالى ليُضِلَّ قوما كما قال جلّ وعلا في كتابه الكريم ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ) فقد بَيَّنَ الله لنا البيان الأوفى ووضَّح لنا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وكفى صلوات الله وسلامه عليه والموفَّق من وفَّقه الله والمَهديُّ من هداه الله والمعصوم من عصمه الله. نسأل الله جلّ وعلا بِاسْمِه الأعظم الذي إذا سُئِلَ به أَعطى وإذا دُعِيَ به أجاب أن يثبِّتنا وإيَّاكم على الحقِّ والهُدى حتى نلقاه إنّه وليُّ ذلك والقادر عليه وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وفرّغه:/ أبو عياض يعقوب بلفتحي 14 جماد الأولى 1439هـ، الموافق: 31 جانفي 2018م. وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين الملفات المرفقة الخوف كل الخوف على أهل السنة والسلفيين ليس من الحزبيين الواضحين ولكن ممن دخل فيهم أو من كان منهم.mp3‏ (465.3 كيلوبايت, المشاهدات 104
  8. ...

    ...
  9. توصية وتزكية من الشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله لمشايخ الدعوة السلفية بالجزائر - 21 ربيع الآخر 1439هـ

    هم رؤوس ومشايخ الدعوة السلفية في بلادكم, نعرفهم جيدا وما سمعنا عنهم منذ القدم إلا الخير, والنشاط في نشر الدعوة السلفية, وتعليمها للناس -جزاهم الله خيرا-, فاعرفوا لهم قدرهم ووقارهم, فإن هذا حقَّهم عليكم.
  10. الجواب عنه من وجوه: أولها: أنّه لم يظهر لك وجه الخطأ... لجهلك وسوء فهمك، فكان عليك أن تسأل لتتعلّم وتفهم، فإنّما شفاء العي السؤال؛ لكن أنت طلبت العلم لتكون مجتهدًا ومستقلاًّ برأيك، لا لتكون إمّعة؛ فظهر عليك أثر اجتهادك، واستقلالك بالرأي، وغرورك وعُجْبك بنفسك.
  11. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته هذه كلمةٌ لشيخنا الشيخ العلامة عبد الرحمن محي الدّين حفظه الله تعالى بالمسجد النَّبويّ _المدرِّس بالجامعة الإسلامية و رئيس قسم السنة في كليّة الحديث سابقا_ بين العِشائَينِ ليلةَ الجمعة 25/جمادى الآخرة/1438هـ تَفَضَّلَ بها الشيخُ ثناءً و دفاعًا عن شيخنا الشيخ محمد علي فركوس حفظه الله تعالى لَمَّا بَلَغَه ما صَدَرَ مِن بعض الإعلامينِ و أنصاف المُصْلحين و المتعالِمين في حقِّ الشيخ فركوس حفظه الله تعالى و التشهير بذلك في وسائل الإفساد و التقاطع لا وسائل الإعلام و التواصل كما يزعمون . دونكم المقطع الصوتي : https://app.box.com/s/u2evls6eu49jops2dkx55n835jt9l8pfٍ
  12. الجواب عن الجواب وردع الطَّاعن العَيَّاب -جواب عن رسالة خالد حمودة ومن كان وراءه- الحلقة الثالثة أولا: قوله: «أمّا الجواب الإجمالي عن أسئلة الشيخ فهو أنّه لا يلزم من دفاعي عن محمد أنّني أنصر وأقرّ كل ما يقوله هو وينشره، هذا ما عليه النّاس جميعاً». - والجواب من وجوه : أولها: أنّ الذي عليه البُلَغاء أنّ الكلام يُراعى فيه المطابقة لمقتضى الحال والمقام؛ بحيث يكون وِفق الغرض الذي سِيق له؛ فأنت أثنيت عليه في مقام النَّقد والرَّد، فيقتضي موافقته على ما هو عليه. وهذا يدلّ على أنّك تكتب ما خطر ببالك، ولا تراعي قواعد الكتابة؛ ويدلّ أيضا على جهلك بقواعد البلاغة. الوجه الثاني: أنّ قولك هذا فيه تناقض، إذ تصرّح أنّه لا يلزم من دفاعك عنه أنّك تنصره وتقرُّه؛ والحال أنّك في جوابك تنصره وتقرُّه، وما ترى فيه أنّه جانب الصواب تبحث له عن تأويلات فاسدة للاعتذار له. الوجه الثالث: قوله: «هذا ما عليه الناس جميعا» جوابه: أنّ الذي عليه الناس هو مطابقة كلامهم لمقتضى أحوالهم. وأيضا اعتبرت نفسك كأنّك من أهل الاستقراء التَّام في معرفة النَّاس، فسبرت أحوالهم، واستقرأت أقوالهم فخرجت بتلك النَّتيجة. ثانيا: قوله: «وسيأتي أنّك أردت إلزامي بذكر أخطائه في مقام الثَّناء وإلَّا كان ذلك على منهج الموازنة الفاسد، وأنّ الشيخ ربيعا ردّ عليك وأنكره». - والجواب من وجهين: أولهما: أنّك أثقلت جوابك بـ«إلزامي»، و«يلزمني»؛ ولازم المذهب ليس بمذهب، وإلا للزم تكفير النَّاس بكلامهم. قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في «درء تعارض العقل والنقل» (8/108): «ولكن لازم المذهب ليس بمذهب وليس كلّ من قال قولاً التزم لوازمه التي صرّح بفسادها، بل قد يتّفق العقلاء على مقدّمة، وإن تناقض بعضهم في لوازمها». وأيضا لو أخذت بإلزامك، لقلت لك: إنّ جوابك يستلزم الردّ على الشيخ ربيع بن هادي؛ لأنّه قرأ الرسالة، وأقرّ ما فيها؛ وكذا الردّ على الشيخ محمد بن هادي؛ فالردّ على الكاتب يستلزم الرد على المقرّ له. الوجه الثاني: وقوله: «وأنّ الشيخ ربيعا ردّ عليك»، وقلت في موضع آخر: «فلهذا لمّا أردت التوسّع في النكاية وألصقت بي منهج الموازنة أنكر ذلك شيخنا الإمام ربيع –حفظه الله- وقال: «هذ ليست موازنة، هذا ظلم»، كما أثبتَّ ذلك في حاشية رسالتك، فجزى الله شيخنا الإمام خير الجزاء» والجواب عنه: أنّي ما كنت أعلم أنّك غبيٌّ سيّئ الفهم إلا هذه اللّحظة؛ ولعلّه صدق فيك قول أخي بلال يونسي: «عاميٌّ يحسن القراءة». لكن أنا أنصفك وأرفع مستواك قليلاً فأقول: طالب علم سيّء الفهم (وسيّء الأدب). فقصد الشيخ ربيع أنّ ما ذكرته ليس هو موازنة بل هو ظلم؛ يعني أنّه أشدّ من الموازنة، لا كما فهمتها. وَكَم من عائبٍ قولاً صَحيحًا *** وآفَتُهُ منَ الفَهْمِ السّقيمِ ولكِنْ تأخُذُ الآذانُ مِنْهُ *** على قَدَرِ القَرائحِ والعُلُومِ ثالثا: قوله: «فثبت بحمد الله تعالى أنّ دفاعي عن أخي لا يجعلني مقرّا بأخطائه ناصرا لها، وهذا كاف في الجواب لمن عقل». وجوابه: أنّ من عقل يعلم أنّ هذا تناقض، ومغالطة؛ إذ كيف تعتبر نفسك أنّك غير مقرّ بأخطائه، وأنت تدافع عنها بأدنى تأويلات. رابعا: قوله: «ومحمد كغيره يخطئ ويصيب، إن أصاب نقول له: أصبت، ونثني على إحسانه، وإن اخطأ نقول له: أخطأت، وننصحه...» وقوله: «.... وهي أنّ السلفي الذي لم يخالف أصلا من أصول السنة فهو –وإن أخطأ- أخونا ننصحه ونقوّمه قدر ما نستطيع....». والجواب من وجوه: أوّلها: أنّ هذه مغالطة، لأنّك تعلم أنّ سماحة والده الشّيخ لزهر سنيقرة قد نصحه، وشدّد عليه في ذلك؛ فأبى إلا أن يعقّ الوَلَدُ والدَه، ويتمرّد التلميذُ على شيخه. الوجه الثاني: أنّ هذا مسلّم به، لكن إنْ أبى قبول النصيحة، وأصرّ على خطئه، يجريعليه الحكم الشرعي؛ إمّا بالزجر أو الهجر، حتى يتوب ويرجع. الوجه الثالث: أنّ عدم قبول النصيحة ينبئ عن التكبّر والتطاول والغرور؛ وقد بيّن النبي صلى ﷺ حقيقة الكبر فقال: «الكبر بطر الحقّ وغمط الناس» رواه مسلم (147). قال الإمام النووي رحمه الله في «شرح مسلم» (2/90): «بطر الحقّ هو دفعه وإنكاره ترفّعًا وتجبّرا». وهذا الذي بُلِيَ به صاحبك؛ بل ابتليتما به. خامسا: قوله: «... أنّك قلت في ثنائي على أخي محمد: «بل حسبك أنّك كتبتها بقلم غير سلفي، لأنّ الحكم على الرجل بحاضره، وليس بماضيه، والأمور بالخواتيم». والجواب: أنّ الواقف على هذا الكلام يظن أني قلت عن أبي معاذ: كان وكان، فحكمت بماضيه ولم أتعرض لحاضره، مع أنّ نصّ كلامي: «إنّ أخي أبا معاذ ....» فكيف تحكم عليّ بعد هذا بأنّني كتبتُ التغريدة بقلم غير سلفي، لأنّي حكمت على الرجل بماضيه!!». والجواب من وجهين: أحدهما: أنّ هذه من الخيانة العلمية، إذ تنقل بعض الكلام، وتخفي الآخر؛ فبقية كلامك –والذي عنيتُه بالردّ- هو: «وحسبه أنه: قض مضاجع المروّجين للرّفض والتشيّع في بلادنا، ونبّه الناس إلى مكرهم وخطرهم ، وله إسهام كبير في فضح الإعلام المغرض. وله في الانتصار لمشايخنا أيام فتنة فالح وقفة مشهودة بعدما ناوأهم الأكثرون وتنكروا لهم...». هذا النص الذي أخفيته، ولم تظهره في جوابك؛ وهو من الخيانة العلمية، والتلبيس على القرّاء، والمغالطة في الجواب. فهل حالك إلا كحال ما رواه مسلم (1699) عن عبد الله بن عمر: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِي بيهودي ويهودية قد زنيَا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود، فقال: ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسوّد وجوههما، ونحملهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين. فجاءوا بها فقرؤوها حتى إذا مرّوا بآية الرّجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرّجم، وقرأ ما بين يديها، وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام: وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُرْهُ فليرفع يده. فرفعها فإذا تحتها آية الرّجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَرُجِمَا. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه»؟! الوجه الثاني: أنّ قولك: «وله في الانتصار لمشايخنا أيام فتنة فالح وقفة مشهودة» كذب صريح، إذ كلّ من يعرفكما يعلم ويشهد أنّكما ممّن أوغلَا في فتنة فالح الحربي، وفي أعراض الدعاة؛ وعلى رأسهم شيخنا الكريم العلامة محمد علي فركوس، وكنتما ممّن هجره –وقتئذ-؛ فأمّا أنت فجئت إلى الشيخ فركوس وتحلّلت منه؛ وأمّا صاحبك محمد فلم يفعل ذلك إلى حدّ كتابة هذه الأسطر؛ فهذه هي وقفته المشهودة. وأنّى له أن يفعل ذلك؟! فقد طعن فيه، وتطاول عليه (وذلك من سوء خلقه) ولم يتحلّل منه، واكتفى بتقديم اعتذار بارد، هو أولى أن يعتذر له؛ والله المستعان. ولعلّ -في قاموسك- هذا تحريش، لكن في التاريخ هذا تنبيه وتذكير. سادسا: قوله بعدما نقل كلامي: «كذا قال: «كلام خاص في مجموعة مغلقة» هل صارت الدعوة السلفية صوفية إخوانية..» فقال: «فهذا من المدهشات، لأنّ من العلم المستفيض الذي لا يخفى على من هو دونك بمراحل أنّ من العلم ما لا يجوز أن يحدّث به عامة الناس، وقد بوّب البخاري رحمه الله على ذلك: «باب من خصّ بالعلم قوما دون آخرين كراهية أن لا يفهموا» ...» والجواب عنه من وجوه: أولها: أنّ المدهشات هو قياسك الجلسات السرّية والمجموعات المغلقة، وما يبثّ فيها من الغمز واللمز على تخصيص قوم بالعلم دون آخرين؛ وهل هذا إلا من قياس الشبه، وهو من القياس الفاسد الذي ذمّه السلف، وقالوا: أوّل من قاس إبليس؛ وذلك في قوله تعالى حكاية عنه: {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}. ولم يذكره سبحانه إلا على المبطلين؛ كما قال تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصواع في رحل أخيهم: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} يعني أنّ ذاك قد سَرِق فكذلك هذا، فهو مقيس على أخيه. وكذلك المشركون، قاسوا الربا على البيع، و{قالوا إنّما البيع مثل الربا}؛ وقاسوا الميتة على المذكاة في إباحة الأكل؛ كما في «إعلام الموقعين» (1/115). الوجه الثاني: أنّ الإمام البخاري ذكر العلّة في الترجمة، فقال: «كراهية أن لا يفهموا» أي لأجل كراهية عدم فهم القوم الذين هم غير القوم الذين خصّهم بالعلم؛ فترك بعض النّاس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم؛ كما في «عمدة القاري» (2/204). ولهذا استشهد بأثر علي رضي الله عنه أنّه قال: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله». وقد نقلتَ هذه العلّة، وأبيت إلا أن تنـزّلها على غرف صاحبك المغلقة؛ وكأنّه خصّ فيها قومًا بالعلم النافع، والعمل الصالح. الوجه الثالث: وقوله: «لأنّ من العلم المستفيض الذي لا يخفى على من هو دونك بمراحل أنّ من العلم...» فيه ركاكة في الأسلوب كركاكة فهمك وسوء أدبك. سابعا: قوله: «على أنّ من يعرفك يشهد أنّك من أكثر الناس فعلا لهذا الذي تنكره ....». الجواب من وجوه: أحدها: أنّ هذا ما أملاه عليك شيوخك المستورون بعدما استقدم رضا أحمدَ بوقليع الرحيلي والرمضاني الجلد إلى دار الفضيلة بموافقة بعضهم لينتزعوا منه الاعترافات، ويتتبّعوا العثرات، ويقفوا ما عليّ من المؤاخذات –كما فعلوا مع الإمام جغلول في قضية الشيخ لزهر-، وزعموا أنّه جاء بمفرده، ورواية أخرى أنّه أُخْبِر بأيام اجتماعهم، فصادف يوما من تلك الأيام، ورواية أخرى كذا وكذا؛ اختلفت الروايات، والله يعلم أنّ اجتماعهم به كان بتوافق وتواطؤ؛ ولم أُخْبر، ولم أُعلم بهذا اللِّقاء – مع أني المعني به -، بل لم يذكر ولم يطرح موضوعه حتى يوم اجتماعنا في دار الفضيلة، حتى فتحت أنا القضية، وناقشتهم فيه. وهي فرية تلقّفوها من أحمد بوقليع، ولقّنوها لك؛ كما تلقّفوا ما زعمه أبو الدرداء الخلفي (ع.ع) أنّ عليَّ ديون كثيرة، وأنّ أصحابها يطالبونني بها؛ ووالله الذي لا إله غيره إنّه لمحض كذب وافتراء، وقد فضح الله تعالى قائلها؛ على أنّ الاستدانة ليست عيبًا فقد توفي النّبي صلى الله عليه وسلم ودرعُه مرهون عند يهودي. الوجه الثاني: أنّ هذه دعوى والدعاوي إن لم تقيموا لها *** بيّنات أصحابها أدعياء الوجه الثالث: وقوله: «... وكم وكم» مشعر بأنّك تستقرأ أحوالي، وتتبع آثاري؛ والله تعالى يقول: {ولا تقف ما ليس لك به علم}. وقولك: «والله الموعد» أقول: نعم، وانتظر إنّا منتظرون. الوجه الرابع: أنّ التّهمة مبنيّة على أنّه ينقل عنّي أني أجرّح الرجل، وينقل عنّي أنّي أعدّله؛ وهذا ليس بقدح، ولا تناقض، بل يدلّ على التحرّي والإنصاف والرجوع إلى الحقّ وعدم التعصّب للرأي؛ فهؤلاء حفّاظ الحديث وأئمّة النقد، تنقل عنهم أقوال مختلفة في راوٍ واحد؛ وذلك لأسباب كثيرة، من أهمّها تغيّر حال الراوي، فقد يعدّل الحافظ الناقد راويًا، ثم يقف على سبب يوجب جرحه، أو يطرأ عليه جرح في الراوي فيجرّحه؛ وعكسه صحيح؛ فيتغيّر اجتهاد الحافظ الناقد من تجريح أو تعديل بحسب حال الراوي. قال السخاوي في «فتح المغيث» (2/36): «أمّا إذا كانا (يعني القولين المتعارضين) من قائل واحد؛ كما يتّفق لابن معين وغيره من أئمّة النقد، فهذا قد لا يكون تناقضًا، بل نسبيًّا في أحدهما، أو ناشئًا عن تغير اجتهاد؛ وحينئذ فلا ينضبط بأمر كلّي، وإنْ قال بعض المتأخرين: إنّ الظاهر أنّ المعمول به المتأخّر منهما إن عُلِم، وإلا وجب التوقّف». وله نظائر كثيرة، منها: - أنّ الإمام أحمد؛ ذكر جرير بن حازم فقال: كان حافظًا. وقال مرّة: في حديثه شيء. «العلل» (136) - ويحيى بن معين قال: أبو معشر البراء يوسف بن يزيد ضعيف الحديث. وقال مرّة أخرى: صالح. كما في «من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال (رواية طهمان)» (ص 28). وقال أبو زرعة كما في «الضعفاء في أجوبته على أسئلة البرذعي» (3/967): «الحكم بن عبد الله بن إسحاق الأعرج البصري؛ قال عنه: ثقة. وقال مرّة: فيه لين». ومن ذلك أحوص بن جواب؛ قال يحيى بن معين: ليس بذاك القوي. وقال مرّة: ثقة. كما في «ميزان الاعتدال». - ومن ذلك أسامة بن زيد الليثي. قال ابن الجوزي: اختلفت الرواية عن ابن معين، فقال مرّة: ثقة صالح، وقال مرّة: ليس به بأس. وقال مرّة: ترك حديثه بأخرة. «المصدر السابق». ومن ذلك إسماعيل بن زكريا الخلقاني؛ قال أحمد: ما به بأس. وقال مرّة: حديثه حديث مقارب. وقال مرّة: ضعيف الحديث. «المصدر السابق». ونظائر ذلك أكثر من أن يحصر. ثامنا: قوله: تعليقا على كلام صاحبه محمد: «سأحاول في هذه العجالة أن أمدّ للحائر في ظلمات الزيغ ....» «فأقول: لم يظهر لي وجه الخطأ والمخالفة في هذا الكلام!! .... وليس كلامه بأبلغ من تسمية ابن القيم كتابه في الرد على النصارى بـ«هداية الحيارى»!» الجواب عنه من وجوه: أولها: أنّه لم يظهر لك وجه الخطأ... لجهلك وسوء فهمك، فكان عليك أن تسأل لتتعلّم وتفهم، فإنّما شفاء العي السؤال؛ لكن أنت طلبت العلم لتكون مجتهدًا ومستقلاًّ برأيك، لا لتكون إمّعة؛ فظهر عليك أثر اجتهادك، واستقلالك بالرأي، وغرورك وعُجْبك بنفسك. الوجه الثاني: أنّه لم يظهر لك وجه الخطأ لتشابهكما فيه، من حيث غروركما، وتطاولكما، وإعجابكما بأنفسكما؛ والنظير يلحق بنظيره، والشبيه بشبيهه، والطيور على أشكالها تقع. الوجه الثالث: أنّ من المدهشات (حسب لغتك) أن تجعل كلام صاحبك محمد ليس بأبلغ من تسمية ابن القيم كتابه في الردّ على النصارى بـ«هداية الحيارى»! ثم أخذت في التكلّف، والتنطّع، والتأويل الفاسد لإظهار أوجه التشابه بينهما. الوجه الرابع: أنّ صاحبك محمدًا نصب نفسه مجدّدًا، ومنظّرا، ومجتهدا، ومخلّصًا، وهاديًا، ورافعا...؛ وهذا ظاهر على صفحات كلامه لمن عقل (حسب لغتك) الذي لم يظهر لك وجه الخطأ فيه. قال ابن القيم في نونيته: والناس أكثرهم فأهل ظواهر *** تبدو لهم ليسوا بأهلِ مَعَانِ فَهُمُ القُشور وَبِالقشور قوَامهم *** واللّبُ حظُّ خلاصة الإنسان تاسعا: قوله: «وأمّا يمينك وقسمك على أنّها لو قيلت لشيخ الإسلام ابن تيمية لتبرّأ منها فرجم بالغيب، وتهويل أيضا، وهو كقسمك فيما يأتي في جواب سؤالك الثالث» الجواب من وجهين: أولهما: قوله: «... فرجم بالغيب» يدلّ على جهلك بالأثر، ولغة العرب، وقد استويت أنت مع ذيّاك الهارف الجارف الذي رماني بأنّي لا أعلم أبسط مسائل الاعتقاد بسبب قولي: «لو عاد الألباني من جديد لتبرّأ من الحلبي»، وزعم أنّها رجم بالغيب، فبنى عليها مقاله المشؤوم([1]). وجوابه: أنّ هذا سائغ في اللغة، وهو أنّه خرج مخرج التّأكيد والمبالغة. قال الفرزدق: ولو كان حيًّا مالكٌ وابن مالكٍ *** إذن أوقدا نارين يعلو سناهما «الكامل في اللغة والأدب» (178)؛ ونظائره كثيرة. وقد جرى على لسان السّلف فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النّساء لمنعهنّ كما مُنِعت نساء بني إسرائيل» رواه البخاري (869) ومسلم (445). فهل قال أحد من أهل العلم أنّ عائشة ادّعت علم الغيب وتقوّلت على النبي ﷺ؟! قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في «فتح الباري» (8/41): «تشير عائشة رضي الله عنها إلى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرخّص في بعض ما يرخّص فيه حيث لم يكن في زمنه فساد، ثم يطرأ الفساد ويحدث بعده، فلو أدرك ما حدث بعده لما استمر على الرخصة، بل نهى عنه؛ فإنّه إنما يأمر بالصلاح، وينهى عن الفساد». وشبيه بهذا: ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبي بكر، وَعُمر من خروج الإماء إلى الأسواق بغير خمار حتى كان عمر يضرب الأَمَة إذا رآها منتقبة أو مستترة، وذلك لغلبة السّلامة في ذلك الزمان، ثم زال لك وظهر الفساد وانتشر، فلا يرخّص حينئذ فيما كانوا يرخّصون فيه». ومن ذلك قول جرير: «قال لي مغيرة: جالس أبا حنيفة تفقه فإنّ إبراهيم النخعي لو كان حيًّا لجالسه». «تاريخ الإسلام» (9/312). وهذا الإمام أبو جعفر الطّحاوي الذي انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر؛ كان شافعيًّا يقرأ على أبي إبراهيم المزني، فقال له يومًا: والله لا جاء منك شيء. فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى ابن أبي عمران، فلما صنّف «مختصره» (يعني مختصر المزني)، قال: رحم الله أبا إبراهيم لو كان حيًّا لكفّر عن يمينه». كما في «سير الأعلام» (11/362). قال الحافظ ابن حجر في «اللسان» (1/275) معلّقا عليه: «يعني الذي حلفه أنّه لا يجيء منه شيء؛ وتعقّب هذا بعض الأئمّة بأنّه لا يلزم المزني في ذلك كفّارة؛ لأنّه حلف على غلبة ظنّه. ويمكن أن يجاب عن أبي جعفر بأنّه أورد ذلك على سبيل المبالغة». وهذا الشيخ الألباني قال مرّة -كما في «سلسلة الهدى والنور»-: «لو كان النبي صلى الله عليه وسلم حيًّا لنهى عن شرب الدخان عند الذهاب إلى المسجد كما نهى عن أكل الثوم والبصل» أو معنى كلامه. الوجه الثاني: قوله: «وهو كقسمك فيما ...»؛ وقوله في موضع آخر: قوله: «وقد حلفت يمينا أخرى ...». وجوابه أنّ القسم شرع لتوكيد المقسم عليه وتقريره وإثباته، وتحقيقه؛ كما هو مقرّر في علم البلاغة؛ وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه أقسم بأنواع القسم في مجالات كثيرة، وميادين مختلفة، لا تكاد تحصى ولا تستقصى؛ كقوله: «والله»، «والذي نفسي بيده»، «والذي نفس محمد بيده». وجرى عليه عمل السلف فكانوا يحلفون حتي في المسائل العلمية والفقهية. فقال عثمان بن عفان: «والله لأحدّثنكم حديثًا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يتوّضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها» رواه مسلم (227). وعن ابن عمر، قال له قيس: «يا أبا محمد لو مسست ذكرك، وأنت في الصلاة المكتوبة أكنت منصرفا وقاطعا صلاتك لتتوضّأ؟ قال: نعم، والله إن كنت لقاطعًا صلاتي ومتوضّئًا» «مصنف عبد الرزاق» (1/116). ولو استقرئت الأثار لخرجت في مجلّدات. وجمع أبو الحسين ابن أبي يعلى «المسائل التي حلف عليها أحمد بن حنبل». عاشرا: قوله: «على أنّ ابن تيمية قد قيل فيه ما هو أكثر من هذا ولم يتبرّأ منه». والجواب عنه من وجهين: أولهما: أنّك تقيس صاحبك على شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فهذا من الظلم ما لا يخفى. ألم ترَ أنّ السيف ينقص قدره *** إذا قيل إنّ السيف أمضى من العصا الوجه الثاني: أنّ قياسك فاسد؛ لأنّ ما استشهدت به من أقوال أهل العلم فإنّما هي شهادة منهم في شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وهي شهادة حقّ؛ بينما صاحبك قال ذلك عن نفسه، وَشَهد أنّه: «سأحاول في هذه العجالة أن أمدّ للحائر في ظلمات الزيغ، بعض حبائل النجاة المنسوجة من نصوص الشرع وآثار السلف، تخلص الآخذ بها –بإذن الله- من غياهب الفتن والشكوك والأوهام، وترفعه إلى مراتب العقل والفهم والثبات»؛ وقد قال تعالى: {ولا تزكّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتّقى}. يتبع ... ([1]) وكنت قد عزمت وشرعت في الرد عليه، وبيان جهله وحقده في مقال سمّيت: «إلجام الهارف عز الدين الجارف»؛ ثم تركته وأعرضت عنه حتى لا أرفع عقيرته.
  13. التعقيب والبيان على تنبيه خالد حمودة لفضيلة شيخنا الشيخ محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله-

    فأقول أنا كتبت هذه الأحرف محمد بن هادي بن علي المدخلي: لقد قرأ شيخنا الشيخ ربيع حفظه الله كتابة أخينا الشيخ الدكتور عبد المجيد جمعة وفقه الله المسماة: (رسالة إلى خالد حمودة ومن كان على شاكلته) وأنا حاضر, وكنت أصحح الأخطاء الطباعية بيدي, والأوراق بين يدي الشيخ ربيع, حتى إذا بقيت منها ورقتان وتعب الشيخ أحال الأوراق إلي فأكملت القراءة, ولما انتهينا طلب منه الشيخ ربيع أن يحذف كلمة: (الموازنات) وقال له: بارك الله فيك.
  14. توصية وتزكية من الشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله لمشايخ الدعوة السلفية بالجزائر - 21 ربيع الآخر 1439هـ

    هم رؤوس ومشايخ الدعوة السلفية في بلادكم, نعرفهم جيدا وما سمعنا عنهم منذ القدم إلا الخير, والنشاط في نشر الدعوة السلفية, وتعليمها للناس -جزاهم الله خيرا-, فاعرفوا لهم قدرهم ووقارهم, فإن هذا حقَّهم عليكم.
  15. بسم الله الرحمن الرحيم توصية وتزكية من الشيخ محمد بن هادي المدخلي حفظه الله لمشايخ الدعوة السلفية بالجزائر (الشيخ محمد علي فركوس, والشيخ عبد المجيد جمعة, والشيخ أزهر سنيقرة) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد: فقد شرفت الليلة بزيارة شيخنا الفاضل محمد بن هادي المدخلي بارك الله في أنفاسه على طاعته سبحانه وتعالى, في بيته العامر بالمدينة النبوية, فقام بكتابة هذه التوصية والتزكية بخط يده لمشايخ الدعوة السلفية في الجزائر, نصرة للحق وأهله, ولما يستوجبه مقام النصيحة لدين الله تعالى, ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, ولعموم المسليمن, فجزاه الله خير الجزاء, وبارك الله في علمه وعمله, إنه جواد كريم. كتبه أبو عمر عبد الباسط المدني الاثنين 21 ربيع الثاني 1439 المدينة النبوية الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد: فإلى عموم من يراه من إخواننا وأبنائنا طلاب العلم السلفيين في بلاد الجزائر -وفقهم الله تعالى- أقول: إن الإخوة أصحاب الفضيلة المشايخ: 1-الشيخ الدكتور محمد علي فركوس 2-الشيخ الدكتور عبد المجيد جمعة 3-الشيخ الأزهر سنيقرة وفقهم الله هم رؤوس ومشايخ الدعوة السلفية في بلادكم, نعرفهم جيدا وما سمعنا عنهم منذ القدم إلا الخير, والنشاط في نشر الدعوة السلفية, وتعليمها للناس -جزاهم الله خيرا-, فاعرفوا لهم قدرهم ووقارهم, فإن هذا حقَّهم عليكم. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه, وجعلنا الله وإياكم من المتعاونين على البر والتقوى, وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان, والحمد لله رب العالمين. وكتبه بيده محمد بن هادي المدخلي الاثنين 21 ربيع الآخر 1439ه هنا الرابط