اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

عبد الصمد نور

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    356
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : عبد الصمد نور

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

حقول الملف الشخصى

  • البلـد
    مصر

آخر زوار ملفى الشخصى

عدد زيارت الملف الشخصى : 5,729
  1. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد؛ فهذه خطبة27 ذو الحجة 1439 ألقاها سماحة شيخنا ووالدنا حسن بن عبدالوهاب -حفظه الله- بعنوان : "فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا" http://cutt.us/v6TjL
  2. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد؛ فهذه خطبةعيد الأضحى 1439 ألقاها فضيلة الشيخ أبي عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري -حفظه الله- بعنوان : "الإخلاص لله ملة إبراهيم وملة الرسل جميعًا" http://cutt.us/nfqGQ
  3. المجلس الثامن - 28 ذو القعدة 1439هـ http://cutt.us/dGYqW
  4. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد؛ فهذه خطبة 28 ذو القعدة 1439 ألقاها فضيلة الشيخ أبي عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري -حفظه الله- بعنوان : "مراتب العمل الصالح وأيام العشر" http://cutt.us/gdVuA
  5. 08- شرح اعتقاد أهل السنة - 29 شوال 1439 http://cutt.us/lNEwb
  6. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد؛ فهذه خطبة 23 شوال 1439 ألقاها فضيلة الشيخ أبي عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري -حفظه الله- بعنوان : "إن الدين عند الله الإسلام" http://cutt.us/lGtQw
  7. 27 -كتاب الفرائض من تلخيص وترتيب الشرح الممتع - التفصيل في العصبات - 26 شوال 1439 http://cutt.us/kQGgi 18- أصول الفقه انتقاءً وترتيبًا من كتاب "الفقيه والمتفقه" تابع للعموم والخصوص -26 شوال 1439 http://cutt.us/xYok7 40- ترتيب وتهذيب صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- الأصل. -صلاة الجمعة والعيدين -26 شوال 1439 http://cutt.us/G1ys0
  8. إزالة إشكالات أحد السائلين حول مقال "إبطال قول القائلين أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان على دين المشركين" بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبع هداه، أما بعد، فهذه بعض الاستشكالات التي وصلت إليَّ من أحد إخواننا حول مقال: "إبطال قول القائلين أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان على دين المشركين"، وإليكم إجابات هذه الاستشكالات: · الإشكال الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أبي يعلى لما سأله زيد بن عمرو بن نُفَيل: ما هذا يا محمد، فقال: هذه شاة ذبحناها على نُصب من الأنصاب. ألا يدل على أنه كان يفعل بعض الأمور التي كان عليها قومه، كيف توجيه ذلك؟ ü والجواب عن هذا الإشكال ما يلي: قد أوردت في المقال حديث البخاري (3826) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ. ثم أردفته بحديث زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ –والذي فيه موطن الإشكال-، والذي أخرجه أبو يعلى في مسنده (13/170)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، أَمْلَاهُ عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا حَارًّا مِنْ أَيَّامِ مَكَّةَ ـ وَهُوَ مُرْدِفِي ـ إِلَى نُصُبٍ مِنَ الْأَنْصَابِ، وَقَدْ ذَبَحْنَا لَهُ شَاةً فَأَنْضَجْنَاهَا، قَالَ: فَلَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَحَيَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا زَيْدُ، مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ؟»، قَالَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ ذَلِكَ لَبِغَيْرِ نَائِلَةٍ لِي مِنْهُمْ , وَلَكِنِّي خَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ، حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَحْبَارِ فَدَكٍ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قَالَ: قُلْتُ مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَحْبَارِ الشَّامِ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْهُمْ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلَّا شَيْخٌ بِالْحِيرَةِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ طَلَعَ نَجْمُهُ، وَجَمِيعُ مَنْ رَأَيْتُهُمْ فِي ضَلَالٍ، فَلَمْ أُحِسَّ بِشَيْءٍ بَعْدُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: وَقَرَّبَ إِلَيْهِ السُّفْرَةَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: شَاةٌ ذَبَحْنَاهَا لِنُصُبٍ مِنَ الْأَنْصَابِ، قَالَ: فَقَالَ: «مَا كُنْتُ لِآكُلَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، قَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ، قَالَ: وَتَفَرَّقْنَا فَطَافَ بِهِ، وَأَنَا مَعَهُ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَ: وَكَانَ عِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ: أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ: يَسَافٌ، وَالْآخَرُ يُقَالُ لَهُ: نَائِلَةُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْسَحْهُمَا , فَإِنَّهُمَا رِجْسٌ»، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَأَمَسَّنَّهُمَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَسَسْتُهُمَا، فَقَالَ: «يَا زَيْدُ، أَلَمْ تُنْهَ؟»، قَالَ: وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ: «إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ». وقلت في تخريجه: "أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/200) (257)، والنسائي في الكبرى (7/325)، والطبراني في الكبير (5/86)، والحاكم في المستدرك (3/238) من طريق محمد بن عمرو به، وإسناده حسن. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (2/24) من طريق أَبي أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو به، وقال: زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِإِسْنَادِهِ: قال زيد: فو الذي هُوَ أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ مَا اسْتَلَمَ صَنَمًا حَتَّى أَكْرَمَهُ اللهُ بِالَّذِي أكرمه وأنزل عليه". قلت: وقال الحاكم في إسناده: على شرط مسلم، وهذا وهم؛ لأنَّ مسلمًا لم يخرج رواية أبي سلمة وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبِ عن أسامة. وقد حكمت على ظاهر هذا الإسناد بالحسن، ثم لما تأملت في المتن، وجدت نكارة في بعض ألفاظه تخالف ما في الصحيح. فالإسناد فيه محمد بن عمرو بن علقمة، وقد نقل الحافظ ابن رجب أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه كما في "شرح علل الترمذي" (2/403) فقال: "وأما محمد بن عمرو الذي تكلم فيه يحيى، فهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وقد تكلم فيه يحيى ومالك. وقال أحمد: كان محمد بن عمرو يحدث بأحاديث فيرسلها، ويسندها لأقوام آخرين. قال: وهو مضطرب الحديث، والعلاء أحب إلي منه. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: ما زال الناس يتقون حديث محمد بن عمرو، قيل له: ما علة ذلك؟ قال: كان مرة يحدث عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.. ووثقه ابن معين في رواية أخرة. ونقل إسحاق بن حكيم عن يحيى القطان أنه قال فيه: رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث. وقد ذكر الترمذي أن يحيى بن سعيد روى عنه، وكذلك روى عنه مالك في الموطأ، وخرج حديثه مسلم متابعة، وخرجه البخاري مقرونًا. وقد قال يحيى بن سعيد: هو فوق سهيل بن أبي صالح، وخالفه في ذلك الإمام أحمد، وقال: ليس كما قال يحيى. قال أحمد: ولم يرو شعبة عن محمد بن عمرو إلا حديثًا واحدًا". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَعِينٍ وَسُئِلَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَالْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ عَقِيل، وَعَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَيْسَ حَدِيثُهُمْ بِحُجَّةٍ. قِيلَ لَهُ: فَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو؟ قَالَ: مُحَمَّدُ فَوْقَهُمْ. وقال يعقوب بن شيبة : هو وسط، وإلى الضعف ما هو. وذكره ابنُ حِبَّان فِي كتاب "الثقات"، وَقَال: كان يخطئ". وانظر أيضًا: تهذيب الكمال للمزي (6/459/الرسالة)، والسير (6/136)، وتاريخ الإسلام للذهبي (3/973). وفي حديث ابن عمر في البخاري: "فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا"، هذه تعلُّ بعض الزيادات في حديث زيد بن حارثة، نحو قول زيد: "وَهُوَ مُرْدِفِي ـ إِلَى نُصُبٍ مِنَ الْأَنْصَابِ، وَقَدْ ذَبَحْنَا لَهُ شَاةً فَأَنْضَجْنَاهَا، قَالَ: فَلَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَحَيَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ"، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "شَاةٌ ذَبَحْنَاهَا لِنُصُبٍ مِنَ الْأَنْصَابِ" فهذه زيادات منكرة، والعهدة فيها على محمَّد بن عمرو، فهي من أوهامه، ومنكراته بلا شك. وللفائدة أيضًا أذكر أنه جاءت نحو هذه الزيادة المنكرة في الحديث الذي أخرجه الطيالسي في مسنده (134) من طريق الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ نُفَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ عَدِيِّ قُرَيْشٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أن زَيْد بْن عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أتى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَهُمَا يَأْكُلَانِ مِنْ سُفْرَةٍ لَهُمَا فَدَعَوَاهُ لِطَعَامِهِمَا فَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّا لَا نَأْكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. وهذا إسناد معلَّ بنُفَيْلِ بْنِ هِشَامِ عن أبيه، فقد ترجم لنفيل: البخاري في التاريخ الكبير (8/136)، وكذلك ترجم لأبيه: هِشام بْن سَعِيد بْن زَيد بْن عَمرو بْن نُفَيل: البخاري في التاريخ الكبير (8/196). ولم يذكر فيهما جرحًا ولا تعديلاً، فهما مجهولاَ الحال. وتحت تسليم صحة الرواية، فالإجابة عنها كما قال إبراهيم بن إسحاق الحربي في غريب الحديث (2/791) بعد أن روا حديث زيد بن حارثة بإسناده: "قَوْلُهُ: «ذَبَحْنَا شَاةً لِنُصُبٍ مِنَ الْأَنَصَابِ» لِذَلِكَ وَجْهَانِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ زَيْدٌ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَا رِضَاهُ , إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ زَيْدًا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ الْعِصْمَةِ وَالتَّوْفِيقِ مَا كَانَ اللَّهُ أَعْطَاهُ نَبِيَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، وَمَنْعَهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَيْفَ يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ قَدْ مَنَعَ زَيْدًا فِي حَدِيثِهِ هَذَا بِعَيْنِهِ أَنْ يَمَسَّ صَنَمًا وَمَا مَسَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ وَلَا بَعْدَ، فَهُوَ يَنْهَى زَيْدًا عَنْ مَسِّهِ، وَيَرْضَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ هَذَا مُحَالٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَبَحَ لِزَادِهِ فِي خُرُوجِهِ فَاتَّفَقَ ذَلِكَ عِنْدَ صَنَمٍ كَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُ، فَكَانَ الذَّبْحُ مِنْهُمْ لِلصَّنَمِ، وَالذَّبْحُ مِنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى إِلَّا أَنَّ الْمَوْضِعَ جَمَعَ بَيْنَ الذَّبْحَيْنِ، فَأَمَّا ظَاهِرُ مَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ فَمَعَاذَ اللَّهِ".اهـ ونقله الذهبي في السير (1/134)، وعقّب عليه مقرًا له: "هَذَا حَسَنٌ، فَإِنَّمَا الأَعْمَالٌ بِالنِّيَّةِ. أَمَّا زَيْدٌ فَأَخَذَ بِالظَّاهِرِ، وَكَانَ البَاطِنُ لِلِّهِ، وَرُبَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الإِفْصَاحِ خَوْفَ الشَّرِّ، فَإِنَّا مَعَ عِلْمِنَا بِكَرَاهِيَتِهِ لِلأَوْثَانِ، نَعْلَمُ أَيْضاً أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مُجَاهِراً بِذَمِّهَا بَيْنَ قُرَيْشٍ، وَلاَ مُعْلِناً بِمَقْتِهَا قَبْلَ المَبْعَثِ". ومن الأجوبة الجيدة أيضًا ما نقله الحافظ ابن حجر في الفتح (7/144): "قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمِلَّةِ الْمَشْهُورَةِ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ إِنَّهَا كَالْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّ النَّوَاهِيَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَقْرِيرِ الشَّرْعِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَعَلَى هَذَا فَالنَّوَاهِي إِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ذَبَحْنَا شَاةً عَلَى بَعْضِ الْأَنْصَابِ يَعْنِي الْحِجَارَةَ الَّتِي لَيست بأصنام، وَلَا معبودة، وإنما هِيَ مِنْ آلَاتِ الْجَزَّارِ الَّتِي يَذْبَحُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ النُّصُبَ فِي الْأَصْلِ حَجَرٌ كَبِيرٌ فَمِنْهَا مايكون عِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَصْنَامِ، فَيَذْبَحُونَ لَهُ وَعَلَى اسْمِهِ وَمِنْهَا مَا لَا يُعْبَدُ بَلْ يَكُونُ مِنْ آلَاتِ الذَّبْحِ فَيَذْبَحُ الذَّابِحُ عَلَيْهِ لَا لِلصَّنَمِ أَوْ كَانَ امْتِنَاعُ زَيْدٍ مِنْهَا حَسْمًا لِلْمَادَّةِ". قلت: وقد أخرج أيضًا أبو يعلى في مسنده قال: حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثنا جَرِيرٌ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ، قَالَ: فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ وَأَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا حَتَّى نَقُومَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كيف نقوم خَلْفَهُ وَإِنَّمَا عَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ قَبْلُ؟ فَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ. قال الدراقطني في العلل (13/371): "فقال: حدث به عثمان بن أبي شيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن الثوري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيل، عن جابر. ويقال: إنه وهم في إسناده، وغيره يرويه، عن جرير، عن سفيان بن عبد الله بن محمد بن زياد بن حدير، مرسلا. وهو الصواب. وذُكر لأحمد بن حنبل، فقال: موضوع، أو كأنه موضوع، ما كان أخوه عبد الله، يعني أبا بكر، تطنف نفسه لشيء من هذا، وأنكره جدًّا".اهـ وفي "النهاية" (3/140): "يقال: طنفته، فهو مطنف، أي اتهمته، فهو متهم". وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (1/167): "وإِنَّمَا يَتَأَوَّلُ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ لَوْ صَحَّ وفيه علل: ومنها: أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: أَبُو زُرْعَةَ رَوَاهُ عَنْ عُثْمَانَ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ مَكَانَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمِنْهَا أَنَّ ابْنَ عقيل ضعيف، ثم الْقَوْمِ ضَعَّفَهُ يَحْيَى وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَبَّانَ: كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ يُحَدِّثُ عَلَى التَّوَهُّمِ فَيَجِيءُ بِالْجَبْرِ سُنَنِهِ فَوَجَبَتْ مُجَانَبَةُ أَخْبَارِهِ، وَقَالَ الدارقطني: يُقَالُ إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ وهِم فِي إِسْنَادِهِ وَغَيْرُهُ يَرْوِيهِ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ مُرْسَلا وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ وَذَكَرَ لأَحْمَدَ فَقَالَ مَوْضُوعٌ وَأَنْكَرَهُ جِدًّا". قلت: عبدالله بن محمد بن عَقيل، الراجح فيه أنه صدوق، كما حقّقت هذا في جزء مستقل، لكن له أوهامًا، وقد تظهر النكارة في بعض مروياته نحو هذه الرواية، لكن يُحتمَل أنه بريء منها، والعهدة فيها على عثمان بن أبي شيبة ، كما هو المفهوم من كلام أحمد. وذكره محمد بن خليل، أبو المحاسن القاوقجي الطرابلسي الحنفي (ت 1305هـ) في "اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له أو بأصله موضوع" (388)، وقال: "وَالْمَعْرُوف عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خِلَافه من قَوْله: "بغضت إِلَيّ الْأَصْنَام"، وَأَنه لم يشْهد مشاهدهم. نعم أخرجه عَمُّه إِلَى بعض أعيادهم فَرجع مَرْعُوبًا". وانظر: "الضعفاء" للعقيلي (3/222)، والجامع لعلوم أحمد (14/26). وقال الحافظ في "المطالب العالية" (17/216/الرشد): "هَذَا الْحَدِيثُ أَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، فبالغوا، والمنكر فيه قَوْلُهُ عَنِ الْمَلَكِ أَنَّهُ قَالَ "عَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ"، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ [أَنَّهُ] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاشَرَ الِاسْتِلَامَ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَلَكَ أَنْكَرَ شُهُودَهُ لِمُبَاشَرَةِ الْمُشْرِكِينَ استلامهم أَصْنَامِهِمْ". وبوّب الحافظ بعده قائلاً: "بَابُ الْبَيَانِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَسَّ الصَّنَمَ إِنَّمَا مَسَّهُ مُوَبِّخًا لِعَابِدِيهِ". وقال: "وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حدثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ الله عَنْه قَالَ: دخل جبريل عليه السلام الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَطَفِقَ يَتَقَلَّبُ، فَبَصُرَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمًا فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَأَيْقَظَهُ، فَقَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ مِنَ التُّرَابِ، فَانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، فَتَلَقَّاهُمَا مِيكَائِيلُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ لِمِيكَائِيلَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَافِحَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَجِدُ مِنْ يَدِهِ رِيحَ النُّحَاسِ، فكأن جبريل عليه السلام أَنْكَرَ ذَلِكَ، فقال: أفعلت ذلك؟ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ، ثُمَّ ذَكَرَ، فَقَالَ: صَدَقَ أَخِي، مَرَرْتُ أَوَّلَ مِنْ أَمْسِ عَلَى إِسَافٍ وَنَائِلَةَ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى أَحَدِهِمَا، فَقُلْتُ: إِنَّ قَوْمًا رَضُوا بِكُمَا إِلَهًا مَعَ اللَّهِ قَوْمُ سُوءٍ. وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِبِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ رَضِيَ الله عَنْه، حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ رَضِيَ الله عَنْه، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُهِيَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَنْ مَسِّ الصَّنَمِ". قلت: حديث بريدة أخرجه أيضًا الروياني في مسنده (1/37)، وفيه زيادة: قَالَ صَالِحٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ بُرَيْدَةَ: مَا إِسَافٌ وَنَائِلَةُ؟ فَقَالَ: كَانَا شَابَّيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَكَانَا يَطُوفَانِ بِالْكَعْبَةِ، فَأَصَابَا مِنْهُ خَلْوَةً، فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَنَكَّسَهُمَا اللَّهُ نُحَاسًا، فَجَاءَ بِهِمَا قُرَيْشٌ فَقَالُوا: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ رَضِيَ أَنْ يُعْبَدَ هَذَانِ الْإِنْسَانَانِ لَمَا نَكَّسَهُمَا نُحَاسًا. قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: فَأَمَّا إِسَافٌ فَرَجُلٌ، وَأَمَّا نَائِلَةُ فَامْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بنِ قُصَيٍّ". وذكره البوصيري في "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة" (2/52)، وقال: "هَذَا إسناد ضعيف؛ لضعف صالح بن حَيَّان". قلت: صالح بن حيان، قَالَ فيه يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ: ضَعِيْفٌ، وَقَالَ البُخَارِيُّ: فِيْهِ نَظَرٌ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيْهِ غَيْرُ مَحْفُوْظٍ. وقال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام (3/893): "ما له فِي الْكُتُبِ شَيْءٌ، وَلَهُ حَدِيثٌ فِي قَتْلِ مَنْ سَبَّ نَبِيًّا"، وقال عنه في السير (7/373): " وَهُوَ وَاهٍ". · الاستشكال الثاني: قول جُبَير بن مُطعِم رضي الله عنه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على دين قومه"، لِمَ نسبَه إلى دين قومه، إن كان على دين إبراهيم كما قال البيهقي؟! ü والجواب عن هذا الاستشكال كما يلي: قال البيهقي: "قَوْلُهُ: «عَلَى دِينِ قَوْمِهِ» مَعْنَاهُ: عَلَى مَا كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهِمْ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، فِي حَجِّهِمْ وَمَنَاكِحِهِمْ وَبُيُوعِهِمْ، دُونَ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ قَطُّ.. وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ بُغْضِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ". قلت: كلام البيهقي واضح في أن قريشًا وما حولها من العرب ظلوا يعبدون الله مع إلهتهم الأخرى مقتفين في بعض عباداتهم وشعائرهم بقايا ملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، أي: أنهم –مع إشراكهم بالله العظيم- كانوا يحجون متّبعين في حجّهم بعض ما شرعه خليل الله إبراهيم عليه السلام من المناسك، لكن أدخلوا في المناسك أمورًا شركية وبدعية. ويشهد لهذا ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (1185) من حديث أبي زُمَيْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ. قلت: فهذه تلبية قوم النبي صلى الله عليه وسلم وافقوا في بعضها تلبية خليل الله إبراهيم، لكنهم أدخلوا عليها هذا الاستثناء-الذي هو من الشرك-. قال القاضي عياض في "إكمال المعلِم بفوائد مسلم" (4/183): "ومعنى "قَدٍ قَدٍ": كفى كفى، مثل قط قط، تقال بكسر الدال فيهما وسكونها". وقال النووي في شرحه على مسلم (8/90): "ومعناه كفا كم هَذَا الْكَلَامُ فَاقْتَصِرُوا عَلَيْهِ وَلَا تَزِيدُوا، وَهُنَا انْتَهَى كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَادَ الرَّاوِي إِلَى حِكَايَةِ كَلَامِ الْمُشْرِكِينَ فقال إلاشريكا هُوَ لَكَ إِلَى آخِرِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اقْتَصِرُوا عَلَى قَوْلِكُمْ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ". قلت: فهذا الدليل يضاف أيضًا إلى الأدلة التي ذكرتها في أصل المقال إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يشارك قومه في أقوالهم وشعائرهم الشركية. وفي واقعنا المعاصر ما يشهد لمعنى قول المغيرة، وهو ما يقوم به الروافض وغلاة المتصوفة من عبادة الأموات، فأدخلوا في المساجد –التي هي في الأصل تبنى لتوحيد الله عز وجل- من الأفعال الشركية والبدعية، ما جعل بعضها مواطن شرك، وإن كانت بنيت في الظاهر اتباعًا لشريعة الإسلام. فإذا رأى أحد الكفّار الذين يأتون إلى بلاد الإسلام هؤلاء الضُّلاَّل يطوفون حول قبر ميت في بلاد الإسلام ويذبحون عنده الذبائح ويتمسحون به، نسب أفعالهم الشركية إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم، وقال هؤلاء على دين محمد صلى الله عليه وسلم. · الاستشكال الثالث: في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا: «يَا زَيْدُ، مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ؟»، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ما الذي عليه زيد بن عمرو بن نُفَيل؟ ü والجواب عن هذا الاستشكال كما يلي: أولاً: أبين معنى: "شَنِفُوا": فأقول: جاء أيضًا في رواية لحديث إسلام أبي ذر الذي أخرجه مسلم: "وَكُنْ عَلَى حَذَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ وَتَجَهَّمُوا". قال النووي في شرحه على مسلم (16/32): "شَنِفُوا...: أَيْ أَبْغَضُوهُ وَيُقَالُ رَجُلٌ شَنِفٌ مِثَالُ حَذِرٍ أَيْ شَانِئٌ مُبْغِضٌ". وقال الحافظ في الفتح (7/144): "وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو مَالِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا عَلَيْكَ أَيْ أَبْغَضُوكَ وَهُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بَعْدَهَا فَاءٌ". وثانيًا: الإشكال الذي جاء في ذهن السائل –على ما يظهر- لا وجه له، بل هو مبني على اعتقاد سابق وخلفية مركوزة في ذهنه بصحة القول الباطل، ومن ثمَّ يسعى شيطانه أن يعلِّقه بأي شبهة، ولو كانت أوهى من خيوط العنكبوت. فما وجه الإشكال في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعلم سبب بغض قوم زيد بن عمرو بن نفيل له، وأنه كان بسبب مخالفته لهم في معتقدهم، وعدم مشاركته لهم في وثنيتهم؟! فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ما في القلوب، ولا يعلم الغيب، إلا بما أعلمه الله بعد نزول الوحي عليه. هذا مع التسليم بصحة الرواية، أما وقد بيَّنا أن هذه الرواية معلَّة بمحمد بن عمرو، وأنه وقع له فيها أوهام، فلا إشكال إذن. · الاستشكال الرابع: "أن التعبد في غار حراء كان بعد مقدمات الوحي بدليل قول عائشة رضي الله عنها: " ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ". ü والجواب عن هذا الاستشكال كما يلي: يشير السائل إلى حديث عَائِشَةَ في الصحيحين أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ الْعَدَدِ...". وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه ما دام كان صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك قبل نزول الوحي نزولاً فعليًّا، فهذا يؤكد أنه لم يكن على دين المشركين، بل كان ينفر منه، ومن ثَمّ رضي لنفسه أن يخلو بربِّه بعيدًا عن أعين المشركين. وكون هذا كان بعد إرهاصات الوحي ومقدّماته لا يلزم منه أن قبل هذه المقدّمات لم يكن حنيفًا بعيدًا عن دين المشركين، بل كونه صنع ذلك بعد هذه المقدّمات يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرضى عن دين المشركين. · الاستشكال الخامس: لِمَ ذكر الطبري هذا القول في ثنايا تفسيره، بل قدَّمه على غيره دون نكير؟ ü والجواب عن هذا الاستشكال كما يلي: أولاً: لا يصح أن يقال إن الطبري قدّم هذا القول على غيره؛ لأنه لم يعز إليه من كلامه، إنما رواه بإسناده عن السُّدِّي، وقد بينت في المقال عدم صحة الإسناد إليه. وأما قول الطبري الذي قدّمه هو أنه قال: "وَوَجَدَكَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ"، وهذا لا يُفهم منه القول الباطل. · الاستشكال السادس: لِمَ لم يذكر الشيخ خالد –حفظه الله- قول القرطبي في المسألة الثانية في تفسير قول الله تعالى {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ}، التي ذكر فيها خلاف الناس واكتفى شيخنا أبو عبدالأعلى بذكر المسألة الرابعة...؟ ü والجواب عن هذا الاستشكال كما يلي: لقد نقلت المسألة الرابعة فقط من كلام القرطبي؛ لأنها المقصودة في بيان أقوال المفسِّرين في تفسير الآية التي اشتبه فهمها على القائلين بالقول الباطل. والباحث ليس ملزمًا بنقل كل كلام العلماء في المسألة، بل قد يكتفي بما يؤدي الغرض خشية الإطالة وطلبًا للاختصار المفيد. ورغم ذلك فإن ما نقله القرطبي في المسألتين: الثانية والثالثة؛ يعضد قول عامّة المفسِّرين بعصمة الرسل والأنبياء من الشرك والكفر قبل بعثتهم. فقد قال القرطبي في تفسيره (18/509-510/الرسالة العالمية): "الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ}، أَيْ: لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى الْإِيمَانِ. وَظَاهِرُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ الْإِيحَاءِ مُتَّصِفًا بِالْإِيمَانِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَهُوَ مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ، وَالَّذِي صَارَ إِلَيْهِ الْمُعْظَمُ أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَفِيهِ تَحَكُّمٌ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مَقْطُوعٍ بِهِ". قلت: وهذا القدر هو الذي نقله الأخ الشيخ عيد الكيَّال في بحثه "الدليل المختار"، ولم ينقل تتمة الكلام في الثانية، والذي نقل فيه القرطبي كلامًا مهمًا عن القاضي عياض في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، والذي يتضمن تأصيلاً قويًّا في إبطال قول القائلين بتجويز إرسال رسول أو نبي كان مشركًا قبل البعثة، وسوف أنقل كلام القاضي العياض من "الشفا" مباشرة؛ طلبًا للعلو؛ وأقسمه إلى فقرات؛ حيث إن القرطبي قد لفَّق بين كلام القاضي عياض من موضعين مختلفين من "الشفا"، فقمت بفصل هذا وإرجاعه إلى أصل ترتيبه في "الشفا": Ø الفقرة الأولى من كلام القاضي عياض في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، كما في (ص589/ط دار النور المبين-الأردن): "وَأَمَّا عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَنِّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكُّك فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، بَلْ عَلَى إِشْرَاقِ أَنْوَارِ الْمَعَارِفِ وَنَفَحَاتِ أَلْطَافِ السَّعَادَةِ...". Ø الفقرة الثانية من كلام القاضي عياض في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، كما في (ص589-590/ط دار النور المبين-الأردن): "وَلَمْ يَنْقِلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَحَدًا نُبِّئَ وَاصْطُفِيَ مِمَّنْ عُرِفَ بِكُفْرٍ وَإِشْرَاكٍ قَبْلَ ذَلِكَ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْبَابِ النَّقْلُ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْقُلُوبَ تَنْفُرُ عمن كانت هذه سبيله. وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ رَمَتْ نَبِيَّنَا بِكُلِّ مَا افْتَرَتْهُ.. وَعَيَّرَ كُفَّارُ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءَهَا بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهَا وَاخْتَلَقَتْهُ مِمَّا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.. أَوْ نَقَلَتْهُ إِلَيْنَا الرُّوَاةُ.. وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَفْضِهِ آلِهَتَهُ، وَتَقْرِيعِهِ بِذَمِّهِ بِتَرْكِ مَا كَانَ قَدْ جَامَعَهُمْ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ هَذَا.. لكانوا بذلك مبادرين وبتلوّنه فِي مَعْبُودِهِ مُحْتَجِّينَ.. وَلَكَانَ تَوْبِيخُهُمْ لَهُ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ قَبْلُ أَفْظَعَ وَأَقْطَعَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ تَوْبِيخِهِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكِهِمْ آلِهَتَهُمْ وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ.. فَفِي إِطْبَاقِهِمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ.. إِذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَمَا سَكَتُوا عَنْهُ.. كَمَا لَمْ يَسْكُتُوا عن تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا: «مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها» كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيُّ عَلَى تَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ» الْآيَةَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ..إلى قوله «لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ..» قال فطهره اللَّهُ فِي الْمِيثَاقِ.. وَبَعِيدٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الميثاق قبل خلقه.. ثم يأخذ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَنَصْرِهِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ بِدُهُورٍ وَيَجُوِّزُ عَلَيْهِ الشِّرْكُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، هَذَا مَا لَا يُجَوِّزُهُ إِلَّا مُلْحِدٌ.. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.. وَكَيْفَ يَكُونُ» ذَلِكَ وَقَدْ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَشَقَّ قَلْبَهُ صَغِيرًا، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، وَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ وَمَلَأَهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، كَمَا تظاهرت به أخبار المبدأ". Ø الفقرة الثالثة من كلام القاضي عياض في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، كما في (ص131-133/ط دار النور المبين-الأردن): "وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَهُمْ مُنْذُ صِبَاهُمْ إِلَى مَبْعَثِهِمْ حَقَّقَ ذَلِكَ كَمَا عُرِفَ مِنْ حَالِ عِيسَى وَمُوسَى وَيَحْيَى وسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بَلْ غُرِزَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ فِي الْجِبِلَّةِ وَأُودِعُوا الْعِلْمَ وَالحِكْمَةَ فِي الْفِطْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صبيا}، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَعْطَى اللَّهُ يَحْيَى الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ صِبَاهُ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ ابْنُ سَنتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ فَقَالَ لَهُ الصِّبْيَانُ لِمَ لَا تَلْعَبُ؟ فَقَالَ (ألِلَّعِب خُلِقْتُ) ؟ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ}، صَدَّقَ يَحْيَى بِعِيسَى وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ سِنِينَ فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرَوْحُهُ، وَقِيلَ صَدَّقَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ إِنِّي أَجِدُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ تَحِيَّةً لَهُ، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كَلَامِ عِيسَى لأُمِّهِ عِنْدَ وِلَادَتِهَا إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ لَهَا (لَا تَحْزَنِي) عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (مِنْ تَحِتَهَا) وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُنَادِي عِيسَى وَنَصَّ عَلَى كَلَامِهِ فِي مَهْدِهِ فَقَالَ (إِنِّي عبد الله آتَانِيَ الْكِتَابَ وجعلني نبيًّا)، وقال تعالى: (ففهمناها سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حكما وعلمًا) وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ حُكْمِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ صَبِيٌّ يَلْعَبُ فِي قَضِيَّةِ الْمَرْجُومَةِ وَفِي قِصَّةِ الصَّبِيِّ مَا اقْتَدَى بِهِ دَاوُدُ أَبُوهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ عُمُرَهُ حِينَ أُوتِيَ الْمُلْكَ اثْنَا عَشَرَ عَامًا، وَكَذَلِكَ قِصَّةُ مُوسَى مَعَ فِرْعَوْنَ وَأَخْذَهُ بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ طِفْلٌ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ}، أَيْ: هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ: اصْطَفَاهُ قَبْلَ إِبْدَاءِ خَلْقِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا وُلِدِ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكًا يَأمُرُهُ عَنِ اللَّهِ أَنْ يَعْرِفَهُ بِقَلْبِهِ وَيَذْكُرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ وَلَمْ يَقُلْ أَفْعَلُ فَذَلِكَ رُشْدُهُ، وَقِيلَ إِنَّ إِلْقَاءَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّارِ وَمِحْنَتَهُ كَانَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَإِنَّ ابْتِلَاءَ إِسْحَاقَ بِالذَّبْحِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَإِنَّ اسْتِدْلَالَ إِبْرَاهِيمَ بِالْكوْكَبِ والقمر وَالشَّمْسِ كَانَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى يُوسُفَ وَهُوَ صَبِيٌّ عند ما هَمَّ إِخْوَتُهُ بِإِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ يَقُولُ اللَّهُ تعالى: {وأوحينا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا}، الآيَةَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ. وَقَدْ حَكَى أَهْلُ السِّيَرِ أن آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أَخْبَرَتْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدِ حِينَ وُلِدِ بَاسِطًا يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا نَشَأْتُ بُغِّضَتْ إِلَيَّ الْأَوْثَانُ وَبُغِّضَ إِلَيَّ الشِّعْرُ وَلَمْ أَهِمُّ بشئ مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِليَّةُ تَفْعَلُهُ إِلَّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا ثُمَّ لَمْ أَعُدْ"، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الْأَمْرُ لَهُمْ وَتَتَرَادَفُ نَفَحَاتُ الله تعالى علهيم وَتُشرِقُ أنْوَارُ الْمَعَارِفِ فِي قُلُوبِهِمْ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى الْغَايَةِ ويَبْلُغُوا بِاصْطَفَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بالنُّبُوَّةِ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْخِصَالِ الشَّرِيفَةِ النِّهَايَةَ دُونَ مُمَارَسَةٍ وَلَا رِيَاضَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَمَّا بَلَغَ أشده واستوى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا}". قلت: وقد قام القرطبي بإدراج الفقرة الثالثة بعد الأولى، ثم ختم بالفقرة الثانية. وإن كان هناك مَن يُلام على عدم استيفاء النقولات، فإنما هو الأخ الشيخ عيد الكيَّال؛ حيث غضَّ الطرف بالكلية عن نقل كلام القاضي عياض الذي نقله القرطبي، والذي يقضي على الخلاف في المسألة قضاءً مبرمًا. وكذلك ما ذكره القرطبي في المسألة الثالثة يجري على الوتيرة نفسها، حيث قال: "الثَّالِثَةُ- وَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِدِينٍ قَبْلَ الْوَحْيِ أَمْ لَا، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَأَحَالَهُ عَقْلًا. قَالُوا: لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا مَنْ عُرِفَ تَابِعًا، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى بِالْوَقْفِ فِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَرْكِ قَطْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يُحِلِ الْوَجْهَيْنِ مِنْهُمَا الْعَقْلُ وَلَا اسْتَبَانَ عِنْدَهَا فِي أَحَدِهِمَا طَرِيقُ النَّقْلِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي الْمَعَالِي. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ: إِنَّهُ كَانَ مُتَعَبِّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ وَعَامِلًا بِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي التَّعْيِينِ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ عِيسَى فَإِنَّهُ نَاسِخٌ لِجَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ قَبْلَهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ عَلَى دِينٍ مَنْسُوخٍ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، لِأَنَّهُ مِنْ وَلَدِهِ وَهُوَ أَبُو الْأَنْبِيَاءِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ مُوسَى؛ لِأَنَّهُ أَقْدَمُ الْأَدْيَانِ. وَذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينٍ وَلَكِنْ عَيْنُ الدِّينِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عِنْدَنَا. وَقَدْ أَبْطَلَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا أَئِمَّتُنَا، إِذْ هِيَ أَقْوَالٌ مُتَعَارِضَةٌ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ مَنْسُوبًا إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نِسْبَةً تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْ أُمَّتِهِ وَمُخَاطَبًا بِكُلِّ شَرِيعَتِهِ، بَلْ شَرِيعَتُهُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا مُفْتَتَحَةٌ مِنْ عِنْدِ الله الحاكم عز وجل وأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا سَجَدَ لِصَنَمٍ، وَلَا أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَلَا زَنَى وَلَا شَرِبَ الْخَمْرَ، وَلَا شَهِدَ السَّامِرَ، وَلَا حَضَرَ حِلْفَ الْمَطَرِ وَلَا حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ، بَلْ نَزَّهَهُ اللَّهُ وَصَانَهُ عَنْ ذَلِكَ". قلت: وهذا يعضد القول الصحيح في المسألة. ثم نقل القرطبي حديث جابر الذي وهم فيه عثمان بن أبي شيبة، وقد بيّنت هذا في إجابة الاستشكال الأول، فلا حاجة للإعادة هنا. وكأني أشعر بالمستشكل أنه أورد هذا الاستشكال ظنًّا منه أن ما أورده القرطبي في المسألتين: الثانية والثالثة يخدم المحتَّج بوجود اختلاف في المسألة، لكن هذا لا يفيده في شيء؛ حيث إن هذا الاختلاف غير معتبر؛ لظهور بطلان القول الآخر، فيما يتعلَّق برسولنا صلى الله عليه وسلم، والذي هو موضع بحثنا. وأحيل المستشكل إلى أصل المقال في الموضع الذي نقلت فيه الإجماع على عدم جواز الاحتجاج بالخلاف. وليتأمل كذلك الأخ المستشكل قول القاضي عياض في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (ص593/ط دار النور المبين-الأردن) في قوله تعالى: {ووجدك ضالاً فهدى}: "ولا أعلم أحدًا قال من المفسِّرين فيها: ضالاً عن الإيمان". · الاستشكال السابع: أن هناك من كفَّر عينًا أحد الأخوة السلفيين في منطقة "منشية ناصر" مِمَّن قال بالمقالة الباطلة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم–قبل البعثة- كان على دين المشركين؟ ü والجواب عن هذا الاستشكال كما يلي: إن العجلة في إطلاق التكفير على مسلم بعينه -دون مراعاة توفر الشروط وانتفاء الموانع- سمة من سمات الخوارج، خاصة إذا صدرت من جاهل لا يحسن تنزيل هذا الحكم على مَن يستحقه. ويا ليت هذا المتعالم المتعجل في التكفير انتفع بوصية إمام السنة محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله- حيث قال كما في "الأسئلة الشامية" (ص56) مبيِّنًا كيف يكون تكفير المعين، ومنكِرًا على المتسرعين في التكفير؟! الـجواب: أولاً: لا يجوز لعالم متفقِّه في الكتاب والسنة أن يطلق الكفر على شخص ما، أو جماعة معينة؛ إلا بعد إقامة الحجة عليهم. وهذا يتطلَّب من العالم أن يفهم رأي ذلك الذي يريد أن يكفِّره فهمًا صحيحًا، ثم يعرضه على أدلة الكتاب والسنة؛ فإذا كانت الأدلة تشهد على أنه يستحق التكفير؛ فلا يجوز إطلاق الحكم عليه حالاً -إلا بعد إقامة الحجة عليه-. ولا شك أن طلاَّب العلم ليس هذا من تخصُّصهم، فحسبهم أن يستحضروا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، فطالب العلم يجب أن ينأى -وينجوَ- بنفسه من أن يقع فيما وقع فيه من يريد تكفيره! وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهـمـا"، فيه وعيد شديد للمسلم الذي يتسرع في إطلاق كلمة الكفر على مَن يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.. وإذا كان عند طالب العلم وجهة نظر؛ فعليه أن يعرضها على من يريد تكفيره، ويناقشه فيها؛ فلعلَّه يكون هو المخطئ، بدل هذا الشخص! · خلاصة القول: أن أمر التكفير خطير جدًّا؛ ولذلك قال العلماء: إذا كان هناك تسعة وتسعون قولاً في تكفير شخص معيَّن، وقول واحد في عدم تكفيره؛ فالحيطة والحذر في أن نتبنَّى هذا القول الوحيد، بدل تلك الأقوال؛ لأن الأمر فيه خطورة. وإذا كان الشخص -الذي يراد تكفيره- قد وقع في الكفر -فعلاً-؛ فماذا يضيرنا إن احتفظنا واحتطنا لأنفسنا ولم نطلق عليه لفظة الكفر؟! وأظن أن هذا التسرع من هؤلاء سببه الغرور والعجب، والافتتان بهذا العلم الضحل الذي اكتسبه بعضهم؛ فهم يكفِّرون عباد الله ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]. بعملهم ذلك!". اهـ قلت: وأهدي إلى هذا المتعالم المتسرع في التكفير هذه الدُّرَّة من درر الشيخ ابن عثيمين في "فتاوى الحرم المكي 1418هـ"، والتي تعتبر من آخر نصائحه في الحرم المكي قبل وفاته -رحمه الله-، حيث قال كما في (الشريط 28/أ): "أننى أكرِّر وفي هذا المكان وفي هذا اليوم، وهو أول العشر الأواخر أُكرِّر النهي عن التسرع في التكفير، وأقول: مَن كفَّر من ليس كافرًا فهو كافر، هكذا قال أصدق البشر: "من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه"، أي رجع عليه، وعرفتم وجه ذلك، ووجه ذلك أمران: الوجه الأول: أن هذا المكفِّر يعتقد أنه على ملة، والثاني على ملة، فإن كان الثاني كافرًا، فالمكفِّر مسلم، وإن لم يكن كافرًا، فالمكفِّر كافر بمقتضى كلامه. الوجه الثاني: أنه إذا كفَّر مَن ليس بكافر، فلا بد أن يكفر، وإن طال الزمن، إلا أن يشاء الله حتى وإن حسُنَت صلاته وصيامه وصدقاته، فإنه إذا كفَّر مسلمًا عاد تكفيره إليه، أعاذنا الله وإياكم من ذلك". اهـ وقال الشيخ مقبل بن هادي -رحمه الله-([1]): "وعلى كلٍّ فمسألة التكفير يجب على المسلم أن يبتعد عنها، وأن يدعوا إلى الله -سبحانه وتعالى- برفقٍ ولين، وهي مكيدة من قبَل أعداء الإسلام". اهـ قلت: ولا أعلم أحدًا من العلماء المعتبرين أطلق التكفير على من قال بهذه المقالة الباطلة في حقّ النبي صلى الله عليه وسلم، خاصّةً أنها تنسب إلى البعض، وإن كنت لا أعلم إمامًا معتبرًا قال بها. لكن قد يقال: إنه مَن أطلق هذه المقالة قاصدًا انتقاص النبي صلى الله عليه وسلم بها، وعامدًا إلى إيذائه بها، فهذا نفاق أكبر؛ لقول الله تعالى في سورة التوبة –والتي فضحت المنافقين- مبينًا سمة من سمات المنافقين: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. والذين التزموا هذه المقالة الباطلة تأوَّلوا الأدلة على غير وجهها، وفي أذهانهم شبهات راجت عليهم، فهم جهال، والذي كفَّرهم بهذه المقالة أجهل منهم. فهذا ما فتح الله عز وجل به من إجابة استشكالات السائل، أسأل الله عز وجل أن أكون وُفِّقَت في إزالة الشبهات الواردة عليه، وأن يهدينا الله لما اختُلِف فيه من الحقِّ. والله المستعان وعليه التكلان. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري قبيل مغرب 22 الخميس شوال 1439 ه ([1]) كما في "الأسئلة اليمنية في مسائل الإيمان والتكفير -المنهجية-" (52).
  9. 26 -كتاب الفرائض من تلخيص وترتيب الشرح الممتع - تابع لميراث ذوي الأرحام - 19 شوال 1439 http://cutt.us/xI1OL 17- أصول الفقه انتقاءً وترتيبًا من كتاب "الفقيه والمتفقه" تابع للعموم والخصوص -19 شوال 1439 http://cutt.us/RazEc 21 -التعصب للشيوخ -تابع لمن أخلاق المتعصبين الغيبة -19 شوال 1439 http://cutt.us/R9PQu 39- ترتيب وتهذيب صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- الأصل. -تابع قراءته في صلاة الوتر -19 شوال 1439 http://cutt.us/VEGF9
  10. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد؛ فهذه خطبة 15 شوال 1439 ألقاها فضيلة الشيخ أبي عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري -حفظه الله- بعنوان : "غلت الأسعار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن عمر رضي الله عنه فماذا كان؟" http://cutt.us/sMg93
  11. 016- شرح كتاب الكبائر للحافظ الذهبي -15 شوال 1439 الكبيرة الثالثة عشرة: الإمام الغاشُّ لرعيته، الظالم، الجبار. http://cutt.us/u298g
  12. 25 -كتاب الفرائض من تلخيص وترتيب الشرح الممتع - ميراث ذوي الأرحام - 12 شوال 1439 http://cutt.us/eUCMv 16- أصول الفقه انتقاءً وترتيبًا من كتاب "الفقيه والمتفقه" العموم والخصوص -12 شوال 1439 http://cutt.us/Nv7LG 20 -التعصب للشيوخ -من أخلاق المتعصبين الغيبة -12 شوال 1439 http://cutt.us/u0Uap 38- ترتيب وتهذيب صفة صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- الأصل. -تابع قراءته في صلاة العشاء -12 شوال 1439 http://cutt.us/Blnae
  13. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه النفيس "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" (ص89): "قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى}. هذه الآية الكريمة يوهم ظاهرها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضالا قبل الوحي مع أن قوله تعالى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فطر على هذا الدين الحنيف ومعلوم أنه لم يهوده أبواه ولم ينصراه ولم يمجساه بل لم يزل باقيا على الفطرة حتى بعثه الله رسولا ويدل لذلك ما ثبت من أن أول نزول الوحي كان وهو يتعبد في غار حراء فذلك التعبد قبل نزول الوحي دليل على البقاء على الفطرة. والجواب أن معنى قوله: {ضَالاً فَهَدَى} أي غافلا عما تعلمه الآن من الشرائع وأسرار علوم الدين التي لا تعلم بالفطرة ولا بالعقل وإنما تعلم بالوحي فهداك إلى ذلك بما أوحى إليك فمعنى الضلال على هذا القول الذهاب من العلم ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} وقوله: {لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى}. وقوله:{قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ}. وقول الشاعر: وتظن سلمى أنني أبغي بها …بدلا أراها في الضلال تهيم ويدل لهذا قوله تعالى:{مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ} لأن المراد بالإيمان شرائع دين الإسلام وقوله: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}. وقوله: {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}. وقوله: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}. وقيل المراد بقوله ضالا. ذهابه وهو صغير في شعاب مكة وقيل ذهابه في سفره إلى الشام والقول الأول هو الصحيح والله تعالى أعلم ونسبة العلم إلى الله أسلم".
  14. إبطال قول القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان على دين المشركين بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبع هداه، أما بعد، فقد بلغني انتشار مقالة بين بعض الشباب في القاهرة، ألا وهي قولهم: "إن النبي صلى الله عليه وسلم -قبل البعثة- كان على دين المشركين من قومه"، فلَمَّا فتَّشت عن مصدر هذه المقالة ومَن روَّج لها، وجدت أن مصدرها كتاب "الدليل المختار على أن الاعتبار في الحكم على الرجال بالعاقبة والمآل لا بما جرى في بداية الحال"، تأليف: الأخ عيد الكيَّال –وفَّقه الله-، فلَمَّا تصفحت الرسالة وجدته أتى بشبهات اعتبرها أدلة دامغة على قوله، ووسم من خالفها بسمات سيئة، وكأن ما ذهب إليه عقيدة لا تقبل النقاش، فتعجبت من هذه الجرأة. ومن الأدلة على كونه صلى الله عليه وسلم كان قبل بعثته على الحنيفية –أي التوحيد- ولم يكن على دين قومه من مشركي العرب ما يلي: أولاً: ما أخرجه البخاري (2)، ومسلم (160) من حديث عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أُوْلَاتِ الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ...". قال ابن الملقن في "التوضيح شرح الجامع الصحيح" (3/251): "قولها: (فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ). هو بحاء مهملة ثمَّ نون ثمَّ مثلثة، وقد فسر في الحديث بأنه التعبد، وهو صحيح، وأصله اجتناب الحنث -وهو: الإثم- وكأنّ المتعبد يلقي بعبادته عن نفسه الإثم، وقال ابن هشام: التحنث: التحنف يبدلون الفاء من الثاء يريدون الحنيفية، وقال أبو أحمد العسكري: رواه بعضهم: يتحنف -بالفاء- ثمَّ نقل عن بعض أهل العلم أنه قَالَ: سألت أبا عمرو الشيباني عن ذَلِكَ فقال: لا أعرف يتحنث، إنما هو يتحنف من الحنيفية أي: يتتبع دين الحنيفية، وهو دين إبراهيم عليه السلام". وقال القاضي عياض في إكمال المعلم (1/480): "واختلف الناس: هل كان متعبدًا قبل نبوته بشريعة أم لا؟ فقال بعضهم: إنه غير متعبد أصلاً، ثم اختلف هؤلاء: هل ينتفى ذلك عقلاً أم نقلاً؟ فقال بعض المبتدعة: ينتفى عقلاً؟ لأن في ذلك تنفيرًا عنه، وغضٌّ من قدره إذا تنبَّأ عند أهل تلك الشريعة التى كان من جملتهم، ومن كان تابعاً فيبعُد منه أن يكون متبوعًا، وهذا خطأ، والعقل لا يحيل هذا. وقال الآخرون من حذاق أهل السنة: إنما ينتفى ذلك من جهة أنه لو كان لنُقِلَ، ولتداولته الألسن، وذكر فى سيرته، فإن هذا مما جرَت العادةُ بأنه لا ينكتم. وقال غير هاتين الطائفتين: بل هو مُتعبَّدٌ، ثم اختلفوا أيضًا: هل كان متعبداً بشريعة إبراهيم أو غيره من الرسل؟ فقيل فى ذلك أقوال، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} فى توحيد الله وصفاته".اهـ ثانيًا: أخرج البخاري (1582)، ومسلم (340) من حديث عَمْرُو بْن دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلاَنِ الحِجَارَةَ، فَقَالَ العَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ"، فَقَالَ: «أَرِنِي إِزَارِي» فَشَدَّهُ عَلَيْهِ. قلت: فإن كان صلى الله عليه وسلم قد عُصِم من إظهار عورته الحسيَّة أمام الناس في الجاهلية؛ متابعة لقومه الذين كانوا لا يتحرجون من ذلك، فكيف لا يُعصَم من متابعة قومه على وثنيتهم ؟! ثالثًا: أخرج البخاري (3826) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلاَ آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ. وقال أبو يعلى في مسنده (13/170)، وفي حديث محمد بن بشار بندار عن شيوخه (1) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، أَمْلَاهُ عَلَيْنَا مِنْ كِتَابِهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا حَارًّا مِنْ أَيَّامِ مَكَّةَ ـ وَهُوَ مُرْدِفِي ـ إِلَى نُصُبٍ مِنَ الْأَنْصَابِ، وَقَدْ ذَبَحْنَا لَهُ شَاةً فَأَنْضَجْنَاهَا، قَالَ: فَلَقِيَهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، فَحَيَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا زَيْدُ، مَا لِي أَرَى قَوْمَكَ قَدْ شَنِفُوا لَكَ؟»، قَالَ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ ذَلِكَ لَبِغَيْرِ نَائِلَةٍ لِي مِنْهُمْ , وَلَكِنِّي خَرَجْتُ أَبْتَغِي هَذَا الدِّينَ، حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَحْبَارِ فَدَكٍ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قَالَ: قُلْتُ مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَى أَحْبَارِ الشَّامِ فَوَجَدْتُهُمْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيُشْرِكُونَ بِهِ، قُلْتُ: مَا هَذَا بِالدِّينِ الَّذِي أَبْتَغِي، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْهُمْ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَعْبُدُ اللَّهَ بِهِ إِلَّا شَيْخٌ بِالْحِيرَةِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ طَلَعَ نَجْمُهُ، وَجَمِيعُ مَنْ رَأَيْتُهُمْ فِي ضَلَالٍ، فَلَمْ أُحِسَّ بِشَيْءٍ بَعْدُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: وَقَرَّبَ إِلَيْهِ السُّفْرَةَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: شَاةٌ ذَبَحْنَاهَا لِنُصُبٍ مِنَ الْأَنْصَابِ، قَالَ: فَقَالَ: «مَا كُنْتُ لِآكُلَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ»، قَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ: فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ، قَالَ: وَتَفَرَّقْنَا فَطَافَ بِهِ، وَأَنَا مَعَهُ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَ: وَكَانَ عِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ مِنْ نُحَاسٍ: أَحَدُهُمَا يُقَالُ لَهُ: يَسَافٌ، وَالْآخَرُ يُقَالُ لَهُ: نَائِلَةُ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ إِذَا طَافُوا تَمَسَّحُوا بِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَمْسَحْهُمَا , فَإِنَّهُمَا رِجْسٌ»، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَأَمَسَّنَّهُمَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَمَسَسْتُهُمَا، فَقَالَ: «يَا زَيْدُ، أَلَمْ تُنْهَ؟»، قَالَ: وَمَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ: «إِنَّهُ يُبْعَثُ أُمَّةً وَحْدَهُ». وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/200) (257)، والنسائي في الكبرى (7/325)، والطبراني في الكبير (5/86)، والحاكم في المستدرك (3/238) من طريق محمد بن عمرو به، وإسناده حسن. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (2/24) من طريق أَبي أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو به، وقال: زَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِإِسْنَادِهِ: قال زيد: فو الذي هُوَ أَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ مَا اسْتَلَمَ صَنَمًا حَتَّى أَكْرَمَهُ اللهُ بِالَّذِي أكرمه وأنزل عليه. قلت: وهذا واضح بيِّن في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخالف دين المشركين قبل البعثة، بل ويعيب آلهتهم، وإذا كان زيد بن عمرو بن نُفيل كان حنيفًا في الجاهلية، فكيف بسيد الحنفاء صلى الله عليه وسلم؟! رابعًا: قال محمد بن إسحاق في "السير والمغازي": حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ نَافِعِ بن جُبَير ابْن مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ - يَقِفُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، حَتَّى يَدْفَعَ مَعَهُمْ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ "، وأخرجه ابن البخاري في مشيخته (3/1951) من طريق ابن إسحاق به. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوه" (2/37) من طريق عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ به. قال البيهقي: " قَوْلُهُ: «عَلَى دِينِ قَوْمِهِ» مَعْنَاهُ: عَلَى مَا كَانَ قَدْ بَقِيَ فِيهِمْ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، فِي حَجِّهِمْ وَمَنَاكِحِهِمْ وَبُيُوعِهِمْ، دُونَ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُشْرِكْ بِاللهِ قَطُّ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ بُغْضِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ". قلت: يشير البيهقي إلى قوله: "وَرُوِّينِا فِي قِصَّةِ بَحِيرَاءَ الرَّاهِبِ حِينَ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى مُتَابَعَةً لِقُرَيْشٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ،: لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ والعزّى شيئا، فو الله مَا أَبْغَضْتُ بُغْضَهُمَا شَيْئًا قَطُّ". قال العلامة الألباني: "وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة بل كان يقف مع الناس بـ (عرفات)"، ثم قال: "ويفهم من قوله هذا أيضًا أنه كان يقف بـ (عرفات) قبل أن يوحى إليه وهذا توفيق من الله له". قال: "وله شاهد من حديث ربيعة بن عباد رواه الطبراني (4592)". وأخرج مسلم (1211) من حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ فَيَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]. وأخرج بعده عن هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً، إِلَّا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً، إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُمُ الْحُمْسُ ثِيَابًا، فَيُعْطِي الرِّجَالُ الرِّجَالَ، وَالنِّسَاءُ النِّسَاءَ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَبْلُغُونَ عَرَفَاتٍ". وأخرج البخاري (1665) عن عُرْوَة: «كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّا الحُمْسَ، وَالحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، وَكَانَتِ الحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي المَرْأَةُ المَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا، وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ»، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الحُمْسِ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199]، قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ، فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ. وأخرج البخاري (1664)، ومسلم (1220) من طريق مُحَمَّد بْن جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: «هَذَا وَاللَّهِ مِنَ الحُمْسِ فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا». قال ابن الجوزي في كشف مشكل الصحيحين (4/45): " كَانَت قُرَيْش وَبَنُو كنَانَة يسمون الحمس؛ لأَنهم تحمَّسوا فِي دينهم: أَي تشدَّدوا، والحماسة: الشدَّة فِي كل شَيْء، وَكَانُوا يقفون عَشِيَّة عَرَفَة بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحن قطن الْبَيْت، وَكَانَ بَقِيَّة الْعَرَب وَالنَّاس يقفون بِعَرَفَات، فَنزل قَوْله تَعَالَى: {ثمَّ أفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس} [الْبَقَرَة: 199]، وَهَذِه الْآيَة نزلت فِي الْإِسْلَام وَذَاكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَهَذَا الرجل إِنَّمَا رأى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْجَاهِلِيَّة، فَكَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَالف قومه فِي هَذَا مَعَ مَا خَالف". قلت: تأمل قوله: "خَالف قومه فِي هَذَا مَعَ مَا خَالف"، أي" أنه خالف قومه في مسائل عدة في العقيدة والعبادة، فكيف يقال: إنه كان على دينهم الوثني؟ اللهم غفرًا ! خامسًا: أخرج ابن حبان (2093/موارد) من حديث الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ الْفَزَارِي قَالَ: سَمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّي عَبْدُ الله، مَكْتُوبٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمُ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأخْبِرُكُمْ بِأوَّلِ ذلِكَ: دَعْوَةُ إِبْرَاهِيم وَبِشارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أمِّي الَّتِي رَأتْ حِينَ وَضَعَتْنِي أنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامَ". وأخرج أبو داود الطيالسي (1236) من حديث أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا، وَرَأَتِ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ»([1]). وقال الإمام أحمد في مسنده (24/202) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ بُدَيْلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَتَى كُتِبْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: " وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ"([2]). وبوَّب الآجري على الحديث في الشريعة (3/1405): "بَابُ ذِكْرِ مَتَى وَجَبَتِ النُّبُوَّةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وقال أبو بكر الخلاّل في السنة (200) أَخْبَرَنِي حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكَرْمَانِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِإِسْحَاقَ يَعْنِي ابْنَ رَاهَوَيْهِ: حَدِيثُ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قَالَ: «وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ»، مَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: «قَبْلَ أَنْ تُنْفَخَ فِيهِ الرُّوحُ، وَقَدْ خُلِقَ». وقال ابن بطة في الإبانة الكبرى (3/221): "وَهَذَا يَعْنِي انه سبق فِي علم الله تَعَالَى قبل أَن يخلق نبيه وَكتب عِنْده فِي أم الْكتاب إنه نَبِيُّ هَذِه الْأمة ثمَّ خلقه الله عز وَجل نَبيًّا مُرْسلاً، كَمَا علم أزلاً فَالْحَدِيث دَلِيل صَرِيح فِي إِثْبَات الْقدر". وقال الطحاوي في شرح مشكل الآثار (15/231): "فَكَذَلِكَ آدَمُ لَمَّا كَانَ فِي الْبَدْءِ جِسْمًا لَا رُوحُ فِيهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ اللهُ جَسَدًا ذَا رُوحٍ، كَانَ مَوْصُوفًا بِوَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَجَازَ بِذَلِكَ إِدْخَالُ: بَيْنَ، فِي وَصْفِهِ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُنْتُ نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ "، فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ حِينَئِذٍ نَبِيًّا، فَقَدْ كَانَ اللهُ تَعَالَى كَتَبَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ نَبِيًّا، ثُمَّ أَعَادَ اكْتِتَابَهُ إِيَّاهُ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] ، وَكَانَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ كَتَبَ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ثُمَّ أَعَادَ اكْتِتَابَهُ فِي الزَّبُورِ الَمُحَزَّبَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمِثْلُ ذَلِكَ اكْتِتَابُهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، بَعْدَ اكْتِتَابِهِ إِيَّاهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ". وقال الحافظ ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص80): "ومن جملة ما كتبه في هذا الذكر وهو أم الكتاب: أن محمدًا خاتم النبيين. ومن حيندئذ انتقلت المخلوقات من مرتبة العلم إلى مرتبة الكتابة وهو نوع من أنواع الوجود الخارجي، ولهذا قال سعيد بن راشد سألت عطاء: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم نبيًّا قبل أن يخلق؟ قال: قال: إي والله وقبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، خرّجه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة وعطاء ـ الظاهر أنه ـ الخرساني وهذا إشارة إلى ما ذكرنا من كتابة نبوته صلى الله عليه وسلم في أم الكتاب عند تقدير المقادير وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "إني عبد الله في أم الكتاب لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته" ليس المراد به والله أعلم أنه حينئذ كتب في أم الكتاب ختمه للنبيين وإنما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في أم الكتاب في تلك الحال قبل نفخ الروح في آدم وهو أول ما خلق من النوع الإنساني. وجاء في أحاديث أخر أنه في تلك الحال وجبت له النبوة وهذه مرتبة ثالثة وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العيني الخارجي فإنه صلى الله عليه وسلم استخرج حينئذ من ظهر آدم ونبىء فصارت نبوته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدرة في أم الكتاب ... قال الإمام أحمد في رواية مهنَّا: وبعضهم يرويه: متى كتبت نبيًّا؟ من الكتابة فإن صحت هذه الرواية حملت مع حديث العرباض بن سارية على وجوب نبوته وثبوتها وظهورها في الخارج فإن الكتابة إنما تستعمل فيما هو واجب: إما شرعًا كقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] أو قدرًا كقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة: 21] وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد"، خرَّجه الترمذي وحسَّنه وفي نسخه صححه وخرجه الحاكم وروى ابن سعد من رواية جابر الجعفي عن الشعبي قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: متى استنبئت؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد حيث أخذ مني الميثاق"، وهذه الرواية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم حينئذ استخرج من ظهر آدم ونبىء وأخذ ميثاقه فيحتمل أن يكون ذلك دليلاً على أن استخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم كان قبل نفخ الروح في آدم وقد روي هذا عن سلمان الفارسي وغيره من السلف ويستدل له أيضا بظاهر قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}، [الأعراف: 11] على ما فسره به مجاهد وغيره: أن المراد: إخراج ذرية آدم من ظهره قبل أمر الملائكة بالسجود له ولكن أكثر السلف على أن استخراج ذرية آدم منه كان بعد نفخ الروح فيه وعلى هذا يدل أكثر الأحاديث فتحمل على هذا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم خص باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الروح فيه فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو المقصود من خلق النوع الإنساني وهو عينه وخلاصته وواسطة عقده فلا يبعد أن يكون أخرج من ظهر آدم عند خلقه قبل نفخ الروح فيه...."، ثم قال: " وقد استدل الإمام أحمد بحديث العرباض بن سارية هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل على التوحيد منذ نشأ ورد بذلك على من زعم غير ذلك بل قد يستدل بهذا". سادسًا: قال الإمام مسلم في صحيحه (162) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ "، قَالَ أَنَسٌ: «وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ». قلت: فكيف يقع صلى الله عليه وسلم في الشرك والكفر، وقد استُخرِج من قلبه حظُّ الشيطان وهو غلام قبل أن يصير مكلَّفًا ؟! قال القاضي عياض في "إكمال المعلم بفوائد مسلم" (1/505): "وقوله فى شرح صدره: "فاستخرج منه علقةً، وقال هذا حظُّ الشيطان منك": دليل بَيِّنٌ على عصمة نبينا من الشيطان، وكفايته إياه أن يُسَلَّط عليه، لا فى علمه ولا يقينه، ولا جسمه ولا شىء من أمره، لا بالأذى والوساوس ولا غيره، وقد ادَّعى بعض العلماء الإجماع على ذلك". وقال شرف الدين الطِّيبي في شرحه على مشكاة المصابيح: "الكشَّاف عن حقائق السنن" (12/3370): "والعلقة في الإنسان أصل المفاسد والمعاصى، ولذلك قال جبريل عليه السلام بعد ما أخرجها: ((هذا حظ الشيطان منك)) فعصمه من آفته وطغمه، كما أسلم له شيطانه على يده، قدر الله تعالى في سابقة لطفه أن يخرج حظ الشيطان منه، فجعله قدسيًّا طاهر الأصل والعنصر منور القلب مقدس الجسم مستعدًا لقبول الوحي السماوي والفيض الإلهي، لا تتطرق إليه هواجس النفس". قلت: وقد وقع شرح الصدر له صلى الله عليه وسلم مرتين أخرييتين بعد ذلك: الأولى: قبل البعثة، والثانية: قبل العروج إلى السماء. قال علي الإثيوبي في "ذخيرة العقبى شرح المجتبى" (6/28): "وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقَّى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهب للمناجاة". سابعًا: قال الترمذي في الجامع (3620 - حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو العَبَّاسِ الأَعْرَجُ البَغْدَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ وَخَرَجَ مَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ». قَالَ: " فَهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: هَذَا سَيِّدُ العَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ "، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنَ العَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ، قَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ القَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لَا يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ، فَالتَفَتَ فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا، إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلَّا بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَاسٍ وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ فَبُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا، فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا: إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الكَعْكِ وَالزَّيْتِ". وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنّفه (7/327)، والحاكم في مستدركه (2/672)، ومحمد بن طلحة أبو الحسن النعالي الرافضي (77). قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ». وقال الألباني في "صحيح السيرة النبوية" (ص30): "فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة فهو مرسل فإن هذه القصة كانت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ أو من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم أو كان هذا مشهورا مذكورا أخذه من طريق الاستفاضة". وجاء في ضعيف الترمذي: "صحيح.. لكن ذكر بلال فيه منكر". قلت: والشاهد منه بيّن في كونه صلى الله عليه وسلم كانت علامات النبوة ظاهرة عليه قبل البعثة، فكيف تظهر علامات النبوة عليه وهو على دين المشركين؟! قلت: وقد اشتبهت آياتان على القائلين بهذا القول، هما: · الآية الأولى: اشتباه قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيُّ حَكِيمٌ} [الشورى: 51]: قال محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي (ت 516 ه) في تفسيرة "معالم التنزيل" (7/201/ط دار طيبة): "{مَا كُنْتَ تَدْرِي} قَبْلَ الْوَحْيِ نزيل": {مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} يَعْنِي شَرَائِعَ الْإِيمَانِ وَمَعَالِمَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ: "الْإِيمَانُ" فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الصَّلَاةُ، وَدَلِيلُهُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ" (الْبَقَرَةِ 143). وَأَهْلُ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ الْوَحْيِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْبُدُ اللَّهَ قَبْلَ الْوَحْيِ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ شَرَائِعُ دِينِهِ". وقال الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت 774 ه) في "تفسير القرآن العظيم" (4/217): "وَقَوْلُهُ {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ} أَيْ: عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي شُرِعَ لَكَ فِي الْقُرْآنِ". وقال القرطبي في "الجامع الأحكام القرآن"(18/514)ٍ: "إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: "مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ". فَقَالَ جَمَاعَةٌ: مَعْنَى الْإِيمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَرَائِعُ الْإِيمَانِ وَمَعَالِمُهُ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَقِيلَ: تَفَاصِيلُ هَذَا الشَّرْعِ، أَيْ كُنْتَ غَافِلًا عَنْ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ. وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْإِيمَانِ عَلَى تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ: وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الْوَحْيِ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَلَا كَيْفَ تَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ، وَنَحْوَهُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ. وَقَالَ بَكْرٌ الْقَاضِي: وَلَا الْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ. قَالَ: وَكَانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهَا قَبْلُ، فَزَادَ بِالتَّكْلِيفِ إِيمَانًا. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ مُتَقَارِبَةٌ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: عَنَى بِالْإِيمَانِ الصَّلَاةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى" وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ" [البقرة: 143] أَيْ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: أَيْ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا أَهْلَ الْإِيمَانِ. وَهُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، أَيْ مَنِ الَّذِي يُؤْمِنُ؟ أَبُو طَالِبٍ أَوِ الْعَبَّاسُ أَوْ غَيْرُهُمَا. وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي شَيْئًا إِذْ كُنْتَ فِي الْمَهْدِ وَقَبْلَ الْبُلُوغِ. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَحْوَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى قَالَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ لَوْلَا الرِّسَالَةُ، وَلَا الْإِيمَانُ لَوْلَا الْبُلُوغُ. وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ لَوْلَا إِنْعَامُنَا عَلَيْكَ، وَلَا الْإِيمَانُ لَوْلَا هِدَايَتُنَا لَكَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَفِي هَذَا الْإِيمَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَهَذَا يَعْرِفُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَقَبْلَ نُبُوَّتِهِ. وَالثَّانِي- أَنَّهُ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ إلا بعد النبوة. قلت: إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حِينِ نَشَأَ إِلَى حِينِ بُلُوغِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ:" مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ" أَيْ كُنْتَ مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ وَلَا الْإِيمَانَ، حَتَّى تَكُونَ قَدْ أَخَذْتَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ عَمَّنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وهو كقوله تعالى:" وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ" [العنكبوت: 48] رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا." وَلكِنْ جَعَلْناهُ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْإِيمَانَ. السُّدِّيُّ: الْقُرْآنُ. وَقِيلَ الْوَحْيُ، أَيْ جَعَلْنَا هَذَا الْوَحْيَ" نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ" أَيْ مَنْ نَخْتَارُهُ لِلنُّبُوَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:" يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ" [آل عمران: 74]. ووحد الكناية لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي كَثْرَةِ أَسْمَائِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ فِي الِاسْمِ الْوَاحِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: إِقْبَالُكَ وَإِدْبَارُكَ يُعْجِبُنِي، فَتَوَحَّدَ، وَهُمَا اثْنَانِ". وقال أثير الدين أبو حيَّان محمد بن يوسف بن حيَّان (ت 745 ه) في البحر المحيط (19/57/الرسالة العالمية): "مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ: تَوْقِيفٌ عَلَى عِظَمِ الْمِنَّةِ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا، وَعَطَفَ وَلَا الْإِيمَانُ عَلَى مَا الْكِتَابُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: الْإِيمَانُ الَّذِي يُدْرِكُهُ السَّمْعُ، لِأَنَّ لَنَا أَشْيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ. أَمَّا تَوْحِيدُ اللَّهِ وَبَرَاءَتُهُ عَنِ النَّقَائِصِ، وَمَعْرِفَةُ صِفَاتِهِ الْعُلَا، فَجَمِيعُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَالِمُونَ ذَلِكَ، مَعْصُومُونَ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ زَلَلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، سَابِقٌ لَهُمْ عِلْمُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحِيَ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ أَطْلَقَ الْإِيمَانَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ}، إِذْ هِيَ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْإِيمَانُ. وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَشْأَتِهِمْ إِلَى مَبْعَثِهِمْ، تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ، مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ منذ نشأوا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} قَالَ مَعْمَرٌ: كَانَ ابْنَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ. وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: مَا كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الْوَحْيِ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ، وَلَا كَيْفَ تَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى الْإِيمَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَلَا الْإِيمانُ: الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ. قَالَ: وَكَانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، ثُمَّ نزلت الفرائض التي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهَا قَبْلُ، فَزَادَ بِالتَّكْلِيفِ إِيمَانًا. وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ: يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْإِيمَانِ عَلَى تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ وَلَا أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنَ الَّذِي يُؤْمِنُ أَبُو طَالِبٍ أَوِ الْعَبَّاسُ أَوْ غَيْرُهُمَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى: إِذْ كُنْتَ فِي الْمَهْدِ. وَقِيلَ: مَا الْكِتَابُ لَوْلَا إِنْعَامُنَا عَلَيْكَ، وَلَا الْإِيمَانُ لَوْلَا هِدَايَتُنَا لَكَ. وَقِيلَ: أَيْ كُنْتَ مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ الْإِيمَانَ وَلَا الْكِتَابَ، فَتَكُونُ أَخَذْتَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ عَمَّنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمْ". قلت: وأبو حيَّان كان يميل إلى أهل الظاهر، كما ذكر هذا تلميذه الإسنوي كما في طبقات الشافعية (1/219)، بل صرَّح بسلوكه طريقة أهل الظاهر في تفسيره، كما في مقدّمته على البحر المحيط (1/10)، حيث قال: "وربما أذكر الدليل إذا كان الحكم غريبًا أو خلاف مشهور ما قال معظم الناس، بادئًا بمقتضى الدليل وما دلَّ عليه ظاهر اللفظ؛ مرجحًا له بذلك ما لم يصد عن الظاهر ما يجب إخراجه به عنه". وقال الواحدي في "التفسير البسيط" (19/542): "قوله تعالى:}ما كنت تدري ما الكتاب{ قبل الوحي: }ولا الإيمان{ اختلفوا في هذا مع اجماع أرباب الأصول على أنه لا يجوز على الرسل قبل الوحي أن لا يكونوا مؤمنين، فذهب كثير من أهل العلم الى أن المراد بالإيمان هاهنا شرائعه و معالمه، وهي كلما يجوز أن يسمى إمانًا، واحتار إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة هذا القول، وخصَّه بالصلاة محتَّجًا من باب حذف المضاف فجعل التقدير: ولا دعوة الإيمان؛ لأنه كان قبل الوحي ما كان يقدر ما الكتاب و لا أهل الإيمان يعني: من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن". وهذا اختيار الحسين بن الفضل. وجعل أبو العالية التقدير: ولا دعوة الإيمان؛ لأنه كان قبل الوحي ما كان يقدر أن يدعو إلى الإيمان بالله. وذهب بعض أهل المعاني إلى التخصيص بالوقف فقال: المعنى: ولا ما الإيمان قبل البلوغ، وهذا المذهب هو اختيار شيخنا أبي إسحاق الإسفراييني -رحمه الله- فقد حكى بعض أصحابنا الكبار أنه سأله عن هذه الآية فقال: يعني حين كان في المهد وقالوا: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم قبل الوحي كان يعبد الله على دين عيسى و الصحيح أنه كان يعبد الله على دين إبراهيم".اهـ وقال ابن جرير في "جامع البيان" (20/542): "وقوله:}مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ{ يقول جلّ ثناؤه لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: "ما كنت تدري يا محمد أيّ شيء الكتاب ولا الإيمان اللّذين أعطيناكهما". · الآية الثانية: اشتباه قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]: قال شيخ المفسِّرين محمد بن جرير الطبري –رحمه الله- في "جامع البيان" (24/489): "{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7] وَوَجَدَكَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ، {وَوَجَدَكَ ضَالًّا} [الضحى: 7] قَالَ: كَانَ عَلَى أَمْرِ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا. وَقِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: وَوَجَدَكَ فِي قَوْمٍ ضُلَّالٍ فَهَدَاكَ". قلت: قال عيد الكيَّال في كتابه "الدليل المختار على أن الاعتبار في الحكم على الرجال بالعاقبة والمآل لا بما جرى في بداية الحال" (ص37): "ولم يذكر شيخ المفسِّرين غير هذين القولين؛ أسند الأول، وهو قول السُّدِّي، وضعَّف الثاني بقوله: وقيل، وهذا يُستَنبَط منه ترجيحه للقول الأول، الذي يعني: ما قاله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (20/70) عند الآية: "وقال الكلبي والسُّدِّي: وهذا على ظاهره؛ أي: وجدك كافرًا والقوم كفَّار فهداك".اهـ قلت: ابْنُ حُمَيْدٍ، هو محمد بن حُمَيْد بن حَيّان، أبو عبد الله الرازي. قال فيه البخاري: فيه نظر، وكذبه أبو زرعة، وقال ابن خراش: حدثنا ابن حميد - وكان والله يكذب. وجاء عن غير واحد أن ابن حميد كان يسرق الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال صالح جزرة: ما رأيت أحذق بالكذب من ابن حميد ومن ابن الشاذكونى. وقال أبو على النيسابوري: قلت لابن خزيمة: لو أخذت الإسناد عن ابن حميد! فإن أحمد بن حنبل قد أحسن الثناء عليه! قال: إنه لم يعرفه، ولو عرفه كما عرفناه ما أثنى عليه أصلاً. قلت: وعليه فهذا إسناد ضعيف جدًّا إلى السُّدِّي، فلا تصح نسبته إليه، وعهدته بريئة منه. وأما الكلبي فقد عزا القرطبي هذا القول إليه دون إسناد، فلا حجة فيه. وأما استنباط الكيَّال بأن الطبري يرجح القول المنسوب إلى السُّدي، فاستنباط عليل تعوزه الأدلة؛ حيث إن إيراد الطبري لهذا القول بإسناده إلى السُّدي لا يقتضي ترجيحًا له. وقال الكيَّال في "الدليل المختار" (ص38): "غير أنه القول الذي يوافق ظاهر الدليل والآية لذلك رجَّحه السُّدِّي، ورواه الطبري عنه ولم ينكره عليه ولا علَّق عليه، بل رواه من غير نكير، وكأنه يلمح إلى اختياره واكتفى به مع قول آخر ضعيف قد بيَّن ضعفه". قلت: لم يصح الإسناد إلى السُّدِّي كما ظهر لك، فلا يقال إن السُّدِّي رجَّحه، ورواية الطبري عنه القول دون أن يتعقبه، لا يلزم منه إقراره له، بل هذا إلزام بما لا يلزم. وأما إيراده القول الآخر بصيغة التضعيف، لا يلزم منه كذلك ترجيحه القول الأول. وقال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (20/96): "أَيْ: غَافِلًا عَمَّا يُرَادُ بِكَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ، فَهَدَاكَ: أَيْ أَرْشَدَكَ. وَالضَّلَالُ هُنَا بِمَعْنَى الْغَفْلَةِ، كَقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [طه: 52] أَيْ لَا يَغْفُلُ. وَقَالَ فِي حَقِّ نَبِيِّهِ: {وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ} [يوسف: 3]. وَقَالَ قَوْمٌ: ضَالًّا لَمْ تَكُنْ تَدْرِي الْقُرْآنَ وَالشَّرَائِعَ، فَهَدَاكَ اللَّهُ إِلَى الْقُرْآنِ، وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَغَيْرِهِمَا. وَهُوَ معنى قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ}، عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي سُورَةِ" الشُّورَى". وَقَالَ قَوْمٌ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا أَيْ فِي قَوْمٍ ضُلَّالٍ، فَهَدَاهُمُ اللَّهُ بِكَ. هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَالْفَرَّاءِ. وَعَنِ السُّدِّيِّ نَحْوُهُ، أَيْ وَوَجَدَ قَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ، فَهَدَاكَ إِلَى إِرْشَادِهِمْ. وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا عَنِ الْهِجْرَةِ، فَهَدَاكَ إِلَيْهَا. وَقِيلَ: ضَالًّا أَيْ نَاسِيًا شَأْنَ الِاسْتِثْنَاءِ حِينَ سُئِلْتَ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ- فَأَذْكَرَكَ، كما قال تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة: 282]. وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ طَالِبًا لِلْقِبْلَةِ فَهَدَاكَ إِلَيْهَا، بَيَانُهُ: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ... [البقرة: 144] الْآيَةَ. وَيَكُونُ الضَّلَالُ بِمَعْنَى الطَّلَبِ، لِأَنَّ الضَّالَّ طَالِبٌ. وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ مُتَحَيِّرًا عَنْ بَيَانِ مَا نَزَلَ عَلَيْكَ، فَهَدَاكَ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ الضَّلَالُ بِمَعْنَى التَّحَيُّرِ؛ لِأَنَّ الضَّالَّ مُتَحَيِّرٌ. وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ ضَائِعًا فِي قَوْمِكَ، فَهَدَاكَ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ الضَّلَالُ بِمَعْنَى الضَّيَاعِ. وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ مُحِبًّا لِلْهِدَايَةِ، فَهَدَاكَ إِلَيْهَا، وَيَكُونُ الضَّلَالُ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف: 95] أَيْ فِي مَحَبَّتِكَ. قَالَ الشَّاعِرُ: هَذَا الضَّلَالُ أَشَابَ مِنِّي الْمَفْرِقَا ... وَالْعَارِضَيْنِ وَلَمْ أَكُنْ مُتَحَقِّقَا عَجَبًا لِعَزَّةَ فِي اخْتِيَارِ قَطِيعَتِي ... بَعْدَ الضَّلَالِ فَحَبْلُهَا قَدْ أَخْلَقَا وَقِيلَ:" ضَالًّا" فِي شِعَابِ مَكَّةَ، فَهَدَاكَ وَرَدَّكَ إِلَى جَدِّكَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، فَرَآهُ أَبُو جَهْلٍ مُنْصَرِفًا عَنْ أَغْنَامِهِ، فَرَدَّهُ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، حِينَ رَدَّهُ إِلَى جَدِّهِ عَلَى يَدَيْ عَدُوِّهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ إِبْلِيسُ بِزِمَامِ النَّاقَةِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ، فَعَدَلَ بِهَا عَنِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَنَفَخَ إِبْلِيسَ نَفْخَةً وَقَعَ مِنْهَا إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، وَرَدَّهُ إِلَى الْقَافِلَةِ، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ حَلِيمَةَ لَمَّا قَضَتْ حَقَّ الرَّضَاعِ، جَاءَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَرُدَّهُ على عبد المطلب، فَسَمِعَتْ عِنْدَ بَابِ مَكَّةَ: هَنِيئًا لَكِ يَا بَطْحَاءَ مَكَّةَ، الْيَوْمَ يُرَدُّ إِلَيْكِ النُّورُ وَالدِّينُ وَالْبَهَاءُ وَالْجَمَالُ. قَالَتْ: فَوَضَعْتُهُ لِأُصْلِحَ ثِيَابِي، فَسَمِعْتُ هَدَّةً شَدِيدَةً، فَالْتَفَتُّ فَلَمْ أَرَهُ، فَقُلْتُ: مَعْشَرَ الناس، أين الصبي؟ فقال: لم نر شيئا، فصحت: وا محمداه! فَإِذَا شَيْخٌ فَانٍ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصَاهُ، فَقَالَ: اذْهَبِي إِلَى الصَّنَمِ الْأَعْظَمِ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْكِ فَعَلَ. ثُمَّ طَافَ الشَّيْخُ بِالصَّنَمِ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ وَقَالَ: يَا رَبِّ، لَمْ تَزَلْ مِنَّتُكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهَذِهِ السَّعْدِيَّةُ تَزْعُمُ أَنَّ ابْنَهَا قَدْ ضَلَّ، فَرُدَّهُ إِنْ شِئْتَ. فَانْكَبَّ (هُبَلُ) عَلَى وَجْهِهِ، وَتَسَاقَطَتِ الْأَصْنَامُ، وَقَالَتْ: إِلَيْكَ عنا أيها الشيخ، فهلا كنا عَلَى يَدَيْ مُحَمَّدٍ. فَأَلْقَى الشَّيْخَ عَصَاهُ، وَارْتَعَدَ وَقَالَ: إِنَّ لِابْنِكِ رَبًّا لَا يُضَيِّعُهُ، فَاطْلُبِيهِ عَلَى مَهَلٍ. فَانْحَشَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَطَلَبُوهُ فِي جَمِيعِ مَكَّةَ، فَلَمْ يَجِدُوهُ. فَطَافَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِالْكَعْبَةِ سَبْعًا، وَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّهُ، وَقَالَ: يَا رَبِ رُدَّ وَلَدِي مُحَمَّدًا ... ارْدُدْهُ رَبِّي وَاتَّخِذْ عِنْدِي يَدَا يَا رَبِّ إِنْ مُحَمَّدٌ لَمْ يُوجَدَا ... فَشَمْلُ قَوْمِي كُلِّهِمْ تَبَدَّدَا فَسَمِعُوا مُنَادِيًا يُنَادِي مِنَ السَّمَاءِ: مَعَاشِرَ النَّاسِ لَا تَضِجُّوا، فَإِنَّ لِمُحَمَّدٍ رَبًّا لَا يَخْذُلُهُ وَلَا يُضَيِّعُهُ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا بِوَادِي تِهَامَةَ، عِنْدَ شَجَرَةِ السَّمُرِ. فَسَارَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ هُوَ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ، يَلْعَبُ بِالْأَغْصَانِ وَبِالْوَرِقِ. وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، حِينَ انْصَرَفَ عَنْكَ جِبْرِيلُ وَأَنْتَ لَا تَعْرِفُ الطَّرِيقَ، فَهَدَاكَ إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ وَغَيْرُهُ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا: تُحِبُّ أَبَا طَالِبٍ، فَهَدَاكَ إِلَى مَحَبَّةِ رَبِّكَ. وَقَالَ بَسَّامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا بِنَفْسِكِ لَا تَدْرِي مَنْ أَنْتَ، فَعَرَّفَكَ بِنَفْسِكَ وَحَالِكَ. وَقَالَ الْجُنَيْدِيُّ: وَوَجَدَكَ مُتَحَيِّرًا فِي بَيَانِ الْكِتَابِ، فَعَلَّمَكَ الْبَيَانَ، بَيَانَهُ: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «1» [النحل: 44] ... الآية. لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ «2» [النحل: 64]. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إِذَا وَجَدَتِ الْعَرَبُ شَجَرَةً مُنْفَرِدَةً فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، لَا شَجَرَ مَعَهَا، سَمَّوْهَا ضَالَّةً، فَيُهْتَدَى بِهَا إِلَى الطَّرِيقِ، فقال الله تعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا أَيْ لَا أَحَدَ عَلَى دِينِكَ، وَأَنْتَ وَحِيدٌ لَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ، فَهَدَيْتُ بِكَ الْخَلْقَ إِلَيَّ. قُلْتُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا حِسَانٌ، ثُمَّ مِنْهَا مَا هُوَ مَعْنَوِيٌّ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حِسِّيٌّ. وَالْقَوْلُ الْأَخِيرُ أَعْجَبُ إِلَيَّ، لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ الْمَعْنَوِيَّةَ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ كَانَ عَلَى جُمْلَةِ مَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، لَا يُظْهِرُ لَهُمْ خِلَافًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، فَأَمَّا الشِّرْكُ فَلَا يُظَنُّ بِهِ، بَلْ كَانَ عَلَى مَرَاسِمِ الْقَوْمِ فِي الظَّاهِرِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ، أَيْ وَجَدَكَ كَافِرًا وَالْقَوْمُ كُفَّارٌ فَهَدَاكَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْقَوْلُ وَالرَّدُّ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ" الشُّورَى". وَقِيلَ: وَجَدَكَ مَغْمُورًا بِأَهْلِ الشِّرْكِ، فَمَيَّزَكَ عَنْهُمْ. يُقَالُ: ضَلَّ الماء في اللبن، ومنه أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ [السجدة: 10] أَيْ: لَحِقْنَا بِالتُّرَابِ عِنْدَ الدَّفْنِ، حَتَّى كَأَنَّا لَا نَتَمَيَّزُ مِنْ جُمْلَتِهِ. وَفِي قِرَاءَةِ الْحَسَنِ وَوَجَدَكَ ضَالٌّ فَهَدَى أَيْ وَجَدَكَ الضَّالُّ فَاهْتَدَى بِكَ، وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى التَّفْسِيرِ. وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ ضَالًّا لَا يَهْتَدِي إِلَيْكَ قَوْمُكَ، وَلَا يَعْرِفُونَ قَدْرَكَ، فَهَدَى الْمُسْلِمِينَ إِلَيْكَ، حَتَّى آمَنُوا بِكَ".اهـ وقال أثير الدين أبو حيَّان محمد بن يوسف بن حيَّان (ت 745 ه) في البحر المحيط (21/396/الرسالة العالمية): "لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الضَّلَالِ الَّذِي يُقَابِلُهُ الْهُدَى؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ ضَلَالُهُ وَهُوَ فِي صِغَرِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، ثُمَّ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: ضَلَالُهُ مِنْ حَلِيمَةِ مُرْضِعَتِهِ. وَقِيلَ: ضَلَّ فِي طَرِيقِ الشَّامِ حِينَ خَرَجَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ، وَلِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ أَقْوَالٌ فِيهَا بَعْضُ مَا لَا يَجُوزُ نِسْبَتَهُ إِلَى الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ أَنِّي أُفَكِّرُ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَأَقُولُ عَلَى الْفَوْرِ: وَوَجَدَكَ، أَيْ وَجَدَ رَهْطَكَ، ضَالًّا، فَهَدَاهُ بِكَ. ثُمَّ أَقُولُ: عَلَى حَذْفِ مضاف، نحو: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ". وقال أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في "التفسير البسيط" (24/109): "قال الحسن والضحاك وشهر بن حوشب: ووجدك ضالاً عن معالم النبوة وأحكام الشريعة غافلاً عنها فهداك إليها، دليله قوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ}، وقوله: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ}. وهذا مذهب أرباب الأصول وعلماء أصحابنا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان كافرًا قط. واختار أبو إسحاق أيضًا هذا القول فقال: معناه أنه لم يكن يدري ما القرآن ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن وشرائع الإسلام".اهـ وقال ابن جُزَيْ في "التسهيل لعلوم التنزيل" (2/491): "{وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى}، فيه ستة أقوال: أحدها: وجدك ضالاً عن معرفة الشريعة فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقيف [السؤال] في أمر الدين حتى جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: 52]، وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره، ومعناه: أنه لم يكون يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه الله، ولكنه ما كفر بالله ولا أشرك به لأنه كان معصومًا من ذلك قبل النبوة وبعدها. والثاني: وجدك في قوم ضلّال، فكأنك واحد منهم، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون، وهذا قريب من الأول. والثالث: وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف، لأن السورة نزلت قبل الهجرة. الرابع: وجدك خامل الذكر لا تعرف، فهدى الناس إليك وهداهم بك، وهذا بعيد عن المعنى المقصود. الخامس: أنه من الضلال عن الطريق، وذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم ضلّ في بعض شعب مكة، وهو صغير فردّه الله إلى جده، وقيل: بل ضلّ من مرضعته حليمة فرده الله إليها، وقيل: بل ضل في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب. السادس: أنه بمعنى الضلال من المحبة أي وجدك محبًا لله فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم، تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ أي محبتك ليوسف، وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير". وقال أبو زيد عبدالرحمن الثعالبي في "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" (5/602): "وقوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى اخْتَلَفَ الناسُ في تأويلِهِ، والضلالُ يَخْتَلِفُ، فمنه البعيدُ ومنه القريبُ فالبعيدُ ضلالُ الكفَّارِ، وهذا قَدْ عَصَمَ الله منه نبيّه فلم يعبد صلّى الله عليه وسلّم صَنَماً قط، ولا تَابعَ الكفارَ على شيءٍ مما هم عليه من الباطلِ، وإنما ضلالُه صلّى الله عليه وسلّم هو كَوْنُهُ واقفاً لا يَميزُ المَهْيَعَ، بل يُدْبِرُ وَيَنْظُر، وقال الترمذي وعبد العزيز بن يحيى: ضَالًّا معناه: خاملُ الذِّكْرِ لا يعرفُك الناسُ فهداهُم إليكَ ربُّك، والصوابُ أنه ضلالُ من توقّف لا يدري، كما قال عز وجل: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: 52]". وقال إسماعيل حقِّي (ت 1127 ه) في "روح البيان" (10/457): "وَوَجَدَكَ ضَالًّا معنى الضلال فقدان الشرائع والخلو عن الاحكام التي لا يهتدى إليها العقول بل طريقها السماع كما فى قوله تعالى ما كنت تدرى ما الكتاب". وقال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السّعدي في تفسيره (ص928): "{وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى} أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق". قال السفاريني في "لوامع الأنوار البهية" (2/305): "لَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، بَلْ وُلِدَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ يَكُنْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى دِينٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَلَا كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَطُّ، بَلْ وُلِدَ نَبِيُّنَا مُؤْمِنًا صَالِحًا عَلَى مَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَعَلِمَهُ مِنْ حَالِهِ. انْتَهَى". وقال القاضي عياض في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" (2/109): "وَأَمَّا عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَنِّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكيك فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ". وقال عبد الباقي بن عبد القادر البعلي الأزهري الدمشقيّ، تقيّ الدين، ابن فَقِيه فُصَّة (ت 1071هـ) في "العين والأثر في عقائد أهل الأثر" (ص47): "والأنبياء متفاوتون في الفضيلة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حقٌّ إلى الإنس والجن، وهو خاتم الأنبياء وأفضلهم، ولم يكن قبل البعثة على دين قومه، بل ولد مسلمًا مؤمنًا". قلت: وإليك قول الإمام أحمد –رحمه الله- في هذه المسألة الشائكة: قال الخلال في السنة (213) أَخْبَرَنِي عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ الْعُكْبَرِيُّ، قَالَ: ثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ؟ فَقَالَ: " هَذَا قَوْلُ سُوءٍ، يَنْبَغِي لِصَاحِبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَخَذُّرَ كَلَامَهُ، وَلَا يُجَالَسُ، قُلْتُ لَهُ: إِنَّ جَارَنَا النَّاقِدَ أَبُو الْعَبَّاسِ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ؟ فَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ، أَيُّ شَيْءٍ أَبْقَى إِذَا زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَبَشَّرَ بِهِ عِيسَى، فَقَالَ: اسْمُهُ أَحْمَدُ، قُلْتُ لَهُ: وَزَعَمَ أَنَّ خَدِيجَةَ كَانَتْ عَلَى ذَلِكَ حِينَ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: أَمَّا خَدِيجَةُ فَلَا أَقُولُ شَيْئًا، قَدْ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنَ النِّسَاءِ، ثُمَّ مَاذَا يُحَدِّثُ النَّاسُ مِنَ الْكَلَامِ، هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْكَلَامِ، مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ لَمْ يُفْلِحْ، سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَاسَتْعَظَمَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِكَلَامٍ لَمْ أَحْفَظْهُ، وَذَكَرَ أُمَّهُ حَيْثُ وَلَدَتْ رَأَتْ نُورًا، أَفَلَيْسَ هَذَا عِنْدَمَا وَلَدَتْ رَأَتْ هَذَا وَقَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ كَانَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا مِنَ الْأَوْثَانِ، أَوَ لَيْسَ كَانَ لَا يَأْكُلُ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، ثُمَّ قَالَ: احْذَرُوا أَصْحَابَ الْكَلَامِ، لَا يَئُولُ أَمْرُهُمْ إِلَى خَيْرٍ"([3]). قال الحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (8/109): "وقوله: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} يَعْنِي: التَّوْرَاةُ قَدْ بَشَّرَت بِي، وَأَنَا مصداقُ مَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ، وَأَنَا مُبَشّر بِمَنْ بَعْدِي، وَهُوَ الرَّسُولُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْعَرَبِيُّ الْمَكِّيُّ أَحْمَدُ. فَعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ أَقَامَ فِي مَلَإِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَشِّرًا بِمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَحْمَدُ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، الَّذِي لَا رِسَالَةَ بَعْدَهُ وَلَا نُبُوَّةَ"، ثم قال: " وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ} [الْأَعْرَافِ: 157] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 81] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ: لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيَتَّبِعَنَّهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَتَّبِعُنَّهُ وَيَنْصُرُنَّهُ".اهـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "النبوات" (2/1088): "فالأنبياء يُصدِّقُ متأخِّرُهم مُتقدّمهم، ويُبشِّر متقدّمُهم بمتأخِّرِهم؛ كما بَشَّرَ المسيح ومن قَبْلَهُ بمحمّدٍ، وكما صدّق محمّدٌ جميع النّبيّين قبلَهُ". قلت: فكيف يؤخذ الميثاق -قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته- على جميع الرسل والأنبياء بالإيمان به ونصرته، ثم يبَشَر به في التوراة والإنجيل، ثم يولد صلى الله عليه وسلم ويعيش كافرًا على دين قومه أربعين سنة، وكأن البعثة أتت إليه صلى الله عليه وسلم فجأة دون ترتيب مسبق في قدر الله عز وجل، وكأن الاصطفاء له صلى الله عليه وسلم تمَّ فجأة دون هذه الممهدات لبعثته في الرسالات السابقة؟! وأمّا دعواه أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقرّر هذا القول الباطل، فهذا ما فهمه من متشابه كلام شيخ الإسلام، وإلا فإن شيخ الإسلام له كلام محكم في بطلان هذا الفهم؛ حيث سئل شيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" (27/501): "مَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الدِّينِ فِي تَعَبُّدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ؟ وَكَيْفَ كَانَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ. فأجاب: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي شَرِيعَتِنَا. فَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُطِيعَ الرَّسُولَ فِيمَا أَمَرَنَا بِهِ وَنَقْتَدِيَ بِهِ بَعْدَ إرْسَالِهِ إلَيْنَا. وَأَمَّا مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِثْلَ تَحَنُّثِهِ بِغَارِ حِرَاءَ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ: فَهَذَا لَيْسَ سُنَّةً مَسْنُونَةً لِلْأُمَّةِ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ يَذْهَبُ إلَى غَارِ حِرَاءَ وَلَا يَتَحَرَّى مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَنَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَنْ نَقْصِدَ غِيرَانَ الْجِبَالِ وَلَا نَتَخَلَّى فِيهَا؛ بَلْ يُسَنُّ لَنَا الْعُكُوفُ بِالْمَسَاجِدِ سُنَّةً مَسْنُونَةً لَنَا. وَأَمَّا قَصْدُ التَّخَلِّي فِي كُهُوفِ الْجِبَالِ وَغِيرَانِهَا وَالسَّفَرِ إلَى الْجَبَلِ لِلْبَرَكَةِ: مِثْلَ جَبَلِ الطُّورِ وَجَبَلِ حِرَاءَ وَجَبَلِ يَثْرِبَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ: فَهَذَا لَيْسَ بِمَشْرُوعِ لَنَا؛ بَلْ قَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ}. وَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ يَحُجُّ وَيَتَصَدَّقُ وَيَحْمِلُ الْكُلَّ وَيَقْرِي الضَّيْفَ وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبَ الْحَقِّ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ؛ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا".اهـ قلت: وأما كلام شيخ الإسلام –رحمه الله- الذي اعتبره الكيَّال تأصيلاً لقوله، فلا حجة فيه أمام الحجج التي سردناها في هذا المبحث؛ حيث إن شيخ الإسلام يؤصل لمسألة عامة، تندرج مسألتنا تحتها من جهة العموم لا من جهة التعيين والتخصيص؛ حيث إن كلام شيخ الإسلام كان إجابة على السؤال التالي: "عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ: {لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، مَا دَعَا بِهَا مَكْرُوبٌ إلَّا فَرَّجَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ، مَا مَعْنَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ؟ وَلِمَ كَانَتْ كَاشِفَةً لِلْكَرْبِ؟ وَهَلْ لَهَا شُرُوطٌ بَاطِنَةٌ عِنْدَ النُّطْقِ بِلَفْظِهَا؟ وَكَيْفَ مُطَابَقَةُ اعْتِقَادِ الْقَلْبِ لِمَعْنَاهَا، حَتَّى يُوجِبَ كَشْفَ ضُرِّهِ؟ وَمَا مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ: {إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} مَعَ أَنَّ التَّوْحِيدَ. يُوجِبُ كَشْفَ الضُّرِّ؟ وَهَلْ يَكْفِيهِ اعْتِرَافُهُ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْبَةِ وَالْعَزْمِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؟ وَمَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنَّ كَشْفَ الضُّرِّ وَزَوَالَهُ يَكُونُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الرَّجَاءِ عَنْ الْخَلْقِ وَالتَّعَلُّقِ بِهِمْ؟ وَمَا الْحِيلَةُ فِي انْصِرَافِ الْقَلْبِ عَنْ الرَّجَاءِ لِلْمَخْلُوقِينَ وَالتَّعَلُّقِ بِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَعَلُّقِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَرَجَائِهِ وَانْصِرَافِهِ إلَيْهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمَا السَّبَبُ الْمُعِينُ عَلَى ذَلِكَ؟". فأجاب –رحمه الله- إجابة طويلة تخلّلها عدة مباحث مهمة، منها: مسألة عصمة الأنبياء قبل وبعد البعثة، حيث قال كما في مجموع الفتاوى (10/292): "وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ نِزَاعٌ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ؟ وَمُتَنَازِعُونَ فِي الْعِصْمَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا أَمْ هَلْ الْعِصْمَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهَا لَا فِي فِعْلِهَا؟ أَمْ لَا يَجِبُ الْقَوْلُ بِالْعِصْمَةِ إلَّا فِي التَّبْلِيغِ فَقَطْ؟ وَهَلْ تَجِبُ الْعِصْمَةُ مِنْ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَمْ لَا؟ وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْقَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْآثَارِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ السَّلَفِ إثْبَاتُ الْعِصْمَةِ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ مُطْلَقًا وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا، وَحُجَجُ الْقَائِلِينَ بِالْعِصْمَةِ إذَا حُرِّرَتْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ". قلت: فهذا تأصيل عامٌّ من شيخ الإسلام في بيان جواز وقوع الذنوب مُطْلَقًا من الرسل قبل البعثة، لكن مع عدم جواز إقْرَارهم عَلَيْهَا وبقائهم عليها دون توبة. وأما ما ذكره الكيَّال في الفائدة الثالثة من الدليل المختار (ص22): "بيان وجه الدلالة التي استدل بها ابن تيمية على أن الله بعث بعض الأنبياء كانوا قبل البعثة كفَّارًا". فإن هذا التخصيص لم يصرّح به شيخ الإسلام، فلم يقل شيخ الإسلام في حقِّ رسول من الرسل تعيينًا أنه كان كافرًا قبل الرسالة، بل ذكر تأصيلاً عامًّا في إمكانية حدوث هذا شرعًا وعقلاً، حيث قال كما في مجموع الفتاوى (10/309): "وَبِهَذَا يَظْهَرُ جَوَابُ شُبْهَةِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَا يَبْعَثُ نَبِيًّا إلَّا مَنْ كَانَ مَعْصُومًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَبْعَثُ نَبِيًّا إلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَوَهَّمُوا أَنَّ الذُّنُوبَ تَكُونُ نَقْصًا وَإِنْ تَابَ التَّائِبُ مِنْهَا وَهَذَا مَنْشَأُ غَلَطِهِمْ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ صَاحِبَ الذُّنُوبِ مَعَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ يَكُونُ نَاقِصًا فَهُوَ غالط غَلَطًا عَظِيمًا فَإِنَّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ الَّذِي يَلْحَقُ أَهْلَ الذُّنُوبِ لَا يَلْحَقُ التَّائِبَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا؛ لَكِنْ إنْ قَدَّمَ التَّوْبَةَ لَمْ يَلْحَقْهُ شَيْءٌ وَإِنْ أَخَّرَ التَّوْبَةَ فَقَدْ يَلْحَقُهُ مَا بَيْنَ الذُّنُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ مَا يُنَاسِبُ حَالَهُ. وَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ كَانُوا لَا يُؤَخِّرُونَ التَّوْبَةَ؛ بَلْ يُسَارِعُونَ إلَيْهَا وَيُسَابِقُونَ إلَيْهَا؛ لَا يُؤَخِّرُونَ وَلَا يُصِرُّونَ عَلَى الذَّنْبِ بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ أَخَّرَ ذَلِكَ زَمَنًا قَلِيلًا كَفَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ بِمَا يَبْتَلِيهِ بِهِ كَمَا فَعَلَ بِذِي النُّونِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ إلْقَاءَهُ كَانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ". قلت: فهذا منشأ الشبهة عند الكيَّال وغيره في كلام شيخ الإسلام، وهي قوله: "وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَبْعَثُ نَبِيًّا إلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ"، ولكنه عقَّب بما يبين مقصده، وهي أنه أراد أن وقوع الذنوب من الرسل –ولو كان كفرًا- قبل النبوة، لا تعد نقصًا فيهم إذا تابوا منها، ثم استطرد قائلاً: "وَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ كَانُوا لَا يُؤَخِّرُونَ التَّوْبَةَ؛ بَلْ يُسَارِعُونَ إلَيْهَا وَيُسَابِقُونَ إلَيْهَا؛ لَا يُؤَخِّرُونَ وَلَا يُصِرُّونَ عَلَى الذَّنْبِ بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ"، فكيف يقال عن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم –على وجه الخصوص- إنه كان على دين قومه من المشركين أربعين سنة قبل البعثة، رغم تعبده في غار حراء، وامتناعه عن الأكل من ذبائح المشركين، وإخراج علقة الشيطان منه وهو غلام قبل سنّ التكليف ... إلخ الحجج المسرودة في هذا المبحث؟! وكيف يتركه ربُّه مصرًّا على متابعة قومه في الشرك دون أن يتوب إلى أن نزل الوحي عليه؟ وعلى هذا التأصيل أسأل الكيَّال ومن تابعه سؤالاً: هاتوا لنا نصًّا في توبة النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك قبل البعثة؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: "وَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ كَانُوا لَا يُؤَخِّرُونَ التَّوْبَةَ؛ بَلْ يُسَارِعُونَ إلَيْهَا وَيُسَابِقُونَ إلَيْهَا؛ لَا يُؤَخِّرُونَ وَلَا يُصِرُّونَ عَلَى الذَّنْبِ بَلْ هُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ"، فمتى كانت توبته صلى الله عليه وسلم من الشرك؟! فكيف وقد صرّح شيخ الإسلام بخلاف ذلك فيما نقلته آنفًا؛ حيث قال باللفظ العربي الفصيح: "وَلَمْ يَكُنْ –أي الرسول صلى الله عليه وسلم- عَلَى دِينِ قَوْمِهِ الْمُشْرِكِينَ". ولذلك أن أرجو من الأخ عيد الكيَّال أن يعيد النظر فيما ادَّعاه في حقِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يتوب إلى الله عز وجل من هذا القول الباطل قبل أن يلقى الله عز وجل. والله المستعان وعليه التكلان. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ليلة 11 شوال 1439 ه ([1]) وصحَّح الحديث بروايتيه: العلامة الألباني في موارد الظمآن (6/434)، والصحيحة (1546، 1925). وانظر الضعيفة (5/103-104). ([2]) حديث صحيح، وحدث في طرقه نوع اضطراب، كما في العلل للدارقطني (14/74)، لكن أمكن الترجيح بينها، وسلم إحدى طرقه وصحَّ الحديث، وقد صحَّحه العلامة الألباني في الصحيحة (1856). وصححه كذلك الشيخ مقبل بن هادي في "الصحيح المسند لما ليس في الصحيحين" (2/1146)، وأعلَّ في "أحاديث معلَّة ظاهرها الصحة" (462) حديث الوَلِيد بن مُسْلِمٍ عَن الأَوْزَاعِيِّ عَن يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ عَن أَبِي سَلَمَةَ عَن أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ: "قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قالَ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ". وقد قال فيه الإِمام أحمد: هذا حديث منكر. وقال: هذا من خطأ الأوزاعي. وهو كثيرًا ما يخطئ في يحيى بن أبي كثير"، كما في "شرح علل الترمذي" لابن رجب (346)، "علل المرُّوذي" (268)، "المنتخب من العلل للخلال" (93). وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (2/147): "هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَأَمَّا مَا يَرْوِيه هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ: كَابْنِ عَرَبِيٍّ فِي الْفُصُوصِ وَغَيْرِهِ مِنْ جُهَّالِ الْعَامَّةِ {كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ كُنْت نَبِيًّا وَآدَمُ لَا مَاءَ وَلَا طِينَ}، فَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الصَّادِقِينَ وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الْمُعْتَمَدَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ قَطُّ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ وَخَلَطَ التُّرَابَ بِالْمَاءِ حَتَّى صَارَ طِينًا؛ وَأَيْبَسَ الطِّينَ حَتَّى صَارَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَالٌ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ مُرَكَّبٌ مِنْ الْمَاءِ وَالطِّينِ وَلَوْ قِيلَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ لَكَانَ أَبْعَدَ عَنْ الْمُحَالِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا وَإِنَّمَا قَالَ {بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ} وَقَالَ {وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ} لِأَنَّ جَسَدَ آدَمَ بَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} الْآيَةَ: وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ} الْآيَتَيْنِ. وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} الْآيَتَيْنِ وَقَالَ تَعَالَى: {إذْ قَالَ رَبُّك لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} الْآيَةَ. وَالْأَحَادِيثُ فِي خَلْقِ آدَمَ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِمَا". ([3]) وانظر "الجامع لعلوم الإمام أحمد" (4/102). قلت: عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ الْعُكْبَرِيُّ، ترجم له الخطيب في "تاريخ مدينة الإسلام" (14/228)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً.
  15. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد؛ فهذه خطبة 25 شعبان 1439 ألقاها فضيلة الشيخ أبي عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري -حفظه الله- بعنوان : "إصلاح الاعتقاد قبل استقبال رمضان" http://cutt.us/qiPn9
×