أم حور

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    221
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

نظرة عامة على : أم حور

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

آخر زوار ملفى الشخصى

عدد زيارت الملف الشخصى : 265
  1. [متجدد] سلسلة ضبط الألفاظ \ الشيخ مصطفى مبرم حفظه الله

    (21) أبو نعيم (الأصبهاني) أو (الأصفهاني)؟ قال شيخنا مصطفى مبرم حفظه الله: أبو نعيم الأصبهاني أو الأصفهاني؟ هذا ممَّا يقُوله بعض الباحثين العصريِّين، يقولون: "يصحُّ بهذا وهذا" وهذا غلط، لماذا؟ الأصبهاني من فارس وهم لا ينطقون لا الباء المحقَّقة ولا الفاء المُحقَّقة، وإنَّما ينطقونها بحرفٍ يُشبه ما عند اللُّغة الإنجليزية: v (الأصڤهاني) ولِهذا يضعون عليه عند المتأخِّرين ثلاث نقاط. ومثله: "الفَسَوي" و"البَسَوِي" صاحب كتاب "المعرفة والتَّاريخ". شرح نزهة النَّظر لي عودة بإذن الله لإضافة باقي السلسلة بالترتيب، كما أنَّه يمكنكم الوقوف عليها على حساب (فوائد ش/مصطفى مبرم) الرسمي على تليجرام: http://Telegram.me/fawaidmbrm
  2. ما الراجح في حكم التَّسمِّي بـ: "عبد المُطَّلب"؟! قال ابن حزم: (اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ الله؛ كَعَبْدِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الْكَعْبَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ حَاشَا عَبْدِ المُطَّلِب) قال شيخنا مصطفى مبرم حفظه الله: (حَاشَا عَبْد المُطَّلِب) ما الَّذي يُفهم من كلام أبي مُحمَّد بن حزم على هذا الأمر؟! هل يُفهم منه الجواز أو يُفهم منه حكاية الخلاف؟! يحتمل هذا ويَحتمل هذا؛ لكن الَّذي يترجَّح من خلال السِّياق أنَّه أراد الخلاف ولَم يُرد الجواز، لأنَّ الأصل في المستثنى أن يكون من المستثنى منه: (اِتَّفَقُوا..)، (حَاشَا) لا أنَّ ابن حزم -رحمه الله- يُريد أن يستثني جواز التَّسمية بعبد المطَّلب. ومِن ثمَّة اِختلف العُلماء -رحمهم الله تعالى- في هذه الجُزئيَّة لشُهرتها ولأنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام قال: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) متى قال هذه؟! يوم حُنين. والَّذي أجاب به الحافظ ابن رجب وغيره كابن القيِّم شيخه قبله -طبعًا ابن رجب من تلاميذ ابن القيِّم أدرك من حياته سنة فقط، ابن رجب أصغرهم-؛ هما وغيرهما من أهل العلم قالوا: ▫️ إنَّ الجواب على قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: (أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) إنَّما هو من باب الإخبار وليس من باب الإقرار لأنَّ هذا شيء معلوم هذا جهة. ▫️وجهة ثانية قالوا: إنَّنا نظرنا في الحقيقة فإذا عبد المطَّلب ليس اسمًا لشيبة -اسمه شيبة-، لكنَّه كان فيه اسمرارا شديدا فلمَّا رأَوْا مَقدمَهُ من الشَّام -وكان مع عمِّه المطَّلب-، لمَّا رأَوْه على هذه الحال قالوا: (عبد المطَّلب) فظنُّوا أنَّه عبدٌ من باب عُبوديَّة الرِّق الَّتي كانت عند العرب. فقالوا هذا النَّبيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام إنَّما قاله لأنَّ العلم حاصلٌ بأنَّ هذا ليس اسمًا لجدِّه -لأنَّ عبد المطلب هو جدُّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام، هو مُحمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب-، فقالوا هذا نُخرِّجه على هذه الحيثية ويكون النَّوع باقيًّا. جاء علماء آخرون فقالوا: نحن سننظر في سير الصَّحابة هل سُمِّيَ أحد بعبد المطَّلب؟ -وهنا سيقع الإشكال-، فقالوا: وجدنا في صحيح مُسلم صحابيا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه: "عبد المطلب بن ربيعة" إلَّا أنَّ -وهذا الَّذي نحا إليه أبو عمر ابن عبد البر النّمري المالكي –رحمه الله- الحافظ -حافظ المغرب في زمانه- وقال بأنَّ هذا من الأسماء الَّتي وقعت في زمن النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام ولم يُغيِّرها؛ وتعقَّبه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بأنَّ الزُّبير بن بكار وغيره من الَّذين كانوا من أعلم النَّاس بأنساب قُريش قالوا بأنَّه ليس اسمًا له، وإنَّما هذا اسمه المطَّلب بن ربيعة وتغيَّر على بعض الرُّواة. والكلام في هذا يطول، ولكنَّ الَّذي هو أشكل من هذا والَّذي لم يذكره ابن حزم ولم يذكره كثير من الشُّراح وهو أنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام لمَّا نادى في بطون قريش في الصَّحيحين ماذا قال؟! ((يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ)) ونحمله على ما حملنا عليه هذا -أنَّه من باب الخبر والَّذي لا يمكن أن يتغيَّر، ولو غُيِّر لم يُفهم-. ولهذا كان المرجَّح ما جزم به ابن القيِّم وجماعة من العلماء واختاره الشيخ ابن عثيمين في شرحه على أنَّه يحرم التَّسمِّي حتَّى بهذا الاسم الَّذي هو عبد المطلب. شرح كتاب التَّوحيد، بتصرف يسير نقلا عن قناة (فوائد ش/مصطفى مبرم) الرسمية على تليجرام: Telegram.me/fawaidmbrm
  3. أدب رفيع \ الشيخ مصطفى مبرم

    أدبٌ رفيعٌ قال شيخنا مصطفى مبرم حفظه الله: سأضرب لكم قصَّة من أعجب ما يكون حصلتْ بين الخيِّرَين -خير الأُمَّة-:"أبو بكر وعمر" رضي الله عنهما، والحديث في صحيح البخاري في حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه -يحكيها أبو بكر رضي الله عنه-، قال: (إنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابنِ الخَطَّابِ شيءٌ)[1] هل ذَكَره؟! لم يذكرْه رضيَ الله عنه وأرضاه. انظر إلى الفرق بيننا وبينهم، اليوم تأتي إلى عند الشَّخص تريد أن تحكّمه، بعض الأحيان يجيني شخص يقول لِي: "أنا اِختلفتُ أنا وهذا"، أقول لهم: "اطووا صفحة الماضي، اِقصدوا الصُّلح، لَا تذكر ما قاله فيك"، لأنَّه سيزيد، إذا ذكر كلُّ واحدٍ من المتخاصمين ما عنده على الآخر كذَّبه الآخر ولو بالكِبر، وخصوصًا إذا أدخلا بينهما حكمًا. فانظر إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه. شرح تائية الألبيري رحمه الله [بتصرُّف] _______ [1] رواه البخاري. تفريغ قناة (فوائد ش/مصطفى مبرم) الرسمية، لمتابعتها على تليجرام: http://Telegram.me/fawaidmbrm
  4. إذا لَم تَجد المرأةُ طبيبَةً مُتمكِّنةً، فهل لها أن تذهب إلى طبيبٍ رجلٍ كُفء؟ قال شيخنا مُصطفى مبرم حفظه الله تعالى: هذا داخل في مسألةِ البحث عن المبالغات في هذه الأمور، لأنَّ بعض النَّاس ربَّما يربط نفسه بمهارةِ الطَّبيب إلى أقصى حدٍّ؛ وهذا فيه نوعٌ من الغلط، الأمور كلُّها بيد الله -سبحانه وتعالى-. فإذا غلب على ظنِّها أنَّ هذه الطّبيبة تُحسن العِلاج، مع دُعاء الله سبحانه وتعالى؛ فينبغي لَها أن لا تتوسَّع في هذا الأمر. أمَّا إذا كانت يغلب على ظنِّها أنَّ ذهابها إلى هذه الطَّبيبة سيضرُّها فإنَّها تذهب إلى الطبيبِ الكفء المُجيد لعمله، المُحسن له، -والله أعلم-. وقال حفظه الله -عند كلامه عن قاعدة "الضَّرورة تُقدَّر بقدرها"-: إذا كان الإنسان مُضطرًّا إلى كشفِ شيءٍ من عورته لأجل التَّطبُّب فإنَّه يكشفُ القدر المحتاج. فمثلا: إذا كانت المرأة تُعاني من ألَمٍ في إصبعها أو جرح في إصبعها ليس لها أن تكشف جميع كفِّها فضلًا عن أن تكشف يدها أو ذراعها -أو ما شابه ذلك-. ولهذا يقول الحافظ ابن القيِّم -عليه رحمة الله-: (كلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ فَتَعَدَّاهُ إلَى أكْثَر مِنْهُ فَهُوَ مِنَ الْعُدْوَانِ؛ فَمَنْ أُبِيحَ لَهُ إِسَاغَةُ الغُصَّةِ بِجُرْعَةٍ مِنْ خَمْرٍ فَتَنَاوَلَ الْكَأْسَ كُلَّهَا أَوْ أُبِيحَ لَهُ نَظْرَة الْخِطْبَةِ وَالسُّومِ وَالشَّهَادَةِ والْمُعَاوَلَةِ والْمُعَامَلَةِ وَالْمُدَاوَاةِ فَأَطْلَقَ عنَانَ طَرْفِهِ فِي مَيَادِينِ مَحَاسِنِ الْمَنْظُور، وَأَسَامَ طَرْفَ نَاظِرِه فِي تِلْكَ الرِّيَاض وَالزُّهُورِ فَتَعَدَّى الْمُبَاحَ إِلَى الْقَدْرِ الْمَحْظُور وَحَام حَوْلَ الْحِمَى الْمَحُوطِ الْمَحْجُور)[1] شرح القواعد الفقهية ____ [1] مدارج السَّالكين. تفريغ إدارة حساب (فوائد ش/مصطفى مبرم) http://Telegram.me/fawaidmbrm
  5. بسم الله الرحمن الرحيم مَنظومات شيخنا مُصطفى مَبرم حفظه الله في كُتيِّب إلكتروني ليسهل على الطلاب الاحتفاظ به رابط التَّحميل: https://goo.gl/ip7dgx المصدر إدارة حساب: Telegram.me/Fawaidmbrm
  6. بسم الله الرحمن الرحيم سلسلة: خصائص ومميِّزات السَّلفية لشيخنا: مصطفى مبرم حفظه الله رابط تحميل الملف: https://goo.gl/d1YaE4 المصدر إدارة حساب: فوائد ش/مصطفى مبرم www.telegram.me/fawaidmbrm
  7. بسم الله الرَّحمن الرَّحيم أَربعُونَ حدِيثًا منْ كَلِمَتَين (تَسهِلًا للحِفظ) لشيْخِنَا: مُصطَفَى مَبرَم حفِظَهُ الله تعَالى [كُتيِّب إلكتروني] رابط التَّحمِيل: https://goo.gl/3BYFPp الموضوع الأصلي: http://www.imam-malik.net/vb/showthread.php?t=6972
  8. بسم الله الرَّحمن الرَّحيم [/img] سِلسلة: مِن مزَالق الطَّلب - للشَّيخ مصطفَى مبرَم حفظَهُ الله. تمّ جمعها فِي ملَف (على شكل كُتيِّب إلكتروني) ليسهل على الطُّلاب الاحتفَاظ بهَا . . . رابِط التّّحميل : https://goo.gl/moIKxn
  9. بسم الله الرَّحمن الرَّحيم مسَائل متعلِّقة بيوم الجُمُعة (متجدد إن شاء الله) *** ( 1 ) ما حُكم غسل الجمعة؟! سمعتُ شيخنا مصطفى مبرم حفظه الله يقول: لشدَّة الاختلاف في الاغتسال يوم الجمعة سنتكلَّم عليه بشيءٍ من الاختصار؛ فقد اختلف فيه أهل العلم على قولين رئيسيين، أو على على ثلاثة أقوال إن اعتبرنا تفصيل ابن القيِّم وشيخه شيخ الإسلام -رحمه الله-، وبعض أهل العلم. القول الأوَّل وهو مذهب جماهير أهل العلم فهو مذهب الحنفية وجماهير المالكية وهو أيضًا مذهب الشَّافعية وجماهير الحنابلة على أنَّ الاغتسال يوم الجمعة سُنَّة مؤكَّدة وليس واجبًا؛ وقد قطع القاضي عبد الوهاب في "الإشراف على نكت مسائل الخلاف" بأنَّ مذهب المالكية في الاغتسال يوم الجمعة سُنَّة مُؤكَّدة، هكذا قال: (غُسل الجمعة سُنَّة مؤكَّدة خلافًا لمن ذهب إلى وجوبه) أراد يعني من المالكية، لأنَّ طائفة من المالكية ذهبوا إلى وجوب الاغتسال يوم الجمعة، ولكن جمهورهم على أنَّه سُنَّة من السُّنن؛ فعرفنا أنَّ الجماهير من أهل العلم على أنَّ الاغتسال يوم الجمعة سُنَّة مُؤكَّدة. والإجماع مُنعقد على المشروعية، أنَّه مشروع وأنَّه مُرغَّبٌ فيه هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ وإنَّما اختلفوا في الوجوب هل يُقال بأنَّه واجب. وحُجَّة الجمهور على أنَّه سُنَّة: ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (من توضَّأ فأَحْسَنَ الوضُوءَ ثمَّ أتَى الجُمُعَةَ فاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفر لهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعةِ، وزيادةُ ثلاثةِ أيَّامٍ، ومَنْ مَسَّ الحصَى فَقَدْ لَغَا) ووجه الدَّلالة من الحديث أنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام لم يذكر غسلًا وإنَّما ذكر الوضوء. ومن أصرح أدلَّتهم ما جاء في سُنن أبي داود والتِّرمذي وغيرهما من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (مَن تَوضَّأَ يومَ الجُمُعةِ فَبِهَا ونِعمَتْ، ومَنِ اغتَسَلَ فالغُسْلُ أَفْضَلُ) : _ فإنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام أثنى في هذا الحديث على من توضأ وقال: (فَبِهَا وَنعْمَت) وهذا ثناء، لأنَّ "نعمت" يُثنى بها على الفاعل. _ والوجه الثَّاني: أنَّه جعل الاغتسال من باب الأفضلية، وهذا الحديث قد صحَّحه جماعة من أهل العلم وحسَّنه آخرون، حسَّنه الحافظ النَّووي -رحمه الله- وصحَّحه العلامة الألباني في صحيح أبي داود وصحيح التِّرمذي وفي غيرها من كتبه، وهذا القول هو القول المرجَّح عند طائفة من أهل العلم. والقول الثَّاني: أنَّ الاغتسال واجب، وهذا قول الظَّاهرية وقول طائفة من المالكية وطائفة من الحنابلة -رحمهم الله- واستدلُّوا بحديث ابن عمر في الصَّحيحين (إِذَا جَاءَ أَحَدكُم الجُمُعَةَ فلْيَغْتَسِلْ) فقالوا اللَّام الداخلة على الفعل تدلُّ على الوجوب: أربع ألفاظٍ بها الأمر دري = افعل لتفعل اسم فعل مصدر واستدلُّوا أيضًا بالتَّصريح بلفظ الوجوب -وهو حديث أبي سعيد مرفوعًا-: (غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم) لكن ينبغي أن يُعلم أنَّ الجماهير حملوا الوجوب على التَّأكيد وأنَّهم لم يحملوه على المعنى الاصطلاحي، لأنَّ المعنى الاصطلاحي عند الأُصوليين لم يكن معروفًا كما هو معلوم، ولهم أدلَّة أخرى كثيرة. والقول الثَّالث -إذا اعتبرناه قولًا ثالثًا- الَّذي اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيِّم، واختاره شيخنا العلَّامة الفوزان -حفظه الله- واختاره طائفة من أهل العلم: على التَّفصيل من أنَّ الأصل في الإغتسال يوم الجمعة أنَّه من السُّنن لكن إذا دعا السَّبب إلى الاغتسال له بأن يُتأذَّى بالإنسان الَّذي يكون في المهن والأعمال الَّتي تُؤثِّر عليه وتجلب الرَّوائح إلى بدنه وإلى ثيابه فإنَّهم يوجبون ذلك عليه لأنَّه يُؤذي النَّاس بهذا، وهؤلاء استدلُّوا بالأدلَّة المتقدِّمة مع ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصَّحيحين أنَّها قالت: (كانَ النَّاسُ مهنَة أَنْفُسِهِمْ ، وكانُوا إذَا رَاحُوا إلى الجُمُعَةِ راحُوا في هَيْئَتِهِمْ، فَقِيلَ لهُمْ: لَوْ اغْتَسَلْتُم) وهذا في الصَّحيحين كما تقدَّم، وفي لفظٍ قالت: (كان النَّاسُ ينتابُون الجُمُعَةَ مِنْ مَنَازلِهِم مِنَ العَوَالي، فَيأْتُون في العَباءِ، ويُصِيبُهم الغُبَارُ، فَتَخرُجُ منْهُم الرِّيحُ؛ فأَتَى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ إِنْسانٌ مِنْهُم وَهُوَ عِنْدِي، فَقَال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:لَوْ أنَّكُم تَطَهَّرتُم لِيَومِكُم هَذَا). ابن حزم له مماحلة في هذا الحديث وقال بأنَّ "لولا" تدلُّ على التَّخيير وهي كما في قوله تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ولكن نردُّ عليه بالحديث نفسه لأنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام لم يرُدَّهم ولم يقل لهم لا تحضروا الجمعة إلى غير ذلك من الدَّلائل الَّتي دلَّت على عدم وجوب الاغتسال في يوم الجمعة. ومنها أيضًا حديث ابن عباس عند أبي داود رضي الله عنهما قال: (غسل الجمعة ليس بواجب ولكنَّه أطهر وخير لمن اغتسل، وسأُخبركم كيف كان بدء الغسل) فذكر قريبًا من حديث أو لفظ عائشة رضيَ الله عنها في قول النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام: (لَوْ أنَّكُم تَطَهَّرتُم لِيَومِكُم هَذَا) ولكن نقول بأنَّ من كان عليه وسخ أو غبرة أو ريح فإنَّ الأمر يكون أشدّ تأكُّدًا في حقِّه أن يغتسل أمَّا الوجوب ففي النَّفس منه شيء. الدَّرس 27 / شرح منهج السَّالكين تفريغ إدارة حساب: فوائد ش/مصطفى مبرم www.telegram.me/fawaidmbrm
  10. بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام خاتم الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد: فهذه مسائل مُتعلِّقة بالمسح على الخُفَّين مقتبسة دروس شيخنا مصطفى مبرم حفظه الله تمَّ جمعها في ملفٍّ إلكتروني ليسهل على الطُّلاب تنزيلها وحفظها. وجزى الله شيخنا خيرًا، وجعلها في ميزان حسناته، وكل من قرأها وساهم بنشرها . . . من المسائل الَّتي جُمعت في الملف: مُقَدِّمَةٌ .................................................. ............. 5 لِمَاذَا يَذْكُرُ العُلَمَاءُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي كُتُبِ الْعَقِيدَةِ؟................. 7 مَا حُكْمُ المسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ؟ .......................................... 9 هَلْ ثَبَتَ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى المَسْحَ عَلَى الخُفَّيْنِ؟ ........... 10 أَيُّهُمَا أَفْضَل: الْمَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ أوْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؟.................... 13 هَلْ لِلْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ كَيْفِيّةٌ مَعْلُومَةٌ؟.......................... ...... 15 مَا حكم المسح أَسفَلَ الخف؟ ......................................... 16 كَمْ عَدَدُ مَرَّاتِ الْمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ؟ .................................. 19 هل يشترط أنْ يَلْبَسَهُمَا عَلَى طَهَارةٍ؟ .................................. 21 هَلْ يجوزُ لَبْسُ الخف الأيْمَنِ قَبْلَ اتْمَامِ غَسْلِ الرِّجْلِ الْيُسْرَى؟ ............ 23 هَلْ يجُوز المسْحُ عَلَى الخفَّين فِي الْحَدَثِ الأَكْبَرِ أَيْضًا؟ ................... 25 مَا هِيَ مُدَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ للْمُسَافِرِ والْمُقِيمِ؟ وكيف يَتِمُّ حِسَابُهَا؟... 26 هَلْ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ؟ .....................29 هل يشترط أَنْ يَكُونَ الخُف مِنْ جِلْدٍ؟ ..................................30 هَلْ يجوزُ المَسْحُ عَلَى الجَوَارِبِ؟ ........................................33 هَلْ يجوزُ المَسْحُ عَلَى الجَوَارِبِ الشَّفَّافَة؟........................ .........34 هَلْ يجوزُ المَسْحُ عَلَى النَّعلَيْنِ؟ .......................................... 35 هَلْ يجوزُ المسْحُ عَلَى الْخِفَافِ الْمُخَرَّقَة؟ ..................................36 مَا حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الجُرْمُوقِ؟ ....................................... 38 وهذا رابط التَّحميل: http:// https://goo.gl/KXsCTJ المصدر إدارة حساب: فوائد ش/مصطفى مبرم www.telegram.me/fawaidmbrm
  11. بسمِ الله الرَّحمن الرَّحيم ملخَّص شروط الخُطبة في المذهب الحنبلي سمعتُ شيخنا مصطفى مبرم حفظه الله يقول: سنُلخِّص ما يتعلَّق بشُروط الخطبة في المذهب عند الحنابلة ربَّما للحاجة إليه، وتعرفون أنَّ هذه المسألة من المسائل الَّتي فيها خلاف كثير بين أهل العلم. 1 _ اشترط الحنابلة لذلك: أن يحمد الله ويُثني عليه؛ أن يبدأها بالحمد والثَّناء على الله -سبحانه وتعالى-، واستدلُّوا على ذلك بفعل النَّبي صلى الله عليه وسلَّم وبقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: ((كُلُّ أمْرٍ ذِي بَالٍ لاَ يُبْدأُ فِيهِ بِالحَمْدُ لله فَهُوَ أقْطَعُ)) ولكن الحديث كما هو معلوم فيه ضعف؛ وجاء في حديث جابر ابتداؤه عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: (إنَّ الحمد لله)، وكذلك جاء عن جابر رضي الله عنه أنَّه قال: (كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يوْمَ الجُمُعة: يحْمَدُ الله ويُثني عَلَيْهِ، ثمَّ يَقُولُ علَى إثْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلا صَوْتُهُ) كما تقدَّم معنا هذا الحديث. ومن أهل العلم من قال: (يكفي التَّشهد) -من الحنابلة-، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وقال: (يكفي أن يشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله) واستدلُّوا بما جاء عند أبي داود: ((كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ)). 2 _ ومن شروط الخُطبة عند الحنابلة: الصَّلاة على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فالمذهب عندهم وهو اختيار شيخ الإسلام بأنَّه يجب -ولكن التَّشهد وليس الصَّلاة عند شيخ الإسلام كما مرَّ قبل قليل-؛ فيُصلِّي على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم في خطبته. 3 _ الشَّرط الثَّالث عندهم: هو قراءة آية، يقصدون أيَّ آية، لِما جاء في حديث جابر رضي الله عنه أنَّه كان يقرأ القرآن ويذكر الله، والحديث عند الإمام مسلم. 4 _ الشَّرط الرَّابع عندهم: الوصيَّة بتقوى الله، بأن يُوصي النَّاس بتقوى الله -سبحانه وتعالى- كما جاء ذلك في جُملة من الأحاديث عنه عليه الصَّلاة والسَّلام ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَة))، وقد جاء في حديث الزُّبَير بن العوَّام عند أحمد: ((كَانَ رَسُولُ الله صلَّى الله عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَخْطُبُنَا فَيُذَكِّرُنَا بِأَيَّامِ الله حَتَّى نَعْرِفَ ذَلِكَ في وَجْهِهِ)) والمقصود من هذا كلِّه: أ _ هو أن لا يُخلِيَ الخطيب خطبته من موعظة النَّاس وتذكيرهم بأيَّام الله. ب _ وأن لا يجعل خطبته خُلوًا من ذكر الله -سبحانه وتعالى- كما يفعله بعض الخُطباء -أصلحهم الله- فرُبَّما محَّض الخُطبة بالسِّياسة وهذا غلط لا ينبغي على المسلم أن يفعله. الدَّرس 27 / شرح منهج السَّالكين تفريغ إدارة حساب: فوائد ش/مصطفى مبرم لمتابعة قناة (فوائد ش/مصطفى مبرم) الرسمية على تليجرام: http://Telegram.me/fawaidmbrm الشَّرط الأوَّل [/IMG] الشَّرط الثَّاني الشَّرط الثَّالث [/IMG] الشَّرط الرَّابع [/IMG]
  12. [متجدد] مسائل في المسح على الخفين \ الشيخ مصطفى مبرم حفظه الله

    ( 10 ) أيهما أفضل: المسح على الخُفَّين أو غسل الرجلين؟ سمعتُ شيخنا مُصطفى مبرم حفظه الله يقول: ما هو الأفضل: هل هو الأفضل غسل الرِّجلين أو الأفضل المسح؟ وهذه المسألة كما هو معلوم فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: ١ _ منهم من يرى الغسل أفضل مُطلقًا. ٢ _ ومنهم من يرى المسح أفضل مُطلقًا. ٣ _ ومنهم من يقول بأنَّه لا يتكلَّف حالةً على خلاف حالته، فإن كان لابسًا للخُفين وقد لبسهما على طهارة وتوفَّرت فيهما الشُّروط فإنَّه يمسح عليهما، كما هو اختيار الشَّيخ تقي الدِّين ابن تيمية وابن القيِّم وغيره من أهل العلم، فهو على حسب حاله، ولذلك قال المصنِّف [الشَّيخ السَّعدي] -رحمه الله-: (فإن كان عليه خُفَّان) وهذا هو ترجيح الشَّيخ ابن السَّعدي -رحمه الله- وترجيح شيخنا ابن عقيل -عليه رحمة الله- على أنَّه لا يتكلَّف حالة دون الحالة الَّتي هو عليها، فإن كان خالعًا للخُفَّين فلا يقول: "أنا سألبس الخُفَّين من أجل أن أمسح عليهما وأخالف أهل البدع". إلَّا أنَّ بعض أهل العلم قالوا: (ينبغي أن تُظهر هذه السُّنَّة إذا كان هناك من يُنكرها). الدَّرس السَّابع / شرح منهج السَّالكين لمتابعة قناة (فوائد ش/مصطفى مبرم) الرسمية على تليجرام: www.telegram.me/fawaidmbrm
  13. من آداب قراءة الكتب \ الشيخ مصطفى مبرم حفظه الله

    ( 4 ) سمعتُ الشَّيخ مصطفى مبرم حفظه الله تعالى يقول: إذا قُرئ في المتون فإنَّ الطَّالب الأصل أنَّه يتقيَّد بالنُّسخة الَّتي بين يديه. فإذا كان في اللَّفظه وجهٌ آخر فإنَّه يبقى على القراءة ويقرأ على الوجه الَّذي بين يديه، ويُنبِّه في الشَّرح على الوجه الثَّاني. أمَّا إذا لم يكن فيها إلَّا وجه واحد ففي هذا الموضع يُضبط حال قراءة القارئ، يُنبَّه على أنَّ هذا هو الوجه الصَّحيح، أو على أنَّ هذا هو الوجه الوحيد -بالأصح-. الدَّرس 18 / شرح كتاب التَّوحيد لمتابعة قناة (فوائد ش/مصطفى مبرم) الرسمية على تليجرام: www.telegram.me/fawaidmbrm
  14. بسم الله الرَّحمن الرَّحيم السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله منْ شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له ومن يُضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين؛ أمَّـا بعد: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وشرّ الأُمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وكلّ ضلالة في النَّار؛ أمَّا بعد: فكما سمعتم في هذه المقدِّمة عنوان هذه الكلمة ومكان انعقادها وتأريخ انعقادها[1]؛ ونسأل الله -جلَّ جلاله- أن يرزقنا التَّوفيق والسَّداد والهدى والرَّشاد. اللَّهم اهدنا وسدِّدنا، وجزى الله خيرًا من كان سببًا في هذا اللِّقاء وفي غيره من اللِّقاءات الَّتي تواصل أهل السُّنَّة بعضهم ببعض. وقد سمعتم أيضًا أن عنوان هذه الكلمة: "وقفات مع قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا}[2] والله -جلَّ جلاله- بيَّن في كتابه أنَّ من مقاصد تنزيل القرآن -بل هو من أعظم مقاصد تنزيل القرآن- أن يتدبَّره النَّاس ويقفوا عند آياته وما أراده الله -سبحانه وتعالى- منهم، كما قال -جلَّ وعلا-: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[3] فالرَّب -جلَّ وعلا- بيَّن أنَّ من مقاصد تنزيل القرآن أن يتدبَّره الخلق: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[4] { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[5] { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ }[6] وهذه الوقفات حقيقتها أنَّها نوعٌ من التَّدبُّر في هذه الآيات، ولسنا نزعم أنَّنا سنأتِي على هذه الوقفات الَّتي مبناها على تدبُّر هذه الآيات، لكنَّما هو تذكير بما أخبر الله -سبحانه وتعالى- به في كتابه أو بما أمر به أو بما نهى عنه. وهذه الوقفات -الَّتي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح بها وأن ينفع بها- راجعة إلى هذه الآية الَّتي ذكرها ربُّنا -سبحانه وتعالى- في كتابه. وهذا النَّوع من الكلمات أو المحاضرات هو ممَّا يحثُّ النَّاس على تدبُّر الآيات والوقوف عندها. افتتح الله -جلَّ جلاله- هذه الآية بما استفتح به كثيرًا من آياته في كتابه بنداء المؤمنين الَّذي يدلُّ على رأفته ولُطفه ورحمته ورفقه بعباده وعلى مدى ما هم عليه من المنزلة عند ربِّهم والتَّكريم والتَّشريف الَّذي شرَّفهم الله -سبحانه وتعالى- يوم أن وصفهم بالإيمان، فلمَّا ناداهم الرَّب -جلَّ وعلا- باسم الإيمان ولقَّبهم بلقب الإيمان دلَّ هذا على أنَّه من أعظم الأسماء ومن أعظم الأوصاف ومن أعظم الألقاب، كما يناديهم بالعبودية وهكذا في نداءاتٍ في القرآن يكرِّم الله بها أهل الإيمان والإسلام ومقامات العبودية والصِّدق وما أشبه ذلك. فإذا سمعت نداء الرَّب -جلَّ وعلا- فاعلم أنَّ هذا من رحمته بعباده ومن تشريفه لهم؛ ومن الوقفات عند هذا النِّداء أنَّ المؤمن يتَّجه بقلبه وقالبه وظاهره وباطنه وسرِّه وعلانيته فينطرح بين يدي مناديه ويُصغي سمعه وقلبه وكلَّ جوارحه كما جاء في الزُّهد للإمام أحمد وعند ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يقول: (إذا سَمعتَ الله يقُول: {يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فارع لها سَمْعَك وَقْلَبِك، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا عَمِلْتَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا اجْتَنِبْه) أو كما قال رضيَ الله عنه؛ فإذا عرف المؤمن أنَّ الله -عزَّ وجلَّ- إذا قال: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا} فإنَّه ينادي أهل الإيمان أينما كانت أماكنهم ومتى كانت أزمنتهم-الَّذين آمنوا ابتداء، والَّذين آمنوا انتهاء، الَّذين بدأ بهم الإيمان من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والَّذين ينتهي بهم أمر الدُّنيا حتَّى لا يبقى عليها نفس منفوسة- كلُّهم داخلون في نداء الرَّب. فإذا ما سمعته أنت كائنًا ما كان زمانك، كائنًا ما كان مكانك، كائنًا ما كان لسانك، فإنَّك تُصغي لها بقلبك وقالبك، بكلِّ حواسِّك وجوارحك لأنَّ في ذلك نجاتك وخلاصك من الشُّرور كلِّها. ومن الوقفات عند هذا النِّداء الَّتي وقفها أئمَّة السُّنَّة في الرَّد على طوائف البدع أنَّهم قالوا بأنَّ الله لمَّا ناداهم بالتَّوبة وناداهم باسم الإيمان أنَّ المعاصي لا تُكفِّرهم ولا تُخرجهم عن دائرة الإسلام، وأنَّ المعاصي لا تحكم عليهم بالكفر وإن كانت من كبائر الذُّنوب ما لم يكونوا مستحلِّين لها -على تفاصيل في هذا الأمر-، لأنَّ الله –جلَّ وعلا- قال: { يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا} فنسبهم إلى الإيمان، وقال: { عَسَى ربُّكُم أن يُكَفِّرَ عَنْكُم سَيِّئاتِكم} فنسب إليهم السَّيِّئات، فهذا دليل فيه الرَّد على الخوارج والمعتزلة الَّذين يُكفِّرون أهل الإسلام بوقوعهم في المعاصي والآثام. كما أنَّه ردٌّ على أهل الإرجاء الَّذين يجعلون الإيمان لا يضرُّ معه ذنب ولا معصيةٌ ولا سيِّئة. فهذا النِّداء الَّذي نادى الله -جلَّ وعلا- به عباده: نداءُ رحمة ورأفة ورفقٍ وتلطُّف وليس نداء حاجة؛ لا ينايهم ويقول لهم: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} لأنَّه محتاج إليهم، ((يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ)) كما قال الرَّب -جلَّ وعلا- في الحديث القُدسي في صحيح مُسلم من حديث أبي ذرّ عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يرويه عن ربِّه: ((يا عبادي! إنَّما هِيَ أَعْمَالُكُم أُحْصِيهَا لَكْم ثُمَّ أُوفِّيكُم إيَّاهَا، فَمَنْ وَجد خيرًا فَلْيحْمدِ الله، ومَنْ وَجَد غيرَ ذَلِك فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفسَه)) فهذا بيان على أنَّ هذا النِّداء محتاج منَّا إلى كثير من التأمُّل والتَّدبر، سل نفسك لماذا ناداك الله -سبحانه وتعالى-؟ وما هي أحبُّ النِّداءات الَّتي نادى الله بها في القرآن عباده وأولياءه وأصفياءه؟ وما الَّذي يُريده منهم إذا ناداهم؟ فإنَّ هذا القرآن رسالة الله إليك، فتتعرَّف على ما يأمرك به، تتعرَّف على ما ينهاك عنه، تتعرَّف على ما يريد أن يخبرك عنه ممَّا مضى وممَّا هو آتٍ. فليس الأمر هيِّنًا أن نقرأ في القرآن: {يَا أَيُّهَا} ثمَّ لا ندري ما بعدها. ليس الأمر بالهيِّن حتَّى نمرَّ على النِّداءات وكأنَّ الَّذي نودي بها غيرنا ولا تعنينا ولا تتَّصل إلينا بوجه. {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا} صدَّقوا جازمين مُقرِّين بكلِّ ما يتضمَّنه الإيمان، {تُوبُوا إلَى الله} هذا واحد من النِّداءات الَّتي نادى الله -جلَّ جلاله- بها المؤمنين، أن يتوبوا إلى الله، وليست أيّ توبة، وليست توبة مُطْلقة، وليست أيضًا توبة مُقيَّدة؛ فليس توبة مطلقة لا حقيقة لها ولا معنى لها ولكنَّها موصوفة بوصف دقيق؛ وليست توبة مُقيَّدة بذنبٍ أو معصية أو جرم أو كبيرة بعينها، بل توبة موصوفة بالنّصح، وتوبة تشمل كلّ ذنب ومعصية؛ التَّوبة الَّتي أرادها الله -جلَّ جلاله- ووصفها في كتابه وفي سنَّة رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام والَّتي لها حقيقة عظيمة مُستفاد بيانها عند أهل العلم وأئمَّة الإسلام كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: (فالتَّوبة في كلام الله ورسول تتضمَّن العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرَّد الاقلاع والعزم والنَّدب تائبًا حتَّى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والاتيان به؛ هذه حقيقة التَّوبة، وهي اسمٌ لمجموع الأمرين وهي كلفظة التَّقوى) إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى-. ولهذا وصف الله -سبحانه وتعالى- هذه التَّوبة بأنَّها نصوح، فإنَّ الصَّحيح من أقوال المعربين أنَّ قوله {نَصُوحًا} منصوب على النعت على أنَّ الله أراد وصف التَّوبة بأنَّها توبة نصوح، قد نصح فيها التَّائب نفسه فخلَّصها من كلِّ شائبة، فيتوب إلى الله -جلَّ جلاله- لا يريد بذلك إلَّا وجه الله -جلَّ وعلا-؛ يتوب بهذه التَّوبة الَّتي وُصفت بأنَّها نصوح يريد أن يرضى الله -جلَّ وعلا- عنه، يُقلع عن المعاصي وعن السَّيئات. ومن عجائب الجاهلين المتكلِّمين في كتاب ربِّ العالمين بما لا يفقهون ولا يعقلون أنَّ بعضهم ظنَّ أن قوله تعالى: {تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا} أنَّ هذا اسم إمَّا لرجل أو امرأة أخبر الله -سبحانه وتعالى- عنه في كتابه ثمَّ أراد أن تكون توبة النَّاس كتوبة هذا النَّصوح! حتَّى سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن ذلك فأجاب بما يُثلح الصَّدر ثم قال: (ومن قال من الجهَّال إنَّ "نصوح" اسم رجل كان على عهد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أمر النَّاس أن يتوبوا كتوبته: فهذا رجلٌ مُفترٍ، كذَّاب، جاهل بالحديث والتَّفسير، جاهلٌ باللُّغة ومعاني القرآن، فإن هذا امرؤ لم يخلقه الله تعالى ولا كان في المتقدِّمين أحدٌ اسمه "نصوح" ولا ذَكر هذه القصَّة أَحد من أهل العلم، ولو كان كما زعم الجاهل لقال: "تُوبُوا إلى الله تَوبةَ نَصُوح"). فعلى كلِّ حال هذه التَّوبة الَّتي أمر الله -جلَّ وعلا- بها ونادى إليها أهل الإيمان بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا} موصوفة بأن تكون هذه التَّوبة نصوح. ولمَّا كان هذا اللَّفظ في القرآن عُني به أئمَّة السَّلف من الصَّحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمَّة العلم والتَّفسير فبيَّنوا ما المراد بالتَّوبة النَّصوح حتَّى جاء عن عمر رضي الله عنه فيما يرويه عنه النُّعمان بن بشير أنَّه سُئل الفاروق عن التَّوبة النَّصوح فقال: (أن يَتُوب الرَّجلُ مِن العمل السَّيِّءِ ثُمَّ لا يعُود إليه أبدًا) هذا نوع من حقيقة التَّوبة (يتُوبَ الرَّجل من العمل السَّيِّء ثمَّ لا يعود إليه) وتتابع على هذا التَّفسير أئمَّة كُثر من أئمَّة السَّلف في بيان حقيقة التَّوبة النَّصوح كما جاء هذا عن ابن عباس وعن مجاهد وعن عكرمة وعن طوائف من: الضَّحاك بن مزاح -كلُّهم-، قتاة بن دعامة السَّدوسي، الحسن البصري، كلّ هؤلاء يُبيِّنون أنَّ التَّوبة النَّصوح بأن يكون العبد نادمًا على ما مضى مُجمعًا على أن لا يعود فيه، وفيها قرَّره ابن القيِّم أيضًا أنَّه مع ندمه وتوبه وعزمه على أن لا يعود فإنَّه يلتزم العمل الصَّالح، يقوم بالعمل الصَّالح، وقد قال ربُّنا -جلَّ وعلا- في كتابه الكريم: {إلَّا مَنْ تَابَ} لمَّا ذكر جملة من كبائر الذُّنوب، بدأها بالشِّرك وختمها بالزِّنا في قوله -جلَّ جلاله-: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتَابًا }[7] تأمَّل في هذا، وتأمَّل أيضًا في قول ربِّنا -جلَّ جلاله-: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}[8] حتَّى قال سعيد بن جبير: ({وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}: لزم السُّنَّة) فالتَّوبة النَّصوح ليس من حقيقتها أن يترك العبد الذَّنب ثمَّ لا يُقبل على ما يُكفِّر الله به سيِّئاته من الأعمال من الصَّالحة: من الاستغفار، والذِّكر، والصَّلاة، والصَّيام، والنَّفقة، وبرّ الوالدين، والإحسان إلى الجوار، وأن يسدّ الثَّغرة الَّتي كانت في ماضيه السَّيء أو في تقصيره؛ جاء عن سعيد بن المسيّب -رحمه الله- أنَّه قال: (التَّوبة النَّصوح ما تنصحون بها أنفسكم) فإذا لم ينفعك نصحك لنفسك فكيف سينفع النَّاس نصحك؟! فهذه التَّوبة النَّصوح الَّتي أرادها ربُّنا -جلَّ وعلا- الاقلاع عن الذَّنب بتركه مباشرة وأن لا يبق في القلب ولا في الذِّهن ولا في البدن أي شيء من مُتعلَّق ذلك الذَّنب وتلك المعصية، يترك كلَّ شيء عند أوَّل عتبة من عتبات التَّوبة، ويخطو في طريقه وقد ترك كلَّ شيء امتثالًا لأمر الله -جلَّ جلاله-، طاعة لله -سبحانه وتعالى-، يتوب إلى الله -جلَّ جلاله- فيندم على تلك السَّاعات السَّالفة، على تلك اللَّحظات، على تلك النَّزغات الَّتي قال الله -جلَّ وعلا- عنها { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[9] {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[10] أنت واحد من بني آدم وكلُّنا لسنا معصومين، نخطئ، ونُسيء، ونُذنب، ولهذا قرَّر أئمَّة الإسلام أنَّه ليس من شرط الولاية أن يكون الوليّ معصومًا كما ذكر ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفرقان"، ليس من شرط الولي أن يكون معصومًا لا يُذنب، لا يعصي، وإنَّما يكون عاكفًا على الطَّاعات. هذا لا يكون ولا يمكن أن يكون بل العبد عُرضه لأن يُخطئ، وقد حسَّن طوائف من أهل العلم قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عند أحمد في حديث أنس بن مالك: ((كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابُونَ)) لأنَّ العبد لابدَّ وأن يقع في الذَّنب كما قال النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام: ((ما من عبدٍ مؤمِنٍ إلَّا وله ذنبٌ، يعتادُهُ الفينَةَ بعدَ الفينَةِ))[11]، وكما قال أيضًا عليه الصَّلاة والسَّلام عند أحمد من حديث أنس: ((والَّذي نفسي بيدِه أو والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه لو أخطَأْتُم حتَّى تبلُغَ خطاياكم ما بينَ السَّماءِ والأرضِ ثُمَّ استغفَرْتُمُ اللهَ لغفَر لكم والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه أو والَّذي نفسي بيدِه لو لم تُخطِئوا لجاء اللهُ عزَّ وجلَّ بقومٍ يُخطِئونَ ثُمَّ يستَغفِرونَ فيغفِرُ لهم))[12]فتأمَّل أنت يا عبد الله أنَّ تلك النَّزغات وتلك السَّيِّئات وتلك المعاصي فتح الله لها باب التَّوبة وأغلق على العبد باب القنوط واليأس كما قال ربُّنا -جلَّ وعلا-: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[13] فإذا تركت الذَّنب وراءك ظلَّ يلاحقك لكنَّه لا يُلاحقك ملاحقة اليائس القانط، فقد أفاد ابن القيِّم أنَّ من منازل التَّوبة أن يتذكَّر ذلك الذَّنب حتَّى يقع في قلبه نوعٌ من الحُرقة على ما فعله في جنب الله سبحانه وتعالى -أو بنحو قوله عليه رحمة الله ومغفره-، بمعنى أنَّه يستحضر كيف فعل هذا الذَّنب ويُجدِّد التَّوبة مع الله -جلَّ جلاله- لأنَّ الله -سبحانه وتعالى- يُحبُّ التَّائبين ويفرح بتوبة العبد إذا تاب عليه كما قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كما في الصَّحيحين: ((للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه، حين يتوبُ إليه، من أحدِكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيس منها ، فَأَتَى شَجَرَةً . فاضطَجَع فِي ظلِّها، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِه، فَبَيْنَما هُوَ كَذَلِك إِذَا هُو بِهَا ، قَائِمَةٌ عِنْدَه، فَأَخَذ بِخِطَامِها ثُمَّ قال مِنْ شِدَّةِ الفَرحِ: "اللَّهم أَنْتَ عَبْدِي وَأَنا ربُّك" أَخْطَأَ منْ شِدَّةِ الفَرَحِ))[14] انظر إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كيف يُصوِّر لأصحابة فضل التَّوبة، أوليس من فضلها أنَّ الله -جلَّ وعلا- رتَّب عليها الفلاح: { وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[15] والفلاح أجمع كلمة -كما قال الخطَّابي وغيره- أجمع كلمة قالتها العرب في الخير { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فالتَّائب موعود بالفلاح، فإذا تاب توبةً نصوحًا فإنَّ "لعلَّ" و "عسى" كما يقول العلماء الَّتي عُبِّر عنها هنا بقوله: {نَصُوحًا عَسَى} وعُبِّر هُناك: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أنَّها واقعة من الرَّب -جلَّ جلاله- وأنَّ الله -سبحانه وتعالى- يُوقعها على ما يقوم في حقيقة العبد. نبيُّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم جاء عنه أحاديث كثيرة في بيان التَّوبة، في بيان فضلها، في بيان حقيقتها، في التَّطبيق منه عليه الصَّلاة والسَّلام، في تربية أصحابه على ذلك، في ربطهم بالله -جلَّ وعلا- كما جاء في صحيح الإمام مسلم في حديث أبي موسى الأشعري أنَّ النَّبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم قال: ((إن اللهَ عز وجل يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهارِ، ويبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مسيءُ الليلِ، حتى تطلعَ الشمسُ مِنْ مغربِها)) تأمَّل في هذا، تأمَّل إلى فضل الرَّب -جلَّ وعلا- ليلًا ونهارًا، يقبل توبة التَّائبين كما قال ربُّنا -سبحانه وتعالى-:{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}[16] مازال عندك من رحمة الله -جلَّ وعلا-، ولكن لا تغتر حتَّى أنَّ نبيك محمَّدًا عليه الصَّلاة والسَّلام أخبر بأنَّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر، ما لم يخرج من الدُّنيا، ما لم يُسفر الموت عنه كما قال عليه الصَّلاة والسَّلام في حديث ابن عمر: ((إنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَة الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِر)) كما هو عند التّرمذي. فالنَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام ندب أصحابه، ندب أُمَّته، ندب المسلمين جميعًا إلى التَّوبة إلى الله -جلَّ وعلا- ورغَّبهم فيها وذكر لهم عليه الصَّلاة والسَّلام فضائلها، فيا من تريد الفلاح عليك بالتَّوبة { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يا من تريد أن تُكفَّر عنك سيِّئاتك عليك بالتَّوبة { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[17] أوليس يُهمُّك ويُقلقك تربية أبنائك وصلاح أبنائك واستقامتهم؟! قال الله -جلَّ وعلا- في كتابه الكريم مُخبرًا عن العبد الصَّالح في سورة الأحقاف أنَّه قال:{ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ }[18] فالتَّوبة آخذة بزمام الخير كلِّه. ثم إنَّك عبد، نعم عفدٌ فطرك الله على التَّقصير، على الغلط، على الخطأ، على اتِّباع شهوة الفرج، اتِّباع شهوة العين، اتباع شهوة العين، اتباع شهوة البطش إلى غير ذلك، لكنَّه أمرك بالتَّوبة، فتح لك باب التَّوبة على مصراعيه تتوب إلى الله -جلَّ وعلا-. وهذه النُّصوص وهذه الأحاديث غيرها كثير، إنَّما المراد الوقفة العظيمة الَّتي نادى الله -جلَّ وعلا- بها -أو لها- عباده المؤمنين أن يتوبوا، أن يُلزموا التَّوبة إلى الله -جلَّ وعلا-، حتَّى ضرب الله لنا أمثلة بتوبة التَّائبين في القرآن من الأنبياء، من المرسلين، من الصَّحابة، من الصَّالحين كتوبة الرَّجل الَّذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وكمَّل المائة -هذا في الحديث-، وكتوبة الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا حَتَّى ضاقتْ عليهم الأرْض بمَا رحُبت -من المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم- فتاب الله عليهم ليتوبوا. كلُّ هذا يا أخي الكريم يدعوك الله -سبحانه وتعالى- إليه، يندبك إليه، يحثُّك عليه لأنَّ الله -جلَّ وعلا- يُريد بهذا العبد خيرًا كما قال ربُّنا -سبحان وتعالى- {وَالله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}[19] انظر إلى أيّ الإرادتين ستجنح أيُّها العبد المُقصِّر؛ والله يريد أن يتوب عليكم فيفتح لكم باب التَّوبة وأسبابها وما يُعينكم عليها وما يُذكِّركم بها { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} فكلَّما أردت أن تتوب جاءك جليس السُّوء:"العمر فيه بقية"، "أنتَ شبابك في مُقتبل العمر"، "لازلت في ريعان شباب"، "ستتوب إذا حصل كذا" وكأنَّه لا ينظر إلى مصارع عُشَّاق الدُّنيا المستميتين عند أعتابها وعند أقدامها، الَّذين بطشت بهم ومَكرت بهم حتَّى خرجوا من الدُّنيا ولم يتوبوا إلى الله -جلَّ وعلا- نسأل الله العافية والسَّلامة. تأمَّل في هذه { وَالله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا } فأنت بين هاتين الإرادتين، فأين إرادتك؟ أن تُرضي ربَّك وأن تكون حيث أراد الله -جلَّ وعلا- منك. نداءٌ إليك يا من تسمع، يا من تركت الصَّلاة وضيَّعتها أو لا تُصلِّ إلى على حسب المواسم في رمضان أو الجمعة أو لا تصلِّ إلَّا إذا كنت متفرِّغًا للصَّلاة ولا يشغلك عنها ولا يشغلك عنها شاغل؛ تُب إلى الله –جلَّ وعلا-. تُب إلى الله يا من تُصلِّ ولا تُبال هل تُصلِّي في جماعة أو تُصلِّي وحدك. تُب إلى الله يا من تُصلِّ ولكنَّك تُصلِّ ولا تدر ما صلَّيت. كلُّنا نحتاج إلى التَّوبة. تُب إلى الله أيُّها الولد العاق، يا من عققت والدك أو عققت والدتك. تُب يا قاطع الأرحام، تُب يا مُؤذي الجوار، تُب يا من وقعت في خيانة لأمانة. تُب يا من كذبت، تُب يا من سرقت، تُب يا من زَنيت، قال الله –جلَّ جلاله- في كتابه الكريم: { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[20] لا استثناء ((التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)) ألا إنَّ الله -جلَّ وعلا- ناداكم إلى ما تستطيعون وتُطيقون، فليست التَّوبة آصارًا ولا أغلالًا، ليست التَّوبة يا عبد الله أثقالًا من حديد تُثقلك، إنَّها والله روح الحياة وانشراح الصَّدر وأمنة النَّفس وطمأنينة القلب. أيًّا ما كانت معصيتك تُب إلى الله، أيًّا ما كان ذنبك تُب إلى الله؛ وإذا كان الذَّنب له تعلُّق بحقوق العباد فردَّها وتحلَّل منها وتخلَّص منها فإنَّها حقّ يلزمك في الآخرة، وإذا لزمك في الآخرة فلا عوض إلَّا في الحسنات والسَّيِّئات. فلتتب إلى الله -جلَّ جلاله- فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات. ولتستحضر في قلب حرقة النَّدم فإنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم قال كما في حديث ابن مسعود عند أحمد: ((النَّدَمُ تَوْبَة))[21] فالتَّوبة حقيقتها أن يندم الإنسان على فعل المعاصي أو الإغراق فيها وعلى التَّقصير في طاعة الله سبحانه قبل أن يقول في ذلك اليوم: { يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}[22] أو أن يقول: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ }[23]. ثمَّ تأمَّل إلى ما جعله الله من الأثر في هذه التَّوبة { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ }[24] فمن تاب توبة نصوحًا كفَّر الله عنه سيِّئاته، لأنَّ "عسى" من الله واجبة -كما يقول العلماء- أوجبها الله -سبحانه وتعالى-. ثمَّ إذا وقع العفو عن السَّيِّئات والتَّجاوز عن السَّيِّئات رتَّب الله الجزاء العظيم في الآخرة { وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}[25] ثمَّ يجعلك في الَّذين نجَّاهم وجعلهم في صُحبة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال{ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}[26] ثمَّ جعل الله لك نورًا يوم أن سلكت نُور التَّوبة، جعل الله لك نورًا في الآخرة يوم أن سلكت نور التَّوبة في الدَّنيا، فأضاء الله قلبك بالتَّوبة في الدُّنيا فسرت وراء ذلك النُّور ثمَّ يكون معك يوم القيامة { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فنورك يسعى معك. فمن لم يجعل الله له نورًا في الدُّنيا بالإيمان والتَّوبة والصِّدق والإخلاص والإحسان والعمل الصَّالح فأنَّا له أن يجد نورًا في القيامة وبين يدي الربِّ –جلَّ جلاله-؟! تفريغ إدارة الحساب الرسمي: فوائد ش / مصطفى مبرم http://www.telegram.me/fawaidmbrm ________ [1] إشارة إلى قولهم -في بداية اللِّقاء-: (يسرُّنا في هذه اللَّيلة المباركة إن شاء الله ليلة الإثنين 9 جمادى الآخرة 1438 هـ، أن نستضيف عبر الهاتف فضيلة الشَّيخ مصطفى مبرم –سلَّمه الله- ليُلقي كلمة على إخوانه بمدينة "سطيف" بعنوان: "وقفات مع قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا} وذلك ضمن اللِّقاءات السَّلفية الجزائرية) اهـ. (باختصار) [2] سورة التحريم: 8 [3] سورة ص: 29 [4] سورة النساء: 82 [5] سورة محمد: 24 [6] سورة المؤمنون: 68 [7] سورة الفرقان: 68-71 [8] سورة طه 82 [9] سورة آل عمران: 135 [10] سورة الأعراف: 201 [11] الالباني صحيح الجامع [12] الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات [13] سورة الزمر: 53 [14] رواه مسلم عن أنس بن مالك [15] سورة النور: 31 [16] سورة الشورى: 25 [17] سورة التحريم: 8 [18] سورة الأحقاف: 15 [19] سورة النساء: 27 [20] سوة الزمر: 53 [21] صححه الألباني "صحيح ابن ماجه" [22] سورة الأنعام: 31 [23] سورة الزمر: 56 [24] التحريم: 8 [25] سورة الصف: 12 [26] سورة التحريم: 8
  15. بسم الله الرَّحمن الرَّحيم السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله منْ شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له ومن يُضلل فلا هاديَ له؛ وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا مُحمَّدًا عبده ورسوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين؛ أمَّـا بعد: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وشرّ الأُمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وكلّ ضلالة في النَّار؛ أمَّا بعد: فكما سمعتم في هذه المقدِّمة عنوان هذه الكلمة ومكان انعقادها وتأريخ انعقادها[1]؛ ونسأل الله -جلَّ جلاله- أن يرزقنا التَّوفيق والسَّداد والهدى والرَّشاد. اللَّهم اهدنا وسدِّدنا، وجزى الله خيرًا من كان سببًا في هذا اللِّقاء وفي غيره من اللِّقاءات الَّتي تواصل أهل السُّنَّة بعضهم ببعض. وقد سمعتم أيضًا أن عنوان هذه الكلمة: "وقفات مع قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا}[2] والله -جلَّ جلاله- بيَّن في كتابه أنَّ من مقاصد تنزيل القرآن -بل هو من أعظم مقاصد تنزيل القرآن- أن يتدبَّره النَّاس ويقفوا عند آياته وما أراده الله -سبحانه وتعالى- منهم، كما قال -جلَّ وعلا-: { كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[3] فالرَّب -جلَّ وعلا- بيَّن أنَّ من مقاصد تنزيل القرآن أن يتدبَّره الخلق: { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا }[4] { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[5] { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ }[6] وهذه الوقفات حقيقتها أنَّها نوعٌ من التَّدبُّر في هذه الآيات، ولسنا نزعم أنَّنا سنأتِي على هذه الوقفات الَّتي مبناها على تدبُّر هذه الآيات، لكنَّما هو تذكير بما أخبر الله -سبحانه وتعالى- به في كتابه أو بما أمر به أو بما نهى عنه. وهذه الوقفات -الَّتي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح بها وأن ينفع بها- راجعة إلى هذه الآية الَّتي ذكرها ربُّنا -سبحانه وتعالى- في كتابه. وهذا النَّوع من الكلمات أو المحاضرات هو ممَّا يحثُّ النَّاس على تدبُّر الآيات والوقوف عندها. افتتح الله -جلَّ جلاله- هذه الآية بما استفتح به كثيرًا من آياته في كتابه بنداء المؤمنين الَّذي يدلُّ على رأفته ولُطفه ورحمته ورفقه بعباده وعلى مدى ما هم عليه من المنزلة عند ربِّهم والتَّكريم والتَّشريف الَّذي شرَّفهم الله -سبحانه وتعالى- يوم أن وصفهم بالإيمان، فلمَّا ناداهم الرَّب -جلَّ وعلا- باسم الإيمان ولقَّبهم بلقب الإيمان دلَّ هذا على أنَّه من أعظم الأسماء ومن أعظم الأوصاف ومن أعظم الألقاب، كما يناديهم بالعبودية وهكذا في نداءاتٍ في القرآن يكرِّم الله بها أهل الإيمان والإسلام ومقامات العبودية والصِّدق وما أشبه ذلك. فإذا سمعت نداء الرَّب -جلَّ وعلا- فاعلم أنَّ هذا من رحمته بعباده ومن تشريفه لهم؛ ومن الوقفات عند هذا النِّداء أنَّ المؤمن يتَّجه بقلبه وقالبه وظاهره وباطنه وسرِّه وعلانيته فينطرح بين يدي مناديه ويُصغي سمعه وقلبه وكلَّ جوارحه كما جاء في الزُّهد للإمام أحمد وعند ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يقول: (إذا سَمعتَ الله يقُول: {يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فارع لها سَمْعَك وَقْلَبِك، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا عَمِلْتَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا اجْتَنِبْه) أو كما قال رضيَ الله عنه؛ فإذا عرف المؤمن أنَّ الله -عزَّ وجلَّ- إذا قال: {يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا} فإنَّه ينادي أهل الإيمان أينما كانت أماكنهم ومتى كانت أزمنتهم-الَّذين آمنوا ابتداء، والَّذين آمنوا انتهاء، الَّذين بدأ بهم الإيمان من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والَّذين ينتهي بهم أمر الدُّنيا حتَّى لا يبقى عليها نفس منفوسة- كلُّهم داخلون في نداء الرَّب. فإذا ما سمعته أنت كائنًا ما كان زمانك، كائنًا ما كان مكانك، كائنًا ما كان لسانك، فإنَّك تُصغي لها بقلبك وقالبك، بكلِّ حواسِّك وجوارحك لأنَّ في ذلك نجاتك وخلاصك من الشُّرور كلِّها. ومن الوقفات عند هذا النِّداء الَّتي وقفها أئمَّة السُّنَّة في الرَّد على طوائف البدع أنَّهم قالوا بأنَّ الله لمَّا ناداهم بالتَّوبة وناداهم باسم الإيمان أنَّ المعاصي لا تُكفِّرهم ولا تُخرجهم عن دائرة الإسلام، وأنَّ المعاصي لا تحكم عليهم بالكفر وإن كانت من كبائر الذُّنوب ما لم يكونوا مستحلِّين لها -على تفاصيل في هذا الأمر-، لأنَّ الله –جلَّ وعلا- قال: { يَا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا} فنسبهم إلى الإيمان، وقال: { عَسَى ربُّكُم أن يُكَفِّرَ عَنْكُم سَيِّئاتِكم} فنسب إليهم السَّيِّئات، فهذا دليل فيه الرَّد على الخوارج والمعتزلة الَّذين يُكفِّرون أهل الإسلام بوقوعهم في المعاصي والآثام. كما أنَّه ردٌّ على أهل الإرجاء الَّذين يجعلون الإيمان لا يضرُّ معه ذنب ولا معصيةٌ ولا سيِّئة. فهذا النِّداء الَّذي نادى الله -جلَّ وعلا- به عباده: نداءُ رحمة ورأفة ورفقٍ وتلطُّف وليس نداء حاجة؛ لا ينايهم ويقول لهم: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} لأنَّه محتاج إليهم، ((يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أعْمَالُكُمْ)) كما قال الرَّب -جلَّ وعلا- في الحديث القُدسي في صحيح مُسلم من حديث أبي ذرّ عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يرويه عن ربِّه: ((يا عبادي! إنَّما هِيَ أَعْمَالُكُم أُحْصِيهَا لَكْم ثُمَّ أُوفِّيكُم إيَّاهَا، فَمَنْ وَجد خيرًا فَلْيحْمدِ الله، ومَنْ وَجَد غيرَ ذَلِك فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفسَه)) فهذا بيان على أنَّ هذا النِّداء محتاج منَّا إلى كثير من التأمُّل والتَّدبر، سل نفسك لماذا ناداك الله -سبحانه وتعالى-؟ وما هي أحبُّ النِّداءات الَّتي نادى الله بها في القرآن عباده وأولياءه وأصفياءه؟ وما الَّذي يُريده منهم إذا ناداهم؟ فإنَّ هذا القرآن رسالة الله إليك، فتتعرَّف على ما يأمرك به، تتعرَّف على ما ينهاك عنه، تتعرَّف على ما يريد أن يخبرك عنه ممَّا مضى وممَّا هو آتٍ. فليس الأمر هيِّنًا أن نقرأ في القرآن: {يَا أَيُّهَا} ثمَّ لا ندري ما بعدها. ليس الأمر بالهيِّن حتَّى نمرَّ على النِّداءات وكأنَّ الَّذي نودي بها غيرنا ولا تعنينا ولا تتَّصل إلينا بوجه. {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا} صدَّقوا جازمين مُقرِّين بكلِّ ما يتضمَّنه الإيمان، {تُوبُوا إلَى الله} هذا واحد من النِّداءات الَّتي نادى الله -جلَّ جلاله- بها المؤمنين، أن يتوبوا إلى الله، وليست أيّ توبة، وليست توبة مُطْلقة، وليست أيضًا توبة مُقيَّدة؛ فليس توبة مطلقة لا حقيقة لها ولا معنى لها ولكنَّها موصوفة بوصف دقيق؛ وليست توبة مُقيَّدة بذنبٍ أو معصية أو جرم أو كبيرة بعينها، بل توبة موصوفة بالنّصح، وتوبة تشمل كلّ ذنب ومعصية؛ التَّوبة الَّتي أرادها الله -جلَّ جلاله- ووصفها في كتابه وفي سنَّة رسوله عليه الصَّلاة والسَّلام والَّتي لها حقيقة عظيمة مُستفاد بيانها عند أهل العلم وأئمَّة الإسلام كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: (فالتَّوبة في كلام الله ورسول تتضمَّن العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرَّد الاقلاع والعزم والنَّدب تائبًا حتَّى يوجد منه العزم الجازم على فعل المأمور والاتيان به؛ هذه حقيقة التَّوبة، وهي اسمٌ لمجموع الأمرين وهي كلفظة التَّقوى) إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى-. ولهذا وصف الله -سبحانه وتعالى- هذه التَّوبة بأنَّها نصوح، فإنَّ الصَّحيح من أقوال المعربين أنَّ قوله {نَصُوحًا} منصوب على النعت على أنَّ الله أراد وصف التَّوبة بأنَّها توبة نصوح، قد نصح فيها التَّائب نفسه فخلَّصها من كلِّ شائبة، فيتوب إلى الله -جلَّ جلاله- لا يريد بذلك إلَّا وجه الله -جلَّ وعلا-؛ يتوب بهذه التَّوبة الَّتي وُصفت بأنَّها نصوح يريد أن يرضى الله -جلَّ وعلا- عنه، يُقلع عن المعاصي وعن السَّيئات. ومن عجائب الجاهلين المتكلِّمين في كتاب ربِّ العالمين بما لا يفقهون ولا يعقلون أنَّ بعضهم ظنَّ أن قوله تعالى: {تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا} أنَّ هذا اسم إمَّا لرجل أو امرأة أخبر الله -سبحانه وتعالى- عنه في كتابه ثمَّ أراد أن تكون توبة النَّاس كتوبة هذا النَّصوح! حتَّى سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- عن ذلك فأجاب بما يُثلح الصَّدر ثم قال: (ومن قال من الجهَّال إنَّ "نصوح" اسم رجل كان على عهد النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أمر النَّاس أن يتوبوا كتوبته: فهذا رجلٌ مُفترٍ، كذَّاب، جاهل بالحديث والتَّفسير، جاهلٌ باللُّغة ومعاني القرآن، فإن هذا امرؤ لم يخلقه الله تعالى ولا كان في المتقدِّمين أحدٌ اسمه "نصوح" ولا ذَكر هذه القصَّة أَحد من أهل العلم، ولو كان كما زعم الجاهل لقال: "تُوبُوا إلى الله تَوبةَ نَصُوح"). فعلى كلِّ حال هذه التَّوبة الَّتي أمر الله -جلَّ وعلا- بها ونادى إليها أهل الإيمان بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا} موصوفة بأن تكون هذه التَّوبة نصوح. ولمَّا كان هذا اللَّفظ في القرآن عُني به أئمَّة السَّلف من الصَّحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من أئمَّة العلم والتَّفسير فبيَّنوا ما المراد بالتَّوبة النَّصوح حتَّى جاء عن عمر رضي الله عنه فيما يرويه عنه النُّعمان بن بشير أنَّه سُئل الفاروق عن التَّوبة النَّصوح فقال: (أن يَتُوب الرَّجلُ مِن العمل السَّيِّءِ ثُمَّ لا يعُود إليه أبدًا) هذا نوع من حقيقة التَّوبة (يتُوبَ الرَّجل من العمل السَّيِّء ثمَّ لا يعود إليه) وتتابع على هذا التَّفسير أئمَّة كُثر من أئمَّة السَّلف في بيان حقيقة التَّوبة النَّصوح كما جاء هذا عن ابن عباس وعن مجاهد وعن عكرمة وعن طوائف من: الضَّحاك بن مزاح -كلُّهم-، قتاة بن دعامة السَّدوسي، الحسن البصري، كلّ هؤلاء يُبيِّنون أنَّ التَّوبة النَّصوح بأن يكون العبد نادمًا على ما مضى مُجمعًا على أن لا يعود فيه، وفيها قرَّره ابن القيِّم أيضًا أنَّه مع ندمه وتوبه وعزمه على أن لا يعود فإنَّه يلتزم العمل الصَّالح، يقوم بالعمل الصَّالح، وقد قال ربُّنا -جلَّ وعلا- في كتابه الكريم: {إلَّا مَنْ تَابَ} لمَّا ذكر جملة من كبائر الذُّنوب، بدأها بالشِّرك وختمها بالزِّنا في قوله -جلَّ جلاله-: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتَابًا }[7] تأمَّل في هذا، وتأمَّل أيضًا في قول ربِّنا -جلَّ جلاله-: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}[8] حتَّى قال سعيد بن جبير: ({وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}: لزم السُّنَّة) فالتَّوبة النَّصوح ليس من حقيقتها أن يترك العبد الذَّنب ثمَّ لا يُقبل على ما يُكفِّر الله به سيِّئاته من الأعمال من الصَّالحة: من الاستغفار، والذِّكر، والصَّلاة، والصَّيام، والنَّفقة، وبرّ الوالدين، والإحسان إلى الجوار، وأن يسدّ الثَّغرة الَّتي كانت في ماضيه السَّيء أو في تقصيره؛ جاء عن سعيد بن المسيّب -رحمه الله- أنَّه قال: (التَّوبة النَّصوح ما تنصحون بها أنفسكم) فإذا لم ينفعك نصحك لنفسك فكيف سينفع النَّاس نصحك؟! فهذه التَّوبة النَّصوح الَّتي أرادها ربُّنا -جلَّ وعلا- الاقلاع عن الذَّنب بتركه مباشرة وأن لا يبق في القلب ولا في الذِّهن ولا في البدن أي شيء من مُتعلَّق ذلك الذَّنب وتلك المعصية، يترك كلَّ شيء عند أوَّل عتبة من عتبات التَّوبة، ويخطو في طريقه وقد ترك كلَّ شيء امتثالًا لأمر الله -جلَّ جلاله-، طاعة لله -سبحانه وتعالى-، يتوب إلى الله -جلَّ جلاله- فيندم على تلك السَّاعات السَّالفة، على تلك اللَّحظات، على تلك النَّزغات الَّتي قال الله -جلَّ وعلا- عنها { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[9] {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[10] أنت واحد من بني آدم وكلُّنا لسنا معصومين، نخطئ، ونُسيء، ونُذنب، ولهذا قرَّر أئمَّة الإسلام أنَّه ليس من شرط الولاية أن يكون الوليّ معصومًا كما ذكر ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في "الفرقان"، ليس من شرط الولي أن يكون معصومًا لا يُذنب، لا يعصي، وإنَّما يكون عاكفًا على الطَّاعات. هذا لا يكون ولا يمكن أن يكون بل العبد عُرضه لأن يُخطئ، وقد حسَّن طوائف من أهل العلم قول النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم عند أحمد في حديث أنس بن مالك: ((كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابُونَ)) لأنَّ العبد لابدَّ وأن يقع في الذَّنب كما قال النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام: ((ما من عبدٍ مؤمِنٍ إلَّا وله ذنبٌ، يعتادُهُ الفينَةَ بعدَ الفينَةِ))[11]، وكما قال أيضًا عليه الصَّلاة والسَّلام عند أحمد من حديث أنس: ((والَّذي نفسي بيدِه أو والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه لو أخطَأْتُم حتَّى تبلُغَ خطاياكم ما بينَ السَّماءِ والأرضِ ثُمَّ استغفَرْتُمُ اللهَ لغفَر لكم والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه أو والَّذي نفسي بيدِه لو لم تُخطِئوا لجاء اللهُ عزَّ وجلَّ بقومٍ يُخطِئونَ ثُمَّ يستَغفِرونَ فيغفِرُ لهم))[12]فتأمَّل أنت يا عبد الله أنَّ تلك النَّزغات وتلك السَّيِّئات وتلك المعاصي فتح الله لها باب التَّوبة وأغلق على العبد باب القنوط واليأس كما قال ربُّنا -جلَّ وعلا-: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[13] فإذا تركت الذَّنب وراءك ظلَّ يلاحقك لكنَّه لا يُلاحقك ملاحقة اليائس القانط، فقد أفاد ابن القيِّم أنَّ من منازل التَّوبة أن يتذكَّر ذلك الذَّنب حتَّى يقع في قلبه نوعٌ من الحُرقة على ما فعله في جنب الله سبحانه وتعالى -أو بنحو قوله عليه رحمة الله ومغفره-، بمعنى أنَّه يستحضر كيف فعل هذا الذَّنب ويُجدِّد التَّوبة مع الله -جلَّ جلاله- لأنَّ الله -سبحانه وتعالى- يُحبُّ التَّائبين ويفرح بتوبة العبد إذا تاب عليه كما قال النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كما في الصَّحيحين: ((للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عبدِه، حين يتوبُ إليه، من أحدِكم كان على راحلتِه بأرضِ فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيس منها ، فَأَتَى شَجَرَةً . فاضطَجَع فِي ظلِّها، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِه، فَبَيْنَما هُوَ كَذَلِك إِذَا هُو بِهَا ، قَائِمَةٌ عِنْدَه، فَأَخَذ بِخِطَامِها ثُمَّ قال مِنْ شِدَّةِ الفَرحِ: "اللَّهم أَنْتَ عَبْدِي وَأَنا ربُّك" أَخْطَأَ منْ شِدَّةِ الفَرَحِ))[14] انظر إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم كيف يُصوِّر لأصحابة فضل التَّوبة، أوليس من فضلها أنَّ الله -جلَّ وعلا- رتَّب عليها الفلاح: { وَتُوبُوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[15] والفلاح أجمع كلمة -كما قال الخطَّابي وغيره- أجمع كلمة قالتها العرب في الخير { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فالتَّائب موعود بالفلاح، فإذا تاب توبةً نصوحًا فإنَّ "لعلَّ" و "عسى" كما يقول العلماء الَّتي عُبِّر عنها هنا بقوله: {نَصُوحًا عَسَى} وعُبِّر هُناك: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أنَّها واقعة من الرَّب -جلَّ جلاله- وأنَّ الله -سبحانه وتعالى- يُوقعها على ما يقوم في حقيقة العبد. نبيُّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم جاء عنه أحاديث كثيرة في بيان التَّوبة، في بيان فضلها، في بيان حقيقتها، في التَّطبيق منه عليه الصَّلاة والسَّلام، في تربية أصحابه على ذلك، في ربطهم بالله -جلَّ وعلا- كما جاء في صحيح الإمام مسلم في حديث أبي موسى الأشعري أنَّ النَّبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم قال: ((إن اللهَ عز وجل يبسطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النهارِ، ويبسطُ يدَه بالنهارِ ليتوبَ مسيءُ الليلِ، حتى تطلعَ الشمسُ مِنْ مغربِها)) تأمَّل في هذا، تأمَّل إلى فضل الرَّب -جلَّ وعلا- ليلًا ونهارًا، يقبل توبة التَّائبين كما قال ربُّنا -سبحانه وتعالى-:{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}[16] مازال عندك من رحمة الله -جلَّ وعلا-، ولكن لا تغتر حتَّى أنَّ نبيك محمَّدًا عليه الصَّلاة والسَّلام أخبر بأنَّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغر، ما لم يخرج من الدُّنيا، ما لم يُسفر الموت عنه كما قال عليه الصَّلاة والسَّلام في حديث ابن عمر: ((إنَّ الله يَقْبَلُ تَوْبَة الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِر)) كما هو عند التّرمذي. فالنَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام ندب أصحابه، ندب أُمَّته، ندب المسلمين جميعًا إلى التَّوبة إلى الله -جلَّ وعلا- ورغَّبهم فيها وذكر لهم عليه الصَّلاة والسَّلام فضائلها، فيا من تريد الفلاح عليك بالتَّوبة { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يا من تريد أن تُكفَّر عنك سيِّئاتك عليك بالتَّوبة { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}[17] أوليس يُهمُّك ويُقلقك تربية أبنائك وصلاح أبنائك واستقامتهم؟! قال الله -جلَّ وعلا- في كتابه الكريم مُخبرًا عن العبد الصَّالح في سورة الأحقاف أنَّه قال:{ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ }[18] فالتَّوبة آخذة بزمام الخير كلِّه. ثم إنَّك عبد، نعم عفدٌ فطرك الله على التَّقصير، على الغلط، على الخطأ، على اتِّباع شهوة الفرج، اتِّباع شهوة العين، اتباع شهوة العين، اتباع شهوة البطش إلى غير ذلك، لكنَّه أمرك بالتَّوبة، فتح لك باب التَّوبة على مصراعيه تتوب إلى الله -جلَّ وعلا-. وهذه النُّصوص وهذه الأحاديث غيرها كثير، إنَّما المراد الوقفة العظيمة الَّتي نادى الله -جلَّ وعلا- بها -أو لها- عباده المؤمنين أن يتوبوا، أن يُلزموا التَّوبة إلى الله -جلَّ وعلا-، حتَّى ضرب الله لنا أمثلة بتوبة التَّائبين في القرآن من الأنبياء، من المرسلين، من الصَّحابة، من الصَّالحين كتوبة الرَّجل الَّذي قتل تسعة وتسعين نفسًا وكمَّل المائة -هذا في الحديث-، وكتوبة الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا حَتَّى ضاقتْ عليهم الأرْض بمَا رحُبت -من المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم- فتاب الله عليهم ليتوبوا. كلُّ هذا يا أخي الكريم يدعوك الله -سبحانه وتعالى- إليه، يندبك إليه، يحثُّك عليه لأنَّ الله -جلَّ وعلا- يُريد بهذا العبد خيرًا كما قال ربُّنا -سبحان وتعالى- {وَالله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا}[19] انظر إلى أيّ الإرادتين ستجنح أيُّها العبد المُقصِّر؛ والله يريد أن يتوب عليكم فيفتح لكم باب التَّوبة وأسبابها وما يُعينكم عليها وما يُذكِّركم بها { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} فكلَّما أردت أن تتوب جاءك جليس السُّوء:"العمر فيه بقية"، "أنتَ شبابك في مُقتبل العمر"، "لازلت في ريعان شباب"، "ستتوب إذا حصل كذا" وكأنَّه لا ينظر إلى مصارع عُشَّاق الدُّنيا المستميتين عند أعتابها وعند أقدامها، الَّذين بطشت بهم ومَكرت بهم حتَّى خرجوا من الدُّنيا ولم يتوبوا إلى الله -جلَّ وعلا- نسأل الله العافية والسَّلامة. تأمَّل في هذه { وَالله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا } فأنت بين هاتين الإرادتين، فأين إرادتك؟ أن تُرضي ربَّك وأن تكون حيث أراد الله -جلَّ وعلا- منك. نداءٌ إليك يا من تسمع، يا من تركت الصَّلاة وضيَّعتها أو لا تُصلِّ إلى على حسب المواسم في رمضان أو الجمعة أو لا تصلِّ إلَّا إذا كنت متفرِّغًا للصَّلاة ولا يشغلك عنها ولا يشغلك عنها شاغل؛ تُب إلى الله –جلَّ وعلا-. تُب إلى الله يا من تُصلِّ ولا تُبال هل تُصلِّي في جماعة أو تُصلِّي وحدك. تُب إلى الله يا من تُصلِّ ولكنَّك تُصلِّ ولا تدر ما صلَّيت. كلُّنا نحتاج إلى التَّوبة. تُب إلى الله أيُّها الولد العاق، يا من عققت والدك أو عققت والدتك. تُب يا قاطع الأرحام، تُب يا مُؤذي الجوار، تُب يا من وقعت في خيانة لأمانة. تُب يا من كذبت، تُب يا من سرقت، تُب يا من زَنيت، قال الله –جلَّ جلاله- في كتابه الكريم: { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}[20] لا استثناء ((التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)) ألا إنَّ الله -جلَّ وعلا- ناداكم إلى ما تستطيعون وتُطيقون، فليست التَّوبة آصارًا ولا أغلالًا، ليست التَّوبة يا عبد الله أثقالًا من حديد تُثقلك، إنَّها والله روح الحياة وانشراح الصَّدر وأمنة النَّفس وطمأنينة القلب. أيًّا ما كانت معصيتك تُب إلى الله، أيًّا ما كان ذنبك تُب إلى الله؛ وإذا كان الذَّنب له تعلُّق بحقوق العباد فردَّها وتحلَّل منها وتخلَّص منها فإنَّها حقّ يلزمك في الآخرة، وإذا لزمك في الآخرة فلا عوض إلَّا في الحسنات والسَّيِّئات. فلتتب إلى الله -جلَّ جلاله- فإنَّ الله يقبل التَّوبة عن عباده ويعفو عن السَّيِّئات. ولتستحضر في قلب حرقة النَّدم فإنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم قال كما في حديث ابن مسعود عند أحمد: ((النَّدَمُ تَوْبَة))[21] فالتَّوبة حقيقتها أن يندم الإنسان على فعل المعاصي أو الإغراق فيها وعلى التَّقصير في طاعة الله سبحانه قبل أن يقول في ذلك اليوم: { يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا}[22] أو أن يقول: { يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ }[23]. ثمَّ تأمَّل إلى ما جعله الله من الأثر في هذه التَّوبة { عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ }[24] فمن تاب توبة نصوحًا كفَّر الله عنه سيِّئاته، لأنَّ "عسى" من الله واجبة -كما يقول العلماء- أوجبها الله -سبحانه وتعالى-. ثمَّ إذا وقع العفو عن السَّيِّئات والتَّجاوز عن السَّيِّئات رتَّب الله الجزاء العظيم في الآخرة { وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}[25] ثمَّ يجعلك في الَّذين نجَّاهم وجعلهم في صُحبة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال{ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}[26] ثمَّ جعل الله لك نورًا يوم أن سلكت نُور التَّوبة، جعل الله لك نورًا في الآخرة يوم أن سلكت نور التَّوبة في الدَّنيا، فأضاء الله قلبك بالتَّوبة في الدُّنيا فسرت وراء ذلك النُّور ثمَّ يكون معك يوم القيامة { يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فنورك يسعى معك. فمن لم يجعل الله له نورًا في الدُّنيا بالإيمان والتَّوبة والصِّدق والإخلاص والإحسان والعمل الصَّالح فأنَّا له أن يجد نورًا في القيامة وبين يدي الربِّ –جلَّ جلاله-؟! تفريغ إدارة الحساب الرسمي: فوائد ش / مصطفى مبرم http://www.telegram.me/fawaidmbrm ________ [1] إشارة إلى قولهم -في بداية اللِّقاء-: (يسرُّنا في هذه اللَّيلة المباركة إن شاء الله ليلة الإثنين 9 جمادى الآخرة 1438 هـ، أن نستضيف عبر الهاتف فضيلة الشَّيخ مصطفى مبرم –سلَّمه الله- ليُلقي كلمة على إخوانه بمدينة "سطيف" بعنوان: "وقفات مع قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا} وذلك ضمن اللِّقاءات السَّلفية الجزائرية) اهـ. (باختصار) [2] سورة التحريم: 8 [3] سورة ص: 29 [4] سورة النساء: 82 [5] سورة محمد: 24 [6] سورة المؤمنون: 68 [7] سورة الفرقان: 68-71 [8] سورة طه 82 [9] سورة آل عمران: 135 [10] سورة الأعراف: 201 [11] الالباني صحيح الجامع [12] الهيثمي في مجمع الزوائد: رجاله ثقات [13] سورة الزمر: 53 [14] رواه مسلم عن أنس بن مالك [15] سورة النور: 31 [16] سورة الشورى: 25 [17] سورة التحريم: 8 [18] سورة الأحقاف: 15 [19] سورة النساء: 27 [20] سوة الزمر: 53 [21] صححه الألباني "صحيح ابن ماجه" [22] سورة الأنعام: 31 [23] سورة الزمر: 56 [24] التحريم: 8 [25] سورة الصف: 12 [26] سورة التحريم: 8