اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

عبد الله عبد الرحيم البخاري

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    79
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 36

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : عبد الله عبد الرحيم البخاري

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

آخر زوار ملفى الشخصى

بلوك اخر الزوار معطل ولن يظهر للاعضاء

  1. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    التعقبات الصريحة على رسالة النصيحة - الحلقة الخامسة والأخيرة

    الملحوظة السادسة قوله وفقه الله (ص 3) من الرِّسالة الورقية، و(ص 17) من طبعة (دار الإمام أحمد): «ينبغي لطلبة العلم خصوصاً الدعاة منهم أن يفرِّقوا بين المداراة والمداهنة، فالمداراة مطلوبة، وهي متعلِّقةٌ باللين في المعاملة، جاء في (لسان العرب) (14 / 255): مداراة الناس: ملاينتهم وحسنُ صحبتهم واحتمالهم لئلا ينفروا منك». والملحوظ هو: الواجبُ في نظري في مثل هذا المقام - مقام النَّصيحة، وبخاصَّة في مسائل شرعية مهمة كهذه -أن يُبين الدكتور الأصل الشرعي الذي بنى عليه هذا التَّنبيه، ثم يُعرجُ على كلام أهل العلم من أهل الشَّأن، لا أنْ يَعْتَمِدَ فِي بيان حَدِّ المداراةِ عَلَى عَلَمٍ مِنْ أَعلامِ الُّلغةِ وَهُو ابن منظور - وهُو أخذها بِدورهِ مِن ابنِ الأثير في (النِّهاية) (2 / 115)!!! -، خاصَّة وأنَّها مسألةٌ عظيمة وصفها هو بقوله فِي آخر التنبيه: «فليتنبه إلى هذا الأمر، فإنه مزلقٌ خطيرٌ، لا يُعصم منه إلا من وفقه الله وهداه»! أَوليسَ الواجبُ عليه - والمسألةُ بهذه الخطورة والأهمّية - أنْ يسلك الطَّريقة السَّابق ذكرها؟! لِيتفهَّم ويتربّى المنصوح - شاباً أو غيره - على طريقةِ أهل العلم، وأنَّ أجوبتَهم وأقوالهم مبنيّة على الدَّليل، وفق فهم سلف الأمَّة وأئمَّة الدِّين!... لتحميل المقال وتتمته يراجع الرابط الآتي: http://www.elbukhari...taqubaat_05.pdf تنبيه: عند طباعة المقال في برنامج Adobe Reader لا تظهر الآيات القرآنية، لذا ينصح بطباعته في برنامج Foxit Reader
  2. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    التعقبات الصريحة على رسالة النصيحة - الحلقة الرابعة

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فقبل الدخول في ذكر الملحوظة الخامسة على رسالة (النصيحة)، أرغب في التنبيه على أمرين: الأول: ليعلم الجميع أنَّ هذه التعقبات المسطورة على رسالة (النصيحة) هي مما كتبتُها سابقاً ولم أكتبها الآن، بل لم أزد عليها حرفاً واحداً، إلا ما كان من حاشية علقت عليها في إحدى الحلقات حول صور الهجر، وكان ذلك في الحاشية لا في المتن، وعليه فالمنشور من التعقبات في حلقاته الثانية والثالثة والرابعة - وهي هذه - هو مما كتبته بحروفه وأرسلتُ به إلى الدكتور إبراهيم، وهو الذي قرأه من ذكرتُ أسمائهم من العلماء والمشايخ في الحلقة الأولى، فلا يظن ظانٌّ أنني أكتب هذه التعقبات الآن، وإنما هي - كما قلت - مكتوبة منذ عام 1429هـ. الثاني: سأورد بعد هذه الحلقة بعض الملحوظات تتمة لهذه التعقبات، وهي ليست مما أرسلت بها إليه، وإنما آخذتُه عليها مشافهة في مضى من المجلسين المذكورين في الحلقة الأولى، وقد اطلع عليها بعض أهل العلم من المشايخ المذكورين سابقاً، لذا جرى التنويه والتنبيه، والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل. الملحوظة الخامسة قوله وفقه الله في (ص 2) من (الرِّسَالَة الورقية / طبعها عام 1424هـ) بعنوان (نصيحة للشَّباب)!، وهي في المطبوعة بِدار الإمام أحمد (ص 13) بعنوان (النصيحة فيما يجبُ مراعاته عند الاختلاف، وضوابط هجر المخالف والرد عليه) (طبعت عام 1428هـ)، قالَ: «ثانياً: ينبغي أن يُعلم أنَّ أهل السُّنَّة بحقٍّ هم أهل الامتثال الكامل للإسلام اعتقاداً وسلوكاً، وَمِنْ قصورِ الفهم أن يُظن أن السُّنِّي أو السَّلفي هو: مَنْ حقَّق اعتقاد أهل السُّنَّة دون العناية بجانب السلوك والآداب الإسلامية، وتأدية حقوق المسلمين فيما بينهم..». ثُمَّ نقلَ نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيمية مِنْ آخر كتابهِ (الواسطيّة) ليس له علاقة مباشرة فيما قرَّره الدكتور هُنا، كما سيأتي بيانه بحول الله. قلتُ: ولي مع هذا الكلام وقفاتٌ:... لتحميل المقال وتتمته يراجع الرابط الآتي: http://www.elbukhari.com/download/maqalaat/at_taqubaat_04.pdf
  3. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    التعقبات الصريحة على رسالة النصيحة - الحلقة الثالثة

    الملحوظة الثَّالثة قالَ وفَّقه الله (ص 5) من الرسالة الورقية، و(ص 25-26) من مطبوعة دار الإمام أحمد: «2/ ما يتعلَّق بالمهجور: وهو أن ينتفعَ بالهجر بِحَيثُ يُؤثِّرُ فيه في الرجوع إلى الحق، أما إذا كان لا ينتفعُ به بل قد يزيده بُعداً وعناداً فلا يشرعُ هجرهُ... - ثم علَّل قوله هذا ثم قال - ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف السادة المطاعين في أقوامهم وأهل الجاه كأبي سفيان وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وأمثالهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوماً ويهجرُ آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم» (مجموع الفتاوى) (28 / 206)». ولي مع كلام الدكتور هَذا وقفاتٌ:... لتحميل المقال وتتمته يراجع الرابط الآتي: http://www.elbukhari....taqubaat_03.pdf تنبيه: عند طباعة المقال في برنامج Adobe Reader لا تظهر الآيات القرآنية، لذا ينصح بطباعته في برنامج Foxit Reader
  4. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    التعقبات الصريحة على رسالة النصيحة - الحلقة الثانية

    الملحوظة الأولى قوله وفقه الله في (ص 21) من مطبوعة دار الإمام أحمد، - وهي غير موجودة بالكليَّة في (الرسالة الورقية!!!) -: «سادساً: يُشرع الهجر لثلاثة مقاصد شرعية؛ دلت عليها الأدلة وقررها الأئمة المحققون من أهل السُّنَّة. المقصد الأول: الهجر لمصلحة الهاجر، فللمسلم أن يهجر كل من يتضرر بمجالسته من المخالفين؛ كأهل البدع والمعاصي الذين يتضرر بمجالستهم في دينه.. - ثم ذكر حديث أبي موسى رضي الله عنه في الجليس الصالح والجليس السوء.. الحديث، وبيَّن من وجهة نظره وجه الاستدلال!! -. المقصد الثَّاني: الهجر لمصلحة الأمة؛ فيشرعُ هجر من في هجره نفعٌ متعدٍّ للأمة؛ كهجر بعض أصحاب المخالفات بحيث يؤثر هجرهم في زجر غيرهم عن مثل فعلهم.... - ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه في ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على صاحب الدين، وبين وجه الاستدلال، ثم نقل كلاماً عن شيخ الإسلام -. المقصد الثَّالث: الهجر لمصلحة المهجور (صاحب المخالفة)، فيشرع هجر أصحاب المخالفات من أهل البدع والمعاصي إن كان في هجرهم مصلحة لهم بالرجوع عن المخالفة والتوبة منها... - واستدل له بحديث هجر النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك وصاحبيه حتى تابوا، ولم يذكر وجه الاستدلال!، ولم ينقل أي نقل عن أحدٍ من أهل العلم -». ولي مع كلام الدكتور هذا وقفاتٌ:... لتحميل المقال وتتمته يراجع الرابط الآتي: http://www.elbukhari...taqubaat_02.pdf
  5. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    التعقبات الصريحة على رسالة النصيحة - الحلقة الأولى

    بسم الله الرحمن الرحيم إنَّ الحمد لله نَحمدُه و نستعينهُ ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدهِ اللهُ فَلا مُضلَّ لَهُ، وَ مَنْ يُضْلِل فَلا هَادي لَه، وَأَشهدُ أن لا إِلَه إلاَّ الله وحْدَه لا شَريكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أنَّ محمَّداً عَبْدُه وَرَسولُه صلى الله عليه وسلم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}. أمَّا بعدُ: فَإنَّ أصدقَ الحديثِ كَلامُ الله تَعالى، وخَيرَ الْهَدي هَديُ مُحمَّدٍ صَلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وشرَّ الأُمُورِ مُحَدَثَاتُها وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدَعةٌ وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ. ثُمِّ إنَّ مِنْ أُصُولِ أهْلِ السُّنَّةِ والجماعةِ العظيمة: وُجُوب الاجْتِماع والائتلاف ونَبذ الفُرقة والاختلاف، وأنْ يكونَ هذا الاجتماعُ على الحقِّ وبالحقِّ وللحقِّ. وهذا الأصلُ دلَّ عليه الكِتَاب والسُّنَّة، قَالَ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة: «تَعْلَمُونَ أنَّ من القواعدِ العظيمةِ التي هي مِنْ جِمَاعِ الدِّين: تأليفَ القلوبِ واجتماعَ الكلمةِ وصلاحَ ذات البين؛ فإنَّ الله تعالى يقول {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}...- وذكر آيات ثمَّ قال- وأمثال ذلك من النُّصوصِ تأمرُ بالجماعةِ والائتلافِ وتنهى عن الفرقةِ والاختلافِ، وأهلُ هذا الأصلِ هُمْ أَهْلُ الجماعة، كما أنَّ الخارجين عنْهُ هُمْ أهلُ الفرقة»( المجموع) لابن قاسم (28 / 51). ومِنْ أدلَّة هذا الأصلِ: قَولهُ تَعالى {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وقوله عزَّ وجلَّ {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ○ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}، وقوله {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}، وقوله {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} والآياتُ في البابِ كثيرةٌ. ومِنَ السنَّةِ ما جَاء فِي صَحيح مُسْلمٍ منْ حَديثِ أبِي هُريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إنَّ الله يرضَى لكم ثلاثاً ويَكْرَهُ ثَلاثاً، فيرضَى لكمْ أنْ تَعْبُدوه ولا تُشْرِكُوا به شيئاً، وأنْ تَعْتَصِمُوا بحبلِ الله جَمِيْعاً ولا تَفَرَّقُوا، ويَكْرَهُ لَكُمْ: قِيْلَ وقَالَ، وكَثْرَةَ السُّؤال وإضَاعةَ المال» (3 / 1340). قَالَ الحافظ ابن عبد البرِّ في (التَّمهيد) (21 / 272) شارحاً الْحَديث: «فيهِ الْحَضُّ على الاعتصام والتَّمسُّكِ بِحَبْلِ الله في حال اجتماعٍ وائتلافٍ. وحبلُ اللهِ فِي هذا الموضعِ فيه قَولان: أحدُهما: كتاب الله. والآخر: الجماعة، ولا جماعةَ إلاَّ بإمامٍ. وهو عندي معنىً متداخلٌ متقاربٌ؛ لأنَّ كتاب الله يأمرُ بالألفة، وينهى عن التَّفرُّقِ، قال تعالى {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ..}، وقَال {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا}..» إلى آخر كَلامه. وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (منهاج السُّنة) (3 / 134) مُفَسِّراً حبلَ الله تعالى: «وقد فُسِّرَ حبْلُه بكتَابِه، وبدينِهِ، وبالإسلامِ، وبالإخلاصِ، وبأَمْرِهِ، وبعَهْدِهِ، وبطَاعَتِهِ، وبالجمَاعةِ. وهذه كلُّها منقولة عن الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسانٍٍ إلى يوم الدِّين، وكلُّها صحيحة، فإنَّ القرآنَ يأمرُ بدين الإسلام، وذلك عهدُهُ وأَمْرُهُ وطَاعتُه، والاعتصام به جميعاً إنما يكون في الجمَاعة، ودين الإسلام حقيقتُه: الإخلاصُ للهِ». ومِنْ أدلَّةِ السُّنَّة أيضاً الدَّالةِ عَلى ذمِّ الافتراقِ والْحَثِّ على الاتِّفاقِ، حَديث الافتراق «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة..» وهو حَديثٌ مشهورٌ مَعْروفٌ ثابتٌ، وهو متضمنٌ التَّحذير مِنْ مُفَارقةِ سبيل المؤمنين، وكَلامُ أهلِ العلم فيه مَبْسُوطٌ مشهورٌ. ثُم إنَّه قَدْ وَقعَ الافتراق الَّذي حذَّرنا منْه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وظَهَرَتِِ الفِِرَق والنِّحل المخالفة لهديه صلى الله عليه وسلم المشاقَّة لسبيلِهِِ وسبيلِِ المؤمنين، وعادَ أتباع منْهجهِ صلى الله عليه وسلم حقَّاً وصدْقاً غُرَباء أشد النَّاس غربةً، إلا أنَّها غربة يُغْبَطُون عليها، ولا وحشةَ على أصحابها، قالَ الإمامُ ابن القيم في (مدارج السالكين) (3 / 196-200): «.. والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء وأهل العلم في المؤمنين غرباء وأهل السُّنَّة الذين يميزونها مِنَ الأهواء والبِدَعِ فيهم غرباء، والدَّاعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم… فالغربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله أهلها وأخبرَ عن الدِّين الذي جاء به أنه بدأ غريباً وأنَّه سيعود غريباً كما بدأ وأنَّ أهله يصيرون غرباء، وهذه الغربة قد تكون في مكانٍ دون مكانٍ ووقتٍ دون وقتٍ وبين قومٍ دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقاً فإنهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ولم يَدْعُوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم فيقال لهم ألا تنطلقون حيث انطلق الناس فيقولون فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده؛ فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفوه …ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النَّبيُّ التَّمسُّك بالسُّنَّةِ إذا رغبَ عنْها النَّاس وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم وتجريد التَّوحيد وإن أنكر ذلك أكثر النَّاس، وترك الانتسابِ إلى أحدٍ غير اللهِ ورسولهِ لا شيخٍ ولا طريقةٍ ولا مذهبٍ ولا طائفةٍ، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتِّباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقَّاً وأكثر النَّاس بل كلهم لائم لهم؛ فلغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم … بل الإسلام الحقّ الذي كان عليه رسول الله وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة فالإسلام الحقيقي غريب جدِّاً وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس. وكيف لا تَكُون فرقة واحدة قليلة جدَّاً غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة، ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات، ولا يقوم لها سوق إلا بمخالفةِ ما جاء به الرَّسول فإن نفس ما جاء به يضاد أهواءهم ولذاتهم وما هم عليه من الشُّبُهات والبدع التي هي منتهى فضيلتهم وعملهم والشهوات التي هي غايات مقاصدهم وإراداتهم، فكيف لا يكون المؤمن السَّائر إلى الله على طريق المتابعة غريباً بين هؤلاء الذين قد اتبعوا أهواءهم وأطاعوا شحهم و.… فإذا أراد المؤمن الذي قد رزقه الله بصيرة في دينه وفقهاً في سُنَّةِ رسوله وفهماً في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضلالات وتنكبهم عن الصِّراطِ المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصِّراط فليُوطِّن نفسه على: قدحِ الجُهَّالِ وأهلِ البدعِ فيهِ، وطعْنهم عليه، وإزرائهم به، وتنفير النَّاس عنه، وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلون مع متبوعه وإمامه، فأمَّا إنْ دعاهم إلى ذلك وقَدَحَ فيما هم عليه فهنالك تَقُومُ قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل ويجلبون عليه بخيل كبيرهم ورجله. فهو غريبٌ في دينهِ لفسادِ أديانهم، غريبٌ في تمسُّكهِ بالسُّنَّةِ لتَمَسُّكِهم بالبدع، غريبٌ في اعتقادهِ لفسادِ عقائِدِهم، غريبٌ في صَلاتهِ لسُوءِ صلاتهم، غريبٌ في طريقه لضلالِ وفسادِ طرقهم، غريبٌ في نسبتهِ لمخالفةِ نِسَبِهِم، غريبٌ في معاشرتهِ لهم لأنَّه يُعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم، وبالجملة: فهو غريبٌ في أمورِ دنياه وآخرته، لا يَجِدُ مِنَ العامَّةِ مسَاعِدَاً ولا معيناً، فهو عالمٌ بين جُهَّالٍ، صاحبُ سُنَّةٍ بين أهلِ بدعٍ، داعٍ إلى الله ورسولهِ بين دعاةٍ إلى الأهواءِ والبدعِ، آمرٌ بالمعروفِ ناهٍ عن المنكر بين قومٍ المعروف لديهم منكر والمنكر معروف »، فهذا كلام متين من إمامٍ من أئمة الهدى، فتأمَّله. لذا «فَالافتتانُ في الدِّينِ أمرٌ عظيمٌ، وَلَمَّا نَهى الله عنْه عزَّ وجلَّ بقوله {وَلَا تَفَرَّقُوا} يريدُ التَّفرُّقَ الذي لا يَتَأَتَّى معه الائتِلاف على الجهادِ وحمايةِ الدِّينِ وكلمةِ الله، وهذا هو الافتراق بالفتن والافتراق في العقائد، وأما الافتراق في مسائلِ الفروع والفقه فليس يَدْخُلُ في هذه الآية» قَالَهُ ابن عطية في (المحرر الوجيز) (3 / 182). ثُمَّ بَعْدَ هذه التَّوطئةِ انْتَقِلُ إلى بَيَانِ أمرينِ مُهِمَّيْن قَبْلَ ذِكرِ التَّعقُّباتِ، وهُمَا إجمالاً: 1/ أَنَّ الْخَطَأَ إذَا وَقَعَ وظَهَرَ يَجِبُ رَدُّهُ بِعِلْمٍ وعَدْلٍ، نُصْحَاً للأمُّة وقياماً بواجب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. 2/ حَقِيقةٌ لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا. وأمَّا تفصيلهما؛ فأقولُ وبالله التوفيق: أوَّلاً: أنَّ الْخَطَأَ إذَا وَقَعَ وَظَهرَ وَجَبَ ردُّه بعلمٍ وعَدلٍ نُصْحَاً للأُمَّةِ وقياماً بواجبِ الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر إنَّ مِنْ أَهمِّ وآكَد الوَاجِبَات الْمُحَافَظة عَلى الشَّريعة الْمُحَمَّدية، وصيَانتهَا وَتَنقيتهَا مِنَ الدَّخيل، وَ قَدْ أَدْركَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم هَذا الوَاجب؛ فَقَاموا به حَقَّ قيامٍ، وتَبعهم عليه مَنْ سَلَكَ سبيلهم منَ التَّابعين وأئمَّة الدِّين والملَّة، قَالَ الحافظ أبو حاتم ابنُ حبَّان البستي (ت 354هـ): «فُرْسَانُ هَذا العِلْم الَّذين حَفِظُوا عَلى الْمُسْلِمينَ الدِّين، وهَدوهم إلى الصِّراط المستَقيم، الَّذين آثروا قَطْعَ الْمَفَاوِزِ وَ القِفَار علَى التَّنَعُم في الدِّيار والأوْطان في طَلَبِ السُّنَنِ في الأمْصَارِ، وجَمْعِها بالرَّحَلِ والأسْفار والدَّورانِ في جميعِ الأقطارِ، حتَّى إنَّ أحدَهم لَيَرْحُلُ في الحديثِ الواحِدِ الفَرَاسخَ البعيدة وفي الكَلمةِ الواحدةِ الأيامَ الكثيرةَ، لِئَلا يُدْخِلَ مُضِلٌّ في السُّنَنِ شيئاً يُضِلُّ به، و إنْ فَعَلَ فَهُمُ الذَّابُّونَ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذَلك الكَذب، والقَائمونَ بنُصْرةِ الدِّينِ» (المجروحين) (1 / 27). وَإنَّ مِنَ الْمُسَلَّماتِ أنَّ الصِّراعَ بين الْحَقِّ والباطل، والصَّحيحِ والسَّقيمِ بَاقٍ ومُستمرٌّ حتَّى قيام السَّاعة، وعليهِ فَلا بُدَّ - والحالةُ هَذهِ - منَ الاسْتِمْرَار على مَنْهج الصَّحابةِ رضي الله عنهم والتَّابعين وأئمَّة الدِّين: مِنْ حِرَاسةِ الشَّريعة الْمُحَمَّدية وَ الْمُحَافَظةِ عَلى بقائها نقيَّة صافية، مَعَ القِيامِ بِمَا أَوجبَ اللهُ مِنْ بَيَان الحقِّ للخلقِ وردِّ الباطلِ. قال الإمامُ ابن القيِّم في النُّونيَّة: هَذا ونصرُ الدِّين فرضٌ لازم *** لا للكـفايـة بـل عـلى الأعـيـان بيدٍ وإما باللسان فإنْ عجز *** ت فبالتَّوجه والدعا بجنان وفي نصوص الشَّرْع مَا يدَلَّ عَلَى ذَلكَ: 1/ فَقَدْ أخْرَجَ البُخَاريُّ في (صحيحه) (13 / رقم 7022) واللفظ له، ومسلمٌ في (الصَّحيح) (رقم 1037) منْ حديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتي أمَّةٌ قائمةٌ بأمرِ اللهِ، مَا يَضُرُّهم مَنْ كذَّبهم وَلا مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». ووردَ نحوهُ من حديث المغيرة رضي الله عنه عندهما أيضاً، ومن حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم، وغيرهما من الصحابة رضي الله عن الجميع. 2/ مَا أخرجه البُخاريُّ في (صحيحه) (8 / رقم 4547 / 209- فتح) واللفظ له، ومسلمٌ في (الصحيح) (16 / ص 216- نووي) مِنْ حَديثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ». وجهُ الاستدلال: ما قَاله الحافظُ النَّووي في (شرحه لصحيح مسلم) (16 / 218): «في هَذا الْحَديثِ التَّحْذيرُ مِنْ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الزَّيغِ وأَهْلِ البِدَعِ وَ مَنْ يَتَّبعُ الْمُشْكلاَت للفِتْنةِ..». 3/ وَ أيضاً قَوله صلى الله عليه وسلم: «سَيَكُون في آخر أمتي نَاسٌ يُحدِّثونكم بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُم وَ لا آبَاؤُكُم فَإيَّاكُمْ وَإيَّاهُمْ»، أَخرجه مسلمٌ في (مقدِّمة الصَّحيح) (رقم 6) (باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها). قال الإمامُ البغوي في (شرح السنة) (1 / ص 223): «حديثٌ حسنٌ..». وجه الاستدلال: أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخبرَ بِهَذا الغَيْبِ عَنْ أَقوامٍ يَأتونا بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، فَأَمَرَنَا بِمُجَانبتهم، وحذَّرنا منْهُم. و المتأمِّلُ فِي كَلامِ الأئمَّة يَجِدُ حرصهم على بيانِ الْحَقِّ والرَّدِّ على الباطلِ، بِعِلْمٍ وعدلٍ، فَمِنْ ذَلك: - قَالَ شيخُ الإسلام ابن تيميَّة كما في (المجموع) (28 / 231-232): «ومثل أئمَّة البِدَعِ مِنْ أهل المقالات المخالفةِ للكتاب والسُّنَّة، أو العِبَادات المخالفة للكتِابِ وَالسُّنَّة، فإنَّ بَيانَ حَالهم، وتَحذيرَ الأُمَّةِ مِنْهُم، واجبٌ باتِّفاق المسلمين، حَتَّى قيل لأحمد بن حنبل: الرَّجل يَصُوم وَ يُصلِّي ويعتكفُ أحب إليك أو يتكلَّم في أهل البدعِ؟ فقال: إذا قَام وصلَّى واعتكفَ فإنَّما هو لنفسهِ، وإذا تكلَّم في أهلِ البدعِ فإنَّما هو للمسلمين، هذا أفضل. فبيَّن أَنَّ نَفْعَ هَذا عامٌّ للمسلمين فِي دِينهم، مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبيل الله؛ إذْ تَطْهِيرُ سَبِيْل الله وَ دِيْنهِ وَ مِنْهَاجهِ وَشِرْعَتهِ، ودفع بغي هَؤلاء وعُدوانهم علَى ذَلك، وَاجبٌ علَى الكِفَايَةِ باتِّفاقِ المسلمينَ، ولَولا مَنْ يُقِيْمهُ الله لدَفْعِ ضَرَرِ هَؤلاء لَفَسَدَ الدِّين، وكانَ فَسَادُهُ أَعظم مِنْ فَسادِ اسْتِيْلاءِ العَدوِّ مِنْ أَهْلِ الْحَربِ؛ فإنَّ هَؤلاء إذَا اسْتَولوا لَمْ يُفْسِدُوا القُلُوبَ وَمَا فيها مِنَ الدِّينِ إلاَّ تَبَعاً، وأمَّا أُولئكَ فَهُمْ يُفْسِدُونَ القُلُوبَ ابْتِدَاءً». وقالَ أيضاً: «المقصودُ أنَّ هذه الأُمَّة- ولله الحمد- لم يزلْ فيها مَنْ يتفطَّنُ لما في كلامِ أهلِ البَاطلِ ويردّه، وهم لما هداهم الله به، يتوافقونَ في قبولِ الحقِّ، وردِّ البَاطلِ رأياً وروايةً من غير تشاعرٍ ولا تواطؤٍ» (المجموع) (9 / 233). وقَالَ أيضاً كما في (مجموع الفتاوى) (3 / 245): «..هَذا وأنَا فِي سِعَةِ صَدْرٍ لِمَن يُخَالفني، فإنَّهُ وَإنْ تَعدَّى حُدُود الله فِيَّ بِتَكْفِيرٍ أو تَفْسيقٍ أوْ افْتَراءٍ أو عَصبيَّةٍ جَاهليَّةٍ: فَأنَا لاَ أَتَعَدَّى حُدُودَ الله فيهِ، بَلْ أضْبِطُ مَا أَقُولهُ وَ أَفعلهُ، وَ أَزنُهُ بِمَيزانِ العَدْلِ، وَأجعلهُ مُؤْتَماً بالكتَابِ الَّذي أنزلَهُ الله، وَجَعَلهُ هُدىً للنَّاسِ، حَاكماً فيْمَا اخْتَلَفُوا فيهِ، قالَ الله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}، وقال تعالى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، وقال تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، وذلك أنَّك ما جزيتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}، وقال تعالى {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}». و قال أيضاً في (الجواب الصِّحيح) (1 / 107- 108): «ولَمَّا كَانَ أَتْبَاعُ الأنَبياء هُم أهْلُ العِلْمِ وَالعَدْلِ، كانَ كَلام أهْل الإسلامِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الكُفَّارِ وَأهلِ البِدَعِ بِالعِلْمِ وَالعَدْلِ لاَ بِالظَّن و مَا تَهوىَ الأَنْفُس، ولِهَذا قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم «القُضَاةُ ثلاثةٌ..»، فإذَا كانَ مَنْ يَقْضي بَيْنَ النَّاسِ فِي الأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالأَعْرَاضِ إذَا لَمْ يَكُن عَالِمَاً عَادِلاً كَانَ فِي النَّارِ، فَكَيفَ بِمَنْ يَحْكُمُ فِي الْمِلَلِ وَالأَدْيَانِ وَأُصُول الإيْمَانِ وَالْمَعَارِفِ الإلهيّة وَالْمَعالِمِ العَليّة بِلاَ عِلْمٍ وَلاَ عَدْلٍ؟». وقال أيضاً في (الرَّدِّ على الإخنائي) (ص 110): «وليسَ الْمَقْصُودُ أيْضَاً العُدْوانُ عَلَى أَحَدٍ- لاَ الْمُعْتَرِضِ وَلا غَيرِهِ - وَ لاَ بَخْسِ حَقِّه وَلاَ تَخْصيصهِ بِمَا لاَ يَخْتَصُّ بِهِ مِمَّا يَشْركهُ فِيْهِ غَيرهُ، بَلْ الْمَقُصود الكَلاَم بِمُوجبِ العِلْمِ وَ العَدْلِ وَ الدِّيْنِ كمَا قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}». وقَالَ الإمامُ ابنُ رجبٍ الحنبلي في (جامع العلوم والحكم) (1 / 372) شارحاً حديث (لا تَغْضَبْ) عنْدَ البُخاريّ، قَال: «وكَانَ مِنْ دُعَائهِ صلى الله عليه وسلم «أَسْأَلُكَ كَلِمةَ الْحَقِّ فِي الغَضَبِ وَالرِّضا»، وهَذا عَزيزٌ جدَّاً، وهو أنَّ الإنْسَانَ لاَ يَقُولُ سِوى الْحَقِّ سَواء غَضِبَ أو رضيَ، فإنَّ أكثرَ النَّاسِ إذَا غضبَ لا يَتَوقَّف فِيْمَا يَقُولُ» قال الإمامُ ابنُ القيم في (إعلام الموقعين) (3 / 106-107): «... واللهُ تعالى يُحبُّ الإنْصَافَ، بَلْ هُو أَفضلُ حِليةٍ تَحلَّى بِهَا الرَّجُل، خُصوصاً مَنْ نَصَّبَ نَفْسه حَكَماً بَين الأَقْوالِ وَالْمَذاهبِ، وقَد قالَ الله تعالى لرسوله {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}، فَورثَةُ الرَّسُولِ مَنْصبهمْ العَدل بَيْنَ الطَّوائف، و ألاَّ يَميلَ أَحَدهُم مَعَ قَريبهِ وَذَوي مَذْهبهِ وَطَائفتِهِ وَ مَتْبُوعهِ، بَلْ يَكُونُ الْحَقّ مَطْلوبهُ، يَسِيْرُ بِسيرهِ، وَيَنْزِلُ بِنُزُولهِ، يَدينُ بدينِ العَدْلِ وَالإنْصَافِ وَيَحْكِّمُ الْحُجَّة، وما كانَ عليهِ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأَصْحَابُهُ؛ فَهُو العِلْمُ الَّذي قَد شَمَّر إليهِ، وَ مَطْلُوبُهُ الَّذي يَحومُ بِطَلبهِ عليهِ، لا يثْني عنَانهُ عَذْل عَاذلٍ، وَلا تَأْخذه فيهِ لَومَةُ لائِمٍ، وَلاَ يَصدُّه عَنْهُ قَولُ قَائلٍ». ثَانياً: حَقيقةٌ لابُدَّ مِنْ ذِكْرهَا إنَّ الله تَعالى مِنْ حكمتهِ وَ لُطْفهِ بِخَلقهِ ورحمتهِ بهم بَعَثَ إليهم الأنبياء وأنزلَ عليهم كُتبه؛ لبيان الْحَقِّ للخلق ودعوتهم إلى لزومِ شَريعتهِ ودينهِ، وتحقيق العبودية له سبحانه، قال عزَّ وجل {كانَ النَّاسُ أمَّةً واحدةً فبعثَ اللهُ النَّبيِّين مُبَشِّرين ومُنْذِرينَ وَأَنْزَلَ مَعهمُ الكتَاب بالْحقِّ لِيَحْكُمَ بين النَّاسِ فيما اختلفوا فيه}، وقالَ سُبْحانه {ولَقَدْ بَعثنَا فِي كُلِّ أمَّةٍ رسُولاً أن اعْبُدوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوت}، وقال تعالى {وإِلَى عَادٍ أخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَومِ اعْبُدَوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، وقالَ تعالى {وإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَومِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، وقَالَ تَعالَى {وإلَى مَدْينَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَاً قَالَ يَا قَومِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، وقالَ تَعالَى {ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحي إليهِ أنَّه لاَ إِلَه إلا أنَا فَاعْبُدُون}، فِي آياتٍ كثيرةٍ. ومنَ الْمُعُلومِ الثَّابتِ أنَّ هؤلاء الرُّسل صَلَوات الله وسلامه عليهم أوذوا فِي سبيلِ الله، إيذاءً بالغاً؛ إلا أنَّ الله تَعالى أَمَرَهُمْ - وأمرَ أَتْبَاعَهمْ- بالصَّبرِ والتَّحمُّل فِي سَبيلهِ، فقالَ تعالى {فاصْبِرْ كَمَا صبَر أُلوا العزمِ مِنَ الرُّسلِ ولاَ تَسْتَعجلْ لَهُم}، وقال تعالى {ولَقَدْ كُذِّبت رُسُلٌ منْ قَبْلِك فَصَبُروا عَلى مَا كُذُّبوا وأُوذوا حتَّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّل لِكَلمَاتِ الله ولقَدْ جَاءَك مِنْ نَبَأ الْمُرْسَلين}، فِي آياتٍ أُخر. ووعَدَ اللهُ تَعالَى الصَّابرينَ عَلَى الْحَقِّ بالأجرِ الْجَزيلِ فَقَالَ تعالى {سلامٌ عليكم بِمَا صَبرتُم فَنِعمَ عُقْبَى الدَّار}، وقال تعالى {ولئنْ صَبَرتُمْ لَهُو خَيرٌ للصَّابِرين}، وقال تعالى {ولنَجْزِينَّ الذينَ صَبَروا بِأَحْسن مَا كَانُوا يَعْمَلُون}، وقال تعالى {إنِّي جَزيتهم اليومَ بِمَا صَبَروا أنَّهم هم الفَائزون}، وقال {وجَعلنَا مِنْهُم أئمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وكانُوا بِآيتِنَا يُوقِنُونَ}، وقَال سُبْحَانه {إنَّه مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِر فَإنَّ الله لا يضيعُ أجر الْمُحْسِنين}، وقال عز في عُلاه {واصْبِرُوا إنَّ الله معَ الصَّابرين}، في آياتٍ عِدَّة. قالَ الإمامُ ابن القيِّم في (التًّبوكية) (ص 48-50) بعد أنَّ قرَّر أنَّ السَّعادة في الدَّارين سَبَبها طاعة الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وأنَّ الشُّرور العامَّة والمصائب الواقعة في الأرض، وما يصيبُ العبد في نفسه، إنَّما هو بسبب مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، والخروج عن طاعته، قَالَ: «وهذا برهانٌ قاطعٌ على أنَّه لا نَجاةَ للعبد ولا سعادةَ إلا باجتهاده في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علماً، والقيام به عملاً. وكمالُ هذه السعادة بأمرين آخرين: أحدهما: دعوةُ الخلق إليه. والثاني: صبرهُ وجهادهُ على تلك الدعوة. فانحصر الكمالُ الإنساني في هذه المراتب الأربعة: أحدها: العلم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. الثَّانية: العملُ به. الثَّالثة: بثُّه في الناس، ودعوتهم إليه. الرَّابعة: صبره وجهاده في أدائه وتنفيذه. ومن تطلَّعت همَّتُه إلى معرفة ما كان عليه الصحابة وأراد اتباعهم؛ فهذه طريقتهم حقَّاً. فإن شئتَ وصلَ القومِ فاسلُكْ طريقهم... فقد وضحتْ للسالكينَ عِياناً» اهـ. ويُنْظَرُ لِزَاماً لمن أراد مزيد فائدة في رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية (قاعدة فِي الصَّبر) مطبوعة متداولة، فإنها نَافعةٌ بإذن الله والله الموفق. فَمَنْ سَلَكَ سبيلَ الرُّسل صَلُوات الله وسلامه عَليهم في دَعْوةِ الْخَلقِ، وبيانِ الْحقِّ، والرَّدِّ على الباطلِ بِعِلْمٍ وعَدْلٍ، يَجِبُ أنْ يتحلَّى بالصَّبر عَلى مَا يُصيبه مِنَ الأذى فِي سَبيلِ الله، وَأنْ يَسْعَى بِكُلِّ جهْدهِ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ وَردِّ الباطلِ، مُسْتَصِحبَاً الرِّفْقَ الشَّرعي وَالشَّفقةِ عَلَى الْمَنْصُوحِ المردودِ عَليهِ، بِبَذْلِ النُّصحِ لَهُ أوَّلاً، فَإِنْ قَبِلَ فَالحمدُ لله، وعلى المنصوحِ البَيان إنْ كانَ الْخَطَأُ مُنْتَشِراً، أمَّا إنْ لَمْ يَقْبَلها وعَاندَ أو كانت الْمُخَالِفَة قَدْ ذَاعَتْ وَشَاعَتْ وطَارت بِها الرُّكْبَان وتَلَّقها مَنْ تَلَّقَها عَلى أنَّها دِيْنٌ يُدَان لله بِهِ، فَحِيْنَئذٍ تُرَدُّ الْمُخَالَفَةُ - ابتداءً - بالأدلَّةِ الشَّرعيَّة؛ ليَتَبيَّن الْحَقّ ويَظْهَر، ولَو لَمْ تُبيَّن لَه أوَّلاً؛ لأنَّ ذَلكَ مِنَ الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكرِ. لذَا فَأقول تَجْلِيةً للحقائقِ وبَيَاناً لِحَقيقةِ الواقع- واللهُ خيرُ الشَّاهدين - أنَّ مَا قرَّرتُه هُنَا هُو عَين ما سلكتُه مع الدُّكُتور إبراهيم الرحيلي - هَداه الله ووفقَّهُ -، وبَيَانُهُ:... لتحميل المقال وتتمته يراجع الرابط الآتي: http://www.elbukhari.com/download/maqalaat/at_ta'qubaat.pdf
  6. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    البَشَائِرُ بِمَا فِي رِحْلَتِي إلَى بِلاَدِ الْجَزائِرِ

    بسم الله الرحمن الرحيم (تَمْهِيدٌ) إنَّ الْحَمْدَ لله، نَحمَدُهُ، وَنَستَعِينُهُ، وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعمَالِنا، مَن يَهدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ، وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}. أمَّا بَعدُ: فَإِنَّ أَصدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيرَ الهَدي هَديُ مُحَمَّدٍ ص، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَةٌ وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالةٍ فِي النَّارِ. وَ بَعْدُ: فَإنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَى عِبَادهِ لاَ تُحصى، فَواجِبُ العَبْدِ تجاهَها أنْ يَشْكُرهُ وَلا يَكْفرهُ، قَالَ سُبحانه {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، ونِعَمهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى علَى عِبَاده تَنْقَسمُ إلى قِسْمَين، قَالَ الإمَامُ ابنُ القَيِّم فِي كتابه العظيم (اجتماع الْجُيوش الإسلاميّة)(ص5-9):" والنِّعْمَةُ نِعْمَتَان: نعمةٌ مطلقة، ونعمة مقيَّدة. فالنِّعمةُ الْمُطْلَقة هي: الْمُتَّصلةُ بِسَعادةِ الأبد، وهي نِعْمةُ الإسْلامِ والسُّنَّة، وهي النّعمةُ الَّتي أَمَرنا اللهُ سُبحانَهُ وتَعالَى أنْ نَسألَهُ فِي صَلواتنا أنْ يَهدينَا صِرَاطَ أهْلِها، ومَنْ خَصَّه بها و جَعلهم أهل الرَّفيقِ الأعْلَى حَيثُ يَقول الله تعالى دوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًاج؛ فَهؤلاء الأصْنَاف الأربعة هُم أهْل النِّعمة الْمُطلَقة، و أَصْحَابها أيضاً هُم الْمَعْنِيُّونَ بقولِ الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فأضافَ الدِّين إليهم إذْ هُم الْمُخْتصُّون بهذا الدِّين القَيِّم دُونَ سَائِرِ الأُمَم.....- إلى أنْ قَال- والمقْصُودُ أنَّ هَذه النّعمة هي النِّعمة المطلَقة، وهي الّتي اختصّت بالمؤمنين، وإذا قيلَ: لَيسَ لله علَى الكَافِرِ نِعمة، بهذا الاعتبارِ فهو صحيحٌ. والنِّعمةُ الثَّانية: النِّعْمَةُ المقيَّدة،كنعمةِ الصِّحَّة والغِنَى، وعافية الْجَسدِ, وتَبسّط الجاه وكثرة الوَلدِ و الزَّوجة الحسَنة، وأمثال هَذا، فهذه النّعمةُ مُشتركةٌ بين البَرِّ والفَاجرِ , والمؤمنِ والكَافرِ، وإذا قيلَ لله على الكَافر نِعْمة بهذا الاعتبار، فهو حقٌّ، فلا يصحُّ إطلاق السَّلب والإيجاب إلا على وجهٍ واحدٍ، وهو أنَّ النِّعمَ المقيَّدةَ لَمَّا كانت اسْتِدراجاً للكافر ومآلها إلى العَذاب والشَّقاء، فكأنَّها لم تكن نِعمة وإنَّما كانت بَليَّةً،كما سَمَّاها الله تعالى في كتابهِ كَذلك فقالَ تعالَى {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا} أي ليس كلُّ مَنْ أكرمته فِي الدُّنيا ونَعَّمته فيها فقد أنعمتُ عليه، وإنَّما كانَ ذَلك ابتلاءً منِّي له واختباراً، ولا كلُّ مَنْ قَدرتُ عليه رِزْقَهُ، فَجعلتُه بِقَدْرِ حَاجتهِ مِنْ غَيرِ فَضيلةٍ أكونُ قَد أهنْتُه، بَلْ أبْتَلي عبدي بالنِّعمِ كما أبتليهِ بالْمَصائبِ....- إلى أن قال- وهذه النِّعمةُ الْمُطْلَقةُ هي الَّتي يُفْرَحُ بِها فِي الْحَقيقةِ، والفَرَحُ بِهَا مِمَّا يُحبّه الله ويَرْضَاهُ، وهو لا يُحبُّ الفَرحين، قال تعالى {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، و قد دارتْ أقوالُ السَّلفِ عَلى أنَّ فَضْلَ الله ورحمته: الإسْلام والسُّنَّة، وعَلى حَسب حياةِ القَلبِ يَكون فَرحهُ بِهما، وكلَّما كانَ أرْسَخ فيهما كان قَلبهُ أشدّ فَرحاً، حتَّى إنَّ القَلْبَ إذَا باشرَ رُوحَ السُّنَّةِ لَيَرْقُص فَرحاً أخوف مَا يكونُ النَّاس، فإنَّ السُّنَّة حِصْنُ الله الحصين الَّذي مَنْ دَخلَهُ كانَ مِنَ الآمنين....وهي الْحَياةُ والنُّور الَّلذين بهما سَعاَدة الأبَد وَهُداه وفوزه، قَال تعالى {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}، فصاحبُ السُّنَّة حَيُّ القَلْبِ مُسْتَنِيرُ القَلْب، وصاحبُ البِدَعَةِ مَيت القَلب مُظْلمهُ، وقَد ذكر سُبحانه هَذين الأصْلَين في كتابهِ فِي غَير موضعٍ، وجعلهما صفة أهل الإيمان، وجعلَ ضدَّهما صفة مَنْ خَرج عنِ الإيْمَان؛ فإنَّ القلب الْحيَّ المستنير هو الَّذي عَقل عَن الله وفَهِمَ عنْه، وأذعنَ وانْقَادَ لِتوحيده، ومتابعةِ مَا بعث به رَسوله صلى الله عليه وسلم، والقَلْبُ الْمَيّت الْمُظْلِم الَّذي لَم يَعقل عن الله، ولا انْقَاد لِما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يَصفُ سبحانه هذا الضَّرب من النَّاس بأنَّهم أمواتٌ غَيْرُ أحياء، وبأنَّهم في الظُّلمات لا يَخرجُون منها، ولهذا كانت الظُّلمةُ مُسْتَوليةً عَليهم فِي جميع جهاتهم، فَقُلُوبهم مُظْلمة ترَى الحقَّ في صُورةِ البَاطلِ، والبَاطلَ فِي صُورةِ الحقِّ، وأعمالهم مُظْلمة، وأقوالُهم مظْلمة، وأحوالُهم كلُّها مُظْلمة، وقبورهم ممتلئة عَليهم ظلمة، وإذا أقيمت الأنْوار دُون الجسر للعبورِ عليه بقوا في الظُّلمات، ومَدخلهم في النَّار مُظْلمٌ، وهذه الظُّلمة هي التي خُلقَ فيها الْخَلْقُ أوَّلاً، فمنْ أرادَ الله سُبحانه وتعالى به السَّعادة أخرجه منْها إلى النُّور، وَمَنْ أرادَ بِه الشَّقاوة تَركهُ فيها.... والخارجونَ عن طَاعَةِ الرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم ومُتابعتهم يَتَقلَّبونَ فِي عَشر ظُلمات: ظُلْمة الطَّبع، وظُلمة الْجَهل، وظُلمة الْهَوى، وظلمة القَول، وظُلمة العمَل، وظُلمة الْمَدْخَل وظُلمة الْمَخْرَجِ، وظُلْمة القَبر، وظُلمة القِيَامة، وظُلْمَة دَار القَرار، فَالظُّلمةُ مُلازمة لهم في دُورهم الثَّلاثة. وأتْبَاع الرُّسُل صلوات الله وسلامه عليهم يَتَقلَّبونَ فِي عَشرةِ أنْوارٍ: ولهذه الأُمَّة مِنَ النُّورِ مَا ليسَ لأُمَّةٍ غَيرها، ولنبيّها صلى الله عليه وسلم مِنَ النُّور ما ليس لِنبيٍّ غيره.." انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْ كَلامِهِ رحمه الله. وَ بِفَضْلٍ مِنَ الله ومنَّتهِ أنْ تَمَّت زيارتِي العِلْميَّة الدَّعويَّة للدِّيار الْجَزائريّة ، واجتمعتْ لأهلِ السُّنَّةِ الْمَحضةِ فِي هَذهِ الرِّحلة العلميَّة الدَّعويَّةٍ النِّعمتان: النِّعْمَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَالْمُقيَّدة؛ لذا كان لِزاماً عَليْنَا جَميعاً شُكره سُبْحَانَهُ بالقَلْبِ وَ القَول والعَمَلِ؛ و ذَلِكَ بِأنْ نُحَقِّق العُبوديّة لَه سُبحانه، ونُخْلِصَ الشُّكر لَه سِرَّاً وعلانية، هَذا بِالقَلبِ، وأمَّا بالقَولِ بأنْ نَذْكُرهُ ونُثْني عليهِ الْخَيرَ كُلَّه، فلاَ خير يُدْرَكُ إلا بعَونهِ سُبْحَانه، فَلَهُ الْحَمدُ فِي الأُولَى وَالآخِرة، و أمَّا بالعَملِ بِأنْ نُسَخِّر هَذه الجوارح الَّتي مَنَّ بِهَا عليْنَا فِي مَراضيهِ وَمَحابِّهِ سُبْحَانَهُ، فَلاَ نَنْطِقُ إلا فِيْمَا يُحبُّ أيْ فِي الْحَقِّ وبالْحقِّ وفِي نُصْرةِ الْحَقِّ، ولاَ نَرَى وَلاَ نَسْمَعُ ولاَ نَمْشِي وَلاَ نَأْخُذ ولا نُعْطي إلا فِيْمَا يُحبُّه وَيُقَرِّبُ إليهِ سُبْحَانه، فَاللهَ أسألُ لِلْجميعِ التَّوفيق والسَّداد في الدَّارين، آمين. أَوَّلاً: أقسامُ النَّاس تجاه هذه الرِّحلة؟ في الحقيقةِ تَأمَّلتُ ونظرتُ فِيْمَا صَرخت به نُفُوسُ بَعضِ النَّاسِ- هَدَاهم الله- تجاه هَذه الرِّحلة العِلميَّة الدَّعوية، وآلَمني كَثيراً أنْ آلَ أمرُ هَذه القلِّةِ! إلى هذا الْمُسْتَوى مِنْ مُجانبةِ الْحَقيقةِ وَ الوَاقعِ؛ بلْه الكَذب؟!- وحسبُك بها جريمة-، فَأسِفْتُ لِحَالِهمِ؛ وقلتُ: هَلَّا سَأَلُوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ أَوَلاَ يَعْلَمونَ أنَّ شِفَاء العِيِّ السُّؤال؟ وقَديْمَاً قيل: (الْجَاهِلُ عَدوُّ نَفْسهِ)، وقيل أيضاً: (رُبَّ كَلِمَةٍ قَالَتْ لِصَاحبهَا دَعْنِي)، فَتَذكَّرتُ حِيْنَها مَقَالات عظيمة لعددٍ منَ أئمة أهل السُّنة والجمَاعة، يَحْسُنُ ذِكْرُها وَالتَّذكيرُ بِها؛ لَعلَّها تَبْلُغُ بَعْضَهُم فَيَتَذكَّرُ أو يَخْشَى! فَمِنْ تِلْك الكَلِمَاتِ العَظِمية: 1/ قولُ الإمامِ الْحَسن البَصريّ رحمه الله: (( نُفُوسُكم مَطَايَاكُم، فَأصْلِحُوا مَطَايَاكُم تُبلغكمْ إلَى ربِّكُم عزَّ وجلَّ )) (فتح الباري) للإمام ابن رجب (1 /153). 2/ قَولُ الإمام محمَّد بن إدريس الشَّافعي رحمه الله لِصاحبهِ وَتِلميذهِ الرَّبيع بن سليمان: (( يا رَبيع لاَ تَتَكلَّم فيْمَا لاَ يَعْنِيك، فإنَّك إذَا تكلَّمتَ بالكَلِمَةِ مَلَكتْكَ ولَمْ تَمْلكها )) (مناقب الشَّافعي) للبيهقي (2 /174) و(الأذكار) للنَّووي (ص 454) وينظر (السير)(10 /98). وقوله رحمه الله أيضاً: (( لاَ يَكْمُلُ الرُّجلُ إلا بأربعٍ: بالدِّيانةِ والأمانَةِ وَالصِّيانةِ وَالرَّزانَةِ )) (السير) (10 /98). وقَوله أيضاً : (( العَاقِلُ مَنْ عَقَلَهُ عَقْلُهُ عَنْ كُلِّ مَذْمُومٍ)) (المصدر السَّابق). 3/ وقَولُ الإمام ابن القيَّم رحمه الله في (الفوائد)(ص 133-134): (( إيَّاك والكذبَ؛ فإنَّه يُفْسِدُ عليك تَصوّر المعلومات علَى ما هيَ عليه، ويُفسِدُ عليك تَصويرها وتعليمها للنَّاس. فإنَّ الكاذبَ يُصوِّرُ المعدومَ مَوجوداً، والموجودَ مَعْدوماً، والْحَقَّ باطلاً والباطلَ حقَّاً، والخيرَ شرَّاً، والشرَّ خيراً، فَيَفْسُدُ عَليه تَصوُّرُه وعلمه، عُقوبةً لَهُ، ثم يُصوِّر ذلكَ في نفس المخَاطَبِ الْمُغترِّ به الرَّاكن إليه؛ فيُفْسِدُ عَليه تَصوُّرَه وعِلمهُ. ونَفْسُ الكاذب مُعْرِضةٌ عَن الحقيقةِ الموجودة، نزَّاعةٌ إلى العَدم، مُؤثِرةٌ للبَاطلِ. وإذَا فَسدت عليه قُوَّةُ تَصوُّرهِ وعِلمهِ الّتي هي مَبْدَأُ كُلِّ فِعْلٍ إراديٍّ؛ فَسدتْ عليه تِلك الأفعالُ، وَ سَرَى حُكْمُ الكَذِب إليْهَا، فصَارَ صُدُورها عنْهُ كَمَصْدَرِ الكَذِبِ عَن الِّلسانِ؛ فَلا ينتفعُ بِلسَانهِ ولا بأعْمَالهِ. ولهذَا كَانَ الكَذِبُ أسَاسَ الفُجُور، كمَا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (إنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهدي إلى النَّار)- قلتُ: هو حديث متفقٌ عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه-. وَ أوَّلُ مَا يَسري الكَذبُ مِنَ النّفسِ إلَى الِّلسان فيُفْسِدهُ، ثُمَّ يَسري إلَى الْجَوارحِ فيُفْسِدُ عليها أعمالها كمَا أفسدَ على الّلسان أقوالَه، فَيَعُمُّ الكَذبُ أقوالَه وأعمالَه وأحوالَهُ، فيَسْتَحْكِمُ عليه الفَسَادُ، وَ يَترامى دَاؤهُ إلى الهلكة إنْ لَم يَتداركه اللهُ بِدواءِ الصِّدقِ يَقلَعُ المادة منْ أصْلِها. ولهذا كانَ أصلُ أعمَالِ القُلوبِ كُلِّها الصِّدْق، وأضدادُها منَ الرّياء والعُجب والكِبْر والفَخْر والْخُيلاء والبَطَر والأَشر وَالعَجْر والكَسَل والْجُبْن والمهَانة وغيرها أصلها الكذبُ؛ فَكلُّ عملٍ صالح ظاهرٍ أو باطنٍ فمنْشَؤُه الصّدقُ، وكلُّ عَملٍ فاسدٍ ظاهرٍ أو بَاطنٍ فَمنشؤُهُ الكذبُ. والله تَعالى يُعاقبُ الكذَّابَ بأنْ يُقْعِده وَيُثَبِّطَهُ عنْ مَصالِحه ومَنَافعهِ، ويُثيبُ الصَّادقَ بأنْ يُوفِّقه للقيامِ بِمَصالح دُنْياه وآخرته؛ فمَا اسْتُجِلبتْ مصالِحُ الدُّنيا والآخرة بِمثل الصِّدقِ، وَلا مَفَاسدُهُما ومضارُّهما بمثل الكَذب، قال تعالى {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اتّقوا الله وكُونوا مع الصَّادقين}، وقال تعالى {هَذا يومُ ينْفَعُ الصَّادقينَ صِدْقُهُم}، وقال {فإذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لكانَ خَيراً لَهُم} وقال {وجاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذين كَذَبُوا اللهَ وَرَسولَهُ سَيُصيبُ الَّذين كَفَرُوا مِنْهُم عَذابٌ أليمٌ} )) . و يُنظر تعليق الحافظ الذَّهبي رحمه الله على قولِ أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه ( إيَّاكم والكذب فإن الكذب مجانبٌ للإيمان)، في (تذكرة الحفاظ)(1 /3). وفيْمَا سَأَذْكُره بِحَولِ الله حَول هَذهِ الرّحلةِ مَا يَدلُّ عَلَى مُجَانَبَةِ مَنْ ذَكَرْتُ لِلحقِّ وَالصَّواب- هَدانِي اللهُ وَإيَّاهم إلَى الرَّشد- ؛ لذَا فَالنَّاسُ فِي هَذهِ الرِّحلةِ عَلَى أقْسَامٍ: القِسْمُ الأوَّلُ: أهلُ الإفْرَاطِ. والقِسْمُ الثَّانِي: أهْلُ التَّفريطِ. ولاَ أرى حَاجة ماسَّةً الآن لِذِكْرِ مَنْ يُمثِّل كُلَّ قِسْمٍ، لكنْ يَجْمَعهما أنَّ كلَّ قسمٍ مِنْهُما: حَاولَ الصَّدَّ عَنْ إتْمَامِ هَذه الرِّحلة العِلميّة الدَّعوية الْمُبَارَكَةِ إنْ شَاء الله تعالى، وَ لكلٍّ وَسَائِلُهُ إلَّا أنَّ الغَايَةَ الَّتي تَجْمَعُهم وَاحدة هِي مَا ذَكْرتُ، عَفَا الله عنَّا وعَنِ الْجَميعِ بِمنِّه وكَرمهِ، ومَا كُنْتُ أتَمَنَّى لَهُمْ ذَلِكَ وَ الَّذي رَفعَ السَّمَاء بِغَيرِ عَمَدٍ، لَكِنْ قَدَرُ اللهِ نَافِذٌ، و هو سُبْحَانَه مِنْ وَرائِهم مُحِيطٌ. والقِسم الثَّالِثُ: أهلُ الوَسَطِ والاعْتِدَالِ، الّذين يَهُمهم أمْرُ الدَّعوة إلى اللهِ تَعالَى عَلَى مِنْهَاجِ النُّبوَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ اهْتِمَامهمْ بِهَذه الرِّحلة العلميَّة الدَّعوية مُنْذ أنْ كانتْ فكرة مَطروحة مِنْهُم- وفقهم الله-، حتَّى قَامت على الأرض، وتَمَّتْ بِحمدِ الله وتوفيقه، وهُؤلاء هُمُ السُّواد الأعظم، ولله الحمدُ والمنَّة. و هُنا أُذكِّرُ مَنْ يَبْحَثُ عن التَّذكير، بكلامٍ مُهمٍ للإمام ابن القيم رحمه الله فِي هذا المقام، حيثُ قال كما في (رسالته التَّبوكية) (ص84-85- ط عالم الفوائد): (( المقصودُ أنَّ القَلبَ لَمَّا تَحوَّل لهذا السَّفر، طَلبَ رفيقاً يأنسُ به في السَّفر، فلم يَجد إلَّا مُعَارِضَاً مُنَاقِضَاً. أو: لائماً بِالتَّأنِيبِ مُصرِّحاً ومُعَرِّضاً. أو: فارغاً عَن هذه الحركات مُعْرِضاً، وليتَ الكلَّ كانوا هكذا، فلقد أحسنَ إليكَ مَنْ خلاَّكَ وطريقكَ ولَمْ يَطرح شرَّه عليك، كما قال القائل: إنَّا لفي زمنٍ تركُ القبيح به....من أكثر الناس إحسانٌ وإجمالُ)). فتمنَّيتُ مِنْ أهلِ القِسْمَين الأَوَّلَين أنْ لَوْ كَانُوا مِنْ أهلِ القِسْمِ الثَّالثِ فِي كلام الإمَامِ ابنِ القيِّم رحمه الله تعالى وهو مَنْ كانَ (فَارِغَاً عَنْ هَذهِ الْحَركَاتِ مُعْرِضاً)، فَمَنْ فَعلَ فَلَقَدْ أحْسنَ إلى نَفْسهِ وَ إلَى غَيره، ولَمْ يَطْرَح شَرَّه عَليْنَا، كفانا الله شرَّ الأشْرَار وكيْدَ الفُجَّار، ووقَانا الفتن مَا ظَهرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن. ثُمَّ ليُعْلَم أنَّ مِنَ المتقرِّر عند أهل الحقِّ: أنَّ سلوكَ سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، في التَّعلُّم والتَّعليم والدَّعوة، وبيان الحقِّ للخَلقِ، والرَّدّ علَى البَاطلِ وأهلهِ، يَغِيظُ أهْلَ البَاطل بِكُلِّ طَوائِفهم، سواء كانُوا أهل شَهواتٍ أو شُبهاتٍ، ويَجْلِبونَ عَلَى سَالِكِ هَذا السَّبِيلِ القَويْمِ بِخَيلِ كَبِيْرهِم وَرَجْلِه!! قَال الإمام ابن القيِّم رحمه الله في (الفوائد)(ص 82) مُبيِّناً أنواعَ هَجر القُرآن والحرج منهُ: (( ...فكلُّ هَؤلاء في صُدُورهم حَرجٌ منَ القُرآن، وهم يَعْلَمونَ ذَلكَ فِي نُفُوسهم، ويَجدُونَهُ فِي صُدُورهم، ولا تَجِدُ مُبْتَدِعاً فِي دِينه قَطُّ إلا وفِي قَلْبهِ حَرجٌ مِنَ الآيات الَّتي تُخَالِفُ بِدْعَتَهُ، كمَا أنَّك لا تَجِدُ ظَالِمَاً فَاجِراً إلَّا وفِي صَدرهِ حَرجٌ مِنَ الآياتِ الَّتي تَحُولُ بَيْنَهُ وبَين إرَادَتهِ، فَتَدبَّر هَذا المعنى ثُمَّ ارْضَ لِنَفْسِكَ بِمَا تَشَاءُ)). ثَانياً: السَّبب في زيارتي للجزائر. قال تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} قال الإمام ابن القيم رحمه الله في (الرِّسالة التَّبوكية)(ص 4): (( قد اشْتملت هَذه الآيةُ عَلى جَميعِ مَصالِحِ العِبَادِ فِي مَعَاشِهم ومَعَادِهم، فِيْمَا بَيْنَهُم فِي بَعْضِهم بَعضاً، وفيما بَيْنَهُم وَبَيْنَ رَبِّهم؛ فإنَّ كلَّ عَبدٍ لاَ يَنْفكُّ مِنْ هَاتين الْحَالَتَين، وهَذين الوَاجِبَين: وَاجبٌ بَينهُ وبينَ الله، وواجبٌ بَينهُ وبين الْخَلق. فأمَّا مَا بَينَهُ وبَيْنَ الْخَلْق: مِنَ الْمُعَاشَرةِ وَالْمُعَاونَةِ وَالصُّحبةِ، فَالواجبُ عَليهِ فِيْهَا أنْ يكون اجْتِماعهُ بِهم وصُحْبتُه لَهم تَعَاوناً على مَرْضَاةِ اللهِ وَطاعتهِ، الّتي هي غَايةُ سَعَادةِ العَبْدِ وَفَلاحهِ، ولاَ سَعَادةَ لَهُ إلا بِها....))، وينظر فيه أيضاً (ص 14). فانْطلاقاً من هذه الآية الكريمة، ومِنْ تَقرير أهل العلمِ ومِنْهُم الإمام ابن القيّم كما مضَى، كان قَد زارني في بيتي بالمدينة النَّبويَّة أثناء الفَصل الدِّراسي الثاني من هذه السَّنة الهجريّة 1432هـ، أخونا الفَاضل الْمُهَذَّبُ الشّيخُ الدُّكتور عبدالمجيد جمعة الجزائري، حفظه الله ورعاه، وهي زيارتُه الثَّانية لِي إذ الأولى كانت فِي شَهر ذي الْحِجَّة عام 1431هـ، وتَشَرَّفْتُ بِزِيَارتَيْهِ، وكانَ أنْ عرضَ عليَّ في اللقاء الثاني زيارة الجزائر، زيارة علميَّة دَعويَّة، وأنَّه لو وجِّهت إليَّ دعوة في ذلك هل أقبل؟ فأجبتُه بقولي: إنْ تيسَّر ذلك فَلا بأس إن شاء الله، وفي الحقيقةِ هو طَلبٌ عزيزٌ؛ لصدورهِ مِنْهُ حَفظه الله، وردُّه في غاية مِنَ الصُّعوبة؛ كما هو مَعْلُومٌ لدى مَنْ لَهُ مَعرفة بمقاماتِ الرِّجالِ، كيفَ وهو مِنْ أهْلِ السُّنَّة والفَضْلِ، جَزاه الله خيراً. ثُمَّ باشرَ بعد وقتٍ يسير نَحواً من شهر ونصف تقريباً، بمكاتبتي عبر البريدِ، وطلبَ إرسال صورة جواز السَّفر؛ لتقديم طلبِ اسْتِخراج تأشيرةٍ بِهذا الخصوص، فأرسلتُها له, ومن المعلوم أنَّ استخراجَ تأشيرةٍ لغرض إقامةِ دُروس علميَّة ومُحاضرات دعويّةٍ، لابد أنْ تكون ذات طابعٍ خاص، وهو المسمَّى بـ(التأشيرة الثَّقافية)، وأظنُّ أنَّه لا يَخفى على مَنْ له إلمام بنَشاطٍ كهذا النَّشاط، أنَّ الدُّول لا تقبلْ إقامة مثل هذه الدَّورات إلا عبر الجهاتِ الرَّسمية في الدَّولة التي تَنْزِلُ فيها، كما هو الحالُ في الدَّورات العلميَّة التي كانت- ولا زالت- تعقدها الجامعة الإسلاميَّة في دولٍ شتى، وفعلاً تمَّ تقديمُ الطَّلبِ إلَى وزارة الشؤون الدّينية والأوقاف لاستخراج ترخيصٍ لمثل هذا النَّشاط فوافقتْ مشكورة، وتَمَّتْ مُخاطبة القنصلية الجزائرية العامّة بِجدّة، واتَّصل بي هاتفياً نَائب القُنْصل العام بقنصلية الجزائر، علَى مَا بُلَّغتُ، وكانَ في غايةٍ من الاحترامِ والتَّقديرِ- شكرَ الله له- وَرَغِبَ إلِيَّ أن أرسلَ أحداً لِتَسليمه جواز سفري، وبه (التأشيرة الثَّقافية)، ورحَّب بي ترحيباً يُشْكَرُ عليه جدَّاً، وفعلاً تم الأمر ولله الحمدُ والمنَّة. وهُنا أُنبِّه إلى أمرٍ كثُر فيه لَغَطُ اللاغطين؛ وهو أنَّ (جمعية الفرقان) هي الَّتي دعتني واستضافتني، وقامت بأمرِ الدَّورةِ. فأقول: حَنَانَيْكُم إذ الْحُكم على الشَّيء فرعٌ عن تصوِّره؛ فالأمرُ فيه حقٌّ يسير، وباطلٌ كثير؛ فالحقُّ اليسير هو: أنَّ هذه الجمعيَّة قامتْ بتقديم خطاب دعوتي إلى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف فَقط. والباطلُ الكثير هو: ادِّعاء أنَّ الجمعيَّةَ هي الَّتي قامتْ بِكُلِّ الدَّورةِ مِنْ ضِيَافةٍ وَتَنْسيقٍ وغيرهِ، والْحَقُّ الَّذي لا مريةَ فيهِ أنَّ الدَّورةَ كَاملة مِنْ ضِيافَةٍ و تنسيقٍ وغيره،كانت برعاية مَن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف وَ والِي ولاية أم البواقي، ومثَّل الوزارة فِي ذلك: مُديرية الشؤون الدينية والأوقاف بولاية أم البواقي، والجمعيةُ ليس لها فيها قَليلٌ و لا كثير! ومما يدلُّ على أنَّ الأمرَ بات رسميَّاً كُليَّاً: 1/ أنَّ الذي اتَّصل بي هاتفياً مُرحِّباً وطالباً إرسال مَنْ يأخذ التأشيرة، هو نَائب القنصل العام بالقنصلية العامة الجزائرية بجدة، كمَا مرَّ، فهل الجمعية لَهَا أمرٌ عليه أيضاًَ؟! 2/ أنَّه كان في استقبالي عند نزولي مطار هواري بومدين الدولي بالعاصمة، الدُّكتور شفيق، وهو مندوبٌ عن الوزارة، بالسَّيارة الرسميَّة والسَّائق الرسمي! و استقبلني أيضاً لفيف من الإخوة السَّلفيين و في مقدمتهم فضيلة الشيخ الدكتور عبدالمجيد جمعة وفقه الله، علماً بأنَّ الدُّكتور شفيقاً، لم يَنْتَهِ أمرهُ باستقبالي فقط بل كان مُرافقاً لي طوال الرِّحلةِ! فهل تكليفه أيضاً مِنْ مَهامِ الجمعيّة! 3/ عند نزولي مطار قسنطينة، كان أول مَنْ استقبلني وَفدٌ رسميٌّ أمني مُكلَّف بالحمايةِ، فمَا أنْ وَطِئت قَدامي بوَّابة الوصول إلا وخرجوا بي إلى سيَّارةٍ خاصَّة، و كانوا نَحواً من خمسة أو ستَّة أشخاصٍ من أفرادِ الأمن (الحراسة)، فَسِرْنا مباشرةً من المطار إلى ولاية أم البواقي، والمسافة قرابة (80) كيلو، وهم بسيارتهم الأمنيَّة (الشُّرطة) يسيرون أمامي، حتَّى وصلنا الولاية، فهل الجمعية أيضاً لَها أمرٌ و إمْرَةٌ على جهاز الأمن (الشُّرطة)؟!!. 4/ عند وصولي إلى الولاية مباشرةً توجَّهتُ إلى مَقرّ (ضِيَافة) والي ولاية أمّ البواقي وفَّقه الله، فكانت إقامتي كلِّها فِي ضيافتهِ وأمرُ حراستي منْهُ وفّقهُ الله، فهل الجمعية أيضاً لها سُلطانٌ على وَالِي الولاية و أمن و مقار ضيافة الولاية؟! 5/ في صبيحة يوم الجمعة الموافق 22/ رجب/ 1432هـ، السَّاعة العاشرة صباحاً زارني في مَحلِّ الإقامة، سعادة مدير مديرية الشؤون الدينية والأوقاف بولاية أم البواقي ومعه مُستشاره بالمديريّة الأستاذ عبدالحميد، ومُعْتَمِدُ الأئمَّة بالمديريَّة وإمام المسجد العتيق الشَّيخ العربي، وثالث نسيتُه، مُقَدِّراً استجابتي للدَّعوة الرسمية و مرحِّباً بزيارتي لبلدي الثاني الجزائر، وسألني عن مدى راحتي في مقر الإقامة، ثم تبادلنا أطراف الحديث، ثم انصرف، وسبَقَني إلى المسجد العتيق ليحضر خطبتي للجمعة فيه، فهل الجمعية أيضاً قامت بهذا؟ 6/ لَمْ أر إعلاناً قطُّ في كُلِّ المدنِ و المسَاجدِ الَّتي ألقيتُ فيها دروسي ومحاضراتي يَحْمِلُ اسم الجمعيَّة! فلو كانت هي المسؤولة عن ذلك فأين هي إعلاناتُها؟ بل قال لي الأخ الشيخ عبدالمجيد حفظه الله: يا شيخ لو رأيتَ إعلاناً عن مُحاضرةٍ لك في أيِّ مَسجدٍ يَحْمِلُ اسم الجمعيَّة، فَلا تُحاضرْ فيهِ؟ فمَاذا بَعد هَذا أيُّها العُقلاء؟ 7/ أُقيمتْ الْمُحاضرات في مُدنٍ ومَساجدَ مُختلفةٍ، والْمُقِدِّمُ لِي فيْهَا هُو إمام المسجد الّذي أحاضرُ فيه؛ لأنَّ الوَزارة تَنُصُّ على ذلك، وفعلاً كان الأمرُ كَذلك، مع العلمِ بأنَّ أحداً من الجمعيَّة لَمْ يُقدِّمْ لي أي تَقدمةٍ في أيِّ مَسْجدٍ، فمَا لكم كيفَ تَحْكُمونَ؟ 8/ الفريقُ الأمني صَحبني في كُلِّ المحاضراتِ؛ لِحِرَاستي وتأمينِ الحمايةِ، وفي المسافاتِ البَعيدة التي كُنَّا نَنْتَقلُ فيها بين المدنِ، كانت تصحبنا فرقة من الدَّرك الوطني الجزائري، زيادة على حُراس الشُّرطة، فهل الجمعية أيضاً لها سُلطان على جهاز الدَّرك الوطني؟! وفي الحقيقة إنَّ الفريق الأمني ما تَركني طِوَال الرِّحلة كاملة، وفي نهاية الرِّحلة عَادوا معي حتَّى غَادَرتُ صَالَةَ صُعُودِ الطَّائرةِ! فهل الجمعيَّة أيضاً ألزمتهم بذلك؟ عَلى كُلِّ حالٍ هذا بعض ما أردتُ بيانَهُ حَول هذه المزاعم الْمُدَّعاة، الَّتي لا أساس لَهَا مِنَ الصِّحَّةِ أبداً، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ وأمَّا عَن الجمعيَّة نفسها، فهي جمعيَّةٌ خيريَّةٌ لا يَتعدَّى نشاطها ولاية أم البواقي! ليس لها توجُّه سياسي أو حزبي - فيما ظهر لي، وما سمعته من بعض أهالي الولاية من السَّلفيين-، وهي غير معروفة في بلادها الجزائر، وقد جلستُ مع رئيسها إمام المسجدِ العتيق بأم البواقي، ونصحتُ لَهُ صراحةً لَمَّا زارني في مقر إقامتي، وقُلْتُ له بالحرف الواحدِ: مَنْ رأى ما أقدمتُم عليه مُنْذُ زمنٍ مِنْ جَلْبِكم لأمثال محمَّد حسان والنَّجَّار ونحوهما يحكم عليكم بأنَّكم من الإخوان المسلمين! فقال لي حرفيَّاً: أنَّنا في الحقيقة ما كُنا نَعرفُ عن هُؤلاء القَوم أي شيء، غاية ما في الأمر أنَّنا تأثَّرنا بما رأيناه في التلفاز، فأحسنا بهم الظَّنَّ، ونَحن نستغفر الله مما فعلنا، وقد علمتُ عن محمَّد حسان الآن وبيَّن لِي بعض المشايخ حقيقتَهُ، ولا يمكن أن نَتَعاون معه أبداً، بل إنَّ محمَّد حسان اتصل بي، وطلب مني أن أدعوه فرفضت ذلك، ورددتُه. ثُم بيَّنتُ له حقيقةَ بعض مَنْ دعاهم أيضاً، وقُلتُ له: هل أنتَ دعوتَ وجدي غنيم والعريفي؟ فنفىَ ذلك بشدَّةٍ، وقال دعتهما جمعية حزبية لها توجه سياسي وهي جمعية تابعة لمحفوظ نحناح. وللأمانةِ ذَكرَ لِي اسم الجمعيّة المستضيفة لكنَّني نسيتُ اسمها، وهي معروفة لدى الجزائريين، والله المعين. وعَلى كُلِّ كانَ مِنْ وَاجبي تجاهه أنْ أنصحَ وأبيّن لَهُ، تبرئةً للذِّمة ونصحاً للأمَّة؛ مَسائلَ عَديدة منها وجوبُ الْحرص علَى لُزُومِ السُّنَّةِ وَالدَّعوة إليها، والحذر مِنَ البَاطل كُلّه وأهلهِ، وتَنبيهه بأهميَّة تواصلهِ مَعَ مَشايخِ أهل السُّنَّة فِي بَلدهِ وَفِي غَيرهِ مِنَ البِلادِ؛ ليعينوه عَلى الْحَقِّ ويرشدوهُ إلَى طَريقِ السَّلامةِ بإذن الله، و الْحقُّ يُقالُ: لَمْ أجد منه إلَّا كُلّ استجابةٍ، والإخْوَة الذين جَلسوا إليه بعدَ تِلك المجالس والمحاضرات ظَهر لهم تأثُّره واستجابته، والله بصيرٌ بالعباد. وأقول: قد صرَّح لي بأن هَذه المحاضرات والدُّروس، أزْعَجَتْ أهل الأهواء، و أنَّ رجلاً إخوانياً- هكذا بالحرف- قال لَه: أنت جئت بهذا الشَّيخ ليُنَظِّر للسَّلفية هُنا؟ فأجابه بقوله: هذا يتكلم بالأدلة، عندك أدلة على خلاف ما يقول هَاتها، فبُهت الذي ظلم!. هذا ما لديَّ عن الجمعية ورئيسها، {وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}، فنسألُ الله لنا وللجميع التَّوفيق والسَّداد في القَولِ والعَمَلِ. ثالثاً: الزِّياَرةُ ومَا فيها مِنْ لقاءات علميَّة، ومحاضراتٍ ودُروس. سأذكرُ ما يَتعلَّقُّ بالرِّحلة في نقاطٍ، وهناك أمور دونتها في (كُنَّاشة) خاصَّةٍ بالرحلات، لا أرى حاجة لذكرها، كمثل أسماء بعض الأحياء بالجزائر، وسبب تسميتها، والأسئلة المتعلقة بالخصائص الزراعية و نحو ذلك من أمور لا تخصُّ القارئ اللبيب، والله المعين. 1/ لا يوجدُ حَاليَّاً طيران سعودي مباشر إلى الجزائر، فركبنا الخطوط التُّركيَّة، فبدأتُ الرِّحلة من مطار المدينة النَّبوية يوم الأربعاء ليلاً الموافق 20/ رجب/ 1432هـ، حوالي السَّاعة ( 3,20 ) قبل فجر يوم الخميس، واتجهت بنا إلى مطار (إسطنبول) بتركيا، وكانت مدة الرحلة (3) ساعات تقريباً، ثم بعد أن هبطت الطائرة، بقينا في المطار نحواً من (3) ساعات أخرى، ثم غادرنا من (إسطنبول) إلى (الجزائر- العاصمة) مطار هواري بو مدين الدولي، واستغرقت الرحلة نحواً من (3,5) ثلاث ساعات ونصف تقريباً. وصلتُ السَّاعة (2,30) بعد الظهر بتوقيت الجزائر، وهناك فارق توقيت بين المملكة العربية السعودية وبين الجزائر نحواً من (ساعتين)، وقد استقبلنا في المطار مَنْ ذكرتُهم سابقاً، وأيضاً مدير مكتب الخطوط الجوية السعودية بالمطار، ومعه الأخ نبيل. 2/ التقينا بفضيلة الشَّيخ لزهر سنيقرة حفظه الله، وكنتُ برفقة الشِّيخ الدكتور عبدالمجيد جمعة، وبقيَّة المرافقين الَّذين تقدَّم ذكرهم فيمن استقبلنا في المطارِ، ثم ذهبنا كلُّنا لتناولِ طعام الغَداء الَّذي أعدَّهُ الإخوة المشايخ- جزاهم الله خيراً-، وكانَ فِي الاستقبالِ عَددٌ منهم و بَعض طَلبة العِلمِ، علماً بأنَّ بعضهم منْ أعضاء مَجلَّة الإصلاح، فَمِمّن استقبلني: الشَّيخ عبدالغني عوسات والشَّيخ الدُّكتور مُحمَّد علي فركوس والشَّيخ عِزّ الدين رمضاني و الشَّيخ توفيق عمروني والشيخ عمر الحاج مسعود و الشيخ عثمان عيسي والدكتور رضا أبوشامة و الدكتور عبدالخالق ماضي والشيخ نجيب جلواح، حفظهم الله، هذا الذي أذكرهُ وهناك غيرهم لكنَّني في الحقيقةِ لَمْ أحفظ جميع الأسماء ، فالمعذرةَ ثم المعذرة مِنْهم ممن فاتني ذكره، وفَّق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. ثم كان بعد الغداء لقاء مُشتركٌ بالمشايخ، حوت تَرحيب الجميع بمقدمي، وأكَّد الجميع على أنَّ هذه الدَّعوة الموجَّهة إلي هي دعوة رسمية- كما سبق أن ذكرتُ-، ثُمَّ تَكلَّم بعض المشايخ مُعرِّفاً بِحالِ الدَّعوة في الجزائر، وما تَمرُّ به الآن، ونَحو ذلك، ثُمَّ شَكرتهم جميعاً على حُسنِ وكَرمِ ضيافتهم، وترحيبهم الحار بهذه الزِّيارة، وبلغتهم سَلام مشايخنا جَميعاً، ثم انصرفنا إلى المطار مغادرين إلى مدينة قسنطينة. 3/ غَادرنا مطار العاصمة إلى مدينة قسنطينة الساعة (6,40) قُبيل المغرب بتوقيت الجزائر، واستمرَّت نحواً من (ساعة)، ثُمَّ وصلنا، واستقبلنا هناك الوفد الرسمي المكلَّف مِنْ قِبَلِ والي ولاية أم البواقي- كما سبق أن ذكرتُه-، فَسِرْنَا مباشرةً إلى ولاية أم البواقي، وهي تبعد نحواً من (80) كيلو عن قسنطينة تقريباً، وأدركتنا صلاة المغرب والعشاء في الطَّريق فصليناهما ثُمَّ تابعنا المسير، حتَّى وصلنا الولاية، وكان جمعٌ من الإخوة في الانتظارِ فتناولنا طعَام العشاء، ثم انتقلتُ إلى (ضيافة والي ولاية أم البواقي)، وكان الوصول السَّاعة الحادية عشرة ليلاً. 4/ الجمعة: 22/ رجب/ 1432هـ، زارني في العاشرة صباحاً سعادة مدير مديريّة الشّؤون الدِّينيَّة والأوقاف بولاية أم البواقي، كما سبق أنْ ذكرتُ، وخطبتُ الجمعة بالمسجد العتيق بأم البواقي، والصَّلاة بالنَّاس. وبعد العصر من اليوم نفسهِ، كانت لي محاضرة بمسجد أبي ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه بأمِّ البواقي، وكانتْ عن (أثر التَّمسُّك بالسُّنَّةِ في أوقاتِ الفِتَن). وكان عددٌ من المشَّايخ بالعاصمةِ على تواصل مُستمرٍّ وفَّقهم الله هاتفيَّاً معي ومع الأخ المرافق نبيل وفَّقه الله للسُّؤال و الاطمئنَان، جزاهم الله خيراً. 5/ السَّبت: 23/ رجب/ 1432هـ، الصَّباح السَّاعة (9)، درسٌ بالمسجدِ العتيق في (أصول السُّنة) للإمام أبي بكر الحميدي رحمه الله، واستمرَّ قرابة السَّاعتين. وعند عودتي لمقرّ الضِّيافة للاستراحة بعد الدَّرس، التقيتُ مَعالي وزير الاتّصالات وفَّقه الله وبرفقتهِ سَعادة والي ولاية أم البواقي، ومعهما الوفْدُ المصاحب، فسلَّمتُ عليهما وشكرتُ الوالي والمسؤولين عموماً على هذه الْخِدمة للعلمِ وأهلهِ، ثُمَّ صعدتُ الغرفة. وبعدَ العَصرِ مِنَ اليومِ نَفْسِهِ كانت لِي مُحاضرة بعُنوان (التَّقوى حَقِيقتُها وأَثَرُ تَحقيقهَا) في (الْمَسِجِدِ العَتيقِ) بِمَدينةِ (عَين البَيْضَاء)، التَّابعة لولاية أمّ البواقي، وتبعد عن أمّ البواقي قرابة (25) كيلو تقريباً، ثم بعد المحاضرة دعانَا أحد الإخوة هناك لتَناول طعام العشَاء، فأجبتُه، ثُمَّ رجعنا إلى مقرِّ الإقامة. 6/ الأحد: 24/ رجب/ 1432هـ، الصَّباح السَّاعة (8)، ذهبنا إلى مقرِّ الإذاعة الرسْميَّة بولاية أمِّ البواقي، لطلبهم تَسجيل لقاءٍ معي ومِنْ ثَمَّ نشره عبر الأثير تحت برنَامج أسبوعيّ باسم: (دينٌ ودُنيا)، وهذا البرنامح مُباشرٌ، ووقته الدَّائم يوم الإثنين السَّاعة (11) قبلَ الظهر، لكن لضيق وقتي، رَغبوا في التَّسجيلِ ثُم إذاعته فِي وقتهِ المعتاد؛ فوافقتُ و تَمَّ الَّلقاء قُرابة السَّاعة وزيادة تقريباً، وكان عَن (استغلال الوقت في الصَّيف)، ثُمَّ خَرجتُ إلى المسجدِ، لإلقاء الدَّرس، والذي استمرَّ قُرابة السَّاعتين أيضاً، وتَمَّ إنهاء الكتابِ بِحمد الله وتوفيقه. ثم انصرفنا ظهراً إلى الغَداء، ورجعتُ مقرَّ الضِّيافة استعداداً لِمُحَاضَرَتَيّ العَصر وَالمغْرِب، وفعلاً فَفي عصر الأحد ذهبنا إلى مدينة تُسمَّى بـ(عين فكرون)، وهي تبعد عن (أم البواقي) قرابة (30) كيلو تقريباً، وكانت المحاضرةُ في مَسْجدِها الكبير المسمى بِمسجد ( أول نوفمبر) -هَكَذا؟- وعُنوانها (وصايا سُنِّية لِمَنْ أراد النَّجاة)، وانْتَهت المحاضرة قُبَيل المغرب، ثُمَّ سِرْنا بَعدها مباشرةً إلى مدينة (عين مليلة) وهي تبعد عن مدينة (عين فكرون) قرابة (25) كيلو تقريباً، وتبعد عن (أم البواقي) أكثر من (55) كيلو تقريباً، فَوصلناها قُبيل أذان المغرب بيسير، ودَخلنا مسجدها الَّذي فيه المحاضرة، وهو يُسمى بـ(مسجد الصَّحابة)، ثُمَّ صلَّينا المغرب وبدأتُ المحاضرة وكانتْ بعُنوان (أثرُ العِلْم الشَّرعي في تَحقيق الأمن)، وانتهيتُ منها عَلَى أذان العِشَاء، فصلَّينا العِشَاء ثُمَّ دُعينا لتناول طعامِ العَشَاء، فأجبتُ الدَّاعين، وكان أنْ حَضَر الْمُحَاضَرةَ والعَشَاء الدُّكتور الشَّيخ عبدالمجيد جمعة حفظه الله، ثُمَّ عُدنا إلى ولاية أمّ البواقي، فما وصلنَاها إلا قرابة السَّاعة (12) ليلاً، والحمدُ الله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات. 7/ الإثنين: 25/ رجب/ 1432هـ، الصَّباح السَّاعة الثَّامنة، خرجنا مَع الأخ العربي والإخوة المرافقين والْحُرَّاس إلى جبلٍ مُرتفعٍ بأمِّ البَواقي، شَربنا الشَّاهي، وشرحوا لي شيئاً من جغرافية المنطقة، والجبال المحيطة بِها، ثُمَّ عدنا، وفي طريقنا كانْ أن طلبَ سعادة مدير مديرية الشُّؤون الدِّينية والأوقاف اللقاء بِي قَبْلَ السَّفر، وبالفعل إلتقيتُه فِي مَكتبه بالمديريَّة وشكرني شُكْراً بَالغاً عَلى ما بُذل مِنْ تَعليم وإرشادٍ للنَّاس في هذه الأيام الماضية، وذكر لِي أنَّ والي ولاية أمِّ البواقي قد كلَّفه أنْ يُبلِّغني شكرهُ وتقديره وسروره البَالِغ بِما تَمَّ في هذه الزِّيارة الدَّعوية العلميَّة، وتَمنَّى تِكرار الزِّيارة. وَ بِدَوري رغبتُ منْهُ إيْصَال شُكري البَالغ لسعادةِ الوالي عَلَى حُسْنِ وَكَرمِ ضِيَافتهِ، وَتَقديري لَهُ وَ لِجَميعِ المسؤولينَ بِالولاية والوزَارة علَى مَا بَذلوه مِنْ جُهْدٍ وَتَنْسيقٍ وَحِرَاسةٍ وَضِيَافَةٍ، واحترامٍ وَتَقديرٍ وَ تَعاونٍ، اَّلذي كان سَبباً بعد تَوفيق الله وكرمه في إنْجَاحِ هَذه الدَّورة، والحمدُ لله. ثُم غادرنا مباشرةً إلى مطارمدينة قسنطينة، إذ سَفرنا ظهراً تقريباً، وَ التَقينا في الْمَطار بالأخ الشَّيخ عبدالمجيد جمعة، وسافرَ مَعنا في الطائرة إلى العَاصمة، فوصلناها قبل العَصر، ثُم تناولنا طعام الغَداء، ثُم أخذني الشيَّخْ لزهر سنيقرة حفظه الله إلى أحد الفَنادقِ، للاسْتِرَاحة، وفعلاً نزلتُ فيها. لَمَّا وَصلنا العَاصِمة كلَّمني الأخ الشَّيخ عبدالمجيد جمعة عَن رغبةِ بَعض مُشرفي (منتديات التَّصفية والتَّربية السَّلفيَّة) زيارتي لإجراء لقاءٍ و تَسجيله خَاص بالموقع، فوافقتُ، فجَاءَ الإخوة وسجَّلوا معي تسجيلاً، طَرحوا فيه بعض الأسئلة وأجبتهم عنْها. 8/ بعد العِشَاءِ مِنْ يَوم الإثنين، تَمَّ الِّلقاء الثَّاني بِجمعٍ مِنَ المشَايخ بالعَاصمة- وفَّقهم الله- مِنْهُم الشِّيخ الأُسْتَاذ الدُّكتور مُحمَّد بن علي فَركُوس والشَّيخ عبدالغني عوسات والشَّيخ الدُّكتور عبدالمجيد جمعة والشَّيخ لزهر سنيقرة والشَّيخ عزّ الدين رمضاني والشَّيخ توفيق عمروني والشَّيخ الدُّكتور عبدالخالق ماضي والشَّيخ نَجيب جلواح وآخر نَسِيتُه- عَفى الله عنِّي وعنْهُ-، وفَّقهم الله جميعاً لما يحبه ويرضاه، وكان مَجْلِساً مُفيداً تَناولنا فيه عَدَداً من المسَائل الدَّعوية الْمُهِمَّة، و رَغِبُوا فِي سَمَاعِ انْطَباعي عَنِ الدَّورةِ، و أَمِلُوا أنْ تَكون هَذه الزّيارة فاتحة لِزَياراتٍ أُخْرَى، ثُمَّ تكلَّمتُ وكرَّرتُ شُكْري لهم ما بذلوهُ ويبذلونَهُ، وأيضاً شكرتُهم عَلى حِرصهم ورغبتهم فِي تِكْرارَ الزِّيارة، وَ ذكرتُ مَا رَأيتُ ولَمستُ مِنْ خَيرٍ وحِرصٍ عَلَى تَعَلُّمِ السُّنُّة، وحَمدتُ الله على منِّهِ وَكرمهِ، وسألتُهُ الْمَزيدَ مِنْ فَضْلهِ، وأنْ يَقيَ هَذه الدَّعْوة الْمُبَارَكة كَيْدَ الكَائِدين ومَكْرَ الْمَاكِرينَ، و مِمَّا قلتُه لهم: هو أنَّني ذَكرتُ للإخوة الَّذين سَجَّلوا معيَ الِّلقاء مِنْ (مُنتديات التَّصفية والتَّربية)، أنَّ مَا رأيتُه مِنْ حِرْصِ الإخوةِ الطُّلاب على الْحُضُور والمسَابَقةِ فِي الْخَير،دَليلٌ عَلى حُسنِ تَربية وتَعليمِ الْمَشَايخِ وفَّقهم الله، إذْ أثرُ ذَلكَ ظَاهرٌ فِي هَؤلاء الطُّلابِ، و هو أمرٌ يُذكرُ لهم ويشكرون ويُعانون عليه، فالله أسألُ لنَا ولَهُم ولِلْجميعِ التَّوفيق والسَّداد والثَّبات عَلى الإسْلامِ والسُّنَّة. ومِمَّا قُلتُه لَهُم أيضاً، أنَّني ذكرتُ لغيرِ واحدٍ مِنَ المعْنيِّين بالأمرِ: أنَّ الدَّعوةَ السَّلفيَّة الْمُبَاركة دَعوةُ خَيرٍ وأمنٍ، مَثَلُهَا مَثَلُ الغَيْثِ أيّنما حَلَّ نَفَعَ بأمرِ اللهِ. وَكمَا يُقالُ الشَّيءُ بالشَّيءِ يُذكَرُ: أنَّ مِمَّا ذَكَرتُهُ لِمَنْ يَعْنِيهِ الأَمْر زَيَادةً علَى مَا سَبَقَ، قلتُ: أنتَ تَرىَ هَذه الْجُموع الكَثَيرة وَالغَفيرة الْمُؤَلَّفَة، لَمْ يُسَجَّل عَلَى أَحَدِهمْ مَا يُخِلُّ بِأَدَبٍ عَامٍّ أو بِأَمْنٍ، مِمَّا يَدُلُّ دلالةً واضحةً عَلى أنَّ هَذِه الدَّعوة الْمُبَاركة تَحْمِلُ صَاحبهَا عَلَى الْهُدَى وَالْخَيرِ وَ الفَلاحِ، فَيَأْمَنُ هُو فِي نَفْسهِ وَ يَأمنهُ النَّاسُ بَلْ وَالشَّجرُ وَالْحَجَرُ وَالدَّواب، فَلَكَ أنْ تَتَصوَّر كَمْ هِيَ سَعَادة النَّاس وَفَلاحهم وأَمْنُهم أن لّوِ اسْتَقَامُوا علَى هَذه الدَّعْوَةِ السُّنّية السَّلفيَّةِ الْمُبَارَكَة قال تعالى {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}. و عودٌ على بدء: ففي يوم الثُّلاثاء 25/ رجب/ 1432هـ، الثَّامنة صباحاً حضر إلِيَّ فِي الفُندق بعض المشْرِفين على مُنْتَديات البيضاء العلميَّة، ودارَ حِوارٌ حول بعض المسائل الدَّعوية الخاصَّة بمواقعِ الإنترنت وغيرها، والحمدُ لله ربِّ العالمين، ثُمَّ وصلني الشّيخ لزهر سنيقرة حفظه الله، وأفطرنا سويَّاً، ثُمَّ زُرْنَا مَقرّ مَجلَّة الإصلاح وَ دَار الفَضيلةِ، ولقيتُ بها عدداً من الإخوة أعضاء المجلة كالشَّيخ عزَّالدين رمضاني والشَّيخ توفيق عمروني والشَّيخ عُمر الحاج مَسْعُود والشَّيخ نجيب جلواح، وبَعض الإخوة من طلبة العلم أيضاً، ثُمَّ استأذنْتُهم لِقُربِ مَوعدِ السَّفر، فانْطَلقنا إلى المطار برفقةِ الشَّيخ لزهر سنيقرة والشِّيخ الدُّكتور عبدالمجيد جمعة وفَّقهما الله، والأخ نبيل، فغَادرتُ الجزائر العاصمة السَّاعة (3) قبل العصر، وتأخَّرت الطَّائرة عن الإقلاع سَاعةً ونصف تقريباً، فوصلنا تركيا، وبقيتُ في المطار نَحواً مِنْ ثَلاث سَاعاتٍ،ثُمَّ غَادرتُ إلَى طَيْبَةَ، الْمَدينة النَّبويَّة، فوصلتها بِحمدِ الله السَّاعة (2,30) بعدَ مُنْتَصفِ الّليل بتوقيتِ الْمَمْلَكةِ، و (12,30) ليلاً بتوقيت الجزائر. 9/ أمَّا عَنِ الْحُضُور وَمَا رَأيتُه مِنْ إقبالٍ على الْخُطبة والدُّروس والْمُحَاضَراتِ، فَتَبارك الرَّحمن، حُضورٌ قَلَّ نَظيرهُ، إذْ قَد حضرَ إلَى الدَّورة - كمَا أفادني بذلك عَددٌ منَ الإخْوَةِ- مِنْ جَميعِ وِلاَيَاتِ الْجَزائر الـ(48) ولاية!. ولَمَّا سألني بعضُ الإخوةِ مِنَ السُّعوديةِ هَاتفياً؟ قُلْتُ: لَهُ يُشابِهُ حُضور الإخوة السَّلفيين فِي إنْدُونيسيا، فِي الدَّوراتِ الَّتي شاركتُ فيها قَبْلُ. فالْحُشودُ غَفيرةٌ جدَّاً، وَحدَّثني الشَّيخ العربي إمام المسجد العتيق أنَّه دخل المسجد لِصلاة الفجر يوم الجمعة فرأى المسجدَ مُكتظَّاً بالطُّلاب، لا يَكَادُ يوجدُ مَكانٌ فِي داخلهِ، وأخبرني رجلٌ مُسِنٌ من جماعةِ المسجدِ قال: أتيتُ المسجد لصَلاة الفجر فلم أجد مكاناً، وقال: لم أرَ مثل هذا الحضور من قبل. قلتُ: هذا الاكتظاظ المبكّر مِنْهُم إنَّما هو استعداد لسَماعِ الخطبة!! وأما وقْتُ الْخُطْبَة فَالمسجدُ لاَ تكاد تَجد مكاناً فيه لطفلٍ فَضْلاً عن رجلٍ، والسَّاحات المحيطة بالمسجد كذلك، وخارج المسجد حتى الشَّارع الرئيسي، ممن اضطر الأمن لإغلاق الشارع حفاظاً على المصلين. وفي المسجدِ أيضاً مُصلَّى النِّساء قد امتَلأ عن بكرة أبيه، وهو يسعُ (600) امرأة تقريباً. فالحمدُ الله الذي بنعمته تتم الصالحات، علماً بأنَّ هذه الحشود الغفيرة والَّتي تعدُّ بالآلاف مِنَ الإخوة السَّلفيين كانت في كلِّ المساجدِ الَّتي حاضرتُ فيها بلا استثناءٍ؛ وهَذا ما أغاظ أهلَ الأهواء والمندسِّين والكذَّابين الَّذين قَالُوا بالباطلِ وَروَّجوا لَه ظنَّاً منْهُم أنَّ ذلك يغيرُ من الحقيقة شيئاً، والله مِنْ وَرائهم مُحيطٌ. ومِنْ جَميل ما حَصَلَ في هذه الَّلقاءات الْخيِّرة: أ/ مُسْابَقةُ ومُسارعةُ أهْل الإحسان والخير مِنْ أهْلِ أمِّ البَواقي وفَّقهم الله مِن جِيران الجامع العتيق وغيرهم، فِي تقديمِ جميع أوجه المُسَاعدة الطُّلاب التي يستطيعونها من توفير الأطعمة وغيرها لهم، رغبةً منهم في الخير، ولو بشق تمرةٍ! ب/ حدَّثني الأخ العربي أنَّ مُحْسِناً استأجر دَاراً مُخصَّصة للنُّزَلاء، وطلبَ مِنْهُ أنْ يُخْبِرَ الطُّلاب إنْ رَغِبُوا الانتقالَ إليها، فاعْتَذَروا عددٌ كبيرٌ منهم، وآثروا البَقَاء فِي المسجدِ حتَّى لا تَذهب عليهم الأمَاكن! ج/ أنَّه أعُلن غَيرَ مَرَّةٍ لِجَميع الإخوة أنَّ بَاصات وسيَّارات مَوجُودة لِنَقْلِهم إلى أماكنِ المحاضراتِ، في كُلَّ المسَاجدِ الَّتي حاضرتُ فيها، على تَباعدٍ بينها كمَا مرَّ! جَزاهم الله خيراً. د/ ومنه أيضاً: أنَّ والي ولاية أمّ البواقي حفظه الله أمرَ بِفَتحِ المسجد العتيق ومسجد أبي ذر الغفاري لِلطُّلاب مِمَّن أراد المبيت فيه، وكلَّف الأمن بحراستهم حفاظاً عليهم، وهذا عملٌ يُشكر عليه جداً ونَسأل الله أن يجزيه خيراً. وفي الحقيقة: إنَّه قَد تَجَسَّد التَّعاون على البِرِّ والتَّقوى في هذه الدورة بِصُورٍ شَتَّى، تَنُمُّ عن حرصٍ على السُّنَّةِ وَنَشرِ الْخَيرِ، فَالَّلهم بارك لهم في أعمالهم وأعمارهم وأرزاقهم وأولادهم، وآمنهم والمسلمين يارب العالمين. هـ/ وأمَّا عن حرَّاس الأمن المرافقين لي طلية الرِّحلة، فَلمَّا أوصلوني إلى المطار لمغادرة قسنطينة، وكنتُ قد شكرتهم على ما بذلوه، وتأسفتُ لَهُم مِمَّا لاقوه مِنْ مَشقَّةٍ وعناء، فكانَ جَوابهم – وبعضهم يبكي- أنَّنا والله ياشيخ شَرُفنا بالعملِ مَعَك، وأَلِفْنَاك، فلا نَدري كيفَ الآن؟ وقد استفدنا كثيراً والحمد لله، وكُنَّا نعملُ ونَحنُ في غاية مِنَ السُّرور والفَرح، فَجزاهم الله خيراً وبارك فيهم. و/ وكما يقال: الشيءُ بالشيء يذكرُ: فَقد ذكر لي غيرُ واحدٍ أنَّ المنطقة قد انْتَعشت تِجَاريَّاً، فمحال النُّزَلاء وَالمطاعم والمخَابز والهواتف وغيرها من المحال التِّجارية كلّها عملت ونشطت، فهذه أيضاً من حَسَنَاتِ نَشْرِ السُّنَّة، فلله الحمدُ والمنَّة. ي/ ومِنْ حَسَنَاتِ نَشْرِ السُّنَّة وتَعليمها أنْ قَدْ أبلغني الإخوة مِنْ أهل المنطقة وغيرهم باخْتِفَاءِ جُملةٍ مِن مَظاهر المعاصي، والله الحمدُ. وختاماً: أقولُ: قد تبَّين لي في هذه الزِّيارة المباركة- إن شاء الله- مَدى حُبِّ وتقديرِ وتَعْظيمِ أهلِ السُّنَّة الْمَحضَةِ فِي تِلْك الدِّيار- مِنْ مَشايخ وطُلَّاب عِلمٍ- لشيخنا العَلامة المحدِّث المجاهد أبي مُحمد ربيع بن هادي المدخلي، حفظه الله وردَّ عنه كيد الأعادي، فَلا أكادُ أحصي كَم الّذين حَمَّلوني تَبْلِيغَ سلامهم وحبِّهم للشِّيخِ، وهذا يدلُّ على عِظمِ مَكانَتهِ فِي نُفوس أهلِ الْحقِّ وطُلاّبه، معَ يَتعرَّض إليهِ حفظه الباري، هُو وإخوانه مِنْ عُلمَاء وَمَشايخِ أهلِ السُّنَّة السَّلفيين مِنْ حَربٍ ضَروسٍ، تَنُمُّ عَنْ حِقْدٍ دَفينٍ عَلى السُّنَّةِ وَأهلها، ولكنْ يأبى اللهُ إلَّا أنْ يُظهر الْحَقّ بكلماتهِ وَلو كَرهَ الْحَاقدونَ الْمُتَربِّصونَ، وتذكَّرتُ في هَذا المقام قولَ الإمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى فِي (مَدارج السَّالكين)(3 /196-200) شَارحاً حديث (الغُرباء) قال: (( ... والمؤمنونَ فِي أهْلِ الإسلام غُرباء وأهْلُ العِلْمِ فِي المؤمنين غُربَاء وأهلُ السُّنَّة الَّذين يُميِّزونَها مِنَ الأهواء والبِدَعِ فيهم غُرباء، والدَّاعُون إليها الصَّابرونَ عَلى أذى الْمُخَالِفين هُم أشدّ هَؤلاء غُربة، ولكن هَؤلاء هم أهلُ الله حقَّاً فلا غُربة عليهم وإنَّما غُربتهم بين الأكثرين الَّذين قال الله عز وجل فيهم {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فأولئَك هُم الغُربَاءُ مِنَ اللهِ وَرسولهِ وَدينهِ، وغُرْبتُهمْ هِي الغُربةُ الموحِشَة وإن كَانوا هُم المعروفين المشار إليهم… فالغُربة ثلاثة أنواع: غربة أهل الله وأهل سنة رسوله بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله أهلها وأخبرَ عن الدِّين الذي جاء به أنه بدأ غريباً وأنَّه سيعود غريباً كما بدأ وأنَّ أهله يصيرون غرباء، وهذه الغربة قد تكون في مكانٍ دون مكانٍ ووقتٍ دون وقتٍ وبين قومٍ دون قوم، ولكن أهل هذه الغُربة هم أهل الله حقاً فإنَّهم لم يأووا إلى غير الله ولم ينتسبوا إلى غير رسوله ولم يَدْعُوا إلى غير ما جاء به…ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: التَّمسُّك بالسُّنَّةِ إذا رغبَ عنْها النَّاس وتَرك ما أحدثوه وإنْ كانَ هو المعروف عنْدهم. وتَجريد التَّوحيد وإن أنكر ذلك أكثر النَّاس.... وهؤلاء هم القَابِضونَ عَلى الجمر حقَّاً، وأكثر النَّاس بل كُلّهم لائمٌ لهم؛ فلغربتهم بين هذا الخلق يَعُدُّونهم أهل شُذوذ وبدعة ومُفَارقةٍ للسَّواد الأعظم … بل الإسلام الْحقّ الَّذي كان عليه رسول الله وأصحابه هو اليوم أشدّ غُربة منه في أوّل ظهوره وإنْ كانت أعلامه ورسومه الظَّاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقيّ غَريبٌ جدِّاً، وأهله غرباء أشد الغربة بين النَّاس. وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جدّاً غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة، ذات أتباع ورئاسات ومناصب وولايات، ولا يقومُ لها سوق إلا بمخالفةِ ما جاء به الرَّسول؛ فإنَّ نفس ما جاء به يُضاد أهواءهم ولذَّاتهم وما هم عليه من الشُّبُهات والبِدعِ الَّتي هي مُنْتَهى فضيلتهم وعملهم، والشَّهوات الَّتي هي غايات مقَاصدهم و إراداتهم، فكيفَ لا يكون المؤمن السَّائر إلى الله على طريقِ المتابعة غريباً بين هؤلاء الَّذين قد اتَّبعوا أهواءهم وأطاعوا شُحَّهم … فإذَا أراد المؤمن الَّذي قد رزقه الله بصيرة في دينه وفقهاً في سُنَّةِ رسوله وفهماً في كتابه وأراه ما الناس فيه من الأهواء والبدع والضَّلالات وتَنَكُّبهم عن الصِّراطِ المستقيم الَّذي كان عليه رسول الله وأصحابه، فإذَا أرادَ أنْ يَسْلُكَ هَذا الصِّراط فليُوطِّن نفسه على: قَدحِ الجُهَّالِ وأهلِ البدعِ فيهِ، وطعْنهم عليه، وإزْرَائهم به، وتَنفير النَّاس عنه، وتَحذيرهم منه كما كانَ سَلفهم من الكفَّار يفعلون مع مَتبوعهِ وَ إِمامهِ، فأمَّا إنْ دعاهم إلى ذلك وقَدَحَ فيما هم عليه فُهَنالك تَقُومُ قيامتهم ويبغونَ لَه الغوائل ويَنْصِبون له الْحَبائل ويَجْلِبُون عَليه بَخَيْلِ كَبيرهم وَرَجْلهِ. فَهو غريبٌ في دينهِ لفسادِ أديانهم، غَريبٌ في تمسُّكهِ بالسُّنَّةِ لتَمَسُّكِهم بالبدع، غريبٌ في اعتقادهِ لفسادِ عقائِدِهم، غريبٌ في صَلاتهِ لسُوءِ صلاتهم، غريبٌ في طريقه لضلالِ وفسادِ طرقهم، غريبٌ في نسبتهِ لمخالفةِ نِسَبِهِم، غريبٌ في معاشرتهِ لهم لأنَّه يُعاشرهم على ما لا تهوى أنفسهم، وبالجملة: فهو غريبٌ في أمورِ دنياه وآخرته، لا يَجِدُ مِنَ العامَّةِ مسَاعِدَاً ولا معيناً، فهو عالمٌ بين جُهَّالٍ، صاحبُ سُنَّةٍ بين أهلِ بدعٍ، داعٍ إلى الله ورسولهِ بين دعاةٍ إلى الأهواءِ والبدعِ، آمرٌ بالمعروفِ ناهٍ عن المنكر بين قومٍ المعروف لديهم منكر والمنكر معروف)). وَ هَذا المسلكُ الَّذي أشار إليه الإمام ابن القيِّم مِنَ التَّنْفيرِ مِنْ عُلَماءِ أهلِ السُّنَّةِ المحضةِ هُو مَسْلَك أهل البِدَعِ قديْماً وحديثاً! وَ تَأمل- أيُّها المحب- هَذا النَّقل عَنِ العَلامة الشَّاطبي رحمه الله واصِفاً بعض طَرائق أهل الأهواء والَّتي منْهَا تقبيح فتاوى العلماء لدى العامة تنفيراً عن السُّنَّة وَأهلها! حيثُ قالَ في كتابهِ (الاعتصام) (2 /52-ط التوحيد): ((وربَّما ردُّوا فَتَاويهم وقبَّحوها في أسْمَاع العامَّةِ؛ ليُنفِّروا الأمَّةَ عن اتِّباعِ السُّنَّةِ وأهلها)). وَمِنَ الْمَعْلُومِ أنَّ الصِّراعَ بَين الْحَقِّ والباطل قَديِمٌ، ومِنْ ذَلكَ بَيان السُّنَّة وَرَدّ البِدَع، وقَد شبَّه شيخُ الإسلام ابن تيميَّة غفر الله لَه هَذا الصِّراعَ بِقَولهِ: (( و أهلُ السُّنَّة إذَا تَقَابلوا هُمْ وَ أهْل البِدَعِ، فَلَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ تَقَابِل الْمُؤْمنينَ وَالكُفَّارِ..)) ( الرد على البكري) (2 /693). لكنَّ الذي يَجِبُ أنْ يَسْتَقرَّ لَدى أهْلِ الْحَقِّ: أنَّ الغلبَةَ هي لِلْحَقِّ وأهلهِ، و أنَّ مَا يَجري هُو تَمْحِيصٌ لهم، أَيصبرونَ؟ قال تعالى {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} و قال سُبحانه {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}. وأخيراً: هَذا ما رغبتُ ذكرهُ عَن هَذه الزِّيَارة العلميَّة الدَّعوية إلى الدِّيار الْجَزائرية، والَّتي أسألُ الله بأسمائه الحُسنى وصفَاتهِ العُلَى أنْ يَنْفَعنِي بِهَا يوم لا ينفعُ مَالٌ ولا بنون إلَّا مَنْ أتَى الله بقلبٍ سليمٍ، كما أسألهُ سبحانه أنْ يَجْزي الإخْوَةَ الْمَشايخ في الْجَزائِر عَلَى مَا بَذَلُوهُ وَيَبْذلونُه، وكَذَا الجميعِ مِنْ مَسؤولين وَطلَّابٍ خَيرَ الْجَزاء وَأوفاه، وأنْ يُثَبِّت الجميع علَى الإسلام والسُّنَّة حَتَّى نَلقاهُ إنَّهُ سُبْحانه نِعْمَ الْمَولى وَنِعْمَ النَّصير، وصلَّى الله على نبيّنا مُحمَّد وآله وصحبه وسلَّم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم بن حسين السَّعدي ثم البخاري -كان الله له- قباء/ المدينة النَّبوية الجمعة 7/ شعبان/ 1432هـ لتحميل المقال في ملف منسق انقر هنا.
  7. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    للذكرى... وقفة قصيرة مع تواضع شيخنا إمام الجرح والتعديل ربيع بن هادي المدخلي ـ حفظه الله ـ مما عايشته وعرفته,,,

    بسم الله الرحمن الرَّحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ و آله وصحبه أجمعين، وَ بَعْدُ: فشكرَ اللهُ لأخِيْنا وَ تِلْميذنَا عَبدالرحمن العُميسان -وفَّقه الله- مَا سَطَّرتُه يمينهُ، ومِمَّا لا يَخفى حقُّ عُلماء أهل السُّنَّة عَلَى طَلبة العِلْمِ مِنْ: نَصرهم وَالذَّبِّ عنْهم وَنَشْرِ مَنَاقبهم...فِي جُملةٍ كَبِيرةٍ منَ الْحُقُوق الَّتي سطَّرها العُلماء في مُؤلَّفاتهم بهذا الخصوصِ. وأمَّا مَا يَخُصُّ شيخنا العَلامة الْجَليل النَّبيل الْمُحَدِّثُ النَّاقد ربيع بن هادي، متَّع الله به، فَمَناقِبه جَمَّةٌ: مِنْ تَواضعٍ وَ رِفْقٍ ولينِ جَانبٍ، وَ الحرصِ عَلى تَأليفِ القُلوب، و النُّصحِ لِلْقَريب والبَعيد، والصَّبر عَلَى الأذى فِي سبيلِ تَبْليغِ دِينِ الله الَحقِّ، وهُو مع ذَلِكَ صلبٌ فِي السُّنَّة لا يُحابِي أحداً ولو كَانَ أقْربَ قَريبٍ؛ ولقد سَمعتُه مراراً وتكراراً يقولُ حفظه الله ونصر به الحق - لِمّا كانَ يَبلغهُ عَنْ بَعضهم كلامه فيه ونيله مِنهُ- ( ما يَتَعلَّق بِي فَهُو تَحت قَدمي، أمَّا دِين الله فَلا أسْمَح بالتَّعدي عليه أبداً، وأنْتَصر له) أو كلمة نحوها! الله أكبر مِثَالٌ رائعٌ ونَادِرٌ فِي تَركِ الانتصارِ للنَّفسِ، وجعل الانتصار للدِّين هو الهدف والْمَقْصِد دُون ما سواه!! و لو أردنا أنْ نتكلَّم عنْ مَناقب شيخنا لطَالَ المقام. وأمَّا تقدُّمه فِي العِلْمِ؛ فحسبُك أنَّه منَ الرَّاسخين فيه، وكُتُبه و مُؤَلَّفَاته ودروسهُ تَشْهَدُ له بذلكَ، وكفى بِشَهادةِ الإمَام الألباني رحمه الله - المسطَّرة - شَهادة! فَلم يَلْحظ عليه أي خطأ عِلمي!. و أذكرُ أنَّ شيخنا العلاَّمة الْمُؤرِّخ صفي الرحمن المباركفوري رحمه الله قالَ لِي بالحرف، وكنتُ سألته في عام (1409هـ) تقريباً عَن معرفته بشيخنا ربيع حفظه الله قالَ: (كُنْتُ في الهندِ وَ أَوْكَلَ إلِيَّ الشيخ ربيع أنْ أُتَابِعَ لَهُ طباعةَ كتابهِ ( بين الإمامين مسلم والدارقطني)- إذ أول طباعة له كانت في الهند طبعتها الجامعة السلفية ببنارس- ، فمَا كنتُ أظنُّ أنَّ الشيخَ تَغَلْغَلَ وَتَوغَّلَ فِي علمِ العِللِ حَتَّى قَرأتُ كتابَهُ هذا) وأثنى عليه ثناءً عاطراً، رحمه الله. فحريٌّ بك يا طالب العلم أنْ تقتدي بأمثال هؤلاء العلماء الرَّبانين، وشيخنا بهذه الأخلاق العالية إنما يقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، وسلف الأمَّة الصَّالح. و مما ذكره الإبن عبدالرحمن وفقه الله في مَقالهِ قوله: ( فتكلم الشيخ ربيع بكلام في غاية الرفق وغاية الاحترام وغاية النُصح للمشايخ جميعاً ومما ذم في ذالكم المجلس الغلو واتكأ عليه.... فقال أحد المشايخ ـ لا أريد تسمية اسمه ـ يا شيخ ربيع نحن نعاني من الغلو فيك أنت!! والله سمعتها وكأنها صاعقة ولم أستغربها منه ولكن ما هو جواب شيخنا الربيع.... قال الشيخ ـ حفظه المولى ـ (اشهدوا....أنت اكتب رداً على الغلاة فيَّ وأنا أقرظه لك) ثم التفت الشيخ إلى المشايخ وقال أي شخص يغلو في ربيع ردوا عليه.... هل باقي شيء علي...). وفي هذه الكلمات أمور: الأمر الأول: تأكيدُ ما مضى مِنْ ذِكْرِ بعض مناقب وأخلاقِ الشَّيخ. الأمر الثاني: في قول ذلكم الْمُتَعالِم (نحن نُعاني من الغلو فيك أنت!!)؛ بيانٌ كَم غُصَّت حلوق أقوامٍ بشيخنا ونصرته للحقِّ، ولو كان القائل لتلك الكلمة يُظهرُ خلاف ما يُبطنُ! (ما تخفي صدورهم أكبر). الأمر الثالث: أنَّ ذلكم المتهوِّك كثيراً ما يُرددُ هذه العبارة وأمثالها، زاعماً محاربة الغُلاة!! وفي الحقيقة عندما وُجِدَ الغُلاَةُ على الحقيقةِ عَلَى أرْضِ الواقعِ بين أظهرنا في المدينة! ما كان له اسمٌ ولا رسمٌ يُعرفُ به، فضلاً أن يحاربهم؟ الأمر الرَّابع: في جواب شيخنا حفظه الله (اشهدوا...أنت اكتب رداً على الغلاة فيَّ وأنا أقرظه لك)؛ بيانُ نُبل الشيخ وعظيم خلقه وتواضعه، أمام هذه الرُّعونة مِنْ ذيَّاك المتطاول!! الأمر الخامس: في جواب شيخنا حفظه الله السَّابق، بيانُ حدَّة ذكاءِ الشيخ حفظه الله، وهو ما أذهل ذلكم المتعالم، فَلَم يحر جَواباً!! وبماذا يُجيبُ على هذه البديهة السَّريعة، والذَّكاء المفرط؟ علماً بأنَّ ذيَّاك! يتَّهمني بأنَّني أحدُ الغلاة فِي الشيخ ربيع، وسَبَبُ ذلكَ - في زعمه - أنَّني قُلتُ عن شيخنا ربيع ( إنَّه من أذكى- أو أذكى- من أخرجت الجامعة)!؟ فأجبتُ عن هذه المقالة لما نقلت إلِيَّ: بأنَّني لا أذكرُ أنْ قلتُ هذه الكَلمة عنْ شَيخنا، لكنْ إنْ كانتْ هذه العبارة تُزْعِجه وتُزْعِج غَيره فَخُذُوها مِنّي الآن وانقلوها إليهِ: فأنا أقول: (إنَّ الشَّيخَ ربيعاً حفظه الله مِنْ أذكياء العَالِم، وليس الجامعة فقط) فمَاذا هو قائل؟ وهَل يشكُّ أحدٌ شمَّ رائحة الذَّكاء فِي ذَكاء الشَّيخ وفطنتهِ؟! سُبحانك هذا بهتانٌ عظيم. بل قلتُ للإخوة: إنَّ الجامعةَ الإسلامية لتفتخرُ وتتشرف أنْ أخرجت مثل الشيخ ربيع حفظه الله، والشيخ مقبل رحمه الله، فهُمَا شَامتَان في غُرَّة الجامعة! والجامعة تَتشرَّفُ أيضاً بأن أخرجت عُلماء آخرين خدموا سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الأمر السادس: في قول ذيَّاك ( نحن نعاني من الغلو فيك أنت!!) بيانُ ما يتحلَّى به مِنْ خُلقٍ وتطاولٍ!!، وكلُّ إناء بما فيه يَنْضَحُ! وقديماً قيل: (الشَّيءُ مِنْ مَعدنهِ لا يُستغرب). وأخيراً، أسأل الله بمنه وكرمه أن يحفظ شيخنا ويبارك لنا فيه وفي وقته وعمره وعقبه، وأن يحفظ جميع علماء أهل السنة السلفيين، وأهل السنة أجمعين، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري المدينة النبوية 19/ ذي القعدة/ 1431هـ
  8. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    تقريظ العلامة زيد بن محمد المدخلي حفظه الله لكتاب (تأملات في مسألة الهجر) للشيخ عبدالله البخاري

    بسم الله الرحمن الرَّحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فَشَكر اللهُ لِفَضيلة شَيْخِنَا العَلامة الفقيه الْجَليل زيد بن محمد المدخلي، حفظهُ الله وَرَعَاهُ، تَفَضُّله بالتَّقْريْظِ لِهَذهِ الرِّسَالَةِ، وَ أسألُ الله بِمنِّه وكَرمهِ أنْ يَمُدَّهُ وَ إخْوَانَهُ مِنْ عُلَماء السُّنَّةِ بِتَوفيقٍ مِنْهُ، إنَّه سَميعٌ مُجيبٌ. وأرغبُ فِي التَّنبيهِ عَلى عبارةٍ وَردت فِي ثَنايا تقريظِ شيخنا حفظه الله، وهو قوله (.. بلْ ذَلك من بابِ عرض بعض الأقران على بعض ليستفيد بعضهم من بعض). قلتُ: هذه العِبَارةُ منْه حفظه الله ورعاه دَالَّة على كمالِ تَواضعهِ ونُبْلهِ، لكنْ قَدْ يَغْلَطُ البَعْضُ فيظنُّ أنني مِنْ أقران الشَّيخ حفظه الباري، فَدَفعاً لِمَا قَد تُورثه هَذه الجملة منْهُ حَفظه الله، أقولُ: يَعْلمُ اللهُ العَلِي فِي قُرْبهِ، القَريبُ فِي عُلُّوه أنَّني لَسْتُ قريناً للشَّيخِ حفظه الله لاَ فِي السِّنِّ ولا فِي العِلْمِ. وفِي هَذا بيانٌ عَمَلي مِنَ الشيخ حفظه الله، لِمَا عَليه أهلُ العِلمِ والفَضْلِ وَالنُّبلِ مِنَ التَّواضع مع العلمِّ الجمِّ، فجَزى الله شيخنا ووالدنا العَلامة زيد المدخلي خَيرَ الْجَزاء، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري المدينة النبوية 25/ شوال/ 1431هـ
  9. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    جواب استشكال عن لفظة (فما يُسأًل عن شيء غيرها) في حديث سؤال القبر

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فقَدْ كُنْتُ كَتَبْتُ مَقالاً في هَذه الشَّبكة- شَبَكة سحاب السَّلفية- المباركة إنْ شَاء الله، بعُنْوَان (نداءُ نَاصِحٍ مُصْلِحٍ) فِي 27/ 12/ 1429هـ، ومضمونُهُ التَّرْهِيب عَن القَولِ عَلى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ، وكانَ البَاعثُ عليه مَا رأيتُه مِنْ كتَابَاتٍ نُشِرت في مَواقع شتَّى، فيْهَا افْتِيَاتٌ علَى الشَّرع الْمُطَهَّر، يَدُلُّ على خُروجٍ بيِّنٍ عَنْ مَسَالِكِ أهْلِ العِلْمِ وطُلاَّبه، وقد أفْصَحْتُ عنْ بَعض أوجه ذلك الافْتِيَات فِي مَقالي الْمُشَارِ إليهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ تِكْرارهِ هُنا. لكنْ كأنِّي بالأَمْرِ يَتَجدَّد، وَ بِصُورٍ أكْثَر- ولا حَولَ ولاَ قُوَّة إلا بالله-؛ فَمِنْ ذَلِكَ نَشْرُ بَعضهم كِتَاباتٍ وَمَقَالاتٍ حَمَلت هزَالاً عِلميَّاً، وبُعْدَاً عَنِ الرَّصَانَةِ الدَّالة عَلى أَصَالَةٍ وَقُوَّة علميَّة، ومَعَ الأسفِ تُسوَّق على أنَّها ذَات طَابعٍ عِلميٍّ أَصيلٍ رَصينٍ، تَحْمِلُ الْحُجَّة والبُرْهَان- زَعَمُوا-! وبالنَّظرِ فيها يظهرُ للمنْصِفِ – بِجلاءٍ- تَجَذُّر هَذا الدَّاء العُضَال، أعني الافتيات على الشَّرع، مَعَ الدَّعاوى العريضة و البهْرِج المزيَّف، يُصَاحبه عُجبٌ مُهْلِكٌ!! وَخُلُّوِهَا مِنَ الرَّصانة العلميَّة فضلاً عَن الأصالةِ! أمَّا الحجَّة والبرهان فهو مِن جنْس الدَّعاوى العريضة، تَهويلاً لا غَير، إذْ مِنَ الْمَعْلُوم أنَّ: الدَّعاوى يَسْتَطِيعُهَا كُلّ أحدٍ، لكنْ هَلْ الكُلّ يَستطيعُ أنْ يُثْبتَ صِحَّتها بِبُرْهَانٍ ثَابِتٍ، وفَهْمٍ صَحيحٍ مبني على التَّجرُّد التَّامِّ والعِلْمِ الرَّاسخ، على سَنَنِ الرَّاسخين فِي العِلْمِ!! قالَ شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في (الرَّد على البكري) (2 / 729) :" العِلْمُ شَيئان: إمَّا نقلٌ مُصَدَّقٌ، وإمَّا بَحْثٌ مُحقَّقٌ، ومَا سِوَى ذَلِكَ فَهَذَياَنٌ مُزَوَّقٌ". وقال تلميذه شيخُ الإسلام ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية)(ص 45-46):"..فَليسَ العِلْمُ كَثرة النَّقْلِ وَالبَحثِ وَ الكَلامِ، ولكنْ نُورٌ يُمَيِّزُ بِه صَحِيْح الأَقْوَالِ مِنْ سَقِيْمهَا وَحَقّها مِنْ بَاطِلهَا، وَ مَا هُو مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مِمَّا هُو مِنْ آرَاءِ الرِّجَالِ، وَ يُمَيِّزُ النَّقْدَ الَّذي عَليهِ سكَّة أهْلِ الْمَدينَةِ النَّبويَّةِ؛ الَّذي لا يَقْبَلُ الله عَزَّ وجلَّ ثَمناً لِجَنَّتهِ سِوَاهُ مِنَ النَّقدِ الَّذي عليهِ سكَّة جِنْكِسخَان وَنُوابهُ مِنَ الفَلاسِفَةِ وَ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزلَةِ، وَ كُلّ مَن اتَّخذَ لِنَفْسهِ سكَّةً وَ ضَرباً وَ نَقداً يُرَوِّجهُ بَيْن العَالَمِ، فَهذه الأَثْمَانُ كُلّهَا زُيُوفٌ لاَ يَقْبَلُ الله سُبْحَانَهُ وَتَعالَى فِي ثَمَنِ جَنَّتهِ شَيئاً مِنْهَا، بَل تُردُّ عَلى عَامِلهَا أَحْوَج مَا يَكُون إليْهَا، وَ تَكُونُ مِنَ الأْعَمَالِ الَّتي قَدِمَ اللهَ تَعالَى عَليْهَا فَجَعَلهَا هَباءً مَنْثُوراً.." إلى آخر كلامهِ المهمِّ، فانظرهُ غير مأمورٍ. وبعدَ هذا التَّمهيد، أَقُولُ: إنَّه قَد سَألني بعضُ طلبتي- طلبة العِلْم الشَّرعي- بالمدينة النبوية عَنْ لَفْظَةٍ وردت في حديثِ أنسِ بنِ مَالكٍ رضي الله عنه، هَلْ هِي ثَابتة أم لا؟ فكانَ أنْ كتبتُ هذه الدِّراسة حولها، وبالله التَّوفيق: الكلامُ عن لفظةٍ وردت في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أولاً: نصُّ الحديث: عن أنسٍ رضي الله عنه قالَ:إنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم دخلَ نَخْلاً لِبَنِي النَّجَّار فَسَمِعَ صَوتاً فَفَزِعَ، فَقَالَ: (مَنْ أَصْحَابُ هَذه القُبُورِ ؟). قَالُوا يَا رَسُولَ الله: نَاسٌ مَاتُوا فِي الْجَاهِليَّةِ. فَقَالَ: ( تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ). قَالُوا: وَمِمَّ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ: (إنَّ الْمُؤْمنَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرهِ أتَاهُ مَلَكٌ فَيَقَولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَإنِ اللهُ هَدَاهُ قَالَ: كُنْتُ أَعْبُدُ اللهَ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُو عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيءٍ غَيَرْهَا، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إلَى بَيْتٍ كانَ لَهُ فِي النَّارِ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بَيْتُكَ كَانَ لَكَ فِي النَّارِ، وَلِكنَّ اللهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتَا فِي الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِرَّ أَهْلِي. فَيُقالُ لَهُ: اسْكُنْ. وَإنَّ الكَافِرَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَنْتَهرَهُ فَيَقُولُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي. فَيُقُالُ لَهُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ. فَيُقُالُ لَهُ: فَمَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيَضْرِبُهُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَديدٍ بَيْنَ أُذُنَيهِ، فَيَصِيْحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا الْخَلْقُ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ). ثانياً: لفظةُ الاستشكالِ: هي قوله (فما يُسألُ عن شيءٍ غيرها). ثالثاً: التَّخريجُ والكلامُ عليه. الحديثُ أخْرجَهُ أبوداود في (السُّنن)(5 / 112 / رقم 4751) وأحمدُ فِي (الْمُسْنَد) (21 / 119 / رقم 13447) وابنُه عبدالله في (السُّنَّةِ)(229 / رقم 1403- ط الرازحي) والبيهقي في (عذاب القبر ونعيمه)(29 / رقم 18 و19) كلُّهم من طريق عبدالوهَّاب بن عطَاء الخفَّاف عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنسٍ به. الحديثُ سكتَ عنْه أبوداود. وصحَّحه الألباني فِي (صحيح الجامع)(رقم 1930)، وفي (الصَّحيحة)(3 / تحت رقم 1344) وقال بأنَّه "على شرط مسلمٍ". وخولفَ فيهِ عبدُالوهاب الخفاف، مِنْ: 1- يَزيدُ بْنُ زُرَيْعٍ؛ فرواهُ عَنْ سَعيد عن قَتَادة عن أنس به، ولَيْسَت فيه هَذه الْجُمْلَة. أخرجه البُخَاري فِي (الصحيح)(3 / رقم 1338- فتح) ومسلمٌ في (الصحيح)(4 / 71 / رقم 2870)- مختصراً- والبيهقي في (عذاب القبر) (21 / رقم 31)- مطولاً- كلاهما من طريق ابنِ زريع به. ولَفْظُ البخاريِّ: ( العَبْدُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرهِ وَتَولَّى وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ فيقولُ: أَشْهدُ أنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فيُقَالُ: انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ فِي النَّارِ أَبْدَلَكَ اللهُ بهِ مَقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ. قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم: فَيَراهُمَا جَمِيْعَاً، وَأمَّا الكَافِرُ أو الْمُنَافِقُ فَيَقولُ: لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِمْطَرَقَةٍ مِنْ حَديدٍ ضَربةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيْحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيَهُ إلاَّ الثَّقَلين(. قال البيهقيُّ:" هذا حديثُ الفريابي، رواه البخاري في (الصَّحيح)، فقال: وقال لي خليفة: ثنا يزيد بن زريع... فذكره، ورواه مسلمٌ عن محمد بن المنهال مختصراً". قُلتُ: ويزيدُ بن زُرَيْع هو البَصريُّ، يقال لَهُ: رَيْحَانَةُ البَصْرَة، ثِقَةٌ ثَبْتٌ، أخرج له الجماعة، كما في (التقريب)(رقم 7764). 2- عبدالأعلى بن عبدالأعلى؛ فَرَواهُ عَنْ سَعيد عَنْ قَتَادة عَن أنسٍ بهِ، وليستْ فيْه هَذه الْجُمْلة. أخرجَهُ البُخَاريُّ في (الصَّحيح)(3 / رقم 1374- فتح) عن عيَّاش بن الوليد ثنا عبدالأعلى به، ولفظه: ( إنَّ العَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرهِ وَتَولَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وإنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ؟ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلَّم. فَأمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيْعَاً). قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفسَحُ لَهُ فَي قَبْرهِ. ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَديثِ أَنَسٍ قَالَ: ( وأمَّا الْمُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقُالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي، كُنْتُ أَقولُ مَا يَقولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لاَ دَرَيْتَ وَلاَ تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيْدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيْحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيْهِ غَيرَ الثَّقَلينِ). قُلتُ: و عبدُالأعلى بن عبدالأعلى هُو السَّامي البصري،ثِقَةٌ، أخرجَ لَهُ الْجَمَاعَةُ، كما في (التقريب)(رقم 3758). قَالَ الْحَافظُ ابنُ عديٍّ:" أَرْوَاهُم عنْهُ عَبْدُالأعلى السَّامي، والبَعْضُ مِنْهَا عَنْ شُعَيب بن إسْحاق وَ عَبْدة بن سُليمان و عَبدالوهَّاب الْخفَّاف. وأثْبَتُ النَّاسِ فيْه يَزُيد بن زُريع وخَالد بن الْحَارث ويحيى بن سعيد وَنُظَرائهم قَبْل الاخْتِلاَطِ. وَرَوى الأصْنَافَ كُلَّها لِسَعيدِ بنِ أَبِي عَروبَة عَبْدُالوهَّاب بن عطاء الْخَفَّاف" نقلاً من حاشية (الكواكب النيرات)(ص 196)، فقد أخذه من نسخة خطية لـ(الكامل) لابن عدي، ونحوه في (الكواكب)، وهذا النصُّ غير موجود في (المطبوع) من (الكامل)! فظهر بهذا أنَّ يزيداً مع ثقته وتثبته، مُقَدَّمٌ في سعيد عَلى غَيره،ِ وَ عَبْدُالأعلى أرواهم عنْهُ، وكِلاَهُما لَمْ يَذْكُرا هَذه الَّلفظة، وتفرَّد بها دونهما عبدالوهَّاب؛ لذا فهَذه اللفظة مُنْكَرةٌ؛ لتفرُّد عبدالوهاب الخفَّاف بِها دُونَ سَائرِ أصْحَابِ سَعيدِ بْن أبِي عَروبة، ومِثْلُه لاَ يُحْتَمَلُ تَفرُّده. وَ لِمَزيدٍ بَيانٍ أقولُ: أ/ إنَّ عَبدَالوهَّاب مُتَكلَّمٌ في ضَبْطهِ وَحِفْظهِ، وَليس هُو فِي دَرجة الثِّقَاتِ فَضْلاً عن الْحُفَّاظ الأثباتِ اللذين يُحتملُ تفرُّدهم كيزيد بن زريع ويحي القطَّان وأضرابهما، قال المرُّوذي في (العلل ومعرفة الرجال)(59 / رقم 48 ):" قلتُ – أي لأبِي عبدالله-: عبدالوهاب ثقةٌ؟ قالَ: تدري ما تَقول؟! إنَّما الثِّقَةُ يَحيى القطَّان". وأخرجه مُسنداً عنْهُ الخطيب في (تاريخ بغداد)(11 / 23). وقالَ الإمام أحمد أيضاً:" ضعيفُ الْحَديثِ، مُضْطَربٌ" (العلل ومعرفة الرجال) للمروذي (359 / رقم 201). وقال يَحيى بنُ مَعينٍ:" لَيْسَ بِه بَأْسٌ" (تاريخ الدارمي)(رقم 519) و(الجرح والتعديل)(6 / رقم 372). ووثَّقه ابن معين مرَّة كما في (تاريخ الدوري)(2 / 379)، وقالَ مرَّةً:" يُكْتَبُ حَديثُهُ" (تاريخ بغداد)(11 / 24). وقال السَّاجي:" صَدوقٌ ليسَ بِالقَويِّ عِنْدَهُم، خرجَ إلَى بَغْدَاد مِنَ البَصْرَةِ فَكَتَبُوا عنْهُ، فَكَتَب إلَى أخيهِ: إنِّي قَدْ حَدَّثتُ بِبَغْداد فَصَدَّقوني، وأنَا أحمدُ الله على ذلك" (المصدر السابق). وقال الإمامُ البُخاري:" ليس بِالقَويِّ عِنْدَهُم، وهُو يُحتملُ" (الضعفاء الصغير)(رقم 233). وقال أيضاً:" يُكتبُ حَديثه، قيلَ لَه: يُحْتَجُّ به؟ قال: أرْجُو إلاَّ أنَّه كان يدلِّس عن ثورٍ وأقوام أحاديث مناكير" (تهذيب التهذيب)(6 / 452). وقال النَّسائي:" ليس بالقوي" (الضعفاء والمتروكين) (رقم 374)، ومرة قال:" ليس به بأس" (تهذيب التهذيب)(6 / 453). وقال ابنُ أبي حاتِمٍ:" سألتُ أبي عنه؟ فقال: يُكتب حَديثه، مَحَلُّهُ الصِّدْق. قلتُ: هو أحب إليك أو أبو زيد النَّحوي في ابن أبي عروبة؟ فقال: عبدالوهَّاب، وليس عنْدَهُم بِقويٍّ في الْحَديثِ" (الجرح والتعديل)(6 / رقم 372). وذكر الأسديُّ أنَّ الخفاف روى حديثاً في فضل العباس، ونقل عن الإمام يحيى بن معين قوله:" هذا موضوعٌ، وعبدالوهاب لم يقل فيه (حدثنا ثور)، ولعله دلَّس فيه، وهو ثقة" (تاريخ بغداد)(11 / 23-24). وقال ابن نُمَيرٍ:" ليس به بأسٌ" (الجرح والتعديل)(6 / رقم 372)، وفي موطن قال:" حدَّث عنْهُ أصْحَابنا، وكانَ أَصْحَابُ الْحَديثِ يَقُولونَ: إنَّه سَمِعَ مِن سَعيدٍ بِآخِرَةٍ، كانَ شِبْهَ الْمَتْرُوكِ" (تقدمة الجرح والتعديل)(324) و(شرح علل الترمذي) (2 / 747). وقالَ البزَّار:" ليس بِقَويٍّ، وقد احْتَمَل أهْلُ العِلْم حَديثه" (تهذيب التهذيب)(6 / 453). ووثَّقه الدارقطني – (تاريخ بغداد)(11 / 24)- والحسنُ بنُ سُفْيَان- (تهذيب التهذيب)-، وذَكَرهُ ابنُ حِبَّان فِي (الثِّقَاتِ) (7 / 133). وقال الذَّهبي في (الميزان)(2 / ص 681):" صَدُوقٌ "، وذكره في (المغني في الضعفاء)(1 / 585). وقال ابنُ حجر:" صَدوقٌ رُبَّما أَخْطَأ، أنْكَرُوا عليه حَدِيثاً فِي فَضْلِ العَبَّاسِ، يُقال: دلَّسه عَنْ ثَورٍ" (التقريب)(4290 / رقم 633). الخلاصةُ: أنَّ الرَّجلَ ليس بضابطٍ، ولا بالقويِّ، ومنْ كانَ هَذا حالُهُ فَلا يُحتملُ تفرُّده، وسيأتي بحوله تعالى ما يدلُّ على عَدَمِ ضَبْطهِ. ب/ أنَّ مِنَ الْمُتَقرِّر لدى أهلِ العِلْمِ بالْحَديثِ أنَّ الإمامَ سعيد بن أبي عروبة قَد اخْتَلَطَ سنَةَ 142هـ، وقيل: 145هـ، كما نصَّ على ذلك الأئمة كيحيى بن معين وغيره، ينظر: (سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل)(2 / 157-158) و (العلل ومعرفة الرجال) للمروذي (58 / رقم 47) و (تاريخ أبي زرعة الدمشقي) (1 / رقم 1139) و(الكامل) (3 / 1230) و(الثقات) (6 / 360) و(معرفة أنواع علم الحديث) لابن الصلاح (ص 393) و(الكواكب النيرات) لابن الكيال (ص 193). فهل سماع عبدالوهَّاب الْخَفَّاف منْهُ قَبْل أم بعد اختلاطه؟ من أهل العلم من عدَّ سماعه منه قبل الاختلاط، كابن عديٍّ (الكواكب النيرات)(ص 196). وخالفه غيرهُ كما ذكرنا فيما مضى عن ابن نُميرٍ قوله:" وكان أصحاب الحديث يقولون: إنَّه سمع من سعيد بآخرة". وقال الإمام يحيى معين:" قلتُ: لعبدالوهاب: سمعتَ من سعيد في الاختلاط؟ قال: سمعتُ منه في الاختلاط وغير الاختلاط، فليس أميزُ بين هذا وهذا" (شرح علل الترمذي)(2/747)، وينظر (العلل) للمروذي (47 / رقم 58-59). قُلتُ: وهذا النَّصُّ منه يُظهر بجلاء عدم تمييزه لحديث سعيدٍ الذي تحمَّله عنه، وما كان كذلك فليس محلاً للجدال في عدمِ قبوله، ونَقْطَعُ جَزْمَاً أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي (صَحيحهِ) مِن روايته عَنْهُ أنَّه مِمَّا تَبيَّن لَهُ تَمْييزهُ. ج/ لا يردُ علَى مَا سبقَ ما قَد يَذْكُرهُ بَعْضهمْ مِنْ أنَّ عبدالوهَّاب الْخَفَّاف قالَ فيه الإمامُ أحمد:" كان عَالِمَاً بسعيدٍ" (تاريخ بغداد)(11 / 23)، وقولهُ :" كان عبدالوهَّاب بن عطاء منْ أعلم النَّاس بحديث سعيد بن أبي عروبة" (المصدر السابق). لأنَّ هذهِ العِبَارات لا تدلُّ علَى ضَبْطهِ لِحَديثِ سَعيدٍ، وقَدْ تَقدَّم أنَّ الإمامَ أحمد وصفه بالضَّعف والاضطراب، والمتأملُ في كلام الحافظِ ابن عديٍّ المسطَّر أعلاه يُدركُ تَمَامَاً معنى كلمة الإمام أحمد هذه؛ فَهِيَ تَدُلُّ على أنَّ عبدالوهاب قد روى الأصناف كلَّها التي حُملت عنه بعد وقبل اختلاط سَعيدِ بنِ أَبِي عَروبة؛ لذا فهو عالم به، لكنَّه غير مميزٍ لها كما مرَّ من قوله نفسهِ!. د/ أنَّ الحديثَ قد رواه عبدالوهاب الخفَّاف بدون الزيادة، موافقاً يزيد بن زريع وعبدالأعلى، مما يدلُّ على أنَّ هذه الرواية عنه هي المعروفة، وما خالفها منكرة، فقد جاء عند مسلمٌ في (الصحيح)(4 / 72 / رقم 2870) ما نصُّه: (حدثني عمرو بن زرارة أخبرنا عبدالوهاب يعني ابن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلَّم قال: (إنَّ العبدَ إذا وضعَ في قبرهِ، وتولَّى عنه أصحابه)، فذكرَ بمثل حديث شيبان عن قتادة) انتهى. قلتُ: قول مسلمٍ:" فذكر بمثل حديث شيبان عن قتادة" يعني أنَّ رواية عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة هذه بمثل رواية شيبان عن قتادة، والمثلية هنا في اللفظ قطعاً، وبالنَّظر في لفظ شيبان نجده قد ساقه رحمه الله في (صحيحه)(4 / 72 / رقم 2870) - وليست فيه هذه الجملة (فما يسأل عن شيء غيرها) - فقَال: حَدَّثَنا عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ حَدَّثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنا شَيْبَانُ بنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ قَتَادَةَ حدَّثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلَّم: (إنَّ العَبْدَ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرهِ وَتَولَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، قَالَ: يَأْتِيْهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَأمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَداً مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ نبيُّ اللهِ r: فَيَراهُمَا جَمِيْعَاً. قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لنَا أنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرهِ سَبْعُونَ ذِرَاعَاً، وَيُمْلأُ عَليهِ خَضِراً إلَى يَومِ يُبْعَثُونَ). إيرادٌ: قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إنَّ عبْدَالوهَّاب لَمْ يَتَفرَّد بِهَذهِ الَّلفظة، فَقَدْ أَخْرج الآجريُّ في (الشريعة)(3 / رقم 857- ط دار الوطن) فقَالَ: حدَّثنا الفريابِي قال: حدَّثنا صَفْوان بنُ صَالِحٍ قالَ: حدَّثنا الوَليدُ بنُ مُسْلمٍ قالَ: حدَّثنا خُلَيْدُ بْنُ دَعْلَجٍ عنْ قَتَادة عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعاً. ولَفْظُه قَريْبٌ مِنْ لَفْظِ (عَبْدِالوهَّاب) فِي حَديثِ البَابِ عِنْدنَا، وفيه قَولهُ (فَمَا يَسْأَلهُ عَنْ شَيءٍ غَيْرَهَا )، فالوليدُ بن مسلمٍ متابعٌ له متابعة قاصرة. فَالْجَوابُ: هَذهِ الْمُتَابَعَةُ لاَ يُفْرَحُ بِها؛ إذْ هِيَ مُنْكَرةٌ أيْضَاً، فَالرَّاوي لَهَا عَنْ قَتَادة هو: خُليد بنُ دَعْلَجٍ السَّدوسي البصريُّ، قَالَ الإمَامَان أَحْمَدُ وابنُ مَعينٍ:" ضعيفُ الحديث" (الجرح والتعديل)(3 / رقم 1759). وقال ابنُ مَعينٍ مرَّةً:" ليس بشيءٍ"(التاريخ) للدوري (2 / 149). وقال النَّسَائيُّ في (الضُّعفاء) له (رقم 175):" ليسَ بِثِقَةٍ "، وقالَ أَبو حَاتِمٍ الرَّازي في (الجرح والتعديل)(3 / رقم 1759): "صَالِحٌ لَيْسَ بِالْمَتِيْنِ فِي الْحَديثِ، حَدَّثَ عَنْ قَتَادة أحَادِيْثَ بَعْضهَا مُنْكَرة". وقَال أبوداود:" ضَعِيفٌ" (سؤالات أبي عبيد الآجري)(رقم 253)، وقالَ ابنُ حِبَّان فِي (الْمَجْرُوحين)(1 / 285):" كانَ كَثيرَ الْخَطأ فِيْمَا يَرْوي عَنْ قتَادَة وغيره، يَعْجبني التَّنكب عنْ حَديثه إذَا انْفَردَ"، وقَالَ الذَّهبي في (المغني)(1 / رقم 1947):" لَيْسَ بِقَويٍّ، ضعَّفه أحمد وغيره"، وقال ابنُ حَجرٍ في (التَّقريب)(رقم 1750):"ضَعِيْفٌ". فخُلاَصَةُ حَالهِ: أنَّه ضَعِيْفٌ غَيْرُ مَتِينٍ، وروايتُهُ عَنْ قَتادة فيْهَا كَلامٌ، فَمِثْلهُ لاَ تُحْتَمَلُ رِوايتهُ، وهِي فِي عِدَادِ الْمُنْكَرَاتِ، والْمُنْكَرُ لاَ يُقَويّ الْمُنْكَرَ، والله أعلم. وكتبه عبدالله بن عبدالرحيم البخاري المدينة النَّبويَّة 11/ 10/ 1431هـ
  10. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    رد أوهام محمود لطفي عامر

    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصَّلاة و السَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ و آله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فشكر الله لشيخنا العلامة المجاهد النَّاقد ربيع بن هادي- حفظه الله- هذا المقال المسدَّد المبني على علمٍ راسخٍ. وهو في هذا المقام يدفعُ ويرفعُ الأوهام التي تقعُ من بعض الأقلام، ولا غرو فإنَّ القريب والبعيد يشهدُ لشيخنا حفظه الله بحذقه ودقَّة نظره وعمقه، قال شيخ الإسلام في (الرد على البكري)(1/70) بعد أن ذكر حديثاً موضوعاً نبَّه بقوله:" إنَّه من أكاذيب أهل الوضع والاختلاق، الذين وضعوا من الكذب أكثر مما بأيدي المسلمين من الصحيح، لكن الله فرق بين الحقِّ والباطلِ بأهل النَّقد العارفين بالنَّقل، علماء التعديل و التجريح". لذا كان لزاماً على مَنْ أرَاد السَّلامة والاستقامة أنْ يلزم غرس أهل العلم الراسخين فيه، والهرب من أهل الظَّنِّ، فضلاً عن أهل الهوى والرَّدى، وقد علَّق الإمام البخاري في (صحيحه) (كتاب الفرائض/ باب تعليم الفرائض)(12/ ص 4- فتح) أثراً مجزوماً به:" قال عقبة بن عامر رضي الله عنه: تعلَّموا قبل الظَّانين". قال الإمام البخاري شارحاً قوله عقبة رضي الله عنه:" يعني: الذين يتكلمون بالظَّنِّ". قال الحافظ النووي في (المجموع)(1/42) شارحاً كلام الإمام البخاري السابق:" معناه: تعلموا العلمَ من أهله المحقِّقين الورعينَ، قبل ذهابهم ومجيء قومٍ يتكلمون في العلم بمثل نفوسهم وظنونهم التي ليس لها مستندٌ شرعيٌّ". و رحم الله الحافظ صالح بن مهران الشيباني حيثُ قال:" كلُّ صاحب صناعةٍ لا يقدرُ أن يعمل في صناعته إلا بآلةٍ، وآلةُ الإسلام العلم" (طبقات المحدثين بأصبهان) لأبي الشيخ (2/216). شكر الله لكم شيخنا وأيدكم بتوفيقه، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. و كتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري 11/ شوال/ 1431هـ
  11. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    العبودية للمال أو لغيره من الخصال

    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ و آله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فشكر الله لشيخنا الهمام العلامة ربيع بن هادي، حفظه المولى ورعاه، مقالَه المختصر الوجيز المفيد، ومما أرغب في إضافته- بعد إذن شيخنا-: أنَّ من أعظم فتن المال، ما يردُ من أهل الأهواء والبدع، فكم يؤثِّر ذلك في سير العبد إلى ربِّه ومولاه، و نصرته لمنهج الرسول صلى الله عليه وآله وسلَّم؛ وقد علِمَ السَّلف رضوان الله عليهم خطورة مدّ اليد لهؤلاء، وما له من أثرٍ بالغ، فقد أخرج الإمام اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة)(1/رقم 275/ ص139) بسنده عن الفضيل قال: قال ابنُ المبارك: (لم أرَ مالاً أمحق من مال صاحب بدعةٍ. وقال: اللهم لا تجعل لصاحب بدعةٍ عندي يداً فيحبه قلبي). وكما قيل: لطالما استعبد الإحسانُ إنساناً. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلَّم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري المدينة النبوية 24/ جماد الآخرة/ 1431هـ
  12. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    تنزيه الشريعة الإسلامية من فتنة الاختلاط (الحلقة الثانية)

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصَّلاة و السَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فشكرَ اللهُ لِشَيْخنَا الْمِقْدَام جُهْدَهُ وَجِهَادهُ وَنِضَالهُ عَن الْحَقِّ وأهلهِ، وَالشَّيءُ مِنْ معْدنهِ لاَ يُستغربُ، كمَا قِيْلَ. وَقَلَمُ شَيخنا وفَّقهُ البَاري، قَلَمٌ مُوفَّقٌ بِتَوفيقِ الله لَهُ، وهَذَا القَلَمُ هُو القَلَمُ الْجَامِعُ الَّذي قَال فيهِ الإمام الْهُمامُ ابن القيَّم رحمه الله في كتابهِ (التِّبيان في أقسام القُرآن)(ص 132): " القَلمُ الثَّاني عشر: القَلَمُ الجامع؛ وهو قَلَمُ الرَّدِّ عَلى الْمُبْطلين، ورَفَع سُنَّة الْمُحقِّين، وكشْف أبَاطيل الْمُبْطِلين علَى اخْتِلاف أَنْواعهَا وَأَجْنَاسهَا، وَ بَيَان تَنَاقضهمْ، وَتَهافتهم، وَخُروجهم عَن الْحَقِّ، ودخولهم فِي البَاطلِ. وهذا القَلمُ في الأقلامِ نَظير الْمُلُوكِ فِي الأنَامِ، وَأصْحَابُهُ أهل الْحُجَّة النَّاصرونَ لِمَا جَاءت به الرُّسل، الْمُحَاربونَ لأعدائهم، وهُم الدَّاعونَ إلى الله بالْحِكْمَةِ والْمَوعظة الحسنةِ، الْمُجَادِلُون لِمَنْ خَرَجَ عن سبيله بأَنْوَاع الْجِدَالِ. وأصْحَابُ هَذا القَلَم حَربٌ لِكُلِّ مُبْطِلٍ، وَ عَدُوٌّ لِكُلِّ مُخَالِفٍ لِلرُّسلِ، فَهُم فِي شَأنٍ وَغَيرهمْ مِنْ أَصحابِ الأَقْلامِ فِي شَأنٍ" انتهى كلامهُ رحَمه الله وغفرَ لَهُ. سَدَّدكَ الله- شيْخَناَ- وَنَصركَ بالْحَقِّ، وَ رَدَّ عنْكَ كَيْدَ الأَعَادِي، إنَّه نِعْمَ المولَى وَنِعْمَ النَّصير. وصلَّى الله على نبِيّنا مُحمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري المدينة النبوية 5/ ربيع الأول/ 1431هـ
  13. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    تنبيه و استدراك من الشيخ فركوس على فتوى صدرت منه (و هكذا يرجع أهل السنة إلى الحق منقادين)

    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين وا لصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فشكر الله لفضيلة الشَّيخ فركوس حفظه الله، بيانه وتراجعه عمَّا هو خطأ، وهذا هو دأبُ أهل السُّنَّة يُعظِّمون الحقَّ، و يعلِّمون الخلق، ولا غَضاضة عنْدهم في أنْ يَرْجِعُوا إلى الْحَقِّ بعد تَبيُّنهِ لَهُمْ. والشَّيءُ بالشِّيء يُذكر- كمَا يقالُ- وهو أنَّني قبلَ نَحو عشرين عاماً منَ الآن، سَمعتُ كلمةً- وهي زَلْقَةُ لسَانٍ بِلاَ مِرْيةٍ- مِنْ شَريطٍ مُسَجَّلٍ (محاضرة) لشَيْخِنَا وَ وَالدِنَا وأُسْتَاذِنَا الْهُمام العلاَّمة مُحمَّد أمان الجامي رحمه الله، فَراجعْتُه فِيْهَا بَعدَ صَلاة الظُّهرِ فِي الْمَسْجِد الْمُجَاورِ لِبَيْتهِ، وقُلْتُ له: شَيْخَنَا حفظكم الله، العِبَارةُ الفُلانيّة- وذكرتُها له- هِيَ بِلاَ شكَّ عنْدي أنَّك لَمْ تَقْصدها ولاَ تُريدها؛ لكنْ شَيخنا: العبارة لا تُسْعِفُ المقام، وأهل الأَهْواء يَتربَّصون بكَ وَبالدَّعوة السَّلفية. فأجابَ رحمه الله: صَدقتَ وسأُبيِّنُ ذَلِكَ بِإذن الله، وقُلْتُ له: شيخنا: المعذرة لعَلِّي أسأتُ؟ قَال: كَلاَّ، وجزاكَ اللهُ خيراً، بل المرءُ ضَعيفٌ بنفسهِ قَويٌّ بإخوانهِ، وَالمؤمنُ مِرْآة أخيه المؤْمن، وكثَّر مِنْ أمثالكَ، والنَّصيحةُ مَطْلُوبة. وفِعْلاً في دَرسين بالمسجد النَّبوي الشَّريف، قالَ: أنا قلتُ في مُحَاضرةٍ لِي فِي جُدَّة كَذا وكذا، وأنَا لَمْ أَقْصِد تِلكَ العبَارة، وهي عبارةٌ خَطأ، والمرادُ منْهَا كَذَا وكَذا. ثُمَّ لَمَّا ذهبَ إلى جُدَّة لِمُحَاضرةٍ أُخرى وبعدَ مُضي شهرٍ تقريباً علَى الأُولَى: كَرَّر ما كَرَّره فِي المسجدِ النَّبوي الشَّريف، وبيَّن وجه الصَّواب في مقَالتهِ. والعجيبُ- والعَجَائِبُ جمَّةٌ- أنَّ أهلَ الأهْواء ومنْهُم عَبدُالزَّراق الشَّايجي تِلْميذ عبدالرَّحمن عبدالخالق، أخذوا تلك العبَارة الَّتي تَراجع عنْها الشيخُ وطَاروا بِهَا كُلَّ مَطَارٍ، وكتَبُوا فيْها وَعلَّقوا عَليها، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى التَّرَاجُعِ وَالْمُرَاجَعَةِ، فهَكَذا هُمْ أهْل الأهواء والبِدَع، نَعُوذُ بالله منَ الْخُذْلانِ. رَحِمَ الله شَيْخَنا وأسكنَهُ فَسِيْح جنَّاتهِ، و أسألُ الله العَظيم ربَّ العَرْش الكَريم أَنْ يُهَيأَ لنَا مِنْ أمْرنَا رَشَداً، إنَّه سَمِيعٌ مُجِيبٌ. وصلَّى الله على نبيِّنا مُحمَّدٍ وآله وصحبهِ وسلَّم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري كان الله له المدينة النبوية 16/ جماد الآخرة/ 1430هـ
  14. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    وجوب قبول خبر الواحد الثقة

    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فشكر الله لأخينا الشيخ الدكتور أحمد بن عمر بازمول وفقه الله لكل خيرٍ، كتابته وبيانه، والشُّكر موصولٌ لِجميع الإخوة و بالْخُصوص فَضيلة الشّيخ الدكتور مُحمد ابن شيخنا الهُمام ربيع بن هَادي، حفظهما الله تعالى. ثم لي تنبيهٌ وتذكير يَخصُّان المقام: فالتَّنبيه هُو: ليُعلم أنَّ لكل قَومٍ وراثٌ، و غَالب المخالفين للحقِّ وأهله شُبههم - ويظنون أنَّها أدلة- وإن اخْتَلفت فِي أساليبها، إلاَّ أنَّ المضمونَ متِّفقٌ وواحدٌ؛ لأنَّ الموردَ وَاحدٌ، قالَ الإمام ابن القيّم في (الفوائد)(ص 106) بعد أن بيَّن مقالات الفرق المخالفة للسنة والكتاب في مسألة الإيمان قالَ:"..هم كما قال عمر بن الخطاب والإمام أحمد: مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب". و ترى أهل الباطل بجميع صنوفهم وتوجُّهاتهم يتتابعون في جوابٍ واحدٍ على أهل الحقِّ، قال الإمام ابن القيم في (الفوائد)(38-39) واصفاً الحال السِّابقة- وهي كذلك في اللاحقة-:" لما قضى في القدم بسابقةِ سلمان عرج به دليل التَّوفيق عن طريق آبائه في التمجُّس، فأقبلَ يُناظرُ أباه في دين الشِّرك، فلمَا علاهُ بالحجة لم يكن له جوابٌ إلا القيد. وهذا جوابٌ يتداوله أهل الباطلِ من يوم حرَّفوه، وبه أجاب فرعون موسى (لئن اتَّخذت إلهاً غيري)، وبه أجاب الجهمية الإمام أحمد لما عرضوه على السياط، وبه أجاب أهل البدع شيخ الإسلام حين استودعوه السِّجن. وها نحنُ على الأثر..."، انتهى المراد. فصبراً أهل الحقِّ صبراً، فإنَّما النَّصر صبرُ ساعةٍ،(ولينصرنَّ الله من ينصرهُ). و أما التَّذكير: فقد كُنتُ كَتَبتُ ردَّاً علَى تَشْغِيبات الْمَأربي في ردِّي الموسَّع عليه المسمى بـ(الفتح الرَّباني في الرد على أبي الحسن السليماني)، والّذي نُشرَ فِي هَذه الشَّبكة المباركة- بإذن الله-، ثُمَّ طُبعَ طَبْعَتَان، أسألُ الله أنْ يَنفعَ بهِ، وَكانت وَقَفاتِي وَحِواري معهُ فِي ثَلاثَة ثَوابت مِنْ ثَوابت أهل السُّنَّة السَّلفيين، حَرصَ المأربي كُلَّ الْحرص عَلى زَعْزَعَتها فِي نُفُوس العامَّة والخاصَّة من أهل السنة السَّلفيين، ومنْها : (الثَّابتُ الثَّانِي: التَّثبت)، وكان مِمَّا تَناولته في بيانِ حَقيقةِ هَذا الثابت عند أهل السنة، وطرقِ تحقيقه عندهم أنْ قُلتُ - وسأنقل كلامي كاملاً وإن كان فيه شيءٌ من التَّطويل، فأرجو المعذرة؛ وذلك لأهميته ومناسبته للمقام-: " ثانياً: قبول خبر العدل الثقة. إنَّ ميزانَ الأخبار عند أهلِ السُّنة ميزانٌ لا يطيشُ أبداً، فهو محكوم بكتاب الله عزوجل، وبسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وبما سارَ عليه السَّلف الكرام رضوان الله عليهم، ومِنْ ذَلك قبولُ خبر العدل الثِّقة الضَّابط لما ينقله. قال الله تعالى{ يا أيها الذين أمنوا إنْ جاكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أنْ تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}. (أ) قال الإمام القرطبي-لما عدد المسائل المتعلقة بالآية الكريمة-:"الثَّانية: في هذه الآية دليلٌ على قبول خبر الواحدِ، إذا كان عدلاً؛ لأنَّه إنَّما أمرَ بالتَّثبتِ عند نقل خبر الفاسق، ومِنْ ثبتَ فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعاً، لأنَّ الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها"(الجامع لأحكام القرآن)(16/312). (ب) قال الحافظ ابن حزمٍ:" ليسَ في العالم إلا عدْلٌ أو فاسقٌ. فحرم تعالى علينا قبول خبر الفاسق، فلم يبق إلا خبر العدل. وصحَّ أنَّه هو المأمور بقبول نذارته،وأمَّا المجهول فلسنا على ثقةٍ من أنَّه على الصفة التي أمر الله تعالى معها بقبول نذارته،وهي التفقه في الدين؛ فلا يحلُّ لنا قبول نذارته حتى يصح عندنا فقهه في الدِّين، وحفظه لما ضبط عن ذلك وبراءته من الفسق، وبالله تعالى التوفيق"(المحلى)(1/51 ). (ت) قال العلامة الألوسي:" استدل الحنفية بقوله تعالى{ إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا..} على قبول خبر المجهول الذي لا تعلم عدالته، وعدم وجوب التثبت؛ لأنها دلت على أن الفسق شرطُ وجوب التثبت، فإذا انتفى الفسق انتفى وجوبه-أي التثبت- وههنا قد انتفى الفسق ظاهراً، ونحن نحكم به، فلا يجبُ التثبت! وتعقب: بأنا لا نسلم أنه ههنا انتفى الفسق، بل انتفى العلم به، ولا يلزم من عدم العلم بالشيء عدمه، والمطلوب العلم بانتفائه،ولا يحصل إلا بالخبرة به، أو بتزكية خبيرٍ له"(روح المعاني)(26/146). (ث) قال الحافظ الإمام ابن كثير:" يأمرُ تعالى بالتثبت في خبر الفاسقِ ليحتاط له، لئلا يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وارءه. وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين،ومن ها هنا امتنع طوائف من العلماء من قبول خبر مجهول الحال؛ لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنَّا إنما أُمرنا بالتَّثبت عند خبر الفاسق،وهذا ليس بمحقق الفسقِ؛ لأنَّه مجهول الحال"(تفسير القرآن العظيم)(4/223 ). (ج) قال شيخ الإسلام ابن القيم مستنبطاً الفوائد المستفادة من حديث خزيمة بن ثابت، والذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه شهادة خزيمة بشهادة رجلين، الحديث فيه طول، أخرجه أبوداود والنسائي، :" ومنها: الاكتفاء بالشاهد الواحدِ إذا عُلم صدقه"( الطرق الحكمية)(76-77 ). وقال في (فصل الطرق التي يحكم بها الحاكم) (فصلٌ: الطريق السَّادس. الحكم بالشاهد الواحدِ بلا يمين. وذلك في صورٍ:..-فعدَّد صوراً ثم قال- ومنها: قبول شهادة الشاهد الواحدِ بغيرِ يمينٍ في: التَّرجمةِ، والتَّعريفِِ، والجرحِ والتَّعديل، نصَّ عليه أحمد في إحدى الروايتين عنه،وترجم له البخاري في صحيحه فقال (باب ترجمة الحكام،وهل يجوز ترجمانٌ واحدٌ؟..وقال بعض الناس: لابدَّ للحاكم من مُتَرْجِمَيْن) قلت[ أي ابن القيم]: هذا قول مالك والشافعي، واختيار الخرقي،والاكتفاء بواحدٍ قول أبي حنيفة، وهو الصَّحيحُ، لما تقدَّم،وهو اختيار أبي بكرٍ"( الطرق الحكمية)(ص131-132)، وينظر (اللمع في أصول الفقه) للشيرازي (ص 78). وقال أيضاً:" فصلٌ: الطريق الحادي والعشرون. الأخبار آحاداً. وهو أن يخبره عدلٌ يثقُ بخبره ويسكن إليه، بأمرٍ فيغلبُ على ظنِّهِ صدقه فيه، أو يقطع به لقرينة به، فيجعل ذلك مستنداً لحكمهِ. وهذا يصلح للتَّرجيح والاستظهار بلا ريبٍ. ولكن هل يكفى وحده في الحكم؟ هذا موضع تفصيل: فيقال: إمَّا أنْ يقترنَ بخبرهِ ما يفيد معه اليقين أم لا ؟ فإنْ اقترنَ بخبرهِ ما يفيد معه اليقين جازَ أنْ يحكمَ بهِ وينزَّلُ منزلةَ الشَّهادة، بل هو شهادةٌ محضةٌ في أصحِّ الأقوال. وهو قول الجمهور فإنَّه لا يشترط في صحَّةِ الشَّهادة ذِكْرُ لفظ (أشهد) بل متى قال الشاهد: رأيتُ كيتَ وكيت أو سمعت أو نحو ذلك: كانت شهادةً منْه. وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع واحدٌ يدلُّ على اشتراط لفظ (الشهادة) ولا عن رجلٍ واحدٍ من الصَّحابةِ ولا قياسٍ ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسُّنَّة وأقوالِ الصَّحابةِ ولغةِ العرب تنفي ذلك. وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة،وظاهر كلام أحمد، وحكى ذلك عنه نصَّاً. قال تعالى {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أنَّ الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم} ومعلومٌ قطعاً أنَّه ليس المراد التلفظ بلفظة (أشهد) في هذا بل مجرد الإخبار بتحريمه وقال تعالى {لكن الله يشهد بما أنزل إليك }ولا تتوقف صحة الشهادة على أنه يقول سبحانه (أشهد بكذا)…-إلى أن قال- ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أنْ يقول الدَّاخلُ فيه (أشهد أن لا إله إلا الله) بل لو قال (لا إله إلا الله محمد رسول الله) كان مسلماً بالاتفاق. وقد قال صلى الله عليه وسلم( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله) فإذا تكلموا بقول: (لا إله إلا الله) حصلت لهم العصمة وإنْ لم يأتوا بلفظِ (أشهد)… فكل مَنْ أخبرَ بشيءٍ فقدْ شهدَ بهِ وإنْ لم يتلفظْ بلفظِ (أشهد)…قال شيخنا: فاشتراط لفظ (الشهادة) لا أصلَ له في كتابِ الله ولا سُنَّة رسولهِ، ولا قول أحدٍ من الصَّحابة، ولا يتوقف إطلاق لفظ (الشهادة) لغة على ذلك. وبالله التوفيق وعلى هذا فليس الإخبار طريقا آخر غير طريق الشهادة"( الطرق الحكمية)(202-204). (ح) قال العلامة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي:" وهذا أيضاً من الآداب التي على أولي الألباب التَّأدب بها واستعمالها، وهو: أنَّه إذا أخبرهم فاسقٌ بنبأ، أيّ خبرٍ، أنْ يتثبتوا في خبره، و لا يأخذوه مجرَّداً؛فإنَّ في ذلك خطراً كبيراً، ووقوعاً في الإثمِ، فإنْ خبره إذا جُعلَ بمنزلة خبرِ الصَّادق العدلِ، حكم بموجبِ ذلك ومقتضاه،فحصل من تلفِ النُّفوس والأموال، بغير حقٍّ، بسبب ذلك الخبر ما يكون سبباً للندامة،بل الواجبُ عند سماع خبر الفاسق التَّثبُّتُ والتَّبين. فإنْ دلَّتْ الدَّلائل والقرائنُ على صدْقهِ،عُمل به وصُدِّقَ، وإنْ دلَّت على كذبه؛كُذِّبَ ولم يُعْمل به، ففيه دليلٌ على أنَّ خبرَ الصَّادقِ مقْبولٌ،وخبرُ الكاذبِ مردودٌ، وخبرُ الفاسقِ متوقَّفٌ فيه"( تيسير الكريم المنان)(878). (خ) قال الإمام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي:" وهي تدلُّ على عدم تصديق الفاسق في خبره، وصرَّح تعالى في موضوعٍ آخر بالنَّهي عن قبول شهادة الفاسق،وذلك في قوله{ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} ولا خلاف بين العلماء في ردِّ شهادة الفاسق وعدم قبول خبره. وقد دلَّت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين: الأول منهما: أنَّ الفاسق إنْ جاء بنبأ ممكن معرفة حقيقته، وهل ما قاله فيه الفاسق حق أم كذب فإنَّه يجبُ فيه التَّثبتُ. الثاني: هو ما استدل عليه بها أهل الأصول مِنْ قبول خبر العدل؛ لأنَّ قوله تعالى{إنْ جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا } يدلُّ بدليل خطابه، أعني مفهوم المخالفة: أنَّ الجائي بنبأ إنْ كان غير فاسقٍ بل عدلاً، لايلزمُ التَّبين في نبئه على قراءة (فتبينوا)، ولا التَّثبتُ على قراءة(فتثبتوا)، وهو كذلك. وأمَّا شهادة الفاسق فهي مردودة كما دلَّت عليه آية النور المذكورة آنفاً"(أضواء البيان)(7/626-627). وأمَّا الإمام الحافظ شيخ المحدِّثين وأميرهم أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه الله) فقد عقدَ كتاباً في (صحيحيه) بعنوان (كتاب أخبار الآحاد) ثم بوَّبَ بـ(باب ما جاء في إجازة خبر الواحدِ الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام)(13/231-فتح) وضمَّن الباب أدلة كثيرة فلتنظر. قال الحافظ ابن حجرٍ شارحاً التبويب:" المراد (بالإجازة): جواز العمل به والقول بأنه حجة، و(بالواحد) هنا حقيقة الوحدة، وأما في اصطلاح الأصوليين فالمراد به مالم يتواتر، وقصدُ التَّرجمة الرَّدُّ به على مَنْ يقولُ: إنَّ خبرَ الواحدِ لا يُحْتَجُّ بهِ إلاَّ إذا رواه أكثر من شخصٍ واحدٍ حتى يصير كالشهادة"(الفتح)(13/233). وقال الحافظ ابن الصَّلاح الشهرزوري:" أجمعَ جماهير أئمة الحديث والفقه على أنَّه يشترطُ فيمن يُحتَجُّ بروايتهِ؛ أنْ يكونَ عدلاً، ضابطاً لما يرويه. وتفصيله: أنْ يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، سالماً مِنْ أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظاً غير مغفَّلٍ، حافظاً إنْ حدَّث مِنْ حفظه، ضابطاً لكتابه إنْ حدَّث من كتابه، وإنْ كان يحدِّثُ بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أنْ يكونَ عالماً بما يحيل المعاني، والله أعلم"(علوم الحديث)(104-105)، وينظر (المنهل الروي) لابن جماعة(63 ). لذا نجدُ الأئمة قدْ تعاملوا بما ينقله-سماعاً- الثقات الأثبات إليهم، وأخذوا به، فمن ذلك: أ/ ما قاله البرذعيُّ: " كُنَّا عند أبي زرعةَ، فاختلف رجلان مِنْ أصحابنا في أمرِ داود الأصبهاني، والمزني،وهم: فضل الرازي وعبدالرحمن بن خراش البغدادي، فقال ابن خراشٍ: داود كافر، وقال فضل: المزني جاهلٌ، ونحو هذا من الكلام. فأقبل عليهما أبوزرعة يوبخهما، وقال لهما: ما واحد منهما لكما بصاحبٍ، ثم قال: مَنْ كانَ عنده علمٌ فلم يصُنْه، ولم يقبض عليه والتجأ في نشره إلى الكلام فما في أيديكما منه شيء، ثم قال: الشافعي رحمه الله لا أعلمُ أنَّه تكلَّم في كتبه بشيء من هذه الفضول الذي قد أحدثوه، ولا أرى امتنع عن ذلك إلاَّ ديانةً، وصانه الله لما أراد الله أنْ ينفذ حكمته، ثم قال: هؤلاء المتكلمون لا تكونوا منهم بسبيلٍ؛ فإنَّ آخر يرجع إلى شيءٍ مكشوفٍ، ينكشفونَ عنه، وإنَّما يتموَّه أمرهم سنةً أو سنتين ثم ينكشفُ -( قلتُ أنا عبدالله: وهذا حال جميعِ مَنْ تستر بالسُّنَّة ليُفسد أهلها، فما يلبث إلا ويكشف الله أمرَه، فينكشف للناس، كما هو حال المأربي،وأفراخه!! وليتهم يعتبرون)-، فلا أرى لأحدٍ أنْ يُناضلَ عن أحدٍ مِنْ هؤلاء؛ فإنَّهم يُهتكوا يوماً قيل لهذا المناضلِ: أنتَ مِنْ أصحابهِ، وإنْ طلبه هذا به، لا ينبغي لمن يعقلُ أنْ يمدحَ هؤلاء -( قلتُ: قارن أخي الكريم هذا التوجيه من هذا الإمام، بما فعله المأربي مع أناسٍ من الحزبيين ودفاعه عنهم ومدحه لهم، فهل يفعلُ هذا رجلٌ يعقلُ بعد بيان الحق له!!. )-، ثم قال لي: ترى داود هذا؟ لو اقتصرَ على ما يقتصرُ عليه أهل العلمِ لظننتُ أنَّه يكيد أهل البدعِ بما عنده من البيان، والآلة؛ ولكنَّه تعدَّى- (قلت: هذا حال مَنْ تعدَّى وظلم وتجاوز الحدَّ ورفع نفسه فوق منزلتها كالمأربي، فلو أنَّه سلك سبيل أهل العلم و استمرَّ في معرفة السُّنَّة والتتلمذ على علمائها لكان خيراً له، ولكنَّه لمَّا شابه سلفه كداود الأصبهاني، كشف الله خبيئته!! وما ربك بظلامٍ للعبيد!) - ، لقد قدِمَ علينا من نيسابور فكتبَ إليَّ محمد بن رافع ومحمد بن يحيى وعمرو بن زرارة وحسين بن منصور ومشيخة نيسابور بما قد أحدثَ هناك-(قلت: لاحظ هذا الجمع من الأئمة ممن كتبَ في أمر داود! وهل يصح أنْ يتواطؤا على إلصاق فرية بداود!! كلاَّ، علماً بأنَّ منزلتهم في العلم لا تخفى على مثل أبي زرعة، فلم يرُد كلامهم ولم يطعن فيهم وفي أخبارهم، ولم يدَّعي أنَّ مادة أخبارهم من السِّكك والشَّوارع أو أنَّ نقلة الأخبار لهم مآرب ومقاصد، أو أنَّ من صدق منهم فقد ينقل ما فهم لا ما سمعَ، أو يكون قد فهم لكنه لا يحسنُ التعبير، وهكذا في سلسلةٍ من الطُّعون في نقلة الأخبار يتمثلها المأربي تشكيكاً في حملتها!! فأين صنيع أبي زرعة مِنْ صنيعِ أبي الحسن، ويا شتَّان ما بينهما!!)-. فكتمتُ ذلك لَمَّا خفتُ عواقبهُ -( قلت: هذا هو السَّبب الذي مِنْ أجله كتمَ الرازي ما كُتِبَ إليه في أمر داود، لا أنَّه كذبهم أو طعنَ في أخبارهم!!. )-،ولم أُبْدِ له شيئاً مِنْ ذلك، فقدمَ بغداد وكان بينه وبين صالح بن أحمد حسنٌ، فكلَّم صالحاً أنْ يتلطَّفَ له في الاستئذان على أبيه، فأتى صالح أباه، فقال له: رجلٌ سألني أنْ يأتيكَ؟ قال:ما اسمه؟ قال: داود، قال: مِنْ أين؟ قال: مِنْ أهل أصبهان، قال: أي شيءٍ صناعته؟ قال: وكان صالح يروغ عن تعريفه إياه؟ فما زال أبوعبدالله (رحمه الله) يفْحَصُ عنْه حتى فَطِنَ، فقال: هذا قدْ كتبَ إليَّ محمد بن يحيى النيسابوري في أمْرِهِ: أنَّه زعمَ أنَّ القرآن محدَثٌ، فلا يقربني. قال: يا أبتِ إنَّه ينتفي من هذا، وينكرهُ، فقال أبو عبدالله أحمد: محمد يحيى أصدق منه، لا تأذن له في المصير إليَّ"( الضُّعفاء) لابي زرعة (2/551-555) من رواية البرذعي عنه، وأخرجه - من طريق البرذعي- الخطيب في (تاريخ بغداد)(8/373-374). فهذا فالإمام أبوزرعة الرازي يحكي هذا الكلام عن الإمام أحمدَ مقرِّراً له لا ناقداً؛ بدليل سياقه له في هذا المقام، ولم يتعقبه بشيءٍ. وللفائدة أقولُ: إنَّ الإمامَ أحمد يُقَدِّرُ الإمامَ الذُّهلي جدَّاً، فقال محمد بن سهل بن عسكر :" كنا عند أحمد بن حنبل إذْ دخلَ عليه محمد بن يحيى، فقامَ إليه وقرَّب مجلسهُ وأمرَ بنيهِ وأصحابهِ أنْ يكتبوا عنه"( تاريخ بغداد)(3/416 ). ووردَ أبو عمرو المستملي بغداد فقدم على أحمد بن حنبل، فقال له: من أين أنت؟ قال: من نيسابور. قال أبو عبدالله محمد بن يحيى له مجلسٌ؟ قلتُ: نعم، قال: لو أنَّه عندنا لجعلناه إماماً في الحديث"(السير)(12/280). قال فيه الذهبي:" كانت له مهابة عجيبة بنيسابور مِنْ نوعِ جلالةِ أحمد في بغداد، ومالك في المدينة"(السير)(12/274 ). ب/ ما رواه عبدالله بن الإمام أحمد عن أبيه قال: حدَّثنا عارم بن الفضل أبو النعمان قال: سمعتُ حماد بن زيدٍ يقول:" سمعتُ هشام بن عروة ، وذكر حديث الأبق يقطع، قال: لم أسمع من أبي، ولكنْ حدثني به العدل الرِّضا الأمين على ما تغيَّبَ عليه: يحيى بن سعيد الأنصاري"(العلل ومعرفة الرجال)(1/رقم 259/375). ولا زال الأمر كذلك حتى عصور الأئمة المعاصرين، فمثلاً: (أ) قال الإمام الألباني (رحمه الله) لما تكلَّم عن جماعة التبليغ وأنَّها جماعة منحرفة عن السُّنَّة-وقد تقدم نقل كلامه-قال:"..فدعوة جماعة التبليغ: صوفية عصرية تدعو إلى الأخلاق، أمَّا إصلاح عقائد المجتمع فهم لا يحركون ساكناً؛ لأنَّ هذا-بزعمهم-يُفرِّق. وقدْ جرت بين الأخ سعد الحصين وبين رئيس جماعة التبليغ في الهند أو في باكستان مراسلات، تبين منها أنهم يقولون بالتوسل والاستغاثة وأشياء كثيرة من هذا القبيل، ويطلبون من أفرادهم أن يبايعوا على أربعة طرقٍ: منها الطريقة النقشبندية، فكل تبليغي ينبغي أنْ يبايع على هذا الأساس"( الفتاوى الإمارتية)(س 73 ص 38) نقلاً عن كتاب (كشف الاستار) للعريني (ص64 ). (ب) قال العلامة حمود التويجري(رحمه الله) -بعد حكمه على جماعة التبليغ بالبدعة والضلال-:" وقد ذكرَ العلماءُ العارفونَ بجماعةِ التَّبليغِ كثيراً ممَّا هم عليه مِنَ البدعِ والخرافاتِ و الضَّلالاتِ وأنواعِ المنكراتِ وفسادِ العقيدةِ، و لا سيما في توحيد الألوهيَّةِ؛ فهم في هذا البابِ لا يزيدون على ما كان عليه أهلُ الجاهلية الذين بُعثَ فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "( القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ)(ص8). وقال:" وقد ذكرَ بعض العلماء عن التبليغيين نوعاً آخرَ من الذكر، وهو أنَّهم يكررون كلمة(لا إله) ست مئة مرَّة، ثم يكررون كلمة( إلاَّ الله) أربع مئة مرة. وذكر آخر عن عددٍ كثير من الرجال أنهم سمعوا جماعة من التبليغيين الهنود وهم في بيتٍ "(المصدر السابق/ص9 ). و قال:" ومما ذكره بعض العلماء عن التبليغيين أيضاً أنَّ رجلاً من طلبة العلم خرج معهم.."(المصدر السابق/ ص10 ). وقال " وذكر بعض العلماء عن التبليغيين أنهم يعتنون بالقصيدة التي تسمى بالبردة .."(المصدر السابق/ ص11 ). وقال "وقد ردَّ كثيرٌ من العلماء على التبليغيين، وبينوا أخطائهم وضلالاتهم وخطرهم على الإسلام والمسلمين..وبعض الذين ردُّوا على التبليغيين قد صحبوهم سنين كثيرة،وخرجوا معهم في سياحاتهم التي هي مِنْ محدثات الأمور.."( المصدر السابق/ ص 322-23 ) وغير ذلك كثير في كتاب الشيخ التويجري (عليه رحمة الله). (ج) العلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان(حفظه الله) فقال مبيناً ضلال وانحراف جماعة التبليغ عن منهج أهل السُّنَّةِ:" والمقصود أنَّ جماعة التبليغ جماعة شغلت الناس في هذا الزَّمان ،وهي جماعةٌ ضالةٌ في معتقدها ومنهجها ونشأتها كما وضَّح ذلك الخبيرون بها ، مما تواتر عنهم مما لا يدع مجالاً للشك في ضلال هذه الجماعةِ وتحريم مشاركتها ومساعدتها والخروج معها، فيجبُ على المسلمين الحذرُ منها والتحذير منها"(مقدمة الشيخ لكتاب كشف الاستار عما تحمله بعض الدعوات من أخطار) للعريني (ص7 ). وقال أيضاً (حفظه الله) مجيباً على سؤال سائلٍ:" وإنَّما يجبُ على أهل هذه البلاد التَّمسُّكُ بما همْ عليهِ من دعوةِ الحقِّ ونبذِ ما خالفَ ذلك، مِنْ أيِّ جماعةٍ، سواء جماعة التَّبليغ أوْ غيرها من الدَّعواتِ المشبوهة، وجماعة التَّبليغ قد قيلَ عنها الكثير والكثير من المخالفاتِ والبدعِ، كما بيَّنَ ذلكَ أُناسٌ عايشوها وصحبوا أهلها وعرفوا ما عندهم،وبينوا أنَّ منهج هذه الدَّعوة مخالفٌ لمنهجِ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنَّها دعوة صوفية بدعية،.."( المصدر السابق/ ص67). قارن أخي القارئ الكريم بين أجوبة المشايخ الثلاثة (الألباني والتويجري والفوزان) حول هذه الجماعة تجد أنَّها تخرجُ مِنْ مشكاةٍ واحدةٍ، ألا وهي مشكاةِ السَّلفيَّة الحقَّة!. واعتماد أهل العلمِ على نقول وأقوال العدول الثقات في القديم والحديث كثيرة جدِّاً، وهو مسلكٌ سُنِّيٌّ لا يشُذُّ عنه إلاَّ أحدُ رجلين: إمَّا جاهلٌ؛ فهذا يلزم الصَّمتَ حتى يتعلم. وإمَّا صاحبُ هوى منحرفٌ؛ فهذا نسأل الله له الهداية أو أنْ يقصم ظهره" انتهى. فالله أسأل أن يحفظ هذه الدعوة من كيد الكائدين ودس المندسِّين، وطيش الطائشين وافتراء المفترين، إنَّه جوادٌ كريم، وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري كان الله له المدينة النبوية 14/ جماد الآخرة/ 1430هـ
  15. عبد الله عبد الرحيم البخاري

    نصيحة وبيان للأخوة السلفيين في مصر وغيرها

    بسم الله الرَّحمن الرَّحيم الحمدُ لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فشكر الله وأجزل المثوبة لشيخنا العلاَّمة الوالد النَّاصح المشفق هذه الكلمات الرَّائعات، الدَّالة على صدقٍ ونُصحٍ وإشفاقٍ وحرصٍ، وكما قيل: (الشيءُ من معدنه لا يُستغرب) فشيخنا - حفظه الله وردَّ عنه كيد الأعادي- معلومٌ عنه ومنه دوام النُّصح وإرادة الخير للمنصوح بالَّتي هي أحسن للتي هي أقوم، وياليت قومي يعلمون ويدركون!! وهو - وفقه الله وسدده وأعانه- بهذا يتمثَّل قول جرير بن عبدالله رضي الله عنه (بايعتُ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنُّصح لكلِّ مسلمٍ) أخرجه الشيخان في (صحيحيهما)، و بقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم (الدين النَّصيحة)، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلمٌ. وتكرَّر نُصحه لأبنائه السَّلفيين غير مرَّةٍ، ولأكثر من مكانٍ في العالمِ. قال الحافظُ ابن الصلاح في (صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسَّقط)(ص 223-224):" النَّصيحة كلمةٌ جامعةٌ تتضمَّنُ قيام النَّاصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلاً.... والنَّصيحة لعامة المسلمين..إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عواراتهم، وسدّ خلاتهم ونصرتهم على أعدائهم، والذَّب عنهم، ومجانبة الغش والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، وما شابه ذلك". قلتُ: وهؤلاء هم أهل الحديث صدقاً، قال الحافظ الخطيب البغدادي في (شعار أصحاب الحديث)(8-9):"و قد جعل الله تعالى أهلَه أركان الشَّريعة، وهدمَ بهم كلَّ بدعةٍ شنيعة، فهم أمناء الله من خليقته، والوسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمَّته، والمجتهدون في حفظ ملَّته. أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرةٌ، وآياتهم باهرةٌ، ومذاهبهم ظاهرةٌ، وحججهم قاهرةٌ، وكلُّ فئة تتحيز إلى هوىً ترجع إليه، أو تستحسنُ رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث؛ فإنَّ الكتاب عُدتهم، والسُّنَّة حجّتهم، والرَّسول- صلَّى الله عليه وسلم- فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن الرسول- صلى الله عليه وسلم-. وهم المأمونون عليه العدول، حفظةُ الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلفَ في حديثٍ، كان إليهم الرجوع، فما حكموا به، فهو المقبول المسموع، ومنهم: كل عالم فقيه، وإمامٍ رفيع نبيه، وزاهد في قبيلةٍ، ومخصوص بفضيلة،.....وكلُّ مبتدعٍ باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذلهم الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلحُ من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقيرٌ، وبصرُ الناظر بالسُّوء إليهم حسيرٌ ، وإنَّ الله على نصرهم لقديرٌ"، انتهى كلامه رحمه الله. فَالله أسأل بأسمائه الحُسنى وصفاتهِ العُلى أنْ يُبَارِكَ لنَا فيكم شَيخنا، ويَحفظكم وَيَحفظ إخواننا السَّلفيين في كُلِّ مكان، إنَّه جوادٌ كريم، سميعٌ مجيبٌ، وصلَّى الله على نبيِّنا مُحمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم. وكتب عبدالله بن عبدالرحيم البخاري الأحد 16/ ربيع الآخر/ 1430هـ
×