ربيع بن هادي المدخلي

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    242
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 86

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : ربيع بن هادي المدخلي

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم
  1. نصيحة للسلفيين في الجزائر بالاجتماع وعدم الافتراق

    ( نصيحة للسلفيين في الجزائر بالاجتماع وعدم الافتراق ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: فقد بلغني أن الدعوة السلفية في الجزائر قد تأثرت إلى درجة أن بعض الدروس العلمية تعطلت، وأن بعض طلبة العلم قد هجروا معهد اللغة العربية وعلومها، وذلك بسبب الخلاف القائم بين بعض الدعاة في الجزائر. وهذا مالا نحبه من طلبة العلم- وفقنا الله وإياهم لكل خير-. وإني أوصي أبنائي الكرام من طلبة العلم بتقوى الله، والاستفادة من مدرسة عكاظ، التي تُعْنَى باللغة العربية وعلومها، والتي يعمل بها مجموعة من السلفيين الأخيار، المهتمين بالدعوة السلفية والذب عنها، كالأخ خالد حمودة، والأخ محمد مرابط اللذان لهما جهود في الدعوة. وعلى طلبة العلم عدم الانشغال بالخلاف القائم بين الدعاة عن طلب العلم، وعليهم تعلم العلم الشرعي وفهمه، والعمل به، ونشره، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: "(أُدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وعلى الدعاة إلى الله أن ينشطوا وينشروا العلم الشرعي، المستمد من الكتاب والسنة، على فهم الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم- والسلف التابعين لهم بإحسان. وإني أوصي العلماء عموماًوالشيخ فركوس والشيخ عز الدين خصوصاً بالسعي للصلح وجمع الكلمة على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم دون استثناء أحد من أطراف النزاع؛ لتحقيق ما فيه مصلحة للدعوة السلفية مبتغين بذلك مرضاة الله. قال تعالى: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عظيماً). وفق الله الجميع، وألف بين قلوبهم. إن ربنا لسميع الدعاء، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه ربيع بن هادي عمير المدخلي 25 جمادى الأولى 1439هـ للتحميل PDF
  2. دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة ( الحلقة الثالثة )

    دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة الحلقة الثالثة قال الحجوري في "الرياض المستطابة" (ص455): "66- سنان بن سلمة الهذلي. قال الإمام النسائي رحمه الله في «الكبرى» 6278: أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا حجاج الأحول، قال: حدثنا سلمة بن جنادة عن سنان بن سلمة أن رجلا من المهاجرين تصدق بأرض له عظيمه على أمه فماتت وليس لها وارث غيره فأتى النبي ﷺ. فقال: إن أمي كانت من أحب الناس إلي وأعزهم علي وإني تصدقت عليها بأرض لي عظيمه فماتت وليس لها وارث غيري فكيف تأمرني أن أصنع بها؟ قال: «قد أوجب الله لك أجرك ورد عليك أرضك، فاصنع بها كيف شئت».اﻫ" وأخرجه الطبراني في «الكبير» (7 /6493) من طريق مسدد عن يزيد بن زريع بهذا السند وهو حجاج الأحول هو ابن حجاج الباهلي ثقة. وسلمة بن جنادة روى عن سنان بن سلمة بن المحبق، وعنه ثلاثة، وذكره ابن حبان في «الثقات» فهو مجهول". أقول: 1) أتدري لماذا لم يرجع الحجوري في هذه الترجمة إلى [الإصابة] و[أسد الغابة] و[الاستيعاب]؟ الظاهر لأنه رأى في [الإصابة] برقم (3795) قول الحافظ: "أورده ابن شاهين، وأورد له حديثين". ولأنه رجع إلى [أسد الغابة] لابن الأثير (رقم 2260) فوجد فيه قوله "ومن حديثه أن رجلًا أتى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رَسُول اللَّهِ، إني تصدقت عَلَى أمي بصدقة، وَإِنها هلكت، فكيف أصنع؟ فقال: "رد اللَّه عليك مالك، وقبل صدقتك". فقوله: "ومن حديثه... إلخ. يدل على أن له أحاديث غير هذا الحديث. 2) سلمة بن جنادة روى عنه ثلاثة، ووثقه ابن حبان، وقال فيه الحافظ: "مقبول". والحجوري يقول فيه: مجهول. وشتَّان ما بين العبارتين. قال الحجوري في [الإجابة] (ص291): "أقول: بما أنك رجعت إلى هذه المصادر فلماذا أهملت قول الحافظ في القسم الثاني من [الإصابة]: "لأبيه صحبة". قال ابن أبي حاتم في المراسيل: سئل أبو زرعة عن سنان بن سلمة أن له صحبة، فقال لا، ولكن ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم". أقول: كلام الحافظ إنما هو حجة عليك؛ لأن مؤدَّاه أنه ليس لسلمة صحبة، وكتابك إنما هو خاص بمفاريد الصحابة. والحجة الأخرى عليك أنك أوهمت القراء في كتابك [الرياض المستطابة] أن سنان بن سلمة صحابي. ثم قال الحجوري في (ص292) متابعًا كلامه عن قول الحافظ في [الإصابة]: "وأعاد ترجمته في القسم الرابع الذي نقل منه المستدرك وقال: أورده ابن شاهين وأورد له حديثين من رواية سلمة بن جنادة عنه وأفرده عن سنان بن المحبق، وهو وهم سنان له رؤية لا سماع وقد خبط فيه أبو عمر فقال: سنان بن سلمى الأسلمي بصري روى عنه قتادة ومعاذ بن سعد في حديثه اضطراب". أقول: هذا الكلام فيه حجة عليك؛ فإن الحافظ أفاد في هذا الكلام أن لسنان بن سلمة حديثين فهو يدينك؛ لأن موضوع كتابك المفاريد لا المثاني ولا غيرها. ثم قال الحجوري المتهور في كتابه [الإجابة] (ص295): "والحاصل: أن سنان بن سلمة لا يصح له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم". أقول: إذا كان لا يصح لسنان بن سلمة سماع من النبي صلى الله عليه وسلم فلماذا أوردته في مفاريد الصحابة؟! فليعجب القارئ أشد العجب من صنيع الحجوري المتعالم!. إن صنيعه هذا يدل على أنه لا يحسن التدقيق والتحقيق -فيما يقوم به من نقل لكلام أئمة الحديث- وإنما يقوم فقط بالنقل والتلفيق. وأقول: لقد أكثر الحجوري من الكلام الذي لا يفيده بل سيسأل عنه، وأُفيد القارئ الكريم الآن أن لسنان بن سلمة ستة أحاديث. 1- الأول منها: الحديث المنتقد. 2- والثاني: رواه البغوي في [معجم الصحابة] (3/264) رقم (1203). قال –رحمه الله-: 1203- "حدثني جدي نا عباد بن العوام أخبرنا عمر بن عامر قال: حدثني الحجاج بن أبي الحجاج عن سلمة بن جنادة عن سنان بن سلمة، أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي سليقة تبلغ ثمن جذعة سمينة وثمن مسنة مهزولة أي ذلك تختار؟! قال: «خذ السمينة، الله أحق بالوفاء والثنا [.....]([1]) بها جذعة سمينة، وانسك بها عنك». 3-والثالث: أخرجه أبو نعيم في [معرفة الصحابة]، رقم الترجمة (1332). قال -رحمه الله-: "حدثنا أبو عمرو، ثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عبيد الله بن موسى، ثنا ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة، عن النبي ﷺ في الهدي إذا عطب، قال: «ينحر، ثم يغمس نعله في دمه، ثم يضرب به صفحته، ولا يأكل منه، وإنْ أكل فعليه الجزاء». أخرجه عقب الحديث الذي أورده الحجوري من النسائي والطبراني. ولهذا الحديث الأخير ثلاثة شواهد: p أولها: عن ابن عباس –رضي الله عنهما-، رواه مسلم في كتاب الحج حديث (1325): رواه بسنده إلى مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ، مُعْتَمِرَيْنِ قَالَ: وَانْطَلَقَ سِنَانٌ مَعَهُ بِبَدَنَةٍ يَسُوقُهَا، فَأَزْحَفَتْ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ، فَعَيِيَ بِشَأْنِهَا إِنْ هِيَ أُبْدِعَتْ كَيْفَ، يَأْتِي بِهَا فَقَالَ: لَئِنْ قَدِمْتُ الْبَلَدَ لَأَسْتَحْفِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَضْحَيْتُ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْبَطْحَاءَ، قَالَ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ نَتَحَدَّثْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ شَأْنَ بَدَنَتِهِ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّرَهُ فِيهَا، قَالَ: فَمَضَى ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا، قَالَ: «انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ». p وثانيها: أورده مسلم (1326): بإسناده إلى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ». p والثالث: عن ناجية الخزاعي، رواه الإمام أحمد في [مسنده] (4/334): قال –رحمه الله-: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَاجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ -وَكَانَ صَاحِبَ بُدْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟ قَالَ: «انْحَرْهُ، وَاغْمِسْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، وَاضْرِبْ صَفْحَتَهُ، وَخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ، فَلْيَأْكُلُوهُ». 4- وله حديث رابع: رواه ابن قانع في معجمه (1/318) : قال -رحمه الله-: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْقُطَعِيُّ، نا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ جُنَادَةَ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَحْمِ ضَبٍّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَقَالَ: «إِنِّي أَعَافُهُ». وله شاهد متفق عليه من حديث ابن عباس، رواه البخاري في "الأطعمة" برقم (5391)، ومسلم في "كتاب الصيد" برقم (1945)، ونصه في "صحيح مسلم": عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ مَيْمُونَةَ، فَأُتِيَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ، فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ: أَخْبِرُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ، فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ»، قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ. 5- وله حديث خامس رواه الطبراني في "معجمه" (7/118-119) رقم (6493): قال رحمه الله: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، ثنا مُسَدَّدٌ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثنا حَجَّاجٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ جُنَادَةَ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ تَصَدَّقَ بِأَرْضٍ لَهُ عَظِيمَةٍ عَلَى أُمِّهِ، فَمَاتَتْ وَلَيْسَتْ لَهَا وَارِثٌ غَيْرُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي فُلَانَةً كَانَتْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ , وأَعَزِّهِمْ عَلَيَّ، وَإِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَيْهَا بِأَرْضٍ لِي عَظِيمَةٍ، فَمَاتَتْ وَلَيْسَ لَهَا وَارِثٌ غَيْرِي، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ بِهَا؟ قَالَ: «قَدْ أَوْجَبَ اللهُ أَجْرَكَ، وَرَدَّ عَلَيْكَ أَرْضَكَ، اصْنَعْ بِهَا مَا شِئْتَ». 6- وله حديث سادس رواه الطبراني في "معجمه" (7/118-119) رقم (6495): قال رحمه الله: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَسَوِيُّ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ آدَمَ، ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ يُحَدِّثُ, عَنْ خَالِدٍ الْأَشَجِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ-رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى جَذَعَةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: «مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِمَسْكِهَا». وإذن فلهذا الصحابي ستة أحاديث، أربعة منها صحّت بشواهدها. وعلى هذا فلا يصح إيراده في هذا الكتاب الخاص بالمفاريد لا في قسم الصحيح ولا في قسم الضعيف. فهل يرجع الحجوري عن زَجِّهِ بهذا الصحابي في "ضعيف المفاريد" أو في "صحيح المفاريد"؟!! كتبه: ربيع بن هادي المدخلي 1 ذو الحجة 1438هـ ([1]) كذا في [المعجم]. dahur_mghlatat_alhajuri3.pdf
  3. دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة ( الحلقة الثانية )

    بسم الله الرحمن الرحيم دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة الحلقة الثانية قال الحجوري في "الرياض المستطابة" (ص557-558): " 258- الشفاء بنت عبدالله أم سليمان. مترجم([1]) في الإصابة رقم (11379) وأسد الغابة رقم (7045) والاستيعاب (3432). قال الإمام أبو داود رحمه الله رقم (3887). حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن عبدالعزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن الشفاء بنت عبدالله قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا عند حفصة، فقال لي: «ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة».اهـ. وأخرجه النسائي في الكبرى رقم (7501) وابن أبي عاصم وأحمد في المسند (6/286) والطبراني في الكبير (24/797) والحاكم (4/414) من طريق، أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حفصة به. وسنده مضطرب، فالنسائي وأحمد وأبو داود قد رووا الحديث من طريق محمد بن المنكدر وصالح بن كيسان، ورواه سفيان الثوري عند أحمد والنسائي، عن محمد بن المنكدر، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حفصة ولم أر من أثبت سماعه من حفصة([2])، ورواه عن الثوري بهذا السند وكيع عند أحمد وأبو عامر العقدي عند أحمد ويحيى بن سعيد وأبو حذيفة النهدي ومحمد بن كثير عند الحاكم فهؤلاء خمسة رووه عن الثوري عن ابن المنكدر، عن أبي بكر بن سليمان، عن حفصة به. وأبو بكر قد أرسله فرواه عن النبي ﷺ، رواه عنه ابن المنكدر كما عند الطبراني في الكبير (24/ 798)، وإسماعيل بن علية كما عند ابن أبي شيبة (8/37) ورجح البيهقي في الكبرى (9/ 587) طريق صالح بن كيسان التي عند أبي داود، فقال عن تلك الطريق إنها أصح الطرق والحاصل أن سنده مضطرب. وقد ذكر العلامة الألباني في الصحيحة رقم (178) مثبتاً له وهذا في ظاهر السند لكنه مضطرب كما يعلم ذلك من النظر في طرقه ومنها ما ذكرها هو -رحمة الله عليه- في الصحيحة، والله أعلم". أقول: قال المزي في "تهذيب الكمال" (35/207): " بخ د س: الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس بن خلف، ويقال: خالد بن شداد، ويقال: صداد، ويقال: ضرار بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب. ويقال: الشفاء بنت عبد الله بن هاشم بن خلف بن عبد شمس بن شداد القرشية العدوية، أم سليمان بن أبي حثمة، لها صحبة. قال أحمد بن صالح : اسمها ليلى وغلب عليها الشفاء، وأمها فاطمة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. أسلمت بمكة قبل الهجرة، وهي من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها فيقيل عندها، واتخذت له فراشا وإزارا ينام فيه، فلم يزل عند ولدها حتى أخذه منهم مروان بن الحكم. وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: علمي حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة. وأقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم دارا عند الحكاكين فنزلتها مع ابنها سليمان. وكان عمر بن الخطاب يقدمها في الرأي ويرضاها ويفضلها، وربما ولاها شيئا من أمر السوق. ذكر ذلك أبو عمر ابن عبد البر. روت عن: النبي صلى الله عليه وسلم (عخ د س)، وعن عمر بن الخطاب (بخ) . روى عنها: ابنها سليمان بن أبي حثمة، وابنه عثمان بن سليمان بن أبي حثمة (عخ)، ومولاها أبو إسحاق، وابن ابنها أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة (بخ د س)، وحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم. روى لها البخاري في كتاب"الأدب"، وفي كتاب" أفعال العباد"، وأبو داود، والنسائي". وقال الذهبي في "تذهيب التهذيب" (11/144-145): " بخ د س: الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية العدوية، أم سليمان بن أبي حثمة، لها صحبة، ويقال: اسمها ليلى. من المهاجرات الأول، وكان –صلى الله عليه وسلم- يأتيها فيقيل عندها، وقال لها: "علمي حفصة رقية النملة". روت عن: النبي –صلى الله عليه وسلم-، وعن عمر. وعنها: ابنها سليمان، وأبناء أبو بكر وعثمان، ومولاها أبو إسحاق، وغيرهم. وكانت من عقلاء النساء وفضلائهن". 1- حديث الرقية الذي ضعّفه الحجوري وأورده مع هذه الصحابية الجليلة الشفاء في كتابه "ضعيف المفاريد". مع أن هذا الحديث قد أورده عدد من العلماء مع غيره من أحاديث هذه الصحابية، ولا أعلم أن أحداً منهم ضعّفه أو أشار إلى ضعفه. 2- لقد صحح هذا الحديث الشوكاني –رحمه الله- في "نيل الأوطار" (8/ 220)، وقبله الحاكم والذهبي، وأورده ابن القيم في "زاد المعاد" (4/ 184- 185)، محتجاً به، قائلاً: "وفي الحديث دليل على جواز تعليم النساء الكتابة". كما صححه العلامة الألباني، وقد نقل الحجوري هذا التصحيح عن الألباني. فقال في ترجمة الشفاء في "الرياض المستطابة" (ص558): "وقد ذكره العلامة الألباني في "الصحيحة" رقم (178) مثبتاً له". ثم قال الحجوري: "وهذا في ظاهر السند لكنه مضطرب كما يعلم ذلك من النظر في طرقه، ومنها ما ذكرها هو –رحمة الله عليه- في الصحيحة والله أعلم". أقول: إن هذا الحكم باطل. وأقول: هؤلاء خمسة من كبار العلماء وفحولهم يصححون هذا الحديث، ويخالفهم طويلب متهور، مضطرب في منهجه، ومتهور في أحكامه على الأحاديث، ومنها هذا الحديث، أيؤخذ بتصحيح هؤلاء الفحول لهذا الحديث، أم بتهور هذا الطويلب المتهور فيسلم له بتضعيف هذا الحديث وبقاء هذه الصحابية النبيلة وحديثها الصحيح في قسم "ضعيف المفاريد"؟ أقول: الواجب الأخذ بتصحيح هؤلاء العلماء، والقول بإخراج هذه الصحابية النبيلة من سجن الحجوري المظلم "ضعيف المفاريد"، لاسيما ولهذه الصحابية عدد من الأحاديث أخرجها الطبراني في "المعجم الكبير" في الجزء (24)، من حديث رقم (787) إلى حديث رقم (800)، منها الصحيح، ومنها الضعيف. 1- فمن الصحيح هذا الحديث الذي يرجف عليه الحجوري. وقد أورده الطبراني –رحمه الله- في "معجمه الكبير" برقم (790)، (796) وبرقم (798)، مرسلاً، ثم أورده باسم حفصة –رضي الله عنها- برقم (797).**** 2- حديث (791)، (793)، (794)، وهو حديث صحيح، ونصه: سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: " أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟"، قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ». ويؤيده حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أخرجه البخاري في كتاب "الإيمان" برقم (26). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». ومسلم في "صحيحه" حديث رقم (248). 3- ومنها حديث رقم (792) أخرجه الطبراني بإسناده إلى عُثْمَان بن أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ أَبِيهِ، قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى جِهَادٍ لَا شَوْكَةَ فِيهِ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «حَجُّ الْبَيْتِ». وعثمان بن أبي سليمان، قال الذهبي في "التذهيب" في ترجمته: "عن أبيه وجدته الشفاء. وعنه: عبد الملك بن عمير، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم. في الثقات لابن حبان". وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": " عثمان بن سليمان بن أبي حثمة العدوي المدني روى عن أبيه وجدته الشفاء بنت عبد الله وعنه عبد الملك بن عمير والزهري والأوزاعي وداود بن خالد الليثي ويونس بن يعقوب بن الماجشون ذكره بن حبان في الثقات". وقال الحافظ في "التقريب": "مقبول". أقول: يرتقي حديثه هذا إلى درجة القبول الحسن أو الصحة. بشاهد له من حديث الحسين بن علي –رضي الله عنه-. رواه الطبراني في "المعجم الكبير" برقم (2910). قال الطبراني –رحمه الله-: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّامِيُّ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيًّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي جَبَانٌ، وَإِنِّي ضَعِيفٌ. قَالَ: «هَلُمَّ إِلَى جِهَادٍ لَا شَوْكَةَ فِيهِ، الْحَجُّ». وصححه الألباني في "الإرواء" (4/ 151- 152). قال –رحمه الله-: " ولمعاوية هذا إسناد آخر بلفظ آخر , فقال الطبراني في " المعجم الكبير " (1/141/1) و" الأوسط " (1/110/2 ـ زوائد) : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني إبراهيم بن الحجاج السامي أخبرنا أبو عوانة عن معاوية بن إسحاق عن عباية بن رفاعة عن الحسين بن علي رضي الله عنه قال: " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني جبان , وإني ضعيف , قال: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج ". قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات , وقال المنذري بعد أن عزاه للمعجمين: " ورواته ثقات , وأخرجه عبد الرزاق أيضا"". والخلاصة أن لهذه الصحابية سبعة أحاديث رواها الطبراني في معجمه الكبير من رقم (787 – 800) وكرر بعضها، قال رحمه الله: 1) حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا طاهر بن أبي أحمد الزبيري ثنا خالد بن إلياس عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن الشفاء بنت خلف: أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى يوم الجمعة في المسجد ورفع يديه وقال: (استغفروا ربكم إنه كان غفارا) وحول رداءه. 2) حدثنا مسعدة بن سعد العطار المكي ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا عبد الله بن نافع عن خالد بن إلياس عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن الشفاء أم سليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا جهم بن حذيفة على المغانم فأصاب رجلا بقوسه فشجه منقلة فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة فريضة. 3) حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرق وعبدان بن أحمد قالا ثنا عبد الوهاب بن الضحاك ثنا إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن الشفاء بنت عبد الله قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أسأله فجعل يعتذر إلي وأنا ألومه، فحضرت الظهر فخرجت حتى دخلت على ابنتي وهي تحت شرحبيل بن حسنة فوجدت شرحبيل في البيت فجعلت ألومه فقال: يا جارية لا تلوميني؛ فإنه كان لي ثوب استعاره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: بأبي وأمي كنت ألومه منذ اليوم وهذه حاله ولا أشعر. 4) حدثنا موسى بن هارون ثنا سريج بن يونس ويحيى بن أيوب المقابري قالا ثنا عبيدة ابن حميد قال حدثني عبد الملك بن عمير عن عثمان بن أبي حثمة عن جدته الشفاء قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل أي الأعمال أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيل الله وحج مبرور). 5) حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا جعفر بن حميد ثنا الوليد بن أبي الوليد بن أبي ثور عن عبد الملك بن عمير عن عثمان بن أبي سليمان عن جدته أم أبيه قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني أريد الجهاد في سبيل الله فقال: (ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟) قلت: بلى. قال: حج البيت. 6) حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا إسحاق بن سليمان عن الجراح ابن الضحاك عن كريب الكندي قال: أخذ علي بن الحسين بيدي فانطلقنا إلى شيخ من قريش يقال له ابن أبي حثمة يصلي إلى أسطوانة فجلسنا إليه فلما انصرف قال له علي: حدثنا بحديث أمك في الرقية: فقال حدثتني أمي أنها كانت ترقى برقية لها في الجاهلية فلما جاء الإسلام قالت: لا أرقى بها حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فاستأمرته فقال: (ارقي ما لم يكن فيها شرك). 7) حدثنا إبراهيم بن عمر بن أحمد الوكيعي ثنا أبي ثنا يحيى بن آدم ثنا قيس بن الربيع عن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن سليمان بن أبي الطيب عن أم سلمان بن أبي حثمة قالت: رأينا نساء من القواعد يصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرائض. وأخيرًا فقد ظهر للقارئ الكريم أن لهذه الصحابية الكريمة سبعة أحاديث منها الصحيحة ومنها غير ذلك. فكيف استجاز الحجوري إيرادها في سجنه المظلم [ضعيف المفاريد] مع أن هذا هو واقعها؟! فليعجب العقلاء من هذه الجرأة وليردد العقلاء تعجبًا إذا عُلِم أن كتاب الطبراني من مراجع هذا الحجوري المتهور!!. كتبه ربيع بن هادي المدخلي 10 ذو القعدة 1438هـ [1] - كذا. [2] - أثبت سماع أبي بكر من الشفاء ومن حفصة –رضي الله عنها- المزي في [تهذيب الكمال]، والذهبي في [التذهيب]، وابن حجر في [تهذيب التهذيب]، راجع ترجمة أبي بكر بن أبي سليمان. dahur_mqaltat_alhajuri2.pdf
  4. دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة ( الحلقة الأولى )

    دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة مقدمة الرد على الحجوري بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، ثم أما بعد: 1- فأقول: لقد سميت كتابك بـِ (الرياض المستطابة في صحيح وضعيف أحاديث مفاريد الصحابة) وشرطتَ على نفسك أن لا تدخل في هذا الكتاب إلا أصحاب الأحاديث الأفراد. وبناء على هذين الأمرين فلا يحق لك أن تدخل في هذا الكتاب من له أكثر من حديث، سواء كان من أصحاب المثاني أو أصحاب الثلاثة أو الأربعة، صحت أو ضعفت. ثم إنه ليحصل منك مخالفات لما شرطته على نفسك، إما عن خطأ أو عمد، كما هو واقع كتابك، فإذا استدرك عليك مستدرك هذه الأخطاء أو التعمدات أقمت الدنيا وأقعدتها بالأراجيف والطعون، كأنك من المعصومين، وهذا العمل من البغي والظلم الذي حرمه الله ويأنف منه العقلاء النبلاء. 2- أقول: حقًّا لقد أسأت إلى الصحابة الكرام، ولاسيما بما سميته بـِ"ضعيف مفاريد الصحابة". وهذا أمر لم يسبقك إليه أحد من أهل السنة، ولا من أهل البدع. فهذه مؤلفاتهم في الضعفاء لا يضيفونها إلى الصحابة الكرام. قال الإمام الذهبي في كتابه "المغني في الضعفاء" (ص4-5) "وَقد جمعت فِي كتابي هَذَا أمما لَا يُحصونَ، فَهُوَ مغن عَن مطالعة كتب كَثِيرَة فِي الضُّعَفَاء فَإِنِّي أدخلت فِيهِ -إِلَّا من ذهلت عَنهُ- "الضُّعَفَاء" لِابْنِ معِين وللبخاري وَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة والعقيلي وَابْن عدي وَابْن حبَان وَالدَّارَقُطْنِيّ والدولابي والحاكمين والخطيب وَابْن الْجَوْزِيّ، وزدت على هَؤُلَاءِ ملتقطات من أَمَاكِن متفرقات، وأشرت إِلَى حَال الرجل بأخصر عبارَة، إِذْ لَو استوفيت حَاله، وَمَا قيل فِيهِ، وَمَا أنكِر من الحَدِيث عَلَيْهِ لبلغ الْكتاب عدَّة مجلدات، فَمن أَرَادَ التبحر فِي الْمعرفَة فليطالع المؤلفات الْكِبَار، وليأخذ من حَيث أخذت". أقول: فهذه مؤلفاتهم إنما يؤلفونها باسم الضعفاء أو الضعفاء والمتروكين، ويسردون أسماءهم ويبينون أحوالهم وأحوال مروياتهم، ولم يسم أحد منهم كتابه باسم الصحابة، أو مفاريد الصحابة؛ حاشاهم أن يفعلوا ذلك؛ لأن الصحابة الكرام أجل وأكرم في نفوسهم من أن يصنفوا كتبًا تحمل مثل هذا العنوان الرديء المسيء إليهم . قال الحجوري في (ص22) من كتابه "الإجابة": "قال المستدرك: بل عمله في هذا الكتاب، وخاصة "قسم ضعيف المفاريد" لم يقدم فيه ما يبعث في النفوس محبة هؤلاء الصحابة والاستفادة من صفاتهم وحسن مكارمهم، بل قد يوقع بعض من يقرؤه من الجهلاء في شيء من غمطهم وهضم حقهم. ويوقع الأسى وشديد التألم في نفوس محبهم والمبجلين لهم". وقال الحجوري: "قلتُ : لا تستطيع أن تثبت أن ما ذكرته في ضعيف مفاريد الصحابة بذكر حال سند ذلك الحديث وبيان علته، أنَّ هذا يعتبر غمطاً وهضماً للصحابة -رضي الله عنهم-. وإلا كان: كل من ضعّف حديثاً حسب أصول أهل الحديث؛ أنه واقع في هذه التهمة الخطيرة". أقول : إن كلامي حق إذ سميت القسم الثاني من كتابك بـِ"ضعيف مفاريد الصحابة"، ولم يسبقك سابق من أهل الحديث بمثل هذه التسمية الرديئة، وهذه التسمية فيها إساءة إلى الصحابة الكرام. ومن إساءتك إلى كثير من الصحابة أنه قد يكون للصحابي عدة أحاديث، وقد يكون فيها الصحيح، وقد يكون فيها الحسن بشواهده فلا تذكر له إلا حديثاً واحداَ ضعيفاً. هذه الإساءات حَصَلَتْ منك في هذا الكتاب. وإذا بُيِّن لك هذا العمل الرديء حاربتَ من بيّنَ لك، وهذه إساءة كبرى بإصرارك على غمط الصحابة عند من يعرف قدر الصحابة. وقال الحجوري في (ص31-32): "قال المستدرِك: ومن تحرِّيهِ لتضعيفه بعض الأحاديث أن يُذكر في مصادره التي التزم الرجوع إليها مثل "الإصابة" و"أسد الغابة" و"مسند أحمد" أن يُذكر لهؤلاء الصحابة في هذه المصادر أو بعضها حديثان أو ثلاثة، فيحيد عنها، ثم يذهب إلى "سنن أبي داود" أو "سنن النسائي" أو "سنن ابن ماجه" أو "معجم الطبراني" مثلا، فيأخذ منها الحديث الذي يتحرى تضعيفه فيضعفه، وهذا العمل يكثر منه. وسيرى القارئ الكريم هذا التصرف المريب، نسأل الله العافية من هذه البلايا والرزايا". أقول: لقد حدتَ عن الإجابة على استدراكي الصحيح الذي أخذ بخناقك؛ لأنك فعلاً تحيد عن تلك الأحاديث التي ذكرها أهل المصادر التي تعتمدها، فتحيد عنها؛ لترمي أولئك الصحابة في مفاريدك المظلمة، ولقد برهنتُ على مكرك المتكرر في كتابي "الإصابة"، فلم تردعك تلك البراهين عن التمادي في أباطيلك وظلمك. وقلتُ في هذه الصحيفة: "ومن غرائبه التي انفرد بها؛ أنه جعل قسماً خاصاً للأحاديث التي يُضعفها ويزج بها وبأصحابها في هذا القسم . وأنا لا أعرف له سلفاً في هذا العمل حسب علمي". فقال الحجوري معلقاً على كلامي هذا بقوله: "قلتُ: أما عرفت الكتب التي صُنفت في الأحاديث الضعيفة، لا قبل العلامة الألباني –رحمه الله- ولا بعده. ألم تطلع على كتب: العلل، وكتب التخاريج كـ" البدر المنير" لابن الملقن، و"التلخيص" لابن حجر، و"نصب الراية" للزيلعي، و "المقاصد الحسنة" للسخاوي، وغيرها كثير، بما فيها الحكم على الأحاديث الضعاف بالضعف، حتى جئت أنا بهذه الجريمة، وهي: بيان ضعف جملة أحاديث بذكر عللها على أسس أهل الحديث. يا سبحان الله؛ هذا مما يثير الدهشة". أقول: إن هذه الكتب: العلل وكتب التخاريج لمن ذكرت من أهل العلم لفي واد وعملك في واد سحيق. فهل أحد منهم سمى كتابه "ضعيف مفاريد الصحابة"؟! ثم يذهب يمكر ويكتم أحاديث عدد من الصحابة، وإذا نُبِّه إلى أخطائه وأباطيله ذهب يرجف ويطعن في من ينبهه. وأقول: حقًّا لا نظير للحجوري وأعماله الظالمة. وأقول: إن أهل العلم قد ألّفوا كتباً كثيرة باسم الضعفاء، لا باسم الصحابة. وقد ذكر الحافظ الذهبي في كتابه "الضعفاء" عدداً من تلك المؤلفات، انظر (ص1) من هذا المقال. هذا وسوف أقدم للقراء الكرام إن شاء الله نماذج من تصرفات الحجوري الباطلة الظالمة: أولا: قال الحجوري في كتابه "الإجابة" (ص430): "العرس بن عميرة . مترجم في "الإصابة" رقم (5520) , قال: أخرج حديثه أبو داود, و في "الاستيعاب" رقم (1805), وقال: روى عنه ابن أخيه عدي بن عدي بن عميرة الكندي, قال : ذكره أبو حاتم في الأفراد, ولم يذكر للعرس غيره. ولم يذكر له الحافظ المزي في "تحفة الأشراف "رقم (9894) غير حديث واحد و هو ما أخرجه أبو داود رقم (4345) و الطبراني (17/139) متصلاً ومرسلاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : "إذا عملت الخطيئة في الأرض فمن شهدها و أنكرها فهو كمن غاب عنها، ومن غاب عنها ورضيها كمن شهدها". وحديثه هذا من طريق مغيرة عن عدي بن عدي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقال ابن كثير في تفسير آية (78) إلى (81) من المائدة: تفرد به أبو داود, ثم ساقه من الطريقين متصلاً ومرسلا, ولم يرجح . وضعّف مغيرة بن زياد غير واحد كما في ترجمته من "التهذيب", وضعّفه صاحب "عون المعبود" , ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: ضعيف الحديث كل حديث رفعه المغيرة فهو منكر, والمغيرة بن زياد مضطرب الحديث إلى آخر ما ذكره". أقول: من علم حجة على من لم يعلم، وقد علم الطبراني أن لهذا الصحابي خمسة أحاديث، ثم رواها عنه في "المعجم الكبير". وعلم ابن عدي أن له أربعة أحاديث، فرواها عنه في "الكامل"، وقد اطلعتَ عليها في هذين الكتابين، فدع عنك الجدال بالباطل. قال الحجوري في "الإجابة" (ص431): "وقد رأيت حينها للعرس بن عميرة حديثاً صحيحاً[1] مذكوراً في مسنده من الصحيح المسند لشيخنا -رحمه الله- رقم(922) مخرّجاً من "كشف الأستار بزوائد مسند البزار" ،وهو أيضا من "زوائد مسند أحمد" كما سبق نبهت عليه، وإنما أبقيت حديثه ليعلم حاله وأنه من ضعيف مفاريد الكتب الستة ومسند أحمد حسب شرطنا". أقول: بل لقد رأيتَ له أربعة أحاديث، بل تسعة أحاديث، ولكنك لا تبالي بمخالفة شرطك ولا بقول الرسول –صلى الله عليه وسلم- : "المؤمنون على شروطهم". قال الحجوري في "الإجابة" (ص431): "وقد ذكر له المُستدرِك شاهداً موقوفًا على ابن مسعود أخرجه ابن أبي شيبة رقم (38577) من طريق القاسم بن عبد الرحمن, قال عبدالله: إن الرجل ليشهد المعصية، فذكره. ثم قال وهذا الإسناد رجاله ثقات جبال, ولم ينبه على انقطاع سنده مع أنه ملاحظ" . أقول: لقد نبهت على هذا الانقطاع بأمرين: الأول- بقولي: "والقاسم بن عبد الرحمن هو حفيد عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-، والرجل أعرف بحديث أهل بيته". والثاني- بقولي: "وهناك حديث مرفوع متصل يعضد هذا الحديث عن عرس بن عميرة". فهذا يفيد القارئ أن القاسم بن عبد الرحمن لم يسمع هذا الحديث من جده . وقد أخفيت هذا الكلام الذي يبين بطلان دعواك، فأنت مولع بالكتمان. وأخيراً فإن قول ابن مسعود مع انقطاع إسناده يعضده ما في معناه ويقويه عند أهل العلم بالحديث، ولكن الحجوري لا يرفع رأساً بمنهج أهل الحديث. قال ا لحجوري (ص431 - 432): "ثم قال المستدرِك: هناك حديث مرفوع متصل يعضد حديث العرس بن عميرة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إني سمعت رسول الله يقول: (من كثر سواد قوم فهو منهم ومن رضي عمل قوم كان شريكًا في عملهم)، وقال: وهذا إسناد مرفوع متصل صحيح، وعزا إلى [المطالب العالية] و[إتحاف المهرة] كذا قال وسبق التنبيه عليه، كلاهما قال: وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو همام، أخبرنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، أن رجلا دعا عبد الله بن مسعود، فذكر الحديث. وأنت ترى أنه من طريق بكر عن عمرو بن الحارث، وبكر بن مضر روى عن عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري". أقول: إن هذا الحديث لصحيح، صحّ بإسناد يرويه أبو يعلى، قال: حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرو بن الحارث : أَنَّ رَجُلا دَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إِلَى وَلِيمَةٍ، فَلَمَّا جَاءَ سَمِعَ لَهْوًا، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقَالَ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ : مَنْ كَثَّرَ سَوَادَ قَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَمَنْ رَضِيَ عَمَلَ قَوْمٍ كَانَ شَرِيكًا لِمَنْ عَمِلَهُ. وهذا إسناد صحيح، والطرق التي فيها مقال تتقوى به. وقال الحجوري (ص434): "والمقصود من ذلك بيان خطأ قول المستدرِك: إنه إسناد مرفوع متصل صحيح، فلا هو متصل ولا هو صحيح ولا هو حتى موقوف على ابن مسعود". أقول: دع عنك هذا الهراء بالباطل والتلبيس أيها الرجل فإذا سلمنا أن عمرو بن الحارث هو ابن يعقوب، وهو الذي يروي عنه بكر بن مضر؛ فإن هذا الحديث من هذه الطريق بشواهده مما يشهد له، منها ما ذكرناه ومنها ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن برقم (7085). قال رحمه الله: بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الفِتَنِ وَالظُّلْمِ 7085 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، وَغَيْرُهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ، وَقَالَ اللَّيْثُ: عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: قُطِعَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ بَعْثٌ، فَاكْتُتِبْتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْيِ ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ: "أَنَّ أُنَاسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ سَوَادَ المُشْرِكِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} [النساء: 97]. قال الحجوري في (ص438) من "الإجابة": "وبهذا يظهر فائدة ذكري لحديث العرس –رضي الله عنه- في ضعيف المفاريد وبيان أنه ليس له غيره في الكتب الستة ومسند أحمد، وأن له –رضي الله عنه- حديثاً آخر صحيح لذاته ليس على شرطنا. أما ما لفلفه المُستدرِك من منكرات وأوهام كعادته ليستدرك بها دون بيان لحالها فهي التي لا فائدة من الاستدراك بها، والله المستعان. ومن أخطائه ما قاله إن له أربعة أحاديث هذا غير صواب فقد رويت من طريق يحيى بن زهدم عن أبيه عن العرس بن عميرة نسخة كاملة موضوعة كما سبق عن ابن حبان". أقول: أي فائدة من وضع هذا الصحابي في "ضعيف المفاريد" مع أنه يروي عدداً من الأحاديث. إن هذا التلاعب لا ينطلي على أولي العقول، فما أجرأك على مخالفات شرطك، ولو كنتَ ممن يلتزم بقول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: "المؤمنون على شروطهم" ما ارتكبت هذه المخالفات القبيحة في حق الكثير من الصحابة. وقال الحجوري في هذه الصحيفة: " أما ما لفلفه المُستدرِك من منكرات وأوهام كعادته ليستدرك بها دون بيان لحالها فهي التي لا فائدة من الاستدراك بها، والله المستعان". أقول: إن هذا الكلام لمن صريح الكذب والفجور، فأنا أُبيِّن درجات الأحاديث من صحة وغيرها، وأسوق المتابعات والشواهد على طريقة أهل الحديث، وإن كان هذا البيان لا يلزمني؛ لأن الذي يلزمني إنما هو بيان مخالفاتك لشرطك بإدخال من لهم عدد من الأحاديث في "المفاريد الضعيفة" فما أكثر مخالفاتك لما شرطته على نفسك. وفي هذه الصحيفة يقول هذا المتهور: "ومن أخطائه ما قاله إن له أربعة أحاديث هذا غير صواب فقد رويت من طريق يحيى بن زهدم عن أبيه عن العرس بن عميرة نسخة كاملة موضوعة كما سبق عن ابن حبان". أقول: انظر إلى هذا الحجوري المتهور كيف ينكر أن يكون هذا الصحابي قد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة أحاديث، والواقع أن له تسعة أحاديث. ثم عقّب هذا التهور بقوله: " فقد رويت من طريق يحيى بن زهدم عن أبيه عن العرس بن عميرة نسخة كاملة موضوعة كما سبق عن ابن حبان". أقول: إن هذه النسخة الموضوعة ليست من وضع يحيى بن زهدم، ولم يتهمه أحد بوضعها، حاشاه، ولا يبعد أنه كان ينبه السامع على أنها موضوعة، وقد روى له ابن عدي في "الكامل" (8/391-392)، ولم يتهمه، بل قال في نهاية نقله عنه: "فأرجو أنه لا بأس به". وترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (9/146-147). ثم قال: " روى عنه محمد بن عزيز الأيلى وأبي، كتب عنه أبي سنة ست عشرة ومائتين". وقال: "سألت أبي عنه فقال: شيخ أرجو أن يكون صدوقاً". وهاك أيها القارئ أمثلة على أراجيف هذا الحجوري وعناده: فمن هذه الأمثلة: أن للصحابي الجليل العرس بن عميرة تسعة أحاديث، ومع هذا أورده الحجوري في ضعيف المفاريد، ولما بينا له خطأه في كتابي الإصابة أصر على بقائه في كتابيه الرياض المستطابة وفي الإجابة. ورأى منها خمسة أحاديث في "معجم الطبراني" فاختطف منها واحدًا، ورأى له أربعة أحاديث في "الكامل" لابن عدي ولم يشر إليها. وهذا المنهج الذي تسير عليه يرفضه الإسلام والعلماء الشرفاء. وهاك الأحاديث التي كتمتها من "المعجم الكبير للطبراني" (17/307-309): قال الطبراني رحمه الله: 1- (340) حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مِقْلَاصٍ الْمِصْرِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، ثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعُرْسَ بْنَ عُمَيْرَةَ، وَكَان مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ يَقُولُ: إنَّ الْمَرْءَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْل النَّارِ الْبُرْهَةَ مِن دَهْرِهِ، ثُمّ تُعْرَضُ لَه الْجَادَّةُ مِن جَوَادِّ الْجَنَّةِ، فَيَعْمَلُ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ عَلَيْهَا، وَذَلِك لِمَا كُتِبَ لَه، وَإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُرْهَةَ مِن دَهْرِهِ، ثُمّ تُعْرَضُ لَه الْجَادَّةُ مِن جَوَادِّ النَّارِ فَيَعْمَلُ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ عَلَيْهَا وَذَلِك لِمَا كُتِبَ لَهُ "([2]). 2- (341) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، ثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ عَدِيٍّ يَقُولُ: ثَنَا رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَالْعُرْسُ بْنُ عُمَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا مِن حَضْرَمَوْتَ وامْرِئِ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ كَان بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ لَه فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ الْحَضْرَمِيَّ الْبَيِّنَةَ، فَلَمْ يَكُن لَه بَيِّنَةٌ، فَقَضَى عَلَى امْرِئِ الْقَيْسِ بِالْيَمِينِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمْكَنْتَهُ مِن الْيَمِينِ ذَهَبَ وَاللهِ بِأَرْضِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهِ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهُ وَهُو عَلَيْه غَضْبَانُ» وَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ امْرِئِ الْقَيْسِ فَتَلَا عَلَيْه هَذِه الْآيَةَ فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا لِمَنْ تَرَكَهَا؟ قَالَ: «الْجَنَّةُ» قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُك أَنِّي قَدْ تَرَكْتُهَا "([3]). 3- (342) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ التِّرْمِذِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيه، عَنِ الْعُرْسِ بْنِ عُمَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ: «آمِّرُوا النِّسَاءَ لِتُعْرِبِ الثَّيِّبُ عَنْ نَفْسِهَا، وإذْنُ الْبِكْر صُمَاتُهَا»([4])، زَادَ سُفْيَانُ ابْنُ عَامِرٍ فِي الْإِسْنَادِ الْعُرْسَ وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُسَيْنٍ فَلَم يُجَاوِزِ عَدِيَّ بْنَ عُمَيْرَةَ. 4- (343) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي كَبْشَةَ، ثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ السُّلَمِيُّ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ الْكِنْدِيِّ، عَنِ الْعُرْسِ بْنِ عُمَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ: «إنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى تَعْمَلَ الْخَاصَّةُ بِعَمَلٍ تَقْدِرُ الْعَامَّةُ، أَنْ تُغَيِّرَهُ وَلَا تُغَيِّرُهُ فَذَاك حِينَ يَأْذَنُ اللهُ فِي هَلَاكِ الْعَامَّةِ والخاصةِ»([5]). 5- (346) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ خَالِدِ بْنِ حَيَّانَ الرَّقِّيِّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْأَفْطَحِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ زَهْدَمٍ، ثَنَا أَبِي زَهْدَمِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْعُرْسِ بْنِ عُمَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْه وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلِيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ»([6]). وأورد له ابن عدي في "الكامل" (8/391) أربعة أحاديث في ترجمة يحيى بن زهدم. وقال عن يحيى بن زهدم: "أرجو أنه لا بأس به"، وقال أبو حاتم: "أرجو أن يكون صدوقاً". وهذه الأحاديث التي ذكرها ابن عدي: 1- "ثنا عبد الله بن عمرو بن أبى الطاهر بن السرح وأحمد بن علي بن الحسن جميعا بمصر وعلي بن إبراهيم بن الهيثم، قالوا: ثنا احمد بن علي بن الأفطح المغربي، ثنا يحيى بن زهدم، حدثني أبي، عن أبيه، عن العرس بن عميرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم بارك لأمتي في بكورها" وزاد ابن الهيثم: "يوم خميسها". هذا الحديث روي عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، قال المنذري في [الترغيب والترهيب] (2/529): قد رواه جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. منهم: عليّ، وابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن سلام، والنواس بن سمعان، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله وبعض أسانيده جيد، ونبيط بن شريط، وزاد في حديثه: يوم خميسها، وبريدة، وأوس ابن عبد الله، وعائشة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وفي كثير من أسانيدها مقال، وبعضها حسن، وقد جمعتها في جزء، وبسطت الكلام عليها". وقال السخاوي في [المقاصد الحسنة] (ص159) بعد أن ذكر هذا الحديث: "وفي الباب عن بريدة، وجابر، وعبد اللَّه بن سلام، وابن عمر، وعلي، وعمران بن حصين، ونبَيط بن شريط، وأبي بكرة". ثم نقل عن شيخه الحافظ ابن حجر تصحيح هذا الحديث، فقال: "وقال شيخنا: ومنها ما يصح، ومنها ما لا يصح، وفيها الحسن والضعيف". والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في [صحيح أبي داود] برقم (2606). 2- ثنا عبد الله بن أحمد وعلي قالوا: ثنا أحمد بن علي، ثنا يحيى بن زهدم، عن أبيه عن أبيه عن العرس بن عميرة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". 3- ثنا علي بن إبراهيم ثنا أحمد بن علي ثنا يحيى بن زهدم عن أبيه عن العرس بن عميرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: أن لله ديكا براثنه في الأرض السفلى وعرفه تحت العرش يصرخ عند مواقيت الصلاة، ويصرخ له ديك السماوات سماء سماء ثم يصرخ بصراخ ديك السماوات ديكُ الأرض يقول في صراخه: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. 4- وبإسناده قال: كنا في غزاة مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لعائشة: "سابقيني"، فسبقها النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكره. قال: وهذان الحديثان قال فيهما: يحيى بن زهدم عن أبيه عن العرس. والحديثان اللذان قبلهما قال: يحيى بن زهدم عن أبي عن أبيه عن العرس، فلا أدري سقط عن أبيه الثاني من ابن الهيثم أو علي". وهذا الحديث صحيح ثابت عن عائشة رضي الله عنها في عدد من المصادر، منها: مسند أحمد برقم (24118)، صحيح سنن أبي داود برقم (2578)، وصحيح ابن حبان برقم (4691)، والسنن الكبرى للنسائي برقم (8893)، والسنن الكبرى للبيهقي برقم (19758). وقد صحح الحديث الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (131)، فقال رحمه الله: "قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين". وإذن فللعرس بن عميرة تسعة أحاديث[7]، أورد الطبراني منها خمسة أحاديث، وأورد له ابن عدي أربعة أحاديث، وقد اطلع عليها الحجوري في هذين المصدرين، ومع هذا فقد تجاهلها الحجوري، ثم زجّ بهذا الصحابي في سجنه المظلم "ضعيف المفاريد"، فما أسوأه من عمل. كتبه الشيخ: ربيع بن هادي المدخلي 21 شوال 1438هـ *** [1] لقد كان هذا كافيا لردعك عن إيراد هذا الصحابي في ضعيف المفاريد. [2] - صححه المحدث الشيخ مقبل –رحمه الله- في "صحيح الجامع" برقم (922). [3]- هذا حديث صحيح، ورواه البخاري في صحيحه برقم (2354) وفي مواضع أخرى، ورواه مسلم في صحيحه برقم (138) والقصة للأشعث بن قيس، فقوله هنا: امرئ القيس" غلط. [4] - صححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع الصغير" برقم (13)، وفي "إرواء الغليل" حديث (1836) والحديث صحيح بما له من شواهد بمعناه، واستشهد له في "إرواء الغليل" بحديث عائشة –رضي الله عنها- برقم (1837)، ونص حديث عائشة –رضي الله عنها-: قالت: " يا رسول الله : إن البكر تستحيي . قال : رضاها صماتها". [5] - ضعّفه الألباني، انظر "الضعيفة" (3110). [6] - وهذا حديث متواتر. [7] صح منها ستة أحاديث. dahur_mghlatat_alhajuri1.pdf
  5. بعض المنكرات المتفشية في المساجد والمجتمعات ( نسخة مزيدة )

    بعض المنكرات المتفشية في المساجد والمجتمعات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد أمر المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال سبحانه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وأثنى على أمة محمد –صلى الله عليه وسلم- ثناءً عاطراً، وميّزها بقوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). فهي تستحق هذا الثناء إن قامت بهذا الواجب، فإذا أهملته يخشى عليها أن ينطبق عليها ما قاله الله في اليهود: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". أخرجه الإمام مسلم في "الإيمان" حديث (49)، كما أخرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي. وعن حذيفة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (5/ 388)، والترمذي في "سننه" حديث (2169) وحسّنه. وحسّنه الألباني في تخريج "المشكاة" حديث (5104). وعن قيس بن أبي حازم قال: قَامَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )، وَإِنَّا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُنْكِرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابِهِ". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (1/5)، وأبو داود في "سننه" باب الأمر والنهي" حديث (4338)، والترمذي في "باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر"، حديث (2168)، وابن ماجه في باب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" حديث (4005)، وهو حديث صحيح، وقد روي من طرق كثيرة. والآيات والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة. فهذه الأوامر الإلهية والنبوية توجب على العلماء وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأئمة المساجد النهوض بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكسبوا رضا الله وغفرانه ولينجوا من سخطه وعقابه. فمن المؤسف جداً أن هناك ظاهرتين خطيرتين في المجتمعات الإسلامية. أولاهما : التشبه بالكفار من اليهود والنصارى وغيرهم في اللباس، ومن ذلك لباس البنطلونات ولا سيما الضيقة، وحلق اللحى، وكشف الرؤوس، ويزيد كثير منهم لباس البرنيطات (القبّعات) وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " من تشبه بقوم فهو منهم "، رواه الإمام أحمد في عدة مواضع من مسنده، وابن أبي شيبة في المصنف والبيهقي . وثانيتهما: إسبال الثياب في الصلاة، ومنها البنطلونات، وهي ظاهرة مؤلمة ورد الوعيد الشديد من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لفاعلي هذا الإسبال المنكر، لا سيما إذا أضيف إليه التشبه بالكفار . فأسوق هنا عدة أحاديث عن عدد من الصحابة الكرام عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. الأول: عن عطاء بن يسار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال الإمام احمد – رحمه الله - حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا أبان، وعبد الصمد قال: حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يصلي وهو مسبل إزاره إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب فتوضأ "، قال : فذهب فتوضأ، ثم جاء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب فتوضأ "، قال: فذهب فتوضأ، ثم جاء فقال: يا رسول الله؟ ما لك أمرته يتوضأ؟ ثم سكت قال: " إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وإن الله عز وجل لا يقبل صلاة عبد مسبل إزاره " في "المسند" رقم (16628) , و أبو داود في "السنن" رقم (638) , والنسائي في " الكبرى " مختصراً رقم (9623) . وهو حديث صحيح وإسناده صحيح، وصححه النووي في "رياض الصالحين" رقم (801) وذكر أن رجاله رجال مسلم، وظن بعض الناس ومنهم الألباني أن هذا الحديث ضعيف وأن أبا جعفر في هذا الإسناد هو الأنصاري المؤذن وهو مقبول كما قال الحافظ في"التقريب", وليس الأمر كما زعموا فإن هذا الانصاري لا يروي عن عطاء ابن يسار؛ والصواب أن أبا جعفر في هذا الإسناد إنما هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين القرشي الهاشمي عن عطاء ابن يسار . انظر تهذيب الكمال ( 26/136-137) و(20/126) وتذهيب التهذيب (6/367) . ويروي عنه يحيى بن أبي كثير، انظر تهذيب الكمال (26/139). أما أبو جعفر الأنصاري المؤذن فقد ترجم له الإمام المزي في "تهذيب الكمال" (24/331-334) باسم محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى القرشي أبو جعفر، وقال عنه: مؤذن مسجد العريان، ولم يذكر في شيوخه عطاء بن يسار، ولم يذكر في الرواة عنه يحيى بن أبي كثير. وترجم له الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (9/16-17) ، ولم يذكر في شيوخه عطاء بن يسار، ولا في الرواة عنه يحيى بن أبي كثير. وترجم له الحافظ الذهبي في "تذهيب التهذيب" (8/13)، ولم يذكر في شيوخه عطاء بن يسار، ولا في الرواة عنه يحيى بن أبي كثير. وبهذا يزداد القارئ ثقة بأن الراوي لهذا الحديث عن عطاء بن يسار إنما هو أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين الملقب بالباقر، وهو عالم إمام، ومن أعلام أهل البيت النبوي. فليحذر المسلمون أشد الحذر من الإسبال؛ لأنه يؤدي إلى عدم قبول صلاة المسبل عند الله، وهذا أمر خطير، ومن حصل منه ذلك فليتب إلى الله توبة نصوحا ويندم أشد الندم على ما صنع لعل الله يغفر له ما سلف. الثاني: عن أبي ذر رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، قال: فقرأها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب". رواه الإمام مسلم في "صحيحه" رقم (106)، والإمام أحمد في "مسنده" (5/148). الثالث: عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: إن الله لا ينظر إلى مسبل". رواه الإمام أحمد في "مسنده" (1/322) قال: حدثنا أبو النضر وحسين قالا: حدثنا شيبان عن أشعث حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة والنسائي في الكبرى من طريق شيبان به. الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: رواه الإمام أحمد في "مسنده" (2/318) عن عبد الرزاق بن همام ثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لا ينظر إلى المسبل يوم القيامة". وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. وروى عنه النسائي في "الكبرى" بإسناد صحيح إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار". الخامس: عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخَذَ بِحُجْزَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي سَهْلٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا سُفْيَانُ بْنَ أَبِي سَهْلٍ لَا تُسْبِلْ إِزَارَكَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْبِلِينَ". "مسند أحمد" (4/246). في إسناده شريك فيه كلام، لكن روايته هنا عن عبد الملك بن عمير كوفي، ورواية شريك عن الكوفيين أصح من رواية الإمام سفيان الثوري. فالحديث صحيح، لا سيما وله شواهد كثيرة، وكلها تدل على تحريم الإسبال وشدة الوعيد لفاعله. السادس: عن الشريد بن سويد رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ، حَتَّى هَرْوَلَ فِي أَثَرِهِ، حَتَّى أَخَذَ ثَوْبَهُ، فَقَالَ: " ارْفَعْ إِزَارَكَ ". قَالَ: فَكَشَفَ الرَّجُلُ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَحْنَفُ، وَتَصْطَكُّ رُكْبَتَايَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كُلُّ خَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَسَنٌ " قَالَ: وَلَمْ يُرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَّا وَإِزَارُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ حَتَّى مَاتَ. "مسند أحمد" (4/390). السابع: قال أبود داود في "سننه" (4/344) رقم (4084) "باب ما جاء في إسبال الإزار": "حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي غِفَارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيُّ - وَأَبُو تَمِيمَةَ اسْمُهُ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ - عَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ، لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ، قَالَ: " لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكَ " قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ، أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرَاءَ - أَوْ فَلَاةٍ - فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ، رَدَّهَا عَلَيْكَ»، قَالَ: قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ، قَالَ: «لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا» قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا، وَلَا عَبْدًا، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا شَاةً، قَالَ: «وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ، فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْهِ». وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" مرات، من رقم (20632) – (20636). أورد الألباني جزءً منه في "الصحيحة" برقم (1352) ومن هذا الجزء قوله –صلى الله عليه وسلم-: "وإياك وتسبيل الإزار فإنه من الخيلاء والخيلاء لا يحبها الله -عزَّ وجلَّ-". الثامن: عن عبد الله بن عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ». ومن طريق أخرى: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلاَءَ». أخرجه البخاري في "اللباس" حديث (5783، 5784). ولقد أطال الحافظ ابن حجر النفس في التعليق على هذا الحديث، ومنه قوله في "فتح الباري" (10/264): "ويتجه المنع أيضا في الإسبال من جهة أخرى، وهي كونه مظنة الخيلاء. قال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه، ويقول: لا أجرُّه خيلاء؛ لأن النهي قد تناوله لفظاً، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكما أن يقول: لا أمتثله لأن تلك العلة ليست فيَّ، فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره، اهـ ملخصا. وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه "وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة"، وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة "بينما نحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: "عبدك وابن عبدك وأمتك" حتى سمعها عمرو فقال: "يا رسول الله إني حمش الساقين" فقال: "يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو إن الله لا يحب المسبل" الحديث. وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته: "عن عمرو بن فلان" وأخرجه الطبراني أيضا فقال: "عن عمرو بن زرارة" وفيه: "وضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: يا عمرو هذا موضع الإزار" الحديث ورجاله ثقات، وظاهره أن عمرا المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنة". هذا الحديث في مسند الإمام أحمد (4/200)، وهو صحيح. وسئل العلامة ابن عثيمين –رحمه الله- السؤال الآتي: "ما عقوبة الإسبال إذا قصد به الخيلاء؟ وما عقوبته إذا لم يقصد به الخيلاء؟ وكيف يجاب من احتج بأبي بكر رضي الله عنه؟ فأجاب –رحمه الله-: إسبال الإزار إذا قصد به الخيلاء فعقوبته أن لا ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم. وأما إذا لم يقصد به الخيلاء فعقوبته أن يعذب ما نزل من الكعبين بالنار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"، وقال صلى الله عليه وسلم: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فهذا فيمن جر ثوبه خيلاء. وأما من لم يقصد الخيلاء ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار"، ولم يقيد ذلك بالخيلاء، ولا يصح أن يقيد بها يناء على الحديث الذي قبله، لأن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أزره المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج"، أو قال: "لا جناح عليه فما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك فهو في النار، ومن جر بطراً لم ينظر الله إليه يوم القيامة" (رواه مالك، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حيان في صحيحه ذكره في كتاب الترغيب والترهيب في الترغيب في القميص ص 88 ج 3). ولأن العملين مختلفان، والعقوبتين مختلفتان، ومتى اختلف الحكم والسبب امتنع حمل المطلق على المقيد، لما يلزم على ذلك من التناقض. وأما من احتج علينا بحديث أبي بكر رضي الله عنه: فنقول له ليس لك حجة فيه من وجهين: - الوجه الأول: أن أبا بكر رضي الله عنه قال: "إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه..."، فهو رضي الله عنه لم يرخ ثوبه اختياراً منه، بل كان ذلك يسترخي، ومع ذلك فهو يتعاهده، والذين يسبلون ويزعمون أنهم لم يقصدوا الخيلاء يرخون ثيابهم عن قصد، فنقول لهم: إن قصدتم إنزال ثيابكم إلى أسفل من الكعبين بدون قصد الخيلاء عذبتم على ما نزل فقط بالنار، وإن جررتم ثيابكم خيلاء عذبتم بما هو أعظم من ذلكم، لا يكلمكم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليكم، ولا يزكيكم، ولكم عذاب أليم. - الوجه الثاني: أن أبا بكر رضي الله عنه زكّاه النبي صلى الله عليه وسلم وشهد له أنه ليس ممن يصنع خيلاء، فهل نال أحد من هؤلاء تلك التزكية والشهادة؟ ولكن الشيطان يفتح لبعض الناس اتباع المتشابه من نصوص الكتاب والسنة ليبرر لهم ما كانوا يعملون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، نسأل الله لنا الهداية والعافية" ا.هـ. أسأل الله أن يوفقنا والمسلمين جميعاً للتمسك بالكتاب والسنة؛ في عقائدنا ومناهجنا وأعمالنا وجميع شؤوننا، وأن يوفقنا للعمل بهذه الأحاديث التي تتضمن الوعيد بالنار، وعدم رضى الله عن من يخالفها وبغضه لمن يخالفها. ونسأله تعالى أن يوفق الواقعين في هاتين المخالفتين الخطيرتين إلى التوبة النصوح، وأن يتقبل منهم هذه التوبة، إن ربنا لسميع الدعاء. كتبه: ربيع بن هادي عمير 4/1/1437هـ لتحميل نسخة PDF
  6. مؤاخذات على شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب ( الحلقة الثالثة )

    شيخ الأزهر يصف الديانة البوذية الكفرية بأنها دين إنساني وأخلاقي في المقام الأول وبأنها دين الرحمة غير المتناهية وأن بوذا مـن أكبر الشخصيـات في تاريخ الإنسانية الحلقة الثالثة قال شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في كلمته في اجتماع حكماء المسلمين الذي حصل في مصر بتاريخ (5/4/1438) من الهجرة النبوية، الموافق (3 / 1 / 2017): 1) "وأبدأ كلمتي بالتهنئة بالعام الجديد، أسأل الله تعالى أن يجعله عامًا سعيدًا حافلاً بالسلام والأمان للعالم كله، وأن يجعل منه عام حقن للدماء وإطفاءٍ لنيران الحروب بين إِخوة الوطن، وإِخوة الدين، وإِخوة الإنسانية. هذا وإن مجلس حكماء المسلمين الذي يَشْرُف بدعوة نخبة منتقاةٍ من فتيان دولة ميانمار وفتياتها على اختلاف أديانهم وأعراقهم ليسعده استقبالكم في بلدكم الثاني مصر البلد الطيب الذي تعانقت فيه الأديان وانصهرت تجلياتها في نسيج وطني واحد شكَّل صخرة من فولاذ طالما تحطمت عليها آمال المجرمين والمخربين الذين يضمرون الشرَّ للناس ويريدون بهم الدَّمار والخراب". أقول: إنه كان يكفيكم أيها الحكماء أن تقصروا دعوتكم على فتيان المسلمين؛ فإن دولة بورما الشديدة العداوة للإسلام والمسلمين لن يمنعها عن سفك دماء المسلمين وعن الاستمرار في المجازر التي صبتها على المسلمين على امتداد سنوات. وأقول: هكذا يقول شيخ الأزهر (في بلدكم الثاني مصر البلد الطيب الذي تعانقت فيه الأديان وانصهرت تجلياتها في نسيج وطني واحد) منطلقا من عقيدة أخوة الأديان ومساواة الأديان. أين أنت أيها الشيخ من قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [الممتحنة:1]؟!. (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) [المجادلة: 22]. ومن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[التوبة: 23]. ومن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [التوبة: 73]. ومن قوله تعالى: (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ) [المائدة: 80]. وأين أنت أيضا أيها الشيخ من قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) إلى آخر سورة الصف. أين أنت من هذه الآيات الداحضة لدعوات أُخوة الأديان، ومساواة الأديان، وحرية الأديان؟! 2) ثم قال شيخ الأزهر: "إن البوذية دين إنساني وأخلاقي في المقام الأول. وإنَّ بوذا هذا الحكيم الصامت هو من أكبر الشخصيات في تاريخ الإنسانية، وكان من أبرز صفاته: الهدوء، والعقلانية، وشدة الحنان، والعطف، والمودة. وإن كبارَ مؤرخي الأديان في العالم كله يصفون رسالته بأنها: دين الرحمة غير المتناهية. وإن صاحب هذه الرسالة كان وديعًا مُسالما غير متكبر ولا متشامخ، بل سهلا لينا قريبا من الناس، وكانت وصاياه تدور على المحبة والإحسان للآخرين". أقول: أين أنت من دم الشرك والمشركين، ومن ذلك قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ). فحَكم الله عليهم بأنهم في نار جهنم خالدين فيها ووصفهم بأنهم شر البرية. وأنت تثني على بوذا الملحد وتصفه بالحكمة وتصف ديانته الإلحادية بأنها دين الرحمة غير المتناهية!!. قال الدكتور محمد ضياء الرحمن الأعظمي الهندي الأصل في كتابه [فصول في أديان الهند] (ص141) خلال كلامه عن بوذا وديانته: "وقالوا أيضًا: لقد وقع الإجماع من العلماء المتقدمين على أن بوذا كان ينكر الألوهية وهؤلاء هم: "تَانْ سِيْنَ" سنة 150 ق . م، و"نَاجا أَرْجُن" سنة 175 م، و"آَسَنْكَ" سنة 360م، و"بَسُويَنْدَ" سنة 400 م، و"دَجْنَاج" سنة 420م، و"شَانْتَ" سنة 750م، و"شاكيا شري بدر" سنة 1200م، وغيرهم.انتهى أما أتباعه فإنهم يؤلهونه فيعتقدون فيه أنه الإله الكامل. قال ضياء الرحمن في كتابه [فصول في أديان الهند] (ص149 - 150): "ترانيم البوذيين عند العبادة: أسجد للبوذا الإله الكامل، الذي انكشف له العالم. أسجد للبوذا الإله الكامل، الذي انكشف له العالم. أسجد للبوذا الإله الكامل، الذي انكشف له العالم. أعوذ بالبوذا الإله. أعوذ بالدين. أعوذ بجماعة البهكشو. أعوذ بالبوذا الإله مرة أخرى. أعوذ بالدين مرة أخرى. أعوذ بجماعة البهكشو مرة أخرى. أعوذ بالبوذا الإله مرة ثالثة. أعوذ بالدين مرة ثالثة. أعوذ بجماعة البهكشو مرة ثالثة. أتقبل حكمًا لا إيذاء فيه. أتقبل حكمًا لا سرقة فيه. أتقبل حكمًا لا شهوة فيه. أتقبل حكمًا لا كذب فيه. أتقبل حكمًا لا سكر فيه. إشاعة البوذية: لم تكن الديانة البوذية قاصرة على أعلى طبقات المجتمع الهندي، بل فتحت أبوابها لكل من أراد أن الدخول فيها، خلافًا للديانة الهندوسية؛ فانتشرت البوذية انتشارًا هائلاً ودخل فيها جمهرة من الهندوس من الطبقة الدنيا، واعتنق الملك (اشوكا) الديانة البوذية وجعلها دينًا رسميًّا للبلاد، وأرسل الدعاة والمبلغين في داخل الهند وخارجها، وأرسل ابنه (ماهندرا) إلى جنوب الهند وسيلان فبلغت البوذية إلى شرق آسيا ووسطها ولم يكن آنذاك بين البوذيين والبراهمة خلاف كبير... انتهى. يا شيخ الجامع الأزهر هذا هو بوذا الذي ينكر وجود الله والذي اتخذه أتباعه إلهًا من دون الله، فهل تتراجع عن الثناء عليه وعلى ديانته وديانة عابديه وتصدع بذلك؟ إنني لآمل ذلك منك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. 3) وقال أيضا شيخ الأزهر في كلمته هذه: "وكما تُعَلِّمُنَا الأديانُ أُخوةَ الدين تعلمنا أيضًا أخوةَ الإنسانية وأن الناس بالقياس إلى المؤمن إما أخٌ في الدين أو نظير في الإنسانية. ومما كان يردده نبي الإسلام عقب كل صلاة ويشهد عليه: قوله صلى الله عليه وسلم مخاطبًا ربَّه: (أنا شهيد أن محمدًا عبدك ورسولك، ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العبادَ كلَّهم إخوة). ولا يوجد برهانٌ أكبر من هذه الشهادة التي تفتح بابَ الإخاء الإنساني بين العباد وإلى الأبد ودون تحفظٍ على جنسٍ أو لونٍ أو عرقٍ أو دين". أقول: الأديان التي تتعلم منها إما باطل أو منسوخ، وتناولته أيدي اليهود والنصارى بالتحريف؛ فعليك أن تكتفي بدين الإسلام وتعض عليه بالنواجذ وتوالي وتعادي عليه، وتدعو الناس إلى ذلك. وأقول: إن هذا الحديث ضعيف جدًّا؛ إذ كل طرقه تدور على: داود الطفاوي وهو لين الحديث كما قال الحافظ. وقال فيه ابن معين: ليس بشيء. وقال العقيلي في [الضعفاء] (2/388) رقم (467): حديثه باطل لا أصل له. يعني: حديثه في القرآن الذي رواه عنه عمرو بن مرزوق، وانظر [تهذيب التهذيب] (3/183 – 184). وقال الدارقطني فيه: يترك. [سؤالات البرقاني] (ص73) رقم (139). وعلى: أبي مسلم البجلي، قال الذهبي في الميزان: لا يعرف. أي: مجهول. أيها الرجل، تحتج بهذا الحديث الشديد الضعف الذي يصادم القرآن والسنة الصحيحة، فتقول: "ولا يوجد برهانٌ أكبر من هذه الشهادة التي تفتح بابَ الإخاء الإنساني بين العباد وإلى الأبد ودون تحفظٍ على جنسٍ أو لونٍ أو عرقٍ أو دين".!! فأين أنت من قول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة: 51]؟! وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [التوبة: 73/ التحريم: 9]؟! فأين أنت من هذه الآيات التي تقرر أصل الولاء والبراء في الإسلام؟! 4) وقال شيخ الأزهر: "ويجب أن نعلم أن الحكمة الإلهية تتعالى عن أن يخلق الله سبحانه الكافرين ثم يأمر المؤمنين بقتلهم واستئصال شأفتهم، فهذا عبث يُزْرِي بحكمة المخلوق فضلا عن حكمة الخالق؛ لأن الجميع خلقُه وصنعتُه وإبداعُه، وجاء في الأثر: (الخلقُ كلُّهم عيالُ الله وأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله)". أقول: 1- إن التفريق بين أولياء الله المؤمنين وأعداء الله الكافرين لهو مقتضى الحكمة والغاية العُليا في الحكمة. ومن الآيات الكريمة في التفريق بين المؤمنين والكافرين قوله تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 28]. 2- أين أنت أيها الشيخ من آيات الجهاد، ومنها قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [التوبة: 73/ التحريم: 9]، والآيات في الجهاد وفضله كثيرة. ووردت أيضا أحاديث كثيرة في الجهاد وفضله، ومنها ما رواه البخاري في صحيحه برقم (2786)، قال رحمه الله: "حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ»، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»". ورواه مسلم برقم (1888). وقال البخاري أيضا برقم (36): "حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ»". ورواه مسلم برقم (1876) بمعناه. وقال البخاري رحمه الله (2843): "حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا»". ورواه مسلم برقم (1895). وقال أبو داود رحمه الله في سننه (3464): "حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ح وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِىُّ حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ إِسْحَاقَ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ - قَالَ سُلَيْمَانُ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِىِّ - أَنَّ عَطَاءً الْخُرَاسَانِىَّ حَدَّثَهُ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ». أخرج هذا الحديث أبو داود وغيره، وانظر السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني (1/ 11). أقول: إن ما نزل وينزل بالمسلمين من ذُلٍّ إنما هو لتركهم الجهاد في سبيل الله وانشغالهم بالدنيا التي يقول الله فيها: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ) [الحديد: 20]. فهذه الآيات والأحاديث التي أسلفناها تتسنم قمة الحكمة، وما تقرره أنت ينافي الحكمة أشد المنافاة، والأحاديث الضعيفة التي تتعلق بها تنافي الحكمة. 3- إن هذا الحديث لضعيف جدًّا؛ فيه يوسف بن عطية الصفار يرويه عن ثابت، قال الدارقطني عنه: "متروك". انظر [موسوعة أقوال الدارقطني] (3980). وقال عنه الحافظ ابن حجر في [لسان الميزان] (3168): "مجمع على ضعفه". وقال ابن عدي في الكامل (2063): "حَدَّثَنَا الجنيدي، حَدَّثَنا البُخارِيّ قال: يُوسُف بْن عطية البصري أَبُو سَهْل السعدي عن ثَابِت منكر الحديث...، وقال النسائي يُوسُف بْن عطية بصري متروك الحديث". فاسلك سبيل الحق، وعض بالنواجذ على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة. واحذر كل الحذر من الأقوال الباطلة والتعلق بالأحاديث الضعيفة المصادمة للحق الذي دلَّ عليه الكتاب والسنة، وسار عليه الصحابة الكرام، والتابعون لهم بإحسان، وسار عليه علماء الإسلام. 5) وقال شيخ الأزهر: "وقد جاء في كتاب رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن: (مَنْ كره الإسلام من يهودي أو نصراني فإنه لا يُحَوَّلُ عن دينه)، كما جاء في القرآن الكريم: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)". أقول: أولا: هذا حديث ضعيف؛ لأنه من رواية ابن جريج عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أتباع التابعين، أي: لم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثانيا: لم تذكر تكملة الحديث ألا وهي: (وعليه الجزية على كل حالم، ذكر وأنثى، حر وعبد دينار أو من قيمة المعافر أو عرضه). ثم أين أنت من قول الله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29]. لقد أمر الله المؤمنين بقتال أهل الكتاب وذمهم أشد الذم وبين أنه لا يكف عنهم القتال حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أي: أذلاء. وثالثا: لم تكمل الآية التي ذكرتها، وذكر باقي الآية يوضح المراد منها، قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف: 29]. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية في سورة الكهف: "يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي: أرصدنا {لِلظَّالِمِينَ} وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي: سورها". وقال القرطبي رحمه الله في خلال تفسيره لهذه الآية: "وَلَيْسَ هَذَا بِتَرْخِيصٍ وَتَخْيِيرٍ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ. أَيْ إِنْ كَفَرْتُمْ فَقَدْ أَعَدَّ لَكُمُ النار، وإن آمنتم فلكم الجنة".انتهى. وقال البغوي رحمه الله في خلال تفسيره لهذه الآية: "هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله: (اعملوا ما شئتم) (فصلت: 40)".انتهى. وأقول: إن فهمك لهذه الآية ليصادم النصوص القرآنية، والنبوية الصحيحة التي أسلفنا ذِكرها ويصادم ما فهمه وقرره العلماء المفسرون لها. هذا ما تيسر من بيان الحق بأدلته ورد الباطل؛ نصرة لدين الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا كتبه ربيع بن هادي عمير 19/4/1438هـ
  7. لا يا شيخ الأزهر، يجب عليك أن تسلك مسلك العلماء في إدانة ابن عربي في تصريحاته بوحدة الوجود الحلقة الثانية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: فمن المستنكر المستغرب جداً من شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب أن يقف موقفاً غريباً عجيباً يخالف فيه علماء الإسلام الذين أدانوا الملحد الضال ابن عربي بالقول بوحدة الوجود، فيقرر خلاف ما قرره العلماء، وذلك بتبرئة ابن عربي من القول بوحدة الوجود. وقد ألّفَ الشيخ أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي –رحمه الله- كتابين في ابن عربي وابن الفارض سمى أحدهما- "تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي". وثانيهما- "تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد". سردَ فيهما إدانات العلماء لهذا الملحد ابن عربي بوحدة الوجود من تصريحاته الواضحة والكثيرة في كتابه المسمى بـِ"فصوص الحكم"، والأمر كما ذكره هؤلاء العلماء لا مرية فيه. قال البقاعي في "تحذير العباد" (ص336-337) عن هذين الملحدين: "وقد كفّرهما العلماء بسبب ما نقل من حالهما، وما صدق ذلك من كلامهما. أما ابن عربي، فالمتكلمون فيه كثير جدا, وكان له علم كثير في فنون كثيرة، وله خداع كبير غر به خلقا، فأثنى عليه لأجل ذلك ناس من المؤرخين ممن خفي عليهم أمره، أطبق العلماء على تكفيره وصار أمرا إجماعيا". أقول: فعلى من يخالف هذا الإجماع أن يتقي الله في نفسه، ويسلك مسلك هؤلاء العلماء في نصرة دين الله والذب عنه وهاك بعض النصوص التي أدانوه بها، نقلتُها بالحرف من "الفصوص" ليستيقن من عنده شك فيما أدانه به العلماء. 1- قال ابن عربي في كتابه [فصوص الحكم] (ص47 - 48): "أما بعد فإني رأيت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم، خذه، واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ولرسوله، وأولي الأمر منا كما أمرنا فحققت الأمنية، وأخلصت النية، وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غير زيادة ولا نقصان. فمن الله، فاسمعوا وإلى الله فارجعوا.."([1]) أقول: إن هذه الدعوى على رسول الله لمن أكذب الكذب الكفري عليه –صلى الله عليه وسلم-. وحاشا رسول الله أن يأمر شخصاً ملحداً بنشر كتاب مليء بالإلحاد والأكاذيب على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -, ويشتمل على الدعوة إلى وحدة الوجود وإلى وحدة الأديان والكفر الذي يفوق كفر اليهود والنصارى . إنَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم – خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالته خاتمة الرسالات، وما توفي رسول الله حتى أكمل الله له الدين . يقول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). فأنت أيها الملحد لم ترضَ بالإسلام ديناً ولا بالقرآن إماما, ولم تؤمن بأن الله تعالى قد أكمل دينه لهذه الأمة، وأتمَّ عليهم نعمته، ومن هنا اخترعت دينك الكفري المضاد للإسلام قرآناً وسنة، وضمّنته كتابيك "الفصوص" و "الفتوحات"، زاعماً أن هذا هو الإسلام , وقد شهد عليك العشرات من فحول علماء الإسلام بالكفر والإلحاد والقول بوحدة الوجود ووحدة الأديان . 2- وقال (ص55 -56) من "فصوصه": "ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ما ظهر حكمُ في الموجودات العينيَّة، و من هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده: فالكل مفتقر ما الكل مستغن هذا هو الحق قد قلناه لا نَكني".([2]) أقول: مراده بقوله: " ولولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان للعالم وجود ". دخول الله في المخلوقات واتحاده بها. ولولا هذا الاتحاد في نظره ما كان للعالم وجود . وما بعد هذا الافتراء امتداد له. 3- وقال (ص72): "{وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو؛ لأنه ما عدم البداية، فيدعى إلى الغاية {أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} فهذا عين المكر. {عَلَى بَصِيرَةٍ} فنبه على أن الأمر له كله، فأجابوه مكرا كما دعاهم، فجاء المحمدي، وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته، وإنما هي من حيث أسماؤه، فقال: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} فجاء بحرف الغاية، وقرنها بالاسم فعرفنا أن العالم كله تحت حيطة اسم إلهي، أوجب عليهم أن يكونوا متقين، فقالوا في مكرهم {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. في المحمديين: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} أي: حكم، فالعالم يعلم من عبد, وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله في كل معبود".انتهى.([3]). أقول: 1- انظر إليه كيف يُحرِّف الكَلِمَ عن مواضعه، افتراءاً على الله , ويعتبر دعوة نوح -عليه السلام- قومه إلى عبادة الله وحده وترك الشرك، يعتبر هذا مكراً . فالله يخبر عن قوم نوح الكفرة أنهم مكرو مكراً كباراً (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) ) فهذا بيان الله لكفر قوم نوح وعنادهم وإصرارهم على تكذيب رسول الله نوح –عليه السلام- وإصرارهم على التشبث بهذه الأصنام، ودعوتهم إلى عبادتها من دون الله. 2- وهو يعد قوم نوح الكفار من المتقين . 3-وهو يهذي بالباطل، ومن هذا الهذيان الكفري قوله عن قوم نوح الكفار : "فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء". يقول هذا لأنه يرى أن عبادة الأصنام حق، والذي يعبد الأصنام عنده إنما يعبد الله انطلاق منه من قوله بوحدة الوجود . 4-ويمضي في هذا الهذيان الكفري إلى أن يقول : " فما عبد غير الله في كل معبود ". وهذا تصريح منه بوحدة الوجود . 4- وقال في "الفصوص" (ص76): "ومن أسمائه الحسنى العلي على من وما ثم إلا هو، فهو العلي لذاته، أو عن ما ذا و ما هو إلا هو؟ فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العليَّة لذاتها وليست إلا هو".انتهى. أقول: إنَّ هذا النص لمن أوضح تصريحات ابن عربي بالقول بوحدة الوجود , فهو واضح وضوح الشمس، ولا يماري فيه إلا كل مغالط مكابر . 1-انظر إلى قوله: "العلي على من وما ثم إلا هو ". فالله والكون عنده شيءٌ واحد . 2- وانظر إلى قوله :" أو عن ماذا وما هو إلا هو". 3- وإلى قوله: وهو من حيث الوجود عين الموجودات " . 4- وانظر إلى قوله عن المحدثات : " هي العليَّة لذاتها وليست إلا هو " . فيقال لمن يدافع عنه : وليس يصحُّ في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل 5- ثم قال (ص77): "وقال الخراز رحمه الله تعالى: وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه بأن الله تعالى لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره. وما ثَمَّ من يراه غيره، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه، وهو المسمى أبا سعد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات". انتهى. أقول : 1- لقد ساق ابن عربي هذا النص عن الخراز لتأييد ما يعتقده من القول بوحدة الوجود . 2- لقد أثنى الله على نفسه بهذه الأسماء الحسنى المتضمنة لصفات الكمال لله تعالى (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ). فجاء الخراز فحولها إلى عقيدته الإلحادية؛ وحدة الوجود. 3- فانظر إلى قوله عن الله -تعالى وتقدس- : " فهو عين ما ظهر وهو عين ما بطن في حال ظهوره "، يعني هو عين ما ظهر من هذه المخلوقات وما بطن منها . 4- وانظر إلى قوله :"وما ثمَّ من يراه غيره وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه باطن عنه". فهو في نظره عين المخلوقات، بما فيها الحيوانات على اختلاف أنواعها. قاتله الله . 5- ثم انتهى إلى قوله: "وهو المسمى أبا سعد الخراز وغير ذلك من أسماء المحدثات". 6- وابن عربي يؤمن بهذا الإلحاد , وساق هذا النص عن الخراز لتأييد عقيدته في وحدة الوجود. 6- وقال في "الفصوص" (ص77 – 78): "وما ظهر حكم العدد إلا المعدود و المعدود منه عدم و منه وجود، فقد يعدم الشي ء من حيث الحس و هو موجود من حيث العقل. فلا بد من عدد و معدود، و لا بد من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه. فإن كل مرتبة من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلًا و العشرة إلى أدنى و إلى أكثر إلى غير نهاية، ما هي مجموع، و لا ينفك عنها اسم جمع الآحاد. فإن الاثنين حقيقة واحدة والثلاثة حقيقة واحدة، بالغاً ما بلغتْ هذه المراتب، و إن كانت واحدة. فما عين واحدة منهن عين ما بقي. فالجمع يأخذها فنقول بها منها، و نحكم بها عليها. قد ظهر في هذا القول عشرون مرتبة، فقد دخلها التركيب فما تنفك تثبت عينَ ما هو منفيٌّ عندك لذاته. ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها، علم أن الحق المنزّه هو الخلق المشبه، و إن كان قد تميز الخلق من الخالق. فالأمر الخالق المخلوق، و الأمر المخلوق الخالق. كل ذلك من عين واحدة، لا، بل هو العين الواحد وهو العيون الكثيرة".انتهى.([4]) أقول: انظر إلى هذا الهذيان من ابن عربي بالعدد والمعدود، كيف نفذ منه إلى القول بوحدة الوجود. وانظر إلى قوله: " فالأمر الخالق المخلوق، و الأمر المخلوق الخالق". وهذا تصريح منه بوحدة الوجود. وأكدَّ ذلك بقوله: " كل ذلك من عين واحدة، لا، بل هو العين الواحد وهو العيون الكثيرة". فالله عنده هو عين المخلوقات كلها على كثرتها. 7- ثم قال في (ص78 - 79) من كتابه "الفصوص": "«وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها»: فما نكح سوى نفسه. فمنه الصاحبة والولد و الأمر واحد في العدد. فَمَن الطبيعةُ ومن الظاهر منها، وما رأيناها نقصت بما ظهر منها ولا زادت بعدم ما ظهر؟ وما الذي ظهر غيرها: وما هي عين ما ظهر لاختلاف الصور بالحكم عليها: فهذا بارد يابس و هذا حار يابس: فجمع باليبس و أبان بغير ذلك. و الجامع الطبيعة، لا، بل العين الطبيعية. فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة، لا، بل صورة واحدة في مرايا مختلفة. فما ثم إلا حيرة لتفرق النظر. و من عرف ما قلناه لم يحر. وإن كان في مزيد علم فليس إلا من حكم المحل، و المحل عين العين الثابتة: فيها يتنوع الحق في المجلى فتتنوع الأحكام عليه، فيقبل كل حكم، وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه، وما ثَمَّ إلا هذا: فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا وليس خلقًا بذاك الوجه فادكروا من يدر ما قلت لم تخذل بصيرته وليس يدريه إلا من له بصر جمِّع و فرِّق فإن العين واحدة وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر". ([5]) أقول: 1- قوله عن نبي الله آدم: "فما نكح سوى نفسه". يقال هذا كفر خسيس، يخجل منه اليهود والنصارى. 2- في كلامه المنثور غمغمة، وفي شعره التصريح بوحدة الوجود. فقوله: "فالحق (يعني الله) خلق بهذا الوجه فاعتبروا". تصريح بالقول بوحدة الوجود، وإنْ لبّس في الشطر الثاني. والبيت الأخير، وهو قوله: "جمِّع وفرِّق فإن العين واحدة ***وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر" صريح في القول بوحدة الوجود. 8- وقال في (ص112 - 113) من "الفصوص": "فقل في الكون ما شئت: إن شئت قلت هو الخلق، و إن شئت قلت هو الحق، وإن شئت قلت هو الحق الخلق، وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه، وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب، ولو لا التحديد ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور و لا وَصَفَتْهُ بخلع الصور عن نفسه. فلا تنظر العين إِلا إِليه ولا يقع الحكم إِلا عليه".([6]) أقول: هذا الهذيان الكفري يدينه بالقول بوحدة الوجود، والدعوة إليها. فهو يعطي الملاحدة من أمثاله الحرية بأن يقولوا عن الكون أنه الخلق، وإن شاءوا أن يقولوا: إنه الحق، أي الله. ولقد افترى على الرسل الكرام وقوَّلهم ما لم يقولوا. وانتهى به الفجور إلى القول: "فلا تنظر العين إلا إليه". فالله عنده هو هذا الكون، "فلا تنظر العين إلا إليه"، فالله عنده هو السماء والشمس والقمر والنجوم، وهو الأرض وما حوته من المخلوقات من الجن والإنس؛ مؤمنهم وكافرهم، والحيوانات بأنواعها، وفيها ما يخجل المؤمن من ذِكْرِهِ. وقوله: "فلا تنظر العين إلا إليه". واضح في القول بوحدة الوجود. وقوله: "ولا يقع الحكم إلا عليه". فالأحكام عنده بالحق والباطل، والإيمان والكفر، والجهل والضلال، والسواد والبياض، وغيرها من الأحكام لا يقع إلا عليه، وهذا فيه تأكيد منه للقول بوحدة الوجود. 9- ثم قال (ص 113): "فإِياك أن تتقيد بعقد مخصوص و تكفر بما سواه فيفوتك خير كثير بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولي لصور المعتقدات كلها فإِن الله تعالى أوسع و أعظم من أن يحصره عقد دون عقد فإِنه يقول «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله» و ما ذكر أيناً من أين. و ذكر أن ثَمَّ وجه الله، و وجه الشي ء حقيقته. فنبه بذلك قلوب العارفين لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا".([7]) أقول: وهذا النص الإلحادي واضح في القول بوحدة الأديان على اختلاف أنواعها، من يهودية ونصرانية وشركية وهندوكية على اختلاف النِحَل الهندوكية، وتحذير من التمسك بالإسلام دين الله الحق، فهو يحث الناس على التدين بكل هذه المعتقدات الكفرية والشركية، ويستدل على هذه الدعوى الكفرية بقول الله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ). وأقول: ليس المراد بقوله تعالى: (وَجْهُ اللَّهِ) صفة الله، ولا التدين بغير الإسلام من الأديان الكفرية، تعالى الله وتنزّه عن ذلك. وإنما المراد بالوجه جهة القبلة، وإضافتها إلى الله إضافة تشريف، مثل: بيت الله، وناقة الله، وروح الله. فما كفى هذا الملحد القول بوحدة الوجود، بل أضاف إلى ذلك القول بوحدة الأديان والدعوة إليها، مع التحذير من التمسك بالإسلام وحده. 10- وقال ابن عربي (ص124 - 125) من "الفصوص": "وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية، وإِن اختلفت حقائقها و كثرت، أنها عين واحدة. فهذه كثرة معقولة في واحد العين. فتكون في التجلي كثرة مشهودة في عين واحدة، كما أن الهيولى تؤخذ في حد كل صورة، و هي مع كثرة الصور و اختلافِهَا ترجع في الحقيقة إِلى جوهر واحد وهو هيولاها، فمن عرف نفسه بهذه المعرفة فقد عرف ربه فإِنه على صورته خلقه، بل هو عين هويته وحقيقته".([8]) أقول: إنه يعني بقوله: " وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد" أمثاله من القائلين بوحدة الوجود. وانظر إلى هذا الضال كيف يحصر معاني أسماء الله الحسنى الكثيرة الجليلة، الدالة على عظمة الله، يحصرها في معنى واحد. وانظر إليه كيف يفتري على الله، فيجعل صورته على صورة خلقه. ثم يصرِّح بما هو أدهى وأمر، فيقول على الله بأنه عين حقيقة المخلوق وهويته. وهذا تصريح منه بالقول بوحدة الوجود. 11- وقال في (ص192) من "الفصوص": "فكان موسى أعلم بالأمر من هارون لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن الله قد قضى ألَّا يُعْبَد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتب موسى أخاه هارون لِمَا وقع الأمر في إنكاره و عدم اتساعه. فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه كل شيء".([9]) أقول: نترك بيان ما تضمّنه هذا النص الإلحادي لزين الدين العراقي. قال –رحمه الله-: "هذا الكلام كفر من قائله من وجوه: "أحدها: أنه نسب موسى عليه السلام إلى رضاه بعبادة قومه للعجل. الثاني: استدلاله بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] على أنه قدر أن لا يعبد إلا هو، وأن عابد الصنم عابد له. الثالث: أن موسى عليه السلام عتب على أخيه هارون عليهما السلام إنكاره لما وقع. وهذا كذب على موسى عليه السلام, وتكذيب لله فيما أخبر به عن موسى من غضبه لعبادتهم العجل. الرابع: أن العارف يرى الحق([10]) في كل شيء، بل يراه عين كل شيء، لجعل العجل عين الإله المعبود، فليعجب السامع لمثل هذه الجرأة التي تصدر ممن في قلبه مثال ذرة من إيمان".انتهى. وأقول: وأضاف إلى هذه الافتراءات على الله تعالى، وعلى موسى وهارون -عليهما السلام-، أضاف إلى ذلك القول بوحدة الوجود، وذلك قوله: "فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه كل شيء". 12- وقال في "الفصوص" (ص62): وقد بينا هذا([11]) في الفتوحات المكية وإذا ذقت هذا ذقت الغاية التي ليس فوقها غاية في حق المخلوق، فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن ترقى في أعلى من هذا الدرج فما هو ثَمَّ أصلًا، وما بعده إلا العدم المحض فهو مرآتك في رؤيتك نفسك، وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست سوى عينه، فاختلط الأمر وانبهم: فمنا من جهل في علمه فقال: والعجز عن درك الإدراك إدراك، ومنا من علم فلم يقل مثل هذا وهو أعلى القول، بل أعطاه العلمُ السكوتَ، ما أعطاه العجز. وهذا هو أعلى عالمٍ بالله. وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى أن الرسل لا يرونه –متى رأوه- إلا من مشكاة خاتم الأولياء: فإن الرسالة والنبوة –أعني نبوة التشريع ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدًا، فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟ أقول: في هذا الكلام تفضيل ابن عربي خاتم الأولياء على الأنبياء. وختاماً أقول: هذه بعض تصريحات ابن عربي بوحدة الوجود. وأحيل القارئ إلى باقي أقواله إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-. مثل: "الفرقان بين الحق والباطل". و "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان". وكتاب "درء تعارض العقل والنقل". وكتاب "ابن عربي، عقيدته وموقف علماء المسلمين منه" للدكتور دغش العجمي. هذا، ولعلّي بحول الله ومشيئته أن أورد ما سجله شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- من الانتقادات والإدانات لهذا الملحد في مقال آت. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه: ربيع بن هادي عمير 13/4/1438هـ ([1]) وانظر تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي للبقاعي رحمه الله (ص77). ([2]) وانظر تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي للبقاعي رحمه الله (ص83). ([3]) وانظر تنبيه الغبي (ص94 – 95). ([4]) وانظر "تنبيه الغبي" (ص119 - 120). ([5]) وانظر تنبيه الغبي (ص121 - 122). ([6]) وانظر تنبيه الغبي (ص160). ([7]) وانظر تنبيه الغبي (ص161). ([8]) وانظر تنبيه الغبي (ص165). ([9]) وانظر تنبيه الغبي (ص189). ([10]) المراد بالحق هنا هو الله، تعالى وتنزّه عما يقول الملحدون. وهذا الكلام من العراقي بيان لاعتقاد ابن عربي وأمثاله. ([11]) يعني رؤية الولي لله.
  8. مؤاخذات على شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب (الحلقة الأولى)

    مؤاخذات على شيخ الجامع الأزهر أحمد الطيب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: فمن المؤلم جداً أن يقع شيخ الجامع الأزهر في مخالفات -عقائدية وعبادية- لنصوص الكتاب والسنة وما يعتقده ويقرره الصحابة الكرام، وعلى رأسهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب –رضي الله عنهم- أجمعين، فهو يرى جواز التبرك بمقامات الأولياء ومزاراتهم والاستغاثة بهم، أقرَّ هذه المخالفات الخطيرة بموافقته لعلي شودكيفيتش في تمهيده للكتاب المسمى بــِ"الولاية والنبوة([1]) عند الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي". وزاد شيخ الأزهر جواز الاستغاثة بغير الله، مع الأسف الشديد. ولقد منّ الله عليّ بانتقاد هذه المخالفات الخطيرة. انطلاقاً من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومما قرره الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-. فإلى القراء الكرام الانتقادات المذكورة. شيخ الأزهر أحمد الطيب خرافي من الدرجة الأولى. فهو يرى جواز التبرك بمقامات الأولياء ومزاراتهم، بل ويرى الاستغاثة بهم. فينقل في (ص14) عمن سماه بعلي شودكيفيتش قوله في تمهيده لكتاب الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي كما يدّعي: "وإذن فليس صحيحاً ما يقال من أن الأماكن الأرضية كلها ذات طبيعة واحدة، وأن بعضها لا يفضل البعض الآخر في شيء ما، بل حقيقة الأمر –كما يرى ابن عربي- أن مرور ولي من الأولياء بمكان ما، أو أثره الذي يتبقى منه بعد رحيله عنه، يُنشئ في المكان شيئاً من البركات أو النفحات الطيبة، وانطلاقاً من شهادة العيان هذه يقدم الشيخ الأكبر تأصيلاً –وتبريراً كذلك- لصورة من أشد صور "التبرك بمقامات الأولياء ومزاراتهم" ظهوراً ووضوحاً. وسنرى أن ابن عربي لا يكتفي بما قاله هنا، بل لديه الكثير مما سيقوله في هذا الأمر أيضاً". أقول: لقد أقرَّ شيخ الجامع الأزهر هذا الكلام الباطل الذي صدر من علي شودكيفيتش، ومنه قوله: "وإذن فليس صحيحاً ما يقال من أن الأماكن الأرضية كلها ذات طبيعة واحدة، وأن بعضها لا يفضل البعض الآخر في شيء ما". وأقول: 1-من قال هذا الكلام؟ والظاهر أن قائليه من أهل البدع. 2-وانظر إليه كيف يأخذ تفضيل الأماكن بعضها على بعض من الضال ابن عربي بمرور الأولياء الذين يدّعي لهم ابن عربي الولاية، ولعلهم على شاكلته. وينسى أن الله قد نصّ في كتابه على تفضيل الكعبة والأماكن المقدسة. قال تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ..)الآية. ونصَّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على فضل المسجد الحرام، ويتبعه المشاعر المقدسة، وأن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة. ونصَّ على الصلاة في مسجده وأن الصلاة فيه بألف صلاة وأكثر. ونصَّ على الصلاة في المسجد الأقصى وأن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة. ونص رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على فضل الصلاة في المساجد الثلاثة فقال: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ». أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (1190)، ومسلم في "صحيحه" حديث (1394). وقال –صلى الله عليه وسلم-: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (14694)، وابن ماجه في "سننه" حديث(1406). وقال –صلى الله عليه وسلم-: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة". رواه ابن خزيمة في صحيحه، ورواه البزار حديث(422). ونصَّ –صلى الله عليه وسلم- على فضل الصلاة في مسجد قباء. ونعتقد أن أماكن المساجد الإسلامية على كثرتها أفضل من غيرها من الأماكن الأخرى. قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه برقم (288). فهذه الأدلة من القرآن والسنة تدل على بطلان ما يقوله ابن عربي، وبطلان إقرار شيخ الأزهر له. وانظر إليه كيف يُقلِّد ابن عربي -القائل بوحدة الوجود- في هذا الضلال، ثم يصفه بالشيخ الأكبر. ثم يقر الاعتراض على شيخ الإسلام ابن تيمية في حمايته لجناب التوحيد والإيمان. ومن ذلك استنكار شيخ الإسلام –رحمه الله- للزيارات البدعية للقبور، واستنكاره –رحمه الله- للتوسل بالأولياء. واستنكاره للاحتفال بالمولد النبوي والاحتفال بموالد الأولياء، وهذا الاستنكار منه –رحمه الله- عين الحق. ثم يُقِر شيخ الأزهر قول علي شودكيفيتش: "كتب ابن عربي كلامه هذا بعد وصوله إلى بلاد المشرق في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، ولم يمض على ذلك قرن من الزمان حتى شنَّ ابن تيمية –الجدلي الحنبلي- حرباً شعواء لا هوادة فيها على زيارة القبور، وعلى أمور أخرى تجري مجراها، وأبطل التوسل بالأولياء، بل أبطل التوسل بالنبي –صلى الله عليه وسلم- نفسه، كما انتقد الاحتفال بالمولد النبوي ، ورآه بدعة في الدين، ورأى موالد الأولياء كلها بدعة من باب أولى، وبالرغم من أنه لم يكن أول من نازع في هذا الأمر إلا أنه كان –وإلى مدى بعيد جداً- أعنف من عارض هذا الأمر وأثار حوله الشكوك والاعتراضات، وقد ظل عبر قرون متطاولة صاحب النفوذ الأقوى في هذا الباب". أقول: إقرار شيخ الأزهر لقول علي شودكيفيتش: "حتى شنَّ ابن تيمية –الجدلي الحنبلي- حرباً شعواء لا هوادة فيها على زيارة القبور، وعلى أمور أخرى تجري مجراها"، على هذه الصورة، وبهذا الإطلاق فيه ظلم لشيخ الإسلام –رحمه الله، فكيف يُقِره شيخ الأزهر؟ فإنَّ زيارة القبور عند ابن تيمية وأهل السنة أنواع، منها المشروع، ومنها المبتدع الممنوع. فالمشروع منها ما كان فيه إتباع للرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وإتباع لأصحابه، وهو السلام على أهل القبور، والدعاء لهم، والاستغفار لهم، فهذا النوع يرى شيخ الإسلام مشروعيته. والممنوع منها ما يفعله أهل الضلال من الروافض وغلاة الصوفية من التبرك بأهل القبور والتوسل بهم، بل والاستغاثة بهم، انظر "مجموع الفتاوى" (27/376-379)، وانظر "الجواب الباهر" له (ص18). ألا يتقي الله من يصور شيخ الإسلام بهذه الصورة الشوهاء. 1-قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: " إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (23005)، ومسلم في "صحيحه" (977) ، والطبراني في "الكبير" (1152). فبيّن –صلى الله عليه وسلم- الحكمة في إذنه بزيارة القبور، وهي أنها تُذكِّر الزائرين الآخرة، ولم يحثهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على التبرك بها، وحاشاه –صلى الله عليه وسلم- أن يقول ذلك. 2-وقال الإمام أحمد –رحمه الله- في "مسنده" حديث (23850): " حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن عبد الملك، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أنه قال: لقي أبو بصرة الغفاري، أبا هريرة، وهو جاء من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"". وهو حديث صحيح، وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" (1/109)، والطيالسي في "مسنده" حديث(1348) و (2506) ، والبخاري في "التأريخ الكبير" (3/124)، والطبراني في "الكبير" (2160) من طريق أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، بهذا الإسناد. 3-وعن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر(ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً من عرضت له منكم فيها الصلاة فليصل ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل". قال الألباني في "تحذير الساجد" حاشية (ص137): "رواه ابن أبي شيبة (2/84/1) وسنده صحيح على شرط الشيخين". 4-وروى البخاري في "صحيحه" حديث (2958) بإسناده إلى نافع: قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ([2]) الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ». قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (6/118) أثناء شرحه لحديث ابن عمر: "وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مُوَافَقَةُ الْمُسَيَّبِ بْنِ حَزْنٍ وَالِدِ سَعِيدٍ لِابْنِ عُمَرَ عَلَى خَفَاءِ الشَّجَرَةِ وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَحْصُلَ بِهَا افْتِتَانٌ لِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الْخَيْرِ فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ بَعْضِ الْجُهَّالِ لَهَا حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا قُوَّةَ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ كَمَا نَرَاهُ الْآنَ مُشَاهَدًا فِيمَا هُوَ دُونَهَا وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ بن عُمَرَ بِقَوْلِهِ كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ أَيْ كَانَ خَفَاؤُهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى". 5-وروى البخاري في "المغازي" حديث (4162) بإسناده إلى سَعِيد بنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ، ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا». 6-وروى –رحمه الله- في "صحيحه" حديث (4163) من طريق طارق بن عبد الرحمن قَالَ: انْطَلَقْتُ حَاجًّا، فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ، قُلْتُ: مَا هَذَا المَسْجِدُ؟ قَالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ، حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنِي أَبِي " أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ نَسِينَاهَا، فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا "، فَقَالَ سَعِيدٌ: «إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ؟». 7-وعن قزعة قال: سألت ابن عمر: آتي الطور؟ فقال: دع الطور ولا تأتها وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. قال الألباني –رحمه الله- في "تحذير الساجد" حاشية (ص139-140): "رواه ابن أبي شيبة (2/83/2) والأزرقي في "أخبار مكة" (ص304) وإسناده صحيح، وروى أحمد (6/8) وأبو يعلى وابن منده في "التوحيد" (26/1-2) مثله عن أبي بصرة الغفاري، وهو صحيح أيضاً، خرجته في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" أواخر المائة الثالثة، وفي "إرواء الغليل رقم (951). أقول: 1-انظر إلى إنكار الصحابي أبي بصرة على أبي هريرة ذهابه إلى الطور للصلاة فيه، واستشهاد أبي بصرة بهذا الحديث : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد " ، واستسلام أبي هريرة لهذا الحديث ولنصيحة أخيه أبي بصرة. وإن كان الطور من المواضع التي كلّم الله موسى فيها، فهل يوافق شيخ الأزهر هذين الصحابيين الكريمين -رضي الله عنهما- أو يخالفهما ويقدم عليهما أقوال أهل الضلال ومنهم ابن عربي؟ 2-وانظر إلى استنكار الخليفة الراشد عمر -رضي الله عنه-على قوم يبتدرون إلى مكان صلى فيه أفضل رسول -صلى الله عليه وسلم-. وقوله: -رضي الله-عنه: "هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً". فهو يرى أن تتبع آثار الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه الهلاك المماثل لهلاك اليهود والنصارى بتتبع آثار أنبيائهم. أفيتبع المسلمون هذا الخليفة الراشد ومن معه من الصحابة في هذه الحجة أم يتبعون أهل الضلال من أمثال ابن عربي؟ 3-وانظر إلى فقه ابن عمر- رضي الله عنهما - حيث يعتبر اختفاء الشجرة التي بايع رسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه اعتبر اختفاءها رحمة من الله؛ لأنها لو بقيت لضل الجهال بتقصدهم الصلاة عندها وتعظيمها. واستفد من هذا التعليق الممتاز من الحافظ على حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-. وتأمل كلام المسيب وأدرك هدفه ومغزاه من الإخبار باختفاء هذه الشجرة، فإنه يدل على فرحه باختفاء هذه الشجرة، التي لو بقيت لافتتن بها الجهال. وتأمل كلام ابنه سعيد التابعي العظيم وروايته عن أبيه اختفاء هذه الشجرة؛ انكاراً منه لمن يتقصدون الصلاة في مكان يزعمون أنه موضع الشجرة التي بايع تحتها رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. 4- وانظر إلى فقه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ونهيه لمن سأله عن إتيان الطور، مستدلاً بقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد". أرجو أن يستفيد شيخ الأزهر وأمثاله من فقه هؤلاء الصحابة الكرام، ومن سار على نهجهم من السلف الصالح، ومن سار على نهجهم أيضاً، ولا يسلكوا مسلك الهالكين من أهل الكتاب. وقوله (أي علي شودكيفيتش) : " وعلى أمور أخرى تجري مجراها"، وإقرار شيخ الأزهر له. نقول: ما هي هذه الأمور التي تجري مجرى زيارة القبور؟ قول علي شودكيفيتش : " وأبطل التوسل بالأولياء، بل أبطل التوسل بالنبي –صلى الله عليه وسلم- نفسه، كما انتقد الاحتفال بالمولد النبوي ، ورآه بدعة في الدين، ورأى موالد الأولياء كلها بدعة". وإقرار شيخ الأزهر له. أقول: التوسل منه المشروع، ومنه الممنوع، وقد بيَّن ذلك شيخ الإسلام بياناً شافياً فقال -رحمه الله-: في كتابه "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة"(ص17-19): " 28 - ولفظ (التوسل) قد يراد به ثلاثة أمور، يراد به أمران متفق عليهما بين المسلمين. 29 - أحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته. 30 - والثاني: دعاؤه وشفاعته([3])، وهذا أيضاً نافع يتوسل به من دعا له وشفع فيه باتفاق المسلمين. ومن أنكر التوسل به بأحد هذين المعنيين فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً. 31 - ولكن التوسل بالإيمان وبطاعته هو أصل الدين، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام للخاصة والعامة، فمن أنكر هذا المعنى فكفره ظاهر للخاصة والعامة. 32 - وأما دعاؤه وشفاعته وانتفاع المسلمين بذلك فمن أنكره فهو أيضاً كافر، لكن هذا أخفى من الأول، فمن أنكره عن جهل عُرِّف ذلك، فإن أصر على إنكاره فهو مرتد. 33 - أَمَّا دعاؤه وشفاعته في الدنيا فلم ينكره أحد من أهل القبلة. 34 - وأما الشفاعة يوم القيامة، فمذهب أهل السنة والجماعة - وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم - أن له شفاعات يوم القيامة خاصة وعامة، وأنه يشفع فيمن يأذن الله له أن يشفع فيه من أمته من أهل الكبائر. ولا ينتفع بشفاعته إلا أهل التوحيد المؤمنون دون أهل الشرك، ولو كان المشرك محباً له معظمًا له لم تنقذه شفاعته من النار، وإنما ينجيه من النار التوحيد والإيمان به. ولهذا لما كان أبو طالب وغيره يحبونه ولم يقروا بالتوحيد الذي جاء به لم يمكن أن يخرجوا من النار بشفاعته ولا بغيرها. 35 - وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أنه قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قالا لا إله إلا الله خالصاً من قلبه". 36 - وعنه في "صحيح مسلم" قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً". 37 - وفي السنن عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً" وفي لفظ قال:"ومن لقي الله لا يشرك به شيئاً فهو في شفاعتي"". وقال –رحمه الله- في (ص 79-83) من الكتاب المذكور: " 236 - إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ "الوسيلة" و"التوسل" فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك. 237 - ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيراً من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب. 238 - فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وفي قوله تعالى: {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} . 239 - فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. 240 - فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرماً أو مكروهاً أو مباحاً. 241 - فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول. 242 - فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى ذلك إلا ذلك. 243 - والثاني لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى الله عليه وسلم: "سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة". 244 - وقوله: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له الشفاعة". 245 - فهذه الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي صلى الله عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال: إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا . 246 - وأما التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته. 247 - والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح. 248 - وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة. فأما المعنيان الأولان - الصحيحان باتفاق العلماء - فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته. والثاني: دعاؤه وشفاعته كما تقدم. فهذان جائزان بإجماع المسلمين. 249 - ومن هذا قول عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا . أي بدعائه وشفاعته. وقوله تعالى: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي القربة إليه بطاعته. وطاعةُ رسوله طاعته. قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاع الله} . 250 - فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين. وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسُّل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائماً. 251 - فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان: أحدهما: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. 252 - والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. 253 - والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. 254 - وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك. 255 - قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة. 256 - قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك" أو "بحق خلقك". وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام . 257 - قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقاً. 258 - وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان: 259 - أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فَلأنْ يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى". وأقول: ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في هذه المسائل، ومنها التوسل؛ واجبه وجائزه وممنوعه حق، وكذا ما قرره في "الاستغاثة" وغيرها، وحربه عليها هو عين الحق. ولقد نزّه الله عنها أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم-، ومن سار على نهجهم السديد من الوقوع في الضلالات، كالاستغاثة بغير الله، والتوسل بالمخلوقين، ومن عمل الموالد. فالتوسل بالأولياء بدعة، جرّت المبتدعة إلى الاستغاثة بهم، واللجوء إليهم في الشدائد، وذلك من الشرك بالله، وهو عين الضلال. قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)) [سورة الأحقاف]. فحكم الله على من يدعو غيره بأنه في غاية الضلال، وبيّن أن المدعوين لا يستجيبون لهم، وأنهم سيكونون أعداء لمن يدعوهم. وقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)) [سورة فاطر]. 1- فبيّنَ أن المدعوين من دون الله لا يملكون قطميرا. 2- وأنهم لا يسمعون دعاء من يدعوهم. 3-وأنهم على فرض أنهم يسمعون دعاء الداعين لا يستجيبون لهم، وأنهم عن دعائهم غافلون؛ لأنهم لا يملكون هذه الاستجابة، ولأنهم لا يملكون كلهم قطميراً واحداً، ولأن الدعاء عبادة عظيمة وخاصة بالله. والاحتفال بالمولد من البدع الخطيرة، إذ لم يحتفل النبي -صلى الله عليه وسلم- بمولده، ولا الصحابة الكرام ومن تبعهم بإحسان، ولو كان حقاً ومن دين الله لقام به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، وقد أكمل الله الدين، فمخترعو البدع ومنها الموالد كأنهم مستدركون على الله وعلى رسوله-صلى الله عليه وسلم-، ومشاقون لله تعالى، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، والله يقول: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) . والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة " وفي رواية زيادة: "وكل ضلالة في النار". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (17144)، وأبو داود في "سننه" حديث (4607)، وابن حبان في "صحيحه" حديث (5)، والدارمي في "سننه" حديث (96). ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (2697)، ومسلم في "صحيحه" حديث (1718). ويقول -صلى الله عليه وسلم-: " إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة - يعني: الأهواء -، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله ". قال معاوية –رضي الله عنه- عقب روايته لهذا الحديث: "والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (16937). وله شواهد من حديث أبي هريرة، ومن حديث أنس، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث عوف بن مالك الأشجعي ، ومن حديث أبي أمامة –رضي الله عنهم-. فاجعل هذه التوجيهات والتحذيرات نصب عينيك، واحذر أشد الحذر من مخالفتها ومصادمتها. ثم استمر علي شودكيفيتش ويوافقه شيخ الأزهر في الإرجاف بالباطل على شيخ الإسلام رافع راية التوحيد إلى أن قال: " وإليه يرجع السبب فيما أقدم عليه الوهابيون –في البلاد العربية- من تدمير مزارات كانت موضع إجلال واحترام من أجيال لا تعد ولا تحصى من المسلمين. ولا يزال تراثه يشعل الحملات العنيفة –حتى يومنا هذا- ضد الانحرافات التي أفسدت –فيما يزعم- نقاء الإسلام- في صورته الحقيقية . وغني عن البيان القول بأن ظاهرة التبرك بقبور الأولياء لم تكن بدعة ابتدعها المسلمون في القرن الثالث عشر، فقد نشأت هذه الظاهرة في وقت مبكر جداً من العصور الإسلامية الأولى حين عبّر المسلمون عن تعظيمهم –في بادئ الأمر – لآل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- ولصحابته، ثم بُدئ في بغداد في تشييد الأضرحة على قبور الأولياء الذين اشتهروا في القرن الثالث الهجري تكريماً لهم وتعظيماً لشأنهم، وقد حدث هذا مع بداية القرن الرابع الهجري على أقل تقدير". أقول: يتباكى علي شودكيفيتش على تدمير المزارات التي يقدسها الخرافيون القبوريون، ويوافقه شيخ الأزهر؛ لأنهما يجهلان أو يتجاهلان أن رسول الهدى –صلى الله عليه وسلم- أمر بذلك. 1-فقد روى مسلم في "صحيحه" حديث (969): أن عليّاً –رضي الله عنه- قال لأبي الهياج : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ «أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته». وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (741) وأبو يعلى في "مسنده" (614) ، والحاكم في "المستدرك" (1/369). فالمعترض على من يهدم المزارات إنما هو معترض على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. 2-أضف إلى ذلك قول رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني". أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (8804)، وأبو داود في "سننه" حديث (2042)، والطبراني في "الأوسط" حديث (8026). 3-وقوله –صلى الله عليه وسلم-: " «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَساجد»، قَالَتْ عائشة –رضي الله عنه-: وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا". أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (1330) ، ومسلم في "صحيحه" حديث(529). 4-وعن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما- قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه". أخرجه مسلم في "صحيحه" حديث (970)، والإمام أحمد حديث (14148)، والترمذي في "جامعه" حديث (1052). 5-وعن جندب بن عبد الله البجلي –رضي الله عنه- أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس، وهو يقول ... ثم ساق كلاماً لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- في فضل أبي بكر –رضي الله عنه-. ثم ساق قوله –صلى الله عليه وسلم-: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». أخرجه مسلم في "صحيحه" حديث (532)، وأبو عوانة في "مسنده" (1/401)، والطبراني في "الكبير" حديث (1686). وقد أورد العلامة الألباني في كتابه "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" أربعة عشر حديثاً عن عدد من الصحابة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في هذا المعنى. وساق أقوال العلماء الآخذين بهذه الأحاديث من مالكية وشافعية وحنابلة وأحناف. فعليك أن تتبع سبيل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وسبيل المؤمنين. قول علي شودكيفيتش ويوافقه شيخ الأزهر: "ولا يزال تراثه يشعل الحملات العنيفة –حتى يومنا هذا- ضد الانحرافات التي أفسدت –فيما يزعم- نقاء الإسلام- في صورته الحقيقية". أقول: هذه الحملات العنيفة من شيخ الإسلام وغيره تنطلق من توجيهات الرسول –صلى الله عليه وسلم- التي هي من صميم الإسلام، فإياك ثم إياك أن تهول على توجيهات الرسول الكريم، والواجب عليك وعلى أمثالك أن تنقادوا لتوجيهات الرسول، وأن تجعلوا قول الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)) [سورة النور] نصب أعينكم. قال الإمام أحمد –رحمه الله-: "أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك". قول علي شودكيفيتش ويوافقه شيخ الأزهر: " وغني عن البيان القول بأن ظاهرة التبرك بقبور الأولياء لم تكن بدعة ابتدعها المسلمون في القرن الثالث عشر، فقد نشأت هذه الظاهرة في وقت مبكر جداً من العصور الإسلامية الأولى حين عبّر المسلمون عن تعظيمهم –في بادئ الأمر – لآل بيت النبي –صلى الله عليه وسلم- ولصحابته، ثم بُدئ في بغداد في تشييد الأضرحة على قبور الأولياء الذين اشتهروا في القرن الثالث الهجري تكريماً لهم وتعظيماً لشأنهم، وقد حدث هذا مع بداية القرن الرابع الهجري على أقل تقدير". أقول: قوله عن ظاهرة التبرك بقبور الأولياء: " فقد نشأت هذه الظاهرة في وقت مبكر جداً من العصور الإسلامية الأولى". يقال له : وهل نشوء هذه الظاهرة في وقت مبكر جداً يجعلها مشروعة ومن دين الله؟؟ ولقد نشأت قبلها بدع خطيرة، بعضها نشأ في عهد الصحابة؛ مثل بدعة الخوارج فإنها نشأت في عهد علي -رضي الله عنه- ومن بقي من إخوانه من الصحابة؛ إذ خرجوا على علي -رضي الله عنه- فقاتلهم وقتلهم، وأيده الصحابة على ذلك، وذلك بناء على توجيهات الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث أمر بقتلهم، وقال: "إنهم شر الخلق والخليقة" . وكذلك بدعة إنكار القدر نشأت في آخر عهد الصحابة، وتبرأ منهم ابن عمر -رضي الله عنهما-. وكذلك بدعة الجهمية نشأت في آخر عصر التابعين، أنشأها الجهم بن صفوان. فعلى منهجكما تكون هذه البدع مشروعة من باب أولى؛ لأنها نشأت قبل بدعة التبرك بالأولياء والاستغاثة بهم . وأقول: إن ظاهرة التبرك بالقبور التي يقوم بها الخرافيون الصوفية لا يبعد أن يكونوا قلّدوا فيها الروافض الذين يؤلهون الأئمة من أهل البيت، ويقولون عنهم: إنهم يعلمون الغيب، ويتصرفون في كل ذرة من ذرات الكون، ويستغيثون بهم في الشدائد وغيرها، ويعبدون قبورهم. فسار الصوفية على هذا المنهج، ومن المؤسف أن شيخ الأزهر يرى أن هذه الضلالات التي يمازجها الشرك من الأمور المشروعة، ومن هنا لم ينكرها لا على الروافض ولا على الصوفية الضالة. ولا يلتفت إلى الآيات القرآنية ولا إلى التوجيهات النبوية المعصومة. ويتابع علي شودكيفيتش في الاستدلال بعمل أهل بغداد -وعلى رأسهم الروافض- في تشييد القبور على الأولياء في القرن الثالث الهجري تكريماً لهم وتعظيماً لشأنهم. ونقول له: لماذا لم يعمل الناس هذا العمل، (وهو تشييد البنايات على قبور الصحابة وسادة التابعين)، وهم أولياء الله حقاً وأفضل الناس بعد الأنبياء، وقد قال فيهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»؟ أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (2652) ، ومسلم في "صحيحه" حديث(2533). فبعد القرون التي أشاد بها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ظهر الغلو في الأولياء، وظهرت فتنة بناء المساجد والقباب على قبورهم. فاعرف هذا. قال شيخ الأزهر فيما يظهر لي في حاشية (ص15): " ابن تيمية، "مجموعة الرسائل والمسائل" ط. رشيد رضا (5/85، 93)، "الفتاوى الكبرى" بيروت 1965 (1/93، 127، 344، 351) و (2/218، 226) والفصلين 18, 19 من كتابه "الصراط المستقيم". وفيما يتعلق بموضوع زيارة قبر النبي –صلى الله عليه وسلم- والاستغاثة به انظر رد معاصره تقي الدين السبكي الفقيه الشافعي في كتابه "شفاء السقام" بيروت 1978 حيث يثبت الزيارة والاستغاثة بطائفة من الأحاديث النبوية الشريفة، وقد جمع يوسف النبهاني أخيراً شواهد كثيرة في كتابه: شواهد الحق، القاهرة 1974، ولخص المناقشات التي دارت في العصور المختلفة حول مشروعية زيارة النبي –صلى الله عليه وسلم- والاستغاثة بالأولياء". أقول: قدّمنا ذكر بعض الآيات التي تنص على أن دعاء غير الله من الشرك الأكبر. والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: " إن الدعاء هو العبادة "، ثم قرأ: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين). أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" حديث (18386)، (18391)، (18432)، (18436)، وأبو داود في "سننه" حديث (1479)، والترمذي في "جامعه" حديث (2969)، (3247)، (3372)، وابن ماجه في "سننه" حديث (3828). قال الترمذي: صحيح الإسناد([4]). ومعنى "الدعاء هو العبادة" كما قال العلماء: أي جلها ومعظمها كقوله صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة" أي أعظم أركان الحج، وكقوله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة" ولا شك أن الدعاء كذلك ولذا تعبدنا الله به في كل صلاة. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}. هذه لمحة عن أهمية الدعاء وإشارة خاطفة إلى بعض ما أمرنا به ربنا تعالى من دعائه وحده. ومن المؤسف أن شيخ الأزهر يرى مشروعية الاستغاثة بالأولياء، متجاهلاً الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدل على أن الدعاء هو أهم العبادات الخاصة بالله، وأن صرفه لغير الله شرك به. وأقول: إن السبكي والنبهاني من الخرافيين، وقد تجاهلا في كتابيهما الآيات القرآنية التي تدل على أن الاستغاثة بغير الله من الشرك الأكبر والضلال البعيد. وقد ردَّ ابن عبد الهادي –رحمه الله- على السبكي في كتابه "الصارم المنكي"، وبيّن بطلان استدلالاته، فلماذا تتعلق بالباطل، ولا تذكر الرد العلمي لابن عبد الهادي الذي دمغ به أباطيل السبكي؟ وبيّنَ ضعف ونكارة الأحاديث التي استدل بها السبكي، بل وبيّنَ أن بعضها من الموضوعات المكذوبات على رسو الله –صلى الله عليه وسلم-. ومن كلامه على الأحاديث التي احتج بها السبكي قوله: "وجميع الأحاديث التي ذكرها المعترض في هذا الباب وزعم أنها بضعة عشر حديثاً ليس فيها حديث صحيح، بل كلها ضعيفة واهية، وقد بلغ الضعف ببعضها إلى أن حكم عليه الأئمة الحفاظ بالوضع، كما أشار إليه شيخ الإسلام". "الصارم المنكي" (ص21) و (ص184)، نشر مؤسسة الريان. وردَّ العلامة محمود شكري الآلوسي على النبهاني في كتاب سماه "غاية الأماني في الرد على النبهاني" بيّنَ فيه ضلالات النبهاني، وضعّف الأحاديث التي يحتج بها على ضلالاته. وهاك مرة أخرى أدلة أخرى تدمغ الذين يدعون أولياء من دون الله: 1-قال تعالى مخاطبا نبيه الكريم: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ}. والظلم هنا هو الشرك {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ}. فلا يكشف الضر عن العباد إلا الله. فهذا نهي صريح للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأمته عن دعاء غير الله مهما علت منزلته وارتفعت درجته سواء كان نبيا أو ملكا مقربا، فهذا أكمل المخلوقات وسيد المرسلين والنبيين لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، قال تعالى في سورة الأعراف آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فبديهي أنه لا يملك ذلك لغيره. وصرح بهذا المعنى في آيات أُخر قال الله آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً}. {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}. وقال صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}: "يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا. يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا". فإذا كان أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم كذلك، فغيره أبعد عن ذلك وأبعد، فهذه البيانات الواضحة والتصريحات القوية التي تصدر عن أصدق القائلين الهدف الأصيل منها أن يقطع المؤمن الصادق كل أمل وكل رجاء من غير الله ويتجه بدعائه ورجائه ورغباته وكل مطالبه إلى الله وحده مباشرة. ولذا قال عقب هذه الآية التي تلوناها عليكم من سورة يونس: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}. وقال في سورة الأنعام مستعملا الأسلوب نفسه: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. هكذا بصيغة القصر في الآيتين مما يدل على انفراد الله وحده بجلب النفع ودفع الضر. 2- وقال تعالى ضاربا مثلا لحال من يدعو غير الله: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}. شبهت حال من يدعو غير الله بحال شخص استولت عليه الشياطين فحرفته عن الجادة فهو تائه مضطرب الفكر والعقل ذاهب اللب يتخبط في سيره لا يهتدي لجهة ولا يعرف مقصدا في الوقت الذي يدعي فيه إلى خلاصه والطريق الذي فيه نجاحه وفلاحه فيمعن ويوغل في البعد عن طريق الخلاص والنجاة حتى يلقى هلاكه ومصيره المشئوم. 3- وقال تعالى ضاربا مثلا لخيبة الأمل التي يُمنى بها من يدعو غير الله: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ}. فهل يستجيب ماء بئر في الدنيا لمن وقف على حافته يمد كفيه ويبسطهما إليه ولو كان ملتهب الأحشاء محترق الفؤاد من الظمأ؟ 4- وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}. وهذا تصوير صحيح لواقع كل مدعو من دون الله وأن من في السماوات والأرض لو اجتمعوا لخلق ذرة فضلا عن ذباب لا يستطيعون ذلك، ولوقفوا عاجزين وهذا غاية الغايات في العجز، فإذا كان هذا حال المدعوين فلماذا لا يثوب الداعون لهم إلى رشدهم. ولذا قال تعالى: (ما قدروا حق قدره إن الله لقوي عزيز)، فهو قادر على كل شيء غالب على كل شيء إنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، والواقع أن الذين يستجيزون لأنفسهم دعاء غير الله لا يشعرون أن هذا النداء في هذه الآية موجه إليهم وأن هذا المثل فيها مضروب لهم ومن جراء فقدان هذا الشعور والإحساس لم يرهفوا أسماعهم لهذا المثل الذي قال الله فيه فاستمعوا له وإلا لكان لهم منه أكبر زاجر وأقوى رادع ولفتحوا أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم على قدرة الله الهائلة التي يصغر أمامها كل شيء فاتجهوا إليه وحده ضارعين وداعين. 5- وقال تعالى مبينا غناه المطلق وفقر من عداه المطلق وأن المدعوين من دون الله جميعا صفر اليدين مما يتعلق به المشركون بهم الداعون لهم من دون الله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}. فهذه الآية فيها تحطيم لكل أمل يتعلق به الضالون فالمدعوون من دون الله مع الأسف لا يملكون من هذا الملك الواسع والكون الكبير السموات والأرض مثقال ذرة لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل المشاركة والله غني غنىً مطلقا، والشفاعة متوقفة على إذنه، على أنه لا حظ فيها لهؤلاء الداعين لغير الله وإنما هي للموحدين. 6-وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ}. فالله تبارك وتعالى يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يتحدى المشركين بأن يشيروا إلى أي نقطة من السموات والأرض قد خلقها آلهتهم ولو مجتمعة أو أي جزئية شاركوا فيها في الخلق والتصرف وهم لا يمكن أن يدعوا ذلك فهم معترفون بأن الله وحده المنفرد بخلق الكون والتصرف في شئونه. فإن توقح متوقح منهم فليأتِ بالبرهان الواضح ولا يمكنه ذلك لا من طريق النقل ولا من طريق العقل وبعد عجزهم الفاضح أمام التحديات فما حكمهم إن أصروا على دعاء غير الله؟ حكمهم أنهم خلق الله إنهم غارقون في ضلال بعيد لأنهم يدعون من لا يملك شيئا في السماوات والأرض لا لنفسه ولا لغيره وقد عجزوا وأفحموا عن إقامة البرهان على شيء من ذلك وهم مع ذلك لا يستجيبون لهم ولو بحت أصواتهم وانقطعت حناجرهم من النداء والهتاف ولو استمروا فيهما إلى يوم القيامة. والنتيجة المرة أنهم يوم القيامة يبارزونهم ويصارحونهم بالعداء الشديد {وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} إنها لنهاية أليمة ومصير مشئوم وهذا الذي أشرنا إليه قليل من كثير فما يزخر به القرآن من محاربة هذا الاتجاه المخزي فمن أراد أن يعرف الحقيقة فليمط عن وجهه حجاب التعصب الأعمى وليقرأ القرآن ملاحظا ما أشرنا إليه فسيجد الأمر أوضح وأقوى"([5]). أسأل الله أن يوفق المسلمين جميعاً للتمسك بالكتاب والسنة في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم وسياستهم وسائر شؤون حياتهم. وصلى الله على رسولنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. كتبه ربيع بن هادي عمير 1/4/1438هــ [1] - إن تقديم الولاية على النبوة ليثير المخاوف من أن علي شودكيفيتش يفضل الولاية على النبوة. [2] - يعني الشجرة التي بايع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أصحابه تحتها، وهي بالحديبية. [3] - أي في حياته –صلى الله عليه وسلم-، ثم في الآخرة. [4] - وهو كذلك، وقد صححه غير الترمذي. [5] - انظر "أضواء إسلامية على بعض الأفكار الخاطئة".
  9. بيان من الشيخ ربيع حول طباعة مؤلفاته

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فإني لا أسمح لأي دار بطباعة أي كتاب، أو مقال، أو مطوية لي سوى دار الميراث النبوي بالجزائر، ودار المداد بمصر، وبإشراف وموافقة من ابني الدكتور محمد أبو ربيع، وتلميذي أحمد بن يحيى الزهراني. ومن يخالف هذا الأمر يكون عرضة للمساءلة، وتعتبر الأذونات السابقة لاغية من هذا التاريخ. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. كتبه ربيع بن هادي عمير.
  10. الخيانات والغدر من شر أنواع الفساد في الأرض

    الخيانات والغدر من شر أنواع الفساد في الأرض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى صحابته أجمعين، أما بعد: فقد قال الشيخ ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- في فتوى سابقة: "الإسلام من أعظم مزاياه: الوفاء بالعهود، والوفاء بالوعد ولو للكفار، ومن خصال المؤمنين: عدم الخيانة، وعدم الغدر. وقد حصلت قصة للمغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-, أن رافق جماعة من المشركين وكان ذلك في حال شركهم وسافروا إلى مصر في تجارة, وحصلوا على مال فباتوا ليلة، فهجم عليهم فقتلهم وأخذ مالهم, وجاء إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- مسلمًا وقدَّم له المال، وأخبره بالقصة, فقال -صلى الله عليه وسلم-: أما الإسلام فقد قبلناه, أما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه([1]). لأنه نشأ عن غدر؛ فالإسلام لا يبيح الغدر بحال من الأحوال. والموقف الآخر: أنه كان هناك عهد بين الروم والمسلمين, ولَمَّا أشرف هذا العهد على النهاية تحرك معاوية -رضي الله عنه- بجيشه يقول: إذا انتهى الوقت المحدد نهجم على العدو. فركب شيخ على فرسه وكان يصيح: الله أكبر وفاء لا غدر, الله أكبر وفاء لا غدر, فسأله معاوية -رضي الله عنه- فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدةً ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فتوقف معاوية -رضي الله عنه-([2]). فالغدر والخيانة لا تجوزان مع الكفار ومع غيرهم, والتخريب والتدمير على هذا الوجه لا يجوز لأنه يُقتل فيها النساء والأطفال والأبرياء ولا ينكأ عدواً، وقد يفرح بها العدو لتشويه صورة الإسلام وأهله, ويستغله إعلاميّاً ضد الإسلام فيعطون للإسلام صورة أشد سوادًا من صورة الأديان الفاسدة وهذا ما يثمره تصرفات هؤلاء على الإسلام والمسلمين. فعلى المسلمين أن يكونوا مضرب المثل في الصدق والأخلاق العالية والوفاء والأمانة والبعد عما يناقض هذه الصفات من الغدر والخيانة والكذب والهواية في سفك الدماء التي لاتنفع الإسلام بل تضره. الإسلام فيه جهاد شريف وجهاد نظيف يُعلَن على القوم غير المسلمين، وقبل ذلك تُعلن الدعوة إلى الإسلام وتُبين لهم وتشرح لهم, فإن هداهم الله ودخلوا في الإسلام فهذا هو المطلوب, كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم»([3]). فإن استجابوا فهذا هو المطلوب؛ لأن القصد من إرسال الرسل: هداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور. والقصد بالجهاد: إعلاء كلمة الله، وهداية الناس وإخراجهم من حظيرة الكفر إلى حظيرة الإسلام، وهذا أمر عظيم، فإذا اهتدت أمة على يد شخص أو جماعة فكم ينال من الأجر؟ وكم يعلو عند الله -تبارك وتعالى-: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}[المجادلة:11]. ويرفع الله المجاهدين درجات: {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً}[النساء:95]. ولكن الجهاد الشريف لا جهاد الغدر والخيانة والخسِّة والدناءة فإن هذا لا يعود على الإسلام إلا بالضرر والشر. من شريط: [فتاوى العلماء في الاغتيالات والتفجيرات والعمليات الانتحارية]. للتحميل ملف PDF ([1]) أخرجه البخاري (2731). ([2]) أخرجه أحمد (17015) وأبو داود (2759)، والترمذي (1580) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في الصحيحة (2357). ([3]) متفق عليه: أخرجه البخاري (2942) ومسلم (2406)، عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
  11. كلام أئمة الإسلام حول أحاديث الشفاعة

    كلام أئمة الإسلام حول أحاديث الشفاعة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: فإلى القراء الكرام أسوق في الشفاعة كلام أئمة الإسلام، وكلامهم ومذهبهم شافٍ -إن شاء الله- لصدور المؤمنين الصادقين، وغيظ لقلوب الخوارج المارقين ومن سار على نهجهم من الضالين. أولاً: الإمام أحمد -رحمه الله-. 1- قال الإمام أحمد رحمه الله في أصول السنة (ص64) مع الشرح: "وَالْإِيمَان بشفاعة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبقوم يخرجُون من النَّار بَعْدَمَا احترقوا وصاروا فحمًا فَيُؤْمَر بهم([1]) إِلَى نهر على بَاب الْجنَّة كَمَا جَاءَ الْأَثر كَيفَ شَاءَ وكما شَاءَ إِنَّمَا هُوَ الْإِيمَان بِهِ والتصديق بِهِ". 2-وقال حَنْبَل: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: مَا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ؟ فَقَالَ: " هَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ نُؤْمِنُ بِهَا وَنُقِرُّ، وَكُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ نُؤْمِنُ بِهَا وَنُقِرُّ، قُلْتُ لَهُ: وَقَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِذَا لَمْ نُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَدَفَعْنَاهُ رَدَدْنَا عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] قُلْتُ: وَالشَّفَاعَةُ؟ قَالَ: كَمْ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ، فَهَؤُلَاءِ يُكَذِّبُونَ بِهَا وَيَتَكَلَّمُونَ، وَهُوَ قَوْلُ صِنْفٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ أَحَدًا بَعْدَ إِذْ أَدْخَلَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَدَلَ عَنَّا مَا ابْتَلَاهُمْ بِهِ". "شرح أصول الاعتقاد" للالكائي (6/1111) رقم (2090). قال الخلال رحمه الله في "السنة": 1177 – قال أبو بكر المروذي: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَأُرِيدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أُؤَخِّرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وقال -رحمه الله- كما في "السنة" للخلال (1/367): نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ شَكَّ فَلْيَقْرَأْ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] الْآيَةَ. وقال الخلال رحمه الله في "السنة": 1178 - قال المروذي: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا عَفَّانُ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ فَيُرْعَبُ الْعَدُوُّ وَهُوَ مِنِّي عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَقِيلَ: سَلْ تُعْطَهْ، وَاخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، وَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا". وقال الخلال في "السنة": 1181 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي فَلَيْتٌ الْعَامِرِيُّ، عَنْ جَسْرَةَ الْعَامِرِيَّةِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً، فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ بِهَا: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] فَلَمَّا أَصْبَحَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَازِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى أَصْبَحْتَ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ بِهَا؟ قَالَ: «إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّيَ الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». 1182 - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَا: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي» قَالَ يَعْلَى: «شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، وَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». أخرجه مسلم في "صحيحه" حديث (199)، والإمام أحمد في "مسنده" (2/381). وقال عبد الله: حَدَّثَنِي أَبِي، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَمَنْ شَكَّ فَلْيَقْرَأْ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] الْآيَةَ، "السنة" لعبد الله بن أحمد (1/367-368) رقم (794). وقال الخلال في "السنة" (2/149) رقم (1581): "قال أبو بكر المروذي: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلْمَانَ الْعَصَرِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ صُهْبَانَ , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا بَكَرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : (يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَتَقَادَعُ بِهِمْ جَنَبَتَا الصِّرَاطِ تَقَادُعَ الْفِرَاشِ فِي النَّارِ , فَيُنَجِّي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ . قَالَ : ثُمَّ يُؤْذَنُ لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ , عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ , أَنْ يَشْفَعُوا , فَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ , وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ , وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً مِنْ إِيمَانٍ). وقال الخلال: قال المروذي: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ , عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ الْعُتْوَارِيِّ أَحَدِ بَنِي لَيْثٍ , وَكَانَ فِي حَجْرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ : شَهِدْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (يَشْفَعُ الأَنْبِيَاءُ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصًا , لِيُخْرِجُوهُمْ مِنْهَا , ثُمَّ يَتَحَنَّنُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِرَحْمَتِهِ عَلَى مَنْ فِيهَا, فَمَا يَتْرُكُ فِيهَا عَبْدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلاَّ أَخْرَجَهُ مِنْهَا ) "السنة" للخلال رقم (1589). وقَالَ الخلال: قال المروذي : حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ , قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ , وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً , ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ , وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً , ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ , وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ([2])) "السنة" للخلال رقم (1590). ثانياً، وثالثاً: الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان -رحمهما الله-. قال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان في عقيدتهما (ص104) من "قرة العينين بتوضيح معاني عقيدة الرازيين: "والشفاعة حق، وأنَّ ناساً من أهل التوحيد يخرجون بالشفاعة حقٌّ". رابعاً: الإمام البربهاري -رحمه الله-. قال الإمام البربهاري في كتابه "شرح السنة": والإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين الخاطئين؛ في يوم القيامة، وعلى الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم، وما من نبي إلا له شفاعة، وكذلك الصديقون والشهداء والصالحون، ولله بعد ذلك تفضل كثير فيمن يشاء، والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحما"، انظر "عون الباري ببيان ما تضمّنه شرح السنة للإمام البربهاري" (1/137). خامساً: الإمام الآجري -رحمه الله-. وقال الإمام الآجري –رحمه الله- في كتاب "الشريعة" (ص274): "بَابُ وجُوبِ الْإِيمَانِ بِالشَّفَاعَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ , أَنَّ الْمُنْكِرَ لِلشَّفَاعَةِ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ فَلَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا, وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ يُكَذِّبُونَ بِهَا, وَبِأَشْيَاءَ سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى, مِمَّا لَهَا أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسُنَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ, وَقَوْلِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ. والْمُعْتَزِلَةُ يُخَالِفُونَ هَذَا كُلَّهُ , لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا إِلَى سُنَنِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا يُعَارِضُونَ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ , وَبِمَا أَرَاهُمُ الْعَقْلُ عِنْدَهُمْ , وَلَيْسَ هَذَا طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا هَذَا طَرِيقُ مَنْ قَدْ زَاغَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَقَدْ لَعِبِ بِهِ الشَّيْطَانُ , وَقَدْ حَذَّرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهِ, وَحَذَّرَنَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَذَّرَنَاهُمْ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا". ثم ذكر بعده باب ما روي أن الشفاعة إنما هي لأهل الكبائر. ثم قال رحمه الله (ص280): "بَابُ مَا رُوِيَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعَالَى 786 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا الْمُطَرِّزُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ الْمُطَرِّزُ: وَحَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ, فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ, وَإِنِّي اخْتَبَأَتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» لَفْظُ أَبِي مُعَاوِيَة. 787 - حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَأَخَّرْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا». 788 - حَدَّثَنَا أَبُو شُعَيْبٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا [ص:1220] يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو , عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ , لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ , أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ". سادساً: الإمام ابن منده -رحمه الله-. ساق الإمام ابن منده رحمه الله في كتابه [الإيمان] (2) أحاديث الشفاعة من صفحة(763) إلى صفحة (852). وفي (ص776) أورد حديث أبي سعيد الخدري الذي يشتمل على خمس مراحل للشفاعة، ثم واصل إلى (ص795)، ثم ذكر أحاديث عن ابن مسعود، وأبي ذر في آخر النار خروجا منها. وفي (ص802-808) ذكر أحاديث في الشفاعة عن جابر تتعلق بآخر من يخرج من النار. وفي (ص809-826) ذكر أحاديث أنس في الشفاعة وفيها: أن الله يشفعه فيحد له حدًّا فيخرج أناسا من النار ويدخلهم الجنة. وفيها أنه يقال له: اذهب إلى أمتك فمن وجدت في قلبه مثقال حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة. ويعود في الثانية فيسجد لربه، ثم يقال له: اذهب فمن وجدت في قلبه مثقال نصف حبة من شعير من الإيمان فأدخله الجنة. ويعود في الثالثة فيسجد لربه، ثم يقال له: اذهب فمن وجدت في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأدخله الجنة. وفي (ص826) إلى (832) أحاديث لأبي هريرة، ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأمته، فيقول الله: أدخل الجنة من لا حساب عليه من الباب الأيمن وهم شركاء الناس في الأبواب الأخرى. وفي (ص834-836) أورد أحاديث لأنس وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شفيع في الجنة، وأنه أكثر الأنبياء أتباعا يوم القيامة. وفي (ص836) إلى (ص842) ذكر أحاديث عن أبي هريرة في الشفاعة، وفيها: الشفاعة فيمن قال: لا إله إلا الله مخلصا. والشفاعة فيمن مات لا يشرك بالله شيئًا. وفي (ص844-847) ذكر أحاديث عن أنس في الشفاعة مختصرة. وفي (ص848-849) أورد حديث عوف بن مالك وفيه: أشهد من حضرني أن شفاعتي لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا. وفي (ص850-852) ذكر أورد حديثين عن ابن عمر وحذيفة حول المقام المحمود. سابعاً: الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (19/ 65-70): وفي الشفاعة أحاديث مرفوعة صحاح مسندة من أحسنها ما حدثناه احمد بن فتح بن عبد الله وعبد الرحمن بن يحيى قالا حدثنا حمزة بن محمد ابن علي قال أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا أبو الربيع الزهراني قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا معبد بن هلال العنزي قال اجتمع رهط من أهل البصرة وأنا فيهم فأتينا أنس بن مالك واستشفعنا عليه بثابت البناني فدخلنا عليه فأجلس ثابتا معه على السرير فقلت لا تسألوه عن شيء غير هذا الحديث فقال ثابت يا أبا حمزة إخوانك من أهل البصرة جاءوا يسألونك عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشفاعة فقال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيؤتى آدم عليه السلام فيقولون يا آدم اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله عز وجل فيؤتى إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيؤتى موسى عليه السلام فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى بن مريم فإنه روح الله وكلمته فيؤتى عليه السلام فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد فأوتى فأقول أنا لها فأنطلق فأستأذن علي ربي عز وجل فيؤذن لي فأقوم بين يديه مقاما فيلهمني فيه محامد لا أقدر عليها الآن فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقول لي يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول أي رب أمتي: أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال ذرة أو مثقال شعيرة فأخرجه فأنطلق فأفعل ثم أرجع فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول أي رب أمتي: أمتي فيقال انطلق فمن كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار[3]". فلما رجعنا من عند أنس قلت لأصحابي هل لكم في الحسن وهو مستخف في منزل أبي خليفة في عبد القيس فأتيانه فدخلنا عليه فقلنا خرجنا من عند أخيك أنس بن مالك فلم نسمع مثل ما حدثنا في الشفاعة قال كيف حدثكم فحدثناه الحديث حتى إذا انتهينا قلنا لم يزدنا على هذا قال لقد حدثنا هذا الحديث منذ عشرين سنة ولقد ترك منه شيئا فلا أدري أنسي الشيخ أم كره أن يحدثكموه فتتكلوا ثم قال في الرابعة ثم أعود فأخر له ساجدا ثم أحمده بتلك المحامد فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول أي رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله صادقا قال فيقول تبارك وتعالى ليس لك وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله فأشهد على الحسن لحدثنا بهذا الحديث يوم حدثنا به أنس بن مالك. وروى همام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في الشفاعة من أوله إلى آخره بأتم ألفاظ. وروى سهيل بن أبي صالح عن زياد النميري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله من أوله إلى آخره بمعناه في الشفاعة. -ثم ذكر عدة أحاديث في الشفاعة- إلى أن قال (ص69): والآثار في هذا كثيرة متواترة والجماعة أهل السنة على التصديق بها ولا ينكرها إلا أهل البدع. وقال (ص70): كل هذا يكذب به جميع طوائف أهل البدع الخوارج والمعتزلة والجهمية وسائر الفرق المبتدعة وأما أهل السنة أئمة الفقه والأثر في جميع الأمصار فيؤمنون بذلك كله ويصدقونه وهم أهل الحق والله المستعان. ثامناً: تصريحات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بتواتر أحاديث الشفاعة وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان. 1-قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (1/318): "وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَالُوا: لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عِنْدَهُمْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلُوهَا لَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا. وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَحَدٌ؛ بَلْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ". 2-وسُئل رحمه الله: عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: "إنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي " أَهْلِ الْكَبَائِرِ " ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ بَلْ كُلُّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ. فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ يُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". "مجموع الفتاوى" (4/309). 3-وقال رحمه الله: "وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ {يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ}". "مجموع الفتاوى" (13/56). 4-وقال رحمه الله: "وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ اتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مُتَطَابِقَةٌ عَلَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مَنْ يُعَذَّبُ وَأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ". مجموع الفتاوى (18/191- 192). 5-وقال رحمه الله: "وَحَدِيثُ الْقَبْضَةُ الَّتِي يُخْرِجُ بِهَا مِنْ النَّارِ قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ. نَهْرُ الْحَيَاةِ"([4]). مجموع الفتاوى (4/184). 6-وقال رحمه الله: "وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ لَهُ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وَلَمْ يَقُلْ كَانَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي بَلْ قَالَ: {أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ}"([5]). مجموع الفتاوى (27/440). إلى أن قال رحمه الله: وَنَظِيرُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {إنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا}، وَكَذَلِكَ فِي أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ كُلِّهَا إنَّمَا يَشْفَعُ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ فَبِحَسَبِ تَوْحِيدِ الْعَبْدِ لِلَّهِ وَإِخْلَاصِهِ دِينَهُ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّ كَرَامَةَ الشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا". مجموع الفتاوى(27/440). وهذه النصوص عن شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام، بل واتفاق السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان تدمغ الحدادية الذين يهوشون على أحاديث الشفاعة، ومن تهويشاتهم قول بعض زعمائهم: إن أحاديث الشفاعة من المتشابه. وقصره الشفاعة على المصلين؛ مخالفين في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وأئمة الإسلام رحمهم الله. سابعاً: الإمام ابن القيم -رحمه الله-. قال ابن القيم رحمه الله في كتابه [حادي الأرواح] (ص272-273) في الكلام على حديث أبي سعيد رضي الله عنه في الشفاعة: "الوجه العشرون انه قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري في حديث الشفاعة فيقول عز وجل شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما، فيلقيها في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل فيقول أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه و لا خير قدموه. فهؤلاء أحرقتهم النار جميعهم فلم يبق في بدن أحدهم موضع لم تمسه النار بحيث صاروا حمما وهو الفحم المحترق بالنار وظاهر السياق أنه لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير، فإن لفظ الحديث هكذا فيقول: "ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض الله قبضة من نار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط"، فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع هذا فأخرجتهم الرحمة.([6]) ومن هذا رحمته سبحانه وتعالى للذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ويذروه في البر والبحر زعما منه بأنه يفوت الله سبحانه وتعالى فهذا قد شك في المعاد والقدرة ولم يعمل خيرا قط ومع هذا فقال له ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك وأنت تعلم فما تلافاه أن رحمه الله، فلله سبحانه وتعالى في خلقه حكم لا تبلغه([7]) عقول البشر وقد ثبت في حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله قال: (يقول الله عز و جل أخرجوا من النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام)". 1- الإمام ابن القيم بنى حكمه هنا على حديث أبي سعيد وأيده بحديث هذا الرجل الذي لم يعمل خيراً قط، وأمر أولاده أن يحرقوه...الحديث. ولا شك أنه يؤمن بأحاديث الشفاعة الأخرى والأحاديث الواردة في فضل لا إله إلا الله وفضل التوحيد، ولا شك أنه يؤمن بحديث صاحب البطاقة، ونصه: «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ "، قَالَ: «فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ». والذي نعرفه عن ابن القيم أنه كان يرى كفر تارك الصلاة. لكنه لما وقف أمام حديث أبي سعيد في الشفاعة وما تلاه لم يسعه إلا الاستسلام لها والصدع بمضمونها. حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- في الشفاعة. ومنه يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "... فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول رب أمتي أمتي فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل. قال معبد بن هلال العنـزي الراوي عن أنس –رضي الله عنه-: هذا حديث أنس الذي أنبأنا به فخرجنا من عنده فلما كنا بظهر الجبان قلنا لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة قال فدخلنا عليه فسلمنا عليه فقلنا يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع مثل حديث حدثناه في الشفاعة قال هيه فحدثناه الحديث فقال هيه قلنا ما زادنا قال قد حدثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع ولقد ترك شيئا ما أدري أنسي الشيخ أو كره أن يحدثكم فتتكلوا قلنا له حدثنا فضحك وقال: (خلق الإنسان من عجل). ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه. "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذاك لك أو قال ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله".[8] وهؤلاء الأئمة الذين رووا هذا الحديث –حديث أنس- وحديث أبي سعيد رضي الله عنهما يؤمنون بما تضمّنه هذان الحديثان من الشفاعات في الأصناف المذكورة، وقبلهم الصحابة والتابعون الذين بلغهم هذان الحديثان وغيرهما من أحاديث الشفاعة، فما هو رأي الفرقة الحدادية فيهم؟ فحديث أنس -رضي الله عنه- يفيد أن الشفاعة تتناول أصنافاً: الصنف الأول: من كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان. الثاني: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان. الثالث: من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان. الرابع: صنف يشفع فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهم من قال: "لا إله إلا الله"، فيقول الله له: " ليس ذاك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ". فهذه الأصناف من أمة محمد أدخلوا النار بذنوبهم، وأخرجهم الله من النار بشفاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبما في قلوبهم من الإيمان. والصنف الأخير: أخرجوا بعزة الله وكبريائه وعظمته وجبريائه ورحمته، وذلك بسبب توحيدهم وإيمانهم، وإن كان في نهاية الضعف. فهذان الحديثان يجمعان بين الترهيب والترغيب؛ الترهيب من الذنوب والعقوبة الشديدة عليها ليرتدع المسلمون عن الذنوب، والترغيب في الإيمان والتوحيد ليكونوا من أهله. ثامناً: الإمام ابن كثير -رحمه الله-. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا}: وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا}، قَالَ: وُرُودُ الْمُسْلِمِينَ الْمُرُورُ عَلَى الْجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَيْهَا، وَوُرُودُ الْمُشْرِكِينَ: أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الزَّالُّونَ وَالزَّالَّاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَقَدْ أَحَاطَ بِالْجِسْرِ يَوْمَئِذٍ سِمَاطان مِنَ الْمَلَائِكَةِ، دُعَاؤُهُمْ: يَا أَللَّهُ سَلِّمْ سَلِّمْ". وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} قَالَ: قَسَمًا وَاجِبًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: [حَتْمًا]، قَالَ: قَضَاءً. وَكَذَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} أَيْ: إِذَا مَرَّ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ عَلَى النَّارِ، وَسَقَطَ فِيهَا مَنْ سَقَطَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْعُصَاةِ ذَوِي الْمَعَاصِي، بِحَسَبِهِمْ، نَجَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ مِنْهَا بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ. فَجَوَازُهُمْ عَلَى الصِّرَاطِ وَسُرْعَتُهُمْ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُشَفَّعُونَ فِي أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَشْفَعُ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَكَلَتْهُمُ النَّارُ، إِلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ -وَهِيَ مَوَاضِعُ السُّجُودِ-وَإِخْرَاجُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ النَّارِ بِحَسْبِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ، فَيُخْرِجُونَ أَوَّلًا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، [ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ] حَتَّى يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ. ثُمَّ يُخْرِجُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا). كتبه ربيع بن هادي عمير 22 صفر 1438ه تحميل ملف PDF [1] يشير الإمام أحمد إلى قوله في حديث آخر عن أبي سعيد رضي الله عنه: " فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ" أخرجه مسلم برقم (183). ([2]) في آخر حديث أنس - رضي الله عنه - في صحيح مسلم (193)عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار" وبعد هذا " فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ لَكَ - أَوْ قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيْكَ - وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي وَجِبْرِيَائِي، لَأُخْرِجَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ "وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (183): " فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ" والبربهاري يشير إلى هذه الفقرة مسلماً بها. ([3]) راجع التعليق على ص5. ([4]) رواه مسلم في صحيحه برقم (183)، وأبو داود في مسنده برقم (2293)، وابن مندة في الإيمان برقم (818) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ([5]) رواه البخاري في صحيحه برقم (99) و (6570) ، وأحمد في مسنده (14/446) (8858)،وابن مندة في الإيمان(904)و(905)و(906)وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه. ([6]) من عجائب ومنكرات عبد الحميد الجهني الحدادي أنه لا يعترف إلا بشفاعة الملائكة في المصلين فقط، ويرى أن أحاديث الشفاعة ما عدا هذا من المتشابه، ويشاركه في هذا الاعتقاد أبو عاصم الغامدي وغيره من الحدادية. ([7]) والصواب: "لا تبلغها". ([8]) رواه البخاري في "التوحيد" حديث (7510)، ومسلم في كتاب الإيمان حديث (193/326)، وأحمد في "مسنده" (3/116)، وأبو عوانة (1/183-184)، وابن منده (ص820-822)، والضياء في "المختارة" (2345)، وابن خزيمة في "التوحيد" (2/710-711).
  12. تحذير أهل السنة السلفيين من مجالسة ومخالطة أهل الأهواء المبتدعين

    بسم الله الرحمن الرحيم تحذير أهل السنة السلفيين من مجالسة ومخالطة أهل الأهواء المبتدعين الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. فيجب على المسلم التمسك بالكتاب والسنة والعض عليهما بالنواجذ. واجتناب البدع وما يوقعه في البدعة مثل: مخالطة أهل البدع ومجالستهم وموادتهم. قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22]. وقال تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) [هود: 113]. وهناك عدد من النصوص النبوية تتضمن التحذير من مجالسة أهل البدع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب». أخرجه البخاري حديث (6168) ، ومسلم حديث (2640). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله». أخرجه الإمام أحمد حديث (8028)، وأبو داود حديث (4833)، والترمذي حديث(2378). جــ- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». أخرجه البخاري حديث (3336)، ومسلم حديث (2638). د- وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة". متفق عليه. أخرجه البخاري في "صحيحه" حديث (5534)، ومسلم في "صحيحه" حديث (2628). الإجماع على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم: قال الإمام البغوي في "شرح السنة" (1/227)–خلال تعليقه على قصة كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية –رضي الله عنهم-: " وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم". وهذه جملة من أقوال عدد من العلماء إضافة إلى ما سبق ذكره من النصوص النبوية وإجماع الصحابة والسلف الصالح-رضي الله عنهم-: أولا: ذكر أبو حاتم ابن حبان رحمه الله تحت باب (ذكر الحث على صحبة الأخيار والزجر عَن عشرة الأشرار) عند حديث (مثل الجليس الصالح والجليس السوء...) ثم قال: (العاقل يلزم صحبة الأخيار ويفارق صحبة الأشرار لأن مودة الأخيار سريع اتصالها بطيء انقطاعها ومودة الأشرار سريع انقطاعها بطيء اتصالها وصحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار ومن خادن الأشرار لم يسلم من الدخول في جملتهم. فالواجب على العاقل أن يجتنب أهل الريب لئلا يكون مريبا فكما أن صحبة الأخيار تورث الخير كذلك صحبة الأشرار تورث الشر) وقال:(العاقل لا يدنس عرضه ولا يعود نفسه أسباب الشر بلزوم صحبة الأشرار ولا يغضي عَن صيانة عرضه ورياضة نفسه بصحبة الأخيار على أن الناس عند الخبرة يتبين منهم أشياء ضد الظاهر منها) وقال أيضاً: (العاقل لا يصاحب الأشرار لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار تعقب الضغائن لا يستقيم وده ولا يفي بعهده وإن من سعادة المرء خصالا أربعا أن تكون زوجته موافقة وولده أبرارا وإخوانه صالحين وأن يكون رزقه في بلده وكل جليس لا يستفيد المرء منه خيرا تكون مجالسة الكلب خيرا من عشرته ومن يصحب صاحب السوء لا يسلم كما أن من يدخل مداخل السوء يتهم).اهــ من روضة العقلاء(ص:99-103). ثانيًا: ذَكَرَ الإمام الحافظ أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان بن بطة المتوفى (387هـ) في كتابه "الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة" في "باب التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان" نصوصاً كثيرة جدا من رقم (359) إلى (524)، اخترتُ منها النصوص الآتية: قال –رحمه الله-: 369 – "حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى , قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ , عَنْ أَيُّوبَ , عَنْ أَبِي قِلَابَةَ , قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: وَحَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْخَرَّازُ, قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ, عَنْ أَيُّوبَ, عَنْ أَبِي قِلَابَةَ, قَالَ: لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ , فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمِسُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ , أَوْ يَلْبِسُوا عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا تَعْرِفُونَ". وقال –رحمه الله-: 371- " حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُسْرِيِّ التَّمِيمِيُّ بْنُ أَبِي حَازِمٍ الْكُوفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غِيَاثٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ , عَنْ عَمْرِو ابْنِ قَيْسٍ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ: لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ زَيْغٍ , فَيُزِيغَ قَلْبَكَ". وقال –رحمه الله-: 376- "أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو بَكْرٍ الْفِرْيَابِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَقِيٍّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحِمْصِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ , عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ , عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ , فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ". وقال –رحمه الله: 378- " حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ , قَالَ: حَدَّثَتُ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ , قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ , عَنْ حَبِيبٍ , عَنْ أَبِي الزَّرْقَاءِ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ , فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ". وقال –رحمه الله-: 395- " حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ: لَا تُجَالِسْ صَاحِبَ زَيْغٍ فَيُزِيغُ قَلْبُكَ". وقال –رحمه الله-: 400- "حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا زَائِدَةُ , عَنْ هِشَامٍ , قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدٌ يَقُولَانِ: لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ , وَلَا تُجَادِلُوهُمْ , وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ". وقال –رحمه الله-: 403- "حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَطَّارُ قَالَ: أَمْلَا عَلَيْنَا يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ , قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي أَسْمَاءَ تُحَدِّثُ قَالَتْ: دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِن أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ قَالَ: لَا, قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَالَ: لَا , لِتَقُومَانِ عَنِّي, أَوْ لَأَقُومَنَّ". وقال –رحمه الله-: 407- " أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ , أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ قَالَ لِأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَةٍ، قَالَ أَيُّوبُ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِإِصْبَعَيْهِ: وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ , وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ". وقال –رحمه الله-: 426- " أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ , يَقُولُ لَمَّا قَدِمَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْبَصْرَةَ: جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى أَمْرِ الرَّبِيعِ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ , وَقَدْرَهُ عِنْدَ النَّاسِ , سَأَلَ: أَيُّ شَيْءٍ مَذْهَبُهُ؟ قَالُوا: مَا مَذْهَبُهُ إِلَّا السُّنَّةُ قَالَ: مَنْ بِطَانَتُهُ؟ قَالُوا: أَهْلُ الْقَدَرِ قَالَ: هُوَ قَدَرِيٌّ. قَالَ الشَّيْخُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , لَقَدْ نَطَقَ بِالْحِكْمَةِ, فَصَدَقَ, وَقَالَ بِعِلْمٍ فَوَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ, وَمَا تُوجِبُهُ الْحِكْمَةُ وَيُدْرِكُهُ الْعِيَانُ وَيَعْرِفُهُ أَهْلُ الْبَصِيرَةِ وَالْبَيَانِ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}" [آل عمران: 118]. وقال –رحمه الله-: 434- "حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّقَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَيَّاطُ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ الصَّائِغُ , مَرْدَوَيْهِ قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ ابْنَ عِيَاضٍ, يَقُولُ: الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ, فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ, وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ, وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ سُنَّةٍ يُمَالِي صَاحِبَ بِدْعَةٍ إِلَّا مِنَ النِّفَاقِ. قَالَ الشَّيْخُ: صَدَقَ الْفُضَيْلُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ , فَإِنَّا نَرَى ذَلِكَ عِيَانًا". وقال –رحمه الله-: 435- "أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْقَصَبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحُبُلِيُّ, قَالَ: قِيلَ لِلْأَوْزَاعِيِّ: إِنَّ رَجُلًا يَقُولُ: أَنَا أُجَالِسُ أَهْلَ السُّنَّةِ , وَأُجَالِسُ أَهْلَ الْبِدَعِ , فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هَذَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَالَ الشَّيْخُ: صَدَقَ الْأَوْزَاعِيُّ , أَقُولُ: إِنَّ هَذَا رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ , وَلَا الْكُفْرَ مِنَ الْإِيمَانِ , وَفِي مِثْلِ هَذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ , وَوَرَدَتِ السُّنَّةُ عَنِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ}" [البقرة: 14]. وقال –رحمه الله-: 441- "حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْحَضْرَمِيُّ , قَالَ: حَدَّثَنَا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الْأَشْعَبِيَّ , يَسْأَلُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ , فَحَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ , قَالَ: قَالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ: لَا تُمَكِّنُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ مِنْ سَمْعِكَ فَيَصُبُّ , فِيهَا مَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ قَلْبِكَ". وقال –رحمه الله-: 457- "حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّوَّافُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ الصَّايِغُ , قَالَ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيلَ الطُّوسِيَّ , قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَكُونُ مَجْلِسُكَ مَعَ الْمَسَاكِينِ , وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ". فهؤلاء ثلاثة عشر عالما من مجموع: مائة وخمسة وستين عالما من علماء السنة كلهم يحذرون من مجالسة ومخالطة أهل البدع؛ بناء على النصوص النبوية التي اشتملت على التحذير من مخالطة ومودة أهل البدع والأهواء. وبناء على خبرتهم ومعرفتهم بتأثير أهل البدع في من يجالسهم. ثالثًا: قال الخطابي رحمه الله في شرح سنن أبي داود عند شرحه لقوله ﷺ ( لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)([1]): (وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته فإن المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب يقول لا تؤالف من ليس من أهل التقوى والورع ولا تتخذه جليساً تطاعمه وتنادمه).اهــ معالم السنن ط/حلب (4/ 115). وقال في شرح حديث (الأرواح جنود مجندة): (يقول صلى الله عليه وسلم إن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما جعلت عليه من التشاكل أو التنافر في بدء الخلقة ولذلك ترى البَر الخير يحب شكله ويحن إلى قربه وينفر عن ضده، وكذلك الرَّهِق الفاجر يألف شِكله ويستحسن فعله وينحرف عن ضده).اهــ معالم السنن (4/ 115). رابعًا: وأورد الإمام أَبُو الْقَاسِم هِبَة اللَّهِ بْن الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ اللالكائي في كتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" نصوصاً كثيرة، عن كثير من علماء السنة، من رقم (231) إلى (313). منها قوله –رحمه الله-: 231 – "أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ, قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ, قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ ابْنُ مُوسَى , حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ, عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ , قَالَ: «لَأَنْ يُجَاوِرَنِي قِرَدَةٌ وَخَنَازِيرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُجَاوِرَنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ». -يَعْنِي أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ-". وقال -رحمه الله-: 239- "أخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَكْرٍ , قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ , قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ , قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ , قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ الْعَجْلَانِ , قَالَ: «أَدْرَكْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ , وَابْنَ الْمُسَيِّبِ , وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ , وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , وَالشَّعْبِيَّ , وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ , وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ , وَطَاوُسًا , وَمُجَاهِدًا , وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ , وَالزُّهْرِيَّ , وَمَكْحُولًا , وَالْقَاسِمَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَعَطَاءً الْخُرَاسَانِيَّ , وَثَابِتًا الْبُنَانِيَّ , وَالْحَكَمَ بْنَ عُتْبَةَ , وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ , وَحَمَّادًا, وَمُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ , وَأَبَا عَامِرٍ» , - وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - , وَيَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ , وَسُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى , كُلُّهُمْ يَأْمُرُونَنِي فِي الْجَمَاعَةِ , وَيَنْهَوْنَنِي عَنْ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ ". قَالَ بَقِيَّةُ: " ثُمَّ بَكَى وَقَالَ: «يَا ابْنَ أَخِي , مَا مِنْ عَمَلٍ أَرْجَى وَلَا أَوْثَقُ مِنْ مَشْيٍ إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ» . يَعْنِي مَسْجِدَ الْبَابِ". فهؤلاء اثنان وعشرون عالما من جملة: اثنين وثمانين عالما ساقهم الإمام اللالكائي لبيان منهج السلف ومواقفهم من أهل البدع والأهواء. خامسًا: وقال النووي رحمه الله تحت الحديث السابق -وهو قوله صلى الله عليه وسلم (مثل الجليس الصالح...)-: "وَفِيهِ فَضِيلَةُ مُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَالْمُرُوءَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْوَرَعِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ وَالنَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الشَّرِّ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَمَنْ يَغْتَابُ النَّاسَ أَوْ يَكْثُرُ فُجْرُهُ وَبَطَالَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأَنْوَاعِ الْمَذْمُومَةِ".اهــ شرح النووي على مسلم (16/ 178). سادسًا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما الرافضي فلا يعاشر أحدا إلا استعمل معه النفاق، فإن دينه الذي في قلبه دين فاسد، يحمله على الكذب والخيانة، وغش الناس، وإرادة السوء بهم، فهو لا يألوهم خبالا، ولا يترك شرا يقدر عليه إلا فعله بهم، وهو ممقوت عند من لا يعرفه، وإن لم يعرف أنه رافضي تظهر على وجهه سيما النفاق وفي لحن القول، ولهذا تجده ينافق ضعفاء الناس ومن لا حاجة به إليه، لما في قلبه من النفاق الذي يضعف قلبه. والمؤمن معه عزة الإيمان ، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. ثم هم يدّعون([2]) الإيمان دون الناس، والذلة فيهم أكثر منها في سائر الطوائف من المسلمين. وقد قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [سورة غافر: 51] . وهم أبعد طوائف أهل الإسلام عن النصرة، وأولاهم بالخذلان. فعلم أنهم أقرب طوائف [أهل] الإسلام إلى النفاق، وأبعدهم عن الإيمان. وآية ذلك أن المنافقين حقيقة، الذين ليس فيهم إيمان من الملاحدة، يميلون إلى الرافضة، والرافضة تميل إليهم أكثر من سائر الطوائف. وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: اعتبروا الناس بأخدانهم. فعلم أن بين أرواح الرافضة وأرواح المنافقين اتفاقا محضا: قدرا مشتركا وتشابها، وهذا لما في الرافضة من النفاق، فإن النفاق شعب. كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه شعبة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» اهـ من منهاج السنة (6/ 425-427). وقال رحمه الله: فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا تجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على مراد الله ويدل على ذلك الحديث الذي في السنن: (لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي)([3])، وفيها: (المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل)(1).اهـ من مجموع الفتاوى (15/327). سابعًا: وقال الشاطبي-رحمه الله-بعد أن ذكر آثارا في التحذير من أهل البدع-: وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ; قَالَ: " إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ; فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ ". وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ ; قَالَ: " لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ; فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَغْمُرُوكُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ، وَيُلَبِّسُوا عَلَيْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ". وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ ; قَالَ: " لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الْأَهْوَاءِ، وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ; فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَرْتَدَّ قُلُوبُكُمْ "، وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَيُعَضِّدُهَا مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ». وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ مُنَبَّهٌ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَبِي قِلَابَةَ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الْمَرْءُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ السُّنَّةِ، فَيُلْقِي لَهُ صَاحِبُ الْهَوَى فِيهِ هَوًى مِمَّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لَا أَصْلَ لَهُ، أَوْ يَزِيدُ لَهُ فِيهِ قَيْدًا مِنْ رَأْيِهِ، فَيَقْبَلُهُ قَلْبُهُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ يَعْرِفُهُ; وَجَدَهُ مُظْلِمًا; فَإِمَّا أَنْ يَشْعُرَ بِهِ; فَيَرُدَّهُ بِالْعِلْمِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَشْعُرَ بِهِ; فَيَمْضِيَ مَعَ مَنْ هَلَكَ. اهــ من الاعتصام للشاطبي ت الهلالي (1/ 172-173) ثامنًا: وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وَفِي الْحَدِيثِ([4])النَّهْيُ عَنْ مُجَالَسَةِ مَنْ يُتَأَذَّى بِمُجَالَسَتِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالتَّرْغِيبُ فِي مُجَالَسَةِ مِنْ يُنْتَفَعُ بِمُجَالَسَتِهِ فِيهِمَا).اهـ فتح الباري لابن حجر (4/ 324). تاسعًا: وقال الصنعاني رحمه الله خلال شرحه لهذا الحديث: (قوله: (أو تجد منه ريحاً خبيثاً) كذلك جليس السوء إما أن يصيب من دينك ويحرقك بناره أو يجلب لك كرباً وضيقاً وهو حث على البعد من جليس السوء والقرب من الجليس الصالح. قال علي -عليه السلام([5])-: "لا تصحب الفاجر فإنه يزين لك فعله ويود أنك مثله" ويقال: "وإياك ومجالسة الأشرار فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري).اهــ التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 521). عاشرًا: وقال العظيم أبادي رحمه الله: (وَفِي الْحَدِيث([6]) إِرْشَاد إِلَى الرَّغْبَة فِي صُحْبَة الصُّلَحَاء وَالْعُلَمَاء وَمُجَالَسَتهمْ فَإِنَّهَا تَنْفَع فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ، وَإِلَى الِاجْتِنَاب عَنْ صُحْبَة الْأَشْرَار وَالْفُسَّاق فَإِنَّهَا تَضُرّ دِينًا وَدُنْيَا).اهــ عون المعبود (13/ 178) وقال العظيم آبادي رحمه الله: (الْأَرْوَاحُ) أَيْ: أَرْوَاحُ الْإِنْسَانِ (جُنُودٌ) جَمْعُ جُنْدٍ أَيْ جُمُوعٌ (مُجَنَّدَةٌ) بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ مُجْتَمِعَةٌ مُتَقَابِلَةٌ أَوْ مُخْتَلِطَةٌ مِنْهَا حِزْبُ اللَّهِ وَمِنْهَا حِزْبُ الشَّيْطَانِ (فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا) التَّعَارُفُ جَرَيَانُ الْمَعْرِفَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَالتَّنَاكُرُ ضِدُّهُ أَيْ فَمَا تَعَرَّفَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِ قَبْلَ حُلُولِهَا فِي الْأَبْدَانِ (ائْتَلَفَ) أَيْ: حَصَلَ بَيْنَهُمَا الْأُلْفَةُ وَالرَّأْفَةُ حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا بِالْأَجْسَادِ فِي الدُّنْيَا (وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا) أَيْ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ (اخْتَلَفَ) أَيْ: فِي عَالِمِ الْأَشْبَاحِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى قَوْلِهِ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ جُمُوعٌ مُجْتَمِعَةٌ أَوْ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ. وَأَمَّا تَعَارُفُهَا فَهُوَ لِأَمْرٍ جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَقِيلَ إِنَّهَا مُوَافِقَةٌ صِفَاتَهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا وَتُنَاسِبُهَا فِي شِيَمِهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مُجْتَمَعَةً ثُمَّ فُرِّقَتْ فِي أَجْسَادِهَا فَمَنْ وَافَقَ بِشِيَمِهِ أَلِفَهُ وَمَنْ بَاعَدَهُ نَافَرَهُ وَخَالَفَهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ تَآلُفُهَا هُوَ مَا خَلَقَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعَادَةِ أَوِ الشَّقَاوَةِ فِي الْمُبْتَدَأِ وَكَانَتِ الْأَرْوَاحُ قِسْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فَإِذَا تَلَاقَتِ الْأَجْسَادُ فِي الدُّنْيَا ائْتَلَفَتْ وَاخْتَلَفَتْ بِحَسَبِ مَا خُلِقَتْ عَلَيْهِ فَيَمِيلُ الْأَخْيَارُ إِلَى الْأَخْيَارِ وَالْأَشْرَارُ إِلَى الْأَشْرَارِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. اهـ من عون المعبود (9/ 2117). أقول: فنحن نحذر الشباب السلفي من مخالطة أهل الأهواء، والاستئناس بهم([7])، والركون إليهم، فليعتبروا بمن سلف ممن كان يغتر بنفسه ويرى نفسه أنه سيهدي أهل الضلال، ويردهم عن زيغهم وضلالهم؛ وإذا به يترنح ويتخبط ثم يصرع في أحضان أهل البدع. وقد مضت تجارب من فجر تاريخ الإسلام، فأُناس من أبناء الصحابة لما ركنوا إلى ابن سبأ؛ وقعوا في الضلال. وأناس من أبناء الصحابة والتابعين لما ركنوا إلى المختار بن أبي عبيد؛ وقعوا في الضلال. وأناس في هذا العصر ركنوا إلى كثير من الدعاة السياسيين الضالين ومن رؤوس البدع؛ فوقعوا في حبائل أهل الضلال. كثيرون هم وكثيرون جداً، ولكن نذكر منهم قصة عمران بن حطان، كان من أهل السنة وهوى امرأة من الخوارج، فأراد أن يتزوجها ويهديها إلى السنة، فتزوجها؛ فأوقعته في البدعة، وكان يريد أن يهديها فضل بسببها. وكثير من المنتسبين إلى المنهج السلفي يقول: أنا أدخل مع أهل الأهواء لأهديهم فيقع في حبائلهم. عبد الرحمن بن ملجم، وعمران بن حطان، كلاهما كان ينتمي إلى السنة ثم وقعا في الضلال، وأدى بعبد الرحمن بن ملجم فجوره إلى أن قتل علياً، وأدى بعمران بن حطان فجوره إلى أن مدح هذا القاتل -نسأل الله العافية- قال: يا ضـربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إني لأذكـره حينـاً فأحسبــــــــــه أوفى البرية عند الله ميـــزانـــــــــــــــــــا أكرم بقوم بطون الطير أقبُرُهم لم يخلطـوا دينهم بغياً وعدوانا إلى آخر أبيات رديئة قالها في مدح هذا المجرم، بارك الله فيكم. وحصل لعبد الرزاق من أئمة الحديث أن انخدع بعبادة وزهد جعفر بن سليمان الضبعي، وأنِسَ إليه؛ فوقع في حبائل التشيع. وانخدع أبو ذر الهروي -راوي الصحيح برواياتٍ، وكان من أعلام الحديث- انخدع بكلمة قالها الدارقطني في مدح الباقلاني؛ فجَرَّته هذه الكلمة في مدح الباقلاني إلى أن وقع في حبائل الأشاعرة، وصار داعية من دعاة الأشعرية؛ وانتشر بسببه المذهب الأشعري في المغرب العربي، فأهل المغرب يأنسون إليه، ويأتونه ويزورونه، ويبث فيهم منهج الأشعري، وهم قبله لا يعرفون إلا المنهج السلفي؛ فسن لهم سنة سيئة، نسأل الله العافية. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئاً ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزارهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً" فنسأل الله العافية. والبيهقي انخدع ببعض أهل الضلال، كابن فورك وأمثاله، وكان من أعلام الحديث فوقع في الأشعرية. قد يكون هناك جاهل يثق بنفسه، ويغتر بها، وليس عنده علم يحميه؛ فهذا أولى مئات المرات بالوقوع في البدعة من هؤلاء. وفي هذا العصر أمثلة كثيرة ممن عرفناهم كانوا على المنهج السلفي؛ ولما اختلطوا بأهل البدع ضلوا؛ لأن أهل البدع الآن لهم أساليب، ولهم نشاطات، ولهم طرق - يمكن ما كان يعرفها الشياطين في الوقت الماضي- فعرفوا الآن هذه الأساليب وهذه الطرق وكيف يخدعون الناس، فمن أساليب أهل الأهواء المعاصرين: أنك تقرأ وتأخذ الحق وتترك الباطل، كثير من الشباب لا يعرف الحق من الباطل، ولا يميز بين الحق والباطل، فيقع في الباطل يرى أنه حق، ويرفض الحق يرى أنه باطل، وتنقلب عليه الأمور، وكما قال حذيفة رضي الله عنه: "إن الضلالة كل الضلالة أن تنكر ما كنت تعرف، وتعرف ما كنت تنكر". فترى هذا سائراً في الميدان السلفي والمضمار السلفي ما شاء الله ما تحس إلا وقد استدار المسكين، فإذا به حرب على أهل السنة، وأصبح المنكر عنده معروفاً، والمعروف عنده منكراً، وهذه هي الضلالة كل الضلالة، فنحن نحذر الشباب السلفي من الاغترار بأهل البدع والركون إليهم. كتبه ربيع بن هادي المدخلي 13 صفر عام 1438 ---- ([1]) أخرجه الترمذي برقم (2395)، وأبو داود برقم (4832)، وابن حبان برقم (554، 560) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وانظر صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني برقم (7341). ([2]) يعني الرافضة. ([3]) تقدم تخريجه. ([4]) يشير إلى حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء...) الحديث. ([5]) كذا، والأَولى أن يقال: رضي الله عنه. ([6]) يريد حديث: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء...) الحديث. ([7]) نقلت هذا النص من مقال لي سابق عنوانه: (الموقف الصحيح من أهل البدع).
  13. استهداف الروافض الحوثيين مكة المكرمة بصاروخ باليستي إنما هو امتداد لأعمال أسلافهم القرامطة الباطنية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد، فقد علم المسلمون ما عند الروافض من الضلالات الكبرى التي لا يأتي عليها العدُّ. ومنها تكفيرهم للصحابة -رضي الله عنهم- والمسلمين، وغلوهم في أهل البيت الكرام برأهم الله من الروافض وغلوهم. ومن هذا الغلو قولهم في الأئمة أنهم يعلمون الغيب وأنهم يتصرفون في كلِّ ذرة من ذرات الكون!، فما أبقى الروافض لله في هذا الكون؟!، وكم لهم من الكفريات في هذا الباب!. وفي هذه الأيام العصيبة التي أثار فيها الروافض الحروب المدمرة في بلدان المسلمين كاليمن والشام يستحلون دماء مئات الآلاف منهم، ويفسدون أبناءهم فيحولونهم إلى روافض يشاركونهم في عقائدهم الكفرية وفي سفك دماء أهاليهم. ولم يكتفوا بهذه الفظائع؛ فتحرك حقدهم الدفين ليدفعهم إلى توجيه صاروخ (باليستي) إلى مكة المكرمة انتهاكاً منهم لحرمات الله التي لا يؤمنون بها، ولا يقيمون لها وزناً. قال تعالى في مثل عملهم هذا: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25]. وقد سبقهم أسلافهم القرامطة إلى مثل هذا الإلحاد فقتلوا المئات من الحجاج في حرم الله وبيته العتيق، وأخذوا الحجر الأسود وجعلوه في كعبتهم في دار إلحادهم هَجَر (الأحساء). فهذا العمل من الحوثيين الروافض إنما هو تجديد وتجسيد لما يكنه ويحلم به أسلافهم وساداتهم القرامطة. قال حسين الموسوي في كتابه لله ثم للتاريخ، ص91-92 -وهو يتحدث عن زيارته للخميني-: " وفي جلسة خاصة مع الإمام قال لي: سيد حسين آن الأوان لتنفيذ وصايا الأئمة صلوات الله عليهم، سنسفك دماء النواصب ونقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم، ولن نترك أحداً منهم يفلت من العقاب، وستكون أموالهم خالصة لشيعة أهل البيت، وسنمحو مكة والمدينة من وجه الأرض؛ لأن هاتين المدينتين صارتا معقل الوهابيين، ولا بد أن تكون كربلاء أرض الله المباركة المقدسة، قبلة للناس في الصلاة، وسنحقق بذلك حلم الأئمة عليهم السلام، لقد قامت دولتنا التي جاهدنا سنوات طويلة من أجل إقامتها، وما بقي إلا التنفيذ!!". أقول: فلا يستبعد أن يكون الحوثيون قد انطلقوا في فتنتهم الكبرى في اليمن وضد مكة والمملكة العربية السعودية من المذهب الخبيث الذي نسبه الخميني الرافضي إلى أهل البيت برأهم الله منه ونزههم عنه، ويكون انطلاق الحوثيين لتحقيق أحلامهم الباطنية في هدم مكة والمدينة، وتحويل القبلة إلى كربلاء الوثنية والتي يصفها الخميني كذباً وفجوراً بالمقدسة، في الوقت الذي لا تسمح له نفسه الباطنية بإطلاق هذا الوصف (المقدسة) على مكة والمدينة. خيَّب الله آمال الروافض الزنادقة، وحمى بلاد الحرمين من إجرامهم، ونصر الإسلام والمسلمين عليهم، ودمر الله دولتهم كما دمَّر دولة أسلافهم القرامطة الباطنية. إنه سميع الدعاء. كتبه/ ربيع بن هادي عمير المدخلي 30/1/1438ه للتحميل ملف PDF
  14. بيان بطلان دعاوى أهل مؤتمر الشيشان

    بيان بطلان دعاوى أهل مؤتمر الشيشان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. أما بعد: فإني قد اطلعتُ على بعض ما جرى في مؤتمر الشيشان الذي عنوانه: "من هم أهل السنة". والذي عُقِد في الشيشان، وحضره عدد كبير من أنحاء العالم من الأشاعرة والظاهرية والماتريدية، بتأريخ الحادي والعشرين من ذي القعدة عام 1437هـ. سأناقش أهم ما ورد من أقوالهم في هذا المؤتمر. 1-قالوا في (ص1): "...وفي ظل محاولات اختطاف لقب (أهل السنة والجماعة) الشريف من قبل طوائف من خوارج العصر والمارقين الذين تُسْتَغل ممارساتهم الخاطئة لتشويه صورة الدين الإسلامي، انعقد المؤتمر العالمي لعلماء المسلمين إحياء لذكرى الشيخ الشهيد الرئيس أحمد حاج قديروف رحمه الله تحت عنوان: (من هم أهل السنة والجماعة؟! بيان وتوصيف لمنهج أهل السنة والجماعة اعتقادا وفقها وسلوكاً، وأثر الانحراف عنه على الواقع)، برعاية كريمة من فخامة الرئيس رمضان أحمد قديروف حفظه الله، وحضور رفيع لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، والمفتين، وأكثر من مئتي عالم من علماء المسلمين، من أنحاء العالم". أقول: نعم، هناك طوائف اختطفت هذا اللقب الشريف؛ لقب (أهل السنة والجماعة)، من خوارج العصر وغيرهم، ومنهم الأشاعرة الذين خالفوا أهل السنة من قرون في عقائدهم ومناهجهم، بل خالفوا الإمام أبا الحسن الأشعري الذي يلتصقون به وبأهل السنة، ويشاركهم الماتريدية في هذا الاختطاف. وهذه عقيدة أهل السنة التي أوردها أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين" (290-297)، أسوقها للقراء الكرام، ولأهل هذا المؤتمر. قال -رحمه الله-: "هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة. جملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئاً، وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولداً وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله سبحانه على عرشه كما قال: (الرحمن على العرش استوى) ([1]) وأن له يدين بلا كيف كما قال: خلقت بيدي وكما قال: بل يداه مبسوطتان وأن له عينين بلا كيف كما قال: تجري بأعيننا وأن له وجهاً كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام). وأن أسماء الله لا يقال أنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن الله سبحانه علماً كما قال: (أنزله بعلمه) وكما قال: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه). وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وأثبتوا لله القوة كما قال: (أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة). وقالوا أنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله كما قال عز وجل: (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله) وكما قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون. وقالوا أن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم الله أو أن يفعل شيئاً علم الله أنه لا يفعله. وأقروا أنه لا خالق إلا الله وأن سيئات العباد يخلقها الله وأن أعمال العباد يخلقها الله عز وجل وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً. وأن الله سبحانه وفق المؤمنين لطاعته وخذل الكافرين ولطف بالمؤمنين ونظر لهم وأصلحهم وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين. وأن الله سبحانه يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن لا يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم. وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره ويؤمنون بقضاء الله وقدره خيره وشره حلوه ومره ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله كما قال، ويلجئون أمرهم إلى الله سبحانه ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت والفقر إلى الله في كل حال. ويقولون أن القرآن كلام الله غير مخلوق([2]) والكلام في الوقف واللفظ من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق. ويقولون أن الله سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون قال الله عز وجل: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وأن موسى عليه السلام سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا وأن الله سبحانه تجلى للجبل فجعله دكاً فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة. ولا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر، والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم. والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله على ما جاء في الحديث والإسلام عندهم غير الإيمان. ويقرون بأنه الله سبحانه مقلب القلوب. ويقرون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها لأهل الكبائر من أمته وبعذاب القبر، وأن الحوض حق والصراط حق والبعث بعد الموت حق والمحاسبة من الله عز وجل للعباد حق والوقوف بين يدي الله حق. ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص([3]) ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، ويقولون: أسماء الله هي الله([4])، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله سبحانه ينزلهم حيث شاء، ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. ويؤمنون بأن الله سبحانه يخرج قوماً من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة في القدر والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقولون كيف ولا لم لأن ذلك بدعة. ويقولون أن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه وأمر بالخير ولم يرض بالشر وإن كان مريداً له. ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم، ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علياً رضوان الله عليهم ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر كما جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ([5]) ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال الله عز وجل: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ويرون اتباع من سلف من أيمة الدين وأن لا يبتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله. ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة كما قال: وجاء ربك والملك صفاً صفاً، وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد. ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كل إمام بر وفاجر. ويثبتون المسح على الخفين سنة ويرونه في الحضر والسفر. ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصابة تقاتل الدجال وبعد ذلك. ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف وأن لا يقاتلوا في الفتنة ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى بن مريم يقتله. ويؤمنون بمنكر ونكير والمعراج والرؤيا في المنام وأن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم. ويصدقون بأن في الدنيا سحرة وأن الساحر كافر كما قال الله وأن السحر كائن موجود في الدنيا. ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وموارثتهم. ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان. وأن من مات مات بأجله وكذلك من قتل قتل بأجله. وأن الأرزاق من قبل الله سبحانه يرزقها عباده حلالاً كانت أم حراماً. وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه. وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله بآيات تظهر عليهم. وأن السنة لا تنسخ بالقرآن. وأن الأطفال أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد. وأن الله عالم بالعباد عاملون وكتب أن ذلك يكون وأن الأمور بيد الله ويرون الصبر على حكم الله والأخذ بما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه وإخلاص العمل والنصيحة للمسلمين. ويدينون بعبادة الله في العابدين والنصيحة لجماعة المسلمين واجتناب الكبائر والزنا وقول الزور والعصبية والفخر والكبر والإزراء على الناس والعجب. ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه مع التواضع والاستكانة وحسن الخلق وبذل المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والسعاية وتفقد المأكل والمشرب. فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه. وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير". وقرر هذا الإمام عقيدة أهل السنة في كتابه "الإبانة". وإني لأرجو الله أن يوفق هؤلاء المؤتمرين من أنحاء العالم إلى الرجوع إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، وعلى رأسهم الصحابة الكرام وأئمة الإسلام؛ لأن هذه العقيدة انطلقت من نصوص واضحة وجلية من كتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم-. 2- وقالوا في (ص1): "وقد خَلُص المؤتمر إلى الآتي: "اعتماد كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وثيقة أساسية للمؤتمر. أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية في الاعتقاد، وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه، وأهل التصوف الصافي علماً وأخلاقاً وتزكيةً على مسلك الإمام الجنيد وأمثاله من أئمة الهدى. وهو المنهج الذي يحترم دوائر العلوم الخادمة للوحي، ويكشف بحق عن معالم هذا الدين ومقاصده في حفظ الأنفس والعقول، وحفظ الدين من تحريفه والعبث به، وحفظ الأموال والأعراض، وحفظ منظومة الأخلاق الرفيعة". أقول: إن قولكم : "اعتماد كلمة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وثيقة أساسية للمؤتمر". يلزمكم بالأخذ بما قرره أبو الحسن الأشعري في كتاب "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" . فقد أثنى شيخ الأزهر على الإمام أبي الحسن الأشعري. ونص على كتابه "مقالات الإسلاميين". وقد أوردتُ نصَّ كلام هذا الإمام –أي: الأشعري- في أول هذا المقال فتذكر ذلك. ومما نُقل عن شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب قول المتحدث عن مؤتمر الشيشان: "ولفت الإمام الأكبر إلى أن مفهوم "أهل السُّنَّة والجماعة" الذي كان يدور عليه أمرُ الأمَّة الإسلامية قرونًا متطاولة - نازعته في الآونة الأخيرة دعاوى وأهواء، لَبِسَتْ عِمَامَتَهُ شكلًا، وخرجت على أصوله وقواعده وسماحته موضوعًا وعملًا، حتى صار مفهومًا مضطربًا، شديد الاضطراب عند عامة المسلمين، بل عند خاصتهم ممن يتصدرون الدعوة إلى الله، لا يكادُ يبِينُ بعضٌ من معالِمِه حتى تَنْبَهِم قوادِمه وخَوَافِيهِ، وحتى يُصبِحَ نَهْبًا تتخطَّفُه دعواتٌ ونِحَلٌ وأهواء، كلُّها ترفع لافتة مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وتزعم أنها وحدَها المتحدث الرسمي باسمه.. وكانت النتيجة التي لا مفرَّ منها أنْ تمزق شمل المسلمين بتمزق هذا المفهوم وتشتُّتِه في أذهان عامتهم وخاصتهم، مِمَّن تصدَّروا أمر الدعوة والتعليم، حتى صار التشدُّد والتطرُّف والإرهاب وجرائم القتل وسَفك الدِّماء". أقول: 1-إن شيخ الأزهر يريد بأهل السنة والجماعة الأشعرية والماتريدية والصوفية ومن سار على نهجهم. والذي يعرف الكتاب والسنة اللذين أمر الله المختلفين أن يحتكموا إليهما ، فقال عزّ وجل: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). يعرف أن الحق في كل مواطن الاختلاف العقائدية والمنهجية إنما هو مع الطائفة المنصورة، التي نصَّ عليها رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، حيث قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". جاء بهذا أحاديث متواترة. هذه الطائفة الكريمة إنما هم أهل الحديث، ومن التزم منهجهم وعضَّ عليه بالنواجذ. والأشعرية والماتريدية ليسوا منهم، بل هما ضد أهل الحديث. فالأشعرية في واد، ومنهج وعقيدة أهل الحديث القائمان على الكتاب والسنة في واد آخر. وهاك شهادات عدد من كبار أئمة السنة من جملة خمسة وأربعين عالماً من فحول أئمة السنة([6]) أن الطائفة المنصورة والفرقة الناجية هم أهل الحديث، وعلى رأسهم: 1- الإمام عبد الله بن المبارك الثقة الجواد الثبت المجاهد الذي حاز خصال الخير، (ت181هـ). 2-والإمام الجليل يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي الثقة المتقن العابد، (ت206هـ). 3-الإمام الجليل علي بن عبد الله بن جعفر المديني الثقة الثبت أعلم أهل عصره بالحديث و علله، (ت234هـ) 4-ومنهم إمام أهل السنة الصابر المجاهد الثقة الحافظ الحجة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، (ت241هـ). 5-ومنهم جبل الحفظ وإمام الدنيا الثقة أمير المؤمنين في الحديث محمّد بن إسماعيل البخاري، (ت256هـ) 6-ومنهم الإمام الثقة الحافظ أبو جعفر أحمد بن سنان الواسطي، (ت259هـ). 7-الإمام الجليل الثقة الحافظ أحد الأئمة محمّد بن عيسى بن سَوْرَة السلمي الترمذي صاحب (الجامع)، (ت279هـ). كلهم فسروا قول النبي –صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتواتر: " لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ لا يضرُّهم مَن خذلهم ولا مَن ناوأهم (وفي رواية : خالفهم) حتَّى تقوم الساعة (وفي لفظ : حتَّى يأتيَ أمرُ الله) وهُم على ذلك): بأن المراد بهذه الطائفة هم أهل الحديث، وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى تقوم الساعة". ولم يخالفهم في ذلك أحد من أئمة الإسلام والفقه والحديث، ولا يخالفهم إلا من لا يُعْتَدُّ بقوله من أهل البدع. وقد وافق هؤلاء الأئمة على قولهم أئمة الحديث والفقه والتوحيد والسنة على امتداد التأريخ إلى يومنا هذا 8-ومنهم الإمام الجليل الفقيه المفسر الثقة محمد بن جرير الطبري، (ت310هـ) 9-ومنهم الحافظ أبوبكر عمرو بن أبي عاصم الضحّاك بن مخلد الشيباني، (ت287هـ)، في كتابه (كتاب السنة). 2- وقوله:([7]) "نازعته في الآونة الأخيرة دعاوى وأهواء، لَبِسَتْ عِمَامَتَهُ شكلًا، وخرجت على أصوله وقواعده وسماحته موضوعًا وعملًا، حتى صار مفهومًا مضطربًا، شديد الاضطراب عند عامة المسلمين، بل عند خاصتهم ممن يتصدرون الدعوة إلى الله، لا يكادُ يبِينُ بعضٌ من معالِمِه حتى تَنْبَهِم قوادِمه وخَوَافِيهِ...الخ أقول: في هذا الكلام نظر. فمنازعة أهل الأهواء لأهل السنة قديمة. ومن ذلك منازعة الأشعرية لأهل السنة في هذا العنوان وما حواه، مع وضوح بعدهم عن أهل السنة وعقائدهم ومنهجهم. يوضح ذلك مخالفتهم الواضحة لأهل السنة، ومنهم أبو الحسن الأشعري الذي صرّح بعقيدة أهل السنة في "المقالات الإسلامية"، وقد تقدّم نقل ما قرره عن عقيدة أهل السنة في هذا البحث، فارجع إليه. فانتساب الأشعرية إلى أهل السنة باطل، وكذا انتسابهم لأبي الحسن الأشعري باطل، فليتقوا الله في أنفسهم وفي أتباعهم، وليرجعوا بجد إلى عقيدة أهل السنة والجماعة الثابتة عنهم ثبوت الجبال. 3- وقوله([8]) عن الجماعات المختلفة: "كلُّها ترفع لافتة مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، وتزعم أنها وحدَها المتحدث الرسمي باسمه". أقول: نعم، إن هذه الدعاوى موجودة فعلاً. ولا تثبت منها إلا دعوى جماعة واحدة وهي دعوى الطائفة المنصورة التي نصَّ عليها رسول الله –صلى الله عليه وسلم-. ويؤيد دعوى هذه الطائفة النبيلة كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وشهادات الأئمة العدول التي أسلفناها، فيحق لهذه الطائفة أن تتحدث باسم أهل السنة والجماعة. ومن أشد الفرق منازعة باطلة لأهل السنة هي الفرقة الأشعرية. فليتقوا الله وليدعوا الدعاوى الباطلة التي يدينها كتاب الله وسنة رسوله ومنهج السلف الصالح. 4-وقوله: "وكانت النتيجة التي لا مفرَّ منها أنْ تمزق شمل المسلمين بتمزق هذا المفهوم وتشتُّتِه في أذهان عامتهم وخاصتهم، مِمَّن تصدَّروا أمر الدعوة والتعليم، حتى صار التشدُّد والتطرُّف والإرهاب وجرائم القتل وسَفك الدِّماء". أقول: إن أهل السنة والجماعة لمن أشد الناس محاربة لهذا التفرق والتمزق، مع دعوتهم الحارة لجميع الفرق الضالة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة. وهم من أشد الناس محاربة لمصادر التطرف والإرهاب الذين هم مصادر جرائم القتل وسفك الدماء. ومصادر القتل وسفك الدماء ...الخ هم الروافض وأصدقائهم الدواعش وغيرهم، الذين انطلقوا من منهج سيد قطب، بل ومن تربية الروافض، وهم (أي الدواعش) من ألد أعداء السلفيين أهل السنة والجماعة، فهم يكفرون السلفيين ويستحلون دماءهم في العراق وسوريا وغيرهما. فليفهم هذا شيخ الأزهر وليدع الغمغمة في الكلام، وليتق الله وليصدع بالحق. قال الناقلون: "وأوضح الإمام الأكبر أن "أهل السُّنَّة والجماعة"، حسب منهج التعليم بالأزهر، الذي تربَّيت عليه، ورافقني منذ طفولتي حتى يومنا هذا، إنما يُطلق على أتباعِ إمامِ أهل السُّنَّة أبي الحسن الأشعري، وأتباع إمام الهدى أبي منصور الماتريدي، وأهل الحديث، ولم يخرج عن عباءة هذا المذهب فُقَهَاء الحنفيَّة والمالكية والشافعية والمعتدلين من فقهاء الحنابلة، وهذا المفهوم بهذا العموم الذي يَشمَلُ علماء المسلمين وأئمتهم من المتكلمين والفقهاء والمحدِّثِين وأهل التصوف والإرشاد، وأهل النحو واللغة أَكَّدَهُ قُدماء الأشاعرة أنفسهم منذ البواكير الأولى لظهور هذا المصطلح بعد وفاة الإمام الأشعري. ثم هو ما استقرَّ عليه الأمر عند جمهرة علماء الأمة عبر القرون التالية، وهذا هو الواقع الذي عاشته الأمَّة لأكثر من ألف عام، حيث عاش الجميع في وحدةٍ جامعةٍ استوعبت التعدُّد والاختلاف المحمود، ونبذت الفرقة والخلاف المذموم، مضيفًا أن الإمام أبا الحسن الأشعري الذي لُقب بأنه إمام أهل السُّنَّة والجماعة وُلِد بالبصرة سنة 260هـ، وتوفى ببغداد سنة 324هـ جاء مذهبه وسطًا بين مقالات الفِرَق الأخرى؛ كالمعتزلة والمجسمة والجبرية والخوارج والمرجئة، وقد اعتمد فيه على القرآن والحديث وأقوال أئمة السلف وعلمائهم، وكان الجديدُ في مذهبه هو المنهج التوفيقي الذي يمزج بين الإيمان بالنقل واحترام العقل". أقول: إن عدّ شيخ الأزهر المتكلمين وأهل التصوف والأشاعرة([9]) من أهل السنة لمن الأباطيل الواضحة الجلية، يفضحه تأريخ هاتين الطائفتين ومواقف أهل السنة من هاتين الطائفتين الضالتين. وهاك بعض أقوال أئمة السنة في ذم الكلام وأهله. قال الإمام ابن قدامة في "تحريم النظر في كتب الكلام" (ص41-42): "قَالَ الإِمَام أَحْمد لَا يفلح صَاحب كَلَام أبدا وَلَا يرى أحد نظر فِي الْكَلَام إِلَّا فِي قلبه دغل وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي مَا ارتدى أحد بالْكلَام فأفلح وَقَالَ حكمي فِي أهل الْكَلَام أَن يضْربُوا بِالْجَرِيدِ وَيُطَاف بهم فِي العشائر والقبائل وَيُقَال هَذَا جَزَاء من ترك الْكتاب وَالسّنة وَأخذ فِي الْكَلَام وَقَالَ أَبُو يُوسُف من طلب الْعلم بالْكلَام تزندق وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: أجمع أهل الْفِقْه والْآثَار من جَمِيع أهل الْأَمْصَار أَن أهل الْكَلَام أهل بدع وزيغ لَا يعدون عِنْد الْجَمِيع فِي طَبَقَات الْعلمَاء وَإِنَّمَا الْعلمَاء أهل الْأَثر والمتفقهة فِيهِ وَقَالَ أَحْمد بن إِسْحَاق الْمَالِكِي أهل الْأَهْوَاء والبدع عِنْد أَصْحَابنَا هم أهل الْكَلَام فَكل مُتَكَلم من أهل الْأَهْوَاء والبدع أشعريا كَانَ أَو غير أشعري لَا تقبل لَهُ شَهَادَة ويهجر ويؤدب على بدعته فَإِن تَمَادى عَلَيْهَا استتيب مِنْهَا". انتهى. وهاك أقوال بعض العلماء في أهل التصوف: قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه "مقالات الإسلاميين" (ص288-289): "هذه حكاية قول قوم من النساك 1- وفي الأمة قوم ينتحلون النسك يزعمون أنه جائز على الله سبحانه الحلول في الأجسام وإذا رأوا شيئاً يستحسنونه قالوا: لا ندري لعله ربنا. 2- ومنهم من يقول أنه يرى الله سبحانه في الدنيا على قدر الأعمال فمن كان عمله أحسن رأى معبوده أحسن. 3- ومنهم من يجوز على الله سبحانه المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا وجوزوا مع ذلك على الله - تعالى عن قولهم - أن نلمسه. 4- ومنهم من يزعم أن الله سبحانه ذو أعضاء وجوارح وأبعاض لحم ودم على صورة الإنسان له ما للإنسان من الجوارح تعالى ربنا عن ذلك علواً كبيراً. 5- وكان في الصوفية رجل يعرف بأبي شعيب يزعم أن الله يسر ويفرح بطاعة أوليائه ويغتم ويحزن إذا عصوه.([10]) 6- وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم من الزنا وغيره مباحات لهم. 7- وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله سبحانه ويأكلوا من ثمار الجنة ويعانقوا الحور العين في الدنيا ويحاربوا الشياطين. 8- ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين".([11]) فهذا موقف الإمام أبي الحسن من الصوفية وعقائدهم وافتراءاتهم على الله وعلى دينه. ولعل أبا الحسن لم يستوعب ضلالات الصوفية التي سبقته، وكم زاد متأخروهم من الضلالات الكبرى، وسنذكر بعضها فيما يأتي من هذا البحث إن شاء الله. ولا بد من التعليق على هذه العقائد الخطيرة التي يدين بها الصوفية الضلَّال. فأقول: حاصل ما ذكره الإمام أبو الحسن عن الصوفية وعقائدهم الباطلة: 1- القول بحلول الله في الأجسام-تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-. 2- وأنهم إذا رأوا شيئاً يستحسنونه قالوا: لا ندري لعله ربنا، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. 3- ومنهم من يقول: إنه يرى الله سبحانه في الدنيا...الخ ولعل هذا القول ناشئ عن اعتقاد هذا الصنف أن الأولياء أفضل من الأنبياء. فلم يدَّعِ أحد من الأنبياء أنه رأى الله في الدنيا. قال الله تعالى عن موسى -عليه السلام-: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ). وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَمُوتَ". أخرجه مسلم في "صحيحه" حديث رقم (169)، وأحمد في "مسنده" (5/433)، والترمذي في "جامعه" حديث (2235). وأهل السنة يؤمنون بأن الله يرُى في الآخرة، يراه المؤمنون. 4- ومنهم من يُجوِّز على الله سبحانه المعانقة والملامسة والمجالسة في الدنيا، وجوَّزوا على الله أن نلمسه في الدنيا. وهذا كله من الاستخفاف بالله، وعدم الإيمان بما ورد في الكتاب والسنة، كما في الآية الكريمة، وكما في الحديث السابق، وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم- عن الله (حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ". أخرجه مسلم في صحيحه حديث (179)، وابن ماجه في "سننه" حديث (195)، وابن حبان في "صحيحه" حديث (266). 5- ومنهم من يزعم أن الله سبحانه ذو أعضاء ولحم ودم على صورة الإنسان، وهؤلاء من أخبث أنواع المجسمة. 6- ومن الصوفية قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات ..الخ فجَمَعَ هؤلاء القوم من الصوفية القول بسقوط التكاليف عنهم وبين الإباحية الملحدة. 7- ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله في الدنيا ويأكلوا من ثمار الجنة...الخ، ولا يبعد أن هذا الاعتقاد ناشئ عن اعتقادهم بأنهم أفضل من الأنبياء، فهم لا يحاربون الشياطين كما يزعمون. وإنما هم من أولياء الشياطين. 8- ومنهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين، وهذا من الإلحاد والضلال البعيد. وهؤلاء هم سلف ابن عربي الملحد، ومن إلحاده قوله: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ... فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ فهذا مخالف لما دلَّ عليه الكتاب والسنة من أن الرسل أفضل من الأنبياء، وأن أفضل الرسل أولو العزم، وأفضل أولي العزم محمد –صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين والمرسلين. وبعد، فما هو موقف أهل مؤتمر الشيشان من هذه الأصناف من الصوفية؟ وما هو موقفهم من الفرق الصوفية المتأخرة الغارقة في الشركيات وفي وحدة الوجود؟ مواقف أهل السنة وعلمائها من الصوفية وزعمائها، ومنها: - أولاً: ما ذكره الشعراني في كتاب الطبقات (1/ 13 - 14)، حيث ذكر: 1 - أنهم نفوا أبا يزيد البسطامي من بلده سبع مرات. 2 - وذكر أنه وقع لذي النون المصري مثل ذلك، ويزعم الشعراني أنه وشوا به إلى بعض الحكام وحملوه من مصر إلى بغداد مغلولاً مقيداً , ويؤخذ من كلامه أنهم كانوا يعتقدون فيه أنه زنديق , والذين عاملوه هذه المعاملة هم علماء الأمة وفقهاؤها وإن طعن فيهم الشعراني. 3 - ذكر أنهم قتلوا الحسين الحلاج وقطعوا يديه ورجليه. وهو معروف بأنه زنديق يقول بالحلول ووحدة الوجود ومعروف بالسحر والشعوذة واتفقت عليه كلمة العلماء. 4 - قال: وشهدوا على الجنيد أنه كان يقرِّر علم التوحيد، ثم إنه تستر بالفقه واختفى. 5 - وذكر أنهم أخرجوا الحكيم الترمذي إلى بلخ حين صنَّف كتاب علل الشريعة وكتاب ختم الأولياء فأنكروا عليه بسبب هذين الكتابين , وقالوا: فضلت الأولياء على الأنبياء، وأغلظوا عليه فجمع كتبه كلها وألقاها في البحر فابتلعتها سمكة ثم لفظتها بعد سنين. هكذا يقول الشعراني!. 6 - وذكر عدداً آخرين من زعماء الصوفية يُطردون من بلدانهم لما فيهم من الضلال، منهم أبو بكر النابلسي وأبو الحسن الشاذلي، أخرجوه وجماعته من المغرب إلى الإسكندرية لأنهم اتهموه بالزندقة. والذين يعاملون زعماء الصوفية هذه المعاملة التي ذكرها الشعراني هم علماء الإسلام وفقهاؤه. - ثانياً: ويؤكد هذا ما قاله ابن الجوزي في (تلبيس إبليس): 1 - أن ذا النون هجره علماء مصر ورموه بالزندقة وكان من المنكرين عليه الإمام عبد الله بن عبد الحكم المالكي. 2 - وقال: وأُخرج أبو سليمان الداراني من دمشق وقالوا إنه يزعم أنه يرى الملائكة. 3 - وشهد قوم على أحمد بن أبي الحواري أنه يفضل الأولياء على الأنبياء فهرب من دمشق إلى مكة. 4 - وذكر عن أبي يزيد البسطامي أنه يقول: لي معراج مثل معراج النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجوه من بسطام. فهذه مواقف أهل السنة من الصوفية الأوائل إلى عهد الشاذلي. - ثالثاً: ومواقف ابن تيمية وابن القيم والذهبي وابن حجر وشيوخه وتلاميذه، والإمام المقري في اليمن، وغير هؤلاء من أهل السنة من الصوفية المتأخرين، ولا سيما أتباع ابن عربي، مثل مواقف علماء السلف وفقهائهم من الصوفية وزعمائها الأوائل. وليرجع من شاء إلى (الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن)، و (الفرقان بين الحق والباطل)، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، و (إغاثة اللهفان) و (مدارج السالكين) لابن القيِّم، و (الميزان) للذهبي، و (تنبيه الغبي) للبقاعي -أحد تلاميذ الحافظ ابن حجر- جمع فيه أقوال العلماء في أهل وحدة الوجود. وأنا أسألكم: هل هذه الطرق الصوفية القائمة الآن مثل التيجانية والميرغنية والسهروردية والقادرية والجشتية والرفاعية والشاذلية والبرهانية وغيرها من الطرق الكثيرة، هل هم على عقيدة أهل السنة ومنهجهم؟! وهل هذه القبور المقدَّسة في مشارق العالم الإسلامي ومغاربه التي يُعتقد في أهلها أو في كثير منهم أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون ويستجيبون الدعاء ويكشفون الكربات، هل هي قائمة على كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف الصالح؟. ألا تعلمون أن أهم أسباب هذه البلايا في العالم الإسلامي إنما هم الصوفية؟. أرى أنه من الواجب عليكم أن تتركوا مثل هذه الأساليب التي تقوم على التلبيس وأن تسلكوا مسلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في محاربة الشرك ومظاهره ووسائله، وفي الجهر بالنصيحة لهذه الأمة، وتحذيرها من خطر الصوفية وعقابيلها، وأن تهتفوا بهم وبالأمة جميعاً إلى العودة إلى الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة الكرام وتابعوهم بإحسان، ذلكم هو الطريق النافع للأمة والذي يخلصها من الأوضاع المهلكة التي يعيشونها والتي من أعظم أسبابها الفكر الصوفي وعقائده ومناهجه، (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً). قول الصوفية بوحدة الوجود: وسأضرب مثالين لطائفتين من طوائف الصوفية: الأولى: الطائفة التيجانية. 1 - قال صاحب جواهر المعاني (1/ 255) نقلاً عن شيخه التيجاني: " .. اعلم أن أذواق العارفين في ذوات الوجود أنهم يرون أعيان الموجودات " كسراب بقيعة " الآية. فما في ذوات الوجود كله إلا الله سبحانه وتعالى تجلى بصورها وأسمائها وما ثَم إلا أسماؤه وصفاته فظاهر الوجود وصور الموجودات وأسماؤها ظاهرة بصورة الغير والغيرية، وهي مقام أصحاب الحجب الذين حجبوا بظاهر الموجودات عن مطالعة الحق فيها، والظاهر المحض إنما هو وجود الحق وحده في كل شيء". 2 - وقال صاحب الجواهر (2/ 91 - 92) عن الشيخ التيجاني في شرح حديث باطل: "وتحقيق ما في هذا الحديث هو ما قلناه أولاً وهو أن جميع المخلوقات مراتب للحق يجب التسليم له في حكمه وفي كل ما أقام خلقه لا يعارض في شيء، ثم حكم الشرع من وراء هذا يتصرف فيه ظاهراً لا باطناً ولا يكون هذا إلا لمن عرف وحدة الوجود فيشاهد فيها الوصل والفصل، فإن الوجود عين واحدة لا تجزؤ فيها على كثرة أجناسها وأنواعها ووحدتها لا تخرجها عن افتراق أشخاصها بالأحكام. والخواص وهي المعبر عنها عند العارفين أن الكثرة عين الوحدة والوحدة عين الكثرة فمن نظر إلى كثرة الوجود وافتراق أجزائه نظره عيناً واحدة على كثرته، ومن نظر إلى عين الوحدة نظرة متكثر بما لا غاية له من الكثرة، وهذا النظر للعارف فقط لا غيره من أصحاب الحجاب وهذا لمن عاين الوحدة ذوقاً لا رسما وهذا خارج عن القال ومعنى الفصل والوصل، فالوحدة هي الوصل والكثرة هي الفصل" أ.هـ 3 - وحدة الوجود ووحدة الأديان: أ- قال التيجاني: "واعلم أن حضرة الحق سبحانه وتعالى متحدة من حيث الذات والصفات والأسماء والوجوه. والوجود كله متوجه إليه بالخضوع والتذلل والعبادة والخمود تحت سلطان القهر وامتثال الأمر والمحبة والتعظيم والإجلال. فمنهم المتوجه إلى صورة الحضرة الإلهية نصاً جليّا في محو الغير والغيرية. ومنهم المتوجه إلى الحضرة العليَّة من وراء ستر كثيف، وهم عبدة الأوثان ومن ضاهاهم فإنهم في توجههم إلى عبادة الأوثان ما توجهوا لغير الحق سبحانه وتعالى، ولا عبدوا غيره لكن الحق سبحانه وتعالى تجلى لهم من تلك الستور بعظمته وجلاله وجذبهم بحسب ذلك بحكم القضاء والقدر الذي لا منازع لهم فيه وهذا هو التوجه إلى الله كرهاً، يقول سبحانه وتعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً .. ). الآية. فالوجود كله متوجه إلى حضرة الحق سبحانه وتعالى بصفة ما ذكرنا فرداً فرداً وأن الكفار والفجرة والمجرمين والظلمة، فهم في ذلك التخليط الذي خالفوا فيه نصوص الشرع وصورة الأمر الإلهي فإنهم في ذلك ممتثلون لأمر الله تعالى ليسوا بخارجين عن أمره ومراده إلا أنهم خرجوا عن صورة الأمر الإلهي ظاهراً وغرقوا فيه باطناً" جواهر المعاني وبلوغ الأماني (1/ 239). نماذج من كتاب: (الخلاصة الوافية الظريفة في شرح الأوراد اللازمة والوظيفة للطريقة التيجانية الشريفة) تأليف: محمد سعد الرباطابي التيجاني. 1 - الطريقة التيجانية أخذها شيخها وإمامها أحمد التيجاني عن سيد الوجود صلى الله عليه وسلم (ص/5) حاشية. 2 - ويقول محمد سعد الرباطابي التيجاني عن شيخ الطريقة أحمد التيجاني: "ورضي الله تعالى عن بهجة الأخيار ومعدن البركات والأسرار قطب الأقطاب وغوث الأغواث القطب المكتوم والكنز المطلسم قدوتنا وشيخنا وإمامنا ختام الأولياء وممدهم الشيخ أحمد بن محمد التيجاني الشريف الحسني وعن أصحابه المنتسبين إليه ومحبيه أجمعين" (ص/ 3). أقول: فهل هذه العقيدة التي يؤمن أهلها بالأقطاب والأغواث والكنوز المطلسمة منبثقة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟! وهل يعرف الناس وظيفة الغوث والقطب وأن من منها التصرف في الكون؟! 3 - ويقول عن كراماته -أنها كثيرة شهيرة لا يحصرها العد ولا تستقصى-: ومن لي بحصر البحر والبحر زاخر ومن لي بإحصاء الحصى والكواكب ومن أعظم كراماته رضي الله عنه رؤيته لذات سيد الوجود وعلم الشهود سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً دائماً بحيث لا يغيب عنه طرفة عين ويسأله صلى الله عليه وسلم عن كل أمر يبدو له ويشاوره صلى الله عليه وسلم في كل شيء دقَّ أو جلَّ " (ص/ 12 - 13). أقول: فهل هناك مسلم أو عاقل يصدِّق هذه الدعاوى العريضة؟! 4- ويقول عن علمه: وكان رضي الله عنه يقول: لو سألني سائل أربع سنين وأنا أملي عليه وهو يكتب لم يفرغ يعني من غير تأمل، ولا يستغرب ذلك وقد قال له صلى الله عليه وسلم: كل ما أمليت فأنت مترجم عني". فهل يصدق هذا الرجل إذا قال إن ميزانه الكتاب والسنة؟! وهل يقول مثل هذا الكلام عاقل فضلاً عن إنسان يدعي أعلى مراتب الولاية؟!. 5 - ويقول: الرباطابي التيجاني: "وتولى سيدنا وشيخنا القطبانية العظمى في شهر المحرم 1214 من هجرة سيد المرسلين وهو مقيم بفاس، وهذا من خرق العادة وفي اليوم الثامن عشر من شهر صفر الخير من السنة المذكورة بلغ مقام الختم والكتم الخاصين بختم الولاية المحمدية الخاصة. 6 - ويقول: "قال الشيخ رضي الله عنه: إن جميع الأولياء يدخلون في زمرتنا ويأخذون أورادنا ويتمسكون بها إلى يوم القيامة حتى الإمام المهدي المنتظر إذا قام في آخر الزمان الخ. يأخذها ويكون من خلفاء الشيخ رضي الله عنه الوارثين لعلومها وأسرارها وقد نوه سيدنا الشيخ رضي الله عنه كثيراً بفضلها ولم يقل ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (ص/ 38). ويشيد الرباطابي بفضائل هذه الطريقة. فمن هم هؤلاء الأولياء الذين يدخلون في زمرتهم ويأخذون أوراده؟ وهل الأولياء كلهم تيجانية؟ ومن هو هذا المهدي المنتظر الذي يأخذ بطريقة أحمد التيجاني ويترك الكتاب والسنة، ويكون خليفة للتيجاني لا خليفة خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الظاهر أنه يريد بهذا المهدي المنتظر صاحب السرداب الذي ينتظر الروافض قيامه. 2- المثال الثاني: الفرقة الميرغنية. قال محمد عثمان الميرغني الشهير بالختم وهو مؤسس الطريقة الختمية- قال في [النور البراق] (ص124-125): وكنتُ عين وجود القدس في أزلٍ يسبِّح الكون تسبيحاً لإجلالي فالعرش والفرش والأكوان أجمعُها الكُلُّ في سعةٍ مستهلَكٌ بالي وكلُّ فضلٍ سما للكون مرتفعـــــــــــــا فإنما هو من منِّي وإفضالي فهذا الميرغني الضال يدَّعي أنَّه هو الله في الأزل وأنَّ الكون يسبِّح لإجلاله وتعظيمه وأنَّ كلُّ فضلٍ يوجد في الكون فإنَّما هو من منِّه وإفضاله!!! فهذا أطغى من فرعون؛ ففرعون يدَّعي أنَّه إله مصر (!) وهذا الضال الملحد يدَّعي أنَّه هو الله ... !! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقال المسمى بجعفر الصادق نجل محمد عثمان الميرغني (ص:80): مقامي فوق الفوق في درج العلا وما شئته في الكون كان بهمتي وأمري على كل الخلائق نافذ وكل الورى من أمر ربي رعيتي فلي المنصب الأعلى وحكمي ماضي بكل أراض الله في كل بقعة وإسمي مكتوب على ساق عرشه وفي اللوح مثبوت فأتقن عبارتي لفي خاطري من عالم الغيب جملة ولو ظهرت يوماً تُحير فكرةِ تراودني نفسي بإظهار بعضها ويمنعها عقلي مناما ويقظةِ فلله في أمري شؤون عجيبة تدق على الأفهام معنى وصورةِ لما وسعت رق الطروس لأنها عزيزة وصف لا تحد لكثرةِ ولو كان هذا العصر ياخلي قابلاً لقلت كلاماً ليس يفهم لدقةِ ولكنني أخفي أموراً كثيرة جواهر لفظ لا تباع ببخسةِ ولكنني أرجو بكتمان سره حناناً وتوفيقاً لأهل مودةِ أبى الله أن أحكي غوامض سره لحيرت أهل الصحو والسكر جملةِ ولو يأذن الرحمن إفشاء بعضها لسطر أهل العصر ألف صحيفةِ ولو أنها حلت على بحر مالح لعاد هناك البحر ماء عذوبةِ ولو أنها حلت على قصر شامخ لعاد هناك القصر حالاً رميدةِ ولو أنها حلت على غصن بانةٍ لعاد قضيب البان يزهو بخضرةِ ولو أنها حلت على الرمل والحصى لكانت تناجيني بأفصح كلمةِ فاعجب لهذا التأله والسيطرة على الكون! واعجب لهذه الأكاذيب والدعاوى العريضة والإلحاد الواسع! ثم ألا يذكر هذا الجاهل أن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: (ليس لك من الأمر شيء)؟ أما وقف هذا الجاهل الضال على قول الخضر لموسى عليهما السلام لما رأيا طيراً يأخذ بمنقاره من البحر: " والله ما علمي وما علمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر"؟! [البخاري/ كتاب التفسير، حديث:4726]. أما سمع بقول الله تعالى: (فلا تزكوا أنفسكم)؟! أما سمع بالحكمة التي قال صاحبها: (من قال أنا عالم فهو جاهل)؟! وهل ادعى نبي من الأنبياء أن علمه بهذا الحجم العظيم؟! وأن له هذه التأثيرات؟! وقال أيضاً في (ص:68): صفوف السالكين وراء بابي إليهم أملأ الكاس وأُعلي إذا ما جاء كل الخلق فيضاً أنا ميزابهم أعطي وأخلي مدادي ليس تحصره طروس وفيضي فائض إكرع وملي رأيت العرش والكرسي جميعاً وما في اللوح من خط وشكل جميع عوالم الدنيا أراها كخردلة وذا من فضل فضلي بلاد الله في حكمي وطوعي أقدم من أشا والقول قولي ولو أني إذا ألقيت سري على صخر لعاد الصخر رملي ولو أني إذا ألقيت سري على ميت مشا ينطق ويملي ولو أني إذا ألقيت سري على بحر حلا من ريق تفلي ولو أني إذا ألقيت سري على نار الورى خمدت لفعلي مريدي لا تخف الله حسبي عطاني رفعة من قبل قبلي مريدي لا تخف إشرب وغني وافعل ما تشا أعطي وخلي انظر إلى هذا الضال المتألِّه الذي جعل نفسه نِدًّا لله في العلم والقدرة والعظمة والتصرف في الكون. وانظر إلى هذا الأفاك المتأله الذي يبيح لمريديه انتهاك حرمات الله فيشربون الخمر ويفعلون ما يشاءون، أليست هذه إباحية؟!. أقول: إن هذه الطائفة الصوفية الموسومة بالميرغنية يُعد أهلها بالملايين في السودان، ومصر، فما موقف أهل مؤتمر الشيشان من هذه الطائفة وغيرها من الطوائف الصوفية المنتشرة في العالم كمصر والسودان والمغرب العربي، والهند، وباكستان؟ أرجو أن يوفقوا لنقدها والوقوف إلى جانب أهل السنة في بيان ضلالها الخطير والتحذير الجاد منها. كتبه ربيع بن هادي عمير المدخلي 25 محرم 1438هـ للتحميل PDF ([1]) الأشعرية يخالفون الكتاب والسنة وأهل السنة وأبا الحسن الأشعري في إثبات صفة استواء الله على عرشه وغيرها من صفات الله العظيمة، ويؤمنون بالصفات السبع، وهي: الحياة، والإرادة، والقدرة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام؛ لأنه دل عليها العقل، فاعتمادهم في إثبات هذه الصفات على العقل لا على الأدلة من الكتاب والسنة. ([2]) والأشعرية يخالفون كتاب الله وسنة نبيه، ويخالفون أهل السنة والجماعة، وأن القرآن كلام الله وأنه يتكلم كما شاء ومتى شاء، ويقولون: كلام الله نفسي قائم بالنفس من غير حرف ولا صوت، قال صاحب [الزُّبَد]: كَلامُهُ كَوَصفِهِ القَدِيمِ لم يُحْدِثِ المسموعَ للكَلِيمِ ([3]) والأشاعرة يخالفون الكتاب والسنة وأهل السنة، ويقولون: الإيمان هو الاعتقاد بالقلب. وهذا قول الجهمية. انظر [مجموع الفتاوى] (20/86). ([4]) قال شيخ الإسلام رحمه الله كما في [مجموع الفتاوى] (6/206 – 207): وَأَمَّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ " الِاسْمَ لِلْمُسَمَّى " كَمَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ فَهَؤُلَاءِ وَافَقُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْمَعْقُولَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَقَالَ: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " {إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا} " {وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَد وَالْمَاحِي وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ} " وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.اهـ ([5]) والأشاعرة يخالفون أهل السنة في إثبات أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ([6]) انظر بقية أسماء هؤلاء الأئمة في المجلد العاشر من "مجموع رسائل وفتاوى ربيع بن هادي" من (ص661-705). ([7]) أي: شيخ الأزهر. ([8]) أي: شيخ الأزهر. ([9]) أي: المخالفين لأهل السنة. ([10]) قول هذا الصوفي: "إن الله يغتم ويحزن إذا عصوه" قولٌ في غاية الضلال. ([11]) ولقد تأسى ابن عربي بقول هؤلاء الصوفية فقال: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ... فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ
  15. تصريحات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بتواتر أحاديث الشفاعة وأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان 1- قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (1/318): "وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنْكَرُوا شَفَاعَتَهُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ فَقَالُوا : لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ عِنْدَهُمْ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُمْ وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلُوهَا لَا بِشَفَاعَةِ وَلَا غَيْرِهَا. وَمَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَشْفَعُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَحَدٌ ؛ بَلْ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ إيمَانٍ أَوْ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ". 2- وسُئل رحمه الله: عَنْ الشَّفَاعَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: "إنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ فِي " أَهْلِ الْكَبَائِرِ " ثَابِتَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهَا السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانِ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَلَا يَبْقَى فِي النَّارِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ بَلْ كُلُّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَبْقَى فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ. فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ يُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". "مجموع الفتاوى" (4/309). 3- وقال رحمه الله: "وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ {يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ}" . "مجموع الفتاوى" (13/56). 4- وقال رحمه الله: "وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ اتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مُتَطَابِقَةٌ عَلَى أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مَنْ يُعَذَّبُ وَأَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ". مجموع الفتاوى (18/191- 192). 5- وقال رحمه الله في قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص305). "688 - وصورة السؤال: المسئول من السادة العلماء أئمة الدين، أن يبينوا ما يجوز وما لا يجوز من الاستشفاع والتوسل بالأنبياء والصالحين. 689 - وصورة الجواب: الحمد لله رب العالمين. أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع للخلق يوم القيامة، بعد أن يسأله الناس ذلك، وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة. ثم إن أهل السنة والجماعة متفقون على ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، واستفاضت به السنن، من أنه صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر من أمته، ويشفع أيضاً لعموم الخلق. 690 - فله صلى الله عليه وسلم شفاعات يختص بها لا يشركه فيها أحد، وشفاعات يشركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين، لكن ما له فيها أفضل مما لغيره، فإنه صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على ربه عز وجل، وله من الفضائل التي ميزه الله بها على سائر النبيين ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، ومن ذلك "المقام المحمود" الذي يغبطه به الأولون والآخرون. وأحاديث الشفاعة كثيرة متواترة، منها في الصحيحين أحاديث متعددة، وفي السنن والمسانيد مما يكثر عدده. 691 - وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، فزعموا أن الشفاعة إنما هي للمؤمنين خاصة في رفع الدرجات، وبعضهم أنكر الشفاعة مطلقًا".انتهى. وهذه النصوص عن شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام، بل واتفاق السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان تدفع الحدادية الذين يهوشون على أحاديث الشفاعة، ومن تهويشاتهم قول بعض زعمائهم: إن أحاديث الشفاعة من المتشابه. وقصره الشفاعة على المصلين؛ مخالفين في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وأئمة الإسلام رحمهم الله. كتبه ربيع بن هادي المدخلي 1 محرم 1438هـ لتحميل pdf