اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

عبد الأعلى المصري

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    246
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 29

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : عبد الأعلى المصري

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم

آخر زوار ملفى الشخصى

بلوك اخر الزوار معطل ولن يظهر للاعضاء

  1. عبد الأعلى المصري

    "الورَّاقون وأثرهم في صناعة المخطوط العربي (مهن الوراقة)"

    بسم الله الرحمن الرحيم "الورَّاقون وأثرهم في صناعة المخطوط العربي (مهن الوراقة)" الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله على آله وأصحابه ومن اتَّبع هداه، أما بعد، فإن مصطلح "الوراقة" مأخوذ من "الورق"، والورق واحده ورقة، ويجمع على "ورقات"، وتجمع الورقات على أوراق، وبه سمِّي بائع الورق ورَّاقًا. قال شمس الدين محمد السحماوي (ت 868 ه) في كتابه "الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم" (2/547) (ط دار الكتب والوثائق القومية/ مراجعة أ. حسين نصار): "وقد نطق القرآن الكريم بتسميته –أي الورق- قرطاسًا، فقال الله عز وجل: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ}، وقال الجوهري: قرطس –بغير ألف-. ويقال: فيه الصحيفة كما قال عز وجل: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى}، وتجمع على صحائف وسمى المصحف مصحفًا لجمعه الصحف، ويقال: "طرس"، وتجمع على طروس، ويقال فيه"مهرق"، قال الجوهري: "وهو فارسي معرب"، ويقال: فيه سجل، كما قال الله عز وجل {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ}، وقد نطق القرآن العظيم بالرق فقال: {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ}". إن مصطلح "الوراقة" اشتهر عند البعض أنه خاص ببيع الورق والكتب والصحف، ونحو ذلك، وقد عقد ابن خلدون في تاريخه (المقدمة) (1/532) الفصل الحادي والثلاثين في صناعة الوراقة، قال فيه: "... وجاءت صناعة الورّاقين المعانين للانتساخ والتّصحيح والتّجليد وسائر الأمور الكتبيّة والدّواوين واختصّت بالأمصار العظيمة العمران". قلت: وقد أخذ العلامة محمد المانوني بمفهوم ابن خلدون للوراقة، فلم يربط الوراقة بصناعة الورق فحسب، بل اعتبر الوراقة تشمل العناصر التالية: انتخاب الورق وتصنيعه، وتصنيع الكراريس، والنساخة، والزخرفة والنمنمة والتزويق والتذهيب، والتسفير والتجليد. أي أن الوراقة بالمفهوم الشامل هي جميع المراحل التي يمر بها المخطوط بدءًا من صناعة المادة التي يكتب عليها، وانتهاءً بالتسفير، بل ويشمل كذلك بيع الكتاب، ونحو ذلك، ولذلك نتحدث في هذا البحث عن هذه المفردات لمهن "الوراقة". · أقسام الوراقة: قام أ.د. الوليد بن فريان في كتابه "الوراقة في منطقة نجد" الوراقة إلى ثلاثة أقسام: · القسم الأول: الوراقة من جهة المقصود بها، وهي على أربعة أنواع: 1. الوراقة التجارية: يقوم الورّاق بنسخ الكتب وبيعها. 2. الوراقة الحرفية: وذلك بأن ينسخ الورّاق الكتب بالأجرة. 3. الوراقة التعليمية: أن يقوم العالم بنسخ كتبه بنفسه. 4. الوراقة الخيرية: أن يقوم العالم –أو الناسخ- بنسخ الكتب؛ ليوقفها على المكتبات والمساجد والأربطة ونحو ذلك. · القسم الثاني: الوراقة بالنظر إلى المشتغلين بها: 1. وراقة العلماء: وهي أرقى أنواع الوراقة؛ لما تميز به من الضبط والدقة. 2. وراقة طلاب العلم. 3. وراقة العامة. · القسم الثالثة: الوراقة بالنظر إلى المجال: 1. وراقة كتب العلوم الشرعية. 2. وراقة كتب النحو واللُّغة والأدب. 3. وراقة الكتب الحرفية: من صناعة وهندسة وفلاحة وطب ونحو ذلك. حوامل الكتابة في مهن الوراقة أولاً: البردي: موطنه الأصلي مصر، ووُجد في فلسطين (بصقلية)، ويسميه العرب: قرطاسًا أو ورق القصب. - تاريخه: 1. استخدم منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. 2. استخدم في جزيرة العرب قبل الإسلام بكثير. 3. استخدم في القرن الأول الهجري لما فتحت المناطق التي ينمو بها البردي. 4. استخدم في شكل كراسات ودفاتر في العصر العباسي الأول (132-136 ه). 5. ظل مستخدمًا إلى منتصف القرن الرابع الهجري، ثم توقفت صناعته عمليًّا في القرن الخامس الهجري، لما زاحمته صناعة الورق. ثانيًا: الرَّق (Parchment): هو جلد حيوان منتوف الشعر تتم معالجته مع تجفيقه وشدّه مما يجعله قابلاً للكتابة عليه. وأهم مميزاته إمكانية مسح الكتابة من علي وإعادة استخدامه مرة أخرى، ويتم ذلك بالغسل أو الكحت أو الكشط، ويسمّى الرّق الممسوح: "الطَّرس" وجمعه "طروس". ثالثًا: الورق (الكاغد) (Papers): · تاريخ صناعة الورق –الذي تعتمد عليه الوراقة-: لقد بدأ العرب تدوين مؤلفاتهم وإنتاج العلمي في شتى العلوم على أوعية بدائية مختلفة منها: جريد النخل اليابس والحجارة البيضاء، وأكتاف وأضلاع الإبل والأغنام، والجلود، والقماش الأبيض، وورق البردي الذي حظي بشهرة كبيرة في العصر العباسي، وكان أكثر تلك الأدوات استعمالاً. وقد دوِّن القرآن في التدوين الأول الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على بعض هذه الأوعية. المشهور أن تاريخ ظهور الورق كمنافس للبردي في بلاد الإسلام بدأ في حدود عام 133ﻫ، أي بعد فتح العرب لمدينة فرغانة حينما انتصر المسلمون على حاكم كوشا الصيني في فتوح سمرقند؛ حيث عادوا بعشرين ألف أسير، بينهم بعض الصينيين الذين يتقنون صناعة الورق، وكُلِّف هؤلاء الأسرى بإقامة مطابخ لصناعة الورق في سمرقند. وقد ذكر هذا المستشرق ستانوود كب: "أن العرب قد تعرضوا في سمرقند الواقعة على الشمال من الهند مباشرة لهجوم الصينيين عام 134 ﻫ/ 751 م، وفي أثناء صد هذا الهجوم بنجاح وقعت يد الحاكم العربي على أول قطعة من الورق أتيح لها أن تجد طريقها إلى الغرب من الصين حيث جاء اختراع الورق هناك قبل زمن المسيح عليه السلام. وأقبل الحاكم العربي في لهفة على استقصاء الأمر من أسرى المعركة، فعلم أن من بينهم من يحذق هذه الصناعة، فأرسل هؤلاء الصناع إلى فارس ومصر؛ ليضطلعوا بتعليم فن صناعة الورق من الكتان والخرق والألياف النباتية، وربما جاء اهتمام العالم العربي بصناعة الورق على صورة غير عادية نتيجة لسابق معرفته بالبردي المصري Papyrus الذي كان قد أخذ يحل محل الرّق Parchment الباهظ الثمن، وكانت صناعة الورق البردي تكاد تكون متشابهة، ولكن الورق أفضل كثيراً بالنسبة للطباعة". قلت: لكن ذهب شمس الدين محمد السحماوي في كتابه "الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم" (2/547) (ط دار الكتب والوثائق القومية/ مراجعة أ. حسين نصار) نقلاً عن المدائني إلى أن أول من استعمل الورق في الإسلام: الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لما ولي الخلافة؛ حيث قال: "فاستعمل الورق في ديوان الإنشاء امتيازًا لديوان الخلافة على غيره، كما قاله المدائني"، ثم قال: "وجرى الأمر على ذلك إلى زمن الرشيد فكثُر الورق، فأمر ألاَّ يكتب أحد إلا في الكاغد؛ لأن الجلود ونحوها، تقبل المحو والإعادة بخلاف الورق فإنه يظهر فيه الكشط، ثم انتشر بعد ذلك الورق بسائر الأقطار". وذهب ابن خلدون كما في مقدمة تاريخه "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العجم والبربر، ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" (1/352/ط بولاق) إلى أنهم في أول الأمر اقتصروا على كتابة الرسائل السلطانية والإقطاعات والصكوك في الرِّقوق المهيئة بالصناعة من الجلد تشريفًا للمكتوبات وميلاً بها إلى الصحة والإتقان، ثم لما كثُرت الرسائل والصكوك وضاق الرق عن ذلك؛ أشار الفضل بن يحيى البرمكي على الرشيد بصناعة الكاغد –أي الورق-، فتم تصنيعه، وأسَّس الفضل بْن يَحْيَى عام عام (178هـ) م أول مصنع للورق في بغداد في عهد هارون الرشيد، وكان الفضل أخًا لهارون من الرضاعة، وقد وُلِد بعده بسبعة أيام. ومنذ ذلك الحين أسهم ظهور الورق مساهمة فعالة في ازدهار حركة التأليف والكتابة لسهولة تداول المخطوط الورقي بين الناس، بل ساهم في حركة الترجمة الضخمة التي قام بها المسلمون لعلوم الحضارات القديمة كالفارسية والهندية واليونانية إلى اللغة العربية. وأسِّس أول مصنع للورق بالفسطاط في مصر منذ بداية القرن الثالث الهجري. والقيروان عرفت صناعة الورق في القرن الرابع الهجري. والأندلس عرفت صناعة الورق في القرن الخامس الهجري، وشيِّدت المصانع له هناك. ودمشق عرفت صناعة الورق في القرن السادس الهجري، واشتهر ورقها أكثر من الورق المصري. العثمانيون عرفوا صناعة الورق في القرن التاسع الهجري باستانبول. واستخدمت الأوراق الأوربية ذات العلامة المائية في منتصف القرن الثامن الهجري، ومنذ عام 957 هـ لا تجد ورقًا غير ذي علامة مائية، فقد استسلم الورق الآخر أمامه خاصة "الورق البندقي" ذو علامة الهلب. واستمر إنتاج الورق غير ذي العلامة المائية في الشرق إلى مطلع القرن الرابع عشر. ومن ثَمّ انتشرت الصناعة بسرعة فائقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فدخلت سوريا ومصر وشمال إفريقيا وأسبانيا، وتحسنت الصناعة تحسناً ملموساً بسرعة كبيرة وأنتجت المصانع أنواعاً ممتازة من الورق. · مراحل صناعة الورق في "مهن الوراقة": • جمع الخرق البالية في القدور. • صب محلول قوي من الماء المستخلص من رماد الخشب. • غلي الخليط بشدة. • تغسل الخرق جيدًا. • تدق فوق صخرة حتى تتحول إلى عجينة طرية. • شعشعة العجين بصب الماء. • يصب السائل في مصفاة لتكوين طبقة متماسكة من الألياف . • تؤخذ الفرخة من داخل المصفاة ونشر تحت أشعة الشمس. ويقول "ول ديورانت": وكان إدخال هذا الاختراع سبباً في انتشار الكتب في كل مكان، ويدلنا اليعقوبي (م 891) أنه كان في زمانه أكثر من مائة بائع للكتب (وراق) في بغداد، وأن محلاتهم كانت مراكز للنسخ وللخطاطين والمنتديات الأدبية، وكان كثير من طلاب العلم يكسبون عيشهم عن طريق نسخ المخطوطات وبيعها للوراقين -تجار الورق-، وألحق بأغلب الجوامع مكتبات عامة، وكان يوجد في بعض المدن مكتبات تضم كتباً قيمة، يباح الإطلاع عليها للجميع. أما المكتبات الخاصة فكانت لا تحصى، ولقد رفض أحد الأطباء دعوة سلطان بخارى للإقامة ببلاطه؛ لأنه يحتاج إلى أربعمائة بعير لنقل مكتبته، وربما ملك الصاحب بن عباد في القرن العاشر كمية من الكتب تقدر بما كان في مكتبات أوربا مجتمعه، وبلغ الإسلام في ذلك الوقت أوج حياته الثقافية. ومع بداية القرن الرابع الهجري أصبحت المكتبات العربية والخزانات تعج بالمخطوطات والكتب التي تبحث في كافة العلوم والآداب، ولقد كانت زيادة أعداد هذه النسخ من المخطوطات تعتمد على فئة "الوراقين "الذين انتشرت دكاكينهم في كافة أنحاء الدولة العربية الإسلامية، وكان هؤلاء ينسخون آلاف المخطوطات، ولولا وجود "الوراقين" ما كانت المخطوطات العربية بهذه الكثرة. ولم تكن تلك الكتب التي تنسخ رخيصة الثمن، فقد تقاضى ابن الهيثم عالم البصريات المشهور - مثلاً - 75 درهماً أجرًا لنسخ مجلد من مجلدات إقليدس، وقد عاش منه ابن الهيثم ستة أشهر، ولقد ترك ابن الجزار - الطبيب والرحالة القيرواني - عند وفاته 250 طنًّا من لفائف جلد الغزال التي كتبها بنفسه، وعرف الناس عند وفاة أحد العلماء أنه قد ترك 600 صندوق متخمًا بالكتب في كل فروع العلم، وأن كل صندوق منها بلغ من الثقل حداً جعل عدداً من الرجال يعجزون عن نقله إلى خارج المنْزِل. وانتشر منتجو الورق بطواحينهم في سمرقند وبغداد ودمشق وطرابلس وفي فلسطين والأندلس، وتبعهم المجلدون متأثرين بفن التجليد الصيني، وكان المخطوط يعتمد اعتماداً كبيراً في إخراجه النهائي على الورّاق، ولقد كان المخطوط ينطوي على التذهيب والتجليد والتلوين إضافة إلى النسخ الذي هو عمل "الوراق" الأساس. · النساخة: النساخة على نوعين: نساخة فردية – نساخة جماعية. - وتمر النساخة بأربع مراحل هي: قراءة النص، وحفظه، والإملاء الداخلي، وتنفيذ عملية الكتابة. - تقليد النسخ. - المقابلة: قال القاضي عياض في كتابه: "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" (159): "فَلْيُقَابِلْ نُسْخَتَهُ مِنَ الْأَصْلِ بِنَفْسِهِ حَرْفًا حَرْفًا حَتَّى يَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ وَيَقِينٍ مِنْ مُعَارَضَتِهَا بِهِ وَمُطَابَقَتِهَا لَهُ، وَلَا يَنْخَدِعُ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى نَسْخِ الثِّقَةِ الْعَارِفِ دُونَ مُقَابَلَةٍ". · أماكن النسخ: 1. السكن الشخصي. 2. حانوت صغير في سوق الوارقة. 3. المكتبات (خزانات الكتب). 4. المدارس النظامية. 5. المساجد. 6. الزوايا، والنكايا، والخوانق. 7. القلاع والحصون العسكرية. · أشهر الخزانات التي كان يتم فيها النسخ: 1. خزانة كتب الفاطميين. 2. الخزانة الملكية في المغرب. · أشهر المدارس النظامية التي كان يتم فيها النسخ: 1. المدارس السلطانية بسمرقند. 2. المدارس السلطانية بأنقرة. 3. المدارس الرشيدية بأصبهان. · أهم المساجد التي كان يتم فيها النسخ: الجوامع الكبرى في دمشق وكربلاء، والأزهر بالقاهرة، وبعض جوامع الأندلس. وفي إحدى مخطوطات الموطأ ذكر الناسخ أنه كتبها في (المسجد الجامع بغرناطة ). · عملية النسخ فردية أو جماعية: كتاب" الوقاية " لمحبوب بن صدر الشريعة؛ نموذجًا لتعدُّد النساخ في العمل الواحد، فقد اشترك في نسخة (خمسة وعشرون) ناسخًا وذلك في عام (996ه). · (تعدّد كفاءات بعض النساخ ): 1. علي بن محمد المُجلِّد : كان نساخًا ومجلدًا. 2. الراوندي _ صاحب كتاب "راحة الصدور" _ كان خطَّاطاً تعلمَّ سبعين نوعًا من الخط، وكان ينسخ المصاحف ويعمل بالزخرفة وتجليد الكتب بإتقان. · مصطلحات أدوات الكتابة في أدبيات التراث: منها: الدواةُ ،والمِزْبر أو القلم -يصنع من البوص أو الخيرزان أو الخشب-، والسكينُ، والمرملة أو المتربة، والمنشأة، والمقلمة، والمُدية، والمِقط، والمحبرة، والمداد، والحبر، واللصاق أو النشا ،والمِنفذ، والمِلزمة ،والمِفرشة، والممسحة ،والمسقاة أو الماوردية، والليقة، والكُرسُف، والبِرْسُ، والطُّوطُ، والمسطرة، والمِصْقلةُ، والمُهْرَقُ، والمِسَنُّ، واللوحُ، والقرطاس، والصحيفة، والورق، والكاغد، والرق، والأديم ،والقضيم، والعسيب، والكُرنافة، والحجارة إلخ .. · أقلام الكتابة في "مهن الوراقة": أولاً: بري القلم: يقال: بريت القلم، وأبريه بريًا وبراية. قال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال منها: جودة بري القلم، وإطالة جلفته، وتحريف قَطته. "صبح الأعشى للقلقشندي (2/485)". روى بن بكار: قال: قال لي مصعب: رأيت صبيًّا خرج من الديوان فقلت له: أي الكتَّاب أكتب في ديوانكم؟ فقال: أجودهم بريًا للقلم. "طبقات الشعراء لابن المعتز (2/386)". محل براية القلم: من جهة نبات القصبة أي من أعلاها، إذا كانت قائمة على أصلها. قال أبو القاسم: إذا أخذ القلم ليبريه فلا يخلو من استقامة في البنية أو اعوجاج في الخلقة، فإن كان مستويًا في البنية، فليبريه من رأسه وهو من حيث استدق، وإن كان معوجًا فمن أسفله؛ لأن أسلفه أقل التواء من أعلاه. ثانيًا: قطُّ القلم: أصل القط: القطع والقد، والفرق بين القط والقد: أن القد القطع طولاً، والقط القطع عرضًا. والمِقط والمِقطة: بكسر الميم: ما يقط عليه القلم، وأما المَقط –بفتح الميم-: فالموضع الذي يقط من رأس القلم. قال ابن مقلة: "اعلم أن للقلم وجهًا وصدرًا وعرضًا، فأما وجهه من حيث تضع السكين وأنت تريد قطّه، وهو ما يلي لَحمة القلم، وأما صدره ما يلي قشرة القلم، وأما عرضه فهو نزولك فيه على تحريفه، وحرَّف القلم هو السنّ العليا، وهي اليمنى. صناعة الأمدة في "مهن الوراقة" معنى المداد: كل شيء يزيد بنفسه نقول له مدَّه يمده ..قال تعالى:{والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} [لقمان 27]، وسمى بذلك؛ لأنه يمُد القلم أي يعينه، قال تعالى:{قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفِدَ البحر قبل أن تنفَد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف 109]. قال ابن قتية: هو من المداد لا الإمداد. والمداد في أصل اللّغة يطلق على كل ما أمددت به اللّيقة ليُكتَب به على أي لون كان. ويقال: هو –وهي- المداد؛ لأنه جمع "مدادة"، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، فإنه يذكّر ويؤنث، ويقال: مددت الدواة. وإن زاد الشيء بغيره أضفنا الألف نقول :أمددته بكذا وكذا قال تعالى: {وأمددناكم بأموال وبنينَ}، [الإسراء :6]، ويسمِّي الزيت الذي نمد به السراج مداد، قال الأخطل: رأتْ بارقات بالأكف كأنها مصابيحُ سُرجٍ أيِّدتْ بمدادِ - الحبر بصفته لونًا ينصرف في الثقافة العربية إلى الألوان الفاقعة، ويكون أكثر تطابقًا مع الأمدة الملونة. - المداد هو الحبر، ويذهب إلى ذلك كثيرون، وتعامل المراكشي مع المصطلحين بمعنى واحد الحبر اسم النوع المداد صفة. - المداد يحيل على الألوان والحبر على المداد الأسود؛ ويذهب هذا المذهب محمد المنوني رحمه الله، وعابد سليمان المِشْوَخِي. - اللِّيقة: مأخوذة من قولهم فلان ما تليق كفه درهمًا، أي لا يحبسه ولا يمسكه، سميت بذلك لإمساكها المداد. · مكونات الأمدة: - المعلقات الغروية: مثلا السِّناج ،والسُّخام ، والعفص ،والزاج. - مواد رابطة: الصمغ العربي. - محسنات: السكر للزيادة في اللزوجة، والشبة مادة حافظة، وأصفر الزرنيخ كبريت الصوديوم مضاد للأكسدة والتعفن، والكافور لتطييب الرائحة، والعسل للزيادة في اللزوجة والتطرية، والصَّبِر والملح للتطرية. · مكونات الحبر: العفص- الأثل – الصمغ العربي – الزاج – ورق الريحان – العَكر –رماد القراطيس المحروقة – بياض البيض – دخان خشب الصنوبر- ماء السماق- ماء البقّم –الشب-الكندر- شحم الحنظل- التمر الهندي- السكر-“الحبّار“- المسك-المُغْرة –اللك-أملاح المعادن –فحم الخشب-الكلس-الزجاج –أكسيد الرصاص -السِّناج أو الصناج-السخام-خرق الكتان-النفط- الفجل-قشور الجوز-الطباشير-العسل –الزئبق-الزنجفر-الزرنيخ الأصفر أو الرهج –الزنجار-النوشادر-البلوط- قشور الرمان –الملح –العُصفُر-الحِناء- الكُركُم- -الزعفران-الكافور-العلّيق أو التوت الأسود. والمكونات الأساسية للحبر ثلاثة: العفص – والصمغ- والزاج: العفص: هو كرات ورق البلوط معروفة منذ القدم عند العرب والفرس والهند، ذكره ابن سينا كثيرًا في كتابه: ”القانون في الطب"، ذكر منه القلَلَوْسي الشامي غير المثقوب والأملس الخفيف المثقوب والرومي. الزاج: مصطلح عام يقصد به أملاح حمض الكبريتيك..استعملها الكيميائيون العرب وميَّزوا بينها حسب الألوان .كان العرب يأخذونه من الحديد الصدئ.. (علم الاكتناه:320) الزاج الأخضر، والأصفر، والأبيض، والأحمر، والأزرق.. ذكر منه القللوسي الأنواع الآتية: نوع سريع التفتت، نوع صلب، نوع أخضر، الفارسي، لون اللازورد. أما باقي المواد فهي إضافات لأغراض معينة، منها: • الرائحة: المسك والزعفران. • التعفن : الصَّبِر. • الحفظ : الزرنيخ والكافور. · تركيبة الحبر العادي الأسود: - محلول الزاج: (ملح المعادن أو سلفات المعادن)، وفيه أنواع؛ القبرصي، والأبيض، والعراقي، والمصري، والأخضر، والسوري. - محلول العفص؛ والعفص يؤخذ من على شجر السنديان أو البلوط. - مسحوق السناج أو الصناج أو السخام أو مسحوق الفحم الناعم .. - ماء الصمغ العربي. · الغلو في التركيبات: - الإفراط في الصمغ يؤدي إلى التصاق الأوراق. - الإفراط في الزاج يؤدي إلى احتراق الكتابة. · أنواع المداد من حيث التحضير: 1. المطبوخ: يصلح المطبوخ للكاغد وحده حسب القلَلَوْسي والمنقوع يصلح للرق ..وذهب القلقشندي ت 806 هـ إلى أن المطبوخ يصلح للرق والورق، وإنما يتميز المدادان بنوعية التركيبات إذ يضاف للورق السخام أو الدخان .. 2. المداد المعصور: يذهب القلَلَوْسي إلى أنه يصلح للورق والرق. 3. المداد المنقوع: القلَلَوْسي يصلح للرق. · مكونات الأمدة على حسب الأنواع والألوان: 1- الأمدة الكربونية: تتكون من السِّناج، والصمغ العربي، والماء ،والخل .. (السناج للون، والصمغ مثبت، والماء أو الخل مذيب للسناج والصمغ )... سلبياته التأثر بالرطوبة وسهولة إزالته . 2- الأمدة المعدنية: تصنع من مسحوق المعادن ويضاف إليها الصمغ العربي أو زلال البيض، وتعرف المركبات المعدنية باسم الزاج . 3- الأحبار النباتية: استعملت متأخرة.. تستخلص من النباتات أو أزهارها.. لونها تبهت في المخطوطات . 4- المداد السري: كان يصنع بماء البصل ولم يكن يظهر في الأوراق إلا بعد تعرضها للحرارة.. تستعمل مرارة السلحفاة في صنع الحبر كتابته تقرأ ليلا ولا تقرأ نهارًا. 5-الأحبار الملونة. · ألوان الحبر: ذكر منها الدكتور عابد سليمان المشوخي الآتي: (ينظر:مجلة المعهد المجلد 55 ج 1 - 2011، م ص:146 ): - اللون الأسود: هو أكثر الأمدة استعمالاً، ويتدرج حسب حدته فهناك القاتم، والحالك، والحائك، والحلكوك، والحلبوب، والداجي، والدَّجوجي، والديجور، والأدهم، والمدهام (أورد ذلك القلقشندي في الصبح). - اللون الأبيض: يعمل من الرصاص الأبيض أو من الطباشير الرقيق. - اللون الأحمر: كان يستخرج من المواد الآتية :خشب البرزيل، قشور الرمان، الحامض، وقشور الجوز الأخضر، والإثمد، ودودة القز، وأم الدم .. - اللون الذهبي: يذهب (القلقشندي) إلى أن مداد الذهب هو محلول مكون من برادة الذهب والماء والصمغ وعصير الليمون . - اللون الأزرق: يؤخذ من حجر اللازورد. - اللون الأصفر: يؤخذ من أكسيد الرصاص الأصفر أو المغرة الصفراء. - اللون اللازورد: يؤخذ من اللازورد وهو معدن (حجر) يتخذ في أصله للحلي وأجوده الصافي الأزرق يضاف إلى ماء العفص ومح بيضة والعفص.. - اللون الأرجواني: يحصل عليه من صدف بعض السمك الأرجواني اللون أو من الكبريت أو الزِّرنيخ وهو عنصر كيميائي سام (الرهج). - اللون الوردي: يؤخذ من المُرْتكِّ وهو الرصاص،ويمزج بالزعفران والصمغ. من "مهن الوراقة": التسطير هو عنصر أساسي من عناصر الحفريات التقنية في مجال عمل المخطوطات. وهو مجموع الخطوط المرسومة على الصفحة لتحديد المساحة المكتوبة وتوجيه الكتابة، ولا يلزم أن ترسم بالحبر والمداد، بل 98% غير ظاهرة. ووحدة التسطير هو المسافة بين السطر والآخر في الصفحة، وفي أغلب المخطوطات تكون متناسقة. - من أنواع التسطير: 1. التسطير بالمنحت أو المخرز أو الأداة التي كانت تستعمل في عمل السطور: ووجد في القرون الأولى ما يدل على استعمال التسطير في المخطوطات التي بالخط الحجازي، وكان المنحت المستعمل يترك تجويفات في باطن الصفحة يسمى ثلمة ويترك ظهورًا بروزًا أو تحدبًا يسمى بالجذور. 2. التسطير بالطي: أي طي الورقات. "من مهن الوراقة": التسفير والتجليد · الصورة الأولى للتجليد: أن يوضع المخطوط بين لوحين خشبين مثقوبين في مكانين متباعدين من ناحية القاعدة، ويمر كل ثقب منها خيط رفيع من ليف النخيل بيدأ بأحد اللوحين ثم تخرز به صحفا المخطوط حتى ينفذ إلي اللوح الأخر، فيعقد؛ وقد أخذ العرب هذه الطريقة من الأحباش. · مشاهير المجلدين: ذكر ابن النديم في الفهرست سبعة منهم؛ على رأسهم (ابن أبي الحريش )كان مجلدًا في خزانة الحكمة للمأمون. · كيفية التجليد: يجمع المجلد الأوراق القديمة، ويلصقها ببعض لتكون في النهاية الكرتون، ثم يغلّف أحيانًا بالرّق، أو الورق، أو القماش. · والتسفير كما يشرحه الإشبيلي يتكون من المراحل الآتية: التحزيم: بعد أن تلزم الكراريس وتطرق تحزم بالحرير إذا كانت رقًّا. التقفية: صناعة القفا – التسوية – الحبك - التبطين – البشر. · أحوال وطرائف الورّاقين: قال الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1/257): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ تَوْبَةَ الْأَدِيبُ، قَالَ: "خَاصَمَ بَعْضُ الْوَرَّاقِينَ امْرَأَتَهُ فَدَعَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: أَبْلَاكَ اللَّهُ بِقَلَمٍ حَفِيٍّ، وَسِكِّينٍ صَدِيٍّ، وَوَرَقٍ رَدِيٍّ، وَنَوْمٍ نَدِيٍّ، وَسِرَاجٍ يَنْطَفِي". أسماء الورّاقين والخطّاطين والنُّسَاخ اعلم أن كبار الخطّاطين للخط العربي المنسوب هم: 1. الأخوان ابنا مقلة: أبو علي محمد بن علي بن مقلة (ت 328 هـ)، وأبو عبدالله الحسن بن علي بن مقلة (ت 338 هـ). 2. أبو الحسن علي بن هلال البغدادي الكاتب المعروف بـ"ابن البوّاب" (ت 423 هـ). 3. آخر الخطَّاطين البغداديين الذين أثَّروا في تطور الخط العربي: جمال الدين ياقوت بن عبدالله المستعصمي الرومي (ت 698 هـ). تتلمذ عليه ستَّة صاروا أساتذة لمن بعدهم في زمن: التيموريين، والصفويين والعثمانيين، وهم: 1- أحمد السهروردي. 2- محمد بن حيدر الحسيني. 3- مبارك شاه بن قطب. 4- عبدالله الصيرفي. 5- أرغون الكاملي. 6- بير يحيى الصوفي. 4. بعد سقوط بغداد في العزو المغولي؛ صارت القاهرة المركز في الخط حتى نهاية القرن التاسع. 5. أشهر الخطّاطين في العصر المملوكي: ابن الوحيد الكاتب (ت 711هـ). 6. عبدالرحمن بن يوسف الصائغ (ت 845 هـ). 7. محمد بن الحسن بن محمد الطِّيبي (القرن العاشر) –صاحب كتاب "جامع محاسن كتابة الكتّاب ونزهة أولي البصائر والألباب على طريقة ابن البوَّاب". وأورد ابن الزيات نماذج للنَّسَخة الذين اغتنوا بالنساخة حتى إن بعض القضاة تمنوا لو اقتصروا على الوراقة ص 3. ويخبرنا مؤلف تاريخ قرطبة نقلاً عن المدخل ص:288 «أنه كانت توجد في الربض الشرقي للمدينة مائة وسبعون امرأة ينسخن المصاحف بالخط الكوفي». وقد فرّق العلماء بين الخطّاط والحرفي المستكتب أو النّساخ. الخطّاط هو الذي يتوخى الأبعاد الهندسية والفنية للخط. والحرفي المستكتب أو النّساخ: هو الذي ينجز عمل النساخة تحت الطلب. · نماذج من أسماء الورّاقين –الذين امتهنوا مهن الوراقة- عبر القرون: (المصدر: "الوراقة وأشهر أسماء الورَّاقين، تأليف: علي إبراهيم نملة). 1. إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المستملي (ت 376ه). 2. إبراهيم بن أحمد الأبزاري أبو إسحاق (ت 364ه). 3. إبراهيم بن إسحاق الحربي أبو إسحاق (ت 285ه). 4. إبراهيم بن أسعد الموصلي فخر الدين أبو إسحاق (ت؟). 5. إبراهيم بن سعيد الحبال (ت؟). 6. إبراهيم بن القاسم أبو إسحاق (ت بعد 417ه). 7. إبراهيم بن محمد بن سالم البغدادي عز الدين أبو إسحاق (ت بعد 656ه). 8. أبو زيد بن الخليفة الموحدي (ت بعد 712ه). 9. وراق محمد بن عبد الله المصري أبو العباس ( ت حول 339ه). 10. أحمد بن أحمد الدقاق الناسخ أبو طاهر (ت 470ه). 11. أحمد بن جعفر الوراق أبو العباس (ت؟). 12. أحمد بن الحسين الوراق (ت؟). 13. أحمد بن أبي غالب الوراق (ت 548ه). 14. أحمد بن العباس الوراق أبو العباس (ت؟). 15. أحمد بن عبد الله الفاسي أبو العباس (ت 650ه). 16. أحمد بن عبد الله أبو بكر الدوري الوراق (ت 379ه). 17. أحمد بن عبد الله الأسعردي قوام الدين أبو نصر (ت 581ه). 18. أحمد بن عبد الله بن عبدك العدسي الوراق (ت؟). 19. أحمد بن علي بن أحمد الصنهاجي (ت بعد 720ه). 20. أحمد بن عيسى بن خلف البغدادي أبو بكر الوراق (ت؟). 21. الحسن بن عبدالله المرزباني، أبو سعيد السيرافي النحوي (ت 368 ه). 22. الحسن بن علي بن الحسن بن عبدالله بن مُقلة، أبو عبدالله (338 ه). 23. الحسين بن أحمد بن فرج بن راشد المدني، البغدادي، قوام الدين، أبو محمد (598 ه). 24. حسين بن محمد بن أحمد الغساني، أبو علي (498 ه). 25. الحسين بن يوسف الصنهاجي الشاطبي الكتبي الناسخ، أبو علي (673 ه). 26. حمدان بن إبراهيم الورّاق، المعروف بابن نيطرا، العاقولي (ت 299 ه). 27. خلف بن محمد بن باز، القرطبي الوراق، أبو القاسم (437 ه). 28. سعيد بن الحسن بن شداد المسمعي الوراق الناجم، أبو عثمان (ت 314 ه). 29. سلمة بن عاصم، أبو محمد النحوي، وراق الفرَّاء (ت ؟). 30. شجاع بن جعفر البغدادي، أبو الفوارس (ت 353 ه). 31. العباس بن غالب الهمذاني، الورّاق (ت 233 ه). 32. عبدالحميد بن حبيب بن أبي العشرين (ت ؟). 33. عبدالرحمن بن محمد بن عباس، المعروف بابن الحصّار الطُّلَيطلي (ت 438 ه). 34. عبدالرزاق بن أحمد بن محمد، أبو الفضل، ابن الفوطي، ابن الصابوني (ت 723 ه). 35. عبدالله بن محمد بن أبي الجوع، الأديب الورّاق المصري (ت 395 ه). وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري عصر الإثنين 15 رجب 1439 هـ
  2. عبد الأعلى المصري

    الإيثار والنجدة والشهامة .. سمات الرجولة

    الإيثار والنجدة والشهامة .. سمات الرجولة بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه؛ أما بعد، فإن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان قد ضربوا أروع الأمثلة في الإيثار والنجدة والشهامة التي هي سمات الرجولة. قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وبوَّب البخاري في كتاب مناقب الأنصار: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، وأخرج تحته حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]. وأخرجه مسلم (2054) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مختصرًا: "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ"، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. وأخرج البخاري (3781)، ومسلم (1427) من حديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالاً، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ، وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْيَمْ». قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟». قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» -واللفظ للبخاري-. وأخرج البخاري (3782) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ، قَالَ: «لاَ» قَالَ: «يَكْفُونَنَا المَئُونَةَ وَيُشْرِكُونَنَا فِي التَّمْرِ» قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. ولذلك حقَّ للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول: «لَوْ أَنَّ الأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الأَنْصَارِ، وَلَوْلاَ الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ»، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي، آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ، أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى». فقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار والنجدة والشهامة، وحقَّقوا معاني الأخوة الصادقة مع المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين. وقد استوقفني في الآونة القريبة ثلاث حوادث تتمثل فيها معاني الإيثار والنجدة والشهامة في أروع صورها في زماننا المعاصر: الحادث الأول: قيام هذا الرجل الشهم –إبراهيم القللي- والذي يعمل مزارعًا في جازان- بإنقاذ عشرة من المرضى منهم نساء وأطفال من مستشفى جيزان لما دبَّ فيها الحريق، ولقي ربَّه وهو يحاول إنقاذ روح أخرى بعد العاشرة، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}. وقد أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز –حفظه الله- بمنحه وسام الملك عبدالعزيز –رحمه الله- من الدرجة الأولى ومنح أسرته مليون ريالاً مكافأة على إيثاره وشهامته ورجولته. والحادث الثاني: قصة مقتل الجندي الشهم (علي بن علي) –أحد جنود الصاعقة المصرية- حيث شارك في إحدى العمليات القتالية ضد الخوارج، ولما وجَّه العدو رشاشًا آليًا متعدّد الطلقات صوب إخوانه في الكتيبة، أعطى ظهره لهذه الطلقات؛ كي يفدي بها إخوانه، فأخذ في ظهره ما يقرب من خمسين طلقة نارية. والحادث الثالث: قصة الجندي المصري الشجاع الذي صعد بدبابته فوق سيارة مفخخة قبل أن تنفجر كي يحمي عشرات المسلمين المتواجدين في المنطقة من الموت. فهل بعد هذا الإيثار من إيثار؟! ونحن وإن كنا لا نجزم لأحد بالشهادة، فالله أعلم بنياتهم وخواتيمهم، لكن لنا ظاهر العمل الذي دلّ على شهامة وإيثار ونجدة يضرب بها المثل، قلَّ أن توجد في هذا الزمان. فهؤلاء ثلاثة من عامّة المسلمين –ليسوا بدعاة ولا طلبة علم- ضربوا أروع الأمثلة في النجدة والإيثار والشهامة.. كانوا رجالاً -نحسبهم حقَّقوا معاني الرجولة، ولا نزكيهم على الله-، وقد يكونون أصحاب معصية وتقصير وجهل في بعض الجوانب، لكن أعمالهم العظيمة التي خُتِم لهم بها نرجو أن تكون كفَّارة لذنوبهم، ونسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء. ولذا فإني أوجه ندائي إلى إخواننا أن يتلمسوا هذه المعاني الجليلة من الإيثار والنجدة والشهامة، وأن يسعوا جاهدين أن يحقِّقوها في واقعهم، وأن ينبذوا الاختلافات فيما بينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وأن يسعوا إلى إصلاح ذات البين، فإن لحظات العمر أغلى من أن تهدر في هذه المنازعات والخصومات التي كان يتجنبها سلفنا الصالح، ويحذِّرون من الدخول فيها، وإن الدنيا قصيرة، فاخرج منها –إن استطعت- كفافًا لا تحمل أوزارًا يثقل ظهرك عن حملها، والق ربّك خفيف المحمل لا يطالبك أحد بشيء. وتأمل ما قاله الشيخ مقبل الوادعي –رحمه الله- في "المخرج من الفتنة" (ص ٨-٩): "إنَّنا لسنا نستغرب اختلاف الملوك والرؤساء؛ لأنَّهم أصحاب دنيا. ولكن الذي يجرح القلب هو اختلاف الدعاة إلى الله، ويحقِّقون ما يريده أعداؤهم من الفرقة". وأوجه هذه الأسئلة إلى المتنازعين: تخيل نفسك مع إخوانك -الذين لا تفتأ عن منابذتهم- في هذه المستشفى التي وقع بها الحريق، هل تصنع صنيع هذا المزارع البسيط وتفدي إخوانك والآخرين؟! أو تخيل نفسك مع إخوانك في كتيبة واحدة في جهاد الأعداء من اليهود أو الروافض أو الخوارج، ففوجئتَ بأحد هؤلاء المجرمين يصوب السلاح الآلي المتعدد الطلقات كي يحصد إخوانك جميعًا، هل تصنع صنيع هذا الجندي الشهم، فتجعل ظهرك حاميًا لإخوانك أم تفر وتتركهم؟! أو تخيل نفسك في موقع واحد مع إخوانك، ومعك هذه الدبَّابة، وشعرت بهذه السيارة المفخخة التي إن انفجرت قتلت إخوانك جميعًا، هل تصنع صنيع هذا الجندي الشهم فتتقدم تقدم الأسود كي تحمي إخوانك من هذه المصير؟! أسئلة تحتاج إجابتها إلى وقفة صادقة مع النفس، وتجرد لله عز وجل لا تحابي فيها نفسك، بل تحاسبها، واعلم أنك مسئول عن إجابتك بين يدي عليم خبير {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}. أيها الأفاضل، أنتم أعلم مني بغربة السلفيين في العالم أجمع، وأعلم بقلتهم وضعفهم، فلمَ نزيد هذه الغربة غربة والضعف ضعفًا بهذا التشرذم والشقاق والتحريش، ونحقق مراد الشيطان فينا، كما في حديث جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ». وأنتم أدرى مني بالمرحلة الدقيقة التي تمر بها بلاد الإسلام كافَّة، فإن الأعداء من الرافضة واليهود والنصارى وأهل الأهواء قاطبة يتربصون بنا من كل حدب وصوب، يغتنمون الفرصة تلو الفرصة؛ كي يمزقونا تمزيقًا، فهل نكون نحن أداة لهذا التمزيق، ونشمت بنا الأعداء، أم نتكاتف أكثر وأكثر من أجل أن نكون صمام أمن للمجتمع؟! إخواني على الصغير أن يحترم الكبير، وعلى اللاحق أن يعرف للسابق حقَّه وقدره ! ووالله إن جرأة الصغار على الكبار –ولو أخطأ الكبير- تؤدي إلى شرٍّ عظيم وفساد في الأرض كبير. أخي لا يكون هدفك أن ينتشر الحق على يديك أنت، بل أن ينتشر في الآفاق ولو على يدي غيرك –ولو لم يُنسَب إليك شيء منه-، ورحم الله الشافعي لما قال: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ، وَمَا فِي قَلْبِي مِنْ عِلْمٍ، إِلا وَدِدْتُ أَنَّهُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، وَلا يُنْسَبُ إِلَيَّ». وعن الرَّبِيع، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ -وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَذَكَرَ مَا وَضَعَ مِنْ كُتُبِهِ- فَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ تَعْلَمُهُ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ أَبَدًا. وعن حَرْمَلَة بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقْولُ: «وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ أَعْلَمُهُ تَعَلَّمُهُ النَّاسُ أُوَجَرُ عَلَيْهِ، وَلا يَحْمَدُونِي». إخواني.. السلفيون خيار الناس، فعليهم أن يقدّموا الأسوة الحسنة في كل مواقفهم لعامة المسلمين، خاصة عند اختلافهم. فالواجب علينا أن نقدِّم نموذجًا صالحًا يُقتدى به، وأن نربي عليه أولادنا وأولاد المسلمين؛ كي ينشأ جيل صالح يحمل هذه الدعوة بعدنا. وأقول: {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري عصر الأربعاء 10 رجب 1439 هـ
  3. بسم الله الرحمن الرحيم منهج الشيخ عبدالسلام بن محمد بن هارون –رحمه الله تعالى- في صنع الفهارس والكشَّافات من خلال تحقيقه لهذه الكتب 1. "الكتاب" لسيبويه (أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر) (ت 183 هـ) (ط مكتبة الخانجي). 2. "مقاييس اللُّغة"، لأبي زكريا أحمد بن فارس (ط دار عالم الكتب). 3. "مجالس العلماء" لأبي القاسم عبدالرحمن بن إسحاق الزّجاجي (ت 340 ه) (ط مكتبة الخانجي – دار الرفاعي بالرياض). 4. "المصون في الأدب" لأبي أحمد بن عبدالله العسكري (ت 382 ه). (ط مكتبة الخانجي – دار الرفاعي بالرياض). 5. "المفضليَّات"، للمفضل بن محمد بن يعلى الضَّبِّي (وشاركه في تحقيقه: المحدِّث أحمد شاكر –رحمه الله-) (ط دار المعارف) المكوّنات *المنهج العام للشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- في صنع الفهارس* · عناوين الفهارس العامة المشتركة بين الكتب الخمسة. · عناوين الفهارس الواردة في "المفضَّليات"، ولم ترد في الكتب الأخرى. · عناوين الفهارس الواردة في كتاب "مجالس العلماء"، ولم ترد في الكتب الأخرى. · عناوين الفهارس الواردة في كتاب "الكتاب" لسيبويه، ولم ترد في الكتب الأخرى. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المصون في الأدب" عن فهارس الكتب الأخرى. · الاختلافات الواردة في فهارس "مقاييس اللُّغة" عن فهارس الكتب الأخرى. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المفضّليَات" عن فهارس الكتب الأخرى. *منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس* · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "الكتاب" لسيبويه. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مجالس العلماء" لأبي القاسم الزجاجي. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مقاييس اللغة" لابن فارس. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المفضَّليات" للمفضَّل الضَّبِّي. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المصُون في الأدب" للعسكري. *منهجه –رحمه الله- في ترتيب كل فهرس على حدة* · منهجه –رحمه الله- في فهرست آيات كتاب الله عز وجل. · منهجه في فَهرَست الأحاديث والآثار والأخبار. · منهجه –رحمه الله- في فهرست الأعلام وأسماء البلدان والقبائل. · منهجه –رحمه الله- في فهرست الأشعار. *المنهج العام للشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- في صنع الفهارس* بسم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أمابعد، فقد أبان الشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- عن منهجه العام في صنع الفهارس من خلال كتابه "تحقيق النصوص ونشرها"، ثم فصَّل في بيان منهجه في كل فهرس على حدة. قال –رحمه الله- في كتابه "تحقيق النصوص ونشرها" (ص92/الطبعة السابعة) بعد أن ذكر مكملات التحقيق: "وللفهارس المقام الأول بين هذه المكملات، إذ بدونها تكون دراسة الكتب -ولا سيما القديمة منها- عسيرة كل العسر، فالفهارس تفتش ما في باطنها من خفيات يصعب التهدِّي إليها، كما أنها معيار توزن به صحة نصوصها، بمقابلة ما فيها من نظائر قد تكشف عن خطأ المحقِّق أو سهوه". وقال في (ص93) بعد أن ذكر تجاربه في ابتداع فهارس لبعض الكتب التي حقَّقها، وهي: "الحيوان"، و"البيان والتبيين"، و"مقاييس اللُّغة"، و"المفضّليات": "...وابتدع الأستاذ محب الدين الخطيب في نشر كتاب "الميسر والقداح": "فهرس ما في متن الكتاب من لُغات الميسر والقداح وصفاتهما وأدواتهما". كما صنع الأب أنستاس ماري الكرملي في نشر "الإكليل" فهرس المعمِّرين، والفهرس العمراني. وله فهارس أخرى طريفة في نشر "نخب الذخائر". وكذلك ابتدع الأستاذ محمد عبد الغني حسن في نشر "حلية الفرسان" 11 فهرسا تتعلق بالخيل. وصنع الأستاذ كوركيس عواد في نشر "الديارات للشابستي" فهرسا عمرانيًّا طريفًا. ولغير هؤلاء من إخواننا المحقِّقين العرب جهود أخرى موفَّقة في الفهارس قد يضيق بسردها هذه المقام. وإنما ذكرت هذا كله لأسجل هذه الاتجاهات العلمية الحديثة التي تحاول أن تبحث الكنوز وتقلبها المرة تلو المرة، لتعثر على ما يفيد العلم والتاريخ الحضاري. وأكثرت من عرض ذلك أيضًا لأقول: إن لكل كتاب منهجًا خاصًّا في فهرسته دون التقيد بالطرق العامة للفهارس، وهي الطرق التقليدية القديمة، أي التي كانت حديثة بالأمس، إذ إن الفهارس ما وضعت إلا لتمكين القارئ من أن ينتفع بالكتاب غاية الانتفاع". وقال –رحمه الله- (ص95-97) في بيان طريقته في ترتيب الفهارس: ويشمل: أ- ترتيب كل فهرس في نطاقه نفسه. ب- ترتيبه مع غيره من الفهارس. أ‌- أما الأول: فمن اليسير أن نجري هذا الترتيب بوساطة صنع مجموعات مرتبة على الثواني ثم الثوالث وهكذا، وينضبط هذا العمل باستعمال "صندوق الجذاذات". قلت: ثم أخذ يفصِّل عن منهجه في ترتيب كل فهرس على حدة، وسيأتي –إن شاء الله- ذكر هذا في موضعه، إلى أن ذكر في نهاية الكلام منهجه في ترتيبه مع غيره من الفهارس. ب‌- وأما ترتيب الفهرس مع غيره من الفهارس فإن المنهج المنطقي يقتضي تقديم أهم الفهارس وأشدَّها مساسًا بموضوع الكتاب، فإن كان الكتاب كتاب تراجم وتاريخ قدَّم فيه فهارس الأعلام، أو كتاب أمثال قدَّم فهرس الأمثال، أو قبائل قدَّم فهرس القبائل وهكذا، ثم تساق بعده سائر الفهارس مرتبة حسب ترتيبها المألوف.اهـ قلت: وقبل أن أناقش منهجه التفصيلي في كل فهرس على حدة، أناقش منهجه في ترتيب الفهرس مع غيره، وهل التزم –رحمه الله- بالفعل بهذا الترتيب أما لا؟ فأقول: ابتداءً نسرد عناوين الفهارس العامة المشتركة بين الكتب الخمسة –بغض النظر عن الترتيب-: 1. فهرس القرآن الكريم. 2. فهرس الأحاديث. 3. فهرس اللُّغة. 4. فهرس الأشعار. 5. فهرس الأرجاز. 6. فهرس الأمثال. 7. فهرس الأعلام. 8. فهرس الكتب. - أما عن فهارس "القبائل"، و"البلدان"، هكذا عنون لها في فهارس "مقاييس اللّغة"، وعبَّر عنها في "الكتاب" لسيبويه، و"مجالس العلماء"، و"المفضّليات" بقوله: - فهرس القبائل والطوائف. - فهرس البلدان والمواضع. * عناوين الفهارس الواردة في "المفضَّليات"، ولم ترد في الكتب الأخرى: - فهرس الشعراء. - فهرس القوافي. - فهرس الحروف التي لم تذكر في المعاجم. - الفهرس الفني: أ- الأوصاف. ب- التشبيهات. ج- الفخر. د- المعاني العامة. * عناوين الفهارس الواردة في كتاب "مجالس العلماء"، ولم ترد في الكتب الأخرى: - فهرس مسائل العربية. - فهرس مجالس الكتاب. - فهرس مسائل الكتاب. - فهرس الكتب التي ورد ذكرها في الكتاب. · عناوين الفهارس الواردة في كتاب "الكتاب" لسيبويه، ولم ترد في الكتب الأخرى: - فهرس الأساليب والنماذج النحوية. - فهرس الألفاظ المفسَّرة في الحواشي. - فهرس المقدمة وأبواب الكتاب حسب ورودها. - فهرس مسائل النحو والصرف. - فهرس المقابلة بين صفحات نسحة بولاق ونسختنا هذه. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المصون في الأدب" عن فهارس الكتب الأخرى: - فهرس الحديث (هنا "الحديث" بدلا من "الأحاديث"). - فهرس الأعلام والقبائل والطوائف (هنا جمع بين الأعلام والقبائل والطوائف)، وأم الكتب الأخرى فقد فصَلَ فهرس الأعلام عن فهرس القبائل والطوائف، وأحيانًا لا يذكر الطوائف. - فهرس الأبواب والفصول. (جمع بين الأبواب والفصول). · الاختلافات الواردة في فهارس "مقاييس اللُّغة" عن فهارس الكتب الأخرى: قسَّم فهرس اللُّغة إلى ثلاثة أقسام: 1. ما ورد من الألفاظ اللّغوية في غير مادته. 2. الألفاظ غير العربية. 3. ما فات المعاجم المتداولة أو انفرد به ابن فارس. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المفضّليَات" عن فهارس الكتب الأخرى: أولاً: في فهرس "أسماء الشعراء"، و"القوافي" تم العزو إلى رقم القصيدة لا إلى رقم الصفحة. وفي فهارس "اللُّغة"، و"الحروف التي لم تذكر في المعاجم"، و"الفهرس الفني" تم العزو إلى رقم القصيدة، ورقم البيت. ثانيًا: الفهرس الفني كان فريدًا من نوعه بين الفهارس كما جاء في التعليق على "الفهرس الفني": "هذه الفهارس التحليلية المبتكرة، هي في صميم فنون الشعر، إذ ترشد القارئ إلى مواضع المعاني التي بها يتفاضل الشعراء في البلاغة والإبانة، وهي المعاني التي يكون بها الشعر شعرًا، وقد صنّفت إلى أربعة أصناف: الأوصاف، والتشبيهات، والفخر، ثم سائر المعاني العامة، ولن تجد لهذه الفهارس مثيلاً في كتاب من قبل".اهـ *منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس* وإليك منهجه في ترتيب الفهرس مع غيره: · أولاً: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "الكتاب" لسيبويه: 1. شواهد القرآن الكريم. 2. الحديث. 3. الأمثال. 4. الأساليب والنماذج النحوية. 5. الأشعار. 6. الأرجاز. 7. اللُّغة. 8. الألفاظ المفسرة في الحواشي. 9. الأعلام. 10. القبائل والطوائف ونحوها. 11. البلدان والمواضع ونحوها. 12. المقدمة وأبواب الكتاب حسب ورودها. 13. مسائل النحو والصرف. 14. المقابلة بين صفحات نسخة بولاق ونسختنا هذه. 15. مراجع الشرح والتحقيق. • ثانيًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مجالس العلماء" لأبي القاسم الزجاجي: 1. فهرس القرآن الكريم. 2. فهرس الحديث. 3. فهرس الأمثال. 4. فهرس الأشعار. 5. فهرس الأرجاز. 6. فهرس الأعلام. 7. فهرس القبائل والطوائف ونحوها. 8. فهرس البلدان والمواضع ونحوها. 9. فهرس اللُّغة. 10. مسائل العربية. 11. مجالس الكتاب. 12. مسائل الكتاب. 13. الكتب التي ورد ذكرها في الكتاب. 14. مراجع الشرح والتحقيق. • ثالثًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مقاييس اللغة" لابن فارس: 1. فهرس اللُّغة. 2. فهرس الأشعار. 3. فهرس الأرجاز. 4. فهرس الأمثال. 5. فهرس الأعلام. 6. فهرس القبائل. 7. فهرس البلدان. 8. فهرس الكتب. • رابعًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المفضَّليات" للمفضَّل الضَّبِّي: 1. فهرس الشعراء. 2. فهرس القوافي. 3. فهرس اللُّغة. 4. فهرس الحروف التي لم تذكر في المعاجم. 5. الفهرس الفني. 6. فهرس الأعلام. 7. فهرس القبائل والطوائف. 8. فهرس البلدان والمواضع. • خامسًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المصون في الأدب" للعسكري : - أولاً: فهرس (طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة والرفاعي بالرياض (الطبعة الثانية 1982) : 1. فهرس القرآن الكريم. 2. فهرس الحديث. 3. فهرس الأمثال. 4. فهرس اللُّغة. 5. فهرس الأعلام والقبائل والطوائف. 6. فهرس البلدان والمواضع. 7. فهرس الأشعار. 8. فهرس الأرجاز. 9. فهرس الأبواب والفصول. 10. مراجع الشرح والتحقيق. ثانيًا: الفهارس في (الطبعة الثانية المصورة، طبعة مطبعة حكومة الكويت 1984)، جاءت ناقصة ومرتّبة ترتيبًا مخالفًا لطبعة الخانجي: 1. فهرس الأبواب والفصول. 2. فهرس الأعلام والقبائل والطوائف. 3. فهرس البلدان والمواضع. 4. فهرس الأشعار. 5. فهرس الأرجاز. 6. مراجع الشرح والتحقيق. قلت: ويظهر من هذا السرد لترتيب فهارس هذه الكتب الخمسة بعضها مع بعض ما يلي: 1. أنه -رحمه الله- لم يضع فهرسًا للقرآن والحديث إلا في ثلاثة كتب، وهي: "الكتاب"، و"مجالس العلماء"، و"المصون في الأدب"، وخلا كتابا "مقاييس اللُّغة"، و"المفضَّليات" من فهارس القرآن والحديث، فهل هذان الكتابان لم يُستشهد فيهما بآيات وأحاديث أم لا؟ - أما عن "مقاييس اللُّغة"، فقد تصفحت بعض أجزائه فوقفت على بعض الآيات فيه التي استشهد بها ابن فارس، ومن هذه المواضع: (5/102) استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ}. (2/227) استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}. (2/233): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. (2/319): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}. (2/319): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. (3/90): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ}. وبالنسبة للأحاديث والآثار، استشهد ابن فارس: في (2/223) بحديث: "إن أخنع الأسماء". وفي (3/88): بحديث: "حتى إن الرُّمَّانة لتشبع السَّكْن". وفي (3/376): بحديث: "استغرِبوا لا تُضْووا". وفي (3/414): بحديث: "اقتلوا ذا الطُّفْيَتَين والأبتر". وعلَّق في الحاشية: "في اللِّسان: "إن أخنع الأسماء إلى الله تبارك وتعالى مَن تسمَّى باسم ملك الأملاك". وفي (3/208) بأثر يحيى بن يَعمَر أنه قال للرجل خاصمته امرأته: "إن سألتك ثمن شَكْرها، وشَبْرِك، أنشأت تطُلُّها، وتَضْهَلها". - وأمّا عن "المفضَّليات"، فهو كتابٌ في الشعر، وقد خلا من الآيات والأحاديث. 2. أنه -رحمه الله- في "مقاييس اللغة"، لابن فارس، قدَّم فهرس "اللُّغة" على غيره من الفهارس؛ لأنه كتابٌ في اللُّغة، وهذا التزام منه لما قرّره في كتابه "تحقيق النصوص". 3. أنه -رحمه الله- في كتاب "المفضَّليات" للمفضَّل الضَّبِّي، قدَّم فهرس "الشعراء"، وثنَّى بفهرس "القوافي"؛ لأنه كتابٌ في الشعر، وهذا التزام منه أيضًا لما قرّره في كتابه "تحقيق النصوص". * منهجه –رحمه الله- في ترتيب كلِّ فهرس على حدة * · منهجه –رحمه الله- في فهرست آيات كتاب الله عز وجل: لقد أبان –رحمه الله-عن منهجه في فهرست آيات كتاب الله عز وجل من خلال كتابه "تحقيق النصوص" (ص95-96/ط الرابعة)، حيث قال: "وترتيب "آي الذكر الحكيم" جرى كثير من المحقِّقين فيه على اتباع السورة ورقم الآية، فبعضهم مع ذلك يرتب السور على حسب ورودها في الكتاب العزيز، وبعضهم يرتب السور على حسب حروف الهجاء. وقد جريت على ذلك في كثير من منشوراتي، ولكن وجدت في تجربتي الطويلة أن في ذلك شيئًا من الصعوبة، وأنه لا يجدي الباحث كثيرًا، ولا سيما إذا كان بحثه عن آية يجهل سورتها مع علمه بلا ريب ببعض ألفاظها، فاهتديت بعون الله إلى طريقة ميسرة للتهدِّي إلى آيات الكتاب بترتيبها في نطاق المواد اللغوية، اعتمادًا على بروز بعض كلمات الآية: مثال ذلك: أرب: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} ص5. بتل: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} ص10. ترب: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} ص15. ثوب: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ص20... وهكذا". قلت: وقد التزم –رحمه الله- بهذا المنهج في تحقيقه على الكتب المختارة، وأكّد عليه في بعضها، كما قال في تعليقه على فهرس شواهد القرآن في فهارس "الكتاب" لسيبويه: "جرى الترتيب اللُّغوي في هذا الفهرس على المواد اللّغوية، وقد وجدت أن هذا الترتيب الذي ابتدعته، أوفق من الترتيب المتبع في فهارس القرآن، الذي يعتمد على ترتيب السور والآيات، فإن فيه الصعوبة، ومن ضعف الفائدة ما لا خفاء به". وأما عن منهجه في فهرست "القراءات"، فهو يدمجها في فهرس آيات القرآن، دون أن يميّز بين القراءات المختلفة، كما جاء في "المصون" (ص121): "فقال ابن الكلبي: مَن قرأ {ألا إنهم تَثْنَوي صدورهم}..."، وضعها في ترتيبها اللُّغوي في فهرس القرآن، حيث وضعها في مادة "ثنى". · منهجه في فَهرَست الأحاديث والآثار والأخبار: قد أبان –رحمه الله- عن منهجه في فهرسته لـ: "خزانة الأدب" (17/15): "ولصعوبة الفصل بين هذه الثلاثة جعلتها واحدًا مرتبة أوائله على حروف الهجاء، مع نسبة ما أمكن منها إلى أربابها، تاركًا للحواشي في أجزاء الكتاب أن تتكفل بتخريج كل نص من هذه النصوص". قلت: والأحاديث المرفوعة في الكتب المختارة كانت قليلة جدًّا، وفي بعضها منعدمة. فلم يصنع فهارس للأحاديث في "مقاييس اللّغة"، و"المفضليات"، والأخير قد خلا من الأحاديث والآثار والأخبار؛ لأنه كلّه أشعار. وأما كتاب "المصون في الأدب"، لأبي أحمد العسكري، فقد ورد فيه ستّة أحاديث في الفهرس، وكذلك كتاب "مجالس العلماء"، لأبي القاسم الزّجّاجي. وأما كتاب "الكتاب" لسيبويه، فقد ورد فيه ثمانية أحاديث. وبعد تتبعي لمنهجه في فهرست الأحاديث، وجدت أنه يذكر نصّ الحديث كاملاً في الفهرس، لا يذكر طرفًا منه فقط، كما جرت عادة المفهرسين. مثال: في كتاب "المصون في الأدب" (ص136) ([1]): حديث: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس، وأهل المعروف في الدنيا: أهل المعروف في الآخرة، وإن يهلك امرؤٌ بعد مشورة"، فذكر نصّه كاملاً في الفهرس رغم طوله. - وفي كتاب "مجالس العلماء" ستّة أحاديث ذكر نصوصها كاملة في الفهرس، وهي: 1. (ص118): حديث: "صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم". 2. (ص137): حديث: "الحرب خدعة". 3. (ص182) حديث: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة علينا". 4. (ص118): "ليس من أصحابي أحدٌ ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء". 5. (ص229): "اللهم إنب أسألك اليقين والعفو والعافية، وتمام النعمة في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين". 6. (ص152): "أيما رجل تزوج امرأة لدينها وجمالها كان ذلك سدادًا من عوز". 7. (ص182): "كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يتخوَّلنا بالموعظة". · منهجه –رحمه الله- في فهرست الأعلام وأسماء البلدان والقبائل والطوائف: قد أبان –رحمه الله- عن منهجه في هذا الباب في كتابه "تحقيق النصوص ونشرها" (ص95/ط الثانية) بقوله: "وترتيب "الأعلام والبلدان والقبائل" ونحوها ليس فيه شيء من العسر إلا في مراعاة "الإحالات"، وذلك فيما إذا ورد العلم مرة باسمه، وأخرى بكنيته أو لقبه، فتحول أرقام كل من الأخيرين إلى "الاسم" لأنه هو المعتمد في الترتيب. وينبه المفهرس القارئ إلى ذلك. وأما الكنى والألقاب التي لم يرد لها اسم ترد إليه فإنها توضع كما هي في ترتيبها. وبعض المفهرسين يعبر كلمة "ابن" و "أبو" و "ذو" فيضعها في الألف والذال، وبعضهم يهمل ذلك فيرتب ما أضيفت إليه فقط، فابن الحسن في الحاء وأبو اليسر في الياء، وذو الإصبع في الألف. وبعضهم يهمل "ابن" و"أبو" فقط، ويحمل "ذو" في الذال، وهذا النظام الأخير هو الذي ارتضيته في فهارسي وهو النظام الغالب بين المفهرسين، والأمر كله لا يعدو الجري على نظام خاص".اهـ قلت: وقد تتبعت صنيعه في فهارس الكتب المختارة، فوجدته –رحمه الله- قد وفى بما أصَّله نظريًّا في كتابه "تحقيق النصوص"، وإليك أمثلة على هذا: أولاً: أمثلة من فهرست الأعلام في "مقاييس اللّغة" لابن فارس: - في مادة "أبو إسحاق الزّجّاج"، أحال على اسمه: "إبراهيم بن السَّري". - في مادة "الأعنق" –وهو لقب-، أحال على اسمه: "قيس بن الحارث بن همام". - في مادة "أبو بكر" –وهي كنية-، أحال على اسمه: "محمد بن الحسن بن دُرَيْد". - أبو بكر الصِّديق، وأبو بكر بن السُّنِّي، وأبو بكر الخيَّاط ثلاثتهم لم يحلهم على أسماء؛ لأنهم معروفون بكنيتهم. - أبو الدقيش، وأبو دليجة، وأبو داود كذلك ثلاتهم لم يحلهم على أسماء؛ لأنهم معروفون بكنيتهم. - "ابن ثور" وضعها في مادة "الثاء" لا الألف، كما تعهد أن يهمل "ابن"، و"أبو"، دثم أحال على اسمه: "حمَيد". ثانيًا: أمثلة من فهرست الأعلام في "الكتاب" لسيبويه (5/176-194): - ابن الأبرص، وهي نسبة إلى "ابن"، لم يجعله في حرف الألف، بل أحال على اسمه: "عَبِيد بن الأبرص". - ابن أحمر، وهي نسبة إلى "ابن"، لم يجعله في حرف الألف، بل أحال على اسمه: "عمرو". - ابن أسود، لم يحل فيه على اسم؛ لأنه ليس معروفًا باسمه. ومن المشهورين بكناهم، فلم يحل إلى أسمائهم: أبو داود، وأبو حنش، وأبو حيَّة النُّمَيري. - "أبو الخطاب الأخفش الأكبر"، جمع بين كنيته ولقبه، وأحال على اسمه: "عبدالحميد بن عبدالمجيد خطام المُجاشِعي". - ذو الأصبع العدواني، وذو الرّمّة، كلاهما في حرف الذال. ثالثًا: أمثلة من فهرست الأعلام في "مجالس العلماء" للزجّاجي (ص286-312): - أبو سعيد، أحال على اسمه "الحسن البصري". - ابن السِّكّيت، أحال على اسمه "يعقوب". - الشافعي، أحال على اسمه "محمد بن إدريس". - الفرَّاء، أحال على اسمه "يحيى بن زياد". - ابن الكلبي، لم يحل على اسمه؛ لأنه معروفٌ بهذه النسبة. وقال الشيخ عبدالسلام أيضًا في تعليقه على فهرس الأعلام من فهارس "الكتاب" لسيبويه: "ولم فى تذكر في الفهرس أرقام الخليل بن أحمد ، يونس بن حبيب، وذلك لكثرة ورودها كثرة مفرطة". قلت: فهذه قاعدة اتّبعها في فهرست الأعلام، أنه –رحمه الله- لا يذكر الأعلام المتكررة في الكتاب تكرُّرًا مفرطًا، مِمَّا يجعل ذكرها في الفهرس ليس ذا كبيرة فائدة؛ لأن هذا العَلَم قد يذكر في جلِّ صفحات الكتاب. رابعًا: منهجه في الإحالات في فهرس القبائل والطوائف ونحوها في "الكتاب" لسيبويه: جاء في هذا الفهرس (195-202): - مادة "الأقارع"، أحالها على "بني قريع". - مادة "البكريون"، أحالها على "بكر بن وائل". - مادة "بلحارث"، أحالها على "بنو الحارث". - مادة "تميم بنت مر" أحالها على "تميم بن مر". - مادة "التميميون" أحالها على "تميم بن مر". - مادة "الحجازيون" أحالها على "أهل الحجاز". - مادة "عام" أحالها على "عامر بن صعصعة". - مادة "الكوفيون" أحالها على "أهل الكوفة". - مادة "المدنيون" أحالها على "أهل المدينة". خامسًا: منهجه في الإحالات في فهرس البلدان والمواضع ونحوها: 1. في "الكتاب" لسيبويه: لم أقف إلا على إحالة واحدة في مادة "القرية" أحالها على "الشام"، وفي (1/38). وهي في قول المتلمِّس: آليت حبَّ العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السُّوسُ وعلَّق عليه الشيخ عبد السلام هارون –رحمه الله- في الحاشية، فقال: "ديوان المتلمس الورقة 5 نسخة الشنقيطي، وكان عمرو بن هند قد أقسم ألا يطعم المتلمِّس حبّ العراق لما خافه على نفسه، وفر الملتمس إلى الشام ومدح ملوكها، فقال لعمرو: آليت على ذلك، وقد أمكنني منه بالقرية – يعني الشام- ما يغني عمَّا عندك، وما يأكله السوس من كثرته". قلت: فـ "القرية"، هنا مبهم، فأحال على تعيينها، وهي "الشام". 2. في "مقاييس اللُّغة" لابن فارس: - مادة "أم رحم" أحالها على "مكة". (6/404). - مادة "أم القرى" أحالها على "مكة". (6/404). - مادة "بكة" أحالها على "مكة". (6/405). - مادة "البنية" أحالها على "مكة". (6/405). - مادة "صلاح" أحالها على "مكة".(6/410). - مادة "الناسة" أحالها على "مكة". (6/413) ثم أعاد ذكر كل هذه المواد تحت مادة "مكة". 3. في "مجالس العلماء" لأبي القاسم الزجَّاجي: لم أقف إلا على إحالة واحدة في مادة "الزوراء" أحالها على "مدينة أبي جعفر". · منهجه –رحمه الله- في فَهرست الأشعار: قد أبان –رحمه الله- عن منهجه في هذا الباب في كتابه "تحقيق النصوص ونشرها" (ص96-97/الطبعة السابعة)، حيث قال: "وأما ترتيب "الشعر" فإنه متنوع الضروب: وأقل صورة لترتيبة أن يرتب على القوافي من الهمزة إلى الياء ثم الألف اللينة في آخرها، ثم ترتب كل قافية على أربعة أقسام: الساكنة، ثم المفتوحة، ثم المضمومة، ثم المكسورة، ويضاف إلى آخر كل قسم من هذه الأقسام ما يمكن أن يختم المادة بالهاء الساكنة ثم المضمومة ثم المفتوحة ثم المكسورة. وقد يضم إلى هذا الترتيب ترتيب آخر، وهو ترتيب البحور الستة عشر، وقد يضم إليها ترتيب ثالث هو صاحب الشعر، وفي كل ترتب الصفحات في كل قافية على حدة. أما أنا فقد سرت في معظم كتبي الأخيرة على نهج خاص في الترتيب قصدت به التيسير والضبط، إذ سرت على طريقة ميَّسرة، ملغيًّا ترتيب البحور، لجهل كثير من الناس بها أو بتطبيقها، وهي طريقة شبيهة بالعروضية، فأجعل ترتيب كل مجموعة من القوافي على النسق التالي: فَعلُ - مفَعَّلُ - فَعَلُ - فاعل - فعال وأفعال - فعول وفعيل. مثل أهل - المعول - سبل - عواذل - الخيال وأمثال - تقول وسليل. وتفسيرها من علم القافية -وهو ما لم نقصده- أن ترتب على أنواع القوافي التالية: المتواتر. المتدارك. المتكاوس أو المتراكب. المؤسسة، المردوفة بألف. المردوفة بواو أو ياء وجعلت كل المشطورات من السريع والمنسرح والرجز فهرسًا واحدًا سميته "فهرس الأرجاز"؛ وذلك لصعوبة التمييز بين هذه البحور والثلاثة؛ ولأن أرجاز العرب جاءت على هذه البحور جميعًا".اهـ قلت: وقد تتبعت فهارس الكتب الخمسة، فوجدته –رحمه الله- قد التزم هذا التقسيم، فخصَّص فهرسًا للأشعار بالأوزان المذكورة، مراعيًا فيه الترتيب المشار إليه، وآخر للمشطورات من السريع والمنسرح والرجز، سمَّاه بـ"فهرس الأرجاز".اهـ قلت: ومن سمات منهج الشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- في الفهرسة -التي بدت لي- أنه يحرص دائمًا على ابتداع الفهارس التي تسهّل الوصول إلى دقائق المعلومات في داخل النصِّ المحقَّق. من أمثلة هذا أنه في "الكتاب" لسيبويه، صنع فهرسًا للمقارنة بين نسخته ونسخة بولاق فقال: "تيسيرًا للاهتداء إلى ما يقابل صفحات نسخة بولاق التي مضى على طبعها إلى الآن نحو ثمانين سنة للدراسات المختلفة والإشارات العلمية الكثيرة، صنعت هذا الفهرس المقارن". هذا ما تيَّسر جمعه في هذه العجالة، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من الاستقصاء والتتّبع والتحري للخروج بنتائج أمثل وأدقّ، والله المستعان. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري
  4. حماية أهل الذمة من اليهود والنصارى والإحسان إليهم في شريعة الإسلام بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه؛ أما بعد، فإن أحكام أهل الذمِّة لها نصيب معلوم في شريعة الإسلام، وقد تناثرت مسائلها في كتب الفقه في أبواب شتى، ومن هذه المسائل: "حماية أهل الذمة من اليهود والنصارى والإحسان إليهم"، وفي هذا البحث أحاول أن أجمع شتات هذه المسألة، مع ذكر نماذج عملية لها؛ نظرًا لجهل الكثيرين بها، ولظنِّ الخوارج منافاة هذه الحماية لعقيدة الولاء والبراء. وأبدأ بذكر النصوص الدالة على وجوب الوفاء بالعهد لمن أعطيه من اليهود والنصارى وغيرهم، مع عصمة دماء وأموال المعاهدين وأهل الذمة والمستأمنين: أخرج ابن ماجه وغيره من طريق عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَمِنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ، فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ لِوَاءَ غَدْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وفي رواية الطيالسي: «إِذَا أَمِنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا». وفي حديث أبي بكرة: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَأَبْشَارَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ» فَكَانَ كَذَلِكَ، قَالَ: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، أخرجه البخاري (67)، ومسلم (1679). وقال أبو داود (3052): حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أبو صَخْرٍ الْمَدِينِيُّ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ عِدَّةٍ، مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (621)، قال: أنا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ به، وزاد فيه: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِصْبُعِهِ إِلَى صَدْرِهِ «أَلَا وَمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ سَبْعِينَ عَامًا»([1])، وأخرجه تحت باب: وبوَّب عليه البيهقي في معرفة السنن والآثار (13/384): الْوَصَاةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ خَيْرًا. وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ»، أخرجه أبو داود (3804)، والنسائي في الكبرى (19469)، والدارقطني (4768)، وصححه الألباني. وعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِنْ سَمَّعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا دَخَلَ النَّارَ»، أخرجه ابن حبان (11/238) ([2]). قلت: واعلم أن عقود الذمّة والعهد والأمان يلزم منها حماية الذمّيين والمعاهدين والمستأمنين ضد الخوارج والمعتدين عليهم عامَّة بغير حقٍّ، ومما يدل على ذلك ما يلي: في وصية عمر التي أخرجها البخاري: "أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ"، قال ابن الملقن: "وقوله: (وأن يُقاتَل من ورائهم). يعني: بين أيديهم كل مسلم وكافر، كما يقاتل من ظلم مسلمًا". قال شمس الدين البِرْماوي في "اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح": "أي: من بين أيديهم، أي: يدفَع أهلَ الحرب ونحوَه عنهم". وقال الإمام ابن باز في "التعليقات البازية": "إذا أدوا الجزية صاروا تبع المسلمين يقاتل عنهم". وقد بوَّب البخاري على موضع الشاهد منه: بَابٌ: يُقَاتَلُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلاَ يُسْتَرَقُّونَ. قال العيني في عمدة القارئ: "يُقَاتل عَن أهل الذِّمَّة أَي: عَن أهل الْكتاب لأَنهم إِنَّمَا بذلوا الْجِزْيَة على أَن يأمنوا فِي أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وأهليهم فَيُقَاتل عَنْهُم، كَمَا يُقَاتل عَن الْمُسلمين.. قَوْله: (وَلَا يُسْتَرَقونَ)... وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَخذه من قَوْله فِي الحَدِيث: (وأوصيه بِذِمَّة الله) فَإِن مُقْتَضى الْوَصِيَّة بالإشفاق أَن لا يدخلُوا فِي الاسترقاق". وقال ابن زنجويه في الأموال (1/333): "قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ، يُجَاهَدُ مِنْ دُونِهِمْ، وَيُفَكُّ عُنَاتُهُمْ، فَإِذَا اسْتُنْقِذُوا رَجَعُوا إِلَى ذِمَّتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ أَحْرَارًا، وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ". وقال شهاب الدين القرافي في "الفروق" (3/14): "أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يُوجِبُ حُقُوقًا عَلَيْنَا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي جِوَارِنَا وَفِي خَفَارَتِنَا وَذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِينِ الْإِسْلَامِ فَمِنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ وَلَوْ بِكَلِمَةِ سُوءٍ أَوْ غِيبَةٍ فِي عِرْضِ أَحَدِهِمْ أَوْ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذِيَّةِ أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّعَ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذِمَّةَ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ لَهُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَجَاءَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى بِلَادِنَا يَقْصِدُونَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ لِقِتَالِهِمْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَنَمُوتَ دُونَ ذَلِكَ صَوْنًا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ دُونَ ذَلِكَ إهْمَالٌ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ إجْمَاعَ الْأَمَةِ". وقال في (3/15): "أَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ بِرِّهِمْ وَمِنْ غَيْرِ مَوَدَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ فَالرِّفْقُ بِضَعِيفِهِمْ وَسَدُّ خُلَّةِ فَقِيرِهِمْ وَإِطْعَامُ جَائِعِهِمْ وَإِكْسَاءُ عَارِيهِمْ وَلِينُ الْقَوْلِ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ لا عَلَى سَبِيلِ الْخَوْفِ وَالذِّلَّةِ وَاحْتِمَالِ إذَايَتِهِمْ فِي الْجِوَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ لُطْفًا مِنَّا بِهِمْ لَا خَوْفًا وَتَعْظِيمًا وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَأَنْ يُجْعَلُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَنَصِيحَتُهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَحِفْظُ غَيْبَتِهِمْ إذَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِأَذِيَّتِهِمْ وَصَوْنُ أَمْوَالِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ وَأَنْ يُعَانُوا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَإِيصَالُهُمْ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَكُلُّ خَيْرٍ يَحْسُنُ مِنْ الأعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ عَدُوِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الأخْلَاقِ فَجَمِيعُ مَا نَفْعَلُهُ مَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالَةِ مِنَّا وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَتَحْقِيرِ أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ الصَّنِيعِ لَهُمْ وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَسْتَحْضِرَ فِي قُلُوبِنَا مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ بُغْضِنَا وَتَكْذِيبِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْنَا لاسْتَأْصَلُوا شَأْفَتَنَا وَاسْتَوْلَوْا عَلَى دِمَائِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ الْعُصَاةِ لِرَبِّنَا وَمَالِكِنَا عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ نُعَامِلُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ وَأَمْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مَحَبَّةً فِيهِمْ وَلَا تَعْظِيمًا لَهُمْ وَلَا نُظْهِرُ آثَارَ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي سْتَحْضِرُهَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ صِفَاتِهِمْ الذَّمِيمَةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْعَهْدِ يَمْنَعُنَا مِنْ ذَلِكَ فَنَسْتَحْضِرُهَا حَتَّى يَمْنَعَنَا مِنْ الْوُدِّ الْبَاطِنِ لَهُمْ وَالْمُحَرَّمِ عَلَيْنَا خَاصَّةً". وقال ابن قدامة (ت 620ه) في "المغني" (13/250): "وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ، فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَهْدِ حِفْظَهُمْ". وقال: "وَإِذَا تَحَاكَمَ إلَيْنَا مُسْلِمٌ مَعَ ذِمِّيٍّ وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ؛ لأنَّ عَلِيًّا حَفِظَ الذِّمِّيَّ مِنْ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَحَفِظَ الْمُسْلِمَ مِنْهُ". وقال إمام الحرمين عبدالملك الجويني (ت 478هـ) في "نهاية نهاية المطلب في دراية المذهب" (18/36): " وهل يجب علينا أن نذب الكفار عنهم؟ يعني أهل الحرب؟ فإن كانوا في بلاد الإسلام؛ فإنا نضطر إلى الذب من غير قصدٍ ينصرف إليهم؛ فإنه يتعين علينا حمايةَ بلاد الإسلام عن طروق الكفار، وإذا نحن فعلنا هذا، فيحصل به الذب عنهم لا محالة. ولو كان الذمي في دار الحرب لكنه التزم الجزية، وعقدنا له الذمة، فيستحيل أن نلتزم ذب الكفار عنهم؛ فإن هذا مما لا يحيط به الاستطاعة، والإطاقة. ولو كان أهل الذمة في بلدةٍ متاخمة لبلاد الإسلام من جهةٍ، ولبلاد الكفار من جهة، وكان ذبُّ الكفار عنهم ممكنًا، فهل نلتزم ذلك لهم بمطلق الذمة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا نلتزم ذلك؛ فإن الغرض بعقد الذمة أن يأمنونا ويؤمِّنونا، فإذا كفيناهم بوادر أجنادنا، وكففنا الأيدي عنهم، كفاهم ذلك، والدليل عليه أنهم لا يلتزمون، الذبَّ عنا إذا تغشانا جمعٌ من الكفار، ونحن لا نلتزم لهم ما لا يلتزمونه لنا. والوجه الثاني - أنه يجب علينا الذب عنهم إذا تمكنا منهم؛ فإنا بالذمة التزمنا أن نُلحقهم في العصمة والصون بأهل الإسلام، فيجب علينا أن نذب عنهم كما نذب عن أهل الإسلام، وهذا مشهور في الحكاية، والأقيس الوجه الأول". وقال عبدالله بن عمر البيضاوي (ت 685ه) في "الغاية القصوى في دراية الفتوى" (2/401): "ويجب ذبُّ أهل الحرب عنهم وإن انفردوا ببلدة على الأظهر؛ لأنهم معصومون كالمسلمين". وجاء في كتاب الخراج لأبي يوسف (ص139) لما تكالب الروم على بعض المدن التي صالحوا أهلها وأعطوهم الذمّة: "فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى كُلِّ وَالٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ فِي الْمُدُنِ الَّتِي صَالَحَ أَهْلَهَا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يردوا عَلَيْهِم مَا جبي مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الجموع، وَأَنَّكُمُ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَنَحْنُ لَكُمْ عَلَى الشَّرْطِ وَمَا كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمُ الأَمْوَالَ الَّتِي جَبَوْهَا مِنْهُمْ، قَالُوا: رَدَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ". وانظروا إلى موقف شيخ الإسلام مع النصارى الذمّيين، كما في مجموع الفتاوى (28/617): "وَلَمَّا قَدِمَ مُقَدِّمُ الْمَغُولِ غازان وَأَتْبَاعُهُ إلَى دِمَشْقَ وَكَانَ قَدْ انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلامِ؛ لَكِنْ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ بِمَا فَعَلُوهُ... وَقَدْ عَرَفَ النَّصَارَى كُلُّهُمْ أَنِّي لَمَّا خَاطَبْت التَّتَارَ فِي إطْلَاقِ الْأَسْرَى وَأَطْلَقَهُمْ غازان وقطلو شاه وَخَاطَبْت مَوْلَايَ فِيهِمْ فَسَمَحَ بِإِطْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ لِي: لَكِنَّ مَعَنَا نَصَارَى أَخَذْنَاهُمْ مِنْ الْقُدْسِ فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلِقُونَ. فَقُلْت لَهُ: بَلْ جَمِيعُ مَنْ مَعَك مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ ذِمَّتِنَا؛ فَإِنَّا نُفْتِكَهُمْ وَلَا نَدَعُ أَسِيرًا لَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَأَطْلَقْنَا مِنْ النَّصَارَى مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهَذَا عَمَلُنَا وَإِحْسَانُنَا وَالْجَزَاءُ عَلَى اللَّهِ، وَكَذَلِكَ السَّبْي الَّذِي بِأَيْدِينَا مِنْ النَّصَارَى يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ إحْسَانَنَا وَرَحْمَتَنَا وَرَأْفَتَنَا بِهِمْ؛ كَمَا أَوْصَانَا خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ: {الصَّلَاةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}". وقال أبو يوسف في الخراج (ص86): "مَا فعل عمر بِأَهْل نَجْرَان وَمَا كتب لَهُم: ثُمَّ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ أَنِ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ أَجْلاهُمْ عَنْ نَجْرَانَ الْيَمَنَ وَأَسْكَنَهُمْ بِنَجْرَانَ الْعِرَاق؛َ لأَنَّهُ خَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ لَهُمْ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لأَهْلِ نَجْرَانَ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَاءً لَهُمْ بِمَا كَتَبَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. "أَمَّا بَعْدُ: فَمن مروا بِهِ من أمراء الشَّام وأمراء الْعرَاق فليسقوهم من حرث الأَرْض، فَمَا اعتملوا مِنْ ذَلِكَ فَهُو لَهُمْ صَدَقَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعَقْبَةٌ لَهُمْ مَكَانَ أَرْضِهِمْ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لأَحَدٍ وَلا مَغْرَمَ. "أَمَّا بَعْدُ؛ فَمَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَلْيَنْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ فَإِنَّهُمْ أقواهم لَهُم الذِّمَّة وجريتهم عَنْهُمْ مَتْرُوكَةٌ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرِينَ شَهْرًا بَعْدَ أَنْ يَقْدِمُوا وَلا يُكَلَّفُوا إِلا مِنْ صُنْعِهِمُ الْبِرَّ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلا مُعْتَدَى عَلَيْهِمْ. شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ وَمُعَيْقِيبٌ، وَكَتَبَ". مَا كتبه لَهُم عُثْمَان: فَلَمَّا قُبِضَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ أَتَوْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَكَتَبَ لَهُمْ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ -وَهُوَ عَامِلُهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، سَلامُ اللَّهِ عَلَيْكَ؛ فَإِنِّي أَحْمَد اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الأَسْقُفَ وَالْعَاقِبَ وَسُرَاةِ أَهْلِ نَجْرَانَ الَّذِينَ بِالْعِرَاقِ، أَتَوْنِي فَشَكَوْا إِلَيَّ وَأَرَوْنِي شَرْطَ عُمَرَ لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِّي قَدْ خَفَّفْتُ عَنْهُمْ ثَلاثِينَ حُلَّةً مِنْ جِزْيَتِهِمْ تَرَكْتُهَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَإِنِّي وَفَّيْتُ لَهُمْ بِكُلِّ أَرْضِهِمُ الَّتِي تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ عُقْبَى مَكَانِ أَرْضِهِمْ بِالْيَمَنِ فَاسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُمْ أَقْوَامٌ لَهُمْ ذِمَّةٌ، وَكَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَعْرِفَةٌ. وَانْظُرْ صَحِيفَةً كَانَ عُمَرُ كَتَبَهَا لَهُمْ فَأَوْفِهِمْ مَا فِيهَا، وَإِذَا قَرَأْتَ صَحِيفَتَهُمْ فَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ وَالسَّلامُ"، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (503)، وابن زنجويه في الأموال (732). وذكر ابن جرير الطبري في "تاريخه"(3/609) كتاب عمر لأهل إيلياء، وفيه: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا مللها، ولا من صلبهم ولا من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، وعلى أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل مدائن الشام..."، ونقله بنحوه: ابن خلدون في "تاريخه" (2/268). واعلم أن الجزية –وإن كانت فرضت على الذمّيين من باب الصَّغار- كما قال الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] إلا أنه يُراعي فيها الرفق والعدل وعدم الإجحاف، كما قال محمد بن عبدالكريم المغيلي التلمساني الجزائري (ت 909ه) في "مصباح الأرواح في أصول الفلاح" (ص36-37): "أما الجزية فهي مال يعطيه منهم: كلُّ ذكر بالغ حر عاقل قادر مخالط عند تمام كل سنة بصفة شرعية، فقد ترتب على هؤلاء اليهود ونحوهم بحسب فرض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحو: ثمانية مثاقيل ذهبًا، وأربعة منها أصل الجزية، وأربعة فيما يتبعها من الأرزاق ونحوها. فمن كان لا يلحقه جور يعطيها كلّها إن قدر عليها، ومن كان يلحقه جور أعطى أصل الجزية ويحطُّ عنه ما يتبعها، وذلك إذا كان لا يتعدى شيئًا من الحد الذي على أهل الذمة، وإلا فلا يحطُّ عنه للظلم شيء حتى يوفِّي بما عليه من شروط الذمة كلها، ويخفَّف عن الضعيف بحسب ضعفه فلا حدَّ لأقلها أو يسقط عمَّن أسلم أو عجز حتى عن بعضها". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ) في "كتاب الأموال" (1/98): "باب اجتباء الجزية والخراج، وما يؤمر به من الرفق بأهلها، وينهى عنه من العنف عليهم فيها". وقال ابن زنجويه (ت 251هـ) في "كتاب الأموال" (1/309): "باب الوفاء لأهل الصلح، وما يجب على المسلمين من ذلك، ويكره من الزيادة عليهم". وبوَّب أَبُو يُوسُف في الخراج (ص138): "الوصاة بِأَهْل الذِّمَّة وعقاب من أَسَاءَ إِلَيْهِم"، وقَالَ: "وَقَدْ يَنْبَغِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّدَكَ اللَّهُ أَنْ تَتَقَدَّمَ فِي الرِّفْقِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ نَبِيِّكَ وَابْنِ عَمِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّفَقُّدِ لَهُمْ حَتَّى لَا يُظْلَمُوا وَلا يُؤْذَوْا وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَلا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنَا حَجِيجُهُ". وأخرج الإمام مسلم (2613) من حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا»، وفي الرواية التي تليها: قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ بِالشَّامِ، قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». قال: وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا. وأخرج بعد برقم (119) من طريق ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ، وَجَدَ رَجُلاً وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبْطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». قلت: وهذه الحماية لأهل الذمِّة والمعاهدين داخلة في عموم البر والقسط اللَّذين لم ينهنا الله عنهما كما في سورة الممتحنة؛ حيث قال ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (1/601): "فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة -أي سورة الممتحنة- عن اتخاذ المسلمين الكُفَّار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الـموالاة والمودة؛ فبيَّن الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها وأنه لم ينه عن ذلك بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه وكتبه على كل شيء وإنما المنهي عنه تولي الكُفَّار". قلت: فقد قال تعالى في الآية الأولى من الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1]، ثم قال تعالَى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُـوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَـنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الـدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8-9]. قلت: ومن الإحسان إلى أهل الذمة ومعاملتهم بالبر والقسط: عدم تكليفهم ما لا يطيقون، وأن لا يؤخذ منهم شيء فوق ما تمت المصالحة عليه من الجزية والخراج. قال عَبْدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفه (6/91) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا نَمُرُّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَذْبَحُونَ لَنَا الدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ قَالَ: وَتَقُولُونَ قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ يَقُولُ: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} قَالَ: «إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلُّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ»([3]). قال الثوري: "من احتاج من أهل الذمة، فلم يجد ما يؤدي في جزيته، يستأنى به حتى يجد فيؤدي، وليس عليه غير ذلك، فإن أيسر أخذ بما مضى، فإن عجز عن شيء من الصلح الذي صالح عليه، وضع عنه إذا عرف عجزه يضعه عنه الإمام". قال ابن زنجويه في كتاب الأمول: (169): قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ جِسْرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، قُرِئَ عَلَيْنَا بِالْبَصْرَةِ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ رَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَ الْكُفْرَ عُتُوًا وَخُسْرَانًا مُبِينًا، فَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَطَاقَ حِمْلَهَا، وَخَلِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِمَارَةِ الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِمَعَاشِ الْمُسْلِمِينَ، وَقُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَانْظُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قَدْ كَبِرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ كَبُرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، كَانَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوتَهُ أَوْ يُقَوِّيَهُ، حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ عِتْقٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ مَرَّ بِشَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، يَسْأَلُ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ، فَقَالَ: مَا أَنْصَفْنَاكَ إِنْ كُنَّا أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ فِي شَبِيبَتِكَ، ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ فِي كِبَرِكَ. قَالَ: ثُمَّ أَجْرَى عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُصْلِحُهُ. وقال الشيخ عمر بن فهد الشِّمَّري في "الدعوة والاحتساب لأهل الكتاب" (ص228) في تعداده لحقوق أهل الذمّة: "حق الإحسان والرعاية: إن الدين الإسلامي رعا حقوق أهل الكتاب ومنها حق الإحسان والرعاية، وتشمل حقهم في تعريفهم بالإسلام ودعوتهم إليه وبيان محاسنهم والإحسان إليهم بالمعاملة ومساعدة المحتاج منهم ورعاية وعيادة مريضهم"، وقال في (ص229): "ومما يشرع للمسلم أن يعامل غير المسلم معاملة حسنة؛ لأن المعاملة الحسنة دعوة إلى الإسلام، والمسلم مأمور بالبراءة من الشرك وأهله، وهو أيضًا مأمور بألاَّ يؤذيهم، ولا يضرهم ولا يبخسهم حقوقهم، وأن يكون عدلاً إن قضى، وصادقًا معهم إن تحدث، فيؤدي الأمانة إليهم وإن خانوه.. والإحسان إلى أهل الكتاب لا يستلزم محبتهم المنهي عنها، وإنما يحسن إليهم؛ ليكون سببًا في هدايتهم إلى الإسلام".اهـ وللشيخ عطية سالم في "تتمته لأضواء البيان" للعلامة الشنقيطي (8/148 إلى 158) بحث جيد في تفسير هذه الآية، وفي إثبات أنها محكمة لا منسوخة، وإليك موطن الشاهد منه حيث قال -بعد أن أشار إلى أن الآيتين السابقتين قد قسَّما الكفار قسمين-: "قسمٌ مسالم لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم فلم ينه الله المسلمين عن برهم والإقساط إليهم. وقسمٌ غير مسالم يقاتل المسلمين ويخرجهم من ديارهم ويظاهر على إخراجهم فنهى الله المسلمين عن موالاتِهم؛ وفرق بين الإذن بالبر والقسط وبين النهي عن الموالاة والمودة؛ ويشهد لهذا التقسيم ما في الآية الأولى من قرائن، وهي عموم الوصف بالكفر وخصوص الوصف بإخراج الرسول وإياكم. ومعلوم أن إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من ديارهم كان نتيجة لقتالهم وإيذائهم فهذا القسم هو المعني بالنهي عن موالاته لموقفه المعادي؛ لأن المعاداة تنافي الموالاة؛ ولذا عقَّب عليه بقوله تعالَى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}؛ فأي ظلم بعد موالاة الفرد لأعداء أمته وأعداء الله ورسوله. أما القسم العام وهم الذين كفروا بما جاءهم من الحق لكنهم لم يعادوا المسلمين في دينهم لا بقتال ولا بإخراج ولا بمعاونة غيرهم عليهم ولا ظاهروا على إخراجهم؛ فهؤلاء من جانب ليسوا محلاً للموالاة لكفرهم وليس منهم ما يمنع برهم والإقساط إليهم". قلت: وهذه الحماية لهم مع الإحسان إليهم لا تناقض النهي عن توليهم وموالاتهم؛ حيث إن التولِّي والموالاة إنما هما في الاعتقاد، أي محبة دينهم ونصرته. قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (2/55) -بعد أن ذكر آية المجادلة-: "فلا بد أن يدخل في ذلك عدم المودة لليهود وإن كانوا أهل الذِّمَّة لأنه سبب النزول وذلك يقتضي أن أهل الكتاب محادون لله ورسوله وإن كانوا معاهدين، ويدل على ذلك أن الله قطع الموالاة بين المسلم والكافر، وإن كان له عهد وذمة وعلى هذا التقدير فيقال: عوهدوا على أن لا يظهروا المحادة ولا يعلنوا بِها بالإجماع كما تقدم وكما سيأتي؛ فإذا أظهروا صاروا محادين لا عهد لهم مظهرين للمحادة وهؤلاء مشاقون فيستحقون خزي الدنيا من القتل ونحوه وعذاب الآخرة. فإن قيل: إذا كان كل يهودي مُحادًا لله ورسوله فمن المعلوم أن العهد يثبت لهم مع التهود وذلك ينقض ما قدمتم من أن المحاد لا عهد له؛ قيل من سلك هذه الطريقة قال المحاد لا عهد له على إظهار المحادة فأما إذا لم يظهر لنا المحادة فقد أعطيناه العهد". وقال الحافظ فِي "الفتح" (5/276): "ثم إن البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه فِي قوله تعالَى -وذكر آية المجادلة- فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل". قلت: وهذا الإحسان إلى أهل الذمِّة غير المحاربين لا يتنافى أيضًا مع فرض الصغار عليهم، والذي يتمثل في دفع الجزية مع الشروط التي فرضها عليهم عمر رضي الله عنه والتي اشتهرت بـ "الشروط العمرية"، وقد أخرجها ابن الأعرابي في معجمه (357)، والبيهقي في الكبرى (9/339)، وعبدالله بن زَبْر الربعي في "جزء فيه شروط النصارى" (10)، وعثمان بن أحمد أبو عمرو الدقاق المشهور بـ"ابن السماك" في "جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر على النصارى" (1)، وابن كثير في "مسند الفاروق" (2/489) كلهم من طريق الرَّبِيعُ بْنُ ثَعْلَبٍ أَبي الْفَضْلِ، عن يَحْيَى بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي الْعَيْزَارِ عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْوَلِيدِ بْنِ نُوحٍ، وَالسَّرِيِّ بْنِ مُصَرِّفٍ، يَذْكُرُونَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةِ كَذَا وَكَذَا، إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَأَمْوَالِنَا، وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا: أَنْ لَا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا، وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً وَلَا قِبْلَةً، وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْهَا، وَلا نُحْيِيَ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خُطَطِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَمْنَعَ كَنَايِسَنَا أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ نُطْعِمُهُمْ وَلَا نُئْوِي فِي مَنَازِلِنَا وَلَا كَنَائِسِنَا جَاسُوسًا، وَلَا نَكْتُمَ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا، وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا نَمْنَعَ مِنْ ذَوِي قَرَابَاتِنَا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَقُومَ لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِنَا إِذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا نَتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ، وَلَا عِمَامَةٍ، وَلَا نَعْلَيْنِ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ، وَلَا نَتَكَنَّى بِكُنَاهُمْ، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُجَ، وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ، وَلَا نَحْمِلَهُ مَعَنَا، وَلَا نَنْقُشَ عَلَى خَوَاتِيمِنَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نَبِيعَ الْخُمُورَ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِمَ رُءُوسِنَا، وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُ مَا كُنَّا وَأَنْ نَشُدَّ زَنَانِيرَنَا عَلَى أَوْسَاطِنَا، وَأَنْ لَا نُظْهِرَ الصَّلِيبَ عَلَى كَنَائِسِنَا وَلَا كُتُبِنَا وَلَا نَجْلِسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نَضْرِبَ بِنَوَاقِيسِنَا فِي كَنَائِسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نُخْرِجَ سَعَانِينَا وَلَا بَاعُوثَنَا وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نُجَاوِرَهُمْ بِمَوْتَانَا، وَلَا نَتَّخِذَ مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فَلَمَّا أَتَيْتُ عُمَرَ بِالْكِتَابِ زَادَ فِيهِ: وَلَا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَرَطْنَا ذَلِكَ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَقَبِلْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ، فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا فَلَا ذِمَّةَ لَنَا، وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مِنَّا مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ"([4]). قلت: قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (1/119) (ط دار رمادي للنشر): "قَالَ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، فَالْجِزْيَةُ هِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ إِذْلَالًا وَصَغَارًا وَالْمَعْنَى: حَتَّى يُعْطُوا الْخَرَاجَ عَنْ رِقَابِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": اسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَزَاءِ إِمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا، أَوْ جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا". ثم قال –رحمه الله- في (1/121): "وَالصَّوَابُ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّغَارَ هُوَ الْتِزَامُهُمْ لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ عَلَيْهِمْ، وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ الْتِزَامَ ذَلِكَ هُوَ الصَّغَارُ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: كَانُوا يُجَرُّونَ فِي أَيْدِيهِمْ وَيُخْتَمُونَ فِي أَعْنَاقِهِمْ إِذَا لَمْ يُؤَدُّوا الصَّغَارَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا بَذَلَ مَا عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ الصَّغَارَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى أَنْ يُجَرَّ بِيَدِهِ وَيُضْرَبَ. وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتْعَبُوا فِي الْجِزْيَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهُمْ وَلَا تَكْلِيفَهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِخْفَافَ بِهِمْ وَإِذْلَالَهُمْ. قُلْتُ: لَمَّا كَانَتْ يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى احْتَرَزَ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ، وَأَخَذُوهَا عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ يَدُ الْمُعْطِي السُّفْلَى وَيَدُ الْآخِذِ الْعُلْيَا". وقال –رحمه الله- في (1/122-123): "قَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجِزْيَةَ وُضِعَتْ صَغَارًا وَإِذْلَالًا لِلْكُفَّارِ لَا أُجْرَةً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَوَجَبَتْ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ والزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا أَنِفَتْ مِنْهَا الْعَرَبُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ وَالْتَزَمُوا ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةَ الْمُدَّةِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا وَجَبَتْ بِوَصْفِ الْإِذْلَالِ وَالصَّغَارِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةً بِحَسَبِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنَّ سُكْنَى الدَّارِ قَدْ تُسَاوِي فِي السَّنَةِ أَضْعَافَ الْجِزْيَةِ الْمُقَدَّرَةِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الذِّمِّيِّ أُجْرَةُ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ يَسْكُنُهَا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ؛ وَبِالْجُمْلَةِ فَفَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ". وقد عقد ابن قيم الجوزية فصلاً في أحكام أهل الذمِّة (1/137) (ط دار رمادي) بعنوان: [فَصْلٌ لَا يَحِلُّ تَكْلِيفُهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَلَا تَعْذِيبُهُمْ عَلَى أَدَائِهَا وَلَا حَبْسُهُمْ وَضَرْبُهُمْ]. وقال في (1/143): "وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ الرِّفْقُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَلَّا يُبَاعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ شَيْءٌ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا سَهُلَ عَلَيْهِمْ بِالْقِيمَةِ". وقال في (1/156): "وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا نِسَاءٌ فَبَذَلْنَ الْجِزْيَةَ لِتُعْقَدَ لَهُنَّ الذِّمَّةُ عُقِدَتْ لَهُنَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَحَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُنَّ". وقال في (1/165): "وَأَمَّا الْفَلَّاحُونَ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ وَالْحَرَّاثُونَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوهُمْ مَعَ مَنِ اسْتُثْنِيَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَطْبَقَ بَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يُقْتَلْ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ". قلت: وتأمل ما نتج عن البر والرفق والعدل في معاملة أهل الذمِّة من الخير العظيم للمسلمين؛ حيث أخرج الله سبحانه من أصلابهم من صار من كبار علماء المسلمين، وهذه واقعة "عين التمر" تعتبر نموذجًا فريدًا في هذا الشأن، وإليك نصّها كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (9/528) حيث قال: "لَمَّا اسْتَقَلَّ خَالِدٌ بِالْأَنْبَارِ اسْتَنَابَ عَلَيْهَا الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَقَصَدَ عَيْنَ التَّمْرِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ مِهْرَانُ بْنُ بَهْرَامَ جُوبِينَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَجَمِ، وَحَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ طَوَائِفُ مِنَ النَّمِرِ وَتَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَمَنْ لَاقَاهُمْ، وَعَلَيْهِمْ عَقَّةُ بْنُ أَبِي عَقَّةَ، فَلَمَّا دَنَا خَالِدٌ، قَالَ عَقَّةُ لِمِهْرَانَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، فَدَعْنَا وَخَالِدًا. فَقَالَ لَهُ: دُونَكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَإِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْنَا أَعَنَّاكُمْ. فَلَامَتِ الْعَجَمُ أَمِيرَهُمْ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: دَعُوهُمْ، فَإِنْ غَلَبُوا خَالِدًا فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنْ غُلِبُوا قَاتَلْنَا خَالِدًا وَقَدْ ضَعُفُوا وَنَحْنُ أَقْوِيَاءُ. فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِفَضْلِ الرَّأْيِ عَلَيْهِمْ، وَسَارَ خَالِدٌ وَتَلَقَّاهُ عَقَّةُ، فَلَمَّا تَوَاجَهُوا قَالَ خَالِدٌ لِمُجَنِّبَتَيْهِ: احْفَظُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي حَامِلٌ. وَأَمَرَ حُمَاتَهُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ وَرَائِهِ، وَحَمَلَ عَلَى عَقَّةَ وَهُوَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، فَاحْتَضَنَهُ وَأَسَرَهُ، وَانْهَزَمَ جَيْشُ عَقَّةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْأَسْرَ، وَقَصَدَ خَالِدٌ حِصْنَ عَيْنِ التَّمْرِ، فَلَمَّا بَلَغَ مِهْرَانَ هَزِيمَةُ عَقَّةَ وَجَيْشِهِ، نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَهَرَبَ وَتَرَكَهُ، وَرَجَعَتْ فُلَّالُ نَصَارَى الْأَعْرَابِ إِلَى الْحِصْنِ، فَوَجَدُوهُ مَفْتُوحًا فَدَخَلُوهُ وَاحْتَمَوْا بِهِ، فَجَاءَ خَالِدٌ فَأَحَاطَ بِهِ، وَحَاصَرَهُمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوهُ الصُّلْحَ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ خَالِدٍ، فَجُعِلُوا فِي السَّلَاسِلِ وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ، ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُ عَقَّةَ، وَمَنْ كَانَ أُسِرَ مَعَهُ، وَالَّذِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ أَيْضًا أَجْمَعِينَ، وَغَنِمَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ، وَوَجَدَ فِي الْكَنِيسَةِ الَّتِي بِهِ أَرْبَعِينَ غُلَامًا يَتَعَلَّمُونَ الْإِنْجِيلَ، وَعَلَيْهِمْ بَابٌ مُغْلَقٌ، فَكَسَرَهُ خَالِدٌ وَفَرَّقَهُمْ فِي الْأُمَرَاءِ وَأَهْلِ الْغَنَاءِ، وَكَانَ فِيهِمْ حُمْرَانُ، صَارَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنَ الْخُمُسِ، وَمِنْهُمْ سِيرِينُ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَخَذَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْمَوَالِي الْمَشَاهِيرِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ وَبِذَرَارِيِّهِمْ خَيْرًا". وقال في (13/56): "فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ النَّضْرِيِّ كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، أَسَرَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي جُمْلَةِ السَّبْيِ، فَاشْتَرَاهُ أَنَسٌ ثُمَّ كَاتَبَهُ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ الْأَخْيَارِ جَمَاعَةٌ؛ مُحَمَّدٌ هَذَا، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَمَعْبَدٌ، وَيَحْيَى، وَحَفْصَةُ، وَكَرِيمَةُ وَكُلُّهُمْ تَابِعِيُّونَ ثِقَاةٌ أَجِلاَّءُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ". وقال في ترجمة موسى بن نصير من البداية والنهاية (12/625): "مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اللَّخْمِيُّ مَوْلَاهُمْ، كَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ مَوْلًى لِبَنِي أُمَيَّةَ. افْتَتَحَ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَغَنِمَ مِنْهَا أَمْوَالًا لَا تُعَدُّ وَلَا تُوصَفُ، وَلَهُ بِهَا مَقَامَاتٌ مَشْهُورَةٌ هَائِلَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَعْرَجَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَأَصْلُهُ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ إِرَاشَةَ مِنْ بَلِيٍّ. سُبِيَ أَبُوهُ مِنْ جَبَلِ الْخَلِيلِ مِنَ الشَّامِ فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ اسْمُ أَبِيهِ نَصْرًا فَصُغِّرَ... وَكَانَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ هَذَا ذَا رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ وَحَزْمٍ وَخِبْرَةٍ بِالْحَرْبِ". وقال خليفة بن خيَّاط في تاريخه (ص36): "قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَعلي بْن مُحَمَّد وَغَيرهمَا أَتَى خَالِد بْن الْوَلِيد عين التَّمْر فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى نزلُوا عَلَى حكمه فَقتل وسبى فَمن ذَلِكَ السَّبي: سِيرِين أَبُو مُحَمَّد بْن سِيرِين، وَمِنْهُم: يسَار كَانَ عبدًا لقيس بْن مخرمَة، من وَلَده: مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بن يسَار صَاحب السِّيرَة، وَمِنْهُم: نصير أَبُو مُوسَى بْن نصير، وَمِنْهُم: رَبَاح أَبُو عَبْد اللَّهِ وَعبيداللَّه ابْني رَبَاح، وَمِنْهُم: هُرْمُز يُسمَّون بِالْبَصْرَةِ الهرامزة فِي جمَاعَة يبلغ عَددهمْ أَرْبَعِينَ أكره ذكرهم". وقال ابن جرير في "تاريخ الرسل والملوك" (3/415): "وَسَبَى مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ وَمِنْ أَبْنَاءِ تِلْكَ الْمُرَابِطَةِ سَبَايَا كَثِيرَةٍ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ مِنْ تِلْكَ السَّبَايَا أَبُو عَمْرَةَ مَوْلَى شَبَّانَ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الأَعْلَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَوْلَى الْمُعَلَّى، مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى زَهْرَةَ، وَخَيْرٌ مَوْلَى أَبِي دَاوُدَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَيَسَارٌ وَهُوَ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَفْلَحُ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ أَحَدُ بنى مالك بن النجار، وحمران ابن أَبَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ". وقال ابن قتيبة في المعارف (ص435) في ترجمة حمران: "هو «حمران بن أبان بن عبد عمرو»، ويكنى: «أبا زيد» وكان سباه «المسيّب بن نجبة الفزاري» زمن «أبى بكر» رضى الله عنه من «عين التّمر»، وأمير الجيش «خالد بن الوليد»، فوجده مختونًا، وكان يهوديًّا". وقال في (ص491): "ويذكرون أن «يسارًا» كان من سبايا عين التّمر". وقال شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قِزْأُوغلي المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (ت 654 هـ) في "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان" (9/246) في ترجمة أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حكى ابن سعد أنه حبشي بِجاوي من بِجاية، وقال غير ابن سعد: هو من اليمن، وقيل: من سَبْي عين التَّمر، سباه خالد بن الوليد، فاشتراه عمر سنة إحدى عشرة لما بعثه أبو بكر على الحج، رآه بذي المجاز يُباع". قلت: فهذا نتاج سبي غزوة واحدة: عدد من أفاضل التابعين –ومنهم علماء- كانوا أولادًا لمن سبوا؛ وذلك جرَّاء التزام الأحكام الشرعية في التعامل معهم !! وتأمل قول يحيى بن شرف النووي –رحمه الله- في "روضة الطالبين وعمدة المفتين" (10/291/ط المكتب الإسلامي): "دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَاقْتَرَضَ مِنْهُمْ شَيْئًا، أَوْ سَرَقَ وَعَادَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ". "لذلك فإن قول القائل: إن المسلم إذا دخل دار حرب بغير أمان فيجوز له أخذ أموال الكفَّار بغير رضاهم، فهذا يصح إذا كانت دار حرب وليس بينهم وبين المسلمين عهود أو هدنة، أما إن كانت دار عهد أو تم عقد هدنة بينهم وبين المسلمين فلا يجوز له استباحة دمائهم ولا أموالهم، ولو دخل خلسة أو بغير أمان، وذلك أن عصمة الدم والمال تحقّق بالعهد والأمان كما تتحقّق بالإسلام"([5]). وذكر الشيخ عمر بن فهد الشِّمَّري في "الدعوة والاحتساب لأهل الكتاب" (ص226) "الحقوق الاقتصادية" لأهل الذمة فقال: "إن الدولة الإسلامية لا تمنع الكتابي الذي يعيش في ظل حكمها من حقوقه في التكسب وطلب العيش، وحقه في التملك على النحو التالي: 1- حق التكسب: أن الكتابي لم يمنع من حقِّه في التكسب والعمل في مجالات عديدة، مما أدى إلى براعاتهم في كثير من المجالات التي تدر عليهم أكبر قدر ممكن من الأرباح مثل: الصيرفة والتجارة العامة في المواد الغذائية والصناعة والزراعة، إضافة إلى احتكار بعض المهن مثل: الصياغة والخياطة وصنع الزجاج وغزل الحرير وإدارة السفن والملابس والأحذية والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، وهذه الأعمال وما شابهها يجوز لأهل الكتاب العمل والتكسب بالوجه المشروع كالمسلم. ولولي الأمر منعهم من احتكار بعض الصناعات التي يخشى من ضرر احتكارها؛ كصناعة الأسلحة والأدوية والأغذية والأجهزة ونحوها. 2- حق التملك: ولأهل الكتاب حق التملك، حيث يملكون البيوت والدكاكين والمزارع وأجهزة الصناعة والسفن والآلات والأجهزة ووسائل النقل وغيرها مما يُملك ولا يجوز التعدي على ماله لقوله صلى الله عليه وسلم:" ألا لا تحلُّ أموال المعاهدين إلا بحقِّها". وقال جمهور الفقهاء بصحة إحياء الذمي للمُوَّاتِ في دار الإسلام وذلك لعموم قوله صل الله عليه وسلم: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له"، ولأهل الكتاب حقّ تملك المباحث العامة مثل: الحطب والحشيش، وصيد البر والبحر، بلا خلاف بين أهل العلم".اهـ وقال برنارد لويس كما في "الغرب والشرق الأوسط" (ص38) ([6]): "وفي نظرة المسلمين إلى المسيحية تسامح وتساهل أكثر بكثير مما في نظرة أوربا إلى المسيحية المعاصرة التي تنظر إلى الإسلام على أنه كله باطل وشرٍّ، وهذه النظرة المتسامحة من المسلمين تنعكس في المعاملة الحسنة والتسامح الكبير؛ الذي يلقاه أتباع الديانة المسيحية في المجتمعات الإسلامية بالرغم من موقف المسيحيين كديانة منافسة". قلت: وقد ضرب عمرو بن العاص رضي الله عنه ومن معه من الصحابة والتابعين –الفاتحين لأرض مصر- أروع الأمثلة في التسامح والنزاهة والعدل والإنصاف مع نصارى مصر: وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح مصر كما في حديث عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا» قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَ"، أخرجه مسلم (2543). ثم رواه من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» أَوْ قَالَ "ذِمَّةً وَصِهْرًا". وأخرج عبد الرزاق في مصنَّفه (6/58)، (10/362) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَلَكْتُمُ الْقِبْطَ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً، وَإِنَّ لَهُمْ رَحِمًا». قَالَ مَعْمَرٌ: فَقُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: يَعْنِي أُمَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلْ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ. وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (16/5486) (560/الطبعة الجديدة) من حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أم سلمة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ». ورواه ابن عبدالحكم في "فتوح مصر" (ص9) عن أبي سلمة مرسلاً. وصحَّحه الإمام الألباني في الصحيحة (3113) (المجلد السابع/القسم الأول). قال الأزهري في تهذيب اللغة: "قبط: قَالَ اللَّيْث: القبْط هم أهل مصرَ بُنْكُهَا. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم قِبْطيّ. قَالَ: والقُبطيَّة، وَجَمعهَا القَباطيّ، وَهِي ثيابٌ بيض مِن كتَّان تُعمل بِمصْر. فلمَّا ألزمتْ هَذَا الاسمَ غيَّروا اللَّفْظ، فالإنسان قِبطيّ وَالثَّوْب قُبْطيّ". وجاء في كتاب "القديس مرقس وتأسيس كنيسة الأسكندرية"، تأليف: د. سمير فوزي (ص13): "اعتاد المصريون القدماء أن يطلقوا على بلادهم اسم"km.t" "قمط" الذي يعني "التربة السوداء"، وهي سمة مميزة لتربة وادي النيل السوداء الخصبة في مقابل الصحراء القاحلة على جانبي الوادي التي اعتادوا أن يسموها "dsr.t" أي: التربة الحمراء"، ولاعجب أن يسموا البحر الذي يجري على حدود هذه الصحراء "البحر الأحمر". فالأقباط، وهم النسل المنحدر مباشرة من الفراعنة، استمروا في استخدام هذه التسمية لوطنهم فسموها khme في لهجة أهل الصعيد وهم أقباط مصر العليا، وفي لهجة البحيرة وهم أقباط الدلتا سموها"xhmi". بعد ذلك جاء الإغريق فسموا هذا البلد إيجيتوس Aiyuntt tos، وهي صيغة مشوهة لأحد أسماء عاصمة المملكة القديمة في عهد الفراعنة (من الأسرة الثالثة حتى الأسرة السادسة (كا. 2640 ca -2160ق م ) التي تعني "معبد بتاج"، وهو الإله المشهور في الأساطير المصرية. من هذه الكلمة الإغريقية اشتقت أخيرًا الأسماء الأوروبية للقطر المصري مثل Egypt,Egypte,Aegy إلخ... وبعد الفتح العربي (639/641) استخدم الفاتحون جذر الكلمة اليونانيةgypt وتنطق "قبطQipt" لتسمية الأبناء الأصليين للبلاد أي كل المقيمين عليها والذين تحولوا إلى المسيحية قبل ذلك بقرون وبناء عليه صارت كلمة "قبط" أو " copt" والتي تعني من الناحية "الاشتقاقية": مصر"، و"مصري"، واستمر على استخدام هذا الاسم على أنها الاسم الخاص لسكان البلاد الأصليين، أي المسيحيين المصريين الذين جرى العرف على اعتبارهم شرعًا الأبناء المباشرين لقدماء المصريين".اهـ قلت: لذلك فإن كلمة "أقباط" كانت تطلق على جنس أهل مصر الذين اعتنقوا النصرانية، والذين أطلق عليهم بعد ذلك: " الأقباط الأرثوزكس"؛ حيث إن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة كما أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الفرق النصرانية إنما ظهر أغلبها واستقر في القرن الرابع الميلادي وما بعده، وأشهرها مذهب الملكانية (الملكيون) الذين أيَّدوا قرارات قسطنطين في مجمع نيقية الأول عام 325 م، وبعض الباحثين يذكر أنهم أيّدوا قرارات مجمع خلقيدونية عام 451م، وسموا بذلك نسبة للملك مرقيانوس –ملك قسطنطينية-. ومجمع نيقية قرَّروا فيه أن المسيح إله، وهو أهم المجامع المسكونية فقد حضره من الآباء 2048 إلا أن شدّة الخلاف جعلت الإمبراطور قسطنطين يعيد المجمع بحضور 380 فقط من مؤيِّدي رأي بولس القائل بألوهية المسيح. ومجمع خلقيدونية قرروا فيه أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين. واحتدم الجدال والنزاع بين كنيستيّ الإسكندريَّة والقُسطنطينيَّة، وبلغ أقصاهُ في مُنتصف القرن الخامس الميلاديّ حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح، فاعتقدت الكنيسة القبطيَّة بأنَّ للمسيح طبيعة إلهيَّة واحدة (مونوفيزيَّة)، وتبنَّت كنيسة القُسطنطينيَّة القول بِثُنائيَّة الطبيعة المُحدَّدة في مجمع خلقدونيَّة، ورأت أنَّ في المسيح طبيعة بشريَّة وطبيعة إلهيَّة، وتبنَّت هذا المذهب لِيكون مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة، وأنكرت نحلة المونوفيزيتيين، وكفَّروا من قال بأنَّ للمسيح طبيعة واحدة، كما حرموا ديسقوروس بطريرك الإسكندريَّة حرمانًا كنسيًّا. لكن لم يقبل ديسقوروس ولا نصارى مصر قرارات مجمع خلقيدونية، وأطلقوا على أنفُسهم اسم: "الأقباط الأرثوزكس" - أي أتباع الديانة التقليديَّة الصحيحة-، وعُرفت الكنيسة المصريَّة مُنذ ذلك الوقت باسم «الكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة»، وانضمت إليهم كنائس السريان، والأرمن الأرثوزكس؛ وهذه الكنائس تعتقد أن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة. واعلم أن نصارى الصعيد قديمًا كانوا على رأي أريوس الذي ينفي ألوهية المسيح، كما قال محمد أبو زهرة([1]) في "محاضرات في النصرانية" (ص 113) مبيِّنًا رأي أريوس: "وقد قال في بيان مقالته ابن بطريق: "كان يقول إن الآب وحده الله، والابن مخلوق مصنوع، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن"، ثم قال: "وقد كان لرأي أريورس في اعتبار المسيح مخلوقًا لله مشايعون كثيرون، فقد كانت الكنيسة في أسيوط على هذا الرأي، وعلى رأسها ميليتوس، وكان أنصاره في الأسكندرية نفسها كثيرين من حيث العدد، أقوياء من حيث المجاهرة بما يعتقدون، كما كان لهذا الرأي مشايعون في فلسطين ومقدونية والقسطنطينية. ([1]) كان أشعريًّا. وقد رأى بطريرك الإسكندرية أن يقضي على هذه الفكرة، فلم يعمد إلى المناقشة والجدل، حتى لا يتسع الخرق على الواقع، وحتى لا يلحن بالحجة عليه أريوس، ولكنه عمد إلى لعنة وطرده من حظيرة الكنيسة... وقد كان مذهب عدم ألوهية المسيح ذائعًا منتشرًا، وكان أسقف مقدونية على مذهب أريوس أيضًا، ويعظ على أساسه، وفي الحق أننا نجد أن أسقف مقدونية وأسقف فلسطين، وكنيسة أسيوط كل أولئك على رأي أريوس". وممن قال بقول أريوس: نسطور -أسقف القسطنطينية- حيث أنكر ألوهية المسيح عليه السلام، وقال: إنه إنسان مملوء بالبركة ولم يرتكب خطيئة، وقال إن مريم لم تلد إلهًا، بل ما يولد من الجسد إلا جسدًا، وما يولد من الروح فهو روح، فالعذراء ولدت إنسانًا عبارة عن آلة اللاهوت، وقد عقد مجمع أفسس الأول (سنة 431 م) للنظر في مقالة نسطور التي اعتبروها بدعة. وقد كان لتدخل قسطنطين الأثر الكبير في فرض القول بألوهية المسيح؛ حيث أعطى الأساقفة الـ (318) السلطة الكنسية، وأمر بتحريق من خالفهم، وامتد هذا التسلط إلى أقباط مصر لما استولت الدولة الرومانية على مصر، حيث فرضت المذهب الملكاني على أهل مصر، إلى أن فتح عمرو بن العاص مصر فأنهى هذه العصبية، وأوقف الاضطهاد الواقع على أقباط مصر من قبَل الرومان، وقد شهد بهذا أحد المؤرخين الأجانب وهو د. ألفريد بتلر في "فتح العرب لمصر" (تعريب محمد فريد أبو حديد) حيث قال (ص460): "قال على لسان بنيامين: "كنت في بلدي وهو الأسكندرية فوجدت بها أمنًا من الخوف واطمئنانًا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسه"، وقد وصف قومه بأنهم "فرحوا كما يفرح الأسخال إذا ما حلِّت لهم قيودهم وأطلقوا ليرتشفوا من لبان أمهاتهم". وكتب (حنا النقيوسي) بعد الفتح بخمسين عامًا -وهو لا يتورع عن أن يصف الإسلام بأشنع الأوصاف ويتهم من دخلوا فيه بأشدّ التهم- ولكنه يقول في عمرو إنه "قد تشدَّد في جباية الضرائب التي وقع الاتفاق عليها، ولكنه لم يضع يده على شيء من ملك الكنائس، ولم يرتكب شيء من النهب أو الغضب، بل أنه حفظ الكنائس وحماها إلى آخر مدة حياته". إذن فما كان أعظم ابتهاج القبط بخلاصهم مما كانوا فيه، فقد خرجوا من عهد ظلم وعسْف وتطاول بهم، وهوت بهم إليه حماقة البيزنطيين، آل أمره بعد خروجهم منه إلى عهد من السلام والاطمئنان". قلت: وقال د. أدولف جروهمان كما في "محاضرات في أوراق البردي العربية" (ص45/ط دار الكتب والوثائق القومية): "تعلمون أنه في سنة [21 للهجرة/642 للميلاد] فتح العرب مصر بإمرة عمرو بن العاص، وربما تتذكرون تلك الجملة المؤثرة المعروفة: "إن الإسلام انتشر لواؤه بالسيف والنار"، على أن الأسقف يوحنا النيقيوسي –المسيحي- ينقض هذا القول؛ إذا شهد -وشهادته شهادة معاصرٍـ بأن عمرو بن العاص لم يأخذ شيئًا من مقتنيات الكنيسة، ولم ينهب ولم يأخذ غير الجزية التي اشترط عمرو دفعها. وها أنا أدلكم على مستند في غاية الأهمية، وهو أقدم المستندات في عهد الإسلام؛ إذ تاريخه في جمادى الأول من سنة [22 للهجرة/مايو 642 للميلاد]، على أنه مع ذلك أقدم ورقة مكتوبة باللغتين من عهد فتوح العرب لمصر. وهذا المستند محفوظ بين المجموعة المشهورة التي اقتناها من الأوراق البردية الأرشيدوق رينر (rainer) في فيينا..."، "وفي ظاهر الورقة ما ترجمته: إشهاد لوضع الشَّاء تحت تصرف المهاجرين وغيرهم، عند سفرهم بالنهر إلى الوجه القبلي. وأُعطيت هذه الشَّاء وسلِّمت بمقتضى الحساب خصمًا من المخصصات في المدة الأولى. نصُّ الكتابة العربية التي بعد اليونانية: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أخذ عبد الله - ابن جابر وأصحابه من الجزر من أهناس أخذنا. - من خليفة ثدراق بن أبو قير الأصغر ومن خليفة اصطفى ابن أبو قير الأكبر خمسين شاة - من الجزر والخمس عشرة شاة أخرى أجزرها أصحاب سفنه كتائبه وثلقاه في. - شهر جمادى من سنة إثنين وعشرين وكتب بن حديدو". قلت: وهذه وثيقة نادرة تثبت أمانة جنود عمرو بن العاص في التعامل مع قبط مصر الذين أعطوا الذمِّة والعهد، فلم يستبح عمرو بن العاص، ولا جنوده أموالهم بغير حقِّها. وقال د. ألفريد بتلر في (ص462): "لم يكن عجبًا من أمر القبط أن يسعوا إلى الإيقاع بأتباع المذهب الملكاني والاقتصاص منهم، بعدما ذاقوه من الروم وبطريقهم قيرس من سوء العذاب. ولكن ما كان عمرو ليبيح لهم مثل هذا الأمر إن دار في خلدهم أن يفعلوه، فإن عمرًا كان في حكمه يسير على نهج الاعتدال والتسامح، ولم يكن له هوى مع أحد المذهبين الدينيين، ولدينا كثير من الأدلة على صدق هذا الرأي، فمثلاً يذكر ساويرس أن أسقفًا ملكانيًّا بقي على مذهبه حتى مات لم يمسسه أحد بأذى". قلت: هكذا يشهد النصارى أنفسهم لعمرو بن العاص بحمايتهم من اضطهاد بني جلدتهم المتعصِّبين، ويشهدون بإنصافه وعدالته، وأنه كان سببًا في رفع ظلم واضطهاد الرومان عنهم. وتأملوا سماحة الملك فيصل –رحمه الله- مع النصارى في بلجيكا، فلمَّا شب حريق في مجمع كبير في بروكسل في خلال زيارة الملك فيصل لبلجيكا، ومات فيه أكثر من ثلاثمائة شخص، فتبرع الملك فيصل بمليون دولارًا لضحايا الحادث، وقد تأثر ملك بلجيكا بصنيع الملك فيصل، وطلب منه الملك جزاء صنيعه الفريد -الذي لم يقم به ملك من ملوك الغرب الكافر- أن يقدم له أي شيء يطلبه، فإذ بالملك فيصل يقدّم مصلحة المسلمين العامة في بلجيكا على مصلحة نفسه أو مصلحة دولته، ويطلب من ملك بلجيكا أن يأذن ببناء مسجد كبير لأداء صلوات الجمعة والصلوات الخمس للمسلمين هناك، وقد أنشأ أول مصلَّى في بروكسل (بلجيكا) في مبنى صغير في حي متواضع في عام 1936. فأمر الملك بدوان –ملك بلجيكا- في عام 1967 بإعطاء الملك فيصل متحف الآثار البلجيكية –الذي يقع في أجمل مواقع بروكسل- هدية كي يحوّل إلى مسجد وأصبح مركزًا إسلاميًّا كبيرًا في بلجيكا، وفي عام 1968م اعترفت بالدين الإسلامي دينًا رسميًّا في بلجيكا. لكن على ولاة الأمر المسلمين –مع حمايتهم لأهل الذمة- أن يكونوا على حذر شديد من عدة أمور: · أولاً: توليتهم مناصب حسَّاسة في الدولة المسلمة. · وثانيًا: توَّليهم في اعتقادهم. · وثالثًا: إطلاعهم على أسرار الدولة المسلمة. وذلك أنه ثبتت خيانات عدّة منهم للمسلمين عبر القرون، وليتأملوا قول محمد بن علي بن عبد الواحد الدكالي (المعروف بابن النَّقاش) (ت 763ه) في "المذمة في استعمال أهل الذمة"(ص48-49): "وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أهل الكتاب أنهم يعتقدون أنهم ليس عليهم إثم ولا خطيئة في خيانة المسلمين وأخذ أموالهم، فقال تعالى: {ومن أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارلَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وهذه صفة قبط مصر، فإنهم زعموا أنهم ليس عليهم في الأميين سبيل، أن لهم أخذ أموالهم وأنفسهم مجانًا، في مقابلة ما أخذوا من أموال النصارى وأنفسهم في الزمان الغابر، وقد صرح بعضهم -كما سيأتي ذكر ذلك- فإن قلت إنما هذه الآيات في تحريم ولايتهم- بفتح الواو ـ وهي محبتهم، والسؤال إنما وقع عن ولايتهم -بكسر الواو - وهي توليهم؟ قلت: لما كانت الولاية- بالكسر- شقيقة الولاية بالفتح، بل هي وسيلتها إذا لا تولي وتأمر إلا من تحبه لاشتماله على الصفات المقتضية للولاية من العقل والعلم والدين ونحو ذلك كانت توليتهم نوعًا من توليهم بل وأبلغ منها، وقد حكم الله تعالى: بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم [والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة أبدًا]. والولاية إعزاز، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا، والولاية وصلة، فلا تجتمع مع معاداة الكافر أبدًا". هذا ما تيّسر جمعه في هذه المسألة التي يجهل أبعادها البعض، أردت أن أجليها؛ كي تتضح سماحة هذه الشريعة. والله المستعان وإليه المآل. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري قبيل ليلة الثلاثاء 9 رجب 1439 هـ ([1]) صحَّحه العلامة الألباني في الصحيحة (1/807)، وقال: "قال الحافظ العراقي في " فتح المغيث " (4 / 4): "وهذا إسناد جيد وإن كان فيه من لم يسم، فإنهم عدة من أبناء الصحابة يبلغون حد التواتر الذي لا يشترط فيه العدالة ". وقال السخاوي في " المقاصد " ص (185): "وسنده لا بأس به، ولا يضره جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم، ولذا سكت عليه أبو داود. (ثم قال:) وله شواهد بينتها في جزء أفردته لهذا الحديث، منها عن عمر بن سعد رفعه: " أنا خصم يوم القيامة لليتيم، والمعاهد، ومن أخاصمه أخصمه". ([2]) ذكر العلامة الألباني هذا اللفظ خلال تخريجه لحديث: "ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، فلا يؤمن بي، إلا دخل النار"، وتصحيحه له في الصحيحة (3093)، فقال: "أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (4860- الإحسان) ؛ لكن سقطت منه بعض الألفاظ ولم يبق منه إلا ما أفسد المعنى: "من سمع يهودياً أو نصرانياً دخل النار"! ويبدو أن الرواية هكذا وقعت له، ولذلك ترجم لها بقوله: "ذِكْرُ إِيجَابِ دُخُولِ النَّارِ لِمَنْ أَسْمَعَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَا يَكْرَهُونَهُ"... فهذا التفسير باطل رواية ولغة وشرعاً. 1- أما الرواية؛ فظاهر من النظر في نص الحديث المذكور أعلاه، ولفظه عند أحمد وغيره من طريق شعبة التي عند ابن حبان: "من سمع بي من أمتي، أو يهودي، أو نصراني، ثم لم يؤمن بي؛ دخل النار". 2- وأما اللُّغة؛ فلا يتفق المعنى الذي ذكره من لفظ الحديث المبتور؛ إلا لو كان بلفظ: "من سمع بيهودي أونصراني "، وإنما هو بلفظ: "من سمع يهوديًّا.. "، فهذا من (الإسماع) ؛ وما ذكره من (التسميع) ، وشتان ما بينهما! 3- ثم إن معنى (التنديد) المذكور في تفسيره إنما هو كناية عن فضح اليهودي أو النصراني وإذاعة عيوبه؛ فهل هذا موجب لدخول النار المذكور في الحديث؟ ! فاللهم هداك! لقد كان يكفي ذاك المعلق بأن يتأمل فيما ترجم به المؤلف ابن حبان للحديث؛ ليتبين خطأ تفسيره إياه أولاً؛ وخطأ الترجمة المبنية على الحديث المختصر اختصاراً مخلاً ثانياً؛ فإنه قال كما تقدم: ".. لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهونه "! فما قال: "سمع بأهل الكتاب "! وبهذه المناسبة أقول: لقد أفادني أحد الإخوان- جزاه الله خيرًا- أن الحافظ السخاوي قد سبقني إلى التنبيه على الخطأ الذي وقع فيه ابن حبان؛ وذلك في كتابه "فتح المغيث " (2/221) - تحت فصل الاقتصار في الرواية على بعض الحديث -؛ فقال: "هذا الإمام أبو حاتم بن حبان- وناهيك به- قد ترجم في صحيحه: (إيجاب دخول النار لمن أسمع أهل الكتاب مايكرهونه)، وساق فيه حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من سمع يهوديًّا أونصرانيًّا دخل النار". وتبعه غيره فاستدل به على تحريم غيبة الذمي! وكل هذا خطأ، فلفظ الحديث: (من سمع بي من أمتي، أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي؛ دخل النار)". فإن قيل: هذا الاختصار المخل؛ هل هو من ابن حبان، أم من أحد رواته؟ أقول وبالله التوفيق: أستبعد جدًّا أن يكون من ابن حبان، لحفظه وعلمه وفقهه، وإنما هو- فيما يغلب على ظني- من شيخه (أبي خليفة)، واسمه (الفضل بن الحباب الجمحي)، فإنه- مع كونه ثقة عالماً- كما قال الذهبي في "الميزان "-، ومعدودًا من الحفاظ-؛ فقد ذكر له الحافظ بعض الأخطاء في "اللسان"، فأرى أن يضم إلى ذلك هذا الحديث. والله أعلم. ثم إن حديث الترجمة يمكن عده مبينًا ومفسرًا لقوله تعالى: {وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولاً} مع ملاحظة قوله - صلى الله عليه وسلم -فيه: "يسمع بي"؛ أي: على حقيقته- صلى الله عليه وسلم - بشرًا رسولاً نبيًّا فمن سمع به على غير ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور ومحاسن الأخلاق؛ بسبب بعض جهلة المسلمين؛ أو دعاة الضلالة من المنصرين والملحدين؛ الذين يصورونه لشعوبهم على غير حقيقته -صلى الله عليه وسلم - المعروفة عنه؛ فأمثال هؤلاء الشعوب لم يسمعوا به، ولم تبلغهم الدعوة، فلا يشملهم الوعيد المذكور في الحديث. وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رآني في المنام.."؛ أي: على حقيقته وصفاته التي كان عليها في حال حياته، فمن ادعى فعلاً أنه رآه شيخاً كبيراً قد شابت لحيته؛ فلم يره؛ لأن هذه الصفة تخالف ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم -مما هو معروف من شمائله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم".اهـ ([3]) معاوية ابن صعصعة، قال فيه الحافظ: له صحبة، و قيل: إنه مخضرم، وقال عنه الذهبي: صحابي، وقال النسائي: ثقة، لكن الراوي عنه أبو إسحاق السبيعي، تغيّر بأخرة، وهو مدلس وقد عنعن. وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (379) قال: ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً، سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنَّا نَمُرُّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَنُصِيبُ مِنَ الشَّعِيرِ أَوِ الشَّيْءِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ ذِمَّتِكُمْ إِلَّا مَا صَالَحْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ»، وهذا إسناد ضعيف، لكنه يقوي الإسناد السابق، وبهما يصح الأثر. ([4]) في إسناده يحيى بن عقبة بن العيزار. قال ابن معين: كذاب خبيث، عدو الله، وقال أبو حاتم: يفتعل الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. كما في ميزان الاعتدال 4/397. وأخرجه ابن زَبْر في "شروط النصارى" (9)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (2/174) من طريق بقية بن الوليد, عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب, عن عبد الرحمن بن غنم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب على النصارى حين صولحوا ...وذكره بنحوه. ورواه الخلال في "كتاب أحكام أهل الملل" من "جامعه" (1000) (ص357) قال: أخبرنا عبدالله بن الإمام أحمد حدثنى أبو شرحبيل الحمصى عيسى بن خالد قال: حدثنى عمر أبو اليمان وأبو المغيرة قالا: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم...... فساقه بنحوه. قال ابن القيم (2 / 663 - 664): "وشهرة هذه الشروط تغنى عن إسنادها: فإن الإئمة تلقوها بالقبول , وذكروها في كتبهم واحتجوا بها, ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفى كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها".اهـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 121،122: وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة". ([5]) انظر: "اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية" (2/231/ط الجامعة الإسلامية-المدينة). ([6]) بواسطة "تسامح الغرب مع المسلمين في العصر الحاضر" (ص77).
  5. عبد الأعلى المصري

    هارون الرشيد.. الخليفة العادل العابد المجاهد !

    هارون الرشيد.. الخليفة العادل العابد المجاهد ! بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد، فقد أثير على الخليفة العادل العابد المجاهد هارون الرشيد شبهتان تطعن في عدالته هما: 1. شربه للخمر. 2. سماعه للقيان والمعازف وانغماسه في اللهو. وقبل أن نشرع في رد الشبهتين، نذكر مَن هو هارون الرشيد: قال السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (ص456/ط.دار المنهاج): "أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس. استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة. قال الصولي: هذه الليلة ولد فيها عبد الله المأمون، ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة، وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة، وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر". و قال الذهبي في "السير" (9/286): "الخَلِيْفَةُ، أَبُو جَعْفَرٍ هَارُوْنُ ابْنُ المَهْدِيِّ مُحَمَّدِ ابْنِ المَنْصُوْرِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ". وقال الخطيب البغدادي –رحمه الله- في "تاريخ مدينة السلام" (16/9): "قال ابن أبي الدنيا: ولد هارون سنة تسع وأربعين ومائة، وكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر، وأيامًا، وكان هارون أبيض، طويلًا، مسمنًا، جَميلًا، قد وخطه الشيب، ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد يُقالُ لَهَا: الخيزران". قال الخطيب في تاريخ بغداد (16/14):"عن عمرو بن بَحر، قال: اجتمع للرشيد ما لَمْ يَجتمع لأحد من جد وهزل، وزراؤه البرامكة لَم ير مثلهم سخاء وسرورًا، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، كان في عصره كجرير في عصره، ونديمه عم أبيه العباس بن محمد صاحب العباسية، وحاجبة الفضل بن الربيع أتيه الناس وأشده تعاظمًا، ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته، وضاربه زلزل، وزامره برصوما، وزوجته أم جعفر أرغب الناس في خير وأسرعهم إلى كل برٍّ، وهي أسرع الناس في معروف، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إلى أشياء من المعروف". · وإليك ردّ هاتين الشبهتين: · ردُّ الشبهة الأولى: شربه للخمر: قال الذهبي في "السير" (9/290): "قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أُرَاهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ المُخْتَلفَ فِيْهِ، لاَ الخَمْرَ المُتَّفَقَ عَلَى حُرْمَتِهَا". وقال محمد الخضري في "محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية" (ص210): "واشتهر أن الرشيد كان يشرب النبيذ الذي يرخص أهل العراق في شربه". · وأمَّا الشبهة الثانية: وهي سماعه للقيان والمعازف وانغماسه في اللهو، حيث جاء في "الاكتفاء في أخبار الخلفاء" (3/1403) في ترجمة هارون أنه كان: "مُحبًا للندمان، وسماع القيان، واستحباب القيان، وهو أول خليفة هتك الستار". وقال الذهبي في "السير" (9/290): "وَمَحَاسِنُهُ كَثِيْرَةٌ، وَلَهُ أَخْبَارٌ شَائِعَةٌ فِي اللَّهوِ، وَاللَّذَاتِ، وَالغِنَاءِ، اللهُ يَسْمَحُ لَهُ...". وقال محمد الخضري في "محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية الدولة العباسية" (ص210): "وكان يسمع الغناء([1]) ويثيب عليه ويثيب عليه أعظم ثواب، ولذلك اشتهر في زمنه أعظم الموسيقيين والمغنين من بغداد ممن لم يأت بعده مثلهم، كما يرى ذلك من اطلع على كتاب الموسم بـ(الأغاني) لأبي فرج الأصبهاني". والردُّ على هذه الشبهة مع الأولى كذلك من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الطعون مفتراة على هارون الرشيد من قبَل الرافضة والشعوبية، كما قال صالح بن عبد الله الغامدي –محقَّق "الاكتفاء في سيرة الخلفاء"- : "وأعتقد أن كل ما صرَّح به المؤلف من ثلب وعيب في الرشيد –رحمه الله – لا يصلح، وإنما هو من طعون أعدائه من الرافضة والشعوبية وغيرهم بقصد تشويه سيرته الحسنة يحملهم على ذلك الحسد والغيرة، والحقد والضغينة التي امتلأت بها قلوبهم على الاسلام وأهله، خصوصًا على من تقلَّد ذروة سنام الأمة وزمام الخلافة هارون الرشيد، الذي كان من أنبل الخلفاء العباسيين، وأحشمهم، وأمثلهم عفة وطهارة، وأحسنهم سيرة". الوجه الثاني: إن سيرة هارون الرشيد في حكمه وعبادته وجهاده تناقض كونه منغمسًا في شرب الخمر والغناء والقيان واللَّهو، ذلك أنه عُرِف بالعدل وكثرة الغزو والحج والصدقة ونوافل الصلوات والزهد وخشية الله إذا ذُكِر به، كما في النقولات والآثار التالية: قال الذهبي في (9/287): "وَكَانَ مِنْ أَنبَلِ الخُلَفَاءِ، وَأَحشَمِ المُلُوْكِ، ذَا حَجٍّ، وَجِهَادٍ، وَغَزْوٍ، وَشَجَاعَةٍ، وَرَأْيٍ". وقال: "حَجَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَهُ فُتُوحَاتٍ وَمَوَاقِفُ مَشْهُوْدَةٌ، وَمِنْهَا فَتحُ مَدِيْنَةِ هِرَقْلَةَ، وَمَاتَ غَازِيًا بِخُرَاسَانَ، وَقَبْرُهُ بِمَدِيْنَةِ طُوْسَ، عَاشَ خَمْسًا وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَلَدُهُ صَالِحٌ، تُوُفِّيَ: فِي ثَالِثِ جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَةٍ". وقال ابن جرير الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" (8/347): "ذكر العباس بْن محمد عن أبيه، عن العباس، قَالَ: كان الرشيد يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حجَّ حجَّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحجُّ أحجَّ ثلاثمائه رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة". وقال ابن الكردبوس في "الاكتفاء في أخبارالخلفاء" (3/1403) : "نقش خاتمه: استرشدت بالله"، ثم قال -بعد جزمه بدعوى انغماسه في الغناء واللهو وشرب النبيذ-: "وكان مع ذلك رجَّاعًا إلى دين الله، وهو القائل: ولله مني جانب لا أضيعه ... واللهو مني والبطالة جانب" وكان مدمنًا للجهاد والحج، حجَّ ثماني حجج، مشى في إحداهما الى مكة راجلاً، وغزا ثماني غزوات". قلت: واعتراف مؤلف الاكتفاء بهذه الحقائق كان كافيًا في إبطال الفرى التي قدّم لها بين يديها! وقال الخطيب البغدادي –رحمه الله- في "تاريخ مدينة السلام" (16/9-10): " أَخْبَرَنَا ابن رزق، قَالَ: أَخْبَرَنَا عثمان بن أحمد الدقاق، قَالَ: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن البراء، قال: الرشيد هارون بن المهدي وكنيته أبو جعفر، ولد بالري، وكان يحج سنة، ويغزو سنة، قال أبو السعلى: فمن يطلب لقاءك أو يُرِدْهُ فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمرٍّ وفي أرض البنية فوق طور وما جاز الثغور سواك خلق من المستخلفين على الأمور" وقال في (16/11-12): "أخبرنا علي بن الحسين صاحب العباسي([2])، قال: أخبرنا إسماعيل بن سعيد المعدل([3])، قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي([4])، قال: حدثنا إبراهيم بن الجنيد، قال: سمعت علي بن عبدالله يقول: قال أبو معاوية الضرير حدثت هارون الرشيد بهذا الحديث، يعني قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل"، فبكى هارون حتى انتحب، ثم قال يا أبا معاوية: وما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم بين يديه قط إلى قال: صلَّى الله على سيدي. وقال ابن ظافر الأزدي (ت 613) في "أخبار الدول المنقطعة" (ص239): "ولما ورد عليه كتاب صاحب الثغور، وذكر له فيه خروج طاغية الروم، وقع على كتابه: أنا في الأثر، ومن الله الظفر، ووقع أيضًا وقد ورد كتاب ثاني منه في المعنى: {وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار} ووقع على رقعة رجل يتظلم من عمرو بن مسعدة: يا عمرو أعمر نعمة الله عندك بالعدل فإن الجور يهدمها". قلت: ومن تعظيمه للشرع والعلم وعدله أنه جدّد العمل بالشروط العمرية، كما قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى (28/654) عند حديثه عن الشروط العمرية على نصارى الشام: "وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مَا زَالَ يُجَدِّدُهَا عَلَيْهِمْ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا جَدَّدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي خِلَافَتِهِ وَبَالَغَ فِي اتِّبَاعِ سُنَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ وَالْقِيَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَيَّزَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَجَدَّدَهَا هَارُونُ الرَّشِيدُ وَجَعْفَرٌ الْمُتَوَكِّلُ وَغَيْرُهُمَا وَأَمَرُوا بِهَدْمِ الْكَنَائِسِ الَّتِي يَنْبَغِي هَدْمُهَا كَالْكَنَائِسِ الَّتِي بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ كُلِّهَا". وقال كما مستدرك على الفتاوى (3/250): "وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: من السنة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة، وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد". وقال تلميذ شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية في "أحكام أهل الذمِّة" (1/465): "وَأَمَّا هَارُونُ الرَّشِيدُ فَإِنَّهُ لَمَّا قَلَّدَ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى أَعْمَالَ خُرَاسَانَ، وَجَعْفَرًا أَخَاهُ دِيوَانَ الْخَرَاجِ، أَمَرَهُمَا بِالنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فَعُمِّرَتِ الْمَسَاجِدُ وَالْجَوَامِعُ وَالصَّهَارِيجُ وَالسِّقَايَاتُ، وَجُعِلَ فِي الْمَكَاتَبِ مَكَاتَبٌ لِلْيَتَامَى، وَصَرَفَ الذِّمَّةَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ الْمُسْلِمِينَ عِوَضًا مِنْهُمْ، وَغَيَّرَ زِيَّهُمْ وَلِبَاسَهُمْ وَخَرَّبَ الْكَنَائِسَ، وَأَفْتَاهُ بِذَلِكَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ". قلت: وكان شديدًا على الزنادقة وأهل البدع والأهواء، كما كما في الآثار التالية: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن علي بن حمويه بن أبرك الهمذاني([5]) بها، قال: أخبرنا أحمد بن عبدالرحمن الشيرازي([6])، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن محمد بن عتَّاب البزاز البخاري([7])، قال: حدثنا أبو هارون سهل بن شاذوية بن الوزير البخاري([8])، قال: حدثني محمد بن عيسى بن يزيد السعدي الطرسوسي([9])، قال: سمعت خُرَّزاد العابد يقول: كنت عند الرشيد، فدخل عليه أبو معاوية الضرير وعنده رجل من وجوه قريش، فجرى الحديث إلى أن خرج أبو معاوية إلى حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة: "أن موسى لقي آدم، فقال: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة!" وذكر الحديث، قال: فقال القرشي: أين لقي آدم موسى؟ قال: فغضب الرشيد، وقال: النطع والسيف، زنديق والله، يطعن في حديث رسول صلى الله عليه وسلم قال: فما زال أبو معاوية يسكِّنه ويقول: كانت منه بادرة ولم يفهم يا أمير المؤمنين، حتى سكنه". قال عبدالقادر بن حبيب الله السندي في "تعليقات سنية على البحوث العلمية" (ص76): "والشاهد في هذا الحديث هو أن هارون الرشيد رحمه الله تعالى المتوفى سنة 193ه بمدينة طوس لم يكن من المحدثين ولم يكن قد اشتغل بالرواية الحديثة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن محمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح قد ولد آنذاك، وقد عرف وعلم هارون الرشيد عن صحة هذا الحديث الذي استفسر عنه ذاك الرجل القرشي فغضب عليه الرشيد غضبًا شديدًا، وحكم عليه أنه زنديق". وقال مرعي بن يوسف الكرمي كما في أقاويل الثقات: "وَلما كَانَ فِي حُدُود المئة الثَّانِيَة انتشرت هَذِه الْمقَالة الَّتِي كَانَ السّلف يسمونها مقَالَة الْجَهْمِية بِسَبَب بشر المريسي وطبقته وَكَانَ الْأَئِمَّة مثل مَالك وسُفْيَان وَابْن الْمُبَارك وَأبي يُوسُف وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق والفضيل بن عِيَاض وَبشر الحافي يبالغون فِي ذمّ الْكَلَام وَفِي ذمّ بشر المريسي هَذَا وتضليله حَتَّى إِن هَارُون الرشيد قَالَ يَوْمًا بَلغنِي أَن بشرًا المريسي يَقُول الْقُرْآن مَخْلُوق وَللَّه عَليّ إِن أَظْفرنِي بِهِ لأقتلنه قتلة مَا قتلتها أحدا فَأَقَامَ بشر متواريا أَيَّام الرشيد نَحوًا من عشْرين سنة". وقال السيوطي في "تاريخ الخلفاء" (ص457/ط.دار المنهاج): "وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص". · قلت: ومن مواقفه –رحمه الله- في توقير العلم والعلماء والانصياع لنصائحهم ما يلي: وأخرج الخطيب في تاريخ بغداد (16/14): "أَخْبَرَنَا أبو علي مُحَمَّد بن الحسين الجازري([10])، قَالَ: حَدَّثَنَا المعافى بن زكريا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن الحسن بن دريد، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: دخلت على هارون الرشيد ومَجْلسه حافل، فقال: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لِحضرتنا؟ قلت: والله يا أمير المؤمنين ما ألاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك، قال: فأمرني بالجلوس، فجلست وسكت عني، فَلمَّا تفرق الناس إلا أقلهم نَهضت للقيام، فأشار إليَّ أن أجلس، فجلست حتى خَلا المجلس، فلم يبق غيري وغيره ومن بين يديه من الغلمان، فقال لي: يا أبا سعيد، ما ألاقتني؟ قلت: أمسكتني يا أمير المؤمنين كفاك كف ما تليق درهما جودًا وأخرى تعط بالسيف الدما فقال: أحسنت، وهكذا فكن: وقرنا في الملأ، وعلَّمنا في الخلاء، وأمر لي بِخمسة آلاف دينار". وقال الخطيب أيضًا في (16/9): "أَخْبَرَنَا أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب القاضي([11])، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الله بن محمد المزني([12])، بواسط، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو طاهر المري عبد الله بن محمد بن مرة، بالبصرة، قَالَ: حَدَّثَنَا حسن الأزدي، قال: سَمعت علي ابن المديني، يقول: سمعت أبا معاوية، يقول: أكلت مع هارون الرشيد أمير المؤمنين طعامًا يومًا من الأيام، فصب على يدي رجل لا أعرفه، فقال هارون الرشيد: يا أبا معاوية، تدري من يصب على يديك؟ قلت: لا، قال: أنا، قلت: أنت يا أمير المؤمنين؟! قال: نعم، إجلالًا للعلم". وذكر في (16/17-18): "أَخْبَرَنَا أحمد بن عبدالله بن الحسين بن إسماعيل المحاملي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبدالله بن زياد القطان، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيى بن أبي طالب، قَالَ: حَدَّثَنَا عثمان بن كثير الواسطي، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس تَموت أشد علي موتًا من هارون أمير المؤمنين، قال: وددت أنه، أو قال: " ولوددت أن الله، زاد في عمره من عمري، فكبر ذلك علينا؛ فلما مات هارون، وظهرت تلك الفتن، وكان من المأمون ما حَمل الناس على قول القرآن مَخلوق، قلنا: الشيخ كان أعلم بِما تكلم به". وقال أبو بكر أحمد بن مروان الدِّينَوَري في (2/183): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَعِنْدَهُ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، فَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ مِنَ الْغَايَةِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ هُوَ الْغَايَّةَ، إِنَّمَا هُوَ الْغَابَةُ. قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، مَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَجْلِسَ إِلَيَّ عَاقِلٌ مِثْلُكَ". وقال ابن ظافر الأزدي (ت 613) في "أخبار الدول المنقطعة" (ص239): "وفي أيامه كملت الخلافة بكرمه وعدله وتواضعه، وزيارته العلماء في مواضعهم كمالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وعبدالرزاق بن همام المحدث، والفضيل بن عياض وغيرهم، وفي أيامه توفي مالك بن أنس سنة تسع وسبعين ومائة وله تسعون سنة وصلى عليه ابن أبي ذئب، وفي أيامه أيضًا مات محمد بن الحسن الفقيه، وعلي بن حمزة الكسائي، حين دخل الرشيد الري؛ فقال الرشيد: دفنا العلم بالري...".اهـ وقال ابن ظافر الأزدي (ت 613) في "أخبار الدول المنقطعة" (ص239): "وكان يعادله إلى مكة في المحل القاضي أبو يوسف..."، ثم قال: "وكان الرشيد مضلِّعًا من العلم والأدب والشعر".اهـ وقال أبو بكر أحمد بن مروان الدِّينَوَري في "المجالسة وجواهر العلم" في (3/229): "حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُخْتَارِ، نَا يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ؛ قَالَ: أَرَادَ هَارُونُ الرَّشِيدُ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلًا الْقَضَاءَ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَا أُحْسِنُ الْقَضَاءَ ولَا أَنَا فَقِيهٌ. فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: فِيكَ ثَلَاثُ خِلَالٍ: لَكَ شَرَفٌ، وَالشَّرَفُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الدَّنَاءَةِ، وَلَكَ حِلْمٌ، وَالْحِلْمُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الْعَجَلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُعَجِّلْ قَلَّ خَطَؤُهُ، وَأَنْتَ رَجُلٌ تُشَاوِرُ فِي أُمُورِكَ، وَمَنْ شَاوَرَ كَثُرَ صَوَابُهُ، وَأَمَّا الْفِقْهُ؛ فَنَضُمُّ إِلَيْكَ مَنْ تَتَفَقَّهُ بِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَوُلِّيَ؛ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مَطْعَناً". قلت: وكان هارون كذلك يعتني بعلوم الطب، كما جاء في "تاريخ مختصر الدول" (ص227): "ومن أطباء الرشيد يوحنا بن ماسويه النصراني السرياني ولاه الرشيد ترجمة الكتب الطبية القديمة، وخدم الرشيد، ومن بعده إلى أيام المتوكل، وكان معظَّمًا ببغداد جليل القدر وله تصانيف جميلة، وكان يعقد مجلسًا للنظر، ويجري فيه من كل نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة، وكان يدرِّس ويجتمع إليه تلاميذ كثيرون". · قلت: وله أيضًا أخبار في الزهد وخشية الله عز وجل تنافي كونه –كما افتُري عليه- يقضي وقته في الغناء وسماع القيان واللهو المحرم. قال أبو بكر أحمد بن مروان الدِّينَوَري في "المجالسة وجواهر العلم" (1/376): "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نَا الرِّيَاشِيُّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخْذُ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مِنَ السُّنَّةِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَنْفِي الْفَقْرَ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَتَخْشَى أَنْتَ أَيْضًا الْفَقْرَ؟ ! فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ! وَهَلْ أَحَدٌ أَخْشَى لِلْفَقْرِ مِنِّي؟!". وقال في (3/145): "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نَا أَبِي، عَنِ ابْنِ السَّمَّاكِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: عِظْنِي. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ مُنِعَ عَنْكَ الْمَاءُ سَاعَةً وَاحِدَةً كُنْتَ تفتيدها بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ مُنِعَ عَنْكَ الْبَوْلُ سَاعَةً وَاحِدَةً كنت تفتيدها بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَمَا تَصْنَعُ بِدُنْيَا لَا تَشْتَرِي بَوْلةً وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ؟!". وقال في (4/295): "حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ، نَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ؛ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ السَّمَّاكِ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ. فَقَالَ: مَا أَعْجَبَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ كَيْفَ غَلَبَ عَلَيْنَا حُبُّ الدُّنْيَا؟ ! وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا مَا نصير إِلَيْهِ كيف غفلنا عَنْهُ، عَجَبًا لِصَغِيرٍ حَقِيرٍ إِلَى فَنَاءٍ يَصِيرُ، غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ طَوِيلٍ دَائِمٍ غَيْرِ زَائِلٍ!". وقال في (4/427): "حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى؛ قَالا: نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمِّهِ الأَصْمَعِيِّ؛ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَقَدْ زَخْرَفَ مَجَالِسَهُ وَبَالَغَ فيها وفي بنائها، [و] وَضَعَ فِيهَا طَعَامًا كَثِيرًا، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى أَبِي الْعَتَاهِيَةِ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: صِفْ لَنَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَعِيمِ هَذِهِ الدُّنْيَا؛ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: (عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا ... فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ) فَقَالَ: أَحْسَنْتَ! ثُمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ: (يُسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْتُ ... لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ) فَقَالَ: أَحْسَنْتَ أَيْضًا! ثُمَّ مَاذَا؟ فَقَالَ: (فَإِذَا النُّفُوسُ تَقَعْقَعَتْ ... فِي ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ) (فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا ... مَا كُنْتَ إِلا فِي غُرُورِ) فَبَكَى هَارُونُ، فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى: بَعَثَ إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِتُسِرَّهُ فَأَحْزَنْتَهُ! فَقَالَ هَارُونُ: دَعْهُ؛ فَإِنَّهُ رَآنَا فِي عَمًى فَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَنَا عَمًى". حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، نا أَحْمَدُ بْنُ زَكَرِيَّا، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْجُعْفِيُّ؛ قَالَ: سَمِعْتُ الأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ، فَرَأَيْتُ امْرَأَةً أَعْرَابِيَّةً بَرْزَةً جَمِيلَةً، وَإِذَا هِيَ وَاقِفَةٌ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ كَانُوا يَأْكُلُونَ شَيْئًا، وَبِيَدِهَا قَصْعَةٌ؛ فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: (طَحْطَحَتْنَا طَحَاطِحُ الأَعْوَامِ ... وَرَمَتْنَا بِصَرْفِهَا الأَيَّامُ) (فَأَتَيْنَاكُمْ نَمُدُّ أَكُفَّا ... لِفَضَالاتِ زَادِكُمْ وَالطَّعَامِ) (فَاطْلُبُوا الأَجْرَ وَالْمَثُوبَةَ فِينَا ... أَيُّهَا الزَّائِرُونَ بَيْتَ الْحَرَامِ) (مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي وَرَحْلِي ... فَارْحَمُوا حَاجَتِي وَذُلَّ مُقَامِي) فَرَجَعْتُ إِلَى هَارُونَ، فَأَخْبَرْتَهُ؛ فَبَكَى وَقَالَ: اطْلُبِ الْمَرْأَةَ، وَائْتِنِي بِهَا. فَخَرَجْتُ فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقُلْنَا لَهَا: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَتْ: حَيَّاهُ اللهُ، وَمَا يُرِيدُ مِنِّي؟ قُلْتُ: يُرِيدُ أَنْ تُنْشِدِيهِ الأَبْيَاتَ الَّتِي قُلْتِيهَا قُبَيْلٌ. فَأَنْشَدَتْهُ إِيَّاهَا، فَالْتَفَتَ إِلَى مَسْرُورٍ الْخَادِمِ، فَقَالَ: امْلأْ لَهَا الْقَصْعَةُ دَنَانِيرَ. فَمَلأَهَا لَهَا حَتَّى فَاضَتْ مِنْ جَوَانِبِهَا". وقال أبو طاهر السِّلَفي كما في "الطيوريات" (2/645): "عُبيد اللَّهِ حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عُبيد الله ابن عمر القَوَارِيريّ قال: "لما لقِيَ هارونُ الرَّشيد الفُضيلَ بنَ عِياض قال له الفُضيل: يا حَسَنَ الوجهِ، أنتَ المسؤولُ عن هذه الأمة، حدثنا ليثٌ، عن مجاهد {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: الوَصْل الَّذي كان بينهم في الدنيا، قال: فجعل هارونُ يَبْكي ويَتَشَهَّق"، وهذا إسناد صحيح. وقال الذهبي في "السير" (9/287-288): "قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَرَّةً ابْنُ السَّمَّاكِ الوَاعِظُ، فَبَالغَ فِي إِجْلاَلِهِ، فَقَالَ:تَوَاضُعُكَ فِي شَرَفِكَ، أَشْرَفُ مِنْ شَرَفِكَ ...، ثُمَّ وَعَظَهُ، فَأَبكَاهُ، وَوَعَظَهُ الفُضَيْلُ مَرَّةً، حَتَّى شَهِقَ فِي بُكَائِهِ، وَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ ابْنِ المُبَارَكِ، حَزِنَ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ، فَعَزَّاهُ الأَكَابِرُ، وَكَانَ يَقْتَفِي آثَارَ جَدِّهِ، إِلاَّ فِي الحِرْصِ". قال ابن قيم الجوزية –رحمه الله- في روضة المحبين (ص365): "وقال اليزيدي: دخلت على هارون الرشيد فوجدته مكبًا على ورقه ينظر فيها مكتوبة بالذهب فلما رآني تبسم فقلت فائدة أصلح الله أمير المؤمنين قال نعم وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما فأضفت إليهما ثالثا فقال ثم أنشدني إذا سد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها فإن قراب البطن يكفيك ملأه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها فلا تك مبذالا لدينك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها". قلت: بل اعترف بكون هارون الرشيد مفترى عليه أحد الكتَّاب في صحيفة "الأهرام المسائي المصرية" عدد (9262) (الأثنين 3 من ذو الحجة 1437 هــ 5 سبتمبر2016) حيث قال: "هارون الرشيد ذلك البطل المسلم والخليفة المتواضع الذي ظلمه المستشرقون فافتروا عليه بالكثير من الأكاذيب التي صدقها العوام، وكثرت الأعمال الدرامية المليئة بهذه الأكاذيب وكأنها قد انقلبت إلي حقائق والذي لا يعرفه الكثيرون أن هارون الرشيد من أكثر خلفاء الازدهار الإسلامي أعمالا مجيدة وعبادة كثيرة ففي عهده كانت الدولة تمتد من الصين غربا إلي المغرب في الغرب فكانت من أكبر وأعظم الدول التي عرفها التاريخ لقد كان الرشيد أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوًا وحج". وسئل الشيخ صالح الفوزان كما في موقعه الرسمي-: "ذكرت بعض كتب التاريخ ولا سيما - كتاب ألف ليلة وليلة - بأن خليفة المسلمين هارون الرشيد لا يعرف إلا اللهو وشرب الخمر فهل هذا صحيح‏؟ فأجاب حظفه الله: "هذا كذب وافتراء ودس في تاريخ الإسلام ، وكتاب ألف ليلة وليلة كتاب ساقط لا يعتمد عليه ولا ينبغي للمسلم أن يضيع وقته في مطالعته‏‏، وهارون الرشيد معروف بالصلاح والاستقامة والجد وحسن السياسة في رعيته، وأنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا وهذه الفرية التي ألصقت به في هذا الكتاب لا يُلتفت إليها، ولا ينبغي للمسلم أن يقرأ من الكتب إلا ما فيه الفائدة؛ ككتب التاريخ الموثوقة وكتب التفسير والحديث والفقه وكتب العقيدة التي يعرف بها المسلم أمر دينه؛ أما الكتب الساقطة فلا ينبغي للمسلم ولا سيما طالب العلم أن يضيع وقته فيها‏‏".اهـ قلت: فهذا ما تيَّسر جمعه في الذبِّ عن هذا الخليفة العادل العابد المجاهد، ولا يعني هذا أنه كان معصومًا، بل هو بشر من البشر، قد يقع في مخالفة متأوّلاً، وقد تصدر منه الهفوات، لكن لا ترتقي هذه الهفوات إلى أن يُطعَن بها في عدالته وأن يُتَّهم بالفسق والفجور. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ظهر الخميس 25 ربيع الأول 1439 القاهرة - مصر ([1]) قال عبده على كشك -محقِّق كتاب "محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية الدولة العباسية"-: أي الذي لا فحش فيه، والغناء كل كلام ملحن، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح". ([2]) قال الخطيب: "علي بْن الحسين بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم، أَبُو الحسن صاحب أَبِي الفضل بْن دودان الهاشمي العباسي: كتبت عنه وكان صدوقًا. "تاريخ بغداد" (12/343). ([3])لم أقف له على ترجمة. ([4]) الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن جَعْفَر بن مُحَمَّدِ بْنِ خالد بن بشر، أَبُو عَلِيّ الكوكبي الكاتب قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (8/647): "وما علمت من حاله إِلا خيرًا". وقال الحافظ في "لسان الميزان" (2/203): "إخباري مشهور رأيت في أخباره مناكير كثيرة بأسانيد جياد". ([5])لم أقف له على ترجمة. ([6]) قال الذهبي في "السير" (17/242): "الشِّيْرَازِيُّ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَحْمَدَ الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُجَوِّدُ" وقال: "قَالَ جَعْفَرٌ المُسْتَغْفِرِي: كَانَ يفهُمُ وَيحفَظُ. وَقَالَ الحَافِظُ شِيْرَوَيْه الدَّيْلَمِيّ: كَانَ ثِقَةً صَادقاً حَافِظاً، يُحْسِنُ هَذَا الشَّأْن جَيِّداً جيداً". ([7])لم أقف له على ترجمة. ([8]) قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (6/951): "سهل بْن شاذويه الباهلي البخاري ذكره السلَيمانيّ فوصفه بالحفظ والتصنيف، وأنه سمع علي بن خشرم، وطائفة سواه". ([9]) قال الحافظ في "لسان الميزان" (7/430-431): "محمد بن عيسى [بن يزيد التميمي أَبُو بكر] الطرسوسي محدث رحال"، "قال ابن عَدِي: هو في عداد من يسرق الحديث وعامة ما يرويه لا يتابعونه عليه، كنيته أبو بكر"، "وذكره ابنُ حِبَّان في الثقات فقال: يروي، عَن أبي نعيم، وَأبي اليمان دخل ما وراء النهر فحدثهم بها، يخطىء كثيرا". ([10]) قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (2/55): "مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَن بن عَلِيّ بن بكران، أبو علي المعروف بالجازري من أهل النهروان. سكن بغداد، وحدث بها عن محمد بن موسى بن المثنى الداودي، والمعافى بْن زكريا الجريري، كتبت عنه وكان صدوقا". ([11]) ضعيف، انظر "ميزان الاعتدال" (2/654)، "لسان الميزان" (7/367)، "ديوان الضعفاء" (367). ([12]) هو عبد اللَّه بن مُحَمَّد بن عبداللَّه بن عثمان بن المختار أبو مُحَمَّد المزني الواسطي، يعرف بابن السقاء، ثقة حافظ، انظر "تاريخ الإسلام" (8/390)، "تاريخ بغداد" (11/354). هارون الرشيد.docx
  6. هل يُحتفَل بالشهر الذي توفي فيه النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع العلماء؟! بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد، فقد اعتادت طوائف من المسلمين في كل عام في شهر ربيع الأول أن تظهر مظاهر الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادًا منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وُلِد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول. فأقول: أولاً لم يأت نصٌّ يحدّد موعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، إنما أقصى ما جاء هو أنه وُلد يوم الإثنين، كما في حديث أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ -»، أخرجه مسلم (1162). وأما تاريخ المولد بالتأريخ الشهري فقد اختُلِف فيه اختلافًا كبيرًا، لا يمكن معه الجزم به بأنه في يوم الثاني عشر من ربيع الأول. ولو كان الاحتفال به مشروعًا لبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بيانًا واضحًا، كما ذكر أنه ولِد يوم الإثنين. بل على أقل تقدير كان اجتهد الصحابة في معرفته وصرّحوا به؛ كي يحتفلوا به! لكن لما سكت الصحابة عن البحث في هذه المسألة، دلَّ على أنهم ما اهتموا بمعرفته؛ لأنه لا يترتب على هذا عمل من احتفال ولا غيره من تخصيص هذا اليوم بعبادة معيّنة. فإذا مرّت القرون الثلاثة الفاضلة الأولى من الهجرة، وهي قرون السلف الصالح دون أن يحتفل بهذا المولد، فهل يقول عاقل: إن السلف الصالح تركوا أمرًا فيه تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم -كما يدّعي المحتفِّلون- دون أن يعتنوا به؟! وهل مَن جاء بعدهم يقال إنهم أشدّ تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم احتفلوا بيوم مولده؟! ثانيًا: فإن هذا الاحتفال بالمولد بدعة لا أصل لها في دين الله، كما قال عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري، تاج الدين الفاكهاني (المتوفى: 734هـ) في "المورد في عمل المولد": "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة، في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين؛ بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكَّالون".اهـ وإنما ابتدع هذا الاحتفال الرافضة الذين لقَّبوا أنفسهم بـ"الفاطميين"، حيث ابتدعوا ستّة موالد كما نقل هذا المقريزي في "الاعتبار بذكر الخطط والآثار" (2/490/الأميرية) (المجلد الثاني/591/ مؤسسة الفرقان) (2/436/ط دار الكتب العلمية): "وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة: أعياد ومواسم، وهي: موسم رأس السنة، وموسم أوّل العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ومولد عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن، ومولد الحسين عليهما السلام، ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وليلة أوّل شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرّة رمضان، وسِماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النَّوْرُوز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العَدَس، وأيام الرُّكوبات". وقال المقريزي أيضًا في الاعتبار في (2/433/الأميرية) (المجلد الثاني/423/مؤسسة الفرقان) (2/333/ط دار الكتب العلمية)، حيث قال: "قال ابن الطُّوَيْر: ذكر جلوس الخليفة في الموالد الستة في تواريخ مختلفة، وما يطلق فيها، وهي مولد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ومولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ومولد فاطمة عليها السلام، ومولد الحسن، ومولد الحسين عليهما السلام، ومولد الخليفة الحاضر". قلت: فهل يقول مؤمن صادق إن الرافضة –الذي يكفّرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشدّ تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه رضي الله عنهم؟! هل هؤلاء الباطنية المجوس يحبون النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟! واعلم أن هذا المولد الذي ابتدعه الرافضة قد أُبطل في نهاية القرن السادس كما قال المقريزي: "وكان الأفضل بن أمير الجيوش([1]) قد أبطل أمر الموالد الأربعة: النبويّ، والعلويّ، والفاطميّ، والإمام الحاضر، وما يهتمّ به، وقدم العهد به حتى نسي ذكرها، فأخذ الأستاذون يجدّدون ذكرها للخليفة الآمر بأحكام الله، ويردّدون الحديث معه فيها، ويحسنون له معارضة الوزير بسببها، وإعادتها، وإقامة الجواري والرسوم فيها، فأجاب إلى ذلك، وعمل ما ذكر".اهـ ثالثًا: نقل الإجماع على وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول في يوم الإثنين كلٌّ من: 1. المسعودي في "التنبيه والإشراف" (ص244)، وقال: "وقال أكثرهم: كانت وفاته لاثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر". 2. يوسف بن عبدالبر في "الدرر في اختصار المغازي والسير" (ص271). 3. السُّهيلي في الروض الأنف (7/578)، حيث قال: "وَاتّفَقُوا أَنّهُ تُوُفّيَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إلّا شَيْئًا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ: الْأَرْبِعَاءِ، قَالُوا كُلّهُمْ: وَفِي رَبِيعٍ الأول". 4. زين الدين محمد بن عبدالرءوف المناوي في "العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية للعراقي" (ص539) حيث قال: "كان ابتداء مرض المصطفى صلى الله عليه وسلم في ليال بقين من العشر الأخير من صفر، وكان بداية وجعه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا منه إحدى عشرة في بيت ميمونة، ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى بيت عائشة، وأقام في مرضه اثني عشر يومًا –حكاه ابن الجوزي-... وتوفي شهيدًا في ربيع الأول في يوم الاثنين ففيه ولد وفيه هاجر وفيه مات عند جميع أهل العلم، وكانت وفاته إما في ثاني الشهر عند جمع منهم: ابن منده والطبري، وقيل: في مستهله، وقيل: ثاني عشره، وعليه الجمهور من أهل السير وغيرهم، لكن فيه نظر كبير، كما قاله الواقدي والسهيلي وغيرهما". قلت: وقد قال المناوي هذا في شرح الأبيات التي نظمها أبو الفضل زين الدين عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ت 806) في "نظم الدرر السنية في السيرة الزكية" (ص293/دار اللؤلؤة) حيث قال: مَرِضَ فِي العشْرِ الأَخيرِ من صَفَرْ ... أَقَامَ فِي شَكْوَاهُ ذاكَ اثْنَي عَشَرْ أَو عَشْرًا، أو أقَامَ أَربعْ عَشْرهْ ... أَو فَثَلاثَ عشْرةٍ قَدْ ذَكَرَهْ كَذَا ابنُ عَبدِ البَرّ فِي ربيعِ ... فِي يومِ الاثْنينِ لَدى الجَمِيْع وَفَاتُه إِمَّا بِثَانِي الشَّهْرِ ... أوْ مُسْتهَلّ، أَو بِثَانِي عَشْرِ وَهْوَ الذِي أَوْرَدَهُ الجُمهورُ ... لَكِن عَلَيْهِ نَظَرٌ كَبِيرُ لأن وَقفَةَ الوَدَاعِ الجُمُعَهْ ... فَلا يصِحُّ كَونُها فِيه مَعَهْ وَقِيْل: بَل في ثامِنٍ بالجَزْمِ ... وَهْو الذِي صَحَّحَه ابنُ حَزْمِ قلت: لكن ما ذُكر في حق ابن حزم يخالف ما ذكره في "جوامع السيرة" (ص265)، حيث اعتمد قول الجمهور بأن وفاته في ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وجزم بأن وفاته صلى الله عليه وسلم كانت في يوم الثاني عشر من ربيع الأول سنة 11 ه كلٌّ من: 1. أبو الفرج عبدالرحمن بن الجوزي (ت597)كما في "الوفا بأحوال المصطفى" (2/538). 2. أبو الخير محمد بن محمد الجزري (ت 833) في منظومة "ذات الشفا في سيرة النبي ثم الخلفا" (ص59): ثاني عشر من ربيع أولِ فيا لها من مصيبة لمن بُلي 3. ابن النجار في "الدُّرة الثمينة في تاريخ المدينة". 4. ابن حبان، والنووي، والذهبي في العبر، كما في "جامع الآثار في السيرة ومولد المختار" لابن ناصر الدين الدمشقي (7/44). وعزاه ابن ناصر الدين الدمشقي في "جامع الآثار في السير ومولد المختار" (7/44-46) إلى طاووس، ومحمد بن إسحاق، حيث قال: "فقيل: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لثنتي عشر لية من شهر ربيع الأول، ذكره الزهري عن عروة بن الزبير، ورواه إبراهيم بن يزيد، عن ابن طاووس، عن أبيه، وحدث به أبو جعفر الوراق، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وقال أبو حسان (حسن) بن عثمان: وهذا أثبت الأقاويل، وجزم بذلك سعيد بن عفير ومحمد بن سعد، وأبو حاتم بن حبان، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو الفرج بن الجوزي، وصحَّحه أبو عمرو بن الصلاح، وأبو زكريا النووي، والذهبي في (العبر)، وبه صدَّر المزي الخلاف. 1. وقيل: توفي صلى الله عليه وسلم لمستهل شهر ربيع الأول فيما روى عن عروة وسعيد بن جبير، وقاله أبو نعيم الفضل بن دكين فيما رواه عنه يوسف هو ابن يعقوب الصفار، ورواه إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن ابن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، ورواه نحوه عن مقاتل بن سليمان، ورواه أبو الشيخ ابن حيَّان في (تاريخه) على الليث بن سعد، وذكره الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي، وجزم به ابن زَبْر في "الوفيات". 2. وقيل: لليلة خلت من ربيع الأول، رواه يحيى بن بكير، وعبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، وتقدم، وقيل: توفي صلى الله عليه وسلم لليلتين خلتا منه، وراه المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، وروى عن محمد بن قيس مولى يعقوب القبطي رواه عنه أبو معشر، حدَّث به أحمد بن حنبل عن حسين بن محمد عن أبي معشر، ورواه الواقدي عن أبي معشر، وبه قال القاضي أحمد بن كامل بن شجرة. 3. وذكر ابن جرير عن الكلبي ولوط أبي مخنف: أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي في الثاني من ربيع الأول. 4. وقيل: لثمان خلون من ربيع الأول، قاله أبو محمد بن حزم ورجحه وجزم به غيره. 5. وقيل: لعشر خلون منه، رواه سيف بن عمر الأسيدي، عن محمد بن عبد الله، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ بن فضل العراقي فيما أخبرنا به مكاتبة من مصر غير مرة: والقول الأول –يعني: الذي قدمناه- أنه توفي صلى الله عليه وسلم لإثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وإن كان قول الجمهور فقد استشكله السهيلي من حيث التاريخ. قلت: واستشكله أيضًا الحافظ أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الحميري الكلاعي، وأبو اليمن ابن عساكر وغيرهم". قلت: قال السُّهيلي في الروض الأنف (7/578): "وَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُونَ تُوُفّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا فِي الثّانِي مِنْ الشّهْرِ أَوْ الثّالِثَ عَشَرَ أَوْ الرّابِعَ عَشَرَ أَوْ الْخَامِسَ عَشَرَ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنّ وَقْفَةَ عَرَفَةَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ كَانَتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ التّاسِعُ مِنْ ذِي الْحَجّةِ، فَدَخَلَ ذُو الْحَجّةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَكَانَ الْمُحَرّمُ إمّا الْجُمُعَةُ وَإِمّا السّبْتُ، فَإِنْ كَانَ الْجُمُعَةُ، فَقَدْ كَانَ صَفَرٌ إمّا السّبْتُ وَإِمّا الْأَحَدُ، فَإِنْ كَانَ السّبْتُ، فَقَدْ كَانَ رَبِيعٌ الْأَحَدَ أَوْ الِاثْنَيْنِ، وَكَيْفَا دَارَتْ الْحَالُ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ، فَلَمْ يَكُنْ الثّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بِوَجْهِ، وَلَا الْأَرْبِعَاءَ أَيْضًا كَمَا قَالَ الْقُتَبِيّ، وَذَكَرَ الطّبَرِيّ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ وَأَبِي مِخْنَفٍ أَنّهُ تُوُفّيَ فِي الثّانِي مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ أَهْلِ الْجُمْهُورِ فَإِنّهُ لَا يُبْعَدُ أَنْ كَانَتْ الثّلَاثَةُ الْأَشْهُرُ الّتِي قَبْلَهُ كُلّهَا مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَتَدَبّرْهُ، فَإِنّهُ صَحِيحٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا تَفَطّنَ لَهُ، وَقَدْ رَأَيْت لِلْخَوَارِزْمِيّ أَنّهُ تُوُفّيَ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي أَوّلِ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ، وَهَذَا أَقْرَبُ فِي الْقِيَاسِ بِمَا ذَكَرَ الطّبَرِيّ عَنْ ابْنِ الْكَلْبِيّ وَأَبِي مِخْنَفٍ". ونقل ابن ناصر الدين في جامع الآثار (7/48) القول بوفاته في الثاني من ربيع الأول عن ابن عمر، قال: "وذلك فيما رواه الخطيب في (الرواة عن مالك) من رواية سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض ثمانية، فتوفي لليلتين خلتا من ربيع الأول..الحديث". قلت: ورجّح محمد فريد وجدي في "السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة" (ص319) أن وفاته كانت في ثالث عشر من ربيع الأول. ومهما كان الراجح في يوم وفاته صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا خلاف أنه توفي في شهر ربيع الأول، وكثير من البلاد اتخذت هذا الشهر عيدًا يحتفلون به بمولد النبي صلى الله عليه وسلم طوال الشهر ليس في الثاني عشر منه فقط، كما يحدث في إذاعة القرآن الكريم المصرية، حيث يعقدون في كل ليلة من ليالي الشهر احتفالاً في مسجد مختلف. فهل يقال: إنهم يحتفلون بالشهر الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم بالإجماع؟! وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري الأربعاء 24 ربيع الأول 1439 القاهرة - مصر ([1]) قال ابن كثير: "أَبُو الْقَاسِمِ شَاهِنْشَاهْ، الْأَفْضَلُ بْنُ أَمِيرِ الْجُيُوشِ بَدْرِ الْجَمَالِيِّ.. فَكَانَ كَأَبِيهِ فِي الشَّهَامَةِ وَالصَّرَامَةِ، وَلَمَّا مَاتَ الْمُسْتَنْصِرُ أَقَامَ الْمُسْتَعْلِي وَاسْتَمَرَّتِ الْأُمُورُ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَانَ عَادِلًا حَسَنَ السِّيرَةِ، مَوْصُوفًا بِجَوْدَةِ السَّرِيرَةِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ".
  7. عبد الأعلى المصري

    إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق (الحلقة الثانية)

    تنبيه: سقطت "لم" من قاعدة: " الذي علِم حجة على مَن لم يعلم".
  8. عبد الأعلى المصري

    إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق (الحلقة الثانية)

    إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق (الحلقة الثانية) بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد، فما زال عبدالرحمن عبدالخالق مستمرًا في كتمان الحق متبعًا سنن أهل الكتاب في هذا، متعمِّدًا إخفاء الفتاوى الأخيرة للشيخ محمد بن إبراهيم، وتلميذه الشيخ ابن باز –رحمهما الله- في التحذير من الجماعة الضالة "جماعة التبليغ والدعوة" –والتي بيّنتها له في الحلقة الأولى من هذا الردِّ- متعلِّقًا بخيوط العنكبوت بفتاوى صدرت في وقت لم يكن كلا الشيخين قد ألَّما بحقائق هذه الجماعة الضالة، نظرًا؛ لأن شيوخها كانوا يتزينون أمامهما بخلاف حقيقة منهجهم في بلادهم. ورغم ذلك فمن يتأمل في رسالة الشيخ ابن باز إلى الشيخ سعد الحصين، يجد فيها بوادر إنكار من الشيخ رحمه الله على بعض ما بلغه من انحرافات عن هذه الجماعة، لكنه طالب فقط بالرفق في الإنكار عليهم مع تعهدهم بالنصح آملاً منهم إصلاح هذه الانحرافات. ولو سلَّمنا جدلاً أن كلا الشيخين أثنيا على هذه الجماعة الضالة، ولم يتراجعَا عن ذلك، وكان هناك علماء آخرون بيَّنوا بالأدلة والبراهين انحراف هذه الجماعة عن الصراط المستقيم، فالقاعدة المعمول بها في هذا الشأن –والتي يعرفها صغار طلبة العلم- أن "الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل المجمل"، وأن "الذي علِم حجة على مَن يعلم"؛ ولكن عبدالرحمن عبدالخالق يكابر ويعاند في الحق الأبلج –مع معرفته بكتمانه ومعاندته- شأنه شأن مَن قال الله عز وجل فيهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فأقول لعبدالرحمن عبدالخالق: لماذا كتمت فتاوى العلامة عبدالرزاق عفيفي –رحمه الله-، وهو نائب الإمام ابن باز في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء-؟! فلو سلّمنا جدلاً أن الشيخ ربيع بن هادي كان شديدًا على "جماعة التبليغ والدعوة"، فليس هو أول من صنع ذلك، وليس المتفرد بذلك، فقد سبقه إلى تلك الشدّة –والتي هي شدَّة في موضعها اللائق- علماء كبار، على رأسهم: العلامة عبدالرزاق عفيفي –رحمه الله تعالى-، وإليك مواقفه الصارمة من هذه الجماعة المنحرفة: عن خروج جـمـاعة التبليغ لتذكير الناس بعظمة الله؟سئل الشيخ -رحمه الله-: فأجاب قائلاً: "الواقع أنهم مبتدعة مخرفون، وأصحاب طرق قادرية وغيرها، وخروجهم ليس في سبيل الله، ولكنه في سبيل إلياس، وهم لا يدعون إلى الكتاب والسنة، ولكن يدعون إلى شيخهم إلياس في بنجلاديش. أما الخروج بقصد الدعوة إلى الله فهو في سبيل الله، وليس هذا هو خروج جماعة التبليغ، أنا أعرف التبليغ من زمان قديم، وهم المبتدعة في أي مكان كانوا هم في مصر، وإسرائيل، وأمريكا، والسعودية، وكلهم مرتبطون بشيخهم إلياس".اهـ وفي خاتمة كتاب "لقاءاتي مع الشيخين: ابن باز والألباني"، تأليف أ.د: عبد الله بن محمد بن أحمد الطيَّار (2/219) أورد حوار له مع العلامة عبد الرزاق استفتاه فيه في بعض الفتاوى، وكان منها هذا السؤال: * ما رأيكم في جـمـاعة التبليغ؟ فأجاب: "ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، وقد تعبَّد الله نبيه بالجهاد والدعوة، وليس بالخروج". قلت: بل لقد ثبت عن العلامة عبد الرزاق موقف أشد في حق جماعة التبليغ، كما في هذه الرسالة التي أرسلها إبراهيم بن الحصين إلى العلامة عبد الرزاق، يستعطفه فيها أن يُخفِّف حكمه على جماعة التبليغ بالقتل، وهذا نص الرسالة: فضيلة الوالد الشيخ عبد الرزاق عفيفي -أحياه الله حياة طيبة، وختم لنا وله بالخاتمة الحسنة..آمين.السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.. وبعد: -حفظكم الله- أشفع لفضيلتكم برفقة كتابة جديدة حول جماعة التبليغ بعد أن اجتمع فضيلة الشيخ عبد العزيز -حفظه الله- بقادتهم بعد الحج، وناقشهم فيما ينقله المعارضون لهم عنه، ولعلَّ اطلاعكم على المرفقات يخفِّف عنهم حكم فضيلتكم بقتلهم([1]) -أو نقله عن غيركم مقررًا له- حسب ما نقله عنكم الأخ: سعد الحصين هذه الأيام في كتاب منه، وزعها على نطاق واسع، وأرجو أن لا يشمل هذا من ناصرهم من كبار العلماء مثل المفتي السابق واللاحق، ولا يشمل صغار أبنائك مثل إبراهيم وصالح الحصين وغيرهم من مدرسي التوحيد في الجامعة الإسلامية وغيرها. ونسأل الله أن يمنحنا كلمة الحق في الغضب والرضا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من ابنك ومـحبك إبراهيم بن عبد الرحـمن الحصين 13/1/1408 وهذه الرسالة هي من النفائس التي أفادني بها أ. محمود بن الشيخ عبدالرزاق عفيفي، لما أتاني بكلِّ الوثائق التي تحت يديه الخاصة بوالده –رحمه الله-، وطلب مني القيام بمراجعة الأعمال القديمة التي تمت في ترجمة وفتاوى والده –رحمه الله-؛ كي نتلافى أي خلل أو نقص حدث فيها، وبالفعل قمت بهذا، وإذ بي أكتشف الطوام من تلاعب الحزبيين بترجمة وفتاوى الشيخ عبدالرزاق، كما بيَّنت هذا بالأدلة في طبعتي لـ: "ترجمة وجامع فتاوى العلامة عبدالرزاق عفيفي"، والتي طُبِعت منذ حوالي عشر سنوات، وكانت ناسخة للطبعة القديمة من الترجمة والفتاوى التي قام بها القطبي "سعيد صابر"، والتي احتوت على العديد من التحريفات لفتاوى الشيخ وترجمته. وإني أدعو عبدالرحمن عبدالخالق إلى التوبة الصادقة والإنابة العاجلة إلى ربِّ العالمين من هذا الافتراء على عالم من علماء الأمّة، لم يقترف سوءًا إلا أنه حذَّر من ضلالات وشركيات جماعة التبليغ والدعوة سالكًا في ذلك سبيل مَن سبقه من العلماء الذين عرفوا حقيقة هذه الجماعة، وأدعوه كذلك –إن كان يريد الحق ويريد نصرة أهله ويتحامى في الدفاع عنهم كما يتحامى في الدفاع عن فرق الضلال: التبليغ والدعوة وحزب الإخوان المسلمين- أن يأتينا بردٍّ مفصَّل على الحقائق التي ذكرها ثلاثة من العلماء عايشوا هذه الجماعة في عقر دارها، وأتوا بنقولات ظاهرة –لا لبس فيها- من كتبهم ومراجعهم المعتمّدة والتي لا ينكرونها، ألا وهم: 1. الأستاذ سيف الرحمن أحمد في كتابه: "نظرة عابرة اعتبارية حول الجماعة التبليغية". 2. أ.د: أبو أسامة سيد طالب الرحمن في كتابه "جماعة التبليغ في شبه القارة الهندية: تعريفها –عقائدها"، تقريظ: العلامة صالح الفوزان. 3. العلامة حمود التويجري في كتابه "القول البليغ في نصح جماعة التبليغ". ويا ليتك كذلك تقرأ "التعليق البليغ على رد الشيخ أحمد بن يحيى النجمي على مادح التبليغ..ويليه: حوار مع الشيخ أبي بكر الجزائري"، لأبي همام محمد بن علي الصومعي البيضاني، فكأنه ردٌّ عليك. وكذلك راجع فتاوى الشيخ مقبل بن هادي –رحمه الله-. ومن هنا تدرك افتراءك العظيم ودعواك العريضة السا قطة على الشيخ ربيع بن هادي بأنه أشعل الفتنة الكبرى بتحذيره من جماعة التبليغ والدعوة ونحوها من جماعات الضلال، وإنما الشيخ ربيع موافق في مواقفه المواقف المشرفة التي وقفها علماء أجلاء وناصحون أمناء ضد هذه الجماعات المبتدعة. يتَّبع –إن شاء الله- .... وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ليلة غرة المحرم 1439 الرياض – دولة التوحيد والسنة: الدولة السعودية حفظها الله من كيد المنافقين والخوارج المارقين ([1]) هذا الحكم الشديد من الشيخ -رحمه الله-، إنما هو على رءوس هذه الجماعة البدعية، وعلى أفرادها: من أصحاب الطرق الصوفية الخرافية الوثنية القائمة على دعاء الأموات، وعلى عقائد شركية أخرى، وهذا هو محور الطرق الأربعة التي بُنيت عليها جماعة التبليغ: القادرية، والسهروردية، والجشتية، والنقشبندية. أما الجهال، والمغرر بهم، خصوصًا من أبناء العرب، الذين لا يبايعون على هذه الطرق الوثنية، فلا يتنزل عليهم حكم الشيخ بالقتل، لكن لا يسلمون من البدعة، إلا من رحم الله منهم.
  9. عبد الأعلى المصري

    من تلبيسات الحجوري وتدليساته في كتابه الجديد ( الحلقة الثانية)

    أحسنت .. ردٌّ قويٌّ مفحم .. أظهرت فيه تعالم الحجوري وتعديه على شيخنا العلامة ربيع -شفاه الله وعافاه وبارك في عمره-. جزاك الله خيرًا.
  10. عبد الأعلى المصري

    إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق

    حدث انقلاب في الفقرة الأولى من المقال، والصواب ما يلي: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد، فقد جاء على صفحة الفيس البوك الرسمية الخاصة بـ"عبدالرحمن عبدالخالق" رسالة بعنوان: "خطاب ودعاء للشيخ ربيع بن هادي المدخلي"، قال فيها: "أخي الشيخ ربيع شفاك الله وعافاك وأمد في عمرك بالطاعة وطهور إن شاء الله ...
  11. عبد الأعلى المصري

    إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق

    إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، " رسالة بعنوان: "خطاب ودعاء للشيخ ربيع بن هادي المدخلي"، قال فيها:عبدالرحمن عبدالخالقأما بعد، فقد جاء على صفحة الفيس البوك الرسمية الخاصة بـ" "أخي الشيخ ربيع شفاك الله وعافاك وأمد في عمرك بالطاعة وطهور إن شاء الله. أخي الشيخ ربيع أقول لك -وأنت على فراش المرض-: هؤلاء جميعًا هم خصماؤك يوم القيامة: الجماعات الدعوية التي أخرجتها من السنة والجماعة والفرقة الناجية، وألحقتهم بالفرق الهالكة، وحكمت عليهم بأنهم من أهل النار، وكذلك العلماء والمشايخ، ودعاة الإسلام الذين حكمت عليهم بالبدعة، وأخرجتهم من السنة والجماعة، وحكمت عليهم بأنهم من الفرق الهالكة، كل هؤلاء هم خصماؤك بين يدي الله يوم القيامة، جماعة التبليغ تضم الملايين ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويدعون الى الله، وأرفق لك نموذجًا واحدًا منهم هو الشيخ محمد بن حمدان آل نهيان: https://www.youtube.com/watch?v=Bd5alddLp-4 وهو الذي فتح ألبانيا للاسلام بعد أن فرض عليها الستار الحديدي طيلة نصف قرن من الزمان، وأهلها المسلمون ممنوعون من الصلاة والأذان، واقتناء مصحف، وهذا الرجل هو الذي فتح البلد للإسلام بغير سيف ولا سنان، وأرجو أن تسمع حديثه بنفسك لترى هل يصح أن يُجعل هؤلاء من الفرق الضالة؟ الملايين سيخاصمونك يوم القيامة؛ لأنك بدّعتهم وأخرجتهم من الدين وحكمت عليهم بالضلال وأمثالهم من جماعات الإسلام، ومن الدعاة والعلماء، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله والذي كذبتم عليه حيًّا وميتًا واتهمتموه بأنه رجع عن فتاويه، وبكر أبو زيد وغيرهم، كل هؤلاء خصماؤك بين يدي الله، وكذلك من قُتلوا من أهل الإسلام ممن يشهد أن لا إله إلا الله بسبب تحريضك عليهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه عندما تعجل في قتل رجلا شهد أن لا إله إلا الله في الحرب: وما تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة. أخي الشيخ ربيع: ختامًا أقول شفاك الله وعافاك وأمد في عمرك بالطاعة، وانظر في هذا الأمر قبل أن يأتي يوم يقتص الله فيه لكل مظلوم ممن ظلمه، وهل ظُلمٌ أكبر من لعن المسلم وإخراجه من الدين والحكم أنه من أهل النار، واعلم أن الذين اتبعوك فيما سرت فيه من التبديع والإخراج من السنة والجماعة أنت مسئول عن أعمالهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة."وختاماً أسال الله لي ولك حسن الخاتمة، وأن لا يطالبنا أحد يوم القيامة بمظلمة. وكتبه: عبد الرحمن عبدالخالق الأربعاء 14 ذو الحجة 1438 هـ الموافق 6 سبتمبر 2017 م قلت: أما قولك: "أخي الشيخ ربيع أقول لك -وأنت على فراش المرض-: هؤلاء جميعًا هم خصماؤك يوم القيامة...". قلت: سبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة، فهذه المقولة نفسها قيلت ليحيى بن سعيد في مرضه، كما قال ابن عدي في الكامل (ت 365ه) (1/260/ط مكتبة الرشد): وَفِي كِتَابِي بِخَطِّي عَنْ يَعْقُوبَ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثني أَبُو سُلَيْمَانَ الطَّرْسُوسِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ خَلادٍ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى يَحْيى بْنِ سَعِيد فِي مَرَضِهِ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَتَكَلَّمُونَ؟ قُلْتُ: يَذْكُرُونَ خَيْرًا، إلاَّ أَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَيْكَ مِنْ كَلامِكَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: احْفَظْ عَنِّي؛ لأَنْ يَكُونَ خَصْمِي في الآخرة رجل مِنْ عَرَضِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي فِي الآخِرَةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بَلَغَكَ عَنِّي حَدِيثٌ وَقَعَ فِي وَهْمِكَ أَنَّهُ عَنِّي غَيْرُ صَحِيحٍ، يَعْنِي فَلَمْ تُنْكِرْهُ. وجاء الأثر في مختصر المقريزي للضعفاء (ص75). قلت: يعقوب بْن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن يزيد هو: أبو عَوَانة النَّيْسابوريّ، ثمّ الإسفرايينّي الحافظ (ت 316 ه) صاحب "المُسْنَد الصحيح" المخرَّج عَلَى "صحيح مُسْلِم". ومحمد بن خلاد بن كثير، أبو بكر الباهلي الْبَصْرِيُّ، ثقة من رجال مسلم، وأما أَبُو سُلَيْمَانَ الطَّرْسُوسِيُّ فلم أقف عليه، لكنه توبع: فقد أخرجه الحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (1/110/ط الرسالة) (1/140/ط دار الإمام أحمد): وَقَدْ سَمِعت أَبَا بَكْر أَحْمَد بْن كَامِل بْن خلف بْن شَجَرَة الْقَاضِي يَقُول سَمِعت الْقَاضِي يَقُول سَمِعت أَبَا سعد يحيى ابْن مَنْصُور الْهَرَوِيّ يذكر عَن أَبِي بَكْر بْن خَلاد قَالَ قلت ليحيى ابْن سَعِيد أما تخشى أَن يَكُون هَؤُلَاءِ الَّذين تذكر حَدِيثهمْ خصماءك عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ لِأَن يَكُون هَؤُلاءِ خصمائي أحب إِلَيّ من أَن يَكُون خصمي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَمْ حدثت عني حَدِيثا ترى أَنَّهُ كذب". وأخرجه الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/92) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: " أَتَيْتُ يَحْيَى مَرَّةً فَقَالَ لِي: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ دَاوُدَ فَقَالَ: إِنِّي لَأُشْفِقُ عَلَى يَحْيَى مِنْ تَرْكِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ فَبَكَى يَحْيَى وَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ شَكَكْتُ فِيهِ فَتَرَكْتُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُ: بَلَغَكَ عَنِّي حَدِيثَ سَبَقَ إِلَى قَلْبِكَ أَنَّهُ وَهْمٌ فَلِمَ حَدَّثْتَ بِهِ؟". وأما قولك: "الجماعات الدعوية التي أخرجتها من السنة والجماعة والفرقة الناجية، وألحقتهم بالفرق الهالكة، وحكمت عليهم بأنهم من أهل النار، وكذلك العلماء والمشايخ، ودعاة الإسلام الذين حكمت عليهم بالبدعة، وأخرجتهم من السنة والجماعة، وحكمت عليهم بأنهم من الفرق الهالكة، كل هؤلاء هم خصماؤك بين يدي الله يوم القيامة...". قلت: أولاً: سمِّ لنا هذه الجماعات الدعوية التي تفرد الشيخ ربيع بإخراجها من السنة والجماعة والفرقة الناجية، وألحقها بالفرق الهالكة، وإن كنت سمّيت واحدة منها وهي جماعة التبليغ والدعوة، وسيأتيك خبرها بعد قليل إن شاء الله. لكن إطلاقك القول بأن الشيخ ربيعًا بدّع الجماعات الدعوية جملةً، يوحي للقارئ بأمرين: الأول: أن الشيخ ربيعًا يطلق القول بالتبديع جزافًا على كلّ من يدعو إلى الله عز وجل، ولو كان يدعو على بصيرة متبعًا السلف الصالح في اعتقادهم ومنهجهم. ثانيًا: أن الشيخ ربيعًا تفرد دون بقية العلماء بهذا التبديع لهذه الجماعات البدعية –والتي تسميها دعوية-. وكلا الأمرين باطل، وأنت تعلم بطلانه لكن الهوى يعمي ويصمُّ. وأنا أسمِّي لك أكبر هذه الجماعات، وهي حزب الإخوان المسلمين، والذي تفرعت منه أغلب الجماعات التكفيرية القطبية، والتي تسمّيها أنت جماعات دعوية، وأنقل لك طرفًا من فتاوى العلماء بخلاف الشيخ ربيع في بيان انحراف هذا الحزب؛ فالعلامة ربيع بن هادي سائر في ركاب العلماء الذين بدَّعوا حزب الإخوان المسلمين، لم يتفرد بقول فيه، ولا في غيره من الأحزاب الضالة. ثانيًا: أين كلام الشيخ ربيع الذي جزم فيه بأن أهل هذه الجماعات والفرق من أهل النار؟ إنما هم من أصحاب الوعيد كما أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالشيخ ربيع ناقل لهذا الوعيد ليس منشئًا له من عند نفسه. وقد كنت جمعت فتاوى نادرة لسبعة من كبار علماء مصر في التحذير من حزب الإخوان المسلمين وحسن البنا، ثم أردفت هذا بعمل أكبر سمَّيته: "الجمع المبين لفتاوى العلماء الربانيين في التحذير من حزب الإخوان المسلمين"، جمعت فيه فتاوى ومقالات ثلاث وعشرين عالِمًا. وأنقل لك نماذج يسيرة من هذه الفتاوى؛ كي تدرك افتراءك العريض على العلامة ربيع: قال العلامة أحمد شاكر في تقرير رفعه إلى الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- سمَّاه "تقرير عن شئون التعليم والقضاء" (ص48): "حركة الشيخ حسن البنا وإخوانه الـمسلمين الذين قلبوا الدعوة الإسلامية إلى دعوة إجرامية هدَّامة ينفق عليها الشيوعيون واليهود، كمـا نعلم ذلك علم اليقين". ).اهـ [من شريط حول جماعة التبليغ والإخوان: من تسجيلات منهاج السنة في الرياض].[1]وقال العلامة الألباني –رحمه الله-: "ليس صوابًا أن يُقال إن الإخوان المسلمين هم من أهل السنة؛ لأنهم يحاربون السنة"( وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب البنا –رحمه الله- في مقدِّمته على كتابي "التفجيرات والأعمال الإرهابية والمظاهرات من منهج الخوارج والبغاة وليست من منهج السلف الصالح": "وكان أول من سنَّ بدعة الخروج على الحكَّام في العصر الحديث هو: حسن البنا([1])، وذلك عن طريق المظاهرات والانقلابات، ولقد كنت فتًى في مُقتبل العمر حينما ظهر حسن البنا على الساحة، وأسَّس حزب الإخوان المفلسين"." وقال الشيخ الأديب محمود شاكر –رحمه الله- كما جاء في مذكرات عبدالعزيز كامل (ص66): "الإخوان ضحالة فكرية وتعصُّب لا يستند إلى دليل". وقال أيضًا: "الإخوان إسراع بالحكم على الناس بالكفر واستباحة للدماء". وقال الإمام عبدالعزيز بن باز –رحمه الله-: "حركة الإخوان المسلمين ينتقدها خواص أهل العلم؛ لأنه ليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله وإنكار الشرك وإنكار البدع، لهم أساليب خاصة ينقصها عدم النشاط في الدعوة إلى الله، وعدم التوجيه إلى العقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة؛ فينبغي للإخوان المسلمين أن تكون عندهم عناية بالدعوة السلفية، الدعوة إلى توحيد الله، وإنكار عبادة القبور والتعلق بالأموات والاستغاثة بأهل القبور كالحسين أو الحسن أو البدوي، أو ما أشبه ذلك. يَجب أن يكون عندهم عناية بِهذا الأصل الأصيل، بمعنى لا إله إلا الله، التي هي أصل الدين، وأول ما دعا إليه النَّبِي -صلى الله عليه وآله وسلم- في مكة دعا إلى توحيد الله، إلى معنى لا إله إلا الله، فكثير من أهل العلم ينتقدون على الإخوان المسلمين هذا الأمر، أي: عدم النشاط في الدعوة إلى توحيد الله، والإخلاص له، وإنكار ما أحدثه الجهال من التعلق بالأموات والاستغاثة بِهم، والنذر لهم، والذبح لهم، الذي هو الشرك الأكبر. وكذلك ينتقدون عليهم عدم العناية بالسنة: تتبع السنة، والعناية بالحديث الشريف، وما كان عليه سلف الأمة في أحكامهم الشرعية، وهناك أشياء كثيرة أسمع الكثير من الإخوان ينتقدونَهم فيها، ونسأل الله أن يوفقهم ويعينهم ويصلح أحوالهم". اهـ. قلت: والشيخ -رحمه الله- كان لطيف العبارة في الجرح في هذه الفتوى، وسلفه في هذا البخاري عندما كان يقول في الراوي المتروك: فيه نظر، ورغم هذا فإن الشيخ ذكر مخالفتين لهذا الحزب، إحداهما تكفي لإخراجه من دائرة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة أصحاب الحديث والأثر، وهما: أولاً: عدم النشاط في الدعوة إلى توحيد الله وإنكار الشرك والبدع. ثانيًا: عدم العناية بالسنة، وما كان عليه سلف الأمة في الأحكام الشرعية. قلت: فما بقي من الدين إذا لَم يعتنى بالتوحيد والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وهذه هي ركائز الدعوة السلفية دعوة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فلا ريب أن يكون حزب الإخوان -بِهذه الصفات- داخلاً في حيز الفرق الضالة. وقد اعترض معترض على فتوى الشيخ –رحمه الله- في بيان حقيقة حال الإخوان رغم تلطف الشيخ في فتواه، والظاهر من اعتراضه أنه متعصِّب لحزب الإخوان أو جاهل بحقيقة حالهم؛ فقال في سؤاله: "إنني أحترمك وأقدرك وأحبك في الله، ولكن لي عند سماحتكم عتاب، وهو أنني قرأت اليوم في " مجلة المجلة " حديثًا مع فضيلتكم وكُتب بها على لسانكم عن " الإخوان المسلمين" ولقد كتب المحرر : أن الإخوان المسلمين لا يهتمون بالعقيدة وأنهم يحيون الموالد، ويفعلون كثيرًا من البدع، ولقد دُهشت كثيرًا لهذا الكلام، لأنني عاملت الإخوان في مصر لسنوات عديدة ولم أعلم منهم شيئًا من ذلك، ولم أجد في معاملتهم أي بدعة([2])، أو أي شيء مما كتب عنهم في هذه المقالة، فلذا أرجو من سماحتكم تصحيح هذا الكلام؟ فأجاب إمام السنة – رحمه الله -: "نعم، كثير من الإخوان نقل عنهم ذلك، نحن حكينا نقل جماعة من المشايخ والإخوان، أن " الإخوان المسلمين " ليس عندهم نشاط كلي وقوي في التحذير فيما يتعلق بالشرك ودعوة أصحاب القبور، وهذا على كل حال يراه في كتبهم وسيرتهم فإذا روجعت كتبهم يرى منها ذلك"اهـ. [من شريط مسجل من دروس الشيخ بالطائف صيف عام 1416هـ شهر صفر ]. وقد قال الشيخ -رحمه الله- هذا الكلام رغم عدم اطلاعه الكامل على واقع هؤلاء وعلى كتب مؤسسي حزبِهم: حسن البنا، سيد قطب، والهضيبِي، ومصطفى السباعي وغيرهم من رؤوسهم كما هو ظاهر من فتواه –رحمه الله-، فلم تكن كتب هؤلاء أو مقالاتِهم بالمرجع الهام الذي يرجع إليه، أو يبذل من أجله الوقت، لذا لَم يكن للشيخ -رحمه الله- عناية بِها، فكيف لو قرأ الشيخ الدعوة السافرة في كتب هؤلاء إلى وحدة الوجود، والتصوف، والموالد، والديمقراطية والاشتراكية، ووحدة الأديان، والخروج على الحكام بالقوة، والتحزب..إلى آخر البدع والضلالات المبثوثة في كتبهم، والملموسة في منهجهم الواقعي، لكان الشيخ أشد وطأة عليهم، وهذا ما حدث، فلمَّا علم الشيخ -رحمه الله- طرفًا زائدًا من حقيقة حالهم، خاصة عند ظهور آثارهم السيئة في فتنة الخليج، كان تصريحه الواضح الذي لا مرية فيه، ولا لين، أن هذا الحزب الضال من الثنتين والسبعين فرقة الضالة، وكان ذلك قبل وفاته -رحمه الله- بسنتين، وإليك نص الفتوى: سئل سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-: أحسن الله إليك، حديث النَّبِي صلى الله عليه وسلم في افتراق الأمم قوله: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة إلا واحدة))، فهل جماعة التبليغ على ما عندهم من شركيات وبدع، وجماعة الإخوان المسلمين على ما عندهم من تحزب وشق العصا على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة، هل هاتين الفرقتين تدخل في الفرق الهالكة؟. فأجاب -غفر الله تعالى له وتغمده بواسع رحمته-: تدخل في الثنتين والسبعين، من خالف عقيدة أهل السنة دخل في الثنتين والسبعين، المراد بقوله: "أمتي" أي: أمة الإجابة، أي استجابوا له وأظهروا اتباعهم له، ثلاث وسبعين فرقة: الناجية السليمة التي اتبعته واستقامت على دينه، واثنتان وسبعون فرقة فيهم الكافر وفيهم العاصي وفيهم المبتدع أقسام. فقال السائل: يعني: هاتين الفرقتين من ضمن الثنتين والسبعين؟ فأجاب: نعم، من ضمن الثنتين والسبعين والمرجئة وغيرهم، المرجئة والخوارج بعض أهل العلم يرى الخوارج من الكفار خارجين، لكن داخلين في عموم الثنتين والسبعين([3]). قلت: فهذا الموقف الحقيقي النهائي من ابن باز في هاتين الجماعتين الضالتين، وسيأتي مزيد بيان عن حقيقة موقفه –رحمه الله- من جماعة التبليغ والدعوة، فلماذا يا عبدالرحمن تسلك مسلك أهل الكتاب في كتمان الحق، والذي ذمّه الله عز وجل بقوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؟!! وأما قولك: "الملايين سيخاصمونك يوم القيامة؛ لأنك بدّعتهم وأخرجتهم من الدين وحكمت عليهم بالضلال وأمثالهم من جماعات الإسلام، ومن الدعاة والعلماء". قلت: وكذلك كتب "الجرح والتعديل" امتلأت بتجريح أئمة الإسلام لآلاف –لا أقول ملايين- الرواة وغير الرواة من دعاة أهل البدع، فما قولك في أئمة الإسلام عبر القرون، بل هؤلاء الأئمة كانوا يتقربون إلى الله عز وجل بهذا التجريح والتبديع، ويحتسبون هذا عند الله، وانظر ماذا قال الأئمة في إمام الجرح والتعديل شعبة بن الحجّاج كما في ترجمته في مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم؛ حيث بوّب: "ما ذكر في كلام شعبة في ناقلة الآثار أن ذلك كان حسبة منه"، وقال: نا صالح بن أحمد نا علي -يعني ابن المديني - قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي نا حماد بن زيد قال: كلمنا شعبة أنا وعباد بن عباد وجرير بن حازم في رجل - قلنا: لو كففت عنه، قال فكأنه لان وأجابنا، قال فذهبت يومًا أريد الجمعة فإذا شعبة ينادي من خلفي فقال: ذاك الذي قلتم لي فيه لا أراه يسعني. وقال: نا صالح بن أحمد نا علي قال سمعت عبد الرحمن يقول: كان شعبة يتكلم في هذا حسبة. حدثنا عبد الرحمن نا محمد بن مسلم قال حدثني بعض أصحاب حماد ابن زيد عن حماد بن زيد قال: أتيت أنا وعباد بن عباد إلى شعبة بن الحجاج فسألناه أن يكف عن أبان بن أبي عياش، ويسكت عنه فلما كان من الغد خرجنا إلى مسجد الجامع فبصر بنا فنادانا فقال يا أبا معاوية نظرت فيما كلمتموني فوجدت لا يسعني السكوت. قال حماد: وكان شعبة يتكلم في هذا حسبة. وقال: نا أحمد بن سنان قال سمعت يزيد بن هارون يقول: لولا أن شعبة أراد الله عزوجل ما ارتفع هكذا. قال أبو محمد: يعني بكلامه في رواة العلم. حدثنا عبد الرحمن نا أحمد بن سنان الواسطي قال قلت لعبد الرحمن ابن مهدي: لِمَ تركت حديث حكم بن جبير؟ فقال حدثني يحيى القطان: قال سألت شعبة عن حديث من حديث حكيم بن جبير؟ فقال: أخاف النار. قال أبو محمد: فقد دل أن كلام شعبة في الرجال حسبة يتدين به، وإن صورة حكيم بن جبير عنده صورة من لا يسع قبول خبره ولا حمل العلم عنه فيلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله". وهذه كلها أسانيد صحيحة إلى قائليها. وقال ابن حبان في المجروحين (1/107) أخبرنا عبدالملك بن محمد قال: حدثنا أبو زرعة الرازي، قال: حدثنا مقاتل بن محمد قال سمعت وكيعًا يقول: إني لأرجو أن يرفع الله عز وجل لشعبة درجات في الجنة بذبّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: فتأمل حال هذا الإمام، وتأمل شهادات أئمة الإسلام فيه، وفي المقابل تأمَّل شهادات أئمة العصر في الشيخ ربيع بن هادي والتي تحمل عبارات واضحة جليّة في إثبات تمكن الشيخ من هذا العلم الذي صار غريبًا في هذا الزمان، وتطاول عليه من تطاول من سفهاء العصر. واترك هذه المبالغات التي هي شأن أهل البدع؛ كي يمرروا باطلهم وكذبهم. وأما قولك دفاعًا عن جماعة التبليغ: "جماعة التبليغ تضم الملايين ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويدعون الى الله..."، ثم قولك: "الملايين سيخاصمونك يوم القيامة؛ لأنك بدّعتهم وأخرجتهم من الدين وحكمت عليهم بالضلال وأمثالهم من جماعات الإسلام، ومن الدعاة والعلماء، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله والذي كذبتم عليه حيًّا وميتًا واتهمتموه بأنه رجع عن فتاويه". وقولك في رسالة سابقة بعنوان: "سؤال للشيخ ربيع بن هادي المدخلي أرجو أن يجيب عليه وليشهد العالم": "هل تعتقد أن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من الفرقة الناجية أم هو من الفرق الضالة حسب أصولك التي أصلتها؟ الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وأدخله الفردوس الأعلى كان أحد الذين أثنوا على جماعة التبليغ، ودافع عنهم بلسانه شفويًّا، وإملائه كتابيًّا، في أكثر من خمس رسائل وفتاوى...".اهـ فأقول: وهل كلُّ مَن شهد ألا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله، وأقام الصلاة، ودعا الى الله-على زعمك- يصير معصومًا لا يحذَّر منه البتَّة وإن أتى ببدع تهزُّ الجبال؟! وأقول لك: أنت أول من خالفت مذهبك؛ حيث إنك كتبت عدة كتابات تحذِّر فيها من الصوفية، والتي يتَّبعها ملايين على مستوى العالم، وكلُّ طرق الصوفية يدّعي أصحابها أنهم يدعون إلى الله، وأنهم يفتحون البلاد الكافرة بتصوفهم. فلماذا حذَّرت منهم؟! والجواب معلوم عندك: أنهم أصحاب بدع وشركيات وخرافات. فإذا أثبتنا لك أن جماعة التبليغ والدعوة، إنما هي نسخة محدَّثة من جماعات التصوف القديمة، أو كما قال إمام السنة الألباني –رحمه الله-: "التبليغ صوفية عصرية"، فماذا أنت فاعل معهم؟! الجواب معلوم عندك: سوف تكيل بمكيالين. بل اقرأ تتمة فتوى الألباني في التبليغ؛ لتدرك مَن الذي يخالف العلماء ويدلس عليهم؛ حيث سئل –رحمه الله-: ما رأيكم فِي جَماعة التبليغ، هل يَجوز لطالب العلم أو غيره أن يَخرج معهم بدعوى الدعوة إلَى الله؟ فأجاب: جَماعة التبليغ لا تقوم عَلَى منهج كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما كَانَ عليه سلفنا الصالِح، وإذا كَانَ الأمر كذلك فلا يَجوز الخروج معهم؛ لأنه يُنافي منهجنا فِي تبليغنا لِمنهج السَّلَف.."، إلى أن قال: " والحقيقة أنه لا ثقافة عندهم، فقد مرَّ عليهم أكثر من نصف قرن من الزمان ما نبغ فيهم عالِم، وأمَّا نحنُ فنقول: (ثقَّف ثُمَّ جَمِّع)، حتَّى يكون التجمع عَلَى أساس مبدأ لا خلاف فيه. فدعوة جَماعة التبليغ صوفية عصرية تدعو إلى الأخلاق، أمَّا إصلاح عقائد المجتمع فهم لا يُحركون ساكنًا لأن هذا بزعمهم يفرق. وقد جرت بين الأخ سعد الحصين وبين رئيس جَماعة التبليغ فِي الهند أو فِي باكستان مراسلات تبين منها أنهم يقرون التوسل والاستغاثة وأشياء كثيرة من هذا القبيل، ويطلبونَ من أفرادهم أن يبايعوا عَلَى أربعة طرق منها: الطريقة النقشبندية، فكل تبليغي ينبغي أن يبايع عَلَى هذا الأساس، وقد يسأل سائل إن هذه الجماعة عاد بسبب جهود أفرادها الكثير من الناس إلى الله، بل وربما أسلم عَلَى أيديهم أناس من غير المسلمين أفليس هذا كافيًا فِي جواز الخروج معهم والمشاركة فيما يدعون إليه؟ فنقول: إن هذه كلمات نعرفها ونسمعها كثيرًا، نعرفها من الصوفية، فمثلاً يكون هناك شيخ عقيدته فاسدة ولا يعرف شيئًا من السنة، بل ويأكل أموال الناس بالباطل، ومع ذَلِكَ فكثير من الفسَّاق يتوبون عَلَى يديه، فكل جَماعة تدعو إلى خير لا بد أن يكون لَهم تبع، ولكن نَحنُ ننظر إلى الصميم إلى ماذا يدعون؟ هل يدعون إلى اتباع كتاب الله وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام وعقيدة السَّلَف الصالِح وعدم التعصب للمذاهب واتباع السنة حيثما كانت ومع من كانت. فجماعــــة التبليــــــغ ليس لَهم منهــــج علمي، وإنما منهجهم حسب المكان الذي يوجدونَ فيه، فهم يتلونون بكل لون"([4]). قلت: وقد وسمهم بالتصوف عدد من علماء العصر مِمّن سَبَر حالهم، واستقصى حقائقهم، ومَن هؤلاء فضيلة الشيخ المفتي عبدالعزيز آل الشيخ –حفظه الله تعالى-؛ حيث قال –حفظه الله تعالى-: "والتبليغيون –وفقنا الله وإياهم للصواب- هم أناس سلكوا مسلكًا ألا وهو مسلك التصوف..."، إلى أن قال: "ثم يعتب عليهم أحيانًا تعلقهم بمرجعية الله أعلم بحالها، بل الغالب على مرجعية الخارجة عن جزيرة العرب والبعيدة عن بلاد العرب أنها مرجعية يوشك أن تكون وثنية؛ لأنهم يدعون أصحابهم بعد أن يلزموهم طويلاً، إلى بيعة شخص ما موجود في أحد الأقاليم خارج الديار الإسلامية، فهم مرتبطون ببيعة لأناس معينين إذن فالمرجعية مشبوهة أو قل المرجعية غير مشروعة". قلت: وقد انبرى أحد الكتَّاب في منتدى "الصوفية" مدافعًا عن جماعة التبليغ مستنكرًا فتوى الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ قائلاً: "المفتي الوهابي عبدالعزيز آل شيخ يحذر من جماعة التبليغ والدعوة صقور الدعوة ويذكر أن مرجعيتهم وثنية لأنها خارجة عن جزيرة العرب!! اتهام خطير يدل على جهل كبير وفحش عظيم قول وتهمة دون تحري وتأكد فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وجماعات التبليغ جزاهم الله عن المسلمين خير حركه دعوية وليست مذهبًا ومعتقدًا جديدًا، كما يدعي بعض الحاقدين ولا تتبع المعتقدات الوثنية كما يروج الوهابية بل هى على منهج السلف الصالح فهم صقور الدعوة بحق وقد كتب الله لنا التعرف عليهم والمكوث معهم.. رضي الله عن سيدي الشيخ الياس الكاندهلوي وقدس الله سره ونفعنا بعلومه".اهـ وأما دعواك على الإمام ابن باز أنه يثني على جماعة التبليغ، فهذا لم يحدث قطُّ، بل فتاويه الأولى كانت مقيَّدة على حسب ما بلغه من حالهم الذي كان يدلسه أتباعهم عنده رحمه الله. ولو سلَّمنا جدلاً أنه يثني عليهم مطلقًا، فالذي يعلم حجة على مَن لم يعلم، فلماذا أخذت بثناء ابن باز، وطرحت جرح الألباني وغيره المفسَّر المؤيد بالأدلة من واقع هذه الجماعة المنحرفة؟! إنما هو اتباع الهوى والفجور في الخصومة !! وأقول: إنك أنت الكاذب على الشيخ ابن باز، وإليك كلامه الذي يبين كذبك: سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- عن جماعة التبليغ فقال السائل: نسمع يا سماحة الشيخ عن جماعة التبليغ وما تقوم به من دعوة، فهل تنصحني بالانخراط فِي هذه الجماعة، أرجو توجيهي ونصحي، وأعظم الله مثوبتكم؟ فأجاب الشيخ بقوله: "كلُّ من دعا إلى الله فهو مُبَلِّغ "بَلِّغُوا عني ولو آية" لكن جماعة التبليغ المعروفة الهندية عندهم خرافات، عندهم بعض البدع والشركيات، فلا يجوز الخروج معهم، إلا إنسان عنده علم يخرج لينكر عليهم ويعلمهم، أما إذا خرج يتابعهم لا؛ لأن عندهم خرافات وعندهم غلط، عندهم نقص في العلم، لكن إذا كان جماعة تبليغ غيرهم أهل بصيرة وأهل علم يخرج معهم للدعوة إلى الله، أو إنسان عنده علم وبصيرة يخرج معهم للتبصير، والإنكار والتوجيه إلى الخير وتعليمهم حتى يتركوا المذهب الباطل، ويعتنقوا مذهب أهل السنة والـجماعة" ([5]). اهـ وسئل –رحمه الله-: خرجت مع جماعة للهند وباكستان، وكنا نجتمع ونصلي بمساجد فيها قبور، وسمعت بأن الصلاة بالمسجد الذي يوجد به قبر باطلة، فما رأيكم في صلاتي؟ وهل أعيدها؟ وما حكم الخروج معهم إلى هذه الأماكن؟ فأجاب -رحمه الله- بقوله: "جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرةٌ في مسائل العقيدة, فلا يجوز الخروج معهم إلاّ لمن لديه علم وبصيرةٌ بالعقيدة الصّحيحة التي عليها أهل السنّة والجماعة حتى يرشدهم وينصحهم([6]) ويتعاون معهم على الخير؛ لأنهم نشيطون في عملهم لكنهم يحتاجون إلى المزيد من العلم وإلى من يبصرهم من علماء التوحيد والسنة، رزق الله الجميع الفقه في الدين والثبات عليه. أما الصلاة في المساجد التي فيها قبور فلا تصح، والواجب عليك إعادة ما صليت فيها ..."([7]). وقال الشيخ صالح الفوزان –حفظه الله-: "آخر ما صدر من الشيخ ابن باز قبل أيام في مجلة الدعوة يقول: (إن هؤلاء الجماعة ليس عندهم بصيرة في التوحيد)، هذا هو الأساس، إذا صار ما عندهم بصيرة في التوحيد خلصنا منهم.. نفضنا أيدينا منهم. ويقول –أي: الشيخ ابن باز-: (فلا يجوز الخروج معهم إلا لعالم يبصرهم)، إذن صاروا هم بحاجة إلى الدعوة، إذا كانوا هم بحاجة إلى الدعوة كيف يدعون الناس؟!".اهـ وقال الشيخ سعد الحصين في آخر تهذيبه لكتاب "حكم الانتماء للفرق والجماعات الإسلامية" (ص104-105) : "شبهة وجوابها: الشبهة: أن بعض العلماء وبخاصة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- أثنى على هذه الجماعة أو تلك في رسالة خاصة، وفي إجابة لسؤال خاص. الجواب: معلوم أن الشيخ -رحمه الله- يُملي فتواه, ولا يُملي -بالضرورة- رسائله, بل أكثر رسائله يكتبها كُتّابه ويَِردُ عليهم ما يَردُ على غيرهم من الميل إلى هذه الجماعة أو هذا الحزب والتّعَصُّب لِمَ يميلون إليه, كما قال عن أمثالهم: }كُلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون{. وعلى فرض إملاء الشيخ -رحمه الله- الرسالة, أو اطلاعه عليها كاملةً فله أسوةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد يُنَوِّع الجواب على قدر حال السائل, كما ثبت عنه في الإجابة عن أفضل الأعمال بأنه الصلاة على وقتها, أو برُّ الوالدين, أو الجهاد في سبيل الله, وأحكام الإسلام ثابتة. وعلى سبيل المثال: فإنّ الإخوة من جماعة التبليغ يُعْرضون عن فتوى اللجنة الدائمة رقم: 1674 في 7/10/1397 وعلى رأسها الشيخ- رحمه الله-, وفيها عن جماعة التبليغ أنها: "تركتِ الكلام في تفاصيل عقيدة التوحيد، وهو أصل الإسلام، وهو الذي بدأت به الرّسل- عليهم الصلاة والسلام- دعوتهم وصارحوا به أممهم ... ولم يُعرف عنهم مجرّد الخروج والدّعوة إليه الذي هو من المبادئ والأصول المعروفة عند جماعة التبليغ ... ولم يُعرف عن جماعة التبليغ أنهم وقفوا مواقف الرّسل عليهم الصلاة والسلام في الدّعوة إلى تفاصيل الشريعة أصولها وفروعها إنما لديهم مجرّد خروج وإجمال في الدّعوة لا يصل بمن يخرج معهم إلى وعي إسلامي, أو معرفة بتفاصيل دينه, وليس في هذا اتِّباع لسبيل الرّسل عليهم الصلاة والسلام". انتهى النقل. وهم يُعرضون بل يُخفون, ويطمسون الفتوى المُضادةِ لهم التي أمر بإدخالها مجموع فتاواه، وأوصى بإقصاء كلّ رسائله وأجوبته الخاصّة عن جماعة التبليغ وغيرها، وهي آخر فتاواه في جماعة التبليغ. ونُشرت في مجلّة الدّعوة بالرّياض عدد 1438في (13/1/1414), وفي مجموع فتاواه (ج8ص331) قال -رحمه الله-: "جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرةٌ في مسائل العقيدة, فلا يجوز الخروج معهم إلاّ لمن لديه علم وبصيرةٌ بالعقيدة الصّحيحة التي عليها أهل السنّة والجماعة حتى يرشدهم وينصحهم ...". انتهى النقل. ومعلوم أن غالبيّة أمرائهم ومشايخهم وأفرادهم عوام. كما ألّف العلاّمة الشيخ حَمود التويجري -رحمه الله- مُجَلَّدًا كاملا في بيان حالهم, والتحذير من الانتماء إليهم عنوانه: (القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ) ولكنّهم -هداهم الله- (كبقية الأحزاب والجماعات المبتدعة) يتحايلون على تحصيل ما يُفهم منه تأييدهم والمبالغة في نشره, واجتناب الاستفادة من مخالفة العلماء الأعلام لهم, وإسكات كلّ صوت يُحاول نُصحهم أو بيان حالهم, والتّعصّبُ نتيجةٌ حتميّةٌ للتّحزّبِ, وكلاهما باطل".اهـ قلت: وقال أيضًا الإمام ابن باز في إجابة سؤال آخر وُجِّه إليه بتاريخ 6/12/1416 كما في شريط "القول البليغ": "لا يصح التعصُّب والتحزب لجماعة التبليغ ولا الإخوان المسلمين، وقال: أما الانتساب إليهم، لا، ولكن زيارتهم للصلح بينهم والدعوة إلى الخير وتوجيههم للخير ونصيحتهم لا بأس". قلت: ثم جاءت هذه الفتوى الأخيرة للإمام ابن باز –رحمه الله- لتقطع جهيزة كل خطيب، وتسكت ألسنة المتهوكين، وتنسخ كل ما تقدَّم صدوره عن الشيخ من ثناء مجمل على هذه الجماعة؛ حيث سئل سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-: أحسن الله إليك، حديث النَّبِي صلى الله عليه وسلم في افتراق الأمم قوله: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة إلا واحدة))، فهل جماعة التبليغ على ما عندهم من شركيات وبدع، وجماعة الإخوان المسلمين على ما عندهم من تحزب وشق العصا على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة، هل هاتين الفرقتين تدخل في الفرق الهالكة؟. فأجاب -غفر الله تعالى له وتغمده بواسع رحمته-: تدخل في الثنتين والسبعين، من خالف عقيدة أهل السنة دخل في الثنتين والسبعين، المراد بقوله: "أمتي" أي: أمة الإجابة، أي استجابوا له وأظهروا اتباعهم له، ثلاث وسبعين فرقة: الناجية السليمة التي اتبعته واستقامت على دينه، واثنتان وسبعون فرقة فيهم الكافر وفيهم العاصي وفيهم المبتدع أقسام. فقال السائل: يعني: هاتين الفرقتين من ضمن الثنتين والسبعين؟ فأجاب: نعم، من ضمن الثنتين والسبعين والمرجئة وغيرهم، المرجئة والخوارج بعض أهل العلم يرى الخوارج من الكفار خارجين، لكن داخلين في عموم الثنتين والسبعين([8]). قلت: وإليك كذلك فتوى شيخ الشيخ ابن باز: سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ –رحمه الله- والذي حذَّر من هذه الجماعة الضالة قبل تلميذه ابن باز: من مُحمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سعود رئيس الديوان الملكي الموقر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد تلقيت خطاب سموكم (رقم 36/4/5-د في 21/1/1382هـ) وما برفقه، وهو الالتماس المرفوع إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم من مُحمَّد عبد الحامد القادري وشاه أحمد نوراني وعبد السلام القادري وسعود أحمد دهلوي حول طلبهم المساعدة في مشروع جمعيتهم التي سموها "كلية الدعوة والتبليغ الإسلامية" وكذلك الكتيبات المرفوعة ضمن رسالتهم وأعرض لسموكم أن هذه الجمعية لا خير فيها، فإنَّها جمعية بدعة وضلالة، وبقراءة الكتيبات المرفقة بخطابِهم، وجدناها تشتمل على الضلال والبدعة والدعوة إلى عبادة القبور والشرك، الأمر الذي لا يسع السكوت عنه، ولذا فسنقوم -إن شاء الله- بالرد عليها بِما يكشف ضلالها ويدفع باطلها، ونسأل الله أن ينصر ويعلي كلمته والسلام عليكم ورحمة الله" (ص -م- 405 في 29/1/1382هـ) ([9]). وأما احتجاجك بـ "الشيخ محمد بن حمدان آل نهيان"، وقولك عنه: "وهو الذي فتح ألبانيا للاسلام بعد أن فرض عليها الستار الحديدي طيلة نصف قرن من الزمان، وأهلها المسلمون ممنوعون من الصلاة والأذان، واقتناء مصحف، وهذا الرجل هو الذي فتح البلد للإسلام بغير سيف ولا سنان، وأرجو أن تسمع حديثه بنفسك لترى هل يصح أن يُجعل هؤلاء من الفرق الضالة؟". أقول: والله هذا ميزان كاسد في التمييز بين الحق والباطل، وخلطٌ للأمور. وافتخارك بهذا الأمر يشبه افتخار الصوفية بإدخال الناس في الإسلام، لكن هل أدخلوهم في الإسلام الحقّ المنزل من عند الله عز وجل؟ أم أنه إسلام اختلط بالبدع والأهواء والخرافات، بل بالوثنية واعتقاد وحدة الوجود والحلول والاتحاد ... إلخ الاعتقادات الباطلة التي عليها هؤلاء. وكما هو معلوم لدى العلماء المحقِّقين أن جماعة التبليغ والدعوة قامت على أربع طرق صوفية احتوت على هذه العقائد الفاسدة، فأمثال هؤلاء الزائغين لا يُفرَح بهم، ولا يستكثر منهم. مع التنبيه إلى أن من سمات هذه الجماعة اختراع القصص والكرامات لأصحابها، خاصة فيما يتعلَّق بهداية الناس على زعمهم؛ كي يستجلبوا عواطف أتباعهم. ولو صحَّت هذه الواقعة، فلا ينبغي أن يعوَّل عليها في مدح فرقة قامت على غلو وانحراف، ولو أصابت حقًّا أو فعلت خيرًا، فكون صاحب البدعة أصاب حقًّا أو نصره في مسألة، فإن هذا لا يصحِّح بدعته، ولا يجوِّز السكوت عن التحذير منها. واعلم أن تلبيس الحق بالباطل لن ينفعك عند الله عز وجل، فأنا أدعوك إلى توبة نصوح من هذا الافتراء على عالم رباني لم يقترف شيئًا إلا أنه نصح للأمَّة، وحذَّرها مغبَّة البدع وأهلها؛ استنانًا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والسلف الصالح. والله المستعان وإليه المآل. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري قبيل فجر الإثنين 20 ذو الحجة 1438 ه القاهرة – مصر ([1]) والذي يظهر أنه تلقى هذا من كتابات جمال الدين الأفغاني، وعبدالرحمن الكواكبي، ومن على شاكلتهما من محركي الفتن والثورات في بلاد الإسلام في أول القرن العشرين الميلادي. ([2]) أرأيت هذا الكذب أو التدليس، ويصعب أن يكون السائل –إن كان إخوانيًّا حقًّا- لم يطلع على خروج البنا للموالد وزيارته للأضرحة، وإنشاده القصائد الشركية البدعية كما تقدَّم. ولكن هذه هي طريقة الإخوان تعمية الأمر على العلماء حتى ينالوا نصرتهم بالباطل. ([3]) كانت هذه الفتوى في إحدى دروس الشيخ في شرح المنتقى في الطائف، وكانت قبل وفاته -رحمه الله- بسنتين أو أقل. ([4]) الفتاوى الإماراتية للعلامة الألباني (س73، ص38). ([5]) فرغت من شريط بعنوان "فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على جماعة التبليغ" وقد صدرت هذه الفتوى في مكة في اليوم السادس من ذي الحجة سنة 1416هـ. ([6]) قال العلامة ربيع بن هادي في رسالته: "أقوال علماء السنة في جماعة التبليغ": "رحم الله الشيخ فلو كانوا يقبلون النصائح والتوجيه من أهل العلم لما كان هناك حرج في الخروج معهم، لكن الواقع المؤكد أنهم لا يقبلون نصحًا، ولا يرجعون عن باطلهم لشدة تعصبهم واتّباعهم لأهوائهم، ولو كانوا يقبلون نصائح العلماء لتركوا منهجهم الباطل، وسلكوا سبيل أهل التوحيد والسنة. وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الخروج معهم؛ كما هو منهج السلف الصالح القائم على الكتاب والسنة في التحذير من أهل البدع، ومن مخالطتهم ومجالستهم؛ لأن في ذلك تكثيرًا لسوادهم، ومساعدة وقوة في نشر ضلالهم ، وذلك غش للإسلام والمسلمين، وتغريرٌ بهم، وتعاونٌ معهم على الإثم والعدوان، لا سيما وهم يبايعون على أربع طرق صوفية فيها: الحلول، ووحدة الوجود، والشرك، والبدع".اهـ ([7]) مجلّة الدّعوة بالرّياض عدد 1438في (13/1/1414), وفي مجموع فتاواه (ج8ص331)، وفتاوى اللجنة الدائمة (8/331)، وانظر "جماعة التبليغ في شبه القارة الهندية" (ص444). ([8]) كانت هذه الفتوى في إحدى دروس الشيخ في شرح المنتقى في الطائف، وكانت قبل وفاته -رحمه الله- بسنتين أو أقل. ([9]) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/267-268). قلت: فهذا الشيخ محمد بن إبراهيم يُبدع ويضلِّل جماعة التبليغ، فهل الشيخ محمد بن إبراهيم من غلاة التجريح؟!! قال الشيخ حمود التويجري في "القول البليغ" (ص29): "وأما ما ذكره السائل أنه قرأ فتوى من الشيخ محمد بن إبراهيم تتضمن التوَّقف في أمر التبليغيين؛ فالجواب عنه أن يقال: إن للشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله تعالى- جوابًا صدر منه قبل وفاته بسبع سنين، وقد صرَّح فيه أن جميعة التبليغيين جمعية لا خير فيها، وإنها جمعية بدعة وضلالة، وهذا نص جوابه: ..."، ثم ذكر جواب الشيخ المثبت أعلاه، ثم قال: "وإذا عُلم ما في جواب الشيخ محمد بن إبراهيم من الردِّ على التبليغيين والذم لجمعيتهم التصريح بأنه جمعية بدعة وضلالة وأنه لا خير فيها، فليعلم أيضاً أنه لم يأت في مجموع فتاوى الشيخ محمد شيء يخالف هذا الجواب. وقد ذكر لنا أنه قد سئل عنهم قبل جوابه الذي تقدم ذكره بعشر سنوات، فأجاب بأن أمرهم لم يتبين له، ثم لما تبين له أنهم أهل بدعة وضلالة؛ صرَّح بأنه لا خير فيهم، وأن جمعيتهم جمعية بدعة وضلالة. فهذا هو الثابت عن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعال، والعمدة عليه لا على ما كان قبله". وقال كما في (ص288-289) في رد شبهات أحد المفتونين بجماعة التبليغ: "قلة المبالاة بأداء الأمانة العلمية وذلك فيما ذكره في (ص16) عن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أنه قد أيَّد دعوة التبليغيين وحثَّ عليها، والجواب أن يقال: إن مشايخ التبليغيين ذو مكر وخديعة، وذلك أنهم في أول أمرهم كانوا يحرصون على كتمان بدعهم وضلالاتهم، ويظهرون للناس أنهم من الدعاة إلى العمل بالكتاب والسنة، وقد جاء بعضهم إلى الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله تعالى-، فطلبوا منه كتابًا إلى العلماء في الإحساء والمقاطعة الشرقية؛ ليمكِّنوهم من الوعظ والإرشاد في المساجد، فكتب معهم الشيخ كتابًا يطلب فيه تمكينهم من ذلك، بناء على حسن ظنه بهم، وهذا كتاب مؤرَّخ في 15/5/1373 هـ، ثم لَمَّا تبين له أنهم أهل بدع وضلالات كتب كتابًا آخر صرَّح فيه بأنهم أهل بدعة وضلالة، وحذَّر منهم، وهذا الكتاب ناسخ للكتاب الأول، ومبطل لِمَ ذُكر فيه من تحسين حالهم، وهو مؤرَّخ في 29/1/1382 هـ، وهذا نص الكتاب الأول: ...."، فذكره، ثم قال: "وهذا الكتاب لم يوضع مع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم لَمَّا طُبعت؛ لأنه قد رجع عنه بما صرح به في كتابه الأخير الذي هو ناسخ لِمَ كان قبله".اهـ
  12. المحفوظ في حديث أنس: "نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" لفظ "وَلا تَعْصُوهُمْ" بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد، فقد قال ابن أبي عاصم في السنة (1015) حَدَّثَنَا هَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغِشُّوهُمْ، وَلَا تَبْغَضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ». وأخرجه أبو القاسم إسماعيل بن محمد التميمي الأصبهاني المعروف بـ"قوام السنة" (ت 535) في "الحجة على تارك المحجة" (2/435) من طريق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ السَّرْخَسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلا تَعْصُوهُمْ". وقال البيهقي في الشعب (10/27) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى السُّنِّيُّ بِمَرْوَ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، أنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ وَلَا تَغُشُّوهُمْ، وَلَا تَعْصُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ وَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْأَمْرَ إِلَى قَرِيبٍ". : وثَّقه ابن معين وغيره، واستنكر أحمد بعض حديثه، وحرَّك رأسه، كأنه لم يرضه، وذكره الحافظ في الطبقة الأولى من "طبقات المدلسين" (8): "أحد الثقات من أتباع التابعين وصفه الدارقطني وأبو يعلى الخليلي بالتدليس"، وهذه الطبقة خاصَّة بمن لم يوصف بالتدليس إلا نادرًا.حُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرَشِيُّقلت: قلت: وقد وقع عليه الاختلاف في السند، فروي عنه من وجهين: الوجه الأول: رواه عنه الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى: عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. والوجه الثاني: رواه عنه عَلِيُّ بْنُ الْحسَنِ بْنِ شَقِيقٍ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قلت: الفضل بن موسى ثقة، لكنه روى مناكير، كما قال الإمام أحمد، وعَلِيُّ بْنُ الْحسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ثقة حافظ من حفاظ كتب ابن المبارك، وهو أثبت في الحسين بن واقد، فروايته هي المقدمة. فيكون المحفوظ عن حسين بن واقد روايته عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، والأعمش مشهور بالتدليس. وأما أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ مُحَمَّدُ بنُ مَيْمُوْنٍ، روى له الجماعة. فقد قال الذهبي في السير: "الحَافِظُ، الإِمَامُ، الحُجَّةُ، مُحَمَّدُ بنُ مَيْمُوْنٍ المَرْوَزِيُّ، عَالِمُ مَرْوٍ". قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل : ما بحديثه عندى بأس ، هو أحب إلى حديثا من حسين بن واقد . وفي "التنكيل" رقم (236) قال الكوثري: "مختلط، وإنما روى عنه من روى من أصحاب الصحاح قبل الاختلاط". : "لم يختلط، وإنما قال النسائي: "ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد".المعلّمي اليمانيفقال الشيخ وإنما يخشى منه بعد عماه أن يحدث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطىء، وليس ما هنا كذلك. فأما ذكر ابن القطان الفاسي له فيمن اختلط فلم يُعرف له مستند غير كلام النسائي، وقد علمت أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي". اهـ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ أَبُو حَمْزَةَ مِنَ ثِقَاتِ النَّاسِ، ولم يَكُنْ يَبِيعُ السُّكَّرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَلاوَةِ كَلامِهِ. وقَيْسُ بْنُ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، ثقة من رجال مسلم. قلت: وعلى هذا فإن رواية أبي حمزة السكري هي المقدَّمة، ورواية الحسين بن واقد فيها نكارة من جهة الإسناد والمتن، فتكون لفظة: "ولا تبغضوهم" فيها نكارة، والمحفوظ لفظة "ولا تعصوهم". وقد تابع أبا حمزة السكري على نحو لفظه: غَيْلَانُ، فرواه عَنْ قَيْسٍ بْنَ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: "أَمَرَنَا أَكَابِرُنَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ لَا نَسُبَّ أُمَرَاءَنَا، وَلَا نَغُشَّهُمْ، وَلَا نَعْصِيَهُمْ، وَأَنْ نَتَّقِيَ اللهَ وَنَصْبِرَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ". قلت: غيلان بن جامع بن أشعث المحاربى، أبو عبد الله الكوفى، قاضي الكوفة، ثقة من رجال مسلم. هذا وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ظهر السبت 18 من ذي الحجة 1438 القاهرة – مصر
  13. عبد الأعلى المصري

    الإبانة عن تخليطات الحجوري في كتابه "الإجابة"

    الإبانة عن تخليطات الحجوري في كتابه "الإجابة" بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد، فإن شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله تعالى- إمام مبرَّزٌ في علوم الحديث، والتي من أدقها وأهمها: علم العلل، وعلم الجرح والتعديل. يشهد له بذلك عدة مصنَّفات وتحقيقات وردود علمية في هذا الباب. وهو التلميذ النجيب لإمام الحديث والسنة في زماننا: محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله-، فهو بحقٍّ مَن يصح أن يقال عنه: إنه تلميذ للألباني، فقد استفاد من علمه حقًّا، وسار على نهجه في باب التصفية والتربية، وفي باب النَّقد الحديثي، بخلاف الأدعياء الذين يدَّعون صحبة الألباني والتلمذة عليه، وهم أصحاب فتن وزيغ، وعلى رأسهم علي الحلبي. وقد يسَّر الله عز وجل لي أن أستفيد من شيخنا –حفظه الله- فوائد نفيسة في هذا الباب. ويحيى الحجوري قزمٌ في هذا العلم إذا قورن بقامة الشيخ ربيع، فلا وجه للمقارنة بينهما، إنما يعقد هذه المقارنة السفهاء الأدعياء المتعالمون الذين لم يضبطوا أصول هذا الشأن، ولا يعرفون قدر العلماء القائمين به حقًّا لا ادعاءً. ورغم ذلك فقد تطاول القزم، وتجشم عناء ما لا طاقة له به فيما سماه بـ: "الإجابة عن أوهام وأغاليط الشيخ ربيع المدخلي في كتابه الإصابة في تصحيح ما ضعَّفه الحجوري من مفاريد الصحابة". وقد قام شيخنا –حفظه الله تعالى- بدحر بعض مغالطات ومخالفات الحجوري في "الإجابة"، من خلال ردِّه الماتع الأخير: "دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة". هذا، وقد كنت استأذنت شيخنا –نفع الله بعلمه- قبل إنزاله هذا الردّ، بكتابة ردٍّ على "الإجابة"، وسألته: هل سيتولى –حفظه الله- الردَّ بنفسه، فأجاب –حفظه الله-: ردَّ أنت –بارك الله فيك-، وأنا لعلِّي أردُّ على مواضع منه. وبالفعل شرعت في الردّ، وأرسلت طليعة هذا الردّ إلى شيخنا –حفظه الله-، فأجازه وأمرني بالمواصلة. وثمَّ مواضع في مقدّمة الحجوري فيها ما فيها من كتم الحق والتدليس، سوف أتناولها بالتفنيد –إن شاء الله- فيما بعد. وإلى القارئ اللَّبيب طليعة هذا النقد العلمي، أسأل الله سبحانه فيه التوفيق والسداد. وصلى الله على محمّد وعلى آله وأصحابه وسلّم. (الأول) أُبَي بن عمارة: قال ابن الملقن في البدر المنير (3/48): "وَعمارَة (أَيْضا) اخْتلف فِي (صحبته)، وَالْأَشْهر كسر عينه، وَبِه جزم ابْن مَاكُولَا وَآخَرُونَ، وَقَالَ صَاحب «الإِمَام»: إِنَّه الْمَعْرُوف فِيهِ. وَحَكَى أَبُو عمر، وَالْبَيْهَقِيّ، وَعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي الضَّم أَيْضا، وكل من حَكَاهُ قَالَ: الْكسر أشهر وَأكْثر، إِلَّا أَن أَبَا عمر قَالَ: (الْأَكْثَرُونَ عَلَى الضَّم) ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء (عمَارَة - بِالْكَسْرِ - غَيره)". قلت: رجَّح شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله- في "الإصابة" (ص15) أن أُبَي بن عمارة هو أبو أبيّ بن أمِّ حرام، وذهب الحجوري إلى أنهما يختلفان، وبالغ في ردِّ هذا القول في "الإجابة" (ص40-50). وقد جزم بأن أبي بن عمارة هو أبو أبيّ بن أمِّ حرام: أبو حاتم، كما في الجرح والتعديل (1-1-290): "أبي بن عمارة الأنصاري ويقال: ابن عبادة، وكان قد صلى القبلتين روى عنه عبادة بن نسي، كذا روى هذا الحديث يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن أيوب بن قطن عن عبادة بن نسي عنه... سمعت ابن عمارة. قال أبو محمد: وهو عندي خطأ إنما هو أبو أبيٍّ واسمه عبد الله [بن عمرو] ابن أم حرام، كذا رواه إبراهيم بن أبي عبلة وذكر أنه رآه وسمع منه سمعت أبي يقول ذلك". وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب (1/70): "ولم يذكره البخاري في التاريخ الكبير لأنهم يقولون: أنه خطأ، وإنما هو أبو أبي بن أم حرام، كذا قَالَ إبراهيم بن أبي عبلة، وذكر أنه رآه وسمع منه، وأبو أبي بن أم حرام اسمه عَبْد الله، وسنذكره في بابه إن شاء الله تعالى". ونقل كلامه الحافظ في الإصابة -لكن دون أن يجزم به- فقال: "وذكر أبو حاتم أنه خطأ، والصواب أبو أبيّ بن أمّ حرام. فاللَّه أعلم". وترجم له أبو أحمد الحاكم الكبير في "الأسامي والكنى" (1/590) (تحقيق: الشيخ يوسف الدخيل)، فقال: "أبو أبي عبدالله بن كعب، ويقال عبد الله بن أبي، ويقال: عبد الله بن عمرو، ويقال: ابن أم حرام، ويقال : عبد الله بن عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار. ويقال: ابن امرأة عبادة من الصامت الأنصاري، وأم حرام هي أمه، وهي امرأة عبادة بن الصامت، وهي أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم ابن النجار، وهي أخت أم سليم أم أنس بن مالك، له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم يعد في الشاميين. حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثني محمد بن كثير بن مروان الفهري، نا إبراهيم بن أبي عبلة، قال: سمعت عبد الله بن أم حرام، وقد صلى القبلتين جميعا –يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم-". قلت: إبراهيم بن أبي عبلة ثقة من صغار التابعين، لكن مُحَمَّد بن كَثِيْرِ بنِ مَرْوَانَ الفِهْرِيّ متروك، فهذا إسناد ضعيف جدًّا. وترجم له بنحو هذه الترجمة: المزي في تهذيب الكمال، ونقلها –دون إضافة-: ابن كثير في "التكميل في الجرح والتعديل، ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل" (3/9). وذكر الشيخ يوسف الدخيل –رحمه الله- في تعليقه على "الأسامي والكنى" أن الأكثر مشى على أن اسمه: "عبد الله بن عمرو بن قيس". · الأوجه الدالة على أنهما واحد ليسا اثنين: ü الوجه الأول: ترجم المزي في تهذيب الكمال للاثنين مفرِّقًا بينهما، لكنه أشار في ترجمة أبي بن عمارة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى القبلتين في بيته، وقال في ترجمة أبي أبيٍّ: "وهو قديم الإسلام ممن صلى القبلتين مع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسَلَّمَ". وهذا هو الوجه الأول في الاتفاق بين الترجمتين. ü الوجه الثاني: أنه قيل في ترجمة أبي أُبيٍّ في تهذيب المزي: قيل إنه ابن أخت عبادة بن الصامت، وقيل: ابن أخيه. وفي ترجمة أبي بن عمارة في إكمال التهذيب نقل قول أبي دواد: هو ابن أخي عبادة بن الصامت، نقله الآجري في مسائله لأبي داود (5165/ط الفاروق الحديثة). ü الوجه الثالث: وفيه أرد على قول الحجوري في الإجابة (ص47): "ولو نظر في مجرد الرواة عن هذا وهذا بهذا الأساس الذي يتعلَّمه البادئون في علم البحث عن معرفة المشايخ والتلاميذ من الرواة؛ لوضح له أن الحديث حديث أبي بن عمارة، وليس حديث أبي أُبي بن أم حرام امرأة عبادة، ولما أوقع نفسه في هذا الحرج". قلت: جاء في ترجمة أيوب بن قطن الكندى الفلسطينى: قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت أبى عنه، فقال: هو من أهل فلسطين، قلت: ما حاله ؟ قال : هو محدث. وفي ترجمة عبادة بن نسى الكندى: "أبو عمر الشامى الأردنى ، قاضى طبرية، وذكره محمد بن سعد فى الطبقة الثالثة من تابعى أهل الشام، وقال: كان ثقة". وذكر ابن سعد في طبقاته (7/402/صادر) في ترجمة أبي أبي: "وتحول أبو أبي إلى الشام فنزل ببيت المقدس.وله عقب هناك. وَقَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وفي الإصابة: "قال يحيى بن مندة: هو آخر من مات من الصحابة بفلسطين". وفي ترجمة أبي بن عمارة: يُعَدُّ فِي الْمَدَنِيِّينَ وَسَكَنَ مِصْرَ، وقال أبو محمد بن أبي حاتم: أدخله أبو زرعة في مسند المصريين. وذكره الإمام مسلم في الطبقات (164) في طبقة المدنيين الذي سكنوا المدينة. قلت: وعليه فإن الراويين عن أبي بن عمارة، كليهما من الشام، وكذلك أبو أبي تحوَّل إلى الشام، بل كان آخر من مات من الصحابة بفلسطين، وأما أبي بن عمارة فإنه مدني سكن مصر، ولم يذكر في ترجمته أنه رحل إلى الشام، كي يسمع منه الراويان المذكوران في ترجمته، لكن ذكر في ترجمة أبي أُبيٍّ أنه تحول إلى الشام، ولم يُذكر تحول من أي بلد، ولو قلنا أنهما واحد، فيجمع بين الترجمتين بأن يقال: تحوّل من مصر إلى الشام، ومن ثَمَّ سمع منه أيوب بن قطن، وعبادة بن نسي. و إبراهيم بن أبى عبلة، تلميذ أبي أبيٍّ، جاء في ترجمته: كان الوليد بن عبد الملك يوجهه إلى بيت المقدس يقسم فيهم العطاء. ولذلك أرد على الحجوري بأسلوبه نفسه: "لو نظر الحجوري في مجرد الرواة عن هذا وهذا، وعقد دراسة على الأساس الذي يتعلَّمه البادئون في علم البحث عن معرفة المشايخ والتلاميذ من الرواة؛ لوضح له أن الرواة عنهما كلهم من الشام، وأن أبي بن عمارة سكن مصر، ولم يأت أنه ذهب إلى الشام، لكن جاء في ترجمة أبي أبي أنه تحول إلى الشام، وحيث إنَّا رجحنا أنهما واحد وليسا اثنين، فيقال إن ترجمة الأول تكمل ترجمة الثاني، ويقال: إنه تحول من مصر إلى الشام، والله أعلم. ü الوجه الرابع: أنه جاء في ترجمة أيوب بن قطن في الجرح والتعديل (1-1-254): "روى عن ابن عبادة. سمعت أبي يقول: هو عن ابن امرأة عبادة بن الصامت وهو عبد الله بن أم حرام"، وأيوب بن قطن مذكور في تلامذة أبي بن عمارة. وفي ترجمة أبي بن عمارة: "ويقال: ابن عبادة"، وفي ترجمة أبي أبيٍّ من الجرح والتعديل (5/117): "عبدالله بن عمرو ابن أم حرام أبو أبي ابن امرأة عبادة بن الصامت الشامي له صحبة وأم حرام كانت امرأة عبادة وكانت خالة أنس بن مالك". قلت: وهذا واضح أن "أبي بن عمارة" ينسب أنه "ابن عبادة"، وأبو أبيٍّ هو ابن امرأة عبادة بن الصامت، وقد يقال عن ابن امرأة الرجل أنه ابنه تنزلاً؛ حيث إنه ربيبه يربى في حجره. ومن ثَمَّ فإن أبي بن عمارة هو ابن عبادة، أي: ابن امرأة عبادة، وهو أبو أبيٍّ. وقد رجَّح هذا: أبو نعيم، والمزي، وابن كثير. وقال الحجوري في خلاصة أخطاء الشيخ ربيع في استدراكه: "قوله "إلا أن صاحب الاستيعاب ذكر له حديثًا آخر"، والواقع أن ابن عبدالبر ما ذكر له في الاستيعاب غير حديث المسح على الخفين الذي أوله أنه صلى إلى القبلتين". قلت: قال ابن عبدالبر في الاستيعاب في ترجمة أبي بن عمارة: "روي أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بيت أَبِيهِ عُمَارَة القبلتين، وله حديث آخر: عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في المسح على الخفين". قلت: ظاهر عبارة ابن عبدالبر أن له حديثين كما قال الشيخ ربيع، ومن نظر في طرق حديث المسح على الخفين ظهر له كنه عبارة ابن عبدالبر. قال الدارقطني في سننه (1/365) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسِيٍّ عَنْ أَبِي هُوَ ابْنُ عُمَارَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِ عُمَارَةَ الْقِبْلَتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: يَوْمًا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَيَوْمَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَثَلَاثًا»، قَالَ: ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا بَدَا لَكَ». قال الدارقطني: "هَذَا الْإِسْنَادُ لَا يُثْبَتُ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَدْ بَيَّنْتُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ , وَأَيُّوبُ بْنُ قَطَنٍ مَجْهُولُونَ كُلُّهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ". وراه أيضًا: أبو عبد الله الهمذاني الجورقاني في "الأباطيل والمشاهير والمناكير" (1/568)، وأَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الصيرفي، ابْنُ الآبَنُوْسِيِّ البَغْدَادِيُّ (ت 457هـ) في مشيخته (17). وقال الجورقاني: " هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ". وجاء في رواية ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/163)، والطبراني في الكبير (1/202) من طريق يَحْيَى بْن إِسْحَاق السَّيْلَحِينِيّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ الْكِنْدِيِّ، عَنِ عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ الْقِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. قلت: وواضح الاختلاف بين الروايتين إسنادًا ومتنًا، ففي الأولى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِ عُمَارَةَ الْقِبْلَتَيْنِ، بإثبات عُبَادَة بْنِ نُسِيٍّ بين أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ، وأَبِي بْنُ عُمَارَةَ. وفي الثانية: قال أَيُّوبُ بْن قَطَنٍ الْكِنْدِيِّ: عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ الْقِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا-، بإسقاط: عُبَادَة بْنِ نُسِيٍّ. ففي الثانية: أنه صلى في بيت أبي بن عمارة، وفي الأولى أنه صلَّى في بيت أبيه عمارة. ومن ثم اعتبرهما ابن عبدالبر حديثين لهذا الاختلاف، كما هي طريقة المتقدمين أنهم كانوا يعتبرون الروايات المختلفة للحديث الواحد أحاديث. وبذلك تدرك خطأ الحجوري في قوله في "الإجابة" (ص44): "وهذه اللفظة من الحديث ليست حديثًا ثانيًا له، بل هي مخرجة في صدر هذا الحديث الواحد، وهي منه متصلة به سندًا ومتنًا، وإليك الحديث بسنده ومتنه قال أبو داود... -وساق إسناده ومتنه-". وذلك أن اللفظة التي أشار إليها ابن عبدالبر تختلف عن المتصلة في رواية أبي داود. ü وأما قول الحجوري في الخطأ الثالث من أخطاء الشيخ ربيع: "مخالفته لنصوص الحفَّاظ بغير حجَّة، فالحفَّاظ قد نصُّوا على أن هذا الصحابي أبي بن عمارة ليس له إلا هذا الحديث.."، ثم ذكر أقوال المزي، وابن حجر، وابن عبدالبر. قلت:قد أتيت لك بالحجج على أن أبي بن عمارة هو أبو أبيٍّ بن أم حرام، فهل تقبلها؟! ü وليعلم الحجوري أن عدَّ الاثنين فأكثر واحدًا، أو عدّ الواحد اثنين فأكثر: جادة مطروقة ليست مستغربة، وقع فيها عددٌ من الأئمة العظام، فأخطؤوا في هذا الباب، وقد أورد الخطيب البغدادي في "مُوضِح أوهام الجمع والتفريق" أمثلة عديدة عنهم، حيث أورد أوهامًا لعدد من أئمة الحديث في باب الجمع والتفريق، منهم: 1. الإمام البخاري، أورد له أربعة وسبعين وهمًا في كتابه التاريخ الكبير. 2. والإمام ابن معين، أورد له إحدى عشر وهمًا. 3. والإمام أحمد بن حنبل، أورد له أربعة أوهام. 4. والإمام علي بن المديني، أورد له وهمين. وأورد لغيرهم نحو الأئمة: محمد بن يحيى الذهلي، ويعقوب بن سفيان الدوري، ومسلم بن الحجَّاج، وأبو داود، والدارقطني. وعليه، فلا حجة في إيراد الأئمة المذكورين أبي بن عمارة حديثًا واحدًا في ترجمته، بناء على ظنّهم أنه يختلف عن أبي أبيّ بن أم حرام، أو بناء على توقفهم إلحاق هذا بذاك. والله المستعان. (الثاني) الأدرع السلمي: قال الحافظ في الإصابة (1/83) : "الأدرع السلمي ، روى له ابن ماجه ... قال ابن منده: غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه. قلت: فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، وقد رويت القصة من طريق زيد بن أسلم عن ابن الأدرع. والله أعلم". وقال الحافظ (4/411): سلمة بن ذكوان، ويقال هو ابن الأدرع. روى ابن مندة، من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن سلمة بن ذكوان، قال: كنت أحرس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ذات ليلة... الحديث. وأخرجه من وجه آخر، عن هشام، عن زيد، قال: قال ابن الأدرع. وأخرجه أبو يعلى في أثناء مسند سلمة بن الأكوع، من طريق داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن سلمة، ولم ينسبه. وقد ظهر من رواية هشام بن سعد أنه ابن الأدرع لا ابن الأكوع. ü قال الحجوري في "الإجابة" (ص56): "وفي قوله: "فالله أعلم": إشارة إلى أنه هل الحديث حديث هذا أم حديث ذاك أم أنه رجل واحد وهم بعضهم فيه فزاد لفظة "ابن" فصار ابن الأدرع. ولم يصرح في "إصابته" بشئ مما ادعاه المستدرك أن الحديث حديث ابن الأدرع، وأن موسى بن عبيدة وهم فيه بقوله ابن الأدرع". ü قلت: وقع في كلام الحجوري في هذا الموطن أوهام: أولها: أنه زعم أن الشيخ ربيعًا نسب إلى الحافظ التصريح بأن الحديث حديث ابن الأدرع، وإنما قال الشيخ ربيع: "أشار إلى ذلك الحافظ"، وثَمَّ فرق بين الإشارة والتصريح. ثانيها: أن الشيخ ربيعًا لم ينسب إلى الحافظ القول بأن موسى بن عبيدة وهِم فيه بقوله: الأدرع السلمي، وإنما هذا التصريح من قول الشيخ ربيع نفسه. ثالثها: قول الحجوري بأن موسى بن عبيدة وهِم فيه بقوله: ابن الأدرع، فزيادة "ابن" هنا وهم منه. والحجوري توَّسع في ذكر الفروق بين رواية الأدرع وابن الأدرع فيما لا طائل تحته؛ لأن هذه الفروق قد تكون معتبرة إذا صحَّت الروايتان وكان بينهما هذا التعارض في التسمية، لكن إن كانت الرواية المذكور فيها "الأدرع" إسنادها ضعيف، والأخرى إسنادها صحيح أو حسن على أقل تقدير، فهنا لا وجه لذكر هذه الفروق؛ لأن راوي الرواية الضعيفة وهِم فيها، فنتج عن وهمه هذه الفروق، والاعتماد على مَن حفِظ لا على مَن وهَم. وأما احتجاج الحجوري بتفرقة الحافظ بين الأدرع وابن الأدرع، وأنه أثبت الصحبة لكليهما، فإنه من المعلوم من منهج الحافظ في الإصابة أنه جعل القسم الأول من كتابه فيمن وردت صحبته بطريق الرواية سواء عنه أو عن غيره سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، ولذلك أورد الاثنين توفية لشرطه، لكن لا يعني هذا أنه يرجّح أن الروايتين واقعتان مختلفتان، كما تكلَّف الحجوري إثبات هذا. ومن هذا الباب ترجم الحافظ للأدرع في التهذيب (1/194) وقال: "عداده في الصحابة له حديث واحد". ولذلك صحَّ قول الشيخ ربيع: "والظاهر أن الحديث لابن الأدرع، وأن موسى بن عبيدة وهِم فيه بقوله: الأدرع". وكذلك صحَّ قوله: "وعلى كل حال سواء كان هذا الحديث حديث الأدرع أو حديث ابن الأدرع فهو ثابت لما له من شاهد، فلا يصح إيراده في قسم الأحاديث الضعيفة وإذا كان الصواب أنه لابن الأدرع فهو صحيح". وانتبه أيضًا إلى الفرق بين ابن الأدرع –الذي اختلف في اسمه-، وبين مِحجن بن الأدرع، وهذا الأخير ترجمه المزي في تهذيب الكمال بقوله: "محجن بن الأدرع الأَسلميّ. له صحبة. وكان قديم الإسلام، وهو الذي قال فيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم "إرموا وأنا مع ابْن الأدرع. رَوَى عَن: النَّبِيِّ صلى الله عليه وسَلَّمَ (بخ د س) . رَوَى عَنه: حنظلة بن علي الأَسلميّ (د س)، ورجاء بْن أَبي رجاء الباهلي (بخ)؟ وعَبْد الله بْن شقيق. سكن البصرة، وهو الذي اختط مسجدها، ويُقال: إنه مات فِي آخر خلافة معاوية. روى له البخاري في "الأدب"، وأَبُو داود، والنَّسَائي". وكذا ترجمه الحافظ في الإصابة (9/529)، لكن الحافظ وهم في نسبته رواية: " وَارْمُوا وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ" إلى صحيح البخاري، إنما أخرجها ابن حبان في صحيحه (4695) من طريق مُحَمَّد بْن عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمُ يَرْمُونَ فَقَالَ: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَارْمُوا وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ" فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ قِسِيَّهُمْ، وَقَالُوا: مَنْ كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ، قَالَ: "ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ"، وإسنادها حسن. وإنما أبهم ابن الأدرع في راوية البخاري، وفيها: أن سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ». يتَّبع إن شاء الله ... وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري 10 شوال 1438 القاهرة - مصر
  14. اغتنام اجتماع الغافلين بعد صلاة العشاء في رمضان لتعليمهم أصول الدين بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد، فإنه من المقرَّر شرعًا أن تعليم الناس العقيدة الصحيحة والمنهج السوي من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل في كل وقت وحين، ويزداد الفضل إذا اشتدت غربة الحق وقلَّ العلماء الناصحون -أو انعدموا- في بعض البلاد والمواضع، حتى اتخذ الناس فيها رءوسًا جهالاً، فأفتوهم بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا. ومن المتقرر بداهة أن تعليم الناس الضروري من أمر دينهم من التوحيد وأصول المعتقد وأصول العبادات هذا فرض كفائي على كل مستطيع، وقد يتعين هذا على البعض في بعض المناطق إذا لم يوجد غيرهم لتعليم الناس ما ينجون به من عذاب الله عز وجل. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترقب المجتمعات التي كان يجتمع فيها المشركون في الجاهلية؛ كي يبلغهم دعوة الحق، كما قال أحمد في مسنده (22/346-349): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ - كَذَا قَالَ - فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ، وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، علَامَ نُبَايِعُكَ، قَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ، لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَزْوَاجَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» ، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنَّ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جَبِينَةً، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ، فَهُوَ أَعْذَرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، قَالُوا: أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ، فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، فَأَخَذَ عَلَيْنَا، وَشَرَطَ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ". وقد جاء تصريح أبي الزبير بالتحديث في الحديث التالي له حيث قال أحمد: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ يَعْنِي الْعَطَّارَ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.. وداود بن مهران-هو أبو سليمان الدباغ- لم يخرج له أصحاب الكتب الستة-، لكنه ثقة. وداود العطَّار: هو داود بن عبد الرحمن العطار، قال الحافظ في التقريب: ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلم فيه، فهذا إسناد صحيح. هذا، وقد اعتدنا –في مصر خاصَّةً- قيام مجموعة من المسلمين الغافلين بتعمير المساجد في شهر رمضان فقط، ويتفاوت حضورهم في الصلوات الخمس، لكن الأغلب هو اجتماعهم في صلاة العشاء، وقد يصلي بعضهم ركعتين أو أربع من صلاة القيام وينصرف. والشاهد أن هؤلاء الغافلين قد لا يعرف أحدهم أركان الإيمان، وإن عرفها إجمالاً لم يعرف المعتقد الصحيح فيها تفصيلاً، وجلُّهم –إلا من رحم الله- لا يفرق بين التوحيد والشرك، ولا السنّة والبدعة، ولا المنهج السلفي والمناهج البدعية في فهم الكتاب والسنة. أضف إلى هذا قيام وسائل الإعلام من قنوات فضائية وصحف ومجلات بإثارة الشبهات ليلاً ونهارًا ضد دعوة الحق؛ مما يجعلهم معبئين بالباطل على جهالة وضلالة إلا من سلّمه الله منهم بفطرة سليمة تمنعه من قبول كل ما يُلقَى عليه من هؤلاء المبطلين. ومن ثَمَّ وجب تبليغ دعوة الحق إليهم –إن شاء الله- للمستطيع بكل وسيلة ممكنة. وبعض طلبة العلم يغتنم اجتماع هؤلاء في صلاة العشاء –كما ذكرت- كي يقوم على تعليمهم وإرشادهم، فقام آخرون بالإنكار عليهم أن طائفة من العلماء أنكروا مسألة الموعظة التي يقوم بها الوعاظ والخطباء بعد الأربع ركعات الأولى من صلاة التراويح، وأن لزومها بغير حاجة في كل ليلة يعد بدعة، وممن أفتى بهذا: العلامة الألباني، والعلامة ابن عيثمين –رحمهما الله-. فقلت: إن الجهة منفكة بين الأمرين لما يلي: o أولاً: الدرس التعليمي بعد الصلوات من باب تعليم الناس الضروري من أمر دينهم هذا أمر مستحب طول العام على حسب حاجة الناس وقدرتهم على التلَقي، وهذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في غير ما حديث، نحو: ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي»، أخرجه البخاري (917)، ومسلم (544).، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِحديث سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ أن «مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ»، أخرجه مسلم (426).فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِوفي حديث الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ " ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أخرجه البخاري (1218).فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِوفي حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاَةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلاَلٌ الصَّلاَةَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ - قَالَ سَهْلٌ: التَّصْفِيحُ: هُوَ التَّصْفِيقُ - قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ: «أَنْ يُصَلِّيَ»، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ، ولذلك أعجبتني كلمة قالها الشيخ عبدالرحمن محيي الدين –حفظه الله- لما عرضت عليه هذه المسألة، وهي قوله: "تعليم الناس ليس مقيَّدًا بوقت"، فقلت له: يعني على حسب حاجة الناس، فقال: نعم هذا هو الصحيح، وقد جرت بعد ذلك في وقت آخر مناقشة بيني وبين الشيخ حفظه الله حول هذه المسألة يأتي –إن شاء الله- نصُّها فيما يلي. ومن ثمَّ اغتنام الداعية أو طالب العلم اجتماع هؤلاء الغافلين في المساجد في شهر رمضان لتعليمهم الضروري من أمر دينهم لا ينبغي أن ينزل عليه ما أنكره بعض العلماء من هذه الموعظة الدائمة التي يلقيها واعظ أو قصَّاص عادة بعد الأربع ركعات الأولى من صلاة القيام، وهذه الموعظة بُنيَت -في الغالب الأعمِّ- على القصص والأحاديث الواهية، ليس فيها تعليم ولا تصحيح عقيدة ولا بيان للمنهج الحقِّ. o ثانيًا: ثبوت مدارسة العلم في كل ليلة من شهر رمضان عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»، أخرجه البخاري (6)، ومسلم (2308). o ثالثًا: كونه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجلس لتعليم الناس في المسجد في شهر رمضان بعد صلاة العشاء، هذا يعد أمرًا تركيًّا، وتروكه صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى قسمين: ü الأول: ما تركه ليس بيانًا لسنية الترك، وإنما لسبب آخر، وهو أحد ثلاثة أسباب: 1. الترك الجبلّي أو العادي؛ كتركه أكل الضب، ويدخل في هذا الترك: النسيان للتشريع، نحو: السهو في الصلاة. 2. الترك الخاص به بالنص الشرعي؛ كتركه أكل الثوم. 3. الترك لمانع شرعي أو لمصلحة شرعية؛ كترك قتل المنافقين، وترك الكعبة على غير قواعد إبراهيم عليه السلام. ü الثاني: ما تركه بيانًا لسنية الترك، وهو ما يسمَّى بـ "الترك البياني"، أو "الترك التشريعي"، وهذا هو محل الاقتداء؛ فهو المقصود في باب السنة التركية. · وحدُّ السنة التركية: هي ترك النبي صى الله عليه وسلم فعل شيء مع وجود مقتضيه وإنتفاء مانعه؛ قاصدًا هذا الترك. وهو على ثلاثة أنواع: 1. تركه صلى الله عليه وسلم للمحرم شرعًا، نحو تركه التطيب في بدنه في الإحرام. 2. تركه صلى الله عليه وسلم السؤال عن واقعة ما يدل على عموم حكمها، وهي القاعدة المنسوبة إلى الإمام الشافعي: "ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال". 3. سكوته صلى الله عليه وسلم عن حكم لو كان مشروعًا لبيَّنه، وقد يمثل لهذا بسكوته عن بيان حكم المرأة في كفارة المجامع أهله في نهار رمضان، وهذا القسم يشبه السنة التقريرية، لكن السنة التقريرية إنما إقرار النبي صلى الله عليه وسلم قول أو فعل صدر أمامه من أحد الصحابة، أما السنة التركية، فهي تقوم على دلالة السكوت وهي أعمُّ. فخرج بهذا الحدِّ للسنة التركية خمسة أمور: 1. ما تركه لعدم القدرة عليه، وهذا هو الترك العدمي. 2. السنة الفعلية والقولية والتقريرية. 3. ما تركه لعدم وجود مقتضيه؛ كتركه جمع القرآن، ومنه المصلحة المرسلة. وحدُّ المصلحة المرسلة: ما لم يشهد له الشرع باعتباره ولا بإلغائه بدليل معين، لكن في هذه المصلحة المرسلة وصفًا مناسبًا لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة. 4. ما تركه لوجود مانع منه، كترك صلاة التراويح في جماعة في أول الأمر خشية أن تفرض علينا. 5. ما تركه جبلة، أو عادة، أو لخصوصية. والذي يظهر أن مسألتنا هي من القسم الثالث والذي يتعلّق بوجود المقتضى، وهو في هذه المسألة الحاجة إلى تعليم الناس الضروري من أمر دينهم في العقيدة والمنهج والعبادات والمعاملات. o رابعًا: أن دروس العلماء ما زالت قائمة في شهر رمضان في الحرمين وفي كافة المساجد في كل البلاد بعد الفجر والظهر والعصر، وبعد صلاة القيام، والغرض هو تعليم المسلمين، وبعضها دروس خاصة بطلبة العلم، فإذا خصِّص بعد العشاء درس لتعليم هؤلاء الغافلين الضروري من أصول العقيدة والمنهج مع دفع شبهات المرجفين الذين يسعون لإفساد دينهم؛ اغتنامًا لفرصة اجتماعهم في هذا الوقت، فهل يصح أن يقال: إن هذا ليس من السنّة؟! لكن أقول: ينبغي على العالم أو طالب العلم أن يكون خبيرًا بأحوال الناس مراعيًا لهم، فإذا شعر بسآمة منهم أو عدم استعدادهم لاستقبال هذا العلم في وقت ما، فليترك، فإذا وجد منهم نشاطًا استمر، وهذا هو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي بيَّنه البخاري في كتاب العلم من صحيحه في قوله: بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لاَ يَنْفِرُوا، وأخرج حديث ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا». وقد سألت شخينا فضيلة أ.د. عبدالرحمن محيي الدين عن تخصيص هذا الدرس بعد العشاء مباشرة لاغتنام الفرصة المشار إليها وتحقيق المصلحة المرجوّة، فقال حفظه الله: "الرسول صلى الله عليه وسلم كان وقته كلُّه في التذكرة والتعليم.. وإذا خصَّص هذا ونُظِّم فلا بأس، فالجامعة الإسلامية مخصَّصة.. فهذه الأمور على حسب حاجة الناس". ثم عقَّب ممعنًا في النصيحة –جزاه الله خيرًا-: "يا أبا عبدالأعلى الدعوة لا تتركها أبدًا والدروس لا تتركها لأجل كائنًا من كان، ما دام ما منعتك الدولة، فلا تتركها.. ودعك من إرجاف المرجفين، فإرضاء الناس غاية لا تدرك، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من أرضى الناس بسخط الله أسخط الله عليه الناس"، فأنت الغرض أن تعلّمهم التوحيد، هذا هو الطريق الذي نمشي فيه، ما وجدنا فرصة –أي للدعوة والتعليم- إلا ونغتنمها". فقلت له حفظه الله: تعليم هؤلاء أمانة في أعناقنا! فقال: الناس في حاجة –أي إلى هذا العلم-. ثم قلت: خاصة أن القنوات الفضائية صارت تلقي عليهم الشبهات ليلاً ونهارًا، فإذا لم نغتنم هذه اللحظات كي يسمعوا كلمة حق واحدة، فمتى يسمعونها؟! فقال أحسن الله إليه: ما دام وُجِدوا عندك، فهذه فرصة ذهبية نغتنمها.. كنت أقول لهم في الجامعة هذه أعظم فرصة، ربي جمع لكم من جميع أنحاء العالم كي تعلّموهم التوحيد، من ثمانين دولة أو مائة دولة.. نحن نعمل ولا علينا". أيضًا عرضت خلاصة هذا البحث على شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي، ومعالي الشيخ سليمان أبا الخيل، وفضيلة الشيخ أ.د. عبدالمحسن المنيف –حفظهم الله جميعًا-، فتوافقت إجاباتهم كالتالي: شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي قال: "جزاك الله خيرًا.. أن تعلّم هؤلاء التوحيد.. هذا أمر طيب". ومعالي الشيخ سليمان أبا الخيل قال: "العلم ليس له وقت معيّن، العلم في أيّ وقت". وفضيلة الشيخ أ.د. عبدالمحسن المنيف قال: "الأمر فيه سعة.. إذا كان المقصود تعليم الناس وتنبيههم، فالأمر فيه سعة". وقد قرأت البحث كاملاً أيضًا في جلسة واحدة –وهي مسجَّلة- على فضيلة شيخنا الوالد حسن بن عبدالوهّاب مرزوق –حفظه الله-، فقال: "ما شاء الله.. كلام طيب.. فتح الله عليك، أحسنت.. ليس كلُّ الناس يستطيع الإتيان بهذا التأصيل". «وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا».وأخيرًا أذكِّر بوصية عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ابتداء في الثاني عشر من شهر رمضان 1438 بالمدينة النبوية وانتهاءً في ليلة السبت الخامس عشر من شهر رمضان 1438 بمكة
  15. عبد الأعلى المصري

    إفادة الصحبة بأن لبس الغترة في مصر ليس من لباس الشهرة

    آمين وإياكم
×