• Sahab
  • Sky
  • Blueberry
  • Slate
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Charcoal

عبد الأعلى المصري

مستخدم
  • مجموع المشاركات

    240
  • تاريخ التسجيل

  • آخر زيارة

عدد الأعضاء التى تقوم بمتابعتك : 29

اعرض كل المتابعين

نظرة عامة على : عبد الأعلى المصري

  • رتــبـة الـعـضـو :
    مستخدم
  1. تنبيه: سقطت "لم" من قاعدة: " الذي علِم حجة على مَن لم يعلم".
  2. إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق (الحلقة الثانية) بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد، فما زال عبدالرحمن عبدالخالق مستمرًا في كتمان الحق متبعًا سنن أهل الكتاب في هذا، متعمِّدًا إخفاء الفتاوى الأخيرة للشيخ محمد بن إبراهيم، وتلميذه الشيخ ابن باز –رحمهما الله- في التحذير من الجماعة الضالة "جماعة التبليغ والدعوة" –والتي بيّنتها له في الحلقة الأولى من هذا الردِّ- متعلِّقًا بخيوط العنكبوت بفتاوى صدرت في وقت لم يكن كلا الشيخين قد ألَّما بحقائق هذه الجماعة الضالة، نظرًا؛ لأن شيوخها كانوا يتزينون أمامهما بخلاف حقيقة منهجهم في بلادهم. ورغم ذلك فمن يتأمل في رسالة الشيخ ابن باز إلى الشيخ سعد الحصين، يجد فيها بوادر إنكار من الشيخ رحمه الله على بعض ما بلغه من انحرافات عن هذه الجماعة، لكنه طالب فقط بالرفق في الإنكار عليهم مع تعهدهم بالنصح آملاً منهم إصلاح هذه الانحرافات. ولو سلَّمنا جدلاً أن كلا الشيخين أثنيا على هذه الجماعة الضالة، ولم يتراجعَا عن ذلك، وكان هناك علماء آخرون بيَّنوا بالأدلة والبراهين انحراف هذه الجماعة عن الصراط المستقيم، فالقاعدة المعمول بها في هذا الشأن –والتي يعرفها صغار طلبة العلم- أن "الجرح المفسَّر مقدَّم على التعديل المجمل"، وأن "الذي علِم حجة على مَن يعلم"؛ ولكن عبدالرحمن عبدالخالق يكابر ويعاند في الحق الأبلج –مع معرفته بكتمانه ومعاندته- شأنه شأن مَن قال الله عز وجل فيهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فأقول لعبدالرحمن عبدالخالق: لماذا كتمت فتاوى العلامة عبدالرزاق عفيفي –رحمه الله-، وهو نائب الإمام ابن باز في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء-؟! فلو سلّمنا جدلاً أن الشيخ ربيع بن هادي كان شديدًا على "جماعة التبليغ والدعوة"، فليس هو أول من صنع ذلك، وليس المتفرد بذلك، فقد سبقه إلى تلك الشدّة –والتي هي شدَّة في موضعها اللائق- علماء كبار، على رأسهم: العلامة عبدالرزاق عفيفي –رحمه الله تعالى-، وإليك مواقفه الصارمة من هذه الجماعة المنحرفة: عن خروج جـمـاعة التبليغ لتذكير الناس بعظمة الله؟سئل الشيخ -رحمه الله-: فأجاب قائلاً: "الواقع أنهم مبتدعة مخرفون، وأصحاب طرق قادرية وغيرها، وخروجهم ليس في سبيل الله، ولكنه في سبيل إلياس، وهم لا يدعون إلى الكتاب والسنة، ولكن يدعون إلى شيخهم إلياس في بنجلاديش. أما الخروج بقصد الدعوة إلى الله فهو في سبيل الله، وليس هذا هو خروج جماعة التبليغ، أنا أعرف التبليغ من زمان قديم، وهم المبتدعة في أي مكان كانوا هم في مصر، وإسرائيل، وأمريكا، والسعودية، وكلهم مرتبطون بشيخهم إلياس".اهـ وفي خاتمة كتاب "لقاءاتي مع الشيخين: ابن باز والألباني"، تأليف أ.د: عبد الله بن محمد بن أحمد الطيَّار (2/219) أورد حوار له مع العلامة عبد الرزاق استفتاه فيه في بعض الفتاوى، وكان منها هذا السؤال: * ما رأيكم في جـمـاعة التبليغ؟ فأجاب: "ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج، وقد تعبَّد الله نبيه بالجهاد والدعوة، وليس بالخروج". قلت: بل لقد ثبت عن العلامة عبد الرزاق موقف أشد في حق جماعة التبليغ، كما في هذه الرسالة التي أرسلها إبراهيم بن الحصين إلى العلامة عبد الرزاق، يستعطفه فيها أن يُخفِّف حكمه على جماعة التبليغ بالقتل، وهذا نص الرسالة: فضيلة الوالد الشيخ عبد الرزاق عفيفي -أحياه الله حياة طيبة، وختم لنا وله بالخاتمة الحسنة..آمين.السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.. وبعد: -حفظكم الله- أشفع لفضيلتكم برفقة كتابة جديدة حول جماعة التبليغ بعد أن اجتمع فضيلة الشيخ عبد العزيز -حفظه الله- بقادتهم بعد الحج، وناقشهم فيما ينقله المعارضون لهم عنه، ولعلَّ اطلاعكم على المرفقات يخفِّف عنهم حكم فضيلتكم بقتلهم([1]) -أو نقله عن غيركم مقررًا له- حسب ما نقله عنكم الأخ: سعد الحصين هذه الأيام في كتاب منه، وزعها على نطاق واسع، وأرجو أن لا يشمل هذا من ناصرهم من كبار العلماء مثل المفتي السابق واللاحق، ولا يشمل صغار أبنائك مثل إبراهيم وصالح الحصين وغيرهم من مدرسي التوحيد في الجامعة الإسلامية وغيرها. ونسأل الله أن يمنحنا كلمة الحق في الغضب والرضا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من ابنك ومـحبك إبراهيم بن عبد الرحـمن الحصين 13/1/1408 وهذه الرسالة هي من النفائس التي أفادني بها أ. محمود بن الشيخ عبدالرزاق عفيفي، لما أتاني بكلِّ الوثائق التي تحت يديه الخاصة بوالده –رحمه الله-، وطلب مني القيام بمراجعة الأعمال القديمة التي تمت في ترجمة وفتاوى والده –رحمه الله-؛ كي نتلافى أي خلل أو نقص حدث فيها، وبالفعل قمت بهذا، وإذ بي أكتشف الطوام من تلاعب الحزبيين بترجمة وفتاوى الشيخ عبدالرزاق، كما بيَّنت هذا بالأدلة في طبعتي لـ: "ترجمة وجامع فتاوى العلامة عبدالرزاق عفيفي"، والتي طُبِعت منذ حوالي عشر سنوات، وكانت ناسخة للطبعة القديمة من الترجمة والفتاوى التي قام بها القطبي "سعيد صابر"، والتي احتوت على العديد من التحريفات لفتاوى الشيخ وترجمته. وإني أدعو عبدالرحمن عبدالخالق إلى التوبة الصادقة والإنابة العاجلة إلى ربِّ العالمين من هذا الافتراء على عالم من علماء الأمّة، لم يقترف سوءًا إلا أنه حذَّر من ضلالات وشركيات جماعة التبليغ والدعوة سالكًا في ذلك سبيل مَن سبقه من العلماء الذين عرفوا حقيقة هذه الجماعة، وأدعوه كذلك –إن كان يريد الحق ويريد نصرة أهله ويتحامى في الدفاع عنهم كما يتحامى في الدفاع عن فرق الضلال: التبليغ والدعوة وحزب الإخوان المسلمين- أن يأتينا بردٍّ مفصَّل على الحقائق التي ذكرها ثلاثة من العلماء عايشوا هذه الجماعة في عقر دارها، وأتوا بنقولات ظاهرة –لا لبس فيها- من كتبهم ومراجعهم المعتمّدة والتي لا ينكرونها، ألا وهم: 1. الأستاذ سيف الرحمن أحمد في كتابه: "نظرة عابرة اعتبارية حول الجماعة التبليغية". 2. أ.د: أبو أسامة سيد طالب الرحمن في كتابه "جماعة التبليغ في شبه القارة الهندية: تعريفها –عقائدها"، تقريظ: العلامة صالح الفوزان. 3. العلامة حمود التويجري في كتابه "القول البليغ في نصح جماعة التبليغ". ويا ليتك كذلك تقرأ "التعليق البليغ على رد الشيخ أحمد بن يحيى النجمي على مادح التبليغ..ويليه: حوار مع الشيخ أبي بكر الجزائري"، لأبي همام محمد بن علي الصومعي البيضاني، فكأنه ردٌّ عليك. وكذلك راجع فتاوى الشيخ مقبل بن هادي –رحمه الله-. ومن هنا تدرك افتراءك العظيم ودعواك العريضة السا قطة على الشيخ ربيع بن هادي بأنه أشعل الفتنة الكبرى بتحذيره من جماعة التبليغ والدعوة ونحوها من جماعات الضلال، وإنما الشيخ ربيع موافق في مواقفه المواقف المشرفة التي وقفها علماء أجلاء وناصحون أمناء ضد هذه الجماعات المبتدعة. يتَّبع –إن شاء الله- .... وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ليلة غرة المحرم 1439 الرياض – دولة التوحيد والسنة: الدولة السعودية حفظها الله من كيد المنافقين والخوارج المارقين ([1]) هذا الحكم الشديد من الشيخ -رحمه الله-، إنما هو على رءوس هذه الجماعة البدعية، وعلى أفرادها: من أصحاب الطرق الصوفية الخرافية الوثنية القائمة على دعاء الأموات، وعلى عقائد شركية أخرى، وهذا هو محور الطرق الأربعة التي بُنيت عليها جماعة التبليغ: القادرية، والسهروردية، والجشتية، والنقشبندية. أما الجهال، والمغرر بهم، خصوصًا من أبناء العرب، الذين لا يبايعون على هذه الطرق الوثنية، فلا يتنزل عليهم حكم الشيخ بالقتل، لكن لا يسلمون من البدعة، إلا من رحم الله منهم.
  3. أحسنت .. ردٌّ قويٌّ مفحم .. أظهرت فيه تعالم الحجوري وتعديه على شيخنا العلامة ربيع -شفاه الله وعافاه وبارك في عمره-. جزاك الله خيرًا.
  4. حدث انقلاب في الفقرة الأولى من المقال، والصواب ما يلي: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد، فقد جاء على صفحة الفيس البوك الرسمية الخاصة بـ"عبدالرحمن عبدالخالق" رسالة بعنوان: "خطاب ودعاء للشيخ ربيع بن هادي المدخلي"، قال فيها: "أخي الشيخ ربيع شفاك الله وعافاك وأمد في عمرك بالطاعة وطهور إن شاء الله ...
  5. إبطال افتراء المارق عبدالرحمن عبدالخالق بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، " رسالة بعنوان: "خطاب ودعاء للشيخ ربيع بن هادي المدخلي"، قال فيها:عبدالرحمن عبدالخالقأما بعد، فقد جاء على صفحة الفيس البوك الرسمية الخاصة بـ" "أخي الشيخ ربيع شفاك الله وعافاك وأمد في عمرك بالطاعة وطهور إن شاء الله. أخي الشيخ ربيع أقول لك -وأنت على فراش المرض-: هؤلاء جميعًا هم خصماؤك يوم القيامة: الجماعات الدعوية التي أخرجتها من السنة والجماعة والفرقة الناجية، وألحقتهم بالفرق الهالكة، وحكمت عليهم بأنهم من أهل النار، وكذلك العلماء والمشايخ، ودعاة الإسلام الذين حكمت عليهم بالبدعة، وأخرجتهم من السنة والجماعة، وحكمت عليهم بأنهم من الفرق الهالكة، كل هؤلاء هم خصماؤك بين يدي الله يوم القيامة، جماعة التبليغ تضم الملايين ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويدعون الى الله، وأرفق لك نموذجًا واحدًا منهم هو الشيخ محمد بن حمدان آل نهيان: https://www.youtube.com/watch?v=Bd5alddLp-4 وهو الذي فتح ألبانيا للاسلام بعد أن فرض عليها الستار الحديدي طيلة نصف قرن من الزمان، وأهلها المسلمون ممنوعون من الصلاة والأذان، واقتناء مصحف، وهذا الرجل هو الذي فتح البلد للإسلام بغير سيف ولا سنان، وأرجو أن تسمع حديثه بنفسك لترى هل يصح أن يُجعل هؤلاء من الفرق الضالة؟ الملايين سيخاصمونك يوم القيامة؛ لأنك بدّعتهم وأخرجتهم من الدين وحكمت عليهم بالضلال وأمثالهم من جماعات الإسلام، ومن الدعاة والعلماء، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله والذي كذبتم عليه حيًّا وميتًا واتهمتموه بأنه رجع عن فتاويه، وبكر أبو زيد وغيرهم، كل هؤلاء خصماؤك بين يدي الله، وكذلك من قُتلوا من أهل الإسلام ممن يشهد أن لا إله إلا الله بسبب تحريضك عليهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة رضي الله عنه عندما تعجل في قتل رجلا شهد أن لا إله إلا الله في الحرب: وما تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة. أخي الشيخ ربيع: ختامًا أقول شفاك الله وعافاك وأمد في عمرك بالطاعة، وانظر في هذا الأمر قبل أن يأتي يوم يقتص الله فيه لكل مظلوم ممن ظلمه، وهل ظُلمٌ أكبر من لعن المسلم وإخراجه من الدين والحكم أنه من أهل النار، واعلم أن الذين اتبعوك فيما سرت فيه من التبديع والإخراج من السنة والجماعة أنت مسئول عن أعمالهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة."وختاماً أسال الله لي ولك حسن الخاتمة، وأن لا يطالبنا أحد يوم القيامة بمظلمة. وكتبه: عبد الرحمن عبدالخالق الأربعاء 14 ذو الحجة 1438 هـ الموافق 6 سبتمبر 2017 م قلت: أما قولك: "أخي الشيخ ربيع أقول لك -وأنت على فراش المرض-: هؤلاء جميعًا هم خصماؤك يوم القيامة...". قلت: سبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة، فهذه المقولة نفسها قيلت ليحيى بن سعيد في مرضه، كما قال ابن عدي في الكامل (ت 365ه) (1/260/ط مكتبة الرشد): وَفِي كِتَابِي بِخَطِّي عَنْ يَعْقُوبَ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثني أَبُو سُلَيْمَانَ الطَّرْسُوسِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ خَلادٍ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى يَحْيى بْنِ سَعِيد فِي مَرَضِهِ فَقَالَ لِي: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَتَكَلَّمُونَ؟ قُلْتُ: يَذْكُرُونَ خَيْرًا، إلاَّ أَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَيْكَ مِنْ كَلامِكَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: احْفَظْ عَنِّي؛ لأَنْ يَكُونَ خَصْمِي في الآخرة رجل مِنْ عَرَضِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي فِي الآخِرَةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: بَلَغَكَ عَنِّي حَدِيثٌ وَقَعَ فِي وَهْمِكَ أَنَّهُ عَنِّي غَيْرُ صَحِيحٍ، يَعْنِي فَلَمْ تُنْكِرْهُ. وجاء الأثر في مختصر المقريزي للضعفاء (ص75). قلت: يعقوب بْن إِسْحَاق بْن إبراهيم بْن يزيد هو: أبو عَوَانة النَّيْسابوريّ، ثمّ الإسفرايينّي الحافظ (ت 316 ه) صاحب "المُسْنَد الصحيح" المخرَّج عَلَى "صحيح مُسْلِم". ومحمد بن خلاد بن كثير، أبو بكر الباهلي الْبَصْرِيُّ، ثقة من رجال مسلم، وأما أَبُو سُلَيْمَانَ الطَّرْسُوسِيُّ فلم أقف عليه، لكنه توبع: فقد أخرجه الحاكم في "المدخل إلى الصحيح" (1/110/ط الرسالة) (1/140/ط دار الإمام أحمد): وَقَدْ سَمِعت أَبَا بَكْر أَحْمَد بْن كَامِل بْن خلف بْن شَجَرَة الْقَاضِي يَقُول سَمِعت الْقَاضِي يَقُول سَمِعت أَبَا سعد يحيى ابْن مَنْصُور الْهَرَوِيّ يذكر عَن أَبِي بَكْر بْن خَلاد قَالَ قلت ليحيى ابْن سَعِيد أما تخشى أَن يَكُون هَؤُلَاءِ الَّذين تذكر حَدِيثهمْ خصماءك عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ لِأَن يَكُون هَؤُلاءِ خصمائي أحب إِلَيّ من أَن يَكُون خصمي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لَمْ حدثت عني حَدِيثا ترى أَنَّهُ كذب". وأخرجه الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (2/92) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: " أَتَيْتُ يَحْيَى مَرَّةً فَقَالَ لِي: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ دَاوُدَ فَقَالَ: إِنِّي لَأُشْفِقُ عَلَى يَحْيَى مِنْ تَرْكِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ فَبَكَى يَحْيَى وَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ شَكَكْتُ فِيهِ فَتَرَكْتُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُ: بَلَغَكَ عَنِّي حَدِيثَ سَبَقَ إِلَى قَلْبِكَ أَنَّهُ وَهْمٌ فَلِمَ حَدَّثْتَ بِهِ؟". وأما قولك: "الجماعات الدعوية التي أخرجتها من السنة والجماعة والفرقة الناجية، وألحقتهم بالفرق الهالكة، وحكمت عليهم بأنهم من أهل النار، وكذلك العلماء والمشايخ، ودعاة الإسلام الذين حكمت عليهم بالبدعة، وأخرجتهم من السنة والجماعة، وحكمت عليهم بأنهم من الفرق الهالكة، كل هؤلاء هم خصماؤك بين يدي الله يوم القيامة...". قلت: أولاً: سمِّ لنا هذه الجماعات الدعوية التي تفرد الشيخ ربيع بإخراجها من السنة والجماعة والفرقة الناجية، وألحقها بالفرق الهالكة، وإن كنت سمّيت واحدة منها وهي جماعة التبليغ والدعوة، وسيأتيك خبرها بعد قليل إن شاء الله. لكن إطلاقك القول بأن الشيخ ربيعًا بدّع الجماعات الدعوية جملةً، يوحي للقارئ بأمرين: الأول: أن الشيخ ربيعًا يطلق القول بالتبديع جزافًا على كلّ من يدعو إلى الله عز وجل، ولو كان يدعو على بصيرة متبعًا السلف الصالح في اعتقادهم ومنهجهم. ثانيًا: أن الشيخ ربيعًا تفرد دون بقية العلماء بهذا التبديع لهذه الجماعات البدعية –والتي تسميها دعوية-. وكلا الأمرين باطل، وأنت تعلم بطلانه لكن الهوى يعمي ويصمُّ. وأنا أسمِّي لك أكبر هذه الجماعات، وهي حزب الإخوان المسلمين، والذي تفرعت منه أغلب الجماعات التكفيرية القطبية، والتي تسمّيها أنت جماعات دعوية، وأنقل لك طرفًا من فتاوى العلماء بخلاف الشيخ ربيع في بيان انحراف هذا الحزب؛ فالعلامة ربيع بن هادي سائر في ركاب العلماء الذين بدَّعوا حزب الإخوان المسلمين، لم يتفرد بقول فيه، ولا في غيره من الأحزاب الضالة. ثانيًا: أين كلام الشيخ ربيع الذي جزم فيه بأن أهل هذه الجماعات والفرق من أهل النار؟ إنما هم من أصحاب الوعيد كما أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالشيخ ربيع ناقل لهذا الوعيد ليس منشئًا له من عند نفسه. وقد كنت جمعت فتاوى نادرة لسبعة من كبار علماء مصر في التحذير من حزب الإخوان المسلمين وحسن البنا، ثم أردفت هذا بعمل أكبر سمَّيته: "الجمع المبين لفتاوى العلماء الربانيين في التحذير من حزب الإخوان المسلمين"، جمعت فيه فتاوى ومقالات ثلاث وعشرين عالِمًا. وأنقل لك نماذج يسيرة من هذه الفتاوى؛ كي تدرك افتراءك العريض على العلامة ربيع: قال العلامة أحمد شاكر في تقرير رفعه إلى الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- سمَّاه "تقرير عن شئون التعليم والقضاء" (ص48): "حركة الشيخ حسن البنا وإخوانه الـمسلمين الذين قلبوا الدعوة الإسلامية إلى دعوة إجرامية هدَّامة ينفق عليها الشيوعيون واليهود، كمـا نعلم ذلك علم اليقين". ).اهـ [من شريط حول جماعة التبليغ والإخوان: من تسجيلات منهاج السنة في الرياض].[1]وقال العلامة الألباني –رحمه الله-: "ليس صوابًا أن يُقال إن الإخوان المسلمين هم من أهل السنة؛ لأنهم يحاربون السنة"( وقال الشيخ محمد بن عبدالوهاب البنا –رحمه الله- في مقدِّمته على كتابي "التفجيرات والأعمال الإرهابية والمظاهرات من منهج الخوارج والبغاة وليست من منهج السلف الصالح": "وكان أول من سنَّ بدعة الخروج على الحكَّام في العصر الحديث هو: حسن البنا([1])، وذلك عن طريق المظاهرات والانقلابات، ولقد كنت فتًى في مُقتبل العمر حينما ظهر حسن البنا على الساحة، وأسَّس حزب الإخوان المفلسين"." وقال الشيخ الأديب محمود شاكر –رحمه الله- كما جاء في مذكرات عبدالعزيز كامل (ص66): "الإخوان ضحالة فكرية وتعصُّب لا يستند إلى دليل". وقال أيضًا: "الإخوان إسراع بالحكم على الناس بالكفر واستباحة للدماء". وقال الإمام عبدالعزيز بن باز –رحمه الله-: "حركة الإخوان المسلمين ينتقدها خواص أهل العلم؛ لأنه ليس عندهم نشاط في الدعوة إلى توحيد الله وإنكار الشرك وإنكار البدع، لهم أساليب خاصة ينقصها عدم النشاط في الدعوة إلى الله، وعدم التوجيه إلى العقيدة الصحيحة التي عليها أهل السنة والجماعة؛ فينبغي للإخوان المسلمين أن تكون عندهم عناية بالدعوة السلفية، الدعوة إلى توحيد الله، وإنكار عبادة القبور والتعلق بالأموات والاستغاثة بأهل القبور كالحسين أو الحسن أو البدوي، أو ما أشبه ذلك. يَجب أن يكون عندهم عناية بِهذا الأصل الأصيل، بمعنى لا إله إلا الله، التي هي أصل الدين، وأول ما دعا إليه النَّبِي -صلى الله عليه وآله وسلم- في مكة دعا إلى توحيد الله، إلى معنى لا إله إلا الله، فكثير من أهل العلم ينتقدون على الإخوان المسلمين هذا الأمر، أي: عدم النشاط في الدعوة إلى توحيد الله، والإخلاص له، وإنكار ما أحدثه الجهال من التعلق بالأموات والاستغاثة بِهم، والنذر لهم، والذبح لهم، الذي هو الشرك الأكبر. وكذلك ينتقدون عليهم عدم العناية بالسنة: تتبع السنة، والعناية بالحديث الشريف، وما كان عليه سلف الأمة في أحكامهم الشرعية، وهناك أشياء كثيرة أسمع الكثير من الإخوان ينتقدونَهم فيها، ونسأل الله أن يوفقهم ويعينهم ويصلح أحوالهم". اهـ. قلت: والشيخ -رحمه الله- كان لطيف العبارة في الجرح في هذه الفتوى، وسلفه في هذا البخاري عندما كان يقول في الراوي المتروك: فيه نظر، ورغم هذا فإن الشيخ ذكر مخالفتين لهذا الحزب، إحداهما تكفي لإخراجه من دائرة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة أصحاب الحديث والأثر، وهما: أولاً: عدم النشاط في الدعوة إلى توحيد الله وإنكار الشرك والبدع. ثانيًا: عدم العناية بالسنة، وما كان عليه سلف الأمة في الأحكام الشرعية. قلت: فما بقي من الدين إذا لَم يعتنى بالتوحيد والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، وهذه هي ركائز الدعوة السلفية دعوة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فلا ريب أن يكون حزب الإخوان -بِهذه الصفات- داخلاً في حيز الفرق الضالة. وقد اعترض معترض على فتوى الشيخ –رحمه الله- في بيان حقيقة حال الإخوان رغم تلطف الشيخ في فتواه، والظاهر من اعتراضه أنه متعصِّب لحزب الإخوان أو جاهل بحقيقة حالهم؛ فقال في سؤاله: "إنني أحترمك وأقدرك وأحبك في الله، ولكن لي عند سماحتكم عتاب، وهو أنني قرأت اليوم في " مجلة المجلة " حديثًا مع فضيلتكم وكُتب بها على لسانكم عن " الإخوان المسلمين" ولقد كتب المحرر : أن الإخوان المسلمين لا يهتمون بالعقيدة وأنهم يحيون الموالد، ويفعلون كثيرًا من البدع، ولقد دُهشت كثيرًا لهذا الكلام، لأنني عاملت الإخوان في مصر لسنوات عديدة ولم أعلم منهم شيئًا من ذلك، ولم أجد في معاملتهم أي بدعة([2])، أو أي شيء مما كتب عنهم في هذه المقالة، فلذا أرجو من سماحتكم تصحيح هذا الكلام؟ فأجاب إمام السنة – رحمه الله -: "نعم، كثير من الإخوان نقل عنهم ذلك، نحن حكينا نقل جماعة من المشايخ والإخوان، أن " الإخوان المسلمين " ليس عندهم نشاط كلي وقوي في التحذير فيما يتعلق بالشرك ودعوة أصحاب القبور، وهذا على كل حال يراه في كتبهم وسيرتهم فإذا روجعت كتبهم يرى منها ذلك"اهـ. [من شريط مسجل من دروس الشيخ بالطائف صيف عام 1416هـ شهر صفر ]. وقد قال الشيخ -رحمه الله- هذا الكلام رغم عدم اطلاعه الكامل على واقع هؤلاء وعلى كتب مؤسسي حزبِهم: حسن البنا، سيد قطب، والهضيبِي، ومصطفى السباعي وغيرهم من رؤوسهم كما هو ظاهر من فتواه –رحمه الله-، فلم تكن كتب هؤلاء أو مقالاتِهم بالمرجع الهام الذي يرجع إليه، أو يبذل من أجله الوقت، لذا لَم يكن للشيخ -رحمه الله- عناية بِها، فكيف لو قرأ الشيخ الدعوة السافرة في كتب هؤلاء إلى وحدة الوجود، والتصوف، والموالد، والديمقراطية والاشتراكية، ووحدة الأديان، والخروج على الحكام بالقوة، والتحزب..إلى آخر البدع والضلالات المبثوثة في كتبهم، والملموسة في منهجهم الواقعي، لكان الشيخ أشد وطأة عليهم، وهذا ما حدث، فلمَّا علم الشيخ -رحمه الله- طرفًا زائدًا من حقيقة حالهم، خاصة عند ظهور آثارهم السيئة في فتنة الخليج، كان تصريحه الواضح الذي لا مرية فيه، ولا لين، أن هذا الحزب الضال من الثنتين والسبعين فرقة الضالة، وكان ذلك قبل وفاته -رحمه الله- بسنتين، وإليك نص الفتوى: سئل سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-: أحسن الله إليك، حديث النَّبِي صلى الله عليه وسلم في افتراق الأمم قوله: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة إلا واحدة))، فهل جماعة التبليغ على ما عندهم من شركيات وبدع، وجماعة الإخوان المسلمين على ما عندهم من تحزب وشق العصا على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة، هل هاتين الفرقتين تدخل في الفرق الهالكة؟. فأجاب -غفر الله تعالى له وتغمده بواسع رحمته-: تدخل في الثنتين والسبعين، من خالف عقيدة أهل السنة دخل في الثنتين والسبعين، المراد بقوله: "أمتي" أي: أمة الإجابة، أي استجابوا له وأظهروا اتباعهم له، ثلاث وسبعين فرقة: الناجية السليمة التي اتبعته واستقامت على دينه، واثنتان وسبعون فرقة فيهم الكافر وفيهم العاصي وفيهم المبتدع أقسام. فقال السائل: يعني: هاتين الفرقتين من ضمن الثنتين والسبعين؟ فأجاب: نعم، من ضمن الثنتين والسبعين والمرجئة وغيرهم، المرجئة والخوارج بعض أهل العلم يرى الخوارج من الكفار خارجين، لكن داخلين في عموم الثنتين والسبعين([3]). قلت: فهذا الموقف الحقيقي النهائي من ابن باز في هاتين الجماعتين الضالتين، وسيأتي مزيد بيان عن حقيقة موقفه –رحمه الله- من جماعة التبليغ والدعوة، فلماذا يا عبدالرحمن تسلك مسلك أهل الكتاب في كتمان الحق، والذي ذمّه الله عز وجل بقوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؟!! وأما قولك: "الملايين سيخاصمونك يوم القيامة؛ لأنك بدّعتهم وأخرجتهم من الدين وحكمت عليهم بالضلال وأمثالهم من جماعات الإسلام، ومن الدعاة والعلماء". قلت: وكذلك كتب "الجرح والتعديل" امتلأت بتجريح أئمة الإسلام لآلاف –لا أقول ملايين- الرواة وغير الرواة من دعاة أهل البدع، فما قولك في أئمة الإسلام عبر القرون، بل هؤلاء الأئمة كانوا يتقربون إلى الله عز وجل بهذا التجريح والتبديع، ويحتسبون هذا عند الله، وانظر ماذا قال الأئمة في إمام الجرح والتعديل شعبة بن الحجّاج كما في ترجمته في مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم؛ حيث بوّب: "ما ذكر في كلام شعبة في ناقلة الآثار أن ذلك كان حسبة منه"، وقال: نا صالح بن أحمد نا علي -يعني ابن المديني - قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي نا حماد بن زيد قال: كلمنا شعبة أنا وعباد بن عباد وجرير بن حازم في رجل - قلنا: لو كففت عنه، قال فكأنه لان وأجابنا، قال فذهبت يومًا أريد الجمعة فإذا شعبة ينادي من خلفي فقال: ذاك الذي قلتم لي فيه لا أراه يسعني. وقال: نا صالح بن أحمد نا علي قال سمعت عبد الرحمن يقول: كان شعبة يتكلم في هذا حسبة. حدثنا عبد الرحمن نا محمد بن مسلم قال حدثني بعض أصحاب حماد ابن زيد عن حماد بن زيد قال: أتيت أنا وعباد بن عباد إلى شعبة بن الحجاج فسألناه أن يكف عن أبان بن أبي عياش، ويسكت عنه فلما كان من الغد خرجنا إلى مسجد الجامع فبصر بنا فنادانا فقال يا أبا معاوية نظرت فيما كلمتموني فوجدت لا يسعني السكوت. قال حماد: وكان شعبة يتكلم في هذا حسبة. وقال: نا أحمد بن سنان قال سمعت يزيد بن هارون يقول: لولا أن شعبة أراد الله عزوجل ما ارتفع هكذا. قال أبو محمد: يعني بكلامه في رواة العلم. حدثنا عبد الرحمن نا أحمد بن سنان الواسطي قال قلت لعبد الرحمن ابن مهدي: لِمَ تركت حديث حكم بن جبير؟ فقال حدثني يحيى القطان: قال سألت شعبة عن حديث من حديث حكيم بن جبير؟ فقال: أخاف النار. قال أبو محمد: فقد دل أن كلام شعبة في الرجال حسبة يتدين به، وإن صورة حكيم بن جبير عنده صورة من لا يسع قبول خبره ولا حمل العلم عنه فيلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله". وهذه كلها أسانيد صحيحة إلى قائليها. وقال ابن حبان في المجروحين (1/107) أخبرنا عبدالملك بن محمد قال: حدثنا أبو زرعة الرازي، قال: حدثنا مقاتل بن محمد قال سمعت وكيعًا يقول: إني لأرجو أن يرفع الله عز وجل لشعبة درجات في الجنة بذبّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: فتأمل حال هذا الإمام، وتأمل شهادات أئمة الإسلام فيه، وفي المقابل تأمَّل شهادات أئمة العصر في الشيخ ربيع بن هادي والتي تحمل عبارات واضحة جليّة في إثبات تمكن الشيخ من هذا العلم الذي صار غريبًا في هذا الزمان، وتطاول عليه من تطاول من سفهاء العصر. واترك هذه المبالغات التي هي شأن أهل البدع؛ كي يمرروا باطلهم وكذبهم. وأما قولك دفاعًا عن جماعة التبليغ: "جماعة التبليغ تضم الملايين ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويدعون الى الله..."، ثم قولك: "الملايين سيخاصمونك يوم القيامة؛ لأنك بدّعتهم وأخرجتهم من الدين وحكمت عليهم بالضلال وأمثالهم من جماعات الإسلام، ومن الدعاة والعلماء، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله والذي كذبتم عليه حيًّا وميتًا واتهمتموه بأنه رجع عن فتاويه". وقولك في رسالة سابقة بعنوان: "سؤال للشيخ ربيع بن هادي المدخلي أرجو أن يجيب عليه وليشهد العالم": "هل تعتقد أن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من الفرقة الناجية أم هو من الفرق الضالة حسب أصولك التي أصلتها؟ الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله وأدخله الفردوس الأعلى كان أحد الذين أثنوا على جماعة التبليغ، ودافع عنهم بلسانه شفويًّا، وإملائه كتابيًّا، في أكثر من خمس رسائل وفتاوى...".اهـ فأقول: وهل كلُّ مَن شهد ألا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله، وأقام الصلاة، ودعا الى الله-على زعمك- يصير معصومًا لا يحذَّر منه البتَّة وإن أتى ببدع تهزُّ الجبال؟! وأقول لك: أنت أول من خالفت مذهبك؛ حيث إنك كتبت عدة كتابات تحذِّر فيها من الصوفية، والتي يتَّبعها ملايين على مستوى العالم، وكلُّ طرق الصوفية يدّعي أصحابها أنهم يدعون إلى الله، وأنهم يفتحون البلاد الكافرة بتصوفهم. فلماذا حذَّرت منهم؟! والجواب معلوم عندك: أنهم أصحاب بدع وشركيات وخرافات. فإذا أثبتنا لك أن جماعة التبليغ والدعوة، إنما هي نسخة محدَّثة من جماعات التصوف القديمة، أو كما قال إمام السنة الألباني –رحمه الله-: "التبليغ صوفية عصرية"، فماذا أنت فاعل معهم؟! الجواب معلوم عندك: سوف تكيل بمكيالين. بل اقرأ تتمة فتوى الألباني في التبليغ؛ لتدرك مَن الذي يخالف العلماء ويدلس عليهم؛ حيث سئل –رحمه الله-: ما رأيكم فِي جَماعة التبليغ، هل يَجوز لطالب العلم أو غيره أن يَخرج معهم بدعوى الدعوة إلَى الله؟ فأجاب: جَماعة التبليغ لا تقوم عَلَى منهج كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما كَانَ عليه سلفنا الصالِح، وإذا كَانَ الأمر كذلك فلا يَجوز الخروج معهم؛ لأنه يُنافي منهجنا فِي تبليغنا لِمنهج السَّلَف.."، إلى أن قال: " والحقيقة أنه لا ثقافة عندهم، فقد مرَّ عليهم أكثر من نصف قرن من الزمان ما نبغ فيهم عالِم، وأمَّا نحنُ فنقول: (ثقَّف ثُمَّ جَمِّع)، حتَّى يكون التجمع عَلَى أساس مبدأ لا خلاف فيه. فدعوة جَماعة التبليغ صوفية عصرية تدعو إلى الأخلاق، أمَّا إصلاح عقائد المجتمع فهم لا يُحركون ساكنًا لأن هذا بزعمهم يفرق. وقد جرت بين الأخ سعد الحصين وبين رئيس جَماعة التبليغ فِي الهند أو فِي باكستان مراسلات تبين منها أنهم يقرون التوسل والاستغاثة وأشياء كثيرة من هذا القبيل، ويطلبونَ من أفرادهم أن يبايعوا عَلَى أربعة طرق منها: الطريقة النقشبندية، فكل تبليغي ينبغي أن يبايع عَلَى هذا الأساس، وقد يسأل سائل إن هذه الجماعة عاد بسبب جهود أفرادها الكثير من الناس إلى الله، بل وربما أسلم عَلَى أيديهم أناس من غير المسلمين أفليس هذا كافيًا فِي جواز الخروج معهم والمشاركة فيما يدعون إليه؟ فنقول: إن هذه كلمات نعرفها ونسمعها كثيرًا، نعرفها من الصوفية، فمثلاً يكون هناك شيخ عقيدته فاسدة ولا يعرف شيئًا من السنة، بل ويأكل أموال الناس بالباطل، ومع ذَلِكَ فكثير من الفسَّاق يتوبون عَلَى يديه، فكل جَماعة تدعو إلى خير لا بد أن يكون لَهم تبع، ولكن نَحنُ ننظر إلى الصميم إلى ماذا يدعون؟ هل يدعون إلى اتباع كتاب الله وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام وعقيدة السَّلَف الصالِح وعدم التعصب للمذاهب واتباع السنة حيثما كانت ومع من كانت. فجماعــــة التبليــــــغ ليس لَهم منهــــج علمي، وإنما منهجهم حسب المكان الذي يوجدونَ فيه، فهم يتلونون بكل لون"([4]). قلت: وقد وسمهم بالتصوف عدد من علماء العصر مِمّن سَبَر حالهم، واستقصى حقائقهم، ومَن هؤلاء فضيلة الشيخ المفتي عبدالعزيز آل الشيخ –حفظه الله تعالى-؛ حيث قال –حفظه الله تعالى-: "والتبليغيون –وفقنا الله وإياهم للصواب- هم أناس سلكوا مسلكًا ألا وهو مسلك التصوف..."، إلى أن قال: "ثم يعتب عليهم أحيانًا تعلقهم بمرجعية الله أعلم بحالها، بل الغالب على مرجعية الخارجة عن جزيرة العرب والبعيدة عن بلاد العرب أنها مرجعية يوشك أن تكون وثنية؛ لأنهم يدعون أصحابهم بعد أن يلزموهم طويلاً، إلى بيعة شخص ما موجود في أحد الأقاليم خارج الديار الإسلامية، فهم مرتبطون ببيعة لأناس معينين إذن فالمرجعية مشبوهة أو قل المرجعية غير مشروعة". قلت: وقد انبرى أحد الكتَّاب في منتدى "الصوفية" مدافعًا عن جماعة التبليغ مستنكرًا فتوى الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ قائلاً: "المفتي الوهابي عبدالعزيز آل شيخ يحذر من جماعة التبليغ والدعوة صقور الدعوة ويذكر أن مرجعيتهم وثنية لأنها خارجة عن جزيرة العرب!! اتهام خطير يدل على جهل كبير وفحش عظيم قول وتهمة دون تحري وتأكد فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وجماعات التبليغ جزاهم الله عن المسلمين خير حركه دعوية وليست مذهبًا ومعتقدًا جديدًا، كما يدعي بعض الحاقدين ولا تتبع المعتقدات الوثنية كما يروج الوهابية بل هى على منهج السلف الصالح فهم صقور الدعوة بحق وقد كتب الله لنا التعرف عليهم والمكوث معهم.. رضي الله عن سيدي الشيخ الياس الكاندهلوي وقدس الله سره ونفعنا بعلومه".اهـ وأما دعواك على الإمام ابن باز أنه يثني على جماعة التبليغ، فهذا لم يحدث قطُّ، بل فتاويه الأولى كانت مقيَّدة على حسب ما بلغه من حالهم الذي كان يدلسه أتباعهم عنده رحمه الله. ولو سلَّمنا جدلاً أنه يثني عليهم مطلقًا، فالذي يعلم حجة على مَن لم يعلم، فلماذا أخذت بثناء ابن باز، وطرحت جرح الألباني وغيره المفسَّر المؤيد بالأدلة من واقع هذه الجماعة المنحرفة؟! إنما هو اتباع الهوى والفجور في الخصومة !! وأقول: إنك أنت الكاذب على الشيخ ابن باز، وإليك كلامه الذي يبين كذبك: سُئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- عن جماعة التبليغ فقال السائل: نسمع يا سماحة الشيخ عن جماعة التبليغ وما تقوم به من دعوة، فهل تنصحني بالانخراط فِي هذه الجماعة، أرجو توجيهي ونصحي، وأعظم الله مثوبتكم؟ فأجاب الشيخ بقوله: "كلُّ من دعا إلى الله فهو مُبَلِّغ "بَلِّغُوا عني ولو آية" لكن جماعة التبليغ المعروفة الهندية عندهم خرافات، عندهم بعض البدع والشركيات، فلا يجوز الخروج معهم، إلا إنسان عنده علم يخرج لينكر عليهم ويعلمهم، أما إذا خرج يتابعهم لا؛ لأن عندهم خرافات وعندهم غلط، عندهم نقص في العلم، لكن إذا كان جماعة تبليغ غيرهم أهل بصيرة وأهل علم يخرج معهم للدعوة إلى الله، أو إنسان عنده علم وبصيرة يخرج معهم للتبصير، والإنكار والتوجيه إلى الخير وتعليمهم حتى يتركوا المذهب الباطل، ويعتنقوا مذهب أهل السنة والـجماعة" ([5]). اهـ وسئل –رحمه الله-: خرجت مع جماعة للهند وباكستان، وكنا نجتمع ونصلي بمساجد فيها قبور، وسمعت بأن الصلاة بالمسجد الذي يوجد به قبر باطلة، فما رأيكم في صلاتي؟ وهل أعيدها؟ وما حكم الخروج معهم إلى هذه الأماكن؟ فأجاب -رحمه الله- بقوله: "جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرةٌ في مسائل العقيدة, فلا يجوز الخروج معهم إلاّ لمن لديه علم وبصيرةٌ بالعقيدة الصّحيحة التي عليها أهل السنّة والجماعة حتى يرشدهم وينصحهم([6]) ويتعاون معهم على الخير؛ لأنهم نشيطون في عملهم لكنهم يحتاجون إلى المزيد من العلم وإلى من يبصرهم من علماء التوحيد والسنة، رزق الله الجميع الفقه في الدين والثبات عليه. أما الصلاة في المساجد التي فيها قبور فلا تصح، والواجب عليك إعادة ما صليت فيها ..."([7]). وقال الشيخ صالح الفوزان –حفظه الله-: "آخر ما صدر من الشيخ ابن باز قبل أيام في مجلة الدعوة يقول: (إن هؤلاء الجماعة ليس عندهم بصيرة في التوحيد)، هذا هو الأساس، إذا صار ما عندهم بصيرة في التوحيد خلصنا منهم.. نفضنا أيدينا منهم. ويقول –أي: الشيخ ابن باز-: (فلا يجوز الخروج معهم إلا لعالم يبصرهم)، إذن صاروا هم بحاجة إلى الدعوة، إذا كانوا هم بحاجة إلى الدعوة كيف يدعون الناس؟!".اهـ وقال الشيخ سعد الحصين في آخر تهذيبه لكتاب "حكم الانتماء للفرق والجماعات الإسلامية" (ص104-105) : "شبهة وجوابها: الشبهة: أن بعض العلماء وبخاصة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- أثنى على هذه الجماعة أو تلك في رسالة خاصة، وفي إجابة لسؤال خاص. الجواب: معلوم أن الشيخ -رحمه الله- يُملي فتواه, ولا يُملي -بالضرورة- رسائله, بل أكثر رسائله يكتبها كُتّابه ويَِردُ عليهم ما يَردُ على غيرهم من الميل إلى هذه الجماعة أو هذا الحزب والتّعَصُّب لِمَ يميلون إليه, كما قال عن أمثالهم: }كُلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون{. وعلى فرض إملاء الشيخ -رحمه الله- الرسالة, أو اطلاعه عليها كاملةً فله أسوةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قد يُنَوِّع الجواب على قدر حال السائل, كما ثبت عنه في الإجابة عن أفضل الأعمال بأنه الصلاة على وقتها, أو برُّ الوالدين, أو الجهاد في سبيل الله, وأحكام الإسلام ثابتة. وعلى سبيل المثال: فإنّ الإخوة من جماعة التبليغ يُعْرضون عن فتوى اللجنة الدائمة رقم: 1674 في 7/10/1397 وعلى رأسها الشيخ- رحمه الله-, وفيها عن جماعة التبليغ أنها: "تركتِ الكلام في تفاصيل عقيدة التوحيد، وهو أصل الإسلام، وهو الذي بدأت به الرّسل- عليهم الصلاة والسلام- دعوتهم وصارحوا به أممهم ... ولم يُعرف عنهم مجرّد الخروج والدّعوة إليه الذي هو من المبادئ والأصول المعروفة عند جماعة التبليغ ... ولم يُعرف عن جماعة التبليغ أنهم وقفوا مواقف الرّسل عليهم الصلاة والسلام في الدّعوة إلى تفاصيل الشريعة أصولها وفروعها إنما لديهم مجرّد خروج وإجمال في الدّعوة لا يصل بمن يخرج معهم إلى وعي إسلامي, أو معرفة بتفاصيل دينه, وليس في هذا اتِّباع لسبيل الرّسل عليهم الصلاة والسلام". انتهى النقل. وهم يُعرضون بل يُخفون, ويطمسون الفتوى المُضادةِ لهم التي أمر بإدخالها مجموع فتاواه، وأوصى بإقصاء كلّ رسائله وأجوبته الخاصّة عن جماعة التبليغ وغيرها، وهي آخر فتاواه في جماعة التبليغ. ونُشرت في مجلّة الدّعوة بالرّياض عدد 1438في (13/1/1414), وفي مجموع فتاواه (ج8ص331) قال -رحمه الله-: "جماعة التبليغ ليس عندهم بصيرةٌ في مسائل العقيدة, فلا يجوز الخروج معهم إلاّ لمن لديه علم وبصيرةٌ بالعقيدة الصّحيحة التي عليها أهل السنّة والجماعة حتى يرشدهم وينصحهم ...". انتهى النقل. ومعلوم أن غالبيّة أمرائهم ومشايخهم وأفرادهم عوام. كما ألّف العلاّمة الشيخ حَمود التويجري -رحمه الله- مُجَلَّدًا كاملا في بيان حالهم, والتحذير من الانتماء إليهم عنوانه: (القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ) ولكنّهم -هداهم الله- (كبقية الأحزاب والجماعات المبتدعة) يتحايلون على تحصيل ما يُفهم منه تأييدهم والمبالغة في نشره, واجتناب الاستفادة من مخالفة العلماء الأعلام لهم, وإسكات كلّ صوت يُحاول نُصحهم أو بيان حالهم, والتّعصّبُ نتيجةٌ حتميّةٌ للتّحزّبِ, وكلاهما باطل".اهـ قلت: وقال أيضًا الإمام ابن باز في إجابة سؤال آخر وُجِّه إليه بتاريخ 6/12/1416 كما في شريط "القول البليغ": "لا يصح التعصُّب والتحزب لجماعة التبليغ ولا الإخوان المسلمين، وقال: أما الانتساب إليهم، لا، ولكن زيارتهم للصلح بينهم والدعوة إلى الخير وتوجيههم للخير ونصيحتهم لا بأس". قلت: ثم جاءت هذه الفتوى الأخيرة للإمام ابن باز –رحمه الله- لتقطع جهيزة كل خطيب، وتسكت ألسنة المتهوكين، وتنسخ كل ما تقدَّم صدوره عن الشيخ من ثناء مجمل على هذه الجماعة؛ حيث سئل سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-: أحسن الله إليك، حديث النَّبِي صلى الله عليه وسلم في افتراق الأمم قوله: ((ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة إلا واحدة))، فهل جماعة التبليغ على ما عندهم من شركيات وبدع، وجماعة الإخوان المسلمين على ما عندهم من تحزب وشق العصا على ولاة الأمور وعدم السمع والطاعة، هل هاتين الفرقتين تدخل في الفرق الهالكة؟. فأجاب -غفر الله تعالى له وتغمده بواسع رحمته-: تدخل في الثنتين والسبعين، من خالف عقيدة أهل السنة دخل في الثنتين والسبعين، المراد بقوله: "أمتي" أي: أمة الإجابة، أي استجابوا له وأظهروا اتباعهم له، ثلاث وسبعين فرقة: الناجية السليمة التي اتبعته واستقامت على دينه، واثنتان وسبعون فرقة فيهم الكافر وفيهم العاصي وفيهم المبتدع أقسام. فقال السائل: يعني: هاتين الفرقتين من ضمن الثنتين والسبعين؟ فأجاب: نعم، من ضمن الثنتين والسبعين والمرجئة وغيرهم، المرجئة والخوارج بعض أهل العلم يرى الخوارج من الكفار خارجين، لكن داخلين في عموم الثنتين والسبعين([8]). قلت: وإليك كذلك فتوى شيخ الشيخ ابن باز: سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ –رحمه الله- والذي حذَّر من هذه الجماعة الضالة قبل تلميذه ابن باز: من مُحمَّد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سعود رئيس الديوان الملكي الموقر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد تلقيت خطاب سموكم (رقم 36/4/5-د في 21/1/1382هـ) وما برفقه، وهو الالتماس المرفوع إلى مقام حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم من مُحمَّد عبد الحامد القادري وشاه أحمد نوراني وعبد السلام القادري وسعود أحمد دهلوي حول طلبهم المساعدة في مشروع جمعيتهم التي سموها "كلية الدعوة والتبليغ الإسلامية" وكذلك الكتيبات المرفوعة ضمن رسالتهم وأعرض لسموكم أن هذه الجمعية لا خير فيها، فإنَّها جمعية بدعة وضلالة، وبقراءة الكتيبات المرفقة بخطابِهم، وجدناها تشتمل على الضلال والبدعة والدعوة إلى عبادة القبور والشرك، الأمر الذي لا يسع السكوت عنه، ولذا فسنقوم -إن شاء الله- بالرد عليها بِما يكشف ضلالها ويدفع باطلها، ونسأل الله أن ينصر ويعلي كلمته والسلام عليكم ورحمة الله" (ص -م- 405 في 29/1/1382هـ) ([9]). وأما احتجاجك بـ "الشيخ محمد بن حمدان آل نهيان"، وقولك عنه: "وهو الذي فتح ألبانيا للاسلام بعد أن فرض عليها الستار الحديدي طيلة نصف قرن من الزمان، وأهلها المسلمون ممنوعون من الصلاة والأذان، واقتناء مصحف، وهذا الرجل هو الذي فتح البلد للإسلام بغير سيف ولا سنان، وأرجو أن تسمع حديثه بنفسك لترى هل يصح أن يُجعل هؤلاء من الفرق الضالة؟". أقول: والله هذا ميزان كاسد في التمييز بين الحق والباطل، وخلطٌ للأمور. وافتخارك بهذا الأمر يشبه افتخار الصوفية بإدخال الناس في الإسلام، لكن هل أدخلوهم في الإسلام الحقّ المنزل من عند الله عز وجل؟ أم أنه إسلام اختلط بالبدع والأهواء والخرافات، بل بالوثنية واعتقاد وحدة الوجود والحلول والاتحاد ... إلخ الاعتقادات الباطلة التي عليها هؤلاء. وكما هو معلوم لدى العلماء المحقِّقين أن جماعة التبليغ والدعوة قامت على أربع طرق صوفية احتوت على هذه العقائد الفاسدة، فأمثال هؤلاء الزائغين لا يُفرَح بهم، ولا يستكثر منهم. مع التنبيه إلى أن من سمات هذه الجماعة اختراع القصص والكرامات لأصحابها، خاصة فيما يتعلَّق بهداية الناس على زعمهم؛ كي يستجلبوا عواطف أتباعهم. ولو صحَّت هذه الواقعة، فلا ينبغي أن يعوَّل عليها في مدح فرقة قامت على غلو وانحراف، ولو أصابت حقًّا أو فعلت خيرًا، فكون صاحب البدعة أصاب حقًّا أو نصره في مسألة، فإن هذا لا يصحِّح بدعته، ولا يجوِّز السكوت عن التحذير منها. واعلم أن تلبيس الحق بالباطل لن ينفعك عند الله عز وجل، فأنا أدعوك إلى توبة نصوح من هذا الافتراء على عالم رباني لم يقترف شيئًا إلا أنه نصح للأمَّة، وحذَّرها مغبَّة البدع وأهلها؛ استنانًا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والسلف الصالح. والله المستعان وإليه المآل. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري قبيل فجر الإثنين 20 ذو الحجة 1438 ه القاهرة – مصر ([1]) والذي يظهر أنه تلقى هذا من كتابات جمال الدين الأفغاني، وعبدالرحمن الكواكبي، ومن على شاكلتهما من محركي الفتن والثورات في بلاد الإسلام في أول القرن العشرين الميلادي. ([2]) أرأيت هذا الكذب أو التدليس، ويصعب أن يكون السائل –إن كان إخوانيًّا حقًّا- لم يطلع على خروج البنا للموالد وزيارته للأضرحة، وإنشاده القصائد الشركية البدعية كما تقدَّم. ولكن هذه هي طريقة الإخوان تعمية الأمر على العلماء حتى ينالوا نصرتهم بالباطل. ([3]) كانت هذه الفتوى في إحدى دروس الشيخ في شرح المنتقى في الطائف، وكانت قبل وفاته -رحمه الله- بسنتين أو أقل. ([4]) الفتاوى الإماراتية للعلامة الألباني (س73، ص38). ([5]) فرغت من شريط بعنوان "فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على جماعة التبليغ" وقد صدرت هذه الفتوى في مكة في اليوم السادس من ذي الحجة سنة 1416هـ. ([6]) قال العلامة ربيع بن هادي في رسالته: "أقوال علماء السنة في جماعة التبليغ": "رحم الله الشيخ فلو كانوا يقبلون النصائح والتوجيه من أهل العلم لما كان هناك حرج في الخروج معهم، لكن الواقع المؤكد أنهم لا يقبلون نصحًا، ولا يرجعون عن باطلهم لشدة تعصبهم واتّباعهم لأهوائهم، ولو كانوا يقبلون نصائح العلماء لتركوا منهجهم الباطل، وسلكوا سبيل أهل التوحيد والسنة. وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز الخروج معهم؛ كما هو منهج السلف الصالح القائم على الكتاب والسنة في التحذير من أهل البدع، ومن مخالطتهم ومجالستهم؛ لأن في ذلك تكثيرًا لسوادهم، ومساعدة وقوة في نشر ضلالهم ، وذلك غش للإسلام والمسلمين، وتغريرٌ بهم، وتعاونٌ معهم على الإثم والعدوان، لا سيما وهم يبايعون على أربع طرق صوفية فيها: الحلول، ووحدة الوجود، والشرك، والبدع".اهـ ([7]) مجلّة الدّعوة بالرّياض عدد 1438في (13/1/1414), وفي مجموع فتاواه (ج8ص331)، وفتاوى اللجنة الدائمة (8/331)، وانظر "جماعة التبليغ في شبه القارة الهندية" (ص444). ([8]) كانت هذه الفتوى في إحدى دروس الشيخ في شرح المنتقى في الطائف، وكانت قبل وفاته -رحمه الله- بسنتين أو أقل. ([9]) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (1/267-268). قلت: فهذا الشيخ محمد بن إبراهيم يُبدع ويضلِّل جماعة التبليغ، فهل الشيخ محمد بن إبراهيم من غلاة التجريح؟!! قال الشيخ حمود التويجري في "القول البليغ" (ص29): "وأما ما ذكره السائل أنه قرأ فتوى من الشيخ محمد بن إبراهيم تتضمن التوَّقف في أمر التبليغيين؛ فالجواب عنه أن يقال: إن للشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله تعالى- جوابًا صدر منه قبل وفاته بسبع سنين، وقد صرَّح فيه أن جميعة التبليغيين جمعية لا خير فيها، وإنها جمعية بدعة وضلالة، وهذا نص جوابه: ..."، ثم ذكر جواب الشيخ المثبت أعلاه، ثم قال: "وإذا عُلم ما في جواب الشيخ محمد بن إبراهيم من الردِّ على التبليغيين والذم لجمعيتهم التصريح بأنه جمعية بدعة وضلالة وأنه لا خير فيها، فليعلم أيضاً أنه لم يأت في مجموع فتاوى الشيخ محمد شيء يخالف هذا الجواب. وقد ذكر لنا أنه قد سئل عنهم قبل جوابه الذي تقدم ذكره بعشر سنوات، فأجاب بأن أمرهم لم يتبين له، ثم لما تبين له أنهم أهل بدعة وضلالة؛ صرَّح بأنه لا خير فيهم، وأن جمعيتهم جمعية بدعة وضلالة. فهذا هو الثابت عن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعال، والعمدة عليه لا على ما كان قبله". وقال كما في (ص288-289) في رد شبهات أحد المفتونين بجماعة التبليغ: "قلة المبالاة بأداء الأمانة العلمية وذلك فيما ذكره في (ص16) عن الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أنه قد أيَّد دعوة التبليغيين وحثَّ عليها، والجواب أن يقال: إن مشايخ التبليغيين ذو مكر وخديعة، وذلك أنهم في أول أمرهم كانوا يحرصون على كتمان بدعهم وضلالاتهم، ويظهرون للناس أنهم من الدعاة إلى العمل بالكتاب والسنة، وقد جاء بعضهم إلى الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله تعالى-، فطلبوا منه كتابًا إلى العلماء في الإحساء والمقاطعة الشرقية؛ ليمكِّنوهم من الوعظ والإرشاد في المساجد، فكتب معهم الشيخ كتابًا يطلب فيه تمكينهم من ذلك، بناء على حسن ظنه بهم، وهذا كتاب مؤرَّخ في 15/5/1373 هـ، ثم لَمَّا تبين له أنهم أهل بدع وضلالات كتب كتابًا آخر صرَّح فيه بأنهم أهل بدعة وضلالة، وحذَّر منهم، وهذا الكتاب ناسخ للكتاب الأول، ومبطل لِمَ ذُكر فيه من تحسين حالهم، وهو مؤرَّخ في 29/1/1382 هـ، وهذا نص الكتاب الأول: ...."، فذكره، ثم قال: "وهذا الكتاب لم يوضع مع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم لَمَّا طُبعت؛ لأنه قد رجع عنه بما صرح به في كتابه الأخير الذي هو ناسخ لِمَ كان قبله".اهـ
  6. المحفوظ في حديث أنس: "نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" لفظ "وَلا تَعْصُوهُمْ" بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد، فقد قال ابن أبي عاصم في السنة (1015) حَدَّثَنَا هَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ثنا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغِشُّوهُمْ، وَلَا تَبْغَضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ». وأخرجه أبو القاسم إسماعيل بن محمد التميمي الأصبهاني المعروف بـ"قوام السنة" (ت 535) في "الحجة على تارك المحجة" (2/435) من طريق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُزَيْنٍ السَّرْخَسِيُّ، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شَقِيقٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنْ لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلا تَعْصُوهُمْ". وقال البيهقي في الشعب (10/27) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُوسَى السُّنِّيُّ بِمَرْوَ، أنا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، أنا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ وَلَا تَغُشُّوهُمْ، وَلَا تَعْصُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ وَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْأَمْرَ إِلَى قَرِيبٍ". : وثَّقه ابن معين وغيره، واستنكر أحمد بعض حديثه، وحرَّك رأسه، كأنه لم يرضه، وذكره الحافظ في الطبقة الأولى من "طبقات المدلسين" (8): "أحد الثقات من أتباع التابعين وصفه الدارقطني وأبو يعلى الخليلي بالتدليس"، وهذه الطبقة خاصَّة بمن لم يوصف بالتدليس إلا نادرًا.حُسَيْنُ بنُ وَاقِدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرَشِيُّقلت: قلت: وقد وقع عليه الاختلاف في السند، فروي عنه من وجهين: الوجه الأول: رواه عنه الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى: عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. والوجه الثاني: رواه عنه عَلِيُّ بْنُ الْحسَنِ بْنِ شَقِيقٍ: عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قلت: الفضل بن موسى ثقة، لكنه روى مناكير، كما قال الإمام أحمد، وعَلِيُّ بْنُ الْحسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ثقة حافظ من حفاظ كتب ابن المبارك، وهو أثبت في الحسين بن واقد، فروايته هي المقدمة. فيكون المحفوظ عن حسين بن واقد روايته عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، والأعمش مشهور بالتدليس. وأما أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ مُحَمَّدُ بنُ مَيْمُوْنٍ، روى له الجماعة. فقد قال الذهبي في السير: "الحَافِظُ، الإِمَامُ، الحُجَّةُ، مُحَمَّدُ بنُ مَيْمُوْنٍ المَرْوَزِيُّ، عَالِمُ مَرْوٍ". قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل : ما بحديثه عندى بأس ، هو أحب إلى حديثا من حسين بن واقد . وفي "التنكيل" رقم (236) قال الكوثري: "مختلط، وإنما روى عنه من روى من أصحاب الصحاح قبل الاختلاط". : "لم يختلط، وإنما قال النسائي: "ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد".المعلّمي اليمانيفقال الشيخ وإنما يخشى منه بعد عماه أن يحدث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطىء، وليس ما هنا كذلك. فأما ذكر ابن القطان الفاسي له فيمن اختلط فلم يُعرف له مستند غير كلام النسائي، وقد علمت أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي". اهـ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ أَبُو حَمْزَةَ مِنَ ثِقَاتِ النَّاسِ، ولم يَكُنْ يَبِيعُ السُّكَّرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَلاوَةِ كَلامِهِ. وقَيْسُ بْنُ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ، ثقة من رجال مسلم. قلت: وعلى هذا فإن رواية أبي حمزة السكري هي المقدَّمة، ورواية الحسين بن واقد فيها نكارة من جهة الإسناد والمتن، فتكون لفظة: "ولا تبغضوهم" فيها نكارة، والمحفوظ لفظة "ولا تعصوهم". وقد تابع أبا حمزة السكري على نحو لفظه: غَيْلَانُ، فرواه عَنْ قَيْسٍ بْنَ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: "أَمَرَنَا أَكَابِرُنَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ لَا نَسُبَّ أُمَرَاءَنَا، وَلَا نَغُشَّهُمْ، وَلَا نَعْصِيَهُمْ، وَأَنْ نَتَّقِيَ اللهَ وَنَصْبِرَ، فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ". قلت: غيلان بن جامع بن أشعث المحاربى، أبو عبد الله الكوفى، قاضي الكوفة، ثقة من رجال مسلم. هذا وبالله التوفيق. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ظهر السبت 18 من ذي الحجة 1438 القاهرة – مصر
  7. الإبانة عن تخليطات الحجوري في كتابه "الإجابة" بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد، فإن شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله تعالى- إمام مبرَّزٌ في علوم الحديث، والتي من أدقها وأهمها: علم العلل، وعلم الجرح والتعديل. يشهد له بذلك عدة مصنَّفات وتحقيقات وردود علمية في هذا الباب. وهو التلميذ النجيب لإمام الحديث والسنة في زماننا: محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله-، فهو بحقٍّ مَن يصح أن يقال عنه: إنه تلميذ للألباني، فقد استفاد من علمه حقًّا، وسار على نهجه في باب التصفية والتربية، وفي باب النَّقد الحديثي، بخلاف الأدعياء الذين يدَّعون صحبة الألباني والتلمذة عليه، وهم أصحاب فتن وزيغ، وعلى رأسهم علي الحلبي. وقد يسَّر الله عز وجل لي أن أستفيد من شيخنا –حفظه الله- فوائد نفيسة في هذا الباب. ويحيى الحجوري قزمٌ في هذا العلم إذا قورن بقامة الشيخ ربيع، فلا وجه للمقارنة بينهما، إنما يعقد هذه المقارنة السفهاء الأدعياء المتعالمون الذين لم يضبطوا أصول هذا الشأن، ولا يعرفون قدر العلماء القائمين به حقًّا لا ادعاءً. ورغم ذلك فقد تطاول القزم، وتجشم عناء ما لا طاقة له به فيما سماه بـ: "الإجابة عن أوهام وأغاليط الشيخ ربيع المدخلي في كتابه الإصابة في تصحيح ما ضعَّفه الحجوري من مفاريد الصحابة". وقد قام شيخنا –حفظه الله تعالى- بدحر بعض مغالطات ومخالفات الحجوري في "الإجابة"، من خلال ردِّه الماتع الأخير: "دحر مغالطات الحجوري ودفع مخالفاته في كتابه الإجابة". هذا، وقد كنت استأذنت شيخنا –نفع الله بعلمه- قبل إنزاله هذا الردّ، بكتابة ردٍّ على "الإجابة"، وسألته: هل سيتولى –حفظه الله- الردَّ بنفسه، فأجاب –حفظه الله-: ردَّ أنت –بارك الله فيك-، وأنا لعلِّي أردُّ على مواضع منه. وبالفعل شرعت في الردّ، وأرسلت طليعة هذا الردّ إلى شيخنا –حفظه الله-، فأجازه وأمرني بالمواصلة. وثمَّ مواضع في مقدّمة الحجوري فيها ما فيها من كتم الحق والتدليس، سوف أتناولها بالتفنيد –إن شاء الله- فيما بعد. وإلى القارئ اللَّبيب طليعة هذا النقد العلمي، أسأل الله سبحانه فيه التوفيق والسداد. وصلى الله على محمّد وعلى آله وأصحابه وسلّم. (الأول) أُبَي بن عمارة: قال ابن الملقن في البدر المنير (3/48): "وَعمارَة (أَيْضا) اخْتلف فِي (صحبته)، وَالْأَشْهر كسر عينه، وَبِه جزم ابْن مَاكُولَا وَآخَرُونَ، وَقَالَ صَاحب «الإِمَام»: إِنَّه الْمَعْرُوف فِيهِ. وَحَكَى أَبُو عمر، وَالْبَيْهَقِيّ، وَعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي الضَّم أَيْضا، وكل من حَكَاهُ قَالَ: الْكسر أشهر وَأكْثر، إِلَّا أَن أَبَا عمر قَالَ: (الْأَكْثَرُونَ عَلَى الضَّم) ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنه لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء (عمَارَة - بِالْكَسْرِ - غَيره)". قلت: رجَّح شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله- في "الإصابة" (ص15) أن أُبَي بن عمارة هو أبو أبيّ بن أمِّ حرام، وذهب الحجوري إلى أنهما يختلفان، وبالغ في ردِّ هذا القول في "الإجابة" (ص40-50). وقد جزم بأن أبي بن عمارة هو أبو أبيّ بن أمِّ حرام: أبو حاتم، كما في الجرح والتعديل (1-1-290): "أبي بن عمارة الأنصاري ويقال: ابن عبادة، وكان قد صلى القبلتين روى عنه عبادة بن نسي، كذا روى هذا الحديث يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن أيوب بن قطن عن عبادة بن نسي عنه... سمعت ابن عمارة. قال أبو محمد: وهو عندي خطأ إنما هو أبو أبيٍّ واسمه عبد الله [بن عمرو] ابن أم حرام، كذا رواه إبراهيم بن أبي عبلة وذكر أنه رآه وسمع منه سمعت أبي يقول ذلك". وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب (1/70): "ولم يذكره البخاري في التاريخ الكبير لأنهم يقولون: أنه خطأ، وإنما هو أبو أبي بن أم حرام، كذا قَالَ إبراهيم بن أبي عبلة، وذكر أنه رآه وسمع منه، وأبو أبي بن أم حرام اسمه عَبْد الله، وسنذكره في بابه إن شاء الله تعالى". ونقل كلامه الحافظ في الإصابة -لكن دون أن يجزم به- فقال: "وذكر أبو حاتم أنه خطأ، والصواب أبو أبيّ بن أمّ حرام. فاللَّه أعلم". وترجم له أبو أحمد الحاكم الكبير في "الأسامي والكنى" (1/590) (تحقيق: الشيخ يوسف الدخيل)، فقال: "أبو أبي عبدالله بن كعب، ويقال عبد الله بن أبي، ويقال: عبد الله بن عمرو، ويقال: ابن أم حرام، ويقال : عبد الله بن عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار. ويقال: ابن امرأة عبادة من الصامت الأنصاري، وأم حرام هي أمه، وهي امرأة عبادة بن الصامت، وهي أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم ابن النجار، وهي أخت أم سليم أم أنس بن مالك، له صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم يعد في الشاميين. حدثنا أبو القاسم البغوي، حدثني محمد بن كثير بن مروان الفهري، نا إبراهيم بن أبي عبلة، قال: سمعت عبد الله بن أم حرام، وقد صلى القبلتين جميعا –يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم-". قلت: إبراهيم بن أبي عبلة ثقة من صغار التابعين، لكن مُحَمَّد بن كَثِيْرِ بنِ مَرْوَانَ الفِهْرِيّ متروك، فهذا إسناد ضعيف جدًّا. وترجم له بنحو هذه الترجمة: المزي في تهذيب الكمال، ونقلها –دون إضافة-: ابن كثير في "التكميل في الجرح والتعديل، ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل" (3/9). وذكر الشيخ يوسف الدخيل –رحمه الله- في تعليقه على "الأسامي والكنى" أن الأكثر مشى على أن اسمه: "عبد الله بن عمرو بن قيس". · الأوجه الدالة على أنهما واحد ليسا اثنين: ü الوجه الأول: ترجم المزي في تهذيب الكمال للاثنين مفرِّقًا بينهما، لكنه أشار في ترجمة أبي بن عمارة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى القبلتين في بيته، وقال في ترجمة أبي أبيٍّ: "وهو قديم الإسلام ممن صلى القبلتين مع رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسَلَّمَ". وهذا هو الوجه الأول في الاتفاق بين الترجمتين. ü الوجه الثاني: أنه قيل في ترجمة أبي أُبيٍّ في تهذيب المزي: قيل إنه ابن أخت عبادة بن الصامت، وقيل: ابن أخيه. وفي ترجمة أبي بن عمارة في إكمال التهذيب نقل قول أبي دواد: هو ابن أخي عبادة بن الصامت، نقله الآجري في مسائله لأبي داود (5165/ط الفاروق الحديثة). ü الوجه الثالث: وفيه أرد على قول الحجوري في الإجابة (ص47): "ولو نظر في مجرد الرواة عن هذا وهذا بهذا الأساس الذي يتعلَّمه البادئون في علم البحث عن معرفة المشايخ والتلاميذ من الرواة؛ لوضح له أن الحديث حديث أبي بن عمارة، وليس حديث أبي أُبي بن أم حرام امرأة عبادة، ولما أوقع نفسه في هذا الحرج". قلت: جاء في ترجمة أيوب بن قطن الكندى الفلسطينى: قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت أبى عنه، فقال: هو من أهل فلسطين، قلت: ما حاله ؟ قال : هو محدث. وفي ترجمة عبادة بن نسى الكندى: "أبو عمر الشامى الأردنى ، قاضى طبرية، وذكره محمد بن سعد فى الطبقة الثالثة من تابعى أهل الشام، وقال: كان ثقة". وذكر ابن سعد في طبقاته (7/402/صادر) في ترجمة أبي أبي: "وتحول أبو أبي إلى الشام فنزل ببيت المقدس.وله عقب هناك. وَقَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وفي الإصابة: "قال يحيى بن مندة: هو آخر من مات من الصحابة بفلسطين". وفي ترجمة أبي بن عمارة: يُعَدُّ فِي الْمَدَنِيِّينَ وَسَكَنَ مِصْرَ، وقال أبو محمد بن أبي حاتم: أدخله أبو زرعة في مسند المصريين. وذكره الإمام مسلم في الطبقات (164) في طبقة المدنيين الذي سكنوا المدينة. قلت: وعليه فإن الراويين عن أبي بن عمارة، كليهما من الشام، وكذلك أبو أبي تحوَّل إلى الشام، بل كان آخر من مات من الصحابة بفلسطين، وأما أبي بن عمارة فإنه مدني سكن مصر، ولم يذكر في ترجمته أنه رحل إلى الشام، كي يسمع منه الراويان المذكوران في ترجمته، لكن ذكر في ترجمة أبي أُبيٍّ أنه تحول إلى الشام، ولم يُذكر تحول من أي بلد، ولو قلنا أنهما واحد، فيجمع بين الترجمتين بأن يقال: تحوّل من مصر إلى الشام، ومن ثَمَّ سمع منه أيوب بن قطن، وعبادة بن نسي. و إبراهيم بن أبى عبلة، تلميذ أبي أبيٍّ، جاء في ترجمته: كان الوليد بن عبد الملك يوجهه إلى بيت المقدس يقسم فيهم العطاء. ولذلك أرد على الحجوري بأسلوبه نفسه: "لو نظر الحجوري في مجرد الرواة عن هذا وهذا، وعقد دراسة على الأساس الذي يتعلَّمه البادئون في علم البحث عن معرفة المشايخ والتلاميذ من الرواة؛ لوضح له أن الرواة عنهما كلهم من الشام، وأن أبي بن عمارة سكن مصر، ولم يأت أنه ذهب إلى الشام، لكن جاء في ترجمة أبي أبي أنه تحول إلى الشام، وحيث إنَّا رجحنا أنهما واحد وليسا اثنين، فيقال إن ترجمة الأول تكمل ترجمة الثاني، ويقال: إنه تحول من مصر إلى الشام، والله أعلم. ü الوجه الرابع: أنه جاء في ترجمة أيوب بن قطن في الجرح والتعديل (1-1-254): "روى عن ابن عبادة. سمعت أبي يقول: هو عن ابن امرأة عبادة بن الصامت وهو عبد الله بن أم حرام"، وأيوب بن قطن مذكور في تلامذة أبي بن عمارة. وفي ترجمة أبي بن عمارة: "ويقال: ابن عبادة"، وفي ترجمة أبي أبيٍّ من الجرح والتعديل (5/117): "عبدالله بن عمرو ابن أم حرام أبو أبي ابن امرأة عبادة بن الصامت الشامي له صحبة وأم حرام كانت امرأة عبادة وكانت خالة أنس بن مالك". قلت: وهذا واضح أن "أبي بن عمارة" ينسب أنه "ابن عبادة"، وأبو أبيٍّ هو ابن امرأة عبادة بن الصامت، وقد يقال عن ابن امرأة الرجل أنه ابنه تنزلاً؛ حيث إنه ربيبه يربى في حجره. ومن ثَمَّ فإن أبي بن عمارة هو ابن عبادة، أي: ابن امرأة عبادة، وهو أبو أبيٍّ. وقد رجَّح هذا: أبو نعيم، والمزي، وابن كثير. وقال الحجوري في خلاصة أخطاء الشيخ ربيع في استدراكه: "قوله "إلا أن صاحب الاستيعاب ذكر له حديثًا آخر"، والواقع أن ابن عبدالبر ما ذكر له في الاستيعاب غير حديث المسح على الخفين الذي أوله أنه صلى إلى القبلتين". قلت: قال ابن عبدالبر في الاستيعاب في ترجمة أبي بن عمارة: "روي أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بيت أَبِيهِ عُمَارَة القبلتين، وله حديث آخر: عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ في المسح على الخفين". قلت: ظاهر عبارة ابن عبدالبر أن له حديثين كما قال الشيخ ربيع، ومن نظر في طرق حديث المسح على الخفين ظهر له كنه عبارة ابن عبدالبر. قال الدارقطني في سننه (1/365) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ نا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسِيٍّ عَنْ أَبِي هُوَ ابْنُ عُمَارَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِ عُمَارَةَ الْقِبْلَتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: يَوْمًا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: وَيَوْمَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَثَلَاثًا»، قَالَ: ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا بَدَا لَكَ». قال الدارقطني: "هَذَا الْإِسْنَادُ لَا يُثْبَتُ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَدْ بَيَّنْتُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ , وَأَيُّوبُ بْنُ قَطَنٍ مَجْهُولُونَ كُلُّهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ". وراه أيضًا: أبو عبد الله الهمذاني الجورقاني في "الأباطيل والمشاهير والمناكير" (1/568)، وأَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الصيرفي، ابْنُ الآبَنُوْسِيِّ البَغْدَادِيُّ (ت 457هـ) في مشيخته (17). وقال الجورقاني: " هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ". وجاء في رواية ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (4/163)، والطبراني في الكبير (1/202) من طريق يَحْيَى بْن إِسْحَاق السَّيْلَحِينِيّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ الْكِنْدِيِّ، عَنِ عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ الْقِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا. قلت: وواضح الاختلاف بين الروايتين إسنادًا ومتنًا، ففي الأولى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي بَيْتِ عُمَارَةَ الْقِبْلَتَيْنِ، بإثبات عُبَادَة بْنِ نُسِيٍّ بين أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ، وأَبِي بْنُ عُمَارَةَ. وفي الثانية: قال أَيُّوبُ بْن قَطَنٍ الْكِنْدِيِّ: عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ الْقِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا-، بإسقاط: عُبَادَة بْنِ نُسِيٍّ. ففي الثانية: أنه صلى في بيت أبي بن عمارة، وفي الأولى أنه صلَّى في بيت أبيه عمارة. ومن ثم اعتبرهما ابن عبدالبر حديثين لهذا الاختلاف، كما هي طريقة المتقدمين أنهم كانوا يعتبرون الروايات المختلفة للحديث الواحد أحاديث. وبذلك تدرك خطأ الحجوري في قوله في "الإجابة" (ص44): "وهذه اللفظة من الحديث ليست حديثًا ثانيًا له، بل هي مخرجة في صدر هذا الحديث الواحد، وهي منه متصلة به سندًا ومتنًا، وإليك الحديث بسنده ومتنه قال أبو داود... -وساق إسناده ومتنه-". وذلك أن اللفظة التي أشار إليها ابن عبدالبر تختلف عن المتصلة في رواية أبي داود. ü وأما قول الحجوري في الخطأ الثالث من أخطاء الشيخ ربيع: "مخالفته لنصوص الحفَّاظ بغير حجَّة، فالحفَّاظ قد نصُّوا على أن هذا الصحابي أبي بن عمارة ليس له إلا هذا الحديث.."، ثم ذكر أقوال المزي، وابن حجر، وابن عبدالبر. قلت:قد أتيت لك بالحجج على أن أبي بن عمارة هو أبو أبيٍّ بن أم حرام، فهل تقبلها؟! ü وليعلم الحجوري أن عدَّ الاثنين فأكثر واحدًا، أو عدّ الواحد اثنين فأكثر: جادة مطروقة ليست مستغربة، وقع فيها عددٌ من الأئمة العظام، فأخطؤوا في هذا الباب، وقد أورد الخطيب البغدادي في "مُوضِح أوهام الجمع والتفريق" أمثلة عديدة عنهم، حيث أورد أوهامًا لعدد من أئمة الحديث في باب الجمع والتفريق، منهم: 1. الإمام البخاري، أورد له أربعة وسبعين وهمًا في كتابه التاريخ الكبير. 2. والإمام ابن معين، أورد له إحدى عشر وهمًا. 3. والإمام أحمد بن حنبل، أورد له أربعة أوهام. 4. والإمام علي بن المديني، أورد له وهمين. وأورد لغيرهم نحو الأئمة: محمد بن يحيى الذهلي، ويعقوب بن سفيان الدوري، ومسلم بن الحجَّاج، وأبو داود، والدارقطني. وعليه، فلا حجة في إيراد الأئمة المذكورين أبي بن عمارة حديثًا واحدًا في ترجمته، بناء على ظنّهم أنه يختلف عن أبي أبيّ بن أم حرام، أو بناء على توقفهم إلحاق هذا بذاك. والله المستعان. (الثاني) الأدرع السلمي: قال الحافظ في الإصابة (1/83) : "الأدرع السلمي ، روى له ابن ماجه ... قال ابن منده: غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه. قلت: فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، وقد رويت القصة من طريق زيد بن أسلم عن ابن الأدرع. والله أعلم". وقال الحافظ (4/411): سلمة بن ذكوان، ويقال هو ابن الأدرع. روى ابن مندة، من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن سلمة بن ذكوان، قال: كنت أحرس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم ذات ليلة... الحديث. وأخرجه من وجه آخر، عن هشام، عن زيد، قال: قال ابن الأدرع. وأخرجه أبو يعلى في أثناء مسند سلمة بن الأكوع، من طريق داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن سلمة، ولم ينسبه. وقد ظهر من رواية هشام بن سعد أنه ابن الأدرع لا ابن الأكوع. ü قال الحجوري في "الإجابة" (ص56): "وفي قوله: "فالله أعلم": إشارة إلى أنه هل الحديث حديث هذا أم حديث ذاك أم أنه رجل واحد وهم بعضهم فيه فزاد لفظة "ابن" فصار ابن الأدرع. ولم يصرح في "إصابته" بشئ مما ادعاه المستدرك أن الحديث حديث ابن الأدرع، وأن موسى بن عبيدة وهم فيه بقوله ابن الأدرع". ü قلت: وقع في كلام الحجوري في هذا الموطن أوهام: أولها: أنه زعم أن الشيخ ربيعًا نسب إلى الحافظ التصريح بأن الحديث حديث ابن الأدرع، وإنما قال الشيخ ربيع: "أشار إلى ذلك الحافظ"، وثَمَّ فرق بين الإشارة والتصريح. ثانيها: أن الشيخ ربيعًا لم ينسب إلى الحافظ القول بأن موسى بن عبيدة وهِم فيه بقوله: الأدرع السلمي، وإنما هذا التصريح من قول الشيخ ربيع نفسه. ثالثها: قول الحجوري بأن موسى بن عبيدة وهِم فيه بقوله: ابن الأدرع، فزيادة "ابن" هنا وهم منه. والحجوري توَّسع في ذكر الفروق بين رواية الأدرع وابن الأدرع فيما لا طائل تحته؛ لأن هذه الفروق قد تكون معتبرة إذا صحَّت الروايتان وكان بينهما هذا التعارض في التسمية، لكن إن كانت الرواية المذكور فيها "الأدرع" إسنادها ضعيف، والأخرى إسنادها صحيح أو حسن على أقل تقدير، فهنا لا وجه لذكر هذه الفروق؛ لأن راوي الرواية الضعيفة وهِم فيها، فنتج عن وهمه هذه الفروق، والاعتماد على مَن حفِظ لا على مَن وهَم. وأما احتجاج الحجوري بتفرقة الحافظ بين الأدرع وابن الأدرع، وأنه أثبت الصحبة لكليهما، فإنه من المعلوم من منهج الحافظ في الإصابة أنه جعل القسم الأول من كتابه فيمن وردت صحبته بطريق الرواية سواء عنه أو عن غيره سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، ولذلك أورد الاثنين توفية لشرطه، لكن لا يعني هذا أنه يرجّح أن الروايتين واقعتان مختلفتان، كما تكلَّف الحجوري إثبات هذا. ومن هذا الباب ترجم الحافظ للأدرع في التهذيب (1/194) وقال: "عداده في الصحابة له حديث واحد". ولذلك صحَّ قول الشيخ ربيع: "والظاهر أن الحديث لابن الأدرع، وأن موسى بن عبيدة وهِم فيه بقوله: الأدرع". وكذلك صحَّ قوله: "وعلى كل حال سواء كان هذا الحديث حديث الأدرع أو حديث ابن الأدرع فهو ثابت لما له من شاهد، فلا يصح إيراده في قسم الأحاديث الضعيفة وإذا كان الصواب أنه لابن الأدرع فهو صحيح". وانتبه أيضًا إلى الفرق بين ابن الأدرع –الذي اختلف في اسمه-، وبين مِحجن بن الأدرع، وهذا الأخير ترجمه المزي في تهذيب الكمال بقوله: "محجن بن الأدرع الأَسلميّ. له صحبة. وكان قديم الإسلام، وهو الذي قال فيه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم "إرموا وأنا مع ابْن الأدرع. رَوَى عَن: النَّبِيِّ صلى الله عليه وسَلَّمَ (بخ د س) . رَوَى عَنه: حنظلة بن علي الأَسلميّ (د س)، ورجاء بْن أَبي رجاء الباهلي (بخ)؟ وعَبْد الله بْن شقيق. سكن البصرة، وهو الذي اختط مسجدها، ويُقال: إنه مات فِي آخر خلافة معاوية. روى له البخاري في "الأدب"، وأَبُو داود، والنَّسَائي". وكذا ترجمه الحافظ في الإصابة (9/529)، لكن الحافظ وهم في نسبته رواية: " وَارْمُوا وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ" إلى صحيح البخاري، إنما أخرجها ابن حبان في صحيحه (4695) من طريق مُحَمَّد بْن عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَمُ يَرْمُونَ فَقَالَ: "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَارْمُوا وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ" فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ قِسِيَّهُمْ، وَقَالُوا: مَنْ كُنْتَ مَعَهُ غَلَبَ، قَالَ: "ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ"، وإسنادها حسن. وإنما أبهم ابن الأدرع في راوية البخاري، وفيها: أن سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلاَنٍ». يتَّبع إن شاء الله ... وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري 10 شوال 1438 القاهرة - مصر
  8. اغتنام اجتماع الغافلين بعد صلاة العشاء في رمضان لتعليمهم أصول الدين بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد، فإنه من المقرَّر شرعًا أن تعليم الناس العقيدة الصحيحة والمنهج السوي من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل في كل وقت وحين، ويزداد الفضل إذا اشتدت غربة الحق وقلَّ العلماء الناصحون -أو انعدموا- في بعض البلاد والمواضع، حتى اتخذ الناس فيها رءوسًا جهالاً، فأفتوهم بغير علم فضلُّوا وأضلُّوا. ومن المتقرر بداهة أن تعليم الناس الضروري من أمر دينهم من التوحيد وأصول المعتقد وأصول العبادات هذا فرض كفائي على كل مستطيع، وقد يتعين هذا على البعض في بعض المناطق إذا لم يوجد غيرهم لتعليم الناس ما ينجون به من عذاب الله عز وجل. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترقب المجتمعات التي كان يجتمع فيها المشركون في الجاهلية؛ كي يبلغهم دعوة الحق، كما قال أحمد في مسنده (22/346-349): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى، يَقُولُ «مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، أَوْ مِنْ مِصْرَ - كَذَا قَالَ - فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ، لَا يَفْتِنُكَ، وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَآوَيْنَاهُ، وَصَدَّقْنَاهُ، فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ، ثُمَّ ائْتَمَرُوا جَمِيعًا، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَتْرُكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، علَامَ نُبَايِعُكَ، قَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَالنَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ، لَا تَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي، فَتَمْنَعُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَزْوَاجَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» ، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ مِنْ أَصْغَرِهِمْ، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، فَإِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْإِبِلِ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنَّ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ جَبِينَةً، فَبَيِّنُوا ذَلِكَ، فَهُوَ أَعْذَرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، قَالُوا: أَمِطْ عَنَّا يَا أَسْعَدُ، فَوَاللَّهِ لَا نَدَعُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ أَبَدًا، وَلَا نَسْلُبُهَا أَبَدًا، قَالَ: فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَبَايَعْنَاهُ، فَأَخَذَ عَلَيْنَا، وَشَرَطَ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ". وقد جاء تصريح أبي الزبير بالتحديث في الحديث التالي له حيث قال أحمد: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ يَعْنِي الْعَطَّارَ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.. وداود بن مهران-هو أبو سليمان الدباغ- لم يخرج له أصحاب الكتب الستة-، لكنه ثقة. وداود العطَّار: هو داود بن عبد الرحمن العطار، قال الحافظ في التقريب: ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلم فيه، فهذا إسناد صحيح. هذا، وقد اعتدنا –في مصر خاصَّةً- قيام مجموعة من المسلمين الغافلين بتعمير المساجد في شهر رمضان فقط، ويتفاوت حضورهم في الصلوات الخمس، لكن الأغلب هو اجتماعهم في صلاة العشاء، وقد يصلي بعضهم ركعتين أو أربع من صلاة القيام وينصرف. والشاهد أن هؤلاء الغافلين قد لا يعرف أحدهم أركان الإيمان، وإن عرفها إجمالاً لم يعرف المعتقد الصحيح فيها تفصيلاً، وجلُّهم –إلا من رحم الله- لا يفرق بين التوحيد والشرك، ولا السنّة والبدعة، ولا المنهج السلفي والمناهج البدعية في فهم الكتاب والسنة. أضف إلى هذا قيام وسائل الإعلام من قنوات فضائية وصحف ومجلات بإثارة الشبهات ليلاً ونهارًا ضد دعوة الحق؛ مما يجعلهم معبئين بالباطل على جهالة وضلالة إلا من سلّمه الله منهم بفطرة سليمة تمنعه من قبول كل ما يُلقَى عليه من هؤلاء المبطلين. ومن ثَمَّ وجب تبليغ دعوة الحق إليهم –إن شاء الله- للمستطيع بكل وسيلة ممكنة. وبعض طلبة العلم يغتنم اجتماع هؤلاء في صلاة العشاء –كما ذكرت- كي يقوم على تعليمهم وإرشادهم، فقام آخرون بالإنكار عليهم أن طائفة من العلماء أنكروا مسألة الموعظة التي يقوم بها الوعاظ والخطباء بعد الأربع ركعات الأولى من صلاة التراويح، وأن لزومها بغير حاجة في كل ليلة يعد بدعة، وممن أفتى بهذا: العلامة الألباني، والعلامة ابن عيثمين –رحمهما الله-. فقلت: إن الجهة منفكة بين الأمرين لما يلي: o أولاً: الدرس التعليمي بعد الصلوات من باب تعليم الناس الضروري من أمر دينهم هذا أمر مستحب طول العام على حسب حاجة الناس وقدرتهم على التلَقي، وهذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت في غير ما حديث، نحو: ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي»، أخرجه البخاري (917)، ومسلم (544).، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِحديث سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ أن «مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي» ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ»، أخرجه مسلم (426).فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِوفي حديث الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ " ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أخرجه البخاري (1218).فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِوفي حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاَةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلاَلٌ الصَّلاَةَ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ - قَالَ سَهْلٌ: التَّصْفِيحُ: هُوَ التَّصْفِيقُ - قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ: «أَنْ يُصَلِّيَ»، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَدَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ، ولذلك أعجبتني كلمة قالها الشيخ عبدالرحمن محيي الدين –حفظه الله- لما عرضت عليه هذه المسألة، وهي قوله: "تعليم الناس ليس مقيَّدًا بوقت"، فقلت له: يعني على حسب حاجة الناس، فقال: نعم هذا هو الصحيح، وقد جرت بعد ذلك في وقت آخر مناقشة بيني وبين الشيخ حفظه الله حول هذه المسألة يأتي –إن شاء الله- نصُّها فيما يلي. ومن ثمَّ اغتنام الداعية أو طالب العلم اجتماع هؤلاء الغافلين في المساجد في شهر رمضان لتعليمهم الضروري من أمر دينهم لا ينبغي أن ينزل عليه ما أنكره بعض العلماء من هذه الموعظة الدائمة التي يلقيها واعظ أو قصَّاص عادة بعد الأربع ركعات الأولى من صلاة القيام، وهذه الموعظة بُنيَت -في الغالب الأعمِّ- على القصص والأحاديث الواهية، ليس فيها تعليم ولا تصحيح عقيدة ولا بيان للمنهج الحقِّ. o ثانيًا: ثبوت مدارسة العلم في كل ليلة من شهر رمضان عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»، أخرجه البخاري (6)، ومسلم (2308). o ثالثًا: كونه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجلس لتعليم الناس في المسجد في شهر رمضان بعد صلاة العشاء، هذا يعد أمرًا تركيًّا، وتروكه صلى الله عليه وسلم تنقسم إلى قسمين: ü الأول: ما تركه ليس بيانًا لسنية الترك، وإنما لسبب آخر، وهو أحد ثلاثة أسباب: 1. الترك الجبلّي أو العادي؛ كتركه أكل الضب، ويدخل في هذا الترك: النسيان للتشريع، نحو: السهو في الصلاة. 2. الترك الخاص به بالنص الشرعي؛ كتركه أكل الثوم. 3. الترك لمانع شرعي أو لمصلحة شرعية؛ كترك قتل المنافقين، وترك الكعبة على غير قواعد إبراهيم عليه السلام. ü الثاني: ما تركه بيانًا لسنية الترك، وهو ما يسمَّى بـ "الترك البياني"، أو "الترك التشريعي"، وهذا هو محل الاقتداء؛ فهو المقصود في باب السنة التركية. · وحدُّ السنة التركية: هي ترك النبي صى الله عليه وسلم فعل شيء مع وجود مقتضيه وإنتفاء مانعه؛ قاصدًا هذا الترك. وهو على ثلاثة أنواع: 1. تركه صلى الله عليه وسلم للمحرم شرعًا، نحو تركه التطيب في بدنه في الإحرام. 2. تركه صلى الله عليه وسلم السؤال عن واقعة ما يدل على عموم حكمها، وهي القاعدة المنسوبة إلى الإمام الشافعي: "ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال، ويحسن بها الاستدلال". 3. سكوته صلى الله عليه وسلم عن حكم لو كان مشروعًا لبيَّنه، وقد يمثل لهذا بسكوته عن بيان حكم المرأة في كفارة المجامع أهله في نهار رمضان، وهذا القسم يشبه السنة التقريرية، لكن السنة التقريرية إنما إقرار النبي صلى الله عليه وسلم قول أو فعل صدر أمامه من أحد الصحابة، أما السنة التركية، فهي تقوم على دلالة السكوت وهي أعمُّ. فخرج بهذا الحدِّ للسنة التركية خمسة أمور: 1. ما تركه لعدم القدرة عليه، وهذا هو الترك العدمي. 2. السنة الفعلية والقولية والتقريرية. 3. ما تركه لعدم وجود مقتضيه؛ كتركه جمع القرآن، ومنه المصلحة المرسلة. وحدُّ المصلحة المرسلة: ما لم يشهد له الشرع باعتباره ولا بإلغائه بدليل معين، لكن في هذه المصلحة المرسلة وصفًا مناسبًا لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة. 4. ما تركه لوجود مانع منه، كترك صلاة التراويح في جماعة في أول الأمر خشية أن تفرض علينا. 5. ما تركه جبلة، أو عادة، أو لخصوصية. والذي يظهر أن مسألتنا هي من القسم الثالث والذي يتعلّق بوجود المقتضى، وهو في هذه المسألة الحاجة إلى تعليم الناس الضروري من أمر دينهم في العقيدة والمنهج والعبادات والمعاملات. o رابعًا: أن دروس العلماء ما زالت قائمة في شهر رمضان في الحرمين وفي كافة المساجد في كل البلاد بعد الفجر والظهر والعصر، وبعد صلاة القيام، والغرض هو تعليم المسلمين، وبعضها دروس خاصة بطلبة العلم، فإذا خصِّص بعد العشاء درس لتعليم هؤلاء الغافلين الضروري من أصول العقيدة والمنهج مع دفع شبهات المرجفين الذين يسعون لإفساد دينهم؛ اغتنامًا لفرصة اجتماعهم في هذا الوقت، فهل يصح أن يقال: إن هذا ليس من السنّة؟! لكن أقول: ينبغي على العالم أو طالب العلم أن يكون خبيرًا بأحوال الناس مراعيًا لهم، فإذا شعر بسآمة منهم أو عدم استعدادهم لاستقبال هذا العلم في وقت ما، فليترك، فإذا وجد منهم نشاطًا استمر، وهذا هو هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي بيَّنه البخاري في كتاب العلم من صحيحه في قوله: بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لاَ يَنْفِرُوا، وأخرج حديث ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا». وقد سألت شخينا فضيلة أ.د. عبدالرحمن محيي الدين عن تخصيص هذا الدرس بعد العشاء مباشرة لاغتنام الفرصة المشار إليها وتحقيق المصلحة المرجوّة، فقال حفظه الله: "الرسول صلى الله عليه وسلم كان وقته كلُّه في التذكرة والتعليم.. وإذا خصَّص هذا ونُظِّم فلا بأس، فالجامعة الإسلامية مخصَّصة.. فهذه الأمور على حسب حاجة الناس". ثم عقَّب ممعنًا في النصيحة –جزاه الله خيرًا-: "يا أبا عبدالأعلى الدعوة لا تتركها أبدًا والدروس لا تتركها لأجل كائنًا من كان، ما دام ما منعتك الدولة، فلا تتركها.. ودعك من إرجاف المرجفين، فإرضاء الناس غاية لا تدرك، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من أرضى الناس بسخط الله أسخط الله عليه الناس"، فأنت الغرض أن تعلّمهم التوحيد، هذا هو الطريق الذي نمشي فيه، ما وجدنا فرصة –أي للدعوة والتعليم- إلا ونغتنمها". فقلت له حفظه الله: تعليم هؤلاء أمانة في أعناقنا! فقال: الناس في حاجة –أي إلى هذا العلم-. ثم قلت: خاصة أن القنوات الفضائية صارت تلقي عليهم الشبهات ليلاً ونهارًا، فإذا لم نغتنم هذه اللحظات كي يسمعوا كلمة حق واحدة، فمتى يسمعونها؟! فقال أحسن الله إليه: ما دام وُجِدوا عندك، فهذه فرصة ذهبية نغتنمها.. كنت أقول لهم في الجامعة هذه أعظم فرصة، ربي جمع لكم من جميع أنحاء العالم كي تعلّموهم التوحيد، من ثمانين دولة أو مائة دولة.. نحن نعمل ولا علينا". أيضًا عرضت خلاصة هذا البحث على شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي، ومعالي الشيخ سليمان أبا الخيل، وفضيلة الشيخ أ.د. عبدالمحسن المنيف –حفظهم الله جميعًا-، فتوافقت إجاباتهم كالتالي: شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي قال: "جزاك الله خيرًا.. أن تعلّم هؤلاء التوحيد.. هذا أمر طيب". ومعالي الشيخ سليمان أبا الخيل قال: "العلم ليس له وقت معيّن، العلم في أيّ وقت". وفضيلة الشيخ أ.د. عبدالمحسن المنيف قال: "الأمر فيه سعة.. إذا كان المقصود تعليم الناس وتنبيههم، فالأمر فيه سعة". وقد قرأت البحث كاملاً أيضًا في جلسة واحدة –وهي مسجَّلة- على فضيلة شيخنا الوالد حسن بن عبدالوهّاب مرزوق –حفظه الله-، فقال: "ما شاء الله.. كلام طيب.. فتح الله عليك، أحسنت.. ليس كلُّ الناس يستطيع الإتيان بهذا التأصيل". «وَلْتُفْشُوا العِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لاَ يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلْمَ لاَ يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا».وأخيرًا أذكِّر بوصية عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ابتداء في الثاني عشر من شهر رمضان 1438 بالمدينة النبوية وانتهاءً في ليلة السبت الخامس عشر من شهر رمضان 1438 بمكة
  9. [ مقال ]

    آمين وإياكم
  10. [ مقال ]

    السلام عليكم ورحمة الله لقد قمت بإجراء تعديل في المقال ألا وهو: حذف النقل عن أحمد علي القرني، وكأني ما انتبهت إليه فنبهني أخي الشيخ سلطان الجهني جزاه الله خيرًا. وزدت نقولات مفيدة عن الإمام مالك في شأن الاعتمام. فرجاء ممن حمل الملف الأول أن يحذفه ويستبدله بالملف المعدَّل. جزاكم الله خيرا.
  11. [ مقال ]

    إفادة الصحبة بأن لبس الغترة في مصر ليس من لباس الشهرة بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد، فإنه قد ذهب أحد الأفاضل إلى أن لبس الغترة في مصر يدخل في حدِّ لباس الشهرة الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أجل أن نصل إلى حكم منصفٍ في هذه المسألة دون تحيُّز أو تعصُّب لأحد، فسوف أعرض الأدلة في هذا الباب مع ذكر فهم العلماء السابقين والمعاصرين لها. · أولاً: الأدلة الواردة في هذا الباب: أخرج أبو داو في سننه (4029) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ عِيسَى، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنِ الْمُهَاجِرِ الشَّامِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، - قَالَ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ: يَرْفَعُهُ - قَالَ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا مِثْلَهُ»، وفي رواية النسائي في "الكبرى" (5/460/ 9560): "ثوب مذلَّة في الآخرة". زَادَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ «ثُمَّ تُلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ»، وحسَّنه العلامة الألباني –رحمه الله-. وأما حديث: "نهى عن الشهرتين: رقة الثياب وغلظها، ولينها وخشونتها، وطولها وقصرها، ولكن سداد فيما بين ذلك واقتصار"، فهذا حديث موضوع كما في الضعيفة (2326). · ثانيًا: معنى الشهرة وحدُّ لباس الشهرة: قال ابن الأثير كما في "النهاية" (2/1255): "الشُهْرة: ظُهور الشَّيء في شُنْعة حتى يَشْهَره الناس". قلت: والمعروف من كلام أهل العلم أن المعتبر في لباس الشهرة هو قصد الاشتهار، مع كون الثوب مما يخالف عادات الناس وأعرافهم سواء كان وضيعًا أم كان نفيسًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في بيان حدِّ لباس الشهرة كما في "الفتاوى" (22/138): "وَتُكْرَهُ الشُّهْرَةُ مِنْ الثِّيَابِ، وَهُوَ الْمُتَرَفِّعُ الْخَارِجُ عَنْ الْعَادَةِ وَالْمُتَخَفِّضُ الْخَارِجُ عَنْ الْعَادَةِ؛ فَإِنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَكْرَهُونَ الشهرتين الْمُتَرَفِّعَ وَالْمُتَخَفِّضَ... وَخِيَارُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا. وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ فِي الظَّاهِرِ يُثَابُ الْإِنْسَانُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ مَعَ النِّيَّةِ الْفَاسِدَةِ". وقال موسى بن أحمد الحجاوي الدمشقي الحنبلي في كتابه "الآداب الشرعية" (ص431): "في (الغُنية): من اللباس المنزه عنه: كلبسة يكون بها مشتهرًا بين الناس؛ كالخروج من عادة أهل بلده وعشيرته، فينبغي أن يلبس ما يلبسون، لئلاَّ يشار إليه بالأصابع، ويكون ذلك سببا إلى حملهم على غيبتهم له، فيشركهم في إثم الغيبة له، انتهى. ويدخل في الشهرة وخلاف المعتاد: من لبس شيئًا مقلوبًا أو محوَّلاً؛ كما يفعله بعض الأخفاء والسخفاء، والانخلاع والسخف: رقة العقل، قاله الجوهري. قال في (الرعاية الكبرى): يكره في غير حرب إسبال بعض لباسه فخرًا وخيلاء وبطرًا وشهرة، وخلاف زي بلده بلا عذر، وقيل: يحرمُ ذلك، وهو أظهر. وقيل: ثوب الشهرة: ما خالف زي بلده، وأزرى به، ونقص مروءته، انتهى. والقول بتحريم ذلك خيلاء هو ظاهر قول أحمد، وهو المذهب قطع به غير واحد، ونصّ أحمد أنه لا يحرم ثوب الشهرة. ورأى على رجل بردا مخططاً بياضاً وسواد، فقال: ضع عنك هذا، وألبس لباس أهل بلدك، وقال: ليس هذا بحرام، ولو كنت بمكة أو المدينة لم أعب عليك. قال الناظم: لأنه لباسهم هناك. قال في (التلخيص): وابن تميم يكره ثوب الشهرة، وهو ما خالف ثياب بلده... وكان بكر بن عبد الله المزني يقول: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم بالخشية. وكان الحسن يقول: أن قومًا ما جعلوا خشوعهم في لباسهم، وكبرهم في صدورهم، وشهروا أنفسهم بلباس الصوف، حتى إن أحدهم بما يلبس من الصوف أعظم كبرًا من صاحب المُطْرف بمُطرفه". وقال الشوكاني في "نيل الأوطار" (2/131): "وَالْمُرَادُ أَنَّ ثَوْبَهُ يَشْتَهِرُ بَيْنَ النَّاسِ لِمُخَالَفَةِ لَوْنِهِ لِأَلْوَانِ ثِيَابِهِمْ فَيَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ وَيَخْتَالُ عَلَيْهِمْ وَالتَّكَبُّرُ. قَوْلُهُ: (أَلْبَسَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثَوْبَ مَذَلَّةٍ) لَفْظُ أَبِي دَاوُد: "ثَوْبًا مِثْلَهُ"، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "ثَوْبَ مَذَلَّةٍ " ثَوْبٌ يُوجِبُ ذِلَّتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا لَبِسَ فِي الدُّنْيَا ثَوْبًا يَتَعَزَّزُ بِهِ عَلَى النَّاسِ وَيَتَرَفَّعُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ "مِثْلَهُ" فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي شُهْرَتِهِ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: لِأَنَّهُ لَبِسَ الشُّهْرَةَ فِي الدُّنْيَا لِيَعِزَّ بِهِ وَيَفْتَخِرَ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُلْبِسُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَوْبًا يَشْتَهِرُ بِمَذَلَّتِهِ وَاحْتِقَارِهِ بَيْنَهُمْ عُقُوبَةً لَهُ، وَالْعُقُوبَةُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ انْتَهَى. ... وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ ثَوْبِ الشُّهْرَةِ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصًّا بِنَفِيسِ الثِّيَابِ، بَلْ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ يَلْبَسُ ثَوْبًا يُخَالِفُ مَلْبُوسَ النَّاسِ مِنْ الْفُقَرَاءِ، لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَتَعَجَّبُوا مِنْ لُبْسِهِ وَيَعْتَقِدُوهُ، قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ. وَإِذَا كَانَ اللُّبْسُ لِقَصْدِ الِاشْتِهَارِ فِي النَّاسِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَوَضِيعِهَا وَالْمُوَافِقِ لِمَلْبُوسِ النَّاسِ وَالْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَدُورُ مَعَ الِاشْتِهَارِ، وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ". وقال أيضًا: "وذكر الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْأَصْفَهَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: دَخَلَ الصَّلْتُ بْنُ رَاشِدٍ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَإِزَارُ صُوفٍ وَعِمَامَةُ صُوفٍ فَاشْمَأَزَّ عَنْهُ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ: أَظُنُّ أَنَّ أَقْوَامًا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَقُولُونَ قَدْ لَبِسَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَدْ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ لَبِسَ الْكَتَّانَ وَالصُّوفَ وَالْقُطْنَ، وَسُنَّةُ نَبِيِّنَا أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ. وَمَقْصُودُ ابْنِ سِيرِينَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْمًا يَرَوْنَ أَنَّ لُبْسَ الصُّوفِ دَائِمًا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَحَرَّوْنَهُ وَيَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يَتَحَرَّوْنَ زِيًّا وَاحِدًا مِنْ الْمَلَابِسِ وَيَتَحَرَّوْنَ رُسُومًا وَأَوْضَاعًا وَهَيْئَاتٍ يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَنْهَا مُنْكَرًا، وَلَيْسَ الْمُنْكَرُ إلَّا التَّقَيُّدَ بِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَنْهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ فَلُبْسُ الْمُنْخَفِضِ مِنْ الثِّيَابِ تَوَاضُعًا وَكَسْرًا لِسَوْرَةِ النَّفْسِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا مِنْ التَّكَبُّرِ إنْ لَبِسَتْ غَالِي الثِّيَابِ مِنْ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَثُوبَةِ مِنْ اللَّهِ، وَلُبْسُ الْغَالِي مِنْ الثِّيَابِ عِنْدَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ مِنْ التَّسَامِي الْمَشُوبِ بِنَوْعٍ مِنْ التَّكَبُّرِ لِقَصْدِ التَّوَصُّلِ بِذَلِكَ إلَى تَمَامِ الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ مِنْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ عِنْدَ مِنْ لَا يَلْتَفِتُ إلَّا إلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى عَوَامِّ زَمَانِنَا وَبَعْضِ خَوَاصِّهِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ الْمُوجِبَاتِ لِلْأَجْرِ لَكِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِمَا يَحِلُّ لُبْسُهُ شَرْعًا". وقال الحافظ الذهبي في كتابه "بيان الإلباس في فنون اللباس" (ص59): "فأما قول طائفة من الشافعية: إن الفقيه لو لبس خلاف عادة جنسه اقتضى ذلك القدح في عدالته، فهذا محمول على لابس هذا تلاعبًا واستهتارًا، أما من فعله عادة فيباح، وإن اقتصد في ذلك تدينًا وتسنُّنًا فهو محمود، اللهم إلا أن يريد بذلك الشهرة، أو ليُظن به الخير فإنه مذموم، ويُعرض الله عنه. ونقل الخطابي عن المزني أنه كان يلبس فوقانًا الكم الواحد كبير والآخر ضيق؛ وقال: الواسع لي به حاجة لحمل حوائجي والآخر لا أحتاجه. وورد مثل هذا عن أبي داود صاحب ((السنن))، فأما من فعل هذا اليوم فإنه لباس شهرة فلأن تسلم فيه النية فليحذر، والضابط في ذلك هو ترك التكلف وحب الخمول". قلت: ومن يتدبر في النقولات السابقة يجد أن مسألة لباس الشهرة مدارها على نية اللابس ابتداء من عدة جهات: 1. من جهة قصد الشهرة من عدمه. 2. ومن جهة حب الظهور والتميز بهذا اللباس على سائر الناس. 3. ومن جهة أن تلزم مجموعة زِيًّا وَاحِدًا مِنْ الْمَلَابِسِ وَيَتَحَرَّوْنَ رُسُومًا وَأَوْضَاعًا وَهَيْئَاتٍ يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَنْهَا مُنْكَرًا، وَلَيْسَ الْمُنْكَرُ إلَّا التَّقَيُّدَ بِهَا وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا وَتَرْكُ الْخُرُوجِ عَنْهَا. وجاء عن العلامة عبدالمحسن العبَّاد أنه سئل في شرحه على سنن أبي داود: ما حكم من يلبس لبسًا على السنة لكنه غير مشتهر، مثلاً: يلبس عمامة، والآن المشتهر عند الناس الغترة أو (الشماغ)، أو يقصر ثوبه إلى نصف الساقين، وهذا غير معروف في مجتمعه؟! الجواب: الشيء الذي ورد في السنة لا يقال: إنه لباس شهرة. قلت: والسؤال: هل يعد لبس الغترة –أو الشماغ- في مصر غريبًا وخارجًا عن عادة أهل مصر وعُرفها. وهل لبسها يعتبر ترفعًا أو تخفُّضًا؟! والإجابة: أن الغترة بصورتها الحالية، إنما عُرِفَت في نجد والحجاز في الدولة السعودية. وكانت كذلك معروفة في صعيد مصر لكن مع اختلاف يسير الشكل واللّون، فما زال الصَّعايدة في مصر يتلَفعون بما يسمَّى بـ "الشال"، الذي هو صنو الغترة. بل من قديم وأهل الصعيد –خاصة كبار السن- يلبسون الغترة البيضاء الناصعة التي ليس فيها نقش. وهذه الغترة لا تختلف كثيرًا عن الخمار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتقنع به. وكذلك كان –وما زال- الوجهاء وأهل الفضل في صعيد مصر يلبسون ما يسمَّى بـ "العباية" التي هي قرينة ما يسمَّى عند أهل نجد والحجاز بـ "البِشْت". لكن مما قد يقال إنه من لباس شهرة في مصر ما اختُّصت به بعض الشعوب الإسلامية، وليس معروفًا عند أهل مصر وما حولها، نحو: 1. الثوب الباكستاني القصير الذي يمس –بالكاد- الركبتين، وقد يغطيهما، وتحته سراويل إلى الكعبين، وقد يتجاوزا الكعبين عند البعض. 2. الثوب المغربي وهو البرنس الذي له غطاء رأس متصل بالثوب، يسمَّى عند أهل المغرب بالـ "قُب"، وهذا الثوب له نوعان: نوع ذات كم طويل، والثاني: المراكشي ذات نصف كم، وفضفاض؛ ويلبس في دول المغرب العربي: المغرب، وتونس، والجزائر؛ ويلبس كذلك في بعض مناطق ليبيا، خاصة عند البربر الأمازيغ. وينتبه كذلك إلى أمر هام في المسألة، ألا وهو: إنه إذا انتشر لباس من ثياب الكفَّار بين المسلمين، وأبى المسلم أن يلبسه تمسكًا منه بالأصل الذي كان عليه آباؤه وأجداده من المسلمين، فلا يقال إن لبسه لثياب المسلمين مخالفة للعادات التي أحدثها قومه من تشبه بالكفَّار. وكذلك إذا سافر المسلم إلى بلاد الكفر، فإنه يتمسك بهيئة المسلمين في لباسهم، ولا ينماع مع الكفار في هيئتهم. وسئل الشيخ الألباني -رحمه الله- كما في "سلسلة الهدى والنور" (شريط 754): "السائل: ما المقصود بلباس الشهرة أو ثوب الشهرة الذي ورد التحذير منه في الحديث في واقعنا المعاصر؟ الشيخ: "واقعنا المعاصر أي كل بلد له نمطه من اللباس وهيئته فإذا لبس رجل ما لباسًا في ذاك البلد ليس معهودًا ولا معروفًا فيه، ويبتغي هو الشهرة فهو لباس شهرة أما إذا طرأ البلد الذي لا يلبس هذا اللباس ومعنى الشهرة في ذهنه غير وارد إطلاقا فهذا ليس لباس شهرة يعني لباس الشهرة قبل كل شيء يتعلق بالنية ثم يلاحظ في ذلك عادة البلد، لكن هنا شيء هنا لابد من التنبيه والتحذير منه قد يبرر بعض الناس بمن لا علم عندهم أن يقعوا في مخالفة للشرع مخالفة صريحة فرارا من مخالفة أو من الوقوع في مخالفة متوهمة فمثلا كثير من المسلمين يسافرون إلى بلاد الغرب فبلاد الغرب هذا اللباس الذي أنتم الآن تلبسونه غير معروف في تلك البلاد فيوحي إليه الشيطان أنه ينبغي أن تتزين بزي أهل تلك البلاد؛ لأنه سيشار إليك بالبنان نحن نقول هذا من وحي الشيطان؛ لأن على المسلم أن يحافظ على زيّه وعلى لباس أمته بحيث لو رُفع بالهيليكوبتير ووضع بين الكفار قيل له هذا مسلم لأنه يلبس لباس المسلمين فلا يجوز للمسلم فرارًا مما يتوهم أنه إذا استمر على لباسه الإسلامي أنه لباس شهرة فينماع بأن يلبس لباس الكفار حينما يبتلى بالسفر إلى تلك البلاد". وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة (24/45): السؤال الرابع من الفتوى رقم ( 2124 ): س4 : ما هي مكانة الغترة في السنة ، هل هي ضرورية ؟ ج4 : الغترة من أنواع لباس الرأس عند بعض الناس، وهي من أمور العادات لا العبادات، وليست بضرورية في الدين، ولا بسنة، فمن شاء لبسها، ومن شاء لبس غيرها من عمامة ونحوها، ومن شاء جمع بينهما، كل ذلك وأمثاله لا حرج فيه، إلا أنه لا يتشبه في لباسه بالنساء ولا بالكفار فيما يخصهم، ولا يغرب في لباسه، فإنه قد يلفت الأنظار، ويكون سببًا في القيل والقال، والسخرية والاستهزاء. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم . اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز قلت: وكذلك ينتبه أن ثياب العرب جميعًا على وجه الخصوص لها سمات خاصة مشتركة في البيئة العربية عامة سواء في مصر أو الجزيرة العربية أو الشام، كما قال الإمام مالك: "العمائم والانتعال من عمل العرب الماضين، ولا تكاد تعمله الأعاجم". وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (الجزء المتمم لتابعي أهل المدينة) (ص321): أَخْبَرَنَا مطرَّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَسَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يقول: "كنا نعد حَلْقَةِ رَبِيعَةَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مُعْتَمّاً سِوَى مَنْ لَيْسَ بِمُعْتَمٍّ، وَكَانَ رَبِيعَةُ يَلْبَسُ الْعَمَائِمَ". وأخرجه محمد بن خلف الملقب بـ "وكيع" في أخبار القضاة (ص202) قال: حَدَّثَنِي أَبُو إسماعيل مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن يوسف السلمي؛ قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ العزيز بْن عَبْد اللهِ الأويسي؛ قال: قَالَ: مالك بْن أنس: لا ينبغي أن تترك العمائم؛ لقد اعتممت وما في وجهي شعرة، ولقد رأيت في مجلس ربيعة بْن عَبْد الرحمن بضعة وثلاثين رجلاً معتماً؛ قَالَ: مالك: ولقد أَخْبَرَنِي عَبْد العزيز بْن المطلب: أنه دخل المسجد ذات يوم بغير عمامة فسبني أبي سبابًا قبيحاً؛ وقال: أتدخل المسجد متحسراً ليس عليك عمامة". وقال ابن سعد في (ص328): أَخْبَرَنَا مطرَّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَسَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: "كَانَ النَّاسُ يَلْبَسُونَ الْعَمَائِمَ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُز". وقال القاضي عياض في "ترتيب المدارك وتقريب المسالك" (3/328): " قال: كان يحيى بن يحيى، أشدَّ الناس تعظيماً لمحمد بن بشير، وأحسنهم ثناء عليه. في حياته، وبعد وفاته. ولقد سئل عن لباس العمائم فقال: هي لباس الناس بالمشرق، وعليه كان أمرهم في القديم. فقيل له لو لبستها، لتبعك الناس. فقال قد لبس محمد بن بشير الخزّ، فلم يتبع فيه". وسألت فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن محيي الدين –أستاذ الحديث ورئيس قسم السنة بالجامعة الإسلامية–حفظه الله تعالى-: ما رأيكم فيمن يقول إن الغترة أو الشماغ يعد ثوب شهرة في مصر؟ فأجاب –حفظه الله-: "أولاً نحمد الله تبارك وتعالى، وثانيًا: نحمده سبحانه أن منّ علينا بلباس التقوى... وهذا اللباس وهو الغترة وكذلك العمّة لباس العلماء الفضلاء، فإذا كان لباس خيار الناس، واقتدى به العبد في ذلك، فهذا لا حرج فيه.. وخيار الناس في مصر –لا يوجد أفضل من السلفيين الملتزمين بالمنهج السلفي الصحيح في مصر- هم أخذوا هذا اللباس من هذه البلاد المباركة... وعلماء الحرمين هذا لباسهم الشرعي والتشبه بهم جائز بل من فضائل الأعمال. قلت: هناك من أهل مصر أنفسهم من العوام - في بعض المناطق نحو الصعيد ما زالوا يلبسون نحو هذه الغترة. فعقَّب –حفظه الله- قائلاً: إذن لا يسمّى لباس شهرة.. لكن لباس الشهرة أن يلبسه واحد فقط –أي يتميز به-، خاصة إذا كان له لون مميز نحو الأخضر أو الأصفر أو الأحمر، وقد يكون شعارًا لأهل البدع، نحو الذين يلبسون عمامة خضراء في السعودية –يتخذونها شعارًا-، فهذا لباس بدعة ولباس شهرة. وقال أيضًا في موطن آخر متسائلاً: مَن خيار الناس في العالم؟ قلت: السلفيون.. هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. قال –حفظه الله-: العلماء من أهل مكة لا يلبسون إلا الثوب والمشلح... قلت: فإذا تشبه بهم أهل العلم في البلاد الأخرى فهذا مما يُحمَدون به لا يقال: إنهم لبسوا لباس شهرة. قال -حفظه الله-: هذا الصحيح.. قلت: كذلك الوجه الآخر: ما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لبس الخمار، وهناك من العلماء مَن حمل الخمار هنا على العمامة، أي: أنه يتعمَّم، لكن هل يقال إن الغترة –أو الشماغ- ينطبق عليه حدُّ الخمار، يعني هل يعد خمارًا؟ فقال –حفظه الله-: نعم.. لا بأس قلت: وإن اختلفت الهيئة قليلاً أو اللون لا يضر هذا. ثم استطردت قائلاً: وكذلك ما زال أهل الصعيد والفلاّحون ما زالوا يغطون رءوسهم بنحو هذا.. فهذا معروف بين أهل البلد، لكن المتفرنجين –الذين شابهوا الإفرنج- هم الذين لا يلبسون هذا. فقال –سلمه الله-: مثل النساء عندكم كن يلبس العباءة والنقاب.. أخبرني فلان كان النساء عندنا يلبسن كما تلبس نساءكم، والآن جاءت الإفرنجية. قلت: لما جاءت ثورة التاسع عشر وهدى شعراوي.. المصريون قبل دخول الإنجليز إلى مصر كان لباسهم القميص ويغطون رءوسهم بالقلنسوة أو العمامة ونحو ذلك. فقال –حفظه الله-: والصعايدة كانوا يلبسون القلنسوة الصوف الطويلة. قلت: ما كان يوجد أحد من الرجال يسير في الطرقات حاسر الرأس.. كان هذا يعد عيبًا، فيقال: إن الأصل تغطية الرأس. قال: هذا الصحيح.. والرسول كان يلبس القلنسوة، والألباني يقول: لا يصلي حاسر الرأس. قلت: لكن البحث الآن في خارج الصلاة.. هل يغطي رأسه بأي وسيلة ولا يقال: إنه لباس شهرة؛ لأن الأصل تغطية الرأس. .هذا هو الصحيح؛ لأن كشف الرأس جاء من الإنجليز، فكشف الرأس عيب كبير، وتغطيتها من العادات المستحسنة.. يعني لو رفعت العمامة من على رأسه قد يقتلك؛ لأنه يعده عيبًا كبيرًا أن يكشف رأسه، يعني لو رفعت الغترة من على رأسي أشعر كأني أمشى عريانًا، فهذه من عادات العرب الجمليةقال: قلت: وزادها الإسلام قوة وشدة.. اهـ. · وسألت الشيخ الوالد حسن بن عبدالوهَّاب البنا –حفظه الله- السؤال نفسه؟ فأجاب بما مفاده: "ليست من لباس شهرة، النبي صلى الله عليه وسلم لبس العمامة والخمار، والسراويلات، والإزار والرداء، وكلها من ملابس العرب، وهذه الغترة هي من لباس المسلمين العرب في منطقة الخليج، ونحن نتشبه بهم، والأصل هو تغطية الرأس بأي وسيلة، ما لم تكن مخالفة أو فيها تشبه بالكفَّار، كما قال الشيخ ناصر –رحمه الله-". قلت: ودار أيضًا بيني وبين فضيلة الشيخ عبدالمحسن المنيف –أستاذ الفرائض والفقه في كلية الشريعة حاليًا -وعميد أكاديمية البحث العلمي سابقًا- بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية- نقاش علمي حول هذه المسألة هذا مفاده –وهو مسجل-: بعد أن عرضت عليه هذه المسألة، قال حفظه الله: هل الذي يلبس الغترة واحد فقط أم يلبسها جماعة من الناس؟ فإذا كان يلبسها مجموعة فليست لباس شهرة. وقلت: وإذا كان يلبسها أهل العلم وصارت سمتًا لهم، وتشبه بهم غيرهم، فهذا أبعد من أن يقال عنه إنه لباس شهرة... والأصل هو أن يغطي الرجل رأسه. ثم قلت: ومعلوم أن الدولة السعودية صارت معقلاً للعلم والعلماء، بخلاف البلاد الأخرى، فالتشبه بعلمائها وأهلها تشبه بالمسلمين. ثم استطردت قائلاً: لو تذكرون حفظكم الله لنا حدًّا للباس الشهرة. فقال: ما عدّه الناس شهرة، وما عدَّه أهل العلم لباس شهرة. قلت: وهذا يختلف على حسب الأعراف؛ يعني قد يكون لباسًا شرعيًّا ويستغربه الناس. قال الشيخ: إذا استغرب الناس أمرًا شرعيًّا لا يعتبر لباس شهرة. قلت: خاصة إذا اعتادوا على الملابس الإفرنجية. قال حفظه الله: نعم.اهـ قلت: ونستفيد من هذه المناقشات مع العلماء الثلاث الأفاضل ما يلي: أولاً: أن تشبه العالم أو طالب العلم في مصر أو غيرها بلباس علماء السنة في بلاد الحرمين –معقل العلم والعلماء والسلفية- لا يعد مذمومًا، ولا يقال في حقِّ فاعله: إنه لبس لباس شهرة. قال الشيخ عبدالرحمن محيي الدين: الغترة والقميص والبشت لباس العلماء الفضلاء. قال الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص201/عجاج الخطيب) (ص180/رقم 78/تحقيق البيضاني): حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِصْرِيُّ، ثَنَا مُطَرِّفٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: قُلْتُ لِأُمِّي: أَذْهَبُ فَأَكْتُبُ الْعِلْمَ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: تَعَالَ فَالْبَسْ ثِيَابَ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ اذْهَبْ فَاكْتُبْ قَالَ: فَأَخَذَتْنِي فَأَلْبَسَتْنِي ثِيَابًا مُشَمَّرَةً، وَوَضَعَتِ الطَّوِيلَةَ عَلَى رَأْسِي وَعَمَّمَتْنِي فَوْقَهَا، ثُمَّ قَالَتِ: اذْهَبِ الْآنَ فَاكْتُبْ". وأخرجه من طريقه كلٌّ من: الخطيب البغدادي في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1/384)، والقاضي عياض في "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السَّماع" (ص46/تحقيق سيد صقر) (ص122/رقم 33/تحقيق البيضاني). لكن إسناده ضعيف جدًّا، مُوسَى بْنُ زَكَرِيَّا، قال فيه الدارقطني: متروك. وقال الخليلي: حافظ لكنه ضعيف، متكلم فيه واتهمه أبو يحيى الساجي بالوضع. وقال ابن حزم: مجهول. لكن يغني عنه ما قاله السفاريني في "غذاء الألباب شرح منظومة الآداب" (2/234): "سُئِلَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيّ عَنْ طَالِبِ عِلْمٍ تَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ قُرَى الْبَرِّ، ثُمَّ لَمَّا رَجَعَ إلَى بِلَادِهِ وَعَشِيرَتِهِ تَزَيَّا بِزِيِّهِمْ وَتَرَكَ زِيَّ أَهْلِ الْعِلْمِ هَلْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ أَجَابَ بِمَا مَعْنَاهُ لَمَّا اتَّصَفَ بِالصِّفَتَيْنِ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ فِي أَيِّ الزِّيَّيْنِ تَزَيَّا؛ لِأَنَّهُ إنْ تَزَيَّا بِزِيِّ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ بَلَدِهِ وَعَشِيرَتِهِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ وَلِأَنَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِ عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ. وَهَذَا وَاضِحٌ.. وَلَعَلَّ كَلَامَ عُلَمَائِنَا لَا يُخَالِفُهُ. وَمُرَادُهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: وَيُكْرَهُ خِلَافُ زِيِّ بَلَدِهِ يَعْنِي بِلَا حَاجَةٍ تَدْعُو إلَى خِلَافِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ صَارَ مِنْ الْعُلَمَاءِ تَزَيَّا بِزِيِّهِمْ فِي أَيِّ مِصْرٍ كَانَ أَوْ بَلْدَةٍ كَانَتْ غَالِبًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ". قلت: وهذه المسألة مِمَّا قد تختلف فيه أنظار العلماء، فلا ينبغي أن يشنَّع فيه على المخالف، بل تظل المسألة في إطار البحث العلمي المتجرد مع احترام كلِّ طرف للآخر. وصلَّى الله على محمَّد وعلى آله وأصحابه وسلّم وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري عصر الأحد الثاني من شهر رمضان 1438 ه القاهرة / مصر إفادة الصحبة بأن لبس الغترة.docx
  12. أسامة الأزهري وأطروحة ابن تيمية (الحلقة الثانية) بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، ومن اتّبع هداه، أما بعد، فقد استمر الأزهري في إثارة الشبهات المتهافتة على هذا العلم من أعلام الأمَّة ظانًّا أنه بهذا يتمكن من تشويه علمه ومنهجه متناسيًا أنه سبقه إلى ذلك أقوام صاروا في التراب، واندثر كلامهم معهم. قال الأزهري: "بل إن أكثر كتب ابن تيمية كانت قد هجرت، ولم تعد موجودة، ولم يتداولها العلماء، ولم يدرسوها حتى إن الشيخ محمود شكري الآلوسي في الرسائل المتبادلة بينه وبين الشيخ جمال الدين القاسمي يذكر أنه ظلّ يفتش في دور المخطوطات في العالم عن كتاب من كتب ابن تيمية أربعين سنة والكتاب غير موجود؛ لأن الأمَّة في عقلها الجمعي ومن خلال علمائها الكبار لما نظروا في أطروحة بن تيمية وجدوا أنها أطروحة قلقة ليست بالأطروحة العلمية المستقرة خرجت أجيال من علماء الأمة على أن هذه الأطروحة تجتنب لا ينظر فيها.فمن الذي سعى إلى إخراج هذه الأطروحة، وإعادة طبعها وترويجها وجعلها هي الأصل العلمي، وتجاهل انتقاد العلماء على كثير من البحوث الموجودة فيها؟!". قلت: ادعاء أسامة الأزهري أن محمود شكري الآلوسي ظلَّ أربعين عامًا يفتِّش عن أيِّ كتاب من كتب ابن تيمية فلم يجد شيئًا منها: أسطورة خيالية وكذبة مفضوحة؛ حيث صوَّر كتب شيخ الإسلام كأنها غير معروفة ومجهولة، وصوَّر الآلوسي في صورة الزاهد في كتب شيخ الإسلام، وعدم الراغب فيها. وإن كان استشهاده بهذه الأسطورة حجة عليه؛ حيث إن حرص الآلوسي على الاستمرار في البحث عن إحدى آثار شيخ الإسلام طيلة أربعين سنة؛ يدل على مدى اهتمامه بآثاره –رحمه الله-. ودليل كذب هذه الأسطورة في المصدر الذي عزى إليه أسامة الأزهري، ألا وهو: كتاب "الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الآلوسي" (طبعة دار البشائر الإسلامية، جمع وتحقيق: محمد ناصر العجمي). وهذه نصوص من هذه الرسائل تظهر للقارئ بجلاء كذب هذه الأسطورة: جاء في كتاب "الرسائل المتبادلة بين جمال الدين القاسمي ومحمود شكري الآلوسي" في الرسالة (2) (ص47-51): "أما آثار الشيخين وغيرهما من السلفيين، فكما أمرتم أعجز الناس عن القيام بحقِّها جماعة الأحمديين –يقصد الحنابلة نسبة إلى الإمام أحمد بن حنبل-، حتى أن على كثرة مخابرتي أهل نجد، لم أنل بغيتي منهم على كثرة الوعد، مع أني استجلبت بعض الرسائل من بلاد الأجانب بواسطة بعض الأصحاب من المستشرقين حتى أنهم إذا أعوزهم الكتاب نقلوا الكتاب بالآلة الشمسية، وقد كابدت كل صعوبة في الكتب التي يسر الله نشرها في مصر والبلاد الهندية. وقد أمرتم أن نسعى باستكتاب (الفتاوى) لفرج الله، فالفتاوى التي تعني بها قد أرسلتها له منذ مدة وهي المشتملة على كثير مما في (الرسائل الكبرى) ولكن المقصود والأهم (الفتاوى المصرية)، وعلى ما سمعت أن جزءًا منها في خزانة الملك الظاهر وهو الجزء السادس، وجزء واحد لا يفيدنا". وجاء في الرسالة (3) (ص55-57): "أمرتم بالبحث عن ((شرح العمدة)) وفي الخزانة الظاهرية منه جزء واحد صغير وتتمَّة غير موجودة. وقد أتاح المولى من الإخوان من يراجع أجزاء (الكواكب)، ويستخرج منها بعض مؤلفات شيخ الإسلام، فننسخ من ((نقد التأسيس في الرد على الرازي))، ويبحث عن تتمته، ونسخ كتاب ((التوسل)) أيضًا، وقد بلغ خمسة عشر كراسًا، ونسخ غيرها إلا أن الأمر بحاجة إلى همة الأحمديين وغيره من المثرين يُقيمون الوكلاء عنهم، ولا يبالون فيما يصرف للتصحيح والنسخ، وإلا فالسير بطيء جدًّا، وجلي أن طبع كتاب خيرٌ من ألف داع يتفرقون في الأقطار؛ لأن الكتاب يأخذه الموافق والمخالف، والداعي قد يجد من العوائق ما لا يظفره بأمنيته، وكان بعض الحكماء يقول: مقالة في جريدة خير من ألف درس للعامة، فمن لنا بمن يثير همتهم ويوقظهم من سباتهم؟ ولا أحد ينسى ما لمولانا ـ حرسه الله ـ من المقام المحمود في هذا المجال –يعني نشر كتب ابن تيمية-، وسعيه الليل والنهار محتسبًا وجه المتعال، وسيخلِّد له التاريخ لسان صدق يرتاح له أنصار الفضل، ورجال الحق. أما كتاب ((بيان الدليل في إبطال التحليل)) فقد أخبرني الشيخ عبد الله الروَّاف -من فضلاء القصيم-، نزيل دمشق الآن، ويتردد إليَّ أن عنده في بلده نسخة منه كاملة، وقد وعد أنه إذا عاد يحضر الكتاب. ونحن في حاجة الآن إلى ((شرح الأصفهانية)) لشيخ الإسلام، فقد أطنب في مدحها ابن القيم، ويرى من وقف على ما ينقل عنها أنَّا في افتقار إليها لغلب الأدلة المعقولة فيها، فعسى مولانا أن يبحث عنها ويأمر بتمثيلها للطبع، لا زال رُكنًا للإسلام وكوكبًا للأعلام. (29 ذي الحجة 1326) (العبد الفقير: جمال الدين القاسمي). وجاء في الرسالة (4) (ص60-62): "وما أمرتم به من القيام باستنهاض همم الأحمديين، وحثهم على نشر آثار أسلافهم السلفيين، فالعبد لم يزل قائمًا على ذلك السَّاق متحملاً ما يكابده في هذا الباب من المشاق، وقد كتبت بذلك مرارًا إلى الشيخ مقبل الذكير من تجار البحرين، والشيخ قاسم الثاني أمير قطر، وإلى التلمساني في جدة، ومحمد حسين نصيف([1]) فيها أيضًا، وإلى غير هؤلاء من محبي السلف في الهند والسند وسائر الأقطار، وكلهم وعدوا بما يسر إن شاء الله تعالى. أما ((شرح الأصفهانية)) فالصغير منه نسخه في إحدى كتب بغداد، وهو نحو كتاب ((اقتضاء الصراط المستقيم)) حجمًا، وأما ((الشرح الكبير)) فلم أقف عليه ولعل نسخته في نجد، وسأتحرى عليه إن شاء الله تعالى. وكتاب التوسل وغيره من آثار الشيخ، كتبت لصاحبنا عبداللطيف بن المرحوم الحاج عبدالحميد عن بذل ما يلزم من الأجرة للاستكتاب والتصحيح، حسبما يأمر المولى، وكتاب "بيان الدليل على إبطال التحليل"، قد عزم بعض أهل الخير الوطنيين على طبعه في إحدى مطابع بغداد بعد العثور على نواقصه فَقَرَّ عينًا بذلك، ولي أمل عظيم في نشر كتب الشيخ جميعها عن قريب، والله الموفِّق لكل خير، هذا وأرجوا تبليغ سلامي للشيخ عبد الله الرَّواف، وإلى كافة من تحبُّون من الأخيار، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". (25 صفر سنة 1327) (العبد المخلص في وده محمود شكري). وجاء في الرسالة (5) (ص63-66): "فيا أيها الأستاذ إني قبل هذا عرضت عليكم أني أمتثالاً للأمر حرَّرت عدة رسائل إلى أقطار شاسعة، وبلاد بعيدة طلبت فيها ممن أعرف غيرتهم على الدين أن يقوموا على ساق الهمة؛ لنشر الآثار السلفية والكتب الأحمدية، ولم يخب سعينا ولله الحمد، فقد ورد في هذه الأيام من الحاج مقبل الذكير أنه كتب لشريكه في جدة أن يرسل عدة كتب من مؤلفات شيخ الإسلام إلى مصر ليباشروا طبعها، وفي الأسبوع الماضي وردني أيضا من الأخ في الله حسين نصيف كتاب من جدة مطول يقول فيه: "وقبل تاريخه وصل إليَّ مكتوب من الحاج مقبل الذكير عرفنا به أننا نرسل إلى مصر لفرج الله الكردي ((الرد على ابن سبعين))، و((التسعينية في الرد على الكلام النفسي))، وغيرها من الكتب إن شاء الله تعالى يصير طبعها مع كتاب ((العرش)) الذي حرَّضنا على طبعه، وجملة كتب من هذا القبيل المقصود طبعها، إلا أن مطلوبنا نسخة من كتاب ((العرش)) إن وجدت ونسخة من ((السبعينية))، ونسخة من ((التسعينية)) ونسخة من ((شرح منازل السائرين)) المسمى ((مدارج السالكين)) إن وجد ذلك عند حضرتكم فأرسلوا الجميع إلينا مباشرة مع أول وابور متوجه لطرفنا، ودمتم....)) إلخ؛ حيث إن الكتب المذكورة ليس لها أثر في بغداد إلا ((مدارج السالكين)) وكانت عندنا منه نسخ قديمة الخط أرسلناها إلى فرج الله الكردي منذ سنتين طمعًا في نشرها وطبعها، وأظن أن الكتاب بقي عنده إلى اليوم، وقد كتبت لمحمد حسين بذلك ولفرج الله أيضًا أن يخبره إن بقى الكتاب عنده. وكتبت لمحمد حسين أيضًا عنكم وعرفته بحضرتكم العليَّة، وأن يكاتبكم بعد ذلك بكل كليَّةٍ وجزئية، وذكرت له أني سألته عما طلبه من الكتب وغيرها من الكتب المهمة، فاسترحم أن تكتبوا له كتابًا عن التماسي وتذكروا له ما عندكم من كتب الشيخين التي طلبها وغيرها من الكتب المهمة التي وقفتم علها مختصرة كانت أو مطولة وبادروا إلى ذلك، فإن المسافة بين دمشق وجدة غير بعيدة، وعنوان كتابه هكذا: إلى وكيل الإمارة الجليلة في جدة حضرة الفاضل محمد حسين نصيف، وهذا الرجل من كبار أهل الثروة، ومن أعظم الناس محبة للسلف الصالح، ونشر آثارهم، ولا سيما لشيخ الإسلام -قدس الله تعالى روحه وكتبه- حتى أنه قبل هذا حجَّ عنه حجة، وهو من المحبين لنا على محبتهم فلا تقطعوا عنه مخابرتكم على الدوام. (تحريراً في 8 ربيع الأول سنة 1327) (الفقير إلى الله: محمود شكري الحسيني الألوسي عُفي عنه) وجاء في الرسالة (6) (ص67-68): "ولا أقدر أن أعبِّر عن السرور الذي داخلني من اهتمامكم بنشر آثار شيخ الإسلام، فجزاكم الله عن هذا السعي خير الجزاء. وقد كنت سألت سيادتكم عن ((شرح العقيد الأصفهانية))، وبعد مراسلتكم بذلك ظفرنا بشرح لها ضمن ((الكواكب))، فنسخناه عل حساب الشيخ فرَّج الله، وأرسلناه له، وهو بنحو أربع كراريس، والآن ننسخ على حسابه ((قاعدة لشيخ الإسلام في اختلاف المذاهب))، وبعد الفراغ منها يعود الكاتب إلى نسخ بقية الجزء من ((الفتاوى))، وأما كتاب ((التوسل)) فقد نسخه الشيخ عبد الله الرَّواف وصححه وبعد مدة يذهب إلى مصر، وقد أوصيته أن يعطيه للشيخ فرج الله ليطبعه، فأرجوا من سيادتكم أن تكتبوا له باستلامه من الشيخ عبدالله هذا الكتاب ومباشرته بطبعه والعناية بتصحيحه، وأن تخبرني بتعريفه عن ذلك، لا زلتم ملجأً للمُستفيدين، ومنهلاً للطالبين، في 17 ربيع الأول سنة 1327 (العبد الفقير: جمال الدين القاسمي). وجاء في الرسالة (7) (ص69-71): "فإني تشرفت بكتابكم الكريم، وسررت باهتمامكم غاية السرور، وعَرَّفت الفاضل محمد حسين نصيف بما أمرتم به، وشوَّقته لإحياء آثار شيخ الإسلام التي عندنا في خزانة الكتب العمومية، والسعي إلى طبعها ولو عندنا، وأنّ تنوع أمكنة الطبع من أعظم الوسائط لسرعة النشر، فجزاكم المولى عن هذا السَّعي أحسن الجزاء". (26 ربيع الأول سنة 1327) (الفقير جمال الدين القاسمي). وجاء في الرسالة (24) (ص162): "ثم سيدي ظفرت في هذه الأيام بمجموعة في خزانة أصدقائنا بني الشطِّي أعارنيها جمال أفندي الشطِّي من الأدباء المتنورين الملازمين بعض دروسنا ومجامعنا، وجدتها محتوية على ((قاعدة في أن جنس فعل المأمور به أعظم من ترك المنهي عنه )) في نحو ثلاث كراريس لشيخ الإسلام، وعلى ((مختصر رد الشيخ على البكري )) في نحو عشر كراريس، مأخوذ عن تاريخ ابن كثير، لأن عنوانه: قال ابن كثير في ((تاريخه)) ثم ذكر ترجمة البكري والرد عليه، وعلى فتوى للشيخ في ((مسألة الذبائح))، وعلى ((فصل في طواف الحائض، والحنب والمحدث))، للشيخ منقول على خط ابن القيم في ستة كراريس، رأيت أهم ذلك رده رحمه الله على البكري، فهل يوجد الأصل بتمامه عندكم أو عند أحد؟ فإن كان فأرى من الضروري أن يطبع على حدة، وأن يشوَّق لذلك من ترون من السلفيين، وأرى إذا طُبِع أن يطبع بقطع النصف بحرف رقيق ليخف حمله ويستصحب". (12 شوال 1329) (جمال الدين القاسمي). وجاء في الرسالة (26) (ص74-75): "وبالجملة فالحالة عندنا عجيبة جدًّا، والعتب كله على عدم مؤازرة مثري السلفيين لأهل مشربهم والمستعان بالله، كتب إليَّ الشيخ فرج الله أن أرسل ما لدينا من ((تتمة شرح العقيدة الأصفهانية)) المنسوخة من الخزانة ليقابلها مع ما تفضلتم بإرساله منها وقريبًا نرسلها له إن شاء الله، حضرني جواب من الشيخ مقبل الذكير وفيه شكوى مما ناله في هذه الأعوام، ونال الشيخ قاسم الثاني أمير قطر، ووعد أنه إذا آنس يسرًا وحسن حالاً أن يخابرنا، ثم ذكر لي أن أعلمه إجمالاً بما يكلف طبع تلك الآثار المنوعة، فقلت له في الجواب: أن هذا لا يمكن تقديره، بل يطبع بمقدار ما يرسل إن كثيراً أو قليلاً؛ لأن لدينا آثار الشيخ صغيرًا وكبيرًا، وأشرت عليه أن يرسل إذا آنس سعة مقدار مائة جنيه، وتكون المعاملة على أصولها من أخذ الوصولات من النساخ باستيفاء أجورهم، وكذلك من مديري المطبعة، وكل ما يكلف يحفظ في دفتر مخصوص فعسى أن يتفضل المولى عليه، يهمني الآن طبع كتاب ((الردّ على البكري))، وهو وإن كان أورد ابن كثير جلّه ولم يورده بتمامه إلا أن الفرح بطبع ما وجد حتى نظفر بأصله لا يعادله شيء، والانتفاع بما فيه في هذه المدة لا يقدر قدرها، ولم أزل بانتظار من يستجيب لمولانا ممن كاتبه، وأرجو النيابة عني في تعزية أسرة فقيدنا روَّح الله روحه ورضي عنه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (في 29 ذي الحجة سنة 1329) (جمال الدين القاسمي). وجاء في الرسالة (27) (ص182): "و((ردُّ البكري)) كما أنكم مهتمون بنشره كذلك الفقير، وقد كاتبت بعض علماء نجد على استنساخه فوعدوا ولم يفوا، حتى أن حفيد الشيخ محمد بن عبدالوهاب شيخ النجديين كتب لي قبل أشهر كتابًا، ذكر لي أن عندهم من كتب الشيخين ما ليس عند أحد، وقال: أي كتاب تريده منها فنحن نرسله إليك مع كمال المسرة". وجاء في الرسالة (39) (228-229): "كان صديقنا الشيخلي زارنا، وأطلعني على ما أمرتم به، وأراني عدة كراريس مما نسخ من كتاب شيخ الإسلام -يعني به نقص أساس التقديس-، فوعدته بأنه متى تمَّ مقدار جزء منه و جلدناه، أُرسل مع بعض إخواني إلى المكتبة وأقابل موضعًا منه غير معين، فإن رأيت الصواب يغلب عليه فيها، وإلا استأجرنا من يقابله كله؛ لأنه بدون المقابلة لا فائد منه أصلا". وكتب القاسمي رسالة لنصيف في 26 ربيع الأول سنة 1327 هـ قال فيها: حضرة الأخ الفاضل، والمحب الكامل، زاده المولى توفيقا، ومشيًا على منهج السلف وتحقيقًا، ونفعنا بمحبته، وجمعنا في مستقر رحمته، آمين. أما بعد: فيا أيها الأخ في الله، والمحب لوجه الله، حضرني اليوم تحرير من السيد العلامة النحرير، حضرة مولانا السيد شكري أفندي الألوسي، أيده الله ،يذكر لي أن جنابكم حررتم له كتابًا تطلبون فيه من حضرته بعض كتب شيخ الإسلام تقي الدين -رضي الله عنه وأرضاه-، وجعل في أعلى فرادس الجنان مأواه، وجازاه عن الإسلام خير ما جازى من ارتضاه، آمين، وذلك: ((الرد على ابن سبعين))، و((التسعينية))....إلخ، وأنه عرف حضرتكم في هذا الشأن، ولقد أدخل السيد شكري أفندي عليّ السرور الزائد، بما نوّه لي عن فضلكم، وصلاحكم، وكمالكم، وغيرتكم على نشر آثار السلف، لا سيما آثار شيخ الإسلام -رضي الله عنه-، فإن هذا في غاية أمنيتنا، ونهاية رغبتنا، وقد حمدت الله وشكرته على أن قيض لهذ الشأن أمثالكم، ومن مدة كنت كاتبت السيد شكري أفندي وعرفته بأن محبي السلف، من الواجب عليهم الآن أن ينهضوا لإحياء آثارهم ونشرها بواسطة الطبع، وأن يجاروا غيرهم من الذين ينشرون الكتب التي لا تزيد إلا خبالاً وضعفًا في العقيدة، فإن أكثر المطابع ترغب الآن في التجارة، ولا يهمها إلا الكسب الدنيوي، وإن فاتهم الربح الأخروي، مع أن في الأحمديين والسلفيين بقية عظمى من أهل الخير والصلاح، فيا سيدي البدار البدار، والسباق السباق، فما لنا إلا أمثال همتكم، أحياكم المولى الحياة الطيبة، وزادكم نفعا وانتفاعًا، أخي ! تعلمون أن شيخ الإسلام توفي بدمشق، وأن رسائله معظمهما، والحمد لله في دمشق، وإن فقد منها شيء، أو طار من الشام إلى غيرها، إلاَّ أن في المكتبة العمومية عندنا من رسائله وقواعده في كتاب ((الكواكب)) الذي جمعه الشيخ ((ابن عروة)) وكتب فيه جملة وافرة من تآليف شيخ الإسلام، وبها ما يكفي ويشفي، إلى أن قال: ثم أرى أن نسعى بطبع شيء من رسائله عندنا في الشام؛ لأن المطابع الآن كثرت فيها، والحمد لله، والقصد الإسراع والسباق إلى هذه الخيرات، وإن يكن بعض المطابع في مصر تعتمدون عليها في ذلك، ولكن القصد إشغال عدة مطابع لنرى تلك الدرر انتشرت بسرعة، ولا يخفى فضلكم أن أعظم واسطة لنشر المذهب السلفي هو طبع كتبه، وأن كتابًا واحدًا تتناوله الأيدي على طبقاتها خير من مئة داع وخطيب؛ لأن الكتاب يبقى أثره، ويأخذه الموافق والمخالف، واعرف أن كثيراً من الجامدين اهتدوا بواسطة ما طبعناه ونشرناه، اهتداءً ما كان يظن، والحمد لله على ذلك. (في 26 ربيع الأول سنة 1327) (الفقير إليه تعالى: جمال الدين القاسمي). وانظر: كتاب ((جمال الدين القاسمي وعصره )) لظافر القاسمي (585-589). وقال الآلوسي كما في "علامة الكويت الشيخ عبد الله الخلف الدحيان" (128): "يذكر –أي: التويجري- أن كتاب "نقض الأساس" فيه نقصان كثير، فأجبته أن الأجرة بالغة ما بلغت تصلكم بواسطة أخينا عبد الله من غير تقصير، فما أرى هذا النقصان إلا فروة سبع، كما في الأمثال العامية".اهـ قلت: هذه نصوص وافرة في بيان كذب ادعاء أسامة الأزهري على آثار شيخ الإسلام، وتصويره إياها أنها مجهولة غير مرغوب فيها، وأن مكتبات المخطوطات قد خلت منها، كأن الأمَّة –على دعواه- تخلَّصت من هذه الآثار؛ لأنها رفضتها. قال محمد ناصر العجمي –جامع الرسائل- (ص11) في سرده لمضمون الرسائل: "السؤال بإلحاح عن كتب ورسائل شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية -رحمه الله تعالى- وتتبع مخطوطاته، والسعي الحثيث في محاولة نشرها ونسخها والاعتناء بها، بل أن بداية المراسلات بينهما كانت مبنية على ذلك، وقد كشفت هذه الرسائل أن القاسمي والآلوسي كان لهما دور فعّال في نشر عدد ليس بالقليل من كتب شيخ الإسلام. يقول القاسمي([2]) في إحدى رسائله مخاطبًا الآلوسي: "ولا أحد ينسى ما لمولانا ـ حرسه الله ـ من المقام المحمود في هذا المجال –يعني نشر كتب ابن تيمية-، وسعيه الليل والنهار محتسبًا وجه المتعال، وسيخلِّد له التاريخ لسان صدق يرتاح له أنصار الفضل، ورجال الحق. ويقول أيضًا في رسالة أخرى له: "وإنما المهم نسخ آثار شيخ الإسلام التي في الخزانة، وتتبع المهم منها...".اهـ قلت: ومن تأمَّل هذه المقاطع من الرسائل، يستنبط منها ما يلي: الحرص الشديد على نشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، والتعاون الحثيث على هذا الأمر، بين كلٍّ من: الآلوسي، والقاسمي، والشيخ قاسم الثاني أمير قطر، وعبدالقادر التلمساني –من تجار جدة-، ومحمد حسين نصيف، ومقبل الذكير -من تجار البحرين-.وفي هذا إجابة على السؤال الذي طرحه الأزهري: "فمن الذي سعى إلى إخراج هذه الأطروحة، وإعادة طبعها وترويجها وجعلها هي الأصل العلمي؟!". القاسمي يعبِّر عن سروره البالغ من اهتمام الآلوسي بنشر آثار شيخ الإسلام. الآلوسي يقول: "ولي أمل عظيم في نشر كتب الشيخ جميعها عن قريب"، فهل يقول هذا مَن ظل أربعين عامًا لا يجد أثرًا لشيخ الإسلام؟! القاسمي يبين أن طبع كتاب –ومنها كتب ابن تيمية- خيرٌ من ألف داع يتفرقون في الأقطار؛ وهذا يؤكد مدى الإجلال والاعتناء بطبع كتب ابن تيمية. ذكر القاسمي أن الفرحة إيجاد نسخة "الردّ على البكري"، لا يُقدَّر قدرُها. قيام القاسمي بتشويق الشيخ الوجيه محمد حسين نصيف لإحياء آثار شيخ الإسلام التي عندهم في خزانة الكتب العمومية، والسعي إلى طبعها. أن الشيخ الوجيه محمد حسين نصيف من المحبين لنشر آثار السلف الصالح، خاصة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية. أن المكتبة العمومية في دمشق في زمن القاسمي والآلوسي كان فيها جملة وافرة من رسائل ابن تيمية وقواعده مجموعة في كتاب ((الكواكب)) الذي جمعه الشيخ ((ابن عروة))، وكتب فيه جملة وافرة من تآليف شيخ الإسلام. بل لقد صنَّف أبو المعالى محمود شكري الآلوسي كتابين هامَّين في الذبِّ عن التوحيد ومعتقد السلف ضد الخرافي الصوفي النبهاني: الأول: سمّاه: "غاية الأماني في الردّ على النَّبهاني"، يرد فيه على كتاب النَّبهاني: "شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق". والثاني: سمَّاه: "الآية الكبرى على ضلال النَّبهاني في رائيته الصغرى". وفي الكتاب الأول قد دافع محمود شكري الآلوسي دفاعًا حميدًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية ضد الطعون الفاجرة الصادرة من النَّبهاني، والتي تشبه طعون الأزهري. وقد ادعى النّبهاني على شيخ الإسلام دعوى تشبه دعوى الأزهري، حيث ادعى أنه لم يطبع من كتب ابن تيمية لم يطبع منها إلا عشرة كتب –يقلِّل منها-، وكأن الأزهري أخذ شبهته من كلام النّبهاني، فردّ الآلوسي عليه في غاية الأماني (1/161-162) قائلاً: "أما قوله: "وقد طبعوا إلى الآن عشرة كتب"، ثم عدَّدها مع الطعن والقدح فيها- فيقال له: أخطأت في الحساب، كما قد زغت عن جادة الحق والصواب، بل إن الذي طبع من كتب الشيخين ونحوهما نحو مائة كتاب ما بين مختصر ومفصل، منها ما طبع في مصر، ومنها ما طبع في المطابع الهندية، ومنها ما طبع في مكة شرّفها الله، وكل هذه الكتب كنوز علم ومصابيح هدى والحمد لله، كما أنها شجى لأعداء الدين والمبتدعة الملحدين، وإني أبشرك أيها المبتدع أن جميع كتب شيخ الإسلام وأصحابه ستطبع قريباً، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، حيث يظهر بها زيغ الملحدين، وافتراء السبكي وابن حجر-أي الهيتمي- وأضرابهما من المتبعين لهواهم، الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين".اهـ قلت: كأن الآلوسي يرد بكلامه هذا على أسامة الأزهري نفسه !! واعلم أن الأسرة الآلوسية خرج منها عدد من العلماء، منهم مَن كان ذابًّا عن معتقد ومنهج السلف الصالح محبًا لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أئمة السنّة. ومنهم: العلامة السلفي أبو البركات نعمان خير الدين الآلوسي –رحمه الله –عمُّ محمود شكري الآلوسي-، ومن كتبه الفذَّة التي دافع بها عن ابن تيمية دفاعًا حميدًا كتابه: "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين"، وقد بيّن سبب تأليفه للكتاب كما في (ص13-14) من أنه اطَّلع على عبارات في خاتمة الفتاوي الشهيرة بـ((الفتاوى الحديثية)) لشهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر الشافعي الهيتمي: "قد أزرى فيها، وشنَّع بظاهرها وخافيها، على جامع العلوم الربانية، ومحور التصنيفات العديدة، ذي الآراء السديدة، المؤيدة للشريعة الأحمدية، إمام الأمة في عصره، ومجمع علوم الأئمة في دهره، ترجمان القرآن، وآخر مجتهدي الزمان ذي الكرامات الساطعة، والبراهين اللامعة، حجة الأنام، شيخ الإسلام: تقي الدين أحمد أبي العباس الشهير بابن تيمية الحراني الحنبلي، نفعنا الله تعالى والمسلمين بعلومه وأسكنه في المقام العلي، رماه فيها بثالثة الأثافي؟ وعزا إليه -وحاشاه- كل عيب ضافي، ونسب إليه بعض العقائد المخالفة لأهل السنة، التي لم يكن البعض منها مسطورًا في كتبه، وليس له في البعض الآخر سوء المقاصد، مع أنه قد صرح في سائر تأليفاته بخلاف تلك المرويات وبضد هاتيك المعزوات، وكذا في وقت المحنة. فتبين عند النقاد أنه منا بريء، وعن ضرها عرى، وبعضها افتراء صرف في معاصريه الراوين، أو الحسدة والمخالفين، الذين لا يذكرون موقفهم بين يدي رب العالمين".اهـ قلت: وأسامة الأزهري يسير على خطا الهيتمي، وكأنه لا يذكر موقفه بين يدي ربِّ العالمين!! وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري يتَّبع إن شاء الله .... ([1]) قال الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن آل بسَّام في كتابه "علماء نجد خلال ثمانية قرون" (1/438) في ترجمة الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد بن عيسى (ت 1329 ه): "حدثني الشيخ الوجيه الأفندي محمد حسين نصيف –رحمه الله- قال لي: كان الشيخ أحمد بن عيسى يشتري الأقمشة من الشيخ عبدالقادر بن مصطفى التلمساني –أحد تجَّار جُدة- بمبلغ ألف جنيه ذهبًا، فيدفع له منها أربعمائة ويقسّط عليه الباقي، وآخر قسط يحل يستلمه الشيخ التلمساني إذا إلى مكة للحج من كل عام، ثم يبتدءون من أول العام بعقد جديد، وكان الكفيل للشيخ أحمد بن عيسى هو الشيخ مبارك المساعد من موالي آل بسَّام، وكان صاحب تجارة كبيرة في جدة، ودام التعامل بينهما زمنًا طويلاً، وكان الشيخ أحمد بن عيسى يأتي بالأقساط في موعدها المحدَّد لا يتخلَّف عنه ولا يماطل في أداء الحق، فقال له الشيخ عبدالقادر: إني عاملت الناس أكثر من أربعين عامًّا، فما وجدت أحسن من التعامل معك –يا وهَّابي- فيظهر أن ما يُشاع عنكم يا أهل نجد مبالغ فيه من خصومكم السياسيين، فسأله الشيخ أحمد أن يبين له هذه الشائعات، فقال: إنهم يقولون: إنكم لا تصلون على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تحبونه، فأجابه الشيخ أحمد بقوله: سبحانك هذا بهتان عظيم، إن عقيدتنا ومذهبنا أن مَن لم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، فصلاته باطلة، ومَن لا يحبه فهو كافر، وإنما الذي ننكره نحن –أهل نجد- هو الغلو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، كما ننكر الاستعانة، والاستغاثة بالأموات، ونصرف ذلك لله وحده. يقول الشيخ الراوي عن محمد نصيف عن الشيخ عبدالقادر التلمساني: فاستمر النقاش بيني وبينه في توحيد العبادة ثلاثة أيام حتى شرح الله صدري للعقيدة السلفية، وأما توحيد الأسماء والصفات الذي قرأته في الجامع الأزهر، فهو عقيدة الأشاعرة وكتب الكلام مثل السنوسية وأمّ البراهين وشرح الجوهرة وغيرها، فلهذا دام النقاش فيه بيني وبين الشيخ ابن عيسى خمسة عشر يومًا، بعدها اعتنقت مذهب السلف، وصرت آخذ التوحيد من منابعه الأصيلة الكتاب والسنة وأتباعهما من كتب السلف، فعلمت أن مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم بفضل الله تعالى ثم بحكمة وعلم الشيخ أحمد بن عيسى. ثم إن الشيخ التلمساني أخذ يطبع كتب السلف، فطبع منها النونية لابن القيم، والصارم المنكي لابن عبدالهادي، والاستعاذة من الشيطان الرجيم لابن مفلح، والمؤمِّل إلى الرد الأول لأبي شامة، وغاية الأماني في الردّ على النبهاني للآلوسي وغيرها، وصار التلمساني من دعاة عقيدة السلف. قال الشيخ محمد نصيف: فهداني الله إلى عقيدة السلف بواسطة الشيخ عبدالقادر التلمساني، فالحمد لله على توفيقه".اهـ قلت: وانظر أيضًا كتاب "محمد نصيف: حياته وآثاره" (ط المكتب الإسلامي). ([2]) والقاسمي رغم حرصه على نشر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، إلا أنه خالف منهج شيخ الإسلام –الذي هو منهج السلف الصالح- في أمور تأثر فيها بمنهج شيخه محمد عبده، والذي بدوره كان متأثرًا بمنهج جمال الدين الأفغاني الشيعي البابي الماسوني، والأخيران كانا من رءوس الماسونية. وقد صنَّف القاسمي كتابين -وهما: "تاريخ الجهمية والمعتزلة"، و"ميزان الجرح والتعديل"- تحامى فيهما في الدفاع عن الجهمية والمعتزلة والخوارج، بل دافع عن إمام التعطيل الجهم بن صفوان.
  13. أسامة الأزهري وأطروحة ابن تيمية بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد، فقد سئل أسامة الأزهري –في مقطع مسجل-: "عن استشهاد عدد من التيارات المتطرفة بكتابات ابن تيمية، وهل هذا يفرض إعادة النظر في كتابات ابن تيمية؟! فأجاب: وهل ابن تيمية معصوم عن الخطأ المعصوم عن الخطأ أنبياء الله تعالى فقط، وما دون الأنبياء فليس أحد بمعصوم، بل كُلٌّ يأخذ بقوله ويرد، أمَّا عن ابن تيمية بخصوصه فأستطيع أن أقول - وقد قلت هذا من قبل في عدد من البرامج والحورات-: هناك فارق كبير بين إمام من الأئمة يترك للأمة من بعده أطروحة علمية مستقرة وبين عالم من العلماء يترك للأمة من بعده أطروحة علمية قلقة هناك شخصيات قلقة في تاريخ العلم عندنا هناك شخصيات مستقرة في تاريخ العلم فمثلا الإمام النووي بكتابه شرح صحيح مسلم بكتابه رياض الصالحين بكتابه الأربعين النووية بكتابه المنهاج في فقه السادة الشافعية الذي صار معتمدًا في تدريس الفقه في زمان النووي في القرن السابع إلى جيلنا الذي عشناه ودرسنا فيه كتب الإمام النووي يعني على مدى ثمانية قرون من الزمان اعتمدت الأمة على كتب الإمام النووي، صار معتمدًا في التدريس؛ فالإمام النووي أطروحته ومؤلفاته تشكل أطروحة علمية مستقرة. ابن تيمية -رحمه الله- عاش حياته بأكملها في مناظرات وجدل وأكثر حياته كانت أطروحاته صادمة لعلماء زمانه وسجن كثيرًا، ودعي لمجالس المناظرة كثيرًا، وانعقدت المجالس لفحص أطروحاته الفكرية كثيرًا بما يعني أن نتاجه أطروحات فكرية قلقة ما زالت تحظى بإعادة الفحص والنظر والتقييم من العلماء منذ أن توفي وإلى يوم الناس هذا". قلت: أمَّا قول الأزهري: "وهل ابن تيمية معصوم عن الخطأ المعصوم عن الخطأ أنبياء الله تعالى فقط، وما دون الأنبياء فليس أحد بمعصوم؟!"، فهذا حقٌّ لا نماري فيه، ولو توقف عند هذا الحدِّ، لكان الأمر مقبولاً. وأما دعواه بعد ذلك أن أطروحة ابن تيمية الفكرية –كذا- قلقة، فهذا يحتاج إلى وقفة إنصاف، ليس دفاعًا عن ابن تيمية لذاته، إنما دفاعًا عن معتقد ومنهج السلف الصالح الذي ذبَّ عنه ابن تيمية طيلة حياته، ومن أجل ذلك دخل في مناظرات مع طائفة من علماء عصره الذين تحاموا في الدفاع عن البدع وأهلها، وجمدوا على التقليد الأعمى والتعصُّب المقيت، وأبوا أن ينقادوا للأدلة الناصعة التي ساقها لهم شيخ الإسلام، ولَمَّا عُدِموا الحجة العلمية التي بها يجابهون الحقَّ الجلي الذي دعاهم إليه شيخ الإسلام، لم يجدوا بدًّا من التمالئ عليه عند السلطان، وافتراء الأكاذيب عليه؛ كي يسجن. وابتداء أقول: إن ابن تيميه ليس لديه أطروحة فكرية ابتدعها من بنات أفكاره، كحال أهل الأهواء، إنما هو ناقل لنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمّة. وصدق بهاء الدين أبو البقاء محمد بن عبدالبر السُّبكي حين قال: "والله –يا فلان- لا يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصُدُّه هواه عن الحقِّ بعد معرفته به" (الردُّ الوافر ص99). وهذه كتب شيخ الإسلام بين أيدينا مليئة بنقولات عن أئمة السلف الصالح من الصحابة والتابعين في القرون الثلاثة الأولى المفضَّلة من الهجرة. وإليك مثالاً واحدًا من عشرات الأمثلة في كتب شيخ الإسلام يحشد فيها أقوال السلف الصالح حشدًا في بيان معتقدهم الصافي الذي تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يتلقوه عن غيره. قال شيخ الإسلام في "شرح العقيدة الأصفهانية" (ص208-217/ط دار الإمام أحمد): "وأما أقوال السلف وعلماء الإسلام في هذا الأصل –أي: إثبات أفعال الله تعالى-، وما في ذلك من نصوص الكتاب والسنة فهذا أعظم من أن يسعه هذا الشرح، ومن كتب التفسير المنقولة عن السلف مثل تفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، ومحمد بن جرير الطبري، وأبي بكر بن المنذر، وأبي بكر بن عبد العزيز، وأبي الشيخ الأصفهاني، وأبي بكر بن مردويه وغيرهم، من ذلك ما تطول حكايته، وكذلك الكتب المصنفة في السنة والرد على الجهمية وأصول الدين المنقولة عن السلف مثل كتاب «الرد على الجهمية» لمحمد بن عبد الله الجعفي شيخ البخاري، وكتاب «خلق الأفعال» للبخاري، وكتاب السنة لأبي داود السجستاني ولأبي بكر الأثرم، ولعبد الله بن أحمد بن حنبل، ولحنبل بن إسحاق، ولأبي بكر الخلال، ولأبي الشيخ الأصفهاني، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي عبد الله بن مندة وأمثالهم، وكتاب «الشريعة» لأبي بكر الآجري، والإبانة لأبي عبد الله بن بطة، وكتاب الأصول لأبي عمر الطلمنكي، وكتاب رد عثمان بن سعيد الدارمي وكتاب الرد على الجهمية له وأضعاف هذه الكتب، وذلك مثل ما ذكره الخلال وغيره عن إسحاق بن راهويه حدثنا بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (5) أي ارتفع. وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: استوى إلى السماء ارتفع، وقال مجاهد: استوى: علا على العرش. وقال البغوي في تفسيره: قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء، وكذلك قال الخليل بن أحمد، وروى البيهقي عن الفراء: استوى أي صعد وهو كقول الرجل كان قاعدا فاستوى قائمًا. وروى الشافعي في مسنده عن أنس بن مالك أنه قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش. وروى أبو بكر الأثرم عن الفضيل بن عياض قال: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف فأبلغ فقال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ}، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه ومثل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم أن ينزل عن مكانه كيف؟ وإذا قال لك الجهمي: أنا كفرت بربٍّ ينزل، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال، والفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء. قال البخاري: وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي، وروى الخلال، عن سليمان بن حرب، أنه سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث ينزل الله إلى السماء الدنيا أيتحول من مكان إلى مكان، فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء، وهذا نقله الأشعري في كتاب المقالات عن أهل السنة والحديث فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين ولا يحدثون في دينهم ما لم يأذن الله ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، وأن الله يقرب من خلقه كما يشاء كما قال: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}. ثم قال الأشعري: (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب). وقال أبو عثمان النيسابوري الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة في السنة قال: ويثبت أهل الحديث نزول الرب سبحانه في كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون له ما أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهوه فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله وكذلك يثبون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة وقوله عز وجل: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}. وقال: سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب: سمعت أحمد بن سعيد الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ فقال: نعم، فقال بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة قال: نعم قال: كيف ينزل؟ قال أثبته فوق حتى أصف لك النزول، فقال الرجل: أثبته فوق، فقال إسحاق: قال الله تعالى: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} فقال له الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة، فقال إسحاق: أعز الله الأمير من يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟! وروى بإسناده عن إسحاق قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي تروونه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير لا يقال لأمر الرب كيف ينزل؟ إنما ينزل بلا كيف. وبإسناده أيضا عن عبد الله بن المبارك أنه سأله سائل عن النزول ليلة، النصف من شعبان، فقال عبد الله: يا ضعيف ليلة النصف أي وحدها، هو ينزل في كل ليلة فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ ألم يخل ذلك المكان؟ فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء. قال أبو عثمان النيسابوري: فلما صح خبر النزول عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقرّ به أهل السنة، وقبلوا الحديث، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعتقدوا تشبيها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا واعتقدوا وتحققوا أن صفات الرب لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق سبحانه وتعالى عمّا يقول المشبهة والمعطلة علوّا كبيرا. وروى البيهقي بإسناده عن إسحاق بن راهويه قال: جمعني وهذا المبتدع- يعني ابن صالح- مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فثبتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء، فرضي عبد الله كلامي، وأنكر على إبراهيم. وقال حرب بن إسماعيل الكرماني في كتابه المصنف في مسائل أحمد وإسحاق مع ما ذكر فيها من الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم قال: (باب القول في المذهب) هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من علماء العراق والحجاز والشام عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب «2»، أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن سبيل السنة ومنهج الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم. وذكر الكلام في الإيمان والقدر، والوعيد والإمامة، وما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة وأمر البرزخ وغير ذلك إلى أن قال: وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش وللعرش حملة يحملونه وله حد الله أعلم بحده، والله تعالى على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ويسمع ويبصر، وينظر ويقبض، ويبسط ويفرح، ويحب ويكره، ويبغض ويسخط، ويغضب ويرحم، ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع، ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، متكلما عالما تبارك الله أحسن الخالقين... إلخ".اهـ قلت: فما هو قول الأزهري في أقوال هؤلاء الأئمة العظام، هل كانوا كذلك أصحاب أطروحات قلقة؟! وإن كان شيخ الإسلام عنده أطروحة قلقة تفرد بها، فهو بذلك يخالف هؤلاء الأئمة عبر القرون السابقة له في فهمهم للكتاب والسنة، فلِمَ نقل أقوالهم واعتبرها عمدة في معتقده الذي بسببه دخل في مناظرات، وابتُلي بالسجن؟! أليس هذا هو البهتان بعينه على هذا الإمام؟!! ولذلك على أسامة الأزهري –إن كان صادقًا مع ربِّه، ثم مع نفسه- أن يعترف صراحة أن مقصوده السلف الصالح من الصحابة والتابعين لا ابن تيمية فحسب، فهو لا يقبل فهمهم للكتاب والسنة، ولا يقبل معتقدهم الذي نقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقدِّم على منهجهم منهجَ مَن ناقض فهمهم مناقضة بيِّنة! فهو يقدِّم عليهم: الماتريدي، وأبا حامد الغزالي، والرازي، والسُّبكي، وابن عربي الطائي، وابن سبعين ... إلخ. فمن أهدى سبيلاً؟ ومَن أعلم بالكتاب والسنة؟ آلصحابة وأتباعهم بإحسان ؟ أم الخلوف أتباع الفلاسفة أرسطو وسقراط والكندي والفارابي؟! وكلُّ مصنَّفات شيخ الإسلام وما احتوته من ردود ومناظرات كلُّها مبنية على هذا الأساس المتين من النقولات عن أئمة السلف الصالحين. وإنما دخل هذه المناظرات ضد خصوم هذا المعتقد الصافي الذين أرادوا أن يستبدلوه بأفهام المتكلِّمين والفلاسفة، كما يريد أسامة الأزهري وأشباهه من الأشاعرة –الذين خالفوا حقيقة معتقد الأشعري –أي معتقد السلف الصالح- الذي رجع إليه في طوره الأخير-. وما أشبه أسلوب الأزهري في الغمز في شيخ الإسلام ابن تيمية بأسلوب الصَّفَدي كما في كتاب "موقف خليل بن أيبك الصفدي من شيخ الإسلام" (ص72-73) قال: "استخدم الصفدي ألفاظًا، يرجح الدراس فساد نيته في اختيارها، مثل قوله، وهو يترجم لأحد خصوم أبي عباس: "...وكان ممن يعبث بالشيخ تقي الدين ابن تيمية ويؤذيه بلسانه ..."، وقوله في ترجمة الوجودي القادم من الأناضول، تلميذ الصدر القونوي (ت 673ه) : كريم الدين الأيكي (ت710 ه) هذا الذي أخبر الذهبي بأن الصوفية أثبتوا فسقه من ستة عشر وجهًا: "... وكان الشيخ تقي الدين ابن تيمية كثير الحطِّ عليه، غزير النط –على رأي العوام- إليه"، وليس في بقية كلام الصفدي ما يشعر بتصويبه حطِّ ابن تيمية عليه، أو بيان أن ذلك كان منه للتحذير من ضلالته، فهي مقولة بغرض السخر والاستهزاء، وخلة السوء، هذه عرفها الإمام الدماميني من خُلُق الصفدي في بعض كتبه، فقال: "... وأنه لأجدرُ بالطنْن عليه، فإنه أورد كلاما ساقطًا ...".اهـ قلت: وأين خصوم شيخ الإسلام الذين ردَّ عليهم؟ هل بقيت أطروحاتهم القلقة؟! أم طاشت وانمحت، وانمحى ذكرهم، وصاروا نسيًّا منسيًا؛ تحقيقًا لسنة الله سبحانه الكونية المذكورة في قوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً، وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ}؟! وقيل لأبي بكر بن عياش: إن بالمسجد قومًا يجلسون ويجلس إليهم، فقال: من جلس للناس، جلس الناس إليه، ولكن أهل السنة يموتون، ويحيى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فكان لهم نصيب من قوله: {ورفعنا لك ذكرك}، وأهل البدعة شنؤوا ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فكان لهم نصيب من قوله: {إن شانئك هو الأبتر}. وأضرب للأزهري مثالاً باثنين منهم، وهما: البكري، والإخنائي. أما البكري، فقد كان يُنسَب إلى الشافعية، فلم يترجم له إلا نفر يسير من أصحاب تراجم الشافعية في أسطر قليلة، ولا يعرفه أحد إلا من خلال ردِّ شيخ الإسلام عليه، ولولا ذلك ما عرفه أحد. وأما الإخنائي، فلا يختلف عنه كثيرًا، فأيضًا لم يترجم له إلا نفر يسير ممّن ترجم للمالكية، وما عرفه أحد إلا عن طريق ردّ شيخ الإسلام عليه. لكن قد يقول قائل: قد بقي ذكر بعض رءوس أهل الأهواء، بل بعض رءوس الزنادقة والكفَّار، وبقيت مؤلَّفات بعضهم؟! والجواب: إن بقاء ذكر بعض هؤلاء وبقاء بعض آثارهم إنما هو فتنة وابتلاء؛ {لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، وتحقيقًا لسنن ربانية أخرى، وهي: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}، {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. كما بقي إبليس وأنظره ربُّ العالمين إلى يوم الدين ابتلاء للعباد، حيث سأل الربَّ سبحانه: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}، فأمهله الله عز وجل اختبارًا لعباده. وقد حذَّر الله عز وجل عباده من عبادة الشيطان وطاعته: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}. وأهل الأهواء والزنادقة والملحدون والمنافقون إنما هم أعوان إبليس على فتنة الناس. وكذلك أبشر الأزهري بأن طعونه وشبهاته المتهافتة حول شيخ الإسلام وغيره من الأمناء من علماء الأمَّة سوف تذروها الرياح، وتصير نسيًا منسيًّا، وإن بقيت فإنها تبقى مع سوء الذكر، ويكون بقاؤها ابتلاء لمن يأتي بعده يُبتلى بها في دينه، فمن تشربها فقد فُتِن؛ ليزداد بها الأزهري سيئات يحملها على ظهره يوم القيامة إلا أن يتوب إلى الله ويتبرأ منها قبل موته. ومن الأطروحات القلقة التي نبذتها الأمَّة نبذ النَّواة، وأنكرها علماء الأمَّة الثقات: أطروحة ابن عربي الطائي. فقد أجمع العلماء عبر القرون إلى وقتنا هذا على تكفير ابن عربي، وقد قام د. دغش العجمي في كتابه "ابن عربي: عقيدته وموقف المسلمين منه من القرن السادس إلى القرن الثالث عشر" بنقل أقوالهم، ومِمّن نقل الإجماع على كفره فيما نقله د. دغش في كتابه: البقاعي كما في "تحذير العباد من أهل العناد" (194) حيث قال متحدثًا عن ابن عربي وابن الفارض: "وقد كفرهما العلماء بسبب ما نقل من حالهما، وما صدق ذلك من كلامهما، أما ابن عربي، فالمتكلمون فيه كثير جدًّا، وكان له علم كثير في فنون كثيرة، وله خداع كبير غر به خلقًا، فأثنى عليه لأجل ذلك ناس من المؤرخين ممن خفي عليهم أمره، أطبق العلماء على تكفيره وصار أمرًا إجماعيًّا". وقال العلامة شرف الدين إسماعيل بن المقرئ الشافعي في ما نقله عنه السخاوي في (القول المنبي): "فلما دخلت عدن أوقفني بعض ساكنيها على سؤالات عن أشياء من كلامه، وعليها أجوبة الفقهاء بمصر والشام، وقد أجرو عليه ما يجري على الكافرين من أحكام". وقال العلامة الأهدل الشافعي في "كشف الغطاء" (217): "وقام القاضي شرف الدين إسماعيل بن المقرئ، ولم يكن قبل ذلك يعرض لشئ من ذلك، فألهمه الله تعالى فطالع "الفصوص" وبعض "الفتوحات"، وأخذ من كلام ابن عربي مسائل، فاستأذن السلطان الناصر في إظهارها واستفتاء الفقهاء فيها، ووعده السلطان بالقيام في نصرة الحق إن أجمع الفقهاء، فظهرت الفضائح فأفتى أكثر فقهاء الوقت بتكفيرهم، بناء على صحة تلك المقالات عنهم، وعلى ما يعرفونه من النصوص في باب الردة، وإن كانوا لم يطالعوا تلك المقالات من كتبه، فبعضهم أطلق التكفير، وبعضهم علق بصحة ذلك". ثم قال في (227): "وقد صنَّفت كتابًا في بيان حقائق التوحيد وعقائد الموحدين وبينت مخالفته لهم وقررت تكفيره وتكفير أهل طريقته عند جميع العلماء المحققين من المفسرين والمحدثين والأصوليين والصوفية المحقِّقين وبالله توفيقي". ونقل السخاوي في "القول المنبي" عن البلاطنسي الشافعي قوله: "وأما أقوال العلماء فمتفقة على أن ابن عربي من الكافرين ومن المقبوحين". وهذه نماذج من عشرات الأقوال التي نقلها د.دغش في كتابه في تكفير ابن عربي الطائي: قال ابن الجوزي –رحمه الله- في "كيد الشيطان"(64): "وزاد الملاحدة الوجودية على هؤلاء –يعني المشركين- بما قال شيخهم ابن عربي:" إن الولي أعلى درجة من الرسول؛ لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ من الملك الذي يأخذ الرسول منه"، فهو أعلى منه بدرجتين، والمعدن عندهم هو العقل، والملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهم –بزعمهم- يأخذون عن العقل، ولهذا صاروا عند أنفسهم فوق الرسول؛ فجعلوا أنفسهم وشيوخهم في التلقي أعلى من الرسول بدرجتين، وإخوانهم من المشركين جعلوا أنفسهم في ذلك التلقي بمنزلة الأنبياء ولم يدعوا أنهم فوقهم". نقل السخاوي في "القول المنبي": "أول من علمته طعن فيه منهم العلامة معين الدين أبو بكر بن نقطة". العلامة ابن الصلاح، ذكره السخاوي وابن فهد في من طعن في ابن عربي كما في "القول المنبي"، ومختصره لابن فهد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- في (الفتاوى) (2/247): "وحدثني شهاب المزي عن شرف الدين ابن الشيخ نجم الدين بن الحكيم، عن أبيه عن الشيخ إسماعيل الكوراني أنه كان يقول: "ابن عربي شيطان، والحريري شيطان". ذكر السخاوي في "القول المنبي" عن ابن مرزوق أنه قال: "وأفتى العز بن عبدالسلام وابن الحاجب بتكفيره". عبد الله بن عبد العزيز بن عبد القوي القرشي المهدوي، تقي الدين أبو محمد له مشيخة سماها: "مجتبى الأزهار فيمن لقيته من علماء الأمصار" ذكر ابن عربي فيها، وقال: "إن فقهاء دمشق شهدوا بتكفيره لما اطلعوا على بعض كلامه". محمد بن عمر بن علي بن حمُّويَه الدمشقي الكاملي أبو المظفر صدر الدين، له رسالة في ذم ابن عربي انظر ملحق "القول المنبي". جمال الدين محمد بن نصر الله بن واصل الحموي الشافعي –قاضي حماة- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(2/243-244): "وحدثني صاحبنا الفقيه أبو الحسن علي بن قرباض عن جمال الدين بن واصل، وشمس الدين الأصبهاني: أنهما كانا ينكران كلام ابن عربي ويبطلانه ويردان عليه.... وأن ابن واصل لما ذكر كلامه في التفاحة التي انقلبت عن حوراء فتكلم معها أو جامعها فقال: "والله الذي لا إله إلا هو، يكذب" ولقد بر في يمينه". تقي الدين محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري المصري المالكي ثم الشافعي، المعروف "ابن دقيق العيد" ذكره ابن طولون الصالحي –رحمه الله- كما في "القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية"(2/538-539): "فيمن يعتقد ضلال ابن عربي ويعده مبتدعًا اتحاديًّا كافرًا". إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معالي الرقي الحنبلي، أبو إسحاق نزيل دمشق قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (14/522 ط غرب): "وممن حط عليه-يعني ابن عربي- وحذر من كلامه الشيخ القدوة إبراهيم الرقي". عبد الغفار بن أحمد بن عبد المجيد القوصي، المعروف بابن نوح ذكره السخاوي في "القول المنبي": "ضمن المنكرين على ابن عربي". سعد الدين الحارثي المصري الحنبلي، قاضي الحنابلة بالقاهرة كما في "العقد الثمين"(2/172-173): "سئل هو وجماعة من العلماء-سيأتي ذكرهم-عن بعض عبارات ابن عربي في "الفصوص" فقال الحارثي في جوابه: "وأجاب القاضي سعد الدين الحارثي قاضي الحنابلة بالقاهرة ما ذكر من الكلام المنسوب إلى الكتاب المذكور يتضمن الكفر ومن صدق به فقد تضمن تصديقه. مما هو كفر يجب في ذلك الرجوع عنه والتلفظ بالشهادتين ثم قال وكل هذه التمويهات ضلالات وزندقة وعبارات مزخرفة، وإشارات إلى ذلك لا يعرفها كل أحد فيعظم الضرر، وكل هذه التمويهات ضلالات وزندقة، والحق إنما هو اتباع كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقول هذا القائل: إنه أخرج الكتاب بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنام رآه، فكذب منه على رؤياه للنبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم". ومحمد بن يوسف شمس الدين الجزري الشافعي: قال في "العقد الثمين"(2/173-174)و "الفتح الرباني"(2/1027)وغيرها إجابة على السؤال الموجه للحارثي وغيره من العلماء: "الحمد لله، قوله-أي: ابن عربي-: "فإن آدم إنما سمي إنساناً..."إلى آخره تشبيه وكذب باطل، وحكمه بصحة عبادة قوم نوح للأصنام كفر، لا يُقَرُ قائله عليه، وقوله: "إن الحق المنزه هو الخلق المشبه" كلام باطل متناقض وهو كفر....."إلى آخر ماقال. عماد الدين الواسطي الشافعي ثم الحنبلي المعروف بـ"ابن شيخ الحزاميين" ألف ثلاث رسائل في ضلال ابن عربي ومن تبعه، كل واحدة منها في كراسة: الأولى: "البيان المفيد في الفرق بين الإلحاد و التوحيد". الثانية: "لوامع الإرشاد في الفرق بين التوحيد و الإلحاد". الثالثة: "أشعة النصوص في هتك أستار الفصوص". ذكر هذه الثلاثة: البقاعي في"تنبيه الغبي"(140) والسخاوي في "القول المنبي". وقال ردًّا على قول ابن عربي في "الفصوص"(1/62): "ولست سوى عينه، فاختلط الأمر وانبهم" وكفى بهذا كفراً، حيث يعتقد أن الحق ليس سوى العبد، وأن الأمر اختلط وانبهم فصار لا يتميز الخالق من المخلوق، ولا المخلوق من الخالق، نقله عنه السخاوي في "القول المنبي" ونقل أيضاً قوله عن ابن سبعين وابن عربي: "معاشر العلماء! فهل مع هؤلاء من الإسلام شئ؟!" إلى أن قال: "أين حال هؤلاء من حال السكارى؟! بل هم زنادقة، ولولا الملامة لنقلت من كلامه شيئاً كثيراً يصرح بالكفر والزندقة ولا يكني، وفي ذلك- كفاية للفطن اللبيب إن شاء الله تعالى، والواجب التحذير من زندقة هؤلاء، وإعلان أمرهم بين الناس لئلا يقعوا في هذه الطامات الموجبة للكفر المخرجة من دين الإسلام". أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلْطَانَ بْنِ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ أَبُو الْعَبَّاسِ الشَّافِعِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْقَاضِي شُقَيْرٍ قال الذهبي كما في "معجم الشيوخ"(1/48-49): "اشْتَغَلَ وَحَصَّلَ، ثُمَّ تَرَكَ، وَتَجَرَّدَ وَصَحِبَ الْفُقَرَاءَ الْمُجَرَّدِينَ الْحَرِيرِيَّةَ، وَاتُّهِمَ بِالاتِّحَادِ، وَقَدْ أَرَاهُ شَيْخُنَا مَا فِي فُصُوصِ الْحِكَمِ مِنَ الْبَلايَا فَتَبَرَّأَ مِنْهَا، وَقَالَ: مَاكُنْتُ أَعْرِفُ". قال إبراهيم الحلبي في "نعمة الذريعة"(128): "فالويل كل الويل لمن اطلع على هذا الإلحاد، ثم يعتقده مسلماً فضلاً عن اعتقاده وليًّا". وقال في"تسفيه الغبي"(44) عن ما نقله السيوطي عن ابن عربي أنه قال: "نحن قوم يحرم النظر في كتبنا"، أقول هذا هو البله بل السفه، وهل الولي يضيع زمانه فيما لا يفيد؟ فإذا كان يحرم النظر فيها، فلأي شيء يصنِّفها ويمتدح بما أودع فيها، ويمدحه ويدعوا لأتباعه ويذمُّ من يخالفه". قلت: وكذلك تتابع على تكفير ابن عربي وذمِّه عدد من أئمة أهل البدع والأهواء من الصوفية والأشاعرة ونحوهم، وهذه نماذج من أقوالهم: ابن مسدي: نقل السخاوي في "القول المنبي" عنه أنه قال في ابن عربي: "ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات؛ لهذا ما ارتبت في أمره". عز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام الشافعي الأشعري، أبو محمد المعروف بـ"سلطان العلماء"، سئل عن ابن عربي فقال: "شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجًا"، نقله عنه الذهبي في "سير أعلام النبلاء"(23/225، 48-49). قال نجم الدين الحكيم الصوفي كما نقل الذهبي في "تاريخ الإسلام"(15/347-348 ط الغرب) في ترجمة ابن إسرائيل: "وسلك في نظمه مسلك ابن الفارض وابن عربي...، وقد حضر مرّةً وقتًا وفيه نجم الدين ابن الحكيم الحموي، فغنى لهم القوال بقوله: وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هَذَا السّرّ مَن هُوَ ذائِقُ فقال ابن الحكيم: كفرت كفرت". رشيد الدين الحنفي البصروي: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(2/244): "وَحَدَّثَنِي ابْنُ بُحَيْرٍ عَنْ رَشِيدِ الدِّينِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ: كَان –أي ابن عربي- يَسْتَحِلُّ الْكَذِبَ، هَذَا أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ". قطب الدين ابن القسطلاني الصوفي ألَّف كتابًا في ابن عربي وطائفته، انظر "تنبيه الغبي"(139). برهان الدين إبراهيم بن معضاد الجعبري الشافعي الصوفي: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(2/240): "وَقَدْ حَدَّثَنِي أَحَدُ أَعْيَانِ الْفُضَلَاءِ: أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخَ إبْرَاهِيمَ الجعبري - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يَقُولُ: رَأَيْت ابْنَ عَرَبِيٍّ - وَهُوَ شَيْخٌ نَجِسٌ - يُكَذِّبُ بِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَبِكُلِّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللَّهُ. وَلَقَدْ صَدَقَ فِيمَا قَالَ؛ وَلَكِنَّ هَذَا بَعْضُ الْأَنْوَاعِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ الْكُفْرِ". ابن نور الدين الجعبري الطبيب الصوفي: قال تلميذه أحمد بن محمد السمناني فيما نقله عنه السخاوي في "القول المنبي": "وأما ما قلت ورويت عن الشيخ نور الدين عبد الرحمن فإني قد صحبته اثنين وثلاثين سنة، فما جرى على لسانه شئ من ذلك، بل كان لا يزال يمنع مطالعة مصنفات ابن العربي بحيث أنه لما سمع أن جماعة من أئمة زمانه اشتغلوا بدرس "الفصوص" راح إليهم في الليل، وأخذ الكتاب من أيديهم فحرقه وقطعه ومنعهم بالكلية عن ذلك". العلاء أبو الحسن التبريزي القونوي الشافعي الصوفي: قال الحافظ الذهبي كما في "ذيل تاريخ الإسلام"(333): حدثني ابن كثير "أنه حضر مع المزي عنده –القونوي- فجرى ذكر "الفصوص" لابن عربي، فقال: لا ريب أن هذا الكلام فيه كفر وضلال، فقال صاحبه الجمال المالكي: أفلا نتأول يا مولانا؟ قال: لا، إنما نتأول قول المعصوم" علي بن عبدالكافي السبكي الشافعي: قال في باب الوصية في شرحه على "المنهاج": "ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وغيره، فهم ضلال جهال، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلا عن العلماء" نقله البقاعي في "تنبيه الغبي"(143). عبدالرحمن بن أحمد الإيجي القاضي الشافعي الأشعري المعروف بـ"عضد الدين الإيجي" رأس الأشاعرة في زمانه قال -كما في "الرد على أباطيل كتاب "الفصوص" لابن عربي" للتفتازاني (233)-: "سئل عن كتاب ابن عربي "الفتوحات المكية" فقال: "أفتطعمون من مغربي -يابس المزاج بحَرِّ مكة ويأكل الحشيشة- غير الكفر". القاضي سراج الدين عمر بن إسحاق بن أحمد الهندي الغزنوي الحنفي أبو حفص قاضي الحنفية بالديار المصرية: كان من المكفِّرين لابن عربي، كما نقل ذلك السخاوي في "القول المنبي". سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني الأشعري: له كتاب رد فيه على ابن عربي وسماه "الرد على أباطيل كتاب "فصوص الحكم" لابن عربي" وقال عنه فيه في (235):"مميت الدين"، وقال في (244): "من تدين بدينهم –يعني ابن عربي وأمثاله- فهو أكفر الكافرين وأخسر الخاسرين". العلاء البخاري الحنفي الصوفي الأشعري: له رسالة في الرد على ابن عربي "فاضحة الملحدين وناصحة الموحدين" أثبتها البقاعي كما في "تنبيه الغبي"(39-164) والسخاوي في "القول المنبي" كفَّره فيها وكفَّر طائفته، وكان يقول عن ابن عربي: "أكفر الكافرين". جمال الدين عبدالله بن علي بن يوسف الدمشقي ثم القاهري الشافعي القادري يعرف بـ"ابن أيوب": كان ينفر من كلام ابن الفارض وابن عربي، ويحطُّ عليهما كما في "الضوء اللامع"(5/37)، ونقل كلام والده في تكفير ابن عربي. ابن الفالاتي الشافعي المصري: قال السخاوي في "الضوء اللامع"(8/198): "حتى إنه في كائنة جرت خطب في الحطِّ على ابن عربي وغيره من الاتحادية مصرحًا بالنّكار على منبر الأزهر". وقال السخاوي قرأت بخطه ما نصه –ومنه-: "والذي بان به رب الخلق أجمعين أنه رجل من الكافرين –يعني:ابن عربي- فلقد كفر من زعم أن مع الله آلهة آخرى فكيف من اعتقد جميع الموجودات آلهة؟! وناضل على هذا وفاخر، فعليه لعنة الله والملائكة والملائكة وجميع العباد....". أبو زكريا المناوي القاهري الشافعي الصوفي: قال السخاوي في ترجمته كما في "الضوء اللامع"(10/256): كتب بخطه ما نصه –ومنه-: "وأما ما يذكر في هذين الكتابين-يعني "الفصوص"و "الفتوحات" ولم أقف عليهما مما هو كفر صريح ....." إلى أن قال: "ومن اعتقد ظاهر هذا الكلام كفر". قال السيوطي في "تنبئة الغبي بتبرئة ابن عربي" قال: "اختلف الناس قديماً وحديثًا في ابن عربي: ففرقة تعتقد ولايته-وهي المصيبة- ....إلخ". قال الشيخ أمين الدين الأقسرائي -وكان رئيس الحنفية بمصر في زمانه- لما ذكر عنده قوله: وهي المصيبة، قال: نعم، هي المصيبة والداهية العظمى، ولقد صدق في أن القول بولايته هي الداهية والمصيبة". قلت: فلم يسلم ابن عربي من بعض أئمة التصوف والأشاعرة؛ حتى كالوا له هذه الاتهامات الشديدة، فماذا يُنتظَر من أئمة السنة؟! بل لقد قال ابن سبعين –إمام الاتحادية- كما في "العقد الثمين"(2/199): "إن تصوف ابن عربي فلسفة سمجة،" قال تقي الدين الفاسي معلقًا: "وهذا كلام مشهور عن ابن سبعين، ويا ويح من بالت عليه الثعالب"، قلت: وهذا من باب شهد شاهد من أهلها؛ لأن ابن سبعين يضاهيه في الكفر. وكذلك صنَّف برهان الدين البقاعي رسالتين في بيان أسباب تتابع العلماء على تكفير –صنو ابن العربي- ابن الفارض، وهما: الأولى: " وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد" (ضمن كتاب "مصرع التصوف" للشيخ عبدالرحمن الوكيل). والثانية: "صواب الجواب للسائل المرتاب المجادل المعارض في كفر ابن الفارض" (ملحقة بالبحث الجامعي: "جهود البقاعي في محاربة إلحاد الاتحادية"). فابن عربي الطائي هو شيخ الوجودية، وابن الفارض شيخ الاتحادية، وكلاهما فاق كفره كفر اليهود والنصارى كما قرَّر هذا ثقات العلماء الأفذاذ. فما هو قول الأزهري وشيخ الأزهر في هؤلاء العلماء الذين نبذوا الأطروحة الكفرية لابن عربي، وبيَّنوا زندقته وإلحاده الواضح وضوح الشمس؟! والجواب واضح عند الأزهري: وهو أنهم لا يقبلون أطروحة ابن تيمية –على حدّ تعبير الأزهري-، التي قامت على معتقد ومنهج السلف الصالح، وفي الجانب الآخر يدافعون عن ابن عربي إمام الضلالة. وإن كان ابن تيمية حاربه علماء عصره –كما يدَّعي الأزهري- فإنما حاربوه لتمسكه بالسنة وذبِّه عن عقيدة الصحابة والسلف الصالح، وأما ابن عربي الطائي فقد حاربه علماء عصره وكفَّروه؛ لأنه دافع عن أصول أرسطو وغيره من الفلاسفة، ولم يفرّق بين الإسلام وغيره من الملل الكافرة، وجعل إلهه هو الوجود كلّه. ... يتَّبع إن شاء الله.
  14. جهل ميزو والأبراشي بأبجديات الإسلام وطعنهما في أحمد شاكر المحدِّث الإمام بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد، فقد اطّلعت على اللقاء الذي عقده الإعلامي "وائل الأبراشي" مع المدعو "محمد عبدالله نصر" المشهور بـ "ميزو الأزهري" حول قضية قيام خارجي جاهل بذبح نصراني شارب للخمر، وقد وجدت أن كليهما يجهلان أبجديات الإسلام، ولم يكفهما هذا، بل تعدى كلاهما على الإمام المحدّث أحمد شاكر. وتنحصر الشبهات التي تلبسَا بها فيما يلي: عدم كفر النصارى. تحريم تهنئة النصارى في أعيادهم. رسالة الإمام المحدِّث أحمد شاكر في "حكم مدمني الخمر". وقد ركَّبا هذه الشبهات تركيبًا عجيبًا جعلها ظلمات بعضها فوق بعض؛ حيث اعتبرَا أن اعتقاد كفر النصارى، وعدم تهنئتهم في أعيادهم يترتب عليه استباحة دمائهم. فأقول ابتداءً: إن كفر النصارى أمر معلومٌ من الدين بالضرورة لا يجهله أطفال المسلمين في الشوارع، ولا يجهله كلُّ عربيٍّ يقرأ كتاب الله عز وجل، وإليك بعض الآيات الدالة على هذا الأمر: قال الله عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. وقال الله عز وجل: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}. وقال سبحانه: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. قلت: فإن كان الإبراشي وميزو لا يؤمنان بهذه الآيات، فليصرحا بذلك، وليقولا: إنَّا نكذِّب بالقرآن، وبهذا يصرِّحان بالانسلاخ من الإسلام. وإن كانا لا يفهمَا الآيات، فلينادَى بجهلهما المطبق بأبجديات الإسلام على رءوس الأشهاد. والشبهة الثانية هي قرينة الأولى، حيث إنه مَن لم يعتقد كفر النصارى، فلا يجد حرجًا أن يهنئهم في أعيادهم الشركية الوثنية. فهل نهنئ النصارى باحتفالهم بولادة الإله من رحم امرأة ؟! فأقول للإبراشي وميزو: ما حكمكما على مَن يقول إن لله ولد وزوجة، ويعتقد أن الإله صُلِب ودُفِن ؟!! فإن قالا: هذا كفرٌ بالله وشرك عظيم، فقد أقاما على أنفسهما الحجة واعترفَا بكفر النصارى. وإن قالا: هذا مذهب محترم، والنصارى لهم الحرية أن يعتقدوا ما شاءوا، ولا حرج أن يكون لله ولد وزوجة؛ فقد كفرَا؛ لتكذيبهما بصريح القرآن!! وهما يظنان كما يظنّ غيرهما من الأزاهرة والموّكلون بالفتوى أن هذا الكلام يبعث على رضا النصارى وتهدئتهم، وهذا خلاف ما أخبرنا به ربُّنا سبحانه في قوله: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. يقول شيخ المفسِّرين الإمام محمد بن جرير ين يزيد الطَّبري –رحمه الله- في تفسيره "جامع البيان في تأويل آي القرآن" (2/484) في تفسير هذه الآية: "وَلَيْسَتِ الْيَهُودُ يَا مُحَمَّدُ وَلَا النَّصَارَى بِرَاضِيَةٍ عَنْكَ أَبَدًا، فَدَعْ طَلَبَ مَا يُرْضِيهِمْ وَيُوَافِقُهُمْ، وَأَقْبِلْ عَلَى طَلَبِ رِضًا اللَّهِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى مَا بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ. فَإِنَّ الَّذِي تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ لَهُوَ السَّبِيلُ إِلَى الِاجْتِمَاعِ فِيهِ مَعَكَ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالدِّينِ الْقَيِّمِ. وَلَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى إِرْضَائِهِمْ بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ ضِدَّ النَّصْرَانِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةُ ضِدُّ الْيَهُودِيَّةِ، وَلَا تَجْتَمِعُ النَّصْرَانِيَّةُ وَالْيَهُودِيَّةُ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الرِّضَا بِكَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ يَهُودِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ مِنْكَ أَبَدًا، لِأَنَّكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، وَلَنْ يَجْتَمِعَ فِيكَ دِينَانِ مُتَضَادَّانِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَى اجْتِمَاعِهِمَا فِيكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ سَبِيلٌ، لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَى إِرْضَاءِ الْفَرِيقَيْنِ سَبِيلٌ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، فَالْزَمْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي لِجَمْعِ الْخَلْقِ إِلَى الْأُلْفَةِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ". قلت: وكذلك يظنون أن التصريح بعدم كفر النصارى وتجويز تهنئتهم في أعيادهم الشركية يقضي على غلو الخوارج من هذه الأحزاب في استحلال دماء المستأمنين والمعاهدين من النصارى الذين يعيشون على أرض مصر بعهد وأمان. وهذا الظنُّ ظنٌّ خاطئ؛ لأن الواقع يدل على أن هذا الكلام لا يزيد هؤلاء الخوارج إلا غلوًّا، ولا يزيد النار إلا اشتعالاً، بل تجعل لهم مسوِّغًا –على حسب فهمهم القاصر- لتكفير الجهات الرسمية للفتوى وتكفير الحكَّام؛ اتّهامًا لهم بموالاة النصارى. ولذلك لا يزداد الاختلال الأمني إلا اختلالاً، وتشتعل نار الفتنة بين المسلمين والنصارى أكثر، ويزداد عنف الخوارج ضد النصارى ردًّا على هذه الفتاوى. وقد حاولت علاج هذه المعضلة من قبل في خلال ثلاث خطب جمعة عنونت لها بـ: "اعتقاد كفر النصارى لا ينافي أمن الوطن"، بيَّنت فيها أن الحفاظ على أمن مصر لن يكون بتصحيح معتقدات المشركين من النصارى وغيرهم، أو بمداهنتهم بالمشاركة في أعيادهم الوثنية وتهنئتهم بها. وإنما يكون ببيان الحكم الشرعي في الاعتداء على أهل الكتاب المستأمنين والمعاهدين، نحو ما جاء في حديث عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»، أخرجه البخاري (3166)، وبوَّب عليه: "بَابُ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ". وأن يذكَّروا بوصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه للخليفة من بعده بما يلي: "أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ"، أخرجه البخاري (1392). والذمة هي العهد، والمراد أن عمر أوصّى الخليفة بعده بأهل الذمة من أهل الكتاب أن يوفَى لهم بالعهد، بأن يحافَظ على أرواحهم، وأن لا تستحل أموالهم إلا ما أحلّه الشرع منها من قيام الخليفة بأخذ الجزية منهم. وأما دعواهما على العلامة المحدث أحمد شاكر، فهي نابعة من جهل مركّب. فإن العلامة أحمد شاكر –رحمه الله- يناقش في رسالته "القول الفصل في حكم مدمني الخمر" حكم قيام ولي الأمر –أي الحاكم- في تنفيذ الحكم بالقتل على مدمن الخمر، أي مَن تكرر شربه للخمر، وفي كل مرة يقام عليه حدُّ شارب الخمر بالجلد أربعين أو ثمانين، فإذا أتِي به في الرابعة، فإن لولي الأمر أن يقتله للأحاديث الواردة في المسألة، وهذا نصُّها من سنن أبي داود والتي أخرجها تحت بَاب إِذَا تَتَابَعَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ: أخرج برقم (4482) من حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَرِبُوا الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إِنْ شَرِبُوا فَاقْتُلُوهُمْ». وأخرج بعده برقم (4484) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ سَكَرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ». قلت: وهذه أحاديث صحيحة الإسناد، لكن اختلف العلماء قديمًا في فهمها، فذهب البعض إلى أن الحكم بالقتل في هذا الحديث منسوخ، وهذا اختيار الترمذي. وقال أَبُو حَاتِمٍ ابن حبان: الْعِلَّةُ الْمَعْلُومَةُ فِي هَذَا الْخَبَرِ يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ: فَإِنْ عَادَ عَلَى أَنْ لَا يقبل تحريم الله، فاقتلوه. وقال البغوي في شرح السنة (10/334): "قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ يَرِدُ الأَمْرُ بِالْوَعِيدِ، وَلا يُرَادُ بِهِ وُقُوعُ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ الرَّدْعُ، وَالتَّحْذِيرُ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ»، وَهُوَ لَوْ قَتَلَ عَبْدَ نَفْسِهِ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ". وقال العلامة أحمد شاكر: "وهذه الأحاديث في الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة إذا أقيم عليه الحد ثلاث مرات فلم يرتدع ــ تقطع في مجموعها بثبوت هذا الحكم و صحة صدوره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يدع شكًّا للعارف بعلوم الحديث وطرق الرواية، وأكثر أسانيدها صحاح، والشك النادر من بعض الرواة بين الثالثة أو الرابعة أو غيرهما لا يؤثر في صحته، ولا في أن الحكم بالقتل إنما هو في الرابعة ، كما هو بيّن واضح". قلت: ومهما كان القول الراجح في المسألة، فإن أحمد شاكر ليس كلامه موّجهًا إلى آحاد الناس، وهذا أمر بديهي، لكن أصحاب الهوى يريدون الإساءة إلى علماء السنة بكل السبل. وانظر إلى الحكمة السامية التي بيّنها العلامة أحمد شاكر من هذا التشريع على التسليم بأنه محكم غير منسوخ؛ حيث قال في أوَّل مقدمته على هذا الجزء (ص3): "هذا تحقيق وافٍ –فيما أرى- لحديث الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة؛ يتبين منه القارئ أن هذا الأمر محكم ثابت لم يُنسَخ، وأنه هو العلاج الصحيح للإدمان الذي يكاد يقضي على الأمم الإسلامية، ويكاد يذهب بتشريعهم السامي وآداب الإسلام العالية النقية".اهـ قلت: فأيَّة دعوة إلى الإرهاب في هذا الكلام العلمي الرصين؟! لكن –والله- إن ميزو وأمثاله هم دعاة الإرهاب، ولا يُستبعَد أن يكونوا مأجورين من أعداء بلاد الإسلام؛ لإشاعة الفتنة فيها بهذه الأساليب الفاجرة في التشكيك في أمانة علماء الأمّة حاملي منهاج السلف الصالح !! فهل الإبراشي وميزو يريدان انتشار إدمان المسكرات والمخدرات في المجتمع، ولا يريدان رادعًا شرعيًّا لهذا الإدمان؟! إن المنظمات العالمية الكافرة أصدرت تشريعات وضعية شديدة محاولةً منها لإيقاف موجة هذا الإدمان الذي دمَّر عقول الملايين على مستوى العالم، فهل كانت هذه المنظمات تدعو إلى الإرهاب؟ وهل تمكَّنوا أن يوقفوا هذه الموجة العارمة بتشريعاتهم الوضعية؟! وجهل هذا المتعالم –ميزو- أن أحمد شاكر هو أول مَن وقف ضد إرهاب الإخوان المسلمين في مصر بمقالات قوية واضحة زلزلت أركان الإخوان، منها مقاله: "الإيمان قيد الفتك" في "الأساس" بتاريخ 2/1/1949، والذي كتبه عقب قتل الإخوان للنقراشي باشا - رئيس الوزراء المصري السابق-، وفيه يحكم حكمًا شديدًا على منفذي عمليات الاغتيال السياسي من الإخوان، وهذا نصُّه: "روَّع العالم الإسلامي والعالم العربي بل كثير من الأقطار غيرهما باغتيال الرجل، الرجل بمعنى الكلمة النقراشي -الشهيد غفر الله له، وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين-، وقد سبقت ذلك أحداث قدّم بعضها للقضاء([1])، وقال فيه كلمته وما أنا الآن بصدد نقد الأحكام، ولكني كنت أقرأ كما يقرأ غيري الكلام في الجرائم السياسية وأتساءل: أنحن في بلد فيه مسلمون؟ وقد رأيت أن واجبًا علي أن أبين هذا الأمر من الوجهة الإسلامية الصحيحة حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر، ولعلَّ الله يهدي بعض هؤلاء الخوارج المجرمين فيرجعوا إلى دينهم قبل أن لا يكون سبيل إلى الرجوع، وما ندري من ذا بعد النقراشي في قائمة هؤلاء الناس. إن الله سبحانه توعد أشد الوعيد على قتل النفس الحرام في غير آية من كتابه: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93]، وهذا من بديهيات الإسلام التي يعرفها الجاهل قبل العالم وإنما هذا في القتل العمد الذي يكون بين الناس في الحوادث والسرقات وغيرها القاتل يقتل وهو يعلم أنه يرتكب وزرًا كبيرًا. أما القتل السياسي الذي قرأنا جدالاً طويلاً حوله فذاك شأنه أعظم وذلك شيء آخر. القاتل السياسي يقتل مطمئن النفس راضي القلب يعتقد أنه يفعل خيرًا فإنه يعتقد بما بثَّ فيه مغالطات أنه يفعل عملاً حلالاً جائزًا إن لم يعتقد أنه يقوم بواجب إسلامي قصَّر فيه غيره، فهذا مرتد خارج عن الإسلام، يجب أن يعامل معاملة المرتدين، وأن تطبق عليه أحكامهم في الشرائع، وفي القانون هم الخوارج كالخوارج القدماء الذين كانوا يقتلون أصحاب رسول الله ويدعون من اعترف على نفسه بالكفر، وكان ظاهرهم كظاهر هؤلاء الخوارج بل خيرًا منه، وقد وصفهم رسول الله بالوحي قبل أن يراهم، وقال لأصحابه: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" (حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم ج1 ص292-293). وقال أيضًا: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يَمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة" (حديث علي بن أبي طالب في صحيح مسلم: ج1 ص293). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة متواترة، وبديهيات الإسلام تقطع بأن من استحل الدم الحرام فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فهذا حكم القتل السياسي هو أشد من القتل العمد الذي يكون بين الناس، والقاتل قد يعفو الله عنه بفضله وقد يجعل القصاص منه كفارة لذنبه بفضله ورحمته، وأما القاتل السياسي فهو مصرٌّ على ما فعل إلى آخر لحظة من حياته يفخر به ويظن أنه فعل فعل الأبطال، وهناك حديث آخر نصٌّ في القتل السياسي لا يحتمل تأويلاً فقد كان بين الزبير بن العوام وبين علي بن أبي طالب ما كان من الخصومة السياسية التي انتهت بوقعة الجمل، فجاء رجل إلى الزبير بن العوام فقال: اقتل لك عليًّا؟ قال: لا وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به فأفتك به، قال: لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الإيمان قيد الفتك([2])، لا يفتك مؤمن؟!!". حديث الزبير بن العوام رقم 1429 من مسند الإمام أحمد بن حنبل: بتحقيقنا. أي أن الإيمان يقيد المؤمن عن أن يتردى في هوة الردة، فإن فعل لم يكن مؤمنًا([3]). أما النقراشي فقد أكرمه الله بالشهادة له فضل الشهداء عند الله وكرامتهم، وقد مات ميتة كان يتمناها كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم([4])، تمناها عمر بن الخطاب حتى نالها فكان له عند الله المقام العظيم والدرجات العلى، وإنما الإثم والخزي على هؤلاء الخوارج القَتَلة مُستحلي الدماء([5])، وعلى مَنْ يدافع عنهم([6])، ويريد أن تتردى بلادنا في الهوة التي تردت فيها أوربا بإباحة القتل السياسي أو تخفيف عقوبته؛ فإنهم لا يعلمون ما يفعلون ولا أريد أن أتهمهم بأنهم يعرفون ويريدون، والهدى هدى الله".اهـ مقال العلامة أحمد شاكر. قلت: وقد علَّق محمد الغزالي على هذه الفتوى في مقدِّمة كتابه "من هنا نعلم" (ص12)([7]) قائلاً: "إننا نعرف أن الشيخ أحمد شاكر القاضي بالمحاكم الشرعية أصدر فتوى بأن الإخوان المسلمين كفَّار!! وأن من قتلهم كان أولى بالله منهم (كذا) ([8])، والرجل الذي يصدر هذه الفتوى كان أن ينبغي أن يطرد من زمرة العلماء، ومع ذلك فلا نحسب أحدًا أجرى معه تحقيقًا".اهـ قلت: هكذا حكم الغزالي على العلامة المحدث أحمد شاكر، وهو الأولى بهذا الحكم منه لجنايته الواضحة على السنة وأهلها كما تراه واضحًا في آخر كتبه الذي سماه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث". والعجيب أن الغزالي نفسه لما بان المكتوم من خطط الإخوان السرية وناله منها شيئًا من الأذى قلب رأس المجن، وكاد بلسان مقاله أن يوافق الشيخ أحمد شاكر في حكمه على هذا الحزب الضال؛ فألَّف الغزالي كتابه "من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث"، الذي فضح فيه خبايا الإخوان وأظهر سوأتهم القبيحة التي تفضح خبئ مكرهم السيئ. وفي تقرير رفعه العلامة أحمد شاكر إلى الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله- سمَّاه "تقرير عن شئون التعليم والقضاء" (ص48) نقل كلامًا لأحد رموز الأحزاب السياسية ورد في جريدة المصري، هذا نصُّه: "ولقد حاول البعض أخيرًا خلط الدين بالسياسة ودعا إلى جعل القرآن الكريم أساسًا للتشريع، فما جنينا من هذه التجربة غير الشر المستطير الذي نعاني بأسه حتى الآن". قال العلامة أحمد شاكر معلِّقًا على هذا الكلام: "يريد سعادته حركة الشيخ حسن البنا وإخوانه الـمسلمين الذين قلبوا الدعوة الإسلامية إلى دعوة إجرامية هدَّامة ينفق عليها الشيوعيون واليهود، كمـا نعلم ذلك علم اليقين". قلت: فهل يجهل الإبراشي وميزو هذه الكلمات الرائعة لمحدِّث مصر في بيان إرهاب حزب الإخوان؟ أم أنهما يعلمان لكن كتمَا هذا لشيء في نفوسهما من هذا المحدِّث الإمام؟! وأخيرًا أنصح الإبراشي على وجه الخصوص قائلاً له: اتقِ الله في نفسك أولاً فتعلَّم دينك من مصادره الأصيلة؛ لتنجو أنت أولاً عند الله عز وجل، ثم كي تكون داعية هدى وإصلاح لا داعية إضلال وتخريب للمجتمع. وعلى الله قصد السبيل. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري السبت 15 ربيع الآخر 1438 ([1]) قال القرضاوي في مذكراته: "وفي اليوم الثامن والعشرين من شهر ديسمبر -أي بعد حلِّ الإخوان بعشرين يومًا- وقع ما حذَّر منه الإمام البنا، فقد أُذيع نبأ اغتيال رئيس الوزراء ووزير الداخلية والحاكم العسكري العام "محمود فهمي باشا النقراشي"، في قلب عرينه في وزارة الداخلية، أُطلقت عليه رصاصات أودت بحياته. وكان الذي قام بهذا العمل طالبًا بكلية الطب البيطري بجامعة "فؤاد الأول" بالقاهرة، اسمه "عبد المجيد حسن" أحد طلاب الإخوان، ومن أعضاء النظام الخاص، الذي قُبض عليه في الحال، وأودع السجن، وقد ارتكب فعلته، وهو يرتدي زي ضابط شرطة، لهذا لم يُشَك فيه حين دخل وزارة الداخلية، وانتظر رئيس الحكومة، حتى أطلق عليه رصاص مسدسه. وعُين "إبراهيم باشا عبد الهادي" نائب النقراشي خلفًا له في رئاسة الوزارة، الذي صمَّم على أن يضرب بيد من حديد، وأن ينتقم لسلفه النقراشي. وقابل بعض شباب الإخوان اغتيال النقراشي بفرحة مشوبة بالحذر؛ لوفاة الرجل الذي ظلمهم وحلَّ جماعتهم، ولكن هل كان في الاغتيال حلٌّ للمشكلة؟ لقد أثبت التاريخ أن الاغتيال السياسي لا يحل مشكلة، وأنه كما قال أحد الساسة للشيخ البنا: "إن ذهب عير فعير في الرباط"، والملاحظ أنه كثيرا ما يكون الخلف أنكى وأقسى من سلفه، وفي هذه القضية كان رد الفعل هو اغتيال حسن البنا؛ ثأرًا للنقراشي؛ فأي خسارة أكبر من فقد حسن البنا ؟!".اهـ [المصدر: موقع إسلام أون لاين على النت]. ([2]) قال ابن الأثير في النهاية (ص691-ط ابن الجوزي): "الفتك: أن يأتي الرجل صاحبه وهو غارٍّ غافل فيشد عليه فيقتله، وأما الغيلة فهو: أن يخدعه ثم يقتله في موضع خفي".اهـ ([3]) هذا الفهم من العلامة أحمد شاكر رحمه الله فيه نظر حيث إن هذا الحديث يجري على منوال حديث: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، وحديث: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، ونحوهما من الأحاديث، والتي لا تعني نفي أصل الإيمان إنما المنفي هو الإيمان الواجب. والقول بتكفير الخارجي الذي يقتل عصاة المسلمين قول قديم، قال به البعض لكن كما قال الحافظ الفتح (12/300): "وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فسَّاق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرَّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك، وقال الخطَّابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون متمسكين بأصل الإسلام".اهـ وتوقف الإمام أحمد فيهم وسماهم بـ"المارقة"، لما قيل له: أكفارٌ هم؟ قال: هم مارقة مرقوا من الدين، كما في السنة للخلال (111). ([4]) يُحمل هذا الكلام للعلامة أحمد شاكر على الرجاء والتمني والدعاء للنقراشي بنَيْل الشهادة، لا على الجزم له بها؛ بدليل دعائه له في استفتاح المقال: "غفر الله له، وألحقه بالصديقين والشهداء والصالحين". ([5]) يقصد المنتمين إلى حزب الإخوان الذين يحملون هذا الفكر. ([6]) وكأن هذا الدعاء موجه على أمثال أبي الحسن المصري، وأبي إسحاق الحويني، ومحمد حسَّان، وسلمان العودة، وعائض القرني، ومحمد حسين يعقوب الذين يتحامون في الدفاع عن حزب الإخوان المسلمين –وما تفرع عنه من تنظيمات خارجية نحو: تنظيم القاعدة، والسرورية، والجماعة الإسلامية، وتنظيم داعش- ويصرون على إدخالها في الفرقة الناجية والطائفة المنصورة -أهل السنة والجماعة-، رغم أصولها البدعية الظاهرة التي يدركها كلُّ من كان له نصيب من العلم بالكتاب والسنة، ورغم تصريحات رموزها ودعاتها التي تقطر سمًّا زعافًا وضلالاً باديًا لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته أو أضله على علم. فهم بهذا –شاءوا أم أبوا- يسعون لتردي بلاد الإسلام في الهوة السحيقة التي تردت فيها أوروبا بإباحة القتل السياسي، ومن قبل عانت بلاد الإسلام من نحو هذا على أيدي فرق الخوارج عبر القرون السابقة، فصدق عليهم ما قاله بعد العلامة أحمد شاكر: "فإنهم لا يعلمون ما يفعلون، ولا أريد أن أتهمهم بأنهم يعرفون ويريدون، والهدى هدى الله". ([7]) ط. مكتبة نهضة مصر-إبريل 2006. ([8]) وهذا اعتراف من الغزالي بأن الإخوان هم قَتَلة النقراشي.
  15. بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتَّبع هداه، أما بعد، فهذه الردود العلمية القوية المؤيَّدة بالحجة والبرهان من شيخنا العلامة المحدِّث ربيع بن هادي المدخلي على المخالفين بشتى أصنافهم؛ لهي من أقوى الردود على أهل الأهواء الذين يتظاهرون بالسلفية بأن الشيخ -حفظه الله- خاصة، والسلفيين عامَّة لا شغل لهم إلا إخوانهم الذين يخطئون كما يدّعون. نقول: وهل أخطاء هؤلاء مما يُسكَت عنه، أم أنها دخلت حيز الضلالات التي تكاد أن تدمر بعض أصول الدين ؟! وأين جهودكم أنتم؟ أين جهود مشايخكم الذين تتعصّبون لهم في ردِّ نحو هذه الانحرافات التي فنَّدها شيخنا في هذا الردِّ العلمي؟! هذا أولاً، وثانيًا: أقول -تعضيدًا لما أفاد به شيخنا- إن كفريات ابن عربي تكاد أن تتفطر منها السماوات والأرض، وتنشق الجبال هدًّا، وأضيف إلى ما ذكره شيخنا -نفع الله به- حول ضلالات ابن عربي التي فاقت الحدود كلامه حول مصطلح "القطب، والغوث، وقطب الأقطاب": أولاً: قال الجرجاني في كتابه "التعريفات" (1/177): "القطب: وقد يسمى غوثًا باعتبار التجاء الملهوف إليه، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضوع نظر الله في كل زمان أعطاه الطلسم الأعظم من لدنه، وهو يسري في الكون وأعيانه الباطنة والظاهرة سريان الروح في الجسد، بيده قسطاس الفيض الأعم... فهو يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل، وهو على قلب إسرافيل من حيث حصته الملكية الحامل مادة الحياة والإحساس لا من حيث إنسانيته، وحكم جبرائيل فيه كحكم النفس الناطقة في النشأة الإنسانية، وحكم ميكائيل فيه كحكم القوة الجاذبة فيها، وحكم عزرائيل فيه كحكم القوة الدافعة فيها. القطبية الكبرى: هي مرتبة قطب الأقطاب، وهو باطن نبوة محمد عليه السلام، فلا يكون إلا لورثته؛ لاختصاصه عليه بالأكملية، فلا يكون خاتم الولاية، وقطب الأقطاب الأعلى باطن خاتم النبوة". وقال التهانوي في "كشف اصطلاحات الفنون" (ص1167): "والقطب عند أهل السلوك عبارة عن رجل واحد هو موضع نظر الله تعالى من العالم، في كل زمان، ويسمى بالغوث أيضًا، وهو خلق على قلب محمد –صلى الله عليه وسلم-، فالقطب هو الذي يكون على قلب محمد –صلى الله عليه وسلم-، ويسمى أيضًا بقطب العالم، وقطب الأقطاب، والقطب الأكبر، وقطب الإرشاد، وقطب المدار". وقال التيجاني فيما نقله عنه برادة في كتابه "جواهر المعاني" (1/260): "اعلم أن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقًا، في جميع الوجود جملة وتفصيلاً، حيثما كان الرب إلهًا، كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من عليه ألوهية الله تعالى، ثم قيامه بالبرزخية العظمى بين الحق والخلق، فلا يصل إلى الخلق شيء، كائنًا من كان من الحق، إلا بحكم القطب وتوليته ونيابته عن الحق في ذلك، وتوصيله كل قسمة إلى محلها، ثم قيامه في الوجود بروحانيته، في كل ذرة من ذرات الوجود، جملة وتفصيلاً، فترى الكون كله أشباحًا لا حركة لها، وإنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلاً". وقال في المصدر السابق (1/154): "وأما القول بنبوة مريم قلنا إنه باطل، ووجوه إبطاله أن القطب في كل عصر له وجهة إلى كل ذرة من الموجودات، ويمدها ويقومها كل الوجود ذرة ذرة في هذا، فما من ساجد سجد لله تعالى في الوجود، أو راكع ركع لله تعالى، أو قائم قام لله تعالى، أو متحرك تحرك لله تعالى، أو ذاكر ذكر الله تعالى، بأي ذكر في جميع الوجود، فالقطب في ذلك هو المقيم له فبه سبَّح المسبح، وبه عبد العابد، وبه سجد الساجد، وبه وقعة الوجهة الأخرى التي لا تذكر، فحاصل الأمر فيه أنه للوجود كله بمنزلة الروح للجسد،كما أن الجسد لاقيام له ولا تعقل له إلا بالروح، ولا حركة له إلا بالروح.... إلخ هذا الهراء العجيب !!". وفي (رسائل ابن عربي): "كتاب اصطلاح الصوفية" (ص531): "القطب –وهو الغوث- فعبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان وهو على قلب إسرافيل عليه السلام". وقال ابن عربي في كما في (رسائله) (كتاب المنزل القطب ومقاله وحاله) (ص323): "اعلموا وفقكم الله أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه جعل منزل القطب من الحضرة منزل السر وهجيره من الأسماء إلا له، ثم جعل منزل الإمام الذي عن يسار القطب منزل الجلال والأنس وله الاسم الرب فله صلاح العالم والنبات، وعنده سر البعدية وبيده المقاليد، وهو السيد الطاهر في العالم، وهو سيف الإمام القطب. ثم جعل منزل الإمام الذي عن يمين القطب منزل الجمال والهيبة، وله الملك والسلطان بالمقام لا بالفعل، وبيده مقاليد عالم الأرواح المجردين عن الصور المسخرين، وكيف هيأتُهم في الحضرة الإلهية". ثم قال (ص328-331): "منزل الإمام الأكمل الذي على يسار القطب ليس بينه وبين منزل الإتحاد إلا أن يموت القطب، فينتقل السرُّ إليه فإن الإتحاد للقطب، فإن الإمام قد يموت في إمامته ويلي مكانه الإمام وينتقل واحد من الأربعة إلى مكانه الإمام الآخر، وهكذا يتفق في الإمام الآخر ولذلك الإمام المسمى بربِّ العالم وهو عبد الرب، فعبد الإله هو القطب وليس عند الله أحد البتة وهذا الإمام عبد الرب الإمام الآخر عبد الملك وأسماء بقية العبيد على حسب مقاماتهم، فلهذا الإمام معرفة سر الأسرار وله التدبير الإلهي، وله العدد فيها الأسرار الإلهية لا يعرفها غيره ويختص هذا الإمام بعلم الصنعة المعشوقة ويعلم خواص الاحجار وهي عنده مكتمة، وربما يحصل له من معرفة أسماء الانفاعلات مايكون منها حقيقيا وله في المحاربات والمكائد أمر عجيب وهو على النصف من عمره مع العالم وعلى النصف من عمره مع القطب أو الحق المخلوق على السواء إلى أن ينتقل إلى القطبية أو يموت، وقد تظهر صولته في عالم الكون بالسيف، وقد تظهر بالهمة على قدر الأزل وهذا الإمام عنه تظهر أسرار المعاملات على هذه الهياكل الترابي، وله خمسة أسرار سر الثبات به يعلم حقائق الأمور وبه يدبر ويفصل ويولد ويزوج ويعبر عن سر الرموزات وفك الطلسمات وأصول الأشياء الظاهرة والباطنة والحقيقة وغير الحقيقية وله خرق السفينة وله إقامة الجدار وله قتل الغلام من حاله وكشفه فإن قتله يومًا ما فعن أمر القطب، وأما السر الثاني من الخمسة فهو سر التمليك به يرحم الضعفاء وينجي الغرقى ويكسب المعدوم ويقوي الضعيف ويحمل الكل ويعين على نوائب الحق وبجود على من أساء ويعفو عن الجرائم ويصفح ويقيل العثرات ويجمع بين المتعاشقين والوالدة وولدها ويطوي الطريق على القاصدين لما اشتاقوا إليه، وما أعطته الحقيقة الرحمانية على عومها من هذ السر ينبعث ظهوره في الوجود، وأما السر الثالث فهو سر السيادة وبه يفتخر ويبدي حقيقته ويقول أنا سيد ولد آدم، وإني أنا الله لا إله إلا أنا وسبحاني وما في الجبة إلا الله وما أعطته الحقيقة التي تظهر مكانته ورفعته فمن هذا السر، وأما السر الرابع فهو سر الصلاح وعن هذا السر الذي له يحمل الخلق على المكاره التي فيها نجاتهم وتجنبهم عن الملذوذات التي فيها هلاكهم وبهذا السر يحول بين الولد ووالدته وبين المتعاشقين وإن تحابا وان تحابا واجتمعا لله ويسعى في تفريق الشمل بين المخلوقات فإن هذا السر يعطيه بحقيقته أن الأشياء القلبية لم يخلق بعضها لبعض ولا يغيرها إلا الله فهو يردها إلى مقام التفريد إلى الله وهو الذي أريدت له قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" أي إلا ليعرفون ولم يقل وما خلقت الجن ولإنس إلا ليأنس بعضهم ببعض ولا يتعشق بعضهم ببعض ولا يتعرف بعضهم على أسرار بعض وإنما خلق المكلف من أجله فلا ينظر إلى غيره فبهذا السر يقطع الإمام القلوب عن غير الله ويردها إلى الله وما من حالة من هذه الأحوال إلا والناس يجدونها في نفوسهم ولا يعرفون من أين تنبعث ومعدنها قلب هذا الإمام فهو في حكمه على حسب السر الذي يقوم في حق الشخص المنظور إليه مما سبق في علم الله منه فيقيم السر في قلب الإمام على ذلك وما أعطته الحقيقة االتي فيها صلاح الخلق عن هذا السر ينبعث، وأما السر الخامس فهو سر التعدية وبه ينزل المطر ويدر الضرع ويطيب الزرع وتحدث الشهوات وتنضج الفواكه وتعذب المياه وبه تكون القوة تسري في أهل المجاهدات والمحاضرات حتى يواصلون الأيام الكثيرة من غير مشقة والسنين العديدة من غير اتفات ولا ضرر وله تمد الحقيقة الإبراهيمية والإسررافيلية والجبريلية والآدمية والرضوانية والمالكية فإن مدار بقاء العالم على هذه الثمانية وسر بقاء العالم غذاؤه تجديد أغراضه على الدوام والتالي فمهما عرى عنه زمان فردا عدمت عنه وبهذا السر غذاء الأغذية وقد ذكرناه في مواقع النجوم في بعض النسخ لأنا استدركناه في الكتاب وقد خرجت منه نسخ في العالم وما اعطته الحقيقة التي بها بقاء العالم ظاهرا وباطنا جسما وروحا ونفسا فعن هذا السر ينبعث فهذه خمسة أسرار يختص بها هذا الإمام واسمه عبد الرب، وفي هذا المقام عاش الشيخ أبو مدين بتجانة إلى أن قرب موته بساعة أو ساعتين خلعت عليه خلعة القطبية ونزعت عنه خلعت هذه الإمامة وصار اسمه عبد الإله وانتقلت خلعته باسم عبد الرب إلى رجل ببغداد اسمه عبد الوهاب وكان الشيخ أبو مدين قد تطاول له بها رجل من بلاد خرسان مات الشيخ قطبا كبيرا وكان له من القرآن تبارك الذي بيده الملك، وسيأتي الكلام على حاله عند ذكر أبواب الأقطاب من آخر الكتاب". ثم قال في (ص323-325): "منزل القطب ومقامه وحاله: القطب مركز الدائرة ومحيطها ومرآة الحق، عليه مدار العالم، له رقائق ممتدة إلى جميع قلوب الخلائق بالخير والشر على حد واحد لا يترجح واحد على صاحبه، وهو عنده لا خير ولا شر، ولكن وجود، ويظهر كونها خيرًا وشرًّا في المحل القابل لها...". إلى أن قال: "فمنزل القطب حضرة الإيجاد الصرف، فهو الخليفة ومقامه تنفيذ الأمر وتصريف الحكم، وحاله الحالة العامية لا يتقيد بحاله تخصيص، فإنه الستر العام في الوجود وبيده خزائن الوجود، والحقُّ له متجل على الدوام". ثم قال: "ولا بد لكل قطب عندما يلي مرتبة القطبية أن يبايعه كل سرٍّ وحيوان وجماد ما عدا الإنس والجان إلا قليلاً منهم فقد صنَّفنا في هذه البيعة وكيفية إنعقادها كتابًا كبيرًا وسميناه كتاب "مبايعة القطب في حضرة القرب"، فالأسرار إليه منصة إذا كان المحبوب يعرفه كل شئ فكيف القطب الذي توقفت عليه حوائج العالم من أوله إلى آخره". ثم قال (325-327): "وسأل بعض العارفين عارفًا آخر، وأنا حاضر بمدينة فاس عن شخص الوقت هل هو الآن موجود أم لا؟ فقال المسؤول: لا ولكنه ينتظر، فعرفنا قصوره، وقلت: ما عنده من معرفة سر الله المبثوث في العالم شيء، فلو علم أن القطب صاحب الوقت ما من يهودي ولا نصراني ولا نحلة من النحل إلا ونفسها صبَّة إليه مَحبَّةٌ فيه للسرِّ المودع عنده، وإنما تنكَّر الأشخاص للجنسية، وهي الفتنة الإلهية قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}، وقال: {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولاً}، وقال: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا}، وقال: {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}، فهم ينظرون ظاهره إنكارًا يؤدي إلى الموت، وهم يعشقونه بأسرارهم، ولكن ليس لهم علم بأن هذا الشخص المطرود هو الذي عنده السرُّ الذي تعشَّقوا به، ولهذا كان عليه السلام يقول: "اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون" ....". إلى أن قال: "فالأقطاب متفاضلون في هذه المرتبة قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، فأكمل اللأقطاب: المحمدي، ومن نزل منهم فعلى قدر من ورث، فمنهم العيسويون ومنهم الموسويون وإبراهيميون ويوسفيون ونوحيون، وكل قطب ينزل على حد من ورثه من الأنبياء وكلهم في مشكاة محمد عليه السلام الأمر الجامع للكل، وهم المتفاضلون في المعارف غير المتفاضلين في نفس القطبية وتصريف الوجود، فإن هذه الدورة المحمدية الذي الولي فيها نبي ليست كالدورة الترابية فإن الدورة الترابية كان يوجد في الزمان الواحد نبيين أو ثلاثة أو أكثر كل شخص لطائفة مخصوصة كإبراهيم ولوط في وقت واحد في تلك الدورة تقتضي ذلك بحقيقتها وهذه الدورة العلوية المحمدية ليست كذلك فإن الزمان قد استدار كأوله". ثم قال (331-332): "منزل الإمام الروحاني الذي عن يمين القطب: اعلموا أن هذا الإمام صاحب حال لا صاحب مقام مشتغل بنفسه من جهة مالكه -واسمه عبد الملك- وإضافته إلى الخلق إضافة غير محضة متمكن القدم في الروحانية له علم السماء وليس عنده من علم الأرض خبر للملإ الأعلى به تعشق وله نشوف أكثر من الإمام الأول لقوة المناسبة وليس عنده سرٌّ إلا منهم ولذلك هو غير مخلص فإنهم رضي الله عنهم على ضربين محمول وغير محمول، فالأول قائم بنفسه غير محمول وهذا محمول غير قائم واقف خلف حجب السبحات يرى نفسه وربَّه على حكم ربِّه لا على حكم نفسه بخلاف من نَزَل عن مرتبته، فإنه يرى ربَّه على حكم نفسه وأوقاته مشغولة بما هو فيه فهو للقطب مرآة والآخر للقطب محل ومرآة، وإن كان الأول حظه اللوح والقلم الأعلى فحظ هذا الثاني الإلقاء بما يناسب العلو وله سران: سر العبودية وسر السيادة، فبسر العبودية هو يسبح الليل والنهار ولا يفتر فالتحق بالعباد المكرمين غير أن المقام فيه أمر سفلي فإن الأعداء نطقوا بأنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، فإضافتهم إلى الرحمن إضافة محضة خالصة ولهذا انسحب عليهم اسم الأنوثية فلو كانوا عبادًا لإله لغلبت عليهم الذكورية وعبد الملك من عباد الرحمن ولذلك هو منكِحُهُ للروحانيين تلقي إليه وتنزل فيه ولا تلقى إلى أحد ولا ينزل في أحد فالأسرار، والمعارف والعالم العلوي وينكحه وهو لا ينكح أحد، وكذلك كل روحاني من الملإ الأعلى إذا لم يكن لهم في العالم السفلي أثر فيهم منكحون غير ناكحين ومن كان منهم له عندنا أثر فهو منكوح وناكح فغلب عليه التنكير؛ لأنه الأسبق والأشرف تقول العرب الفواطم وزيد خرجوا ولم تقل خرجن، وإن كان التذكير واحد والفواطم جماعة فالتغليب للذكر فتفهم هذا فإنها إشارة لطيفة دقيقة، فعبد الملك مؤنث علوي صحيح الحال سعيد فارغ من الكون واقف بين يدي الحق وهو كان الغالب من حال صاحب محمد بن علي بن عبدالجبار النفزي صاحب المواقف فهذا ثبت في هذا الباب وقد تقدم الكلام في أول الكتب على القطب وحقيقته ومنسبه ومصدره وإنه واحد على سر القطبية فانظره هناك". ثم قال في (ص332): "في حضرة عينية كنت ببلاد الغرب بمدينة فاس، وقد آنست من نفسي بعض إيناس بما اسمرنت عليه من العوائد وذهلت في ذلك الحين عن مشاهدة المشاهدة فتنبهت فإذا بالكون قد أخذ بخناقي وشد أسري ووثاقي وأحاطت بي ذنوب الحجاب فقمت قائما خلف الباب طورا أقرع وطورا أتسمع فإذا بالباب قد فتح ففرح صدري وشرح وإذا بالقطب واقف فتبسم وقال: وما يريد العارف؟ فقلت: لي إلى ملإنا العلوي ارتياح لصفات ظهرت علينا قباح وأنا قد وقفت من سري على ما يكون من أمري وإنما غرضي لذة الحال واحد في الترحال، وقد نظر في الملإ الأعلى بعين السخرية والازدراء فقال: اكتب عني ما يبدو لك مني! فما زلت أنظر إليه والأسرار ترد علينا وما يريده القطب ماثل بين أيدينا فأنشدته عنه في ذلك المشهد العيني والسر الربِّي فكأني بلسانه أتكلم وعن ضميره أترجم حتى أتيت إلى آخر النظم فأمرني بالكتم فكتبت الكتاب وسارت به الهمة على براق الصدر إلى أن حطت بالأحباب فعرفوا مقدارهم". وقال عبد الوهاب الشعراني في كتابه "الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر" (ص54): "وقال –أي ابن عربي- في الباب الرابع عشر –أي من الفتوحات المكية-:جملة الأقطاب المكملين في الأمم السابقة من عهد آدم ـ عليه السلام ـ إلى زمان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خمسة وعشرون قطباً ،أشهدنيهم الحق تعالى في مشهد أقدس في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة، وهم: المفرق، ومداوي الكلوم، والبكَّاء ،والمرتفع ،والشفاء ،والماحق ،والعاقب ،والمنجور ،وعنصر الحياة، والشريد ،والراجع والصانع ،والطيار ،والسالم ،والخليفة ،والمقسوم ،والحي ،والرامي ،والواسع ،والبحر ،والملصق ،والهادي، والمصلح ،والباقي . اهـ قال: وأما القطب الواحد فهو روح محمد صلى الله عليه وسلم الممد لجميع الأنبياء والرسل والأقطاب من حين النشءالإنساني إلى يوم القيامة، الله أعلم". قلت: القلم يعجز عن تحمُّل هذه الزندقة، بل إن السماوات والأرض لا تتحمَّل هذا الكفر المبين، كما قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا.لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا.تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا.أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا.وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا}. فإن كان دعوى الولد لله عز وجل تكاد السماوات أن تتفطر منها {وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}، فكيف بدعاوى الصوفية في القطب ؟!! فتأمل ما سطروه من قدرات وإمكانيات "القطب"، ومعاونيه مما هي من صفات الربوبية، فذكروا أن القطب: موضع نظر الله تعالى من العالم. يفيض روح الحياة على الكون الأعلى والأسفل. لا يصل إلى الخلق شيء، كائنًا من كان من الحق، إلا بحكم القطب وتوليته ونيابته عن الحق. له وجهة إلى كل ذرة من الموجودات، ويمدها ويقومها كل الوجود ذرة ذرة في هذا، فما من ساجد سجد لله تعالى في الوجود، أو راكع ركع لله تعالى، أو قائم قام لله تعالى، أو متحرك تحرك لله تعالى، أو ذاكر ذكر الله تعالى، بأي ذكر في جميع الوجود، فالقطب في ذلك هو المقيم له. هو صاحب القطبانية، وهي الخلافة العظمى عن الحق مطلقًا، في جميع الوجود جملة وتفصيلاً. هو الستر العام في الوجود وبيده خزائن الوجود. هو صاحب الوقت ما من يهودي ولا نصراني، ولا نحلة من النِّحَل إلا ونفسها صبَّة إليه مَحبَّةٌ فيه للسرِّ المودع عنده. فهذه القدرات للقطب –بلا ريب- تجعله كأنه ربٌّ له كل مقومات الربوبية !! وبهذا المعتقد يكون هؤلاء فاقوا وتعدوا ادعاء النصارى في ألوهية المسيح مئات المرات، بل قالوا كلامًا لم يخطر ببال النصارى ولا اليهود!! وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري