اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

نموذج البحث

عرض نتائج البحث الخاصة بــ : '[ مقال ]' .

  • بحث بواسطة الكلمات الدليلية

    ملحوظة: للبحث عن جملة معينة " قم بوضعها داخل علامات تنصيص"
  • بحث عن طريق كاتب الموضوع

نوع المحتوى المراد البحث فية


المنتديات

  • المنابر
    • المنبر الإسلامي
    • منبر الرد على أهل الفتن
    • منبر الحديث وعلومه
    • منبر الأخوات العام
    • الخطب الصوتية والمفرغة

العثور على النتائج فى

العثور على النتائج فى


تاريخ الانشاء

  • تاريخ البداية

    تاريخ النهاية


اخر تحديث

  • تاريخ البداية

    تاريخ النهاية


تصفية المحتوى بحسب العدد المطلوب من

تاريخ الإنضمام

  • تاريخ البداية

    تاريخ النهاية


مجموعة العضو


البلـد

تم العثور علي 63 نتيجة

  1. الْحَمْدُ لِلَّهِ أحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/47- 63): فَصْلٌ فِي الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }[النَّحْلِ:14 - 18]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }[فَاطِرٍ:12]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا }[الْفُرْقَانِ:53]، قَوْلُهُ:{ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا } أَيْ حَاجِزًا مِنْ قُدْرَتِهِ لَا يَغْلِبُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَوْلُهُ:{ وَحِجْرًا مَحْجُورًا } أَيْ سِتْرًا مَسْتُورًا يَمْنَعُ أَحَدَهُمَا مِنَ الِاخْتِلَاطِ بِالْآخَرِ. فَالْبَرْزَخُ الْحَاجِزُ، وَالْحِجْرُ الْمَانِعُ. وَقَالَ تَعَالَى:{ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ }[الرَّحْمَنِ:19،20]، فَالْمُرَادُ بِالْبَحْرَيْنِ: الْبَحْرُ الْمِلْحُ الْمُرُّ وَهُوَ الْأُجَاجُ، وَالْبَحْرُ الْعَذْبُ هُوَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ بَيْنَ أَقْطَارِ الْأَمْصَارِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. قَوْلُهُ:{يَلْتَقِيَانِ} أَيْ مَنَعَهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَا بِمَا جَعَلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَرْزَخِ الْحَاجِزِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ تَعَالَى:{ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ }[الشُّورَى:32 - 34]، وَقَالَ تَعَالَى:{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ }[لُقْمَانَ:31، 32]، وَقَالَ تَعَالَى:{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }[الْبَقَرَةِ:164]، فَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ فَالْبَحْرُ الْمُحِيطُ بِسَائِرِ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، وَمَا يَنْبَثِقُ مِنْهُ فِي جَوَانِبِهَا الْجَمِيعُ مَالِحُ الطَّعْمِ مُرٌّ، وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِصِحَّةِ الْهَوَاءِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ حُلْوًا لَأَنْتَنَ الْجَوُّ وَفَسَدَ الْهَوَاءُ؛ بِسَبَبِ مَا يَمُوتُ فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْعِظَامِ فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَى تَفَانِي بَنِي آدَمَ وَفَسَادِ مَعَايِشِهِمْ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَنِ الْبَحْرِ ؟ قَالَ:« هُوَ الطُّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ » صَحِيحٌ ([1]). وَأَمَّا الْأَنْهَارُ: فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا حُلْوًا، عَذْبًا جَارِيًا، فُرَاتًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَجَعَلَهَا جَارِيَةً سَارِحَةً يُنْبِعُهَا تَعَالَى فِي أَرْضٍ، وَيَسُوقُهَا إِلَى أُخْرَى رِزْقًا لِلْعِبَادِ، وَمِنْهَا كِبَارٌ، وَمِنْهَا صِغَارٌ، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ أَصْحَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَالتَّسْيِيرِ عَلَى تَعْدَادِ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ، وَأُصُولِ مَنَابِعِهَا، وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي سَيْرُهَا بِكَلَامٍ فِيهِ حِكَمٌ، وَدَلَالَاتٌ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ وَالْحِكْمَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ }[الطُّورِ:6]. فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَحْرُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْبَحْرَ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ سَائِرَ الْبِحَارِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}[الطُّورِ:6]. فَقِيلَ: الْمَمْلُوءُ مَاءً. وَقِيلَ: يَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا تُؤَجَّجُ فَيُحِيطُ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ: الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ الْمَحْرُوسُ عَنْ أَنْ يَطْغَى فَيَغْمُرَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا فَيَغْرَقُوا. رَوَاهُ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْعَلاءُ بْنُ بَدْرٍ-رَحِمَهُ اللهُ-:" إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَحْرُ الْمَسْجُورُ، لِأَنَّهُ لا يُشْرَبُ مِنْهُ مَاءٌ، وَلا يُسْقَى بِهِ زَرْعٌ، وَكَذَلِكَ الْبِحَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وقَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي " كِتَابِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ " (6/139):{المَسْجُورِ}: المُوقَدِ. وَقَالَ الحَسَنُ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:« تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلاَ يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ ». وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي التَّفْسِيْرِ (ص814):{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} أَيْ: الْمَمْلُوءُ مَاءً، قد سجره الله، ومنعه من أن يفيض على وجه الأرض، مع أن مقتضى الطبيعة، أن يغمر وجه الأرض، ولكن حكمته اقتضت أن يمنعه عن الجريان والفيضان، ليعيش من على وجه الأرض، من أنواع الحيوان، وَقِيلَ: إن المراد بالمسجور، الموقد الذي يوقد [نارًا] يوم القيامة، فيصير نارًا تلظى، ممتلئا على عظمته وسعته من أصناف العذاب. وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ مُحَمَّدُ الأَمِيْنُ الشَّنْقِيْطِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ ( أَضْوَاءُ البَيَانِ فِي إِيْضَاحِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ ) (7/452): وَقَوْلُهُ:{وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَمَاءِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَسْجُورَ هُوَ الْمُوقَدُ نَارًا، قَالُوا: وَسَيَضْطَرِمُ الْبَحْرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا، مِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى:{ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ }[غافر:72]. الْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْمَسْجُورَ بِمَعْنَى الْمَمْلُوءِ، لِأَنَّهُ مَمْلُوءٌ مَاءً. فَقَوْلُهُ: مَسْجُورَةً أَيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً مَاءً. وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي مَعْنَى الْمَسْجُورِ هُمَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ:{ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ }[التكوير:6]. وخلاصة الكلام في بيان هذا الإمام: قَالَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّفْسِيْرِ (176 ،177).ط. دار الثريا: { وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } كلمة البحر قِيلَ: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن -عَزَّ وَجَلَّ- كَمَا قَالَ تَعَالَى، { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ }، وَقِيلَ: المراد به البحر الذي في الأرض لأنه المشاهد المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول، والصحيح أن المراد به بحر الأرض، لأن (أل) في البحر للعهد الذهني، يعني البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة من أسماك وأمواج وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه، ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله:{الْمَسْجُورِ} يعني الممنوع، ومنه سجرت الكلب يعني ربطته حتى لا يهرب، فالبحر ممنوع بقدرة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، إننا نعلم جميعاً أن الأرض كروية، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض، لأنه لا جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة، لقلنا: لابد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور، أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله، فلو صب فوق الكرة ماء، لذهب يغمرها يميناً وشمالاً، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة تأتي أيام المد والجزر، نفس البحر يمتد امتداداً عظيماً لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر، مَن الذي مده ؟ ولو شاء لبقي ممتداً حتى يغرق الأرض، ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديراً بأن يقسم الله به، وفي البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر بل أزيد، لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل أكثر من سبعين في المائة، وفيه أشياء لا نرى لها نظيراً في البر، وهذا من آيات الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وأعظم آية في البحر هو أنه مسجور، أي ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. وَقِيلَ: المراد بالمسجور الذي سيسجر، أي: يوقد كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:{ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ }[التكوير:6]، أي: أوقدت. وهذا يكون يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن والذي لو سقطت فيه جمرة، أو مر على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون ناراً يسجر، وهذا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، والمراد به المعنيان جميعاً؛ لأنه لا منافاة بين هذا وهذا، فكلاهما مِنْ آيَاتِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، أي سواء قلنا المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجور الذي سيسجر أي يوقد، فكل ذلك من آيات الله. وَيُؤَيِّدُهُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ ». قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَاذَا تَأْمُرُنَا؟، قَالَ:« عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ » صَحِيحٌ ([2]). هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل [1]- أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ، بِرَقَمِ (69)، وَالنَّسَائِيُّ بِرَقَمِ (59)، وَأَبُو دَاوُدَ بِرَقَمِ (86)، وابْنُ مَاجَه بِرَقَمِ (388)، وَصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الصَّحِيْحَةِ بِرَقَمِ (480)، وَصَحِيحِ الْجَامِعِ بِرَقَمِ (7048) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ-رَضِيَ الله عَنْهُ-. [2]- أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ، بِرَقَمِ (3368)، وَأَحْمَدُ بِرَقَمِ (4536)، وَصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ بِرَقَمِ (3609)، صَحِيْحِ التَّرْغِيْبِ وَالتَّرْهِيْبِ، بِرَقَمِ (3096).
  2. طيبة النشر في ذكر المخالفات العشر التي وقع فيها هشام بن فؤاد البيلي الكذَّاب الأشر • المأخذ الأول : قوله بأن ما حدث في مصر خروج وليس بعزل ، وذلك بعد استتباب الأمر للحاكم المتغلب على طريقة الخوارج القعدية . • المأخذ الثاني : استقباله في بيته للحلبي التميعي الحدادي الخارجي أحمد الأسكندراني الطعَّان في أهل السنة وفي ولاة أمرنا ؛ الرامي شيخنا الإمام الربيع وإخوانه من أهل العلم والفضل بالغلو والابتداع والكذب والبهت - قطع الله لسانه وشل بنانه وأركانه - المكفِّر علنًا للرئيس عبد الفتاح السيسي عبر حسابه في الفيس بوك ، والمتعاطف مع محمد مرسي وإخوان رابعة وغيرهم ، وله صورة نشرها عبر حسابه بالفيس بوك والواتسب وهو يشير فيها بالإشارة الماسونية ؛ إشارة رابعة العدوية ! . • المأخذ الثالث : إيواؤه للأحمق محمود الخولي الحدادي ؛ مع وفرة أخطاء هذا الخولي الدَّعي الكذَّاب ، وسبِّه لجِلة من علماء السُنة في مصر ، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ الوالد رسلان ، والشيخ علي موسى ، والشيخ طلعت زهران - حفظهم الله جميعًا - ، ورميه لكثير منهم بالجهل والهوى وسوء القول . • المأخذ الرابع : رميه للإمام الألباني - رحمه الله - بأن قوله في مسائل الإيمان وافق فيه المرجئة ، أو قال بقول المرجئة ؛ ودفاعه عن هذا القول الممجوج إلى وقت الناس هذا ؛ مع وفرة ردود علماء ومشايخ أهل السُنة عليه ، وهو في هذا موافق لرؤوس أهل الضلال من القطبيين ؛ كسفر الحوالي ، وسيد العربي ، ومحمد عبد المقصود ، وفوزي السعيد وغيرهم من أهل البدع والضلال . • المأخذ الخامس : ثناؤه على ابن جبرين الإخواني ، وحسن عبد الستير صاحب الوجوه الكثيرة ، والغر المفتون سامح أبو يحي الحدادي الضال ، وغيرهم ممن جرحهم مشايخ السُنة كأبي اليمين المنصوري ، ومحمد كمال السيوطي المجهول الحال . • المأخذ السادس : نزوله على بعض المخالفين في المملكة العربية السعودية - حرسها الله - وغيرها من البلدان كالكويت ؛ كعبد العزيز الريس ؛ وعبد المالك الرمضاني ، وسالم الطويل ، وغيرهم من المميعة والحدادية . • المأخذ السابع : تقريره في بعض الأجوبة كما في موقعه إلى أن ما حدث بين يحي الحجوري الحدادي الضال الخبيث وبين أهل العلم الذين حذَّروا منه ، أن هذا من قبيل الخلاف بين العلماء ! ، وهذا منه دفاعٌ مبطَّنٌ عن يحي الحجوري ! . • المأخذ الثامن : كلامه المتشابه في فتنة مصر ، والذي أوقع الكثير من الشباب في حيرة ، كقوله بأنَّ ما حدث في مصر خروج وليس بعزل ، وبسطه القول في هذه المسألة وبإسهاب محاكاة لإخوانه من الخوارج القعدية ، وتقريره بأن كلامه فيها من قبيل التأصيل العلمي للمسألة ! ، وحطه على الجيش والشرطة تلميحًا وتصريحًا في خطبة جمعة شهيرةٍ له نشرها عبر موقعه ، وقوله بأن ما حدث في قضية عزل مرسي ظلم وجور و.. و..إلخ . • المأخذ التاسع : طعنه على مشايخ مصر بعامة ، ورميهم من قبل أتباعه ببدعة الإرجاء ، وطعنه الشديد في الشيخ الفاضل محمد سعيد رسلان -حفظهما الله- خاصَّة ، ورميه له ولأتباعه ببدعة الحزبية ، وقوله بأن الرسلانية أشد خطرًا من الحدادية ! ، مع أنه يدَّعي الأدب في الرد على خصومه ! وهو عار منه تمامًا كما ترون هو وأتباعه ؛ فكيف بطعنه في كل أهل السُنة في مصر ، وعلى رأسهم الشيخ الوالد ؟! . • المأخذ العاشر : قوله بمسألة جنس العمل ! ، ولمزه وغمزه فيمن يقول بخلاف هذا القول الإرجائي ! ، مع كون علماء الأمة ( جميعهم في عصرنا ! ) يحذِّرون من هذا المصطلح المبتدَع الحادث ، وعلى رأسهم الإمام الفوزان الذي يتترس به هو وزمرته ليداري بدعته . وكتب سمير بن سعيد القاهري طيبة النشر في ذكر المخالفات العشر التي وقع فيها هشام البيلي الكذَّاب الأشر.doc
  3. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/26- 46): بَابُ مَا وَرَدَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا: ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا }[الطَّلَاقِ:12]، ثُمَّ قَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ:« مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ » مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ([1]). ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ([2]). وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- هَاهُنَا (أَيْ: فِي نَفْسِ الْبَابِ): عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ:« الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ([3])، وَمُرَادُهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- تَقْرِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ } [الطَّلَاقِ:12]، أَيْ فِي الْعَدَدِ كَمَا أَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ الْآنَ اثْنَا عَشَرَ مُطَابَقَةً لِعِدَّةِ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ الْأَوَّلِ فَهَذِهِ مُطَابَقَةٌ فِي الزَّمَنِ كَمَا أَنَّ تِلْكَ مُطَابَقَةٌ فِي الْمَكَانِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ:« مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ »، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ:« اللهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا »، قَالَ:« فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَفِي رِوَايَةٍ:[ فَرَأَيْتُهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ]، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ، فَكَانَتْ قَبْرَهَا » مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ([4]). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ السَّابِعَةَ، وَالْعَرْشُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ كُنْتَ؟ وَأَيْنَ تَكُونُ ؟ » صَحِيحٌ ([5]). وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَرْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ كَعْبًا حَلَفَ لَهُ بِالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى أَنَّ صُهَيْبًا حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَمْ يَكُنْ يَرَى قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا إِلَّا قَالَ حِينَ يَرَاهَا:« اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا » صَحِيحٌ ([6]). وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ -رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ نُوحاً -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لاِبْنِهِ: إِنِّى قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ: آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِى كَفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فِى كَفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً، قَصَمَتْهُنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلاَةُ كُلِّ شَىْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ » صَحِيحٌ ([7])، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كَالْمُتَوَاتِرَةِ فِي إِثْبَاتِ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ فَوْقَ الْأُخْرَى، وَالَّتِي تَحْتَهَا فِي وَسَطِهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى السَّابِعَةِ، وَهِيَ صَمَّاءُ لَا جَوْفَ لَهَا، وَفِي وَسَطِهَا الْمَرْكَزُ، وَهُوَ نُقْطَةٌ مُقَدَّرَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ، وَهُوَ مَحَطُّ الْأَثْقَالِ إِلَيْهِ يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إِذَا لَمْ يُعَاوِقْهُ مَانِعٌ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُنَّ مُتَرَاكِمَاتٌ بِلَا تَفَاصُلٍ أَوْ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَالَّتِي تَلِيهَا خَلَاءٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَبَيْنَ الْأُخْرَى مَسَافَةً لِظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ-رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ:« بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَاَلَّتِي تَلِيْهَا خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسِيِّ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، وَالعَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، وَاَللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ »([8])، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ }[الطَّلَاقِ:12]. الْآيَةَ. قَالَ تَعَالَى:{ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ }[الْأَنْبِيَاءِ:30]، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-([9]): أَيْ كَانَ الْجَمِيعُ مُتَّصِلًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَلَاصِقٌ مُتَرَاكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ، فَفَتَقَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ، أَيْ فَصَلْنَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا وَالْأَرْضَ سَبْعًا، وَفَصَلَ بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ بِالْهَوَاءِ، فَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ وَأَنْبَتَتِ الْأَرْضُ؛ وَلِهَذَا قَالَ:{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ}. قَالَ سَعِيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( كَانَتِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ مُلْتَزِقَتَيْنِ فَلَمَّا رَفَعَ السَّمَاءَ وَأَبْرَزَ مِنْهَا الْأَرْضَ كَانَ ذَلِكَ فَتْقَهُمَا الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ))، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ-رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-:(( كَانَتَا جَمِيعًا فَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِهَذَا الْهَوَاءِ ))، وَعَنْ عِكْرِمَةَ-رَحِمَهُ اللَّهُ-، قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:(( عَنِ اللَّيْلِ، كَانَ قَبْلُ أَوِ النَّهَارُ ؟، قَالَ: أَرَأَيْتُمُ السَّمَوَاتِ حَيْثُ كَانَتَا رَتْقًا هَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا إِلا ظُلْمَةٌ ؟، ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ كَانَ قَبْلَ النَّهَارِ ))، وهذا الاتجاه في التفسير يتفق مع أدق النظريات العلمية في عصرنا، فالملاحظات العامة في هذا الكون أن بعض المجرات تنطلق بسرعة هائلة خارجة عن مركز الكون، مما يدل على أن هذا الكون كان ملتزقا، وكان كتلة واحدة، ويؤكد ذلك أنه من خلال طيف الإشعاعات تأكد أن مادة الكون واحدة وهناك نظرية أخرى لا تتحدث عن الكون كله وإنما عن المجموعة الشمسية أنها كانت كتلة واحدة وكل من هاتين النظريتين العلميتين تتفق مع قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآية. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:(( أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ يَسْأَلُهُ عَنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا؟ قَالَ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ، فَاسْأَلْهُ، ثُمَّ تَعَالَ فَأَخْبِرْنِي بِمَا قَالَ لَكَ، قَالَ، فَذَهَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَسَأَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:" نَعَمْ، كَانَتِ السَّمَاوَاتُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَكَانَتْ الْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَلَمَّا خَلَقَ لِلْأَرْضِ أَهْلًا فَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ وَفَتْقَ هَذِهِ بِالنَّبَاتِ"، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَأَخْبَرَهُ، فقال ابْنُ عُمَرَ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَدْ كُنْتُ أَقُولُ: مَا يُعْجِبُنِي جَرَاءَةُ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَلَى تَفْسِيْرِ القُرْآنِ فَالآنَ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أُوتِيَ فِي الْقُرْآنِ عِلْمًا ))، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ-رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-:(( كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقًا لَا تُمْطِرُ وَالْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ السَّمَاءَ بِالْمَطَرِ وَالْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ ))، وهذا الاتجاه في التفسير يتفق مع ما يقوله علماء الكون. وهذه هي نظرية السديم عند علماء الْفَلَكِ الذين يثبتون أن الشمس والكواكب والأرض كانت قطعة واحدة كتلة نارية، وفي أثناء سيرها السريع انفصلت عنها الْأَرْضُ والكواكب السيارة الأخرى، وهي تسعة مرتبة بحسب قربها من الشمس: عُطارد، والزُّهرة، والأرض، والمرّيخ، والمشتري، وزُحل، وأورانوس، ونبتون، وبلوتوه. ولكل منها مدار بحسب تأثير الجاذبية، وهي تجري في الْفَلَكِ، وهي تسعة أفلاك دون السموات المطبقة التي يعيش فيها الملائكة. وَالْفَلَكُ: استدارة في السماء تدور بالنجوم مع ثبوت السماء، أو هو مجراها وسرعة سيرها، فإذا كان الأمر كذلك فإن الأرض كانت أيام ذلك لا تنبت وكانت سماؤها لا تمطر. فَعَلَى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ تَفْسِيرِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإِنَّ الآيةَ أشارتْ إِلَى شيءٍ لَمْ يعرفُهُ الإنسانُ إلا متأخرًا. والملاحظُ أَنَّ الذينَ طَرَحُوا كُلَّاً مِنَ النَّظَرِيتينِ الكافرون، فكأنَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا } إشارةٌ إلى أن الكافرين سيكتشفون هذهِ الحقائقُ ويبرهنونَ عليها، وفي ذلك كُلِّهِ مظاهرٍ من إعجازِ هذا القرآن، الذي لا تتناهى عجائِبُهُ. وهذا السبقُ العلمي الذي أعلنَهُ القرآنُ دليلٌ واضحٌ قاطعٌ على أن القرآنَ كلامُ اللّهِ ووحيِهِ المنزلُ على عبدِهِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، النبيُّ الأميُّ الذي يستحيلُ أن يكونَ عالماً بمثلِ ذلك لولَا الوحيُ الإلهي. هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3195، وَكِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ، بَابُ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ، برقم 2453، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ، بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، برقم 1612. [2] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3196، وَكِتَابُ المَظَالِمِ وَالغَصْبِ، بَابُ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ ، برقم 2454. [3] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3197. [4] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، برقم 3198، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ، بَابُ تَحْرِيمِ الظُّلْمِ وَغَصْبِ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا، برقم 1610. [5] - أَخْرَجَهُ: أبو يعلى (11/496 ، رقم 6619). قال الهيثمي (1/80): رجاله رجال الصحيح، انْظُرْ: الصَّحِيحَة تحت ح (150). [6] - أَخْرَجَهُ: (حب) 2709 [قال الألباني]: صحيح - "تخريج فقه السيرة" (341)، "تخريج الكلم الطيب" (رقم 179)، "الصحيحة" (2758). [7] - أَخْرَجَهُ: (خد) 548، (حم) 6583، (ك) 154، انظر الصَّحِيحَة: 134، صَحْيح الْأَدَبِ الْمُفْرَد: 426. 8- (إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ. (التَّوْحِيْدُ) (244/ 1) (885/ 2) لِابْنِ خُزَيْمَةَ. اُنْظُرْ كِتَابَ (مُخْتَصَرُ العُلُوِّ) لِلشَّيْخِ الأَلْبَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ص103)) قَالَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، قَالَ: (وَلَهُ طُرُقٌ). ((العُلُوُّ) (ص45) لِلذَّهَبِيِّ)، قُلْتُ: وصححه ابن باز في شرح كتاب التوحيد لابن باز - الصفحة أو الرقم: 389 وقال: صحيح جيد، وابن عثيمين في مجموع فتاوى - الصفحة أو الرقم: 1125/10 وقال: موقوف له حكم الرفع. [9] - فِي تَفْسِيْرِهِ (5/339).ط. دار طيبة للنشر والتوزيع .
  4. زجر المُلحد([1]) الماكر الذي تعدَّى على الشيخ العلاَّمة أحمد محمد شاكر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حق حمده ، والصلاة والسلام على نبيه وعبده ، وآله وصحبه وحزبه ووفده ، أمَّا بعد : فقد شغَّب المدعو ( إلحاد البحيري = Islam Behery ) على الشيخ العلاَّمة القاضي أحمد شاكر - رحمه الله - عبر صفحته بالفيس بوك ، وتعرَّض لرسالته التي عُنون لها بـ : « كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر » ، بالاستهزاء والسخرية كما هي عادته ، وادَّعى زورًا وكذبًا بأن كتابه الآنف الذكر يدعو لقتل المسلمين وغير المسلمين ! وهو كاذبٌ في دعواه ، وتكلَّم عن الشيخ - رحمه الله - بطريقة سمجة ، فيها سوء أدب ، وحقدٍ دفينٍ على الإسلام وأهله ، وادَّعى على الشيخ أمورًا عظيمة ، ولم يراعي حرمة الشيخ ، ولا سنَّه ، ولا مكانته ، ولا علمه ، وادعى عليه أنه يفتح الباب - في زعمه - لكل من التزم ! أنه يستبيح دم شارب الخمر دون الرجوع إلى الحاكم المسلم ، وجرى ذلك منه مجرى الدفاع عن صاحب محل الخمور النصراني الذي قتل من أيام في شارع خالد بن الوليد بمحافظة الأسكندرية على يد رجل يقال عنه بأنه ملتحٍ ، يُدعى بـ : عسلية ! ، والذي تم القبض عليه إبَّان جريمته على الفور ، وفي نفس الليلة التي قام فيها بذبح بائع الخمور في الطريق العام على مرأى ومسمعٍ من بعض الناس ، ومما لا شك فيه أن إهدار دم المذكور بهذه الطريقة ، وهذه الصورة الدموية من قبل آحاد الرعية فيه من الظلم والعدوان ما فيه ، ودين الإسلام يأبى هذا السلوك البتة ، ويرفض هذه الطريقة رفضًا تامَّا ، سواءً كان قتله من قِبل بعض العصاة المذنبين ، أو ممن يتجرون بهذا الدين ؛ فعن صفوان بن سُليم ، عن عدةَ من أبناء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن آبائهم ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « ألا من ظلم معاهدًا ، أو انتقصه ، أو كلَّفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفسٍ ؛ فأنا حجيجه يوم القيامة([2]) » ؛ فكيف بقتله ، وإهدار دمه ظلمًا وعدوانًا ؟! . وروى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا » ؛ فأخذ إلحاد البحيري هذه الحادثة نموذجًا ليشنَّع من خلالها على الإسلام وأهله ، وليصور للناس بأنَّ هذا الإسلام ليس هو الإسلام الحق ، وأن الإسلام الذي بين أيدينا إسلام دموي يتشدق إلى الدماء والأشلاء ويكفر النصارى ! ، ويأمر بقتلهم ! ، ويستبيح بيضتهم ، ويأمر بسفك دمائهم ، وليست هي بالأولى من المومى إليه ؛ فالرجل معروف بعدائه للدين من قبل ومن بعد . وقبل الشروع في الرد على هذا الدعي الإباحي الإلحادي أعرض على القرَّاء الكرام كلامه بحذافيره كما جاء عبر صفحته . قال - فض الله فاه وأخزاه - : في شخص مهم جدا كمرجع يعني عند أي عيل التزم وربى دقنه الشخص ده عندهم بيسموه " العلامة " أحمد شاكر وده مات سنة 1958 الأخ بقى ده عنده كتيب مطبوع مهم عندهم اسمه " الكلمة الفصل في قتل مدمني الخمر " وده يعني بيلخص الطريق على الواد الملتزم بدل ما يتعب نفسه ويقرا المذاهب الأربعة وكتب الحديث فالواد بيقرا عن أدلة قتل مدمن وبائع الخمر بدون الرجوع للحاكم من المذاهب الأربعة ركز........بدون الرجوع للحاكم فما بالك وهو كمان في نظرهم مسيحي " كافر " أنا حزين للي وصلت إليه الأمور هتفضل الناس تتقتل فرادى وجماعات وهيفضل كهنة المعبد يخادعون الله والدولة والناس وينكروا ويستنكروا ويصدروا بيانات إدانة وهتفضل الكتب دي تشكل الوعي والتدين ويتسجن اللي يقولهم منين منبع أنهار الدم مفيش جديد ومفيش تحرك ومفيش تغيير ومفيش حاجة .اهـ قال المهرطق إلحاد البحيري - عامله الله بعدله - : في شخص مهم جدا كمرجع يعني عند أي عيل التزم وربى دقنه الشخص ده عندهم بيسموه " العلامة " أحمد شاكر وده مات سنة 1958 ، الأخ ( كذا ! ) بقى ده عنده كتيب مطبوع مهم عندهم اسمه الكلمة الفصل في قتل مدمني الخمر .اهـ قلت : سمير بن سعيد القاهري - عفا الله عنه وغفر له - : الشيخ العلاَّمة أحمد شاكر - رحمه الله - لمن لا يعرفه كان محدَّث الديار المصرية في زمنه ، وهو أحد قادة أعلام الحديث في العصر الحديث ، نشأ وترترع في بيت علم وفضل ؛ فوالده هو الشيخ العلاَّمة محمد شاكر - رحمه الله - وكيل الجامع الأزهر ، وأمين الفتوى ، والذي عمل في منصب قاضي قضاة السودان ، وقد انتقل الشيخ أحمد شاكر مع والده حيث تلقى علومه الأولى بكلية جوردون ؛ فلمَّا عاد والده من السودان تولى مشيخة علماء الإسكندرية عام : (1321) هجريًا ، الموافق : (1904) ميلاديًا ، بدأ الشيخ أحمد شاكر في دراسة علم الحديث بهمةٍ لا تعرف الكلل حتى تضلَّع فيه وفاق أقرانه ، وذلك منذ عام : (1327) هجريًا ، الموافق : (1909) ميلاديًا ، وكان والده - رحمهما الله - من أكبر شيوخه ؛ حيث كان يعقد مجلس علم يوميًا له ، ولباقي إخوته كذلك ، وفي هذه المجالس قرأ عليهم : تفسير البغوي ، والنسفي ، وصحيح مسلم ، وسنن الترمذي ، وصحيح البخاري ، وفي الأصول : جمع الجوامع ، وشرح الإسنوي على المنهاج ، وفي الفقه الحنفي الهداية ؛ على طريقة السلف - رحمهم الله - ، وهذه الدراسة الصحيحة للعلم أخرجت لنا عالمًا فذًا في الحديث والفقه والتفسير شهد له بذلك كل من عاصره من العلماء والفحول والأدباء . فإن الناظر في كثير من كلام هذا المأفون الدعي الإباحي الإلحادي يعلم علم يقين أنه محرَّف ماهر ، وملبِّس غادر ، ومدلسٌ ماكر ؛ ففي كلامه هذا يريد أن يذهب بمن يقرأ له بعيدًا ؛ بعيدًا ؛ ليظهر له أن هذا الإسلام وأهله هو سبب تخلِّف المسلمين في زعمه الكاسد ، ولكونه يعلم أن أكثر المعلقَّات ! عنده والمعلقين لا يراجعون ما يكتب مما يَردُّ به على الإسلام والمسلمين ؛ لقناعتهم الزائدة بما يكتب ، ولو قرأوا - فهُم مثله ! - لا يفهمون ما يقرأون ؛ فإنه يتحكَّم في أفكارهم كيف يشاء من خلال ما يكتب ويسطِّر في صفحته التي من أمعن النظر فيها فإنه لا يزداد من الله إلاَّ بعدًا ! ؛ نظرًا لأن أكثر المعلقين عنده نساء سافرات متبرجات ، كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ! ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، وهم جمهوره الأعظم ، شأنه في ذلك شأن الدجَّال الأكبر ! . ولذلك فإن أكثر المعلقين عنده لا يفقهون شيئًا في دين الله ، ولا يعلمون من دين الإسلام العظيم إلَّا الكلمة الطيبة التي كُتبت في هويتهم ، وليس هذا مني تكفيرًا لهم ؛ فمن فرط جهل الكثيرين منهم أنهم لا يعلمون أن الرجل لا يحارب أشخاصًا يمتون إلى الدين وليسوا منه - كما يتوهم بعضهم - وذلك في صورة محاربته للإرهاب في زعمه ، ولكنه يحارب دين الله بحيلة ماكرة جدًا ؛ وذلك في صورة محاربته لبعض رجالات الدين من الأئمة المجتهدين ممن ينبري للرد عليهم بين الفينة والفينة ، والسعي الحثيث تشويه صورتهم ؛ فأفسد بهذا الصنيع ، وشكك كثير من الناس في عقائدهم وتراثهم وعلمائهم ! بحجة تنقية التراث مما دخل فيه وعلق به ، وليس الأمر كذلك ، فإنه يريد اجتثاث الدين من جذوره ، واقتلاعه من أصله ؛ حتى يصير الناس بلا دين أو هوية ، تتحكم فيهم الشهوات والنزوات ، وعندها يحقُّ للناس أن يشككوا في ربِّ العالمين نفسه ورسله واليوم الآخر ؛ فيعود الناس إلى الردة بعد الإسلام ، وإلى الإلحاد والكفران بعد الإيمان : { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } [التوبة : 32] . فإن الذي تكفَّل بحفظ دينه هو الله ؛ فرسالته رسالة عالمية للناس كآفة ، ورسوله - عليه الصلاة والسلام - هو خاتم الرسل ، وكتابه آخر الكتب ، ورسالته آخر الرسالات ؛ فهيهات هيهات . والعلماء الذين يناطحهم هذا الغر المأفون ، وينادي بهم على رؤوس الأشهاد كلما سنحت له الفرصة هم ورثة النبي - صلى الله عليه وسلَّم- على الحقيقة ؛ فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ، وإنما ورَّثوا العلم ؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر كما صح ذلك عنه - عليه الصلاة والسلام - ، وأهل الحديث ومنهم الشيخ العلاَّمة المحدِّث أحمد شاكر - رحمه الله - هم رجالات هذه الملة ، بهم حفظ اللهُ دينه من عبث العابثين ، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة إلى يوم الدين ، والتي عناهم رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - الأمين ؛ بقوله : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله([3]) » . قال ابن المبارك - رحمه الله - لما سُئل عن هذه الطائفة : هم عندي أصحاب الحديث . وقال علي بن المديني : هم أصحاب الحديث . وسئل الإمام أحمد عن هذه الطائفة ؛ فقال : إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث، فلا أدري من هم ؟! . قال الحافظ أحمد بن سنان : هم أهل العلم ، وأصحاب الآثار . قال البخاري : يعني أصحاب الحديث . وقال في موضع آخر : وهم أهل العلم . قال الإمام الألباني - رحمه الله - في السلسلة الصحيحة : ولا منافاة بينه وبين ما قبله كما هو ظاهر ، لأن أهل العلم هم أهل الحديث ، وكلما كان المرء أعلم بالحديث كان أعلم في العلم ممن هو دونه في الحديث كما لا يخفى .اهـ قال البخاري في كتابه : خلق أفعال العباد ، صحيفة ( 77 ) من الطبعة الهندية : وقد ذكر بسنده حديث أبي سعيد الخدري في قوله - تعالى - : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ } [البقرة : 143] ، قال - رحمه الله - : هم الطائفةَ التي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فذكر الحديث . قال الإمام الألباني - رحمه الله - معلقًا كما في السلسلة الصحيحة : وقد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة ، والفرقة الناجية بأنهم أهلُ الحديث ، ولا غرابة في ذلك إذا تذكرنا ما يأتي : أولًا : أنَّ أهل الحديث هم بحكم اختصاصهم في دراسة السُنة ، وما يتعلق من معرفة تراجم الرواة ؛ وعلل الحديث ، وطرقه ، أعلم الناس قاطبة بسنةِ نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وهديه ، وأخلاقه ، وغزواته ، وما يتصل به - صلى الله عليه وسلم - . ثانيًا : أنَّ الأمةَ قد انقسمت إلى فرقٍ ومذاهب لم تكن في القرن الأول ، ولكل مذهبٍ أصوله وفروعه ، وأحاديثه التي يستدل بها ، ويعتمد عليها ، وأن المتمذهبَ بواحدٍ منها يتعصب له ، ويتمسكَ بكل ما فيه دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى ، وينظر لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلَّده ؛ فإن من الثابت لدى أهل العلم أن في كل مذهب من السنة والأحاديث ما لا يوجد في المذهب الآخر ؛ فالمتمسكِ بالمذهب الواحد يضل ولابد عن قسمٍ عظيم من السنة المحفوظةِ لدى المذاهبَ الأخرى ، وليس على هذا أهلُ الحديث ؛ فإنهم يأخذون بكل حديث صحَّ إسناده في أي مذهب كان ، ومن أي طائفةٍ كان راويه ؛ ما دام أنه مسلم ثقة ، حتى لو كان شيعيًا أو قدريًا أو خارجيًا ؛ فضلا عن أن يكون حنفيًا أو مالكيًا أو غير ذلك ، وقد صرَّح بهذا الإمام الشافعي - رضي الله عنه - حين خاطب الإمام أحمد بقوله : أنتم أعلمُ بالحديث مني ، فإذا جاءكم الحديث صحيحًا فأخبرني به حتى أذهب إليه ؛ سواء كان حجازيًا ، أم كوفيًا ، أم مصريًا . فأهل الحديث - حشرنا الله معهم - لا يتعصبون لقول شخص معينٍ مهما علا وسما ، حاشا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، بخلاف غيرهم ممن لا ينتمي إلى الحديث والعمل به ، فإنهم يتعصبون لأقوال أئمتهم - وقد نهوهم عن ذلك - كما يتعصب أهل الحديث لأقوال نبيهم ! ؛ فلا عجب بعد هذا البيان أن يكون أهل الحديث هم : الطائفة الظاهرة ، والفرقة الناجية ، بل والأمة الوسط الشهداءُ على الخلق .اهـ ثم قال الإمام الألباني - رحمه الله - : ويعجبني بهذا الصدد قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه : شرف أصحاب الحديث ، انتصارًا لهم ، وردًا على من خالفهم : ولو أنَّ صاحب الرأي المذموم شُغل بما ينفعه من العلوم ، وطلب سنن رسول رب العالمين ، واقتفى آثار الفقهاء والمحدِّثين ، لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه ، واكتفي بالأثر عن رأيه الذي يراه ، لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد ، وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد ، وصفات رب العالمين - تعالى عن مقالات الملحدين - والإخبار عن صفة الجنة والنار ، وما أعدَّ الله فيها للمتقين والفجار ، وما خلق الله في الأرضين والسماوات ، وصنوف العجائب وعظيم الآيات ، وذكر الملائكة المقربين ، ونعت الصافين والمسبحين ، وفي الحديث قصص الأنبياء ، وأخبار الزُهَّاد والأولياء ، ومواعظ البلغاء ، وكلام الفقهاء ، وسير ملوك العرب والعجم ، وأقاصيص المتقدمين من الأمم ، وشرح مغازي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وسراياه ، وجمل أحكامه وقضاياه ، وخطبه وعظاته ، وأعلامه ومعجزاته ، وعدة أزواجه وأولاده ، وأصهاره وأصحابه ، وذكر فضائلهم ومآثرهم ، وشرح أخبارهم ومناقبهم ، ومبلغ أعمارهم ، وبيان أنسابهم . وفيه تفسير القرآن العظيم ، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم ، وأقاويل الصحابة في الأحكام المحفوظة عنهم ، وتسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم ، من الأئمة الخالفين ، والفقهاء المجتهدين . وقد جعل الله أهله أركان الشريعة ، وهدم بهم كل بدعة شنيعة ، فهم أمناء الله في خليقته ، والواسطة بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته ، والمجتهدون في حفظ ملته ، أنوارهم زاهرة ، وفضائلهم سائرة ، وآياتهم باهرة ، ومذاهبهم ظاهرة ، وحججهم قاهرة ، وكل فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه ، وتستحسن رأيا تعكف عليه ، سوى أصحاب الحديث ، فإن الكتاب عدتهم ، والسنة حجتهم ، والرسول فئتهم ، وإليه نسبتهم ، لا يعرِّجون على الأهواء ، ولا يلتفتون إلى الآراء . يقبل منهم ما روواْ عن الرسول ، وهم المأمونون عليه العدول ، حفظة الدين وخزنته ، وأوعية العلم وحملته ، إذا اختُلف في حديث كان إليهم الرجوع ، فما حكموا به فهو المقبول المسموع ، منهم كل عالم فقيه ، وإمام رفيع نبيه ، وزاهد في قبيلة ، ومخصوص بفضيلة ، وقارئ متقن ، وخطيب محسن ، وهم الجمهور العظيم ، وسبيلهم السبيل المستقيم ، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر ، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر ، من كادهم قصمهم الله ، ومن عاندهم خذله الله ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا يفلح من اعتزلهم ، المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير ، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير ، وإن الله على نصرهم لقدير . ثم ساق الحديث من رواية قُرة ، ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال : هم أهل الحديث ، والذين يتعاهدون مذاهب الرسول ، ويذبون عن العلم ، لولاهم لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيئًا من السنن ، قال الخطيب البغدادي - رحمه الله - في كتابه شرف أصحاب الحديث : فقد جعل ربَّ العالمين الطائفة المنصورة حرَّاس الدين ، وصرف عنهم كيد المعاندين ، لتمسكهم بالشرع المتين ، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين ، فشأنهم حفظ الآثار ، وقطع المفاوز والقِفار ، وركوب البراري والبحار ، في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى ، لا يعرِّجون عنه إلى رأي ولا هوى ، قبلوا شريعته قولاً وفعلاً ، وحرسوا سنته حفظا ونقلاً ، حتى ثبَّتوا بذلك أصلها ، وكانوا أحق بها وأهلها ، وكم من ملحد يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها ، والله - تعالى - يذب بأصحاب الحديث عنها ؛ فهم الحفاظ لأركانها ، والقوَّامون بأمرها وشأنها ، إذا صدف عن الدفاع عنها ، فهم دونها يناضلون ، أولئك حزب الله ، ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون . ثم ساق الخطيب - رحمه الله تعالى - الأبواب التي تدل على شرف أصحاب الحديث ، وفضلهم ؛ لا بأس من ذكر بعضها ، وإن طال المقال ، لتتم الفائدة ، لكني أقتصر على أهمها ، وأمسها بالموضوع : 1 - قوله - صلى الله عليه وسلم - : « نضَّر اللهُ امرءا سمع منَّا حديثًا فبلغه .. » . 2 - وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بإكرام أصحاب الحديث . 3 - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ... » . 4 - كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التبليغ عنه . 5 - وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - إيمان أصحاب الحديث . 6 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لدوام صلاتهم عليه . 7 - بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بكون طلبة الحديث بعده واتصال الإسناد بينهم وبينه . 8 - البيان أن الأسانيد هي الطريق إلى معرفة أحكام الشريعة . 9 - كون أصحاب الحديث أمناء الرسل - صلى الله عليهم وسلم - لحفظهم السنن وتبيينهم لها . 10 - كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبهم عن السنن . 11 - كون أصحاب الحديث ورثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما خلفه من السنة وأنواع الحكمة . 12 - كونهم الآمرين بالمعروف ، والناهين عن المنكر . 13 - كونهم خيار الناس . 14 - من قال : إن الأبدال والأولياء أصحاب الحديث . 15 - من قال : لولا أهل الحديث لا ندرس الإسلام . 16 - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة، وأسبق الخلق إلى الجنة . 17 - اجتماع صلاح الدنيا والآخرة في سماع الحديث وكتبه . 18 - ثبوت حجة صاحب الحديث . 19 - الاستدلال على أهل السنة بحبهم أصحاب الحديث . 20 - الاستدلال على المبتدعة ببغض الحديث وأهله . 21 - من جمع بين مدح أصحاب الحديث ، وذم أهل الرأي والكلام الخبيث . 22 - من قال : طلب الحديث من أفضل العبادات . 23 - من قال : رواية الحديث أفضل من التسبيح . 24 - من قال : التحديث أفضل من صلاة النافلة . 25 - من تمنى رواية الحديث من الخلفاء ، ورأى أن المحدثين أفضل العلماء . ثم قال الإمام الألباني - رحمه الله - : وأختم هذه الكلمة بشهادة عظيمة لأهل الحديث من عالم من كبار علماء الحنفية في الهند ، ألا وهو أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي ، قال - رحمه الله - : ومن نظر بنظر الإنصاف ، وغاص في بحار الفقه والأصول متجنبًا الاعتساف ، يعلم علمًا يقينيًا أنَّ أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها ، فمذهب المحدِّثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم ، وإني كلمَّا أسيرُ في شعْب الاختلاف ؛ أجد قول المحدِّثين فيه قريبًا من الإنصاف ، فلله درهم ، وعليه شكرهم ، ( كذا ) كيف لا ؛ وهم ورثة النبي - صلى الله عليه وسلم - حقًا ، ونواب شرعه صدقًا ، حشرنا الله في زمرتهم ، وأماتنا على حبهم وسيرتهم([4]) .اهـ قلت : سمير بن سعيد القاهري - عفا الله عنه وغفر له - : فلا غرو أن ترى ذاك الغمرُ يتناول الشيخ العلاَّمة المحدِّث أحمد شاكر - رحمه الله - بالثلب ؛ فقد شهد له علماء عصره أنه من أهل الحديث وعلمائه ؛ فلا يعادي أهل العلم إلاَّ من كان معاديًا لدين الله - تبارك وتعالى - ضمنًا ؛ فهم حرَّاس هذا الدين من كيد الكائدين ، ومكر الماكرين ، وعبث العابثين من أمثال هذا اللئيم المهين ، الله أسأل أن يرحم الشيخ جزاء خدمته لسنة النبي - عليه الصلاة والسلام - وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجِنان ، وأن يحشرنا وإياه مع النبي العدنان - عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . قال المهرطق إلحاد البحيري - عامله الله بعدله - : الأخ ( كذا ! ) بقى ده عنده كتيب مطبوع مهم عندهم اسمه : ( الكلمة الفصل في قتل مدمني الخمر ) ، وده يعني بيلخص الطريق على الواد الملتزم بدل ما يتعب نفسه ويقرا المذاهب الأربعة وكتب الحديث ؛ فالواد بيقرا عن أدلة قتل مدمن وبائع الخمر بدون الرجوع للحاكم من المذاهب الأربعة ، ركز .. بدون الرجوع للحاكم ؛ فما بالك وهو كمان في نظرهم مسيحي كافر .اهـ قلت : سمير بن سعيد القاهري - عفا الله عنه وغفر له - : أمَّا عن الكتيب المطبوع الذي ذكره ؛ بعنوان : الكلمة الفصل في قتل مدمني الخمر ) ؛ فعنوانه الصحيح : ( كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر ) ؛ فهو بحثٌ فقهي حديثي ، تعرض فيه الشيخ - رحمه الله - لحديثٍ من أحاديثِ الرسول - صلى الله عليه وسلَّم - ، وعلَّق عليه بأسلوب علمي كما هي عادة أهل الصنعة الحديثية ، وأصل هذا الحديث في مسند الإمام أحمد - رحمه الله - ، والشيخ - رحمه الله - بعد تعليقه عليه جعله في جزء مستقل حتى يعم به النفع ، وقد رد الشيخ - رحمه الله - فيه على من قال بأن مدمن الخمر لا يقتل ومعلومٌ أنها مسألة فقهية خلافية مشهورة ؛ وقد قرر الشيخ - رحمه الله - هذا في رسالته كما سيأتي بيانه ، وأثبت أن اللفظة الواردة في حديث الرسول - عليه الصلاة والسلام - : « ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه ... » هي الحق الذي لا مرية فيه ، ولا شبهة تعتريه ، وردَّ الشيخ - رحمه الله - على دعوى النسخ التي قال بها بعض أهل العلم . وأمَّا عن إفراد الشيخ - رحمه الله - هذا الجزء من بحثه للطباعة مستقلاً ، واهتمامه به دون غيره من الأبحاث التي حققها في المسند ؛ فهذا كان لحكمة أوضحها الشيخ في مقدمة الكتاب ، وسنأتي عليها بعد قليل - بحول الملك الوهَّاب - ؛ فأين دعوى البحيري التي ادَّعى فيها أن هذا الكتاب يحض على قتل غير المسلم ، كما ادعى فيما سوَّده في صفحته السوداء ؟! قال الشيخ العلاَّمة المحدِّث أحمد بن محمد شاكر - رحمه الله - في مطلع رسالته : كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر ؛ ما نصه : وهذا الحكم الذي نقرر في هذه الرسالة ، قتل مدمني الخمر ، حُكمٌ ثابت محكم ، وهو العلاج الصحيح لهذا الدواء الدويَّ ، لن يفلح المسلمون إلاَّ إن أقاموه ، وأقاموا حدود الله ، نعم إن أكثر الفقهاء المتقدمين والمتأخرين ذهبوا إلى نسخه ، وقد حققنا أنه غيرُ منسوخ ، ولكن لم يكن لترك الأخذ به من الأثر ما نرى في زماننا هذا ، لأن النَّاس كانوا يستحيون ، وكانت الشريعةُ فيهم مُقامة ، وكانت لها الكلمة العليا ؛ فكان المنكر - من خمرٍ وغيره - قليلاً مستورًا ؛ لم يكن في العلن وعلى رؤوس الأشهاد كما نرى الآن ! ، وما خلا عصر ، وما خلت أمة من المعاصي ، بضعف الإنسان وغلبة الشيطان ، ولكنَّ السوء كل السوء في الإذاعة والإعلان([5]) .اهـ وقال - رحمه الله - في موضع آخرٍ من مقدمته بُعيد هذه الصحيفة مباشرة : هذا تحقيقُ وافٍ - فيما أرى - لحديث الأمر بقتل شارب الخمر في الرابعة ، يتبين منه القارىء أن هذا الأمر محكمٌ ثابت لم ينسخ ، وأنه هو العلاج الصحيح للإدمان الذي يكاد يقضي على الأمم الإسلامية ، ويكاد يذهب بتشريعهم السامي ، وآداب الإسلام العالية النقية([6]) .اهـ ثم يقال لإلحاد البحيري ومن على شاكلته : هل الشيخ - رحمه الله - أراد من بحثه هذا أن يجعل قتل مدمن الخمر لكل أحدٍ من آحاد الناس أم أنه خص بهذا الحكم طائفة بعينها ، وهم الحكَّام والأمراء والسلاطين ، ومن كان في مكانتهم من القضاة والمفتين ؛ ممن يفتون في مثل هذه الحالات الحرجة والتي لا يستطيع أن يتكلم فيها إلاَّ هم ؟! وإليك أيها القارىء الكريم جواب الشيخ - رحمه الله - وهو كالشمس في رائعة النهار ، وفيه ردٌ على كذب هذا الدجال وإفكه الذي ائتفكه ونشره . قال الشيخ العلاَّمة أحمد بن محمد شاكر - رحمه الله - في موضع آخر من رسالته المذكورة آنفًا ، وفي خاتمة بحثه تحديدًا : فإلى ملوك المسلمين وزعمائهم ، وأئمتهم وعلمائهم أسوق القول ، وأدعوهم أن يحفظوا على المسلمين ما بقي لهم من دينٍ وخُلق ؛ فيثيروها حربًا شعواء على الخمر ، ومدمني الخمر ، وتجَّار الخمر ، وعبيد الخمر ، وأن يطيعوا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - : « من غلبت عليه فاقتلوه ... »([7]) .اهـ قلت : سمير بن سعيد القاهري - عفا الله عنه وغفر له - : عُلم بذلك أن إلحاد البحيري كذَّاب ، وأنه ما أراد بما قاله وجه الله ، لأنه لو كان يريد وجه الله بكلامه لأنكر على إخوانه الذين يشربون الخمر في المحافل والأماكن العامة جهارًا نهارًا ولا يستحيون من خالقهم([8]) ، ولكنه أراد بهذا الكلام أن يعكر صفر الإسلام ، وأن يَشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وذلك بصد أي كلامٍ يقال من أهل العلم في التحذير من الخمر التي حذَّر الله - تبارك وتعالى - منها في كتابه ، وحذَّر منها رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - في سنته التي يطعن فيها ابن البحيري - عليه من الله ما يستحقه - ، وكأنه يريدها جَذَعًا حتى يُمَكِّن لإخوانه من المتحررين والمتنورين = الإلحاديين والاَّ دينيين أن يشربوها علنًا في الشوارع والميادين بين عوام المسلمين حتى يصير المعروف منكرًا ، والمنكر معروفًا ، وهذا منه يعدُ حربًا ماكرة سافرة على الإسلام والمسلمين ؛ يقودها هذا الملحد الضال ليبدِّل من خلال حربه الشعواء دين الناس ، { وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [يوسف : 21] . قال المهرطق إلحاد البحيري - عامله الله بعدله - : وده يعني بيلخص الطريق على الواد الملتزم بدل ما يتعب نفسه ويقرا المذاهب الأربعة وكتب الحديث ؛ فالواد بيقرا عن أدلة قتل مدمن وبائع الخمر بدون الرجوع للحاكم من المذاهب الأربعة ، ركز .. بدون الرجوع للحاكم .اهـ والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا يحيل إلحاد البحيري الشباب الذي التزم حديثًا للرجوع إلى الأئمة الأربعة ؟! قلت : سمير بن سعيد القاهري - عفا الله عنه وغفر له - : ألستَ القائل عن الأئمة الأربعة ؛ وهذا موجود بصوتك لا تستطيع أن تنكره : أن الأحاديث التي يستدل بها أصحاب المذاهب الأربعة أحاديث ضعيفة لا يحتج بها ، ولاسيما في المواريث والأحكام ! ، علمًا بأن آيات المواريث محكمة ، وهي من أقل الأحكام خلافًا في شريعة الإسلام ؛ ذلك لأن الله - تبارك وتعالى - قد بينها بيانًا شافيًا كافيًا في كتابه العزيز ! ، وهذا يدل أيضًا على كذبك وافتراءك . ألستَ القائل عن الإمام المبجل أحمد بن حنبل أن مذهبه ليس بمذهب ! ، وأن كتابه المسند الذي صنَّفه من أضعف الكتب على وجه الأرض - كما تزعم - ، وأنه مليء بالأحاديث المكذوبة والمتروكة ؟! فلماذا إذن تعوِّل على المذاهب الأربعة ، وتحض الشباب عليها وهي كتب إرهاب وعنف في زعمك الكاسد ، وفهمك الفاسد ؟! ألستَ القائل في برنامجك على قناة العاهرة والناس حين كنت تتكلم عن الأئمة الأربعة ، والبخاري ومسلم ، وابن تيمية وابن القيم - رحمهم الله - : دول سفاحين ، وقتلة ، وجهلة ، ومش أئمة ، ولعنة الله على اللي عمل التراث ، ولعنة الله على اللي قدسه ، ولعنة الله على اللي لسه بيدافع عنه ، ده اسمه أيه ؟ شفتم الكتب دي تمثل أيه ؟ فرحانين بالمذاهب الأربعة ؟! ، دي المذاهب الأربعة !.اهـ فلماذا تنقض كلامك يا هذا ؟ أم أن كلامك لمريديك من باب ذر الرماد في العيون أردت من خلاله أن تتمترس بالإسلام وأهله من طرف خفي ، وأنت من ألد أعداء الإسلام لو كنت تعي ما تقول ! ؛ فمن المتناقض إذن ؟! ومن المضطرب في أقواله ؟! ألستَ القائل بأن أكثر الأحاديث ، ولاسيما أحاديث البخاري ومسلم ؛ فيها تناقض وكذب ! ؛ فلماذا تحيل الناس الآن على كتب الحديث التي تطعن فيها ليل نهار ، وأنت تعلم جيدًا أنَّ البخاري ومسلم هما أصح الكتب بعد كتاب الله - عز وجل - بإجماع كل العقلاء من علماء المسلمين ؟! ألست القائل بأن الأحاديث التي صحت عن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قليلة جدًا ، وأن البخاري ومسلم ليسا كبيران على النقد ! ؛ فعلى أي كتاب من كتب الحديث تحيل القارىء في كلامك ؟!! أسأل الله - جل في علاه - أن يفضحك في قعر بيتك ، وأن يعجِّل بانتقامه منك ، وأن يجعلك وربعك عبرة لمن اعتبر ومن لم يعتبر . قال المهرطق إلحاد البحيري - عامله الله بعدله - : فما بالك وهو كمان في نظرهم مسيحي كافر .اهـ قلت : سمير بن سعيد القاهري - عفا الله عنه وغفر له - : قل لي بربك يا هذا إن كنت به من الموقنين ، واصدقني القول : من أين أتيت بأسلمة النصارى ، وعدم تكفيرهم ؟ أطالبك بدليل من كتاب الله ! إن كنت قد قرأته كاملاً ، ولا إخالك قد قرأت كتاب الله - تبارك وتعالى - يومًا أيها الرجل ؟ أوما وقفت يومًا على قول الله - تبارك وتعالى - : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } [المائدة : 72] . وقوله : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة } [المائدة : 73] . لقد كفَّر الله الطائفتين من النصارى ، الأرثوذكس والكاثوليك ، كفَّر في كتابه من اعتقد أن المسيح هو الله ، ومن اعتقد أن المسيح ابن الله ؛ فماذا أنت قائلٌ يا ابن البحيري ؟ ، وأين تذهب من هذه الآيات المحكمات ؛ التي أنزلها ربُّ الأرض والسموات ؟! فإيَّاك أن تلبِِّس أو تدلِّس قائلاً : أتحدى أن يأتي لي واحد من هؤلاء بآية من كتاب الله فيها تكفير للمسيحي ؟! ومع كوننا نعتقد فيهم ذلك ، ويعتقدون فينا ذلك أيضًا ! ، بل من جملة ما يعتقدونه : أنه لا يجوز الترَّحم على من كان منهم ثم اعتنق الإسلام ومات عليه ، وارتد عن النصرانية في زعمهم ! ؛ لأن ذلك مخالف لطقوس الكنيسة كما صرَّح بذلك البابا شنودة في تسجيل له مبذول عبر اليوتيوب ! ؛ فلماذا لم تنكر على البابا شنودة تكفيره لمن اعتنق الإسلام ومات على ذلك ، وقوله : أنه لا يجوز الترحم على من أسلم([9]) ؟! ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أننا نكفِّر من كفَّره الله ورسوله ، لأن هذا حكم الله الذي لا يجوز أن يُعارض بعقولنا ، ولا بآرائنا ؛ فلا مجال - أبدًا - لتدخل العقل في المنصوص عليه ؛ فصريح النقل لا يتعارض مع صحيح العقل ولا يصادمه بل يباركه ويزكيه . فقد أحل الله لنا معهم البيع والشراء ، ونكاح النساء ، وأكل طعامهم ، وكذلك أمرنا بالعدل والقسط إليهم ، وترك آذيتهم وظلمهم ، أو التهكم عليهم ، والسخرية منهم ؛ فلا تتعارض عقيدتنا في تكفيرهم مع حسن معاملتهم ، وبرهم ، وعدم التعدي عليهم ، أو ظلمهم ، قال الله - تبارك وتعالى - : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [الممتحنة : 8] . فأمرنا بالبر والقسط وهو العدل ، ونهانا عن مصادقتهم وحبهم والتودد إليهم ؛ فقال - سبحانه - : { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [المجادلة : 22] . فالتودد ، والمحبة ، والمصادقة ، والأخوَّة تكون لأهل الإسلام والإيمان كل بحسبه ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « لا تصاحب إلاَّ مؤمنًا ، ولا يأكل طعامك إلاَّ تقي([10]) » . فهذا تصريح منه - عليه الصلاة والسلام - بمصاحبة أهل الإيمان ومصادقتهم دون غيرهم من الناس . قال المهرطق إلحاد البحيري - عامله الله بعدله - : أنا حزين للي وصلت إليه الأمور ، هتفضل الناس تتقتل فرادى وجماعات ، وهيفضل كهنة المعبد يخادعون الله والدولة والناس ، وينكروا ويستنكروا ويصدروا بيانات إدانة ، وهتفضل الكتب دي تشكل الوعي والتدين ، ويتسجن اللي يقولهم منين منبع أنهار الدم ، مفيش جديد ومفيش تحرك ومفيش تغيير ومفيش حاجة .اهـ قلت : سمير بن سعيد القاهري - عفا الله عنه وغفر له - : فالرد على هذا الكلام من أربعة وجوه : الوجه الأول في الردِّ على قولك : أنا حزين للي وصلت إليه الأمور . فإنني أقول : وايم الله لَرَاقمُ هذه السطور أشدُّ حزنًا منك ، لأن خروج دجاجلة مثلك في زمننا هذا يؤكد لي ولغيري قُربَ خروجِ الدجَّال الأكبر ؛ لأنه قبل خروجه يتبعه دجاجلة صغار ! ، وأنت واحدٌ من هؤلاء ، وفيك وفي أمثالك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - : « سيأتي على الناس سنوات خداعات ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذب ، ويُكذَّب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن ، ويخوَّن فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة ، قيل : وما الرويبضة ؟ ، قال : الرجل التافه يتكلم في أمر العامة([11]) » . الوجه الثاني في الردِّ على قولك : وهيفضل كهنة المعبد يخادعون الله والدولة والناس . فإنني أقول : أخشى أن يكون قولك : كهنة المعبد ؛ تكفير لكل أهل السنة في مشارق الأرض ومغاربها ، ولاسيما بعد أن أظهرت وصنوك العداء الشديد لأهل الأزهر ورجالاته ! ، وذلك لكونه يمثِّل الدين الوسطي عند أغلب العامَّة ، أمَّا عن مخادعة الدولة فلا أمكرَ منك ولا أخدعَ من ربعك ؛ فإنكما تريدونها دولة بلا دين ، تتحكم فيها الأهواء والشهوات والنزوات ؛ حتى يكثرُ فيها الخبث والنجس ممن هم مثلكَ وعلى شاكلتِك ، وعليه أقول : اللهم إن كان المدعو إسلام البُحيري كاذباً في دعواه ؛ ويريد بكلامه الطعنَ في السُنة وأهلها ؛ وصرفَ الناسِ عن دين الله الحق ؛ فأطل عمره ، وشدِّد فقره ، وعرِّضه الفتن . الوجه الثالث في الردِّ على قولك : وينكروا ويستنكروا ، ويصدروا بيانات إدانة . فإنني أقول : أين هذه البيانات التي صدرت فيك أيها الدجال ؟ لقد كنت أتمنى ، ويتمنى غيري كذلك من علماء الأزهر أن يصدروا فيك بيانًا شافيًا كافيًا يُبيِّنون فيه زندقتك ومروقك من دين الإسلام ، وأن يُحذِّروا الناس منك ومن خدنك إبراهيم عيسى لتهكمكم على دين الإسلام العظيم ، وذلك لأن الأزهر كمؤسسةٍ كبيرة تمثِّل دين الدولة يجب أن يكون قويًا في إنكار المنكر وأن يأخذ على أيدي السفهاء أمثالك ، ولاسيما إذا كان هذا المنكر بيَّنا واضحًا يشمل الطعن في دين الإسلام ومن ثمَّ يقصد به تحريف الملِّة ، لأن أكثر الناس لا يصدرون إلاَّ منه ، ولا يرجعون إلَّا إليه في فتواهم ، فيجب عليهم أن يصدعوا بالحق ، ولا يخشواْ في الله لومة لائم ، قال الله - تبارك وتعالى - : { وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } [آل عمران : 187] . الوجه الرابع والأخير في الردِّ على قولك : وهتفضل الكتب دي تشكل الوعي والتدين ، ويتسجن اللي يقولهم منين منبع أنهار الدم ، مفيش جديد ومفيش تحرك ومفيش تغيير ومفيش حاجة . فإنني أقول : أنت وأخدانك منبعُ الدمِ والإرهاب ! ، وذلك لأن أي دولة مسلمة إذا تركت أمثالك يرتعون ، ويقولون على الله ما لا يعلمون ، قام المنحرفون فكريًا وعقديًا بتكفير هذه الدولة المسلمة ، كما هو الشأن في دولتنا - حرسها الله - ، وعمدوا إلى تكفير وليَّ أمرها ، وقادتها ، وجيشها لأنها تأوي أمثالك من الزنادقة المنحرفين ، واستحلوا على أثر ذلك دماء الناس حكَّامًا ومحكومين ؛ فمن أرحامكم خرج التكفير ، وأنجب ذاك الولد العاق ؛ فماذا تُلقون باللوم على غيركم ؟! . وأبشرك بأن هذه الكتب - كتب التراث - ستظل شوكةً في عنقك ، وغصةً في حلقك ، وسيبقى هذا التراث ما بقي الدهر - بإذن الله - وإلى أن يرث الله - تبارك وتعالى - الأرض ومن عليها ، وهذا منصوص عليه في كلام اللهِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبموعود النبي محمد - صلى الله عليه وسلَّم - ؛ فالسُنة وحيٌ كالقرآن ، قال الله - تبارك وتعالى - : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } [الأحزاب : 34] ، وقال - تعالى - : { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ } [البقرة : 129] ، ويقول - عز وجل - : { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } [آل عمران : 164] ، ويقول - تعالى - : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } [الجمعة : 2] ؛ فالحكمة التي جاء ذكرها في القرآن هي السُنة ، علم من ذلك أنها وحيٌ من عند الله - تبارك وتعالى - ، وأن المتنقِّص منها متنقِّصٌ من القرآن ! . وقبل الختام أذكرك يا من تسميَّت بإسلام ؛ بحديثٍ لخيرِ الأنام - عليه الصلاة والسلام - ، الغاية من نشره التذكير الحثيث بما جاء فيه من فضل عميم لأهل الحديث ، وأنهم هم أهل الحق في كل زمان ومكان ، وهم على مر العصور أصحاب الصولات والجولات العظام في وجه أهل الضلال والانحراف من الأقزام ، ولذلك رفع قدرهم ، وأعلى ذكرهم ، وقطع دابر من مكر بهم ، نسأل الله - بمنه وكرمه - أن يجعلنا منهم . عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ؛ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : « يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ في بعض الروايات : هو من خيرة الناس يومئذٍ ] فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ ؛ مَسَالِحُ الدَّجَّالِ ؛ فَيَقُولُونَ لَهُ : أَيْنَ تَعْمِدُ ؟ ؛ فَيَقُولُ : أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الذي خَرَجَ ، - قَالَ - فَيَقُولُونَ لَهُ : أَوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا ؟ ؛ فَيَقُولُ : مَا بِرَبِّنَا خَفَاءٌ ؛ فَيَقُولُونَ : اقْتُلُوهُ ؛ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ - قَالَ - ؛ فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ ؛ فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ [ وفي رواية : الذي حدثنا حديثه ، وفي رواية : الذي أنذرناه ] رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلَّم - ، قَالَ : فَيَأْمُرُ الدَّجَّالُ بِهِ فَيُشَبَّحُ ؛ فَيَقُولُ : خُذُوهُ وَشُجُّوهُ ؛ فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا - قَالَ - ؛ فَيَقُولُ : أَوَمَا تُؤْمِنُ بِي ؟ ، قَالَ ؛ فَيَقُولُ : أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ - قَالَ - ؛ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُؤْشَرُ بِالْمِئْشَارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ - قَالَ - ، ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ : قُمْ ؛ فَيَسْتَوِي قَائِمًا - قَالَ - ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ : أَتُؤْمِنُ بِي ؟ ؛ فَيَقُولُ : مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلاَّ بَصِيرَةً - قَالَ - ، ثُمَّ يَقُولُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ؛ إِنَّهُ لاَ يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ - قَالَ - ؛ فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ ؛ فَيُجْعَلَ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا ؛ فَلاَ يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلاً - قَالَ - ؛ فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَيَقْذِفُ بِهِ ؛ فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ » ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : « هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينْ([12]) » . والذي أردته من إيرادي لهذا الحديث الصحيح هنا وفي الختام ، قوله - عليه الصلاة والسلام - : « فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَذَا الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ [ وفي رواية : الذي حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - حديثه ، وفي رواية : الذي أنذرناه ] رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلَّم - » . فهذا الحديث لمن أقوى الأدلة على أن هذا الرجل من أهل الحديث ! ، ودليل ذلك ، قوله : ذكر ، وحدثنا ، وأنذرناه ، مع أن الناظر في هذه الرواية يعلم يقينًا أن هذا الرجل الذي حكم عليه الرسول - عليه الصلاة والسلام - أنه من خيرة الناس يومئذ في بعض الروايات الأخرى الصحيحة في غير مسلم ، يعلم علم اليقين كم بين زمن الرسول - عليه الصلاة والسلام - وزمن هذا الرجل ؛ فبينه وبين الرسول - عليه الصلاة والسلام - مئات إن لم يكن آلاف السنين ! ، ومع ذلك يقول هذا الرجل : حدثنا ! ؛ فأين رأى هذا الرجل الرسول - عليه الصلاة والسلام - حتى يقول ذلك ؟! . فهذا يدل على حرصه على طلب العلم ، وملازمته لأهله ، وأخذه إيَّاه من أفواه الرجال ، ورَّاث الرسول - عليه الصلاة والسلام - حقًا وصدقًا ، وحملة الدين الصحيح ؛ من أهل الحديث ، أهل حدثنا وأخبرنا ؛ الذين يعتنون ؛ بسننه ، وشمائله ، وأيامه ، وغزواته . ومن الفوائد العزيزة أيضًا : أنَّ هذا الإسلام لن يُنصر - أبدًا - إلَّا بأهل العقيدة الصحيحة ، والمنهج المعصوم الذي تركنا عليه الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، وكذلك تركنا عليه صحابته الكرام - رضوان الله عليهم - بغير تحريف أو تبديل ، وفي هذا ردٌ على الزنديق إلحاد البحيري وشيعته ، وأن هذه السنة التي يحاولون تشويه صورتها ليل نهار ، سرًا وجهار ؛ الله ناصرها بعز عزيز ، أو بذل ذليل ، وأن الغلبة والظهور لأهل الحق ؛ فهما علا الباطل فإن الحق منصور . ولله در شيخ الإسلام الثاني ، ابنُ قيِّم الجوزية - رحمه الله - لمَّا قال : وَالْحــقُ مَنْصُورٌ وممتحـنٌ فَلَا تعجـبْ فهذيِ سـنةُ الرَّحْـمَنِ وبذاك يظْهـرُ حزبَهُ من حـزبِهِ وَلَأجــلِ ذَاكَ النَّـاسُ طَائِفَتَانِ ولأجلِ ذَاكَ الْحَرْبُ بَين الرُّسْـلِ وَالكفَّـارِ مُذ قَامَ الورىَ سِجْلانِ لكنما العُقبىَ لأهـلِ الْحـقِّ إِنْ فَاتَت هُنَا كَانَتْ لَدَىَ الديَّـانِ([13]) وكتب سمير بن سعيد السلفي القاهري غفر الله له وأعانه الرب العلي ................................................................................................................................................................................................. 1 - الإلحاد يأتي بمعنى الميل ، والعدول عن الحق لضده ، أو إدخال الباطل مكان الحق ، أو الطعن فيه ؛ كما هو موضح في قواميس اللغة العربية ، ولذلك كان بعض العلماء - وهو الشيخ العلاَّمة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله - يقول عن محمد الغزالي السقا المعاصر : هذا رجل مُلحد ! ، أي مال عن الحق ، وألحد عنه ، وقصد غيره . أمَّا تكفير البحيري فلا سبيل لنا إليه فهو لأهل العلم الكبار ، وقد سألت فضيلة الشيخ العلاَّمة عبد الرحمن محي الدين - حفظه الله - عن الرجل ؛ فقال لي : زنديق ، وقد سمعت الشيخ العلاَّمة محمد سعيد رسلان - حفظه الله - يقول عنه : زنديق ، وكذلك سمعت الشيخ المفسر عادل السيد - حفظه الله - يقول عنه : زنديق مرتد . 2 - رواه الإمام أبو داود في سننه ، وجوَّد إسناده الإمام الألباني في صحيح أبي داود . 3 - أخرجه مسلم (6 / 52 - 53) ، وأبو داود (2 / 202) ، والترمذي (2 / 36) ، وابن ماجة (2 / 464 - 465) ، وأحمد (5 / 278 - 279) ، والحاكم أيضا (4 / 449 - 450) من حديث ثوبان مرفوعًا ، قاله الألباني في السلسلة الصحيحة . 4 - نقلاً عن السلسلة الصحيحة للإمام الألباني - رحمه الله - ، صحيفة ( 1 / 539- 548 ) بتصرف يسير . 5 - القول الفصل في قتل مدمني الخمر ، صحيفة ( 6 - 7 ) ، طبعة مكتبة السنة . 6 - القول الفصل في قتل مدمني الخمر ، صحيفة ( 8 ) ، طبعة مكتبة السنة . 7 - القول الفصل في قتل مدمني الخمر ، صحيفة ( 8 ) ، طبعة مكتبة السُنة . تنبيه : مكتبة السُنة هذه صاحبها حزبي تكفيري ، تنشر لكلِ من هبَّ ودبَّ ودرج ! ؛ فلينتبه القارىء . 8 - قال الشيخ العلاَّمة أحمد شاكر - رحمه الله - : بقيت كلمة لا نجد بداً من قولها في هذا العصر الذي استهتر فيه المسلمون بشرب الخمر من كل طبقات الأمم الإِسلامية ، من أعلاها ومن أدناها ، حتى النساء يجاهرن بشربها في البيوت والنواد والمحافل العامة ، وحتى الحكومات التي تدعي أنها إسلامية ، تقدمها في الحفلات الرسمية ! ، يزعمون أنها مجاملة لسادتهم الأجانب ، الذين يقلدونهم في كل سيئة من المنكرات ، والذين يَستْخذون لهم ويُستضعفون ! ، يخشون أن ينتقدهم أولئك السادة وينددوا بهم ! ، وما كانت الخمر حلالاً في دين من الأديان ، على رغم من رغِم ، وزعم من زعم غير ذلك ! . وأقبح من ذلك وأشد سوءا أن يحاول هؤلاء الكذابون المفترون المستهترون ، أن يلتمسوا العذر لسادتهم في الإدمان على هذه السموم ، التي تسمم الأجسام والأخلاق ، بأن بلادهم باردة وأعمالهم شاقة ، فلابد لهم من شربها في بلادهم . وينددون بالرجعيين الجامدين أمثالنا ، الذين يرفضون أن يجعلوا هذه الأعذار الكاذبة الباردة مما يجوز قبوله ، وبزعمون أن جمودنا هذا ينفر الأمم الإفرنجية وغيرها من قبول الإِسلام ؛ كأنهم قبلوا الإِسلام في كل شيء إلا شرب الخمر ! ، ويكادون يصرحون بوجوب إباحتها لأمثال تلك الأمم الفاجرة الداعرة الملحدة الخارجة على كل دين . ففي حديث ديلم الجيشاني ما يخزي هؤلاء المستهترين الكاذبين . فقد أبدى ديلم هذا العذر لنفسه لرسول الله - صلي الله عليه وسلم - : أن بلادهم باردة شديدة البرد ، وأنهم يعالجون بها عملاً شديداً ، كأنه يلتمس رخصة بذلك للإذن بشرب الخمر ، أو يجد إغضاء وتسامحاً ، فما كان الجوابُ إلا الجوابَ الحازم الجازم : المنع والتحريم مطلقاً ، فلما كرر السؤال والعذر ، ولم يجد إلاَّ جواباً واحداً ، ذهب إلى العذر الأخير : أنهم لا يصبرون عن شرابهم وأنهم غير تاركيه ؟ ، فكان الجواب القاطع الذي لا يدع عذراً لمعتذر : « فإن لم يصبروا عنه فاقتلوهم » ؛ فبلَّغ رسول الله - صلي الله عليه وسلم - الرسالة أتم بلاغ وأعلاه ، وأدى الأمانة حق أدائها ، ووضع العظة موضعًا ، ثم وضع السيف موضعه ، وبهذا فلاح الأمم ، والحمد لله .اهـ المصدر : نقلاً من رسالة : كلمة الفصل في قتل مدمني الخمر ، لفضيلة الشيخ العلاَّمة المحدِّث أحمد شاكر - رحمه الله - ، صحيفة ( 94-96 ) . 9 - قال الهالك بابا شنودة في سؤال وجه له : واحدة بتقول أسرة ارتد ! الزوج وتركها ومات ، وطلبت أسرته التي تمسَّكت بالمسيحية من الكاهن الحضور للعزاء ، أو الصلاة ؛ فرفض ! ، هل الأسرة المجروحة ! من الزوج لا يقدَّم لها العزاء ؟ فأجاب : هواااا ، هناك فرقٌ بين أمرين ! ، تقديم العزاء من جهة ، وإدخال المرحوم في الفردوس من جهةٍ أخرى - واخدين بالكوم - يعني كون إنو واحدة مات زوجها يِجُوُا يعزُّوها دي ممكنة ، لكن يعزوها بأنهم يقولوا لها : لا ؛ دا المرحوم دلوقت في أحضان إبراهيم وإسحاق ويعقوب ! ، ودلوقت في فردوس النعيم ، وفي الموضع الذي هرب منه الحُزن والكآبة والتنهُّد ، وفي نور قديسيه ؛ دا كلام ممكن إنو يجي يعزيها ، وإذا بكت على مصير ! زوجها ، يقولها : مين عارف ؛ مش جايز يكون تاب ! في آخر يوم من أيام حياته ! ، وهو قصاد ؛ أمام رحمة الله ، واحنا نصلي إنو يكون تاب ! . أهو بالشكل دا لا يكون خدعها ، ولاااااا ؛ يعني أفقدها الرجاء ! . مداخلة من بعض الناس داخل الكنيسة : عايزين يعملوا ترحيم قدَّاس مثلاً ... ؟ شنودة مقاطعًا : قُل لهم : قوانين الكنسية متسمحش بالترحيم ! ، وخصوصًا مسألة الزوج معروفة ! ؛ فيعني إحنا نصلي في السر ! ، على اعتبار إنِ جايز يكون تاب ! في آخر أيامه ! ، مين عارف ! . مداخلة من بعض الناس داخل الكنسية : ممكن واحد يقول : دا تلاعب ؟ شنودة : لأ ، تلاعب ليه ، مهو جايز يكون ... ، معلش ؛ لكن الكنسية متصليش عليه ! ، لكن مع ذلك ... ، طب انت شخصيًا أمامك أمرين : إنو يكون تاب أو متبش ، ممكن ولا لأ ؟ هل تنكر تمامًا إمكانية إنِ يكون تاب في آخر أيامه ؟ معلش ، لا خَدَ حِلّ ولا خَدَ تناوب ، لكن متروك أمام رحمة الله وخلاص ! ، لكن إحنا معندناش مانع إنو يكون في أمل ! ، لكن الكنيسة طقسيًا لا تسمح بالصلاة عليه ! ، أصل عدم وجود أمل خالص بيتعب ! ، وبعدين عارف بيحصل أيه ؟ ، أقول لك بيحصل أيه ، دا بيحصل ساعات الكنسية ترفض طبعًا ؛ فيقابلوها بكاتوليك ، ويقول : مفيش مانع عندنا إن احنا نصلي على الراجل ! ، والعيلة كلها تبئى كاثوليك ! ، لكن الواحد يمسك الحكاية كدا بأسلوب هادي يعني .اهـ 10 - رواه الترمذي وأبو دود والدارمي في سننه ، وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع ، برقم ( 7341 ) ، من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - . 11 - خرَّجه العلاَّمة الألباني في السلسلة الصحيحة ، برقم ( 1887) ، ثم قال عقب تخريجه : أخرجه ابن ماجة (4042) ، والحاكم (4 / 465-512) ، وأحمد (2 / 291) والخرائطي في مكارم الأخلاق صحيفة (30) ، من طريق عبد الملك بن قدامة الجمحي ، عن إسحاق بن أبي الفرات ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول - الله صلى الله عليه وسلم - : فذكره ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي . 12 - أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، بابٌ / فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ ، وَتَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ ، وَقَتْلِهِ الْمُؤْمِنَ وَإِحْيَائِهِ ، برقم ( 7564 ) . 13 - أبيات من نونية ابن القيم - رحمه الله - ، المسماه بـ : الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية . الرد على إسلام البحيري.doc
  5. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/26- 46): بَابُ مَا وَرَدَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ }[الْأَنْعَامِ:1]، وَقَالَ تَعَالَى:{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ }[الْأَعْرَافِ:54]. فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا كَأَيَّامِنَا هَذِهِ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: فَرَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ: ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَيَقُولُ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ: ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَنَقُولُ نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ: فِيمَا انْتَهَى إِلَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَسَيَأْتِي فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ الله عَنْهُ-، خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْأَحَدُ: رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَهُوَ نَصُّ التَّوْرَاةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِلَفْظِ الْأَحَدِ، وَلِهَذَا كَمُلَ الْخَلْقُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَكَانَ آخِرُهُنَّ الْجُمُعَةَ؛ فَاتَّخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ عِيدَهُمْ فِي الْأُسْبُوعِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَضَلَّ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ الْكِتَابِ قَبْلَنَا. وَقَالَ تَعَالَى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[الْبَقَرَةِ:29]، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-([1]): فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ أولاَ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعًا، وَهَذَا شَأْنُ الْبِنَاءِ أَنْ يَبْدَأَ بِعِمَارَةِ أَسَافِلِهِ ثُمَّ أَعَالِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بِذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، فلما خلق الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ:{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ }[فصلت: 11]،{ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } قَالَ: بعضُهن فَوْقَ بَعْضٍ وَسَبْعُ أَرَضِينَ يَعْنِي بعضُهَا تَحْتَ بَعْضٍ. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ }[فصلت: 9]، فَهَذِهِ وَهَذِهِ دَالَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَهَذَا مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، سُئِلَ عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ([2])، وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التفسير قديماً وحديثاً. وَقَالَ تَعَالَى:{ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }[فُصِّلَتْ:9 - 12]، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ لِأَنَّهَا كَالْأَسَاسِ لِلْبِنَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }[غَافِرٍ:64]. وَقَالَ تَعَالَى:{ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا }، إِلَى أَنْ قَالَ:{ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا }[النَّبَأِ:6-13]. إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ: قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-([3]): أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى:{ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ }[النَّازِعَاتِ:27-33]، فَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَقَدُّمِ خَلْقِ السَّمَاءِ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ، فَخَالَفُوا صَرِيحَ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ([4]). فَإِنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ دَحْيَ الْأَرْضِ وَإِخْرَاجَ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى مِنْهَا بِالْفِعْلِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ الْأَرْضَ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التفسير قديماً وحديثاً. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا فِيهَا بِالْقُوَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{ وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا }[فُصِّلَتْ:10]، أَيْ هَيَّأَ أَمَاكِنَ الزَّرْعِ وَمَوَاضِعَ الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ، ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ خَلْقَ صُورَةِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ دَحَى الْأَرْضَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا فَخَرَجَتِ الْعُيُونُ، وَجَرَتِ الْأَنْهَارُ، وَنَبَتَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ؛ وَلِهَذَا فَسَّرَ الدَّحْىَ بِإِخْرَاجِ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى مِنْهَا وَإِرْسَاءِ الْجِبَالِ، فَقَالَ:{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا }، وَقَوْلُهُ:{ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا }، أَيْ قَرَّرَهَا فِي أَمَاكِنِهَا الَّتِي وَضَعَهَا فِيهَا وَثَبَّتَهَا وَأَكَّدَهَا وَأَطَّدَهَا. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ([5]): وَبَثَّ الْخَلْقَ فِيهَا إِذْ دَحَاهَا *** فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِ وَقَوْلُهُ:{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }[الذَّارِيَاتِ:47 - 49 ]، بِأَيْدٍ أَيْ بِقُوَّةٍ، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا عَلَا اتَّسَعَ فَكُلُّ سَمَاءٍ أَعْلَى مِنَ الَّتِي تَحْتَهَا فَهِيَ أَوْسَعُ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ الْكُرْسِيُّ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُنَّ كُلُّهُنَّ، وَالْعَرْشُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِكَثِيرٍ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا:{ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا }. أَيْ بَسَطْنَاهَا وَجَعَلْنَاهَا مَهْدًا أَيْ قَارَّةً سَاكِنَةً غَيْرَ مُضْطَرِبَةٍ وَلَا مَائِدَةٍ بِكُمْ، وَلِهَذَا قَالَ:{ فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ }. وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فِي الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْإِخْبَارَ الْمُطْلَقَ فِي اللُّغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- فِي تَفْسِيْرِهِ (1/213).ط. دار طيبة للنشر والتوزيع . [2] - أَخْرَجَهُ: الْبُخَارِيُّ ، كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ قَوْلِهِ: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ}، تحت برقم 4815. 3- فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (1/29 ، 30).ط. هجر للطباعة والنشر - الجيزة. 4- قَالَ الْإِمَامُ الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا }، مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماوات وذلك يوجب التناقض ؟ أُجِيْبُ: بأن المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق بعدها السماوات ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ومدها حينئذ فلا تناقض )) انْظُرْ: )السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير) (3/ 598(.ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت. 5- قَالَهُ: الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي«تَفْسِيرِهِ» (15/310).ط. دار الكتب المصرية – القاهرة.
  6. أم عبد الصمد السلفية

    حكم الإثار في مسائل العبادات وغيرها

    *تعريف الإيثار في اللغة : الإِيثار: آثَرْتُك إِيثاراً أَي فَضَّلْتُك وفلان أَثِيرٌ عند فلان وذُو أُثْرَة إِذا كان خاصّاً ويقال قد أَخَذه بلا أَثَرَة وبِلا إِثْرَة وبلا اسْتِئثارٍ أَي لم يستأْثر على غيره ولم يأْخذ الأَجود .(ابن منظور - لسان العرب) والمأثَرة :بفتح الثاء وضمها المكرمة. الأثَرة:استأثر بالشيءاستبد به. فالإيثار إذن يأتي في اللغة بمعنى التفضيل والتكريم.(مختار الصحاح ) * الإيثار في الاصطلاح : عرف القرطبي الايثار بأنه: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنياوية، ورغبة في الحظوظ الدينية.( تفسير القرطبي ) *سئل العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله حكم الإيثار بالقرب هل هو جائز أو غير جائز ، كأن تؤثر العالم أو الوالد بالصف الأول فهل هذا مشروع أو مكروه أو وجهه في حدود الإباحة ؟ فأجاب رحمه الله الإيثار على نوعين النوع الأول : الإيثار بالقرب الواجبة هذه لا يجوز الإيثار بها مثاله رجل معه ماء يكفي لرجل واحد فقط وهو على غير وضوء وصاحبه الذي معه على غير وضوء ففي هذه الحال لا يجوز أن يؤثر صاحبه بهذا الماء لأنه يكون قد ترك واجبا عليه وهو استعمال الماء . فالإيثار بالواجب حرام وأما الإيثار بالمستحب فالأصل فيه أنه لا ينبغي بل صرح بعض العلماء بالكراهة وقالوا إن إيثاره بالقرب يفيد أنه في رغبة عن هذه القرب . لكن الصحيح أن الأولى عدم الإيثار وإذا اقتضت المصلحة أن يؤثر فلا بأس . انتهى كلامه رحمه الله سلسلة لقاء الباب المفتوح الشريط 35ب *وقال رحمه الله : و في مسائل العبادات أمرنا الله عز وجل بالاستباق إليها قال تعالى : { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } [البقرة:148] { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ } [آل عمران:133] لا تؤثر غيرك في القربات أبداً، ولهذا قال العلماء: يكره للإنسان أن يؤثر غيره بالطاعة فلا يؤثر غيره بالصف الأول ويتأخر هو مثلاً، كل طاعة لا تؤثر غيرك فيها، قالوا: لأن هذا دليل على قلة رغبته في الطاعة، لا سيما في مثل مسألتنا، تذهب تسأله أنك تأتي تأكل عنده فطوراً وعشاء، نعم. مع أن الصحيح في مسألة الإيثار أن نقول: الإيثار بالواجب حرام، والإيثار بالمستحب خلاف الأولى إلا لمصلحة، والإيثار بالمباح حلال، فالإيثارات أقسامها ثلاثة: إيثار بالواجب وهذا حرام، إيثار بالمستحب وهذا خلاف الأولى إلا لمصلحة، إيثار بالمباح وهذا يحمد عليه الإنسان: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ }[الحشر:9] جلسات رمضانية للعثيمين رحمه الله *مسألة الإثار في القرب وإهداء القرب للأموات : وتأتي هنا مسألة الإثار بالقرب هل هو جائز أو مكروه أو محرم ؟ سبق لنا الكلام عليه وبينا أنه ينقسم إلى : القسم الأول : ما يحرم فيه الإثار وهو الإثار بالواجب ، والثاني : ما يكره فيه الإثار إلا لمصلحة تربو على الكراهة ، الثالث: مايباح فيه الإثار وهو ما سوى العبادات من الأمور العادية . مالذي يحرم فيه الإثار ؟ مثل لو كان معي ماء يكفيني للوضوء فلو آثرت به غيري وتوضأ به بقيت بلا ماء ، فهنا يحرم الإثار ، لأنني قادر على استعمال الماء وهو في ملكي فلا يجوز لي أن أوثر به غيري ، إذا كانت القربة مستحبة مثل الصف الأول فيه مكان وسبقت إليه أنا وواحد معي فهل أوثره ؟ قال العلماء إنه يكره أن يؤثر غيره بمكانه الفاضل ، وهو كذلك ، لكن القول بالكراهة يتوقف فيه الإنسان ، إنما يقال : لا ينبغي أن يؤثر؛ لأن هذا يدل على زهد في الخير والسبق إليه ، لكن اقتضت المصلحة أن تؤثره مثل أن يكون أباك أو أخاك الكبير أو صاحب فضل عليك وعلى الناس ، فهنا يكون الإثار لا بأس به ، بل قد تربو المصلحة ونقول إن الإثار هنا مستحب ، أما الإثار في الأمور العادية فهذا لا بأس به ، والأصل فيه الحل والجواز ، قلنا تبدأ بنفسك ، ينبني على هذه المسألة إهداء القرب للأموات ، فنقول الأفضل ألا تهدي القرب للأموات ، الأفضل أن تجعل القرب لك وللأموات الدعاء، لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له ) ولم يوجه الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة إلى عمل يعملونه للميت مع أن الحديث في سياق العمل ، فاجعل الأعمال الصالحة لنفسك ومن سواك ادع الله له . اه شرح بلوغ المرام كتاب الحج للشيخ محمد العثيمين رحمه الله
  7. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهَاجِرَةِ([1])، وَالعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ([2])، وَالمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ([3])، وَالعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ([4])» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([5]). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ:« إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([6]). وَعَنْ خَبَّابٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ، فَلَمْ يُشْكِنَا » قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ:" أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ ([7]). اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَفْضَلِ فِي وَقْتِ صَلاَةِ الظُّهْرِ: بَيْنَ الْهَاجِرَةِ وَالإِبْرَادِ؟ إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ (1): قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: وَالْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ أَمْر اِسْتِحْبَاب، وَقِيلَ: أَمْر إِرْشَاد، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ، وجُمْهُور أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ تَأخِيرَ الظُهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْتُ وَيَنْكَسِرَ الْوَهَج. وَخَصَّهُ بَعْضُهمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ، فَالتَّعْجِيلُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَالْمَشْهُور عَنْ أَحْمَدَ: التَّسْوِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا قَيْدٍ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْكُوفِيِّينَ، وَابْن الْمُنْذِر. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ تَعْجِيلَ الظُهْرِ أَفْضَلُ مُطْلَقًا، وَالْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث خَبَّابٍ:« شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا وَأَكُفِّنَا، فَلَمْ يُشْكِنَا »، أَيْ: فَلَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِم. وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَبِأَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ مَشَقَّةً، فَتَكُونُ أَفْضَلُ. وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ خَبَّابٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَأخِيرًا زَائِدًا عَنْ وَقْتِ الْإِبْرَادِ، وَهُوَ زَوَالُ حَرِّ الرَّمْضَاءِ، وَذَلِكَ قَدْ يَسْتَلْزِمُ خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُمْ. أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَاد، فَإِنَّهَا مُتَأَخِّرَة عَنْهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الطَّحَاوِيّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ-رَضِيَ الله عَنْهُ-، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صَلَاةَ الظُّهْرِ بِالْهَاجِرَةِ، وَقَالَ لَنَا:« أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ »صَحِيحٌ ([8])، الْحَدِيث، وَهُوَ حَدِيثُ رِجَالِهِ ثِقَات، رَوَاهُ أَحْمَد، وَابْن مَاجَة وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَنَقَلَ الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ، وَالتَّعْجِيلَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَمْرُ إِرْشَادِ. وَعَكَسَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: الْإِبْرَادُ أَفْضَلُ، وَحَدِيثُ خَبَّابٍ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، وَهُوَ الصَّارِفُ لِلْأَمْرِ عَنْ الْوُجُوبِ. وَلَا اِلْتِفَاتَ إِلَى مَنْ قَالَ: التَّعْجِيلُ أَكْثَرُ مَشَقَّةً، فَيَكُونُ أَفْضَل؛ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ لَمْ تَنْحَصِرْ فِي الْأَشَقِّ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَخَفُّ أَفْضَلُ، كَمَا فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ([9]). إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ (2): قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَوْ يُقَالُ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَلَعَلَّهُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا مَعَ الْعَصْرِ([10]). عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«أَبْرِدْ» ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ:«أَبْرِدْ» حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيُّ:« أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ: " أَبْرِدْ "، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:" أَبْرِدْ فِي الظُّهْرِ "» صَحِيحٌ ([11])، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-:«(تَتَفَيَّأُ) تَتَمَيَّلُ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([12]). قَالَ الْعَلاَّمَةُ محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي- حَفِظَهُ اللَّهُ-: (( العلة في ذلك أنه وقت يفوح فيه حر جهنم، ولهيبها، وهو ظاهر قوله:« إِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، وكونها ساعة يفوح فيها لَهَب جهنم وحرها، وهذه العلة هي أوضح ما يُعَلَّلُ به الأمر "بالإبراد"، لكون الحديث نصًا فيها، فلا معنى للتعليل بغيرها، فحينئذ يستوي في الحكم الجماعةُ، والمنفرد، والحضري، والمسافر، فالقول بالعموم هو الراجح. والله أعلم )) ([13]). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( فَيْحُ جَهَنَّمَ: غَلَيَانُهَا، وَانْتِشَارُ لَهَبِهَا وَوَهَجِهَا، وسَجْرُ جَهَنَّمَ سَبَبُ فَيْحِهَا، وَفَيْحُهَا سَبَبُ وُجُودِ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَهُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ سَلْبِ الْخُشُوعِ فَنَاسَبَ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهَا، والتَّعْلِيلُ إِذَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، وَجَبَ قَبُولُهُ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ ))([14]). إِشْكَالٌ وَحَلُّهُ (3): عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«أَبْرِدْ» ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ:«أَبْرِدْ» حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([15]). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ:« كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي السَّفَرِ، فَقُلْنَا: زَالَتِ الشَّمْسُ، أَوْ لَمْ تَزُلْ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ارْتَحَلَ » صَحِيحٌ ([16])، قَالَ الْعَلاَّمَةُ محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي- حَفِظَهُ اللَّهُ-: (( أجيب بأن حديث أنس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، محمول على أيام البرد، وحديث أبي ذر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، على أيام اشتداد الْحَرّ، فلا تعارض. والله أعلم )) ([17]). قُلْتُ: وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ» صَحِيحٌ ([18])، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( قَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَايَةِ الْإِبْرَادِ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَمْتَدَّ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ ))([19]). هذا والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1- " الهاجرة " : هي شدة الحر بعد الزوال. مأخوذة من هجر الناس أعمالهم لشدة الحر. 2- " نقية " : صافية، لم تدخلها صفرة ولا تغير. 3- " إذا وجبَت " : سقطت وغابت، يعنى الشمس. 4- " الغلس " : بفتح الغين واللام، ظلام آخر الليل مع ضياء الصبح. [5]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ وَقْتِ المَغْرِبِ، برقم 560، وَكِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا، برقم 565، وَمُسْلِمٌ ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ بِالصُّبْحِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ التَّغْلِيسُ، وَبَيَانِ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، برقم 646. [6]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، برقم 536، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم 616. [7] - أَخْرَجَهُ: مُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ، برقم 619. 6- أَخْرَجَهُ: (حب) 1505 [قال الألباني]: صحيح - "الروض" (1049). [9]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 304).ط. دار المعرفة – بيروت. [10]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 309).ط. دار المعرفة – بيروت. 7- أَخْرَجَهُ: التِّرْمِذِيُّ، أَبْوَابُ الصَّلاَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَابُ مَا جَاءَ فِي تَأْخِيرِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ، برقم (158)، انظر صحيح سنن التِّرْمِذِيُّ: 158. [12]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ، برقم 539، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم 615. [13]- انْظُرْ: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (6/ 531) .ط. دار آل بروم للنشر والتوزيع. [14]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 304).ط. دار المعرفة – بيروت. [15]- أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ، برقم 539، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةَ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِمَنْ يَمْضِي إِلَى جَمَاعَةٍ، وَيَنَالُهُ الْحَرُّ فِي طَرِيقِهِ، برقم 615. 16- أَخْرَجَهُ: (د) 1204،(حم) 12132، انظر الصَّحِيحَة: 2780. [17]- انْظُرْ: ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (6/ 508) .ط. دار آل بروم للنشر والتوزيع. 18- أَخْرَجَهُ: النسائي، كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ، بَابُ تَعْجِيلِ الظُّهْرِ فِي الْبَرْدِ، برقم (499)، انظر صحيح سنن النسائي: 499. [19]- انْظُرْ: فتح الباري (2/ 309).ط. دار المعرفة – بيروت.
  8. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: « أُذِنَ لِى أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلاَئِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ([1]) مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ([2]) » صَحِيحٌ ([3]). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ السَّابِعَةَ، وَالْعَرْشُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ أَيْنَ كُنْتَ؟ وَأَيْنَ تَكُونُ ؟ » صَحِيحٌ ([4]). وَعَنْهُ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيكٍ ([5]) قَدْ مَرَقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ ([6]) وعُنُقُهُ مُنْثَنٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَهو يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَكَ رَبَّنَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ: لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ ([7]) مَنْ حَلَفَ بِي كَاذِبًا » صَحِيحٌ ([8]). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، رُمِيَ بِنَجْمٍ ([9]) فَاسْتَنَارَ ([10]) فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ »، قُلْنَا: كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا قَضَى أَمْرًا، سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ ([11]) أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟، فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ، قَالَ اللهُ:{ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ }[سبأ:23]، قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا، حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ أَهْلَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَتَخْتَطِفُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَهُ ([12]) إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ([13]) وَيُرْمَوْنَ بِهِ ([14]) فَمَا جَاءُوا بِهِ ([15]) عَلَى وَجْهِهِ ([16]) فَهُوَ حَقٌّ ([17])، وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ وَيَزِيدُونَ ([18]) » صَحِيحٌ ([19]). عَنْ حَسَّانِ بْنِ عَطِيَّةَ، قَالَ:« حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ يَتَجَاوَبُونَ بِصَوْتٍ حَسَنٍ رَخِيمٍ، قَالَ فَيَقُولُ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَتَقُولُ الْأَرْبَعَةُ الْآخَرُونَ: سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ »([20]). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَدَّقَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ : رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ*** وَالنِّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : صَدَقَ . فَقَالَ: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ***حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ تَأْبَى فَمَا تَطْلُعُ لَنَا فِي رِسْلِهَا *** إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: صَدَقَ. ([21]) قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ- " فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ " (1/20 ، 21): فَإِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ البَيْهَقِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي كِتَابِهِ (الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ) بعد أن أورد هذا الحديث فِي بَابِ مَا ذُكِرَ فِي الْقَدَمِ وَالرِّجْلِ:(( فَهَذَا حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ بِإِسْنَادِهِ هَذَا، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْكُرْسِيَّ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، مَلَكٌ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ أَسَدٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ ثَوْرٍ، وَمَلَكٌ فِي صُورَةِ نَسْرٍ، فَكَأَنَّهُ ـ إِنْ صَحَّ ـ بَيَّنَ أَنَّ الْمَلَكَ الَّذِي فِي صُورَةِ رَجُلٍ، وَالْمَلَكَ الَّذِي فِي صُورَةِ ثَوْرٍ، يَحْمِلَانِ مِنَ الْكُرْسِيِّ مَوْضِعَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، وَالْمَلَكُ الَّذِي فِي صُورَةِ النَّسْرِ، وَالَّذِي فِي صُورَةِ الْأَسَدِ وَهُوَ اللَّيْثُ، يَحْمِلَانِ مِنَ الْكُرْسِيِّ مَوْضِعَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى، أَنْ لَوَ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ ذَا رِجْلَيْنِ )). انتهى (2/207-208) بتحقيق عبد الله بن محمد الحاشدي وقد صحح المحقق الحديث، بتقدم الْعَلاَّمَةُ مُقْبِلُ الوَادِعِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-،ط. مكتبة السوادي، جدة - المملكة العربية السعودية. قَالَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتَاوَى (نُوْرٌ عَلَى الدَّرْبِ)، (1/ 133) السُّؤَال الثَّانِي مِنْ شَرِيْطٍ رَقَم (140): العرش عند أهل العلم في اللغة العربية هو الكرسي، الكرسي العظيم، كرسي الملك والمراد بعرش الرحمن كرسي عظيم ......... له قوائم وله حملة من الملائكة يحملونه، والله فوق العرش - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كما قال - عَزَّ وَجَلَّ-:{ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }[طه:5]، وقال -سُبْحَانَهُ-:{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ }[يونس: 3]، فهو كرسي عظيم مخلوق عظيم لا يعلم مدى عظمه وسعته إلا الذي خلقه - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وهو كالقبعة على العالم وهو سقف العالم كله، وهو سقف الجنة أيضاً وهو سقف العالم وليس فوقه شيء سوى الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، هذا هو العرش الكرسي العظيم الذي تعرفه العرب، كما قال في قصة بلقيس:{ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }[النمل: 23]، فكراسي الملوك يقال لها عروش، لكن عرش لله لا يشابهه شيء من عروش المخلوقين، ولكنه في الجملة يعرف من حيث اللغة .... إِلَى أَنْ قَالَ-رَحِمَهُ اللَّهُ- : لكنه عرش عظيم مخلوق عظيم له حملة من الملائكة كما قال الله - جَلَّ وَعَلَا-:{ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }[الحاقة: 17]، يوم القيامة، والمشهور أنه في الدنيا يحلمه أربعة، كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي شِعْرِهِ الْمَعْرُوفُ الَّذِي أَنْشَدَهُ..... النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَقَرَّ بِهِ : رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ*** وَالنِّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ يعني أربعة أملاك في صور ما ذكر، أحدهم هو الرجل، والثاني في صورة ثور، والثالث بصورة نسر، والرابع بصورة أسد. رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ*** وَالنِّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ هذه المخلوقات تسمى ملائكة خلقهم الله لحمل هذا العرش....، فنص القرآن أن هذا يكون يوم القيامة كَمَا قَالَ-سُبْحَانَهُ-:{ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ }[الحاقة: 17]، يومئذٍ يوم القيامة، فدل ذلك على أنه في الدينا أربعة، ويوم القيامة يكون ثمانية، والله المستعان والله أعلم. قَالَ الْعَلاَّمَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي التَّفْسِيْرِ (ص732).ط. مؤسسة الرسالة:(( وفي ضمن ذلك، الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم، ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم فقال:{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ }[غافر:7]، أي: عرش الرحمن، الذي هو سقف المخلوقات، وأعظمها، وأوسعها، وأحسنها، وأقربها من الله تعالى، الذي وسع الأرض والسموات، والكرسي. وهؤلاء الملائكة، قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة، وأعظمهم، وأقواهم. واختيار الله إياهم، لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه، يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة، عَلَيْهِمُ السَّلامُ)). هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنُ بْنُ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] - العَاتِق: مَا بَيْن الْمَنْكِبَيْنِ إِلَى أَصْل الْعُنُق. عون المعبود - (10/244). [2] - أَيْ: مَسِيرَة سَبْع مِائَة عَام بِالْفَرَسِ الْجَوَاد، كَمَا فِي خَبَر آخَر، فَمَا ظَنُّكَ بِطُولِهِ، وَعِظَمِ جُثَّته. عون المعبود (10/244). [3] - أَخْرَجَهُ: أبو داود (4/232 ، رقم 4727) ، وابن عساكر (43/60). وأخرجه أيضًا : ابن أبى حاتم كما في تفسير ابن كثير (4/415)، قال ابن كثير: هذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات. وأبو الشيخ (3/948 ، رقم 476). قال الحافظ في الفتح (8/665): إسناده على شرط الصحيح. انْظُرْ: صَحِيح الْجَامِع: 854، الصَّحِيحَة: 151. [4] - أَخْرَجَهُ: أبو يعلى (11/496 ، رقم 6619). قال الهيثمي (1/80): رجاله رجال الصحيح، انْظُرْ: الصَّحِيحَة تحت ح (150). 5- أَيْ: أذن لي أن أحدث عن عظمة جثة ديك من خلق الله تعالى، يعني عن ملك في صورة ديك، وليس بديك حقيقة كما يصرح به قوله في رواية " إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكًا فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : الدِّيكُ إلخ ". فيض القدير (2/ 263). 6- أَيْ: وصلتا إليها وخرقتاها من جانبها الآخر. قال في الصحاح: مرَقَ السهمُ: خرج من الجانب الآخر. فيض القدير (2/ 263). 7- أَيْ: لا يعلم عظمة سلطاني وسطوة انتقامي (من حلف بي كاذبا).فيض القدير (2/ 263). [8] - أَخْرَجَهُ: الطبراني في الأوسط (7/220 ، رقم 7324)، قال المنذري (2/389): إسناد صحيح. وقال الهيثمي (4/180): رجاله رجال الصحيح. وقال في موضع آخر (8/134): رجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبرانى محمد بن العباس بن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه، قَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي الصَّحِيْحَةِ تحت ح ( 150) قُلْتُ: وقد عرفناه والحمد لله، وأنه ثقة متقن، فصح الحديث، والموفق الله تعالى. وأخرجه أبو الشيخ (3/1003، رقم 524)، والحاكم (4/330 ، رقم 7813)، وقال: صحيح الإسناد، انْظُرْ: صَحِيح الْجَامِع: 1714، الْصَّحِيْحَةِ: 150، صَحِيح الْتَّرْغِيْبِ وَالْتَّرْهِيْبِ:1839. قُلْتُ: وَأَنْتَ تَرَىَ أَنْ إِسْنَادَيْ الْحَدِيْثَيْنِ وَاحِدٌ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْ الْمُتَأَخِّرِيَنَ، مِنْ صَحَّحَهُمَا؛ وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْمِلْكَ الَّذِيْ فِيْ الْحَدِيْثِ الْأَوَّلِ، خَلَقَهُ الْلَّهُ عَلَىَ صُوْرَةِ الْدِّيْكِ الَّذِيْ فِيْ الْحَدِيْثِ الْثَّانِيْ، فَالْحَدِيْثَانِ –عَلَىَ ذَلِكَ– مَخْرَجُهُمَا وَاحِدٌ، سَنَدا وَمَتْنا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَىَ أَنَّ بَعْضَ الْرُّوَاةِ أَخْطَأَ فَأَبْدَلَ إِحْدَىَ الْلَّفْظَتَيْنِ بِالْأُخْرَى : " لَعَلَّ بَعْضَ الْرُّوَاةِ أَبْدَلَ لَفْظَةَ " دِيَكْ " بِـ " مُلْكُ " أَوْ الْعَكْسِ . وَالْلَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا حَدِيْثَانِ مُخْتَلِفَانِ ، فَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيْفٌ ؛ لِأَنَّ الْسَّنَدِ فِيْهِمَا وَاحِدٌ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ الْلَّهُ- : (( وَإِذَا اتَّحَدَ مَخْرَجَ الْحَدِيْثِ وَلَا سِيَّمَا فِيْ أوَاخِرِ الْإِسْنَادِ بَعُدَ الْحَمْلُ عَلَىَ التَّعَدُّدِ جِدًّا (( انْتَهَىَ مِنْ "فَتْحِ الْبَارِيْ" (13/108). [9] - (رُمِيَ بِنَجْمٍ) أَيْ: قُذِفَ بِهِ ، وَالْمَعْنَى: اِنْقَضَّ كَوْكَبٌ. تحفة (8/68). [10] - أَيْ: فَاسْتَنَارَ الْجَوُّ بِهِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [11] - أَيْ: صَوْتُهُ. تحفة الأحوذي - (8/68). [12] - أَيْ: مَا سَمِعُوهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [13] - مِنْ الْكَهَنَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ. تحفة الأحوذي - (8/68). [14] - أَيْ: يُقْذَفُونَ بِالشُّهُبِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [15] - أَيْ: أَوْلِيَاؤُهُمْ. تحفة الأحوذي - (8/68). [16] - أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ فِيهِ. تحفة الأحوذي - (8/68). [17] - أَيْ: كَائِنٌ وَاقِعٌ. تحفة الأحوذي - (ج 8 / ص 68). [18] - أَيْ: يَزِيدُونَ فِيهِ دَائِمًا كِذْبَاتٍ أُخَرَ مُنْضَمَّةً إِلَيْهِ. تحفة الأحوذي(8/68). [19] - أَخْرَجَهُ: (م) 2229 ،(ت) 3224 . [20] - قَالَ الْعَلاَّمَةُ الألباني -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَعْلِيْقِهِ عَلَى « مُخْتَصَرُ العُلُوِّ لِلذَّهَبِيِّ »(ص 75).ط. المكتب الإسلامي - بيروت:(( سنده قوي)). [21] - قَالَ الْعَلاَّمَةُ أحمَد محمَّد شَاكِر-رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَحْقِيْقِهِ لِلمُسْنَدِ (3/58) ح(2314).ط. دار الحديث – القاهرة: إسناد"صحيح، يعقوب بن عبتة بن المغيرة بن الأخنس: ثقة، له أحاديث كثيرة وعِلم بالسيرة، ترجمه البخاري في الكبير 4/ 2 / 389. وفي ح "عتيبة" بدل "عتبة" وهو تصحيف، وفيها"عن عكرمة بن عباس"، وهو خطأ واضح، صححناهما من ك ومن المراجع الآخر. والحديث في مجمع الزوائد 8: 127 وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس". ورواه صاحب الأغاني مختصراً عن جرير الطبري عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق (4: 128 من طبعة دار الكتب). أمية: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر المشهور، ترجمه الحافظ في القسم الرابع حرف الألف من الإصابة: 1/ 133 - 134 وذكر أن ابن السكن ذكره في الصحابة لأنه لم يدركه الإسلام وقد صدقه النبي في بعض شعره، وأشار إلى هذا الحديث. ثم ذكر الحافظ من حديث أبي هريرة مرفوعاً من صحيح البخاري ح(3841)، ومسلم ح (2256): " وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ". ثم عقب على ابن السكن بما ثبت أنه مات في السنة التاسعة "ولم يختلف أصحاب الأخبار أنه مات كافراً، وصح أنه عاش حتى رثى أهل بدر". وله ترجمة في الشعراء لابن قتيبة بتحقيقنا 429 - 433. وقول أمية في البيت الأول "رجل" إلخ، فهو بالراء والجيم، وفي الحيوان للجاحظ (6: 221 - 222 بتحقيق الأستاذ عبد السلام محمد هرون): "قالوا: وقد جاء في الخبر أن من الملائكة من هو في صورة الرجال، ومنهم من هو في صورة الثيران، ومنهم من هو في صورة النسور، ويدل على ذلك تصديق النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لأمية بن أبي الصلت حين أنشد" وذكر البيت. وانظر الخزانة للبغدادي 1: 120. ووقع في الإصابة ومجمع الزوائد "زحل" بالزاي والحاء، وهو تصحيف من الناسخين أو الطابعين. وقوله في البيت الثالث "في رسلها" الرسل، بكسر الراء وسكون السين: الرفق والتؤدة. ورواية ابن قتيبة والخزانة* ليست بطالعة لهم في رسلها. وقال ابن قتيبة: "يقولون: إن الشمس إذا غربت امتنعت من الطلوع، وقالت: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، حتى تدفع وتجلد فتطلع"! هكذا قال، وما ندري ما وجهه. وفي ح "تأتي" بدل "تأبى" وهو تصحيف، صححناه من ك ومجمع الزوائد والأغاني 3: 130.
  9. من أبي عبد الله بن عبد الحميد إلى أخيه ................................................ وفقه الله تعالى . سلام عليكم ،،، وبعد ،،، إن قوماً جعلوا من سيد قطب إماماً ، ولقبوه بأنه قائد الجيل ، وزعموا أنه كان رمز التضحية ، علماً تفتخر به الأيام ، ونبراساً تستضيء بموقفه الأحفاد ، وتتناقل سيرته الأولاد ، ويشيد بذكره الأنام الجياد !!! وما ذاك إلا أنه وقف في وجه الطاغوت(1) - بزعمهم – وغضوا الطرف عن طوامه ، وأعرضوا عن موبقاته وكون كتبه العقيمة كانت وعاءً للبدع ، وسباطة الجهالات ، ومجمع المنكرات المسبشعات . بل استحدثوا للدفاع عنه وعنها قاعدة الموازنات الهشة التي انهارت على رؤوس من تعلقوا بها . ويتساءل المرء : أين مفهوم الولاء والبراء الذي يتشبع به القوم ؟ بل أين الأمر المعروف والنهي عن المنكر الذي يدندنون حوله الليل والنهار ؟ أين الغيرة على الدين ؟ والتي من خلالها تجرأوا على الحق .. تباً للهوى تباً .. وسحقاً للضلال سحقاً . أيها القطبيون : مالي أراكم عن الحق عزين ، وللهدى مجانبين ، ما لكم كيف تحكمون ، ألا تعقلون . إن سيداً هذا الذي عاديتم أهل الحق من أجله . ورددتم البيانات والبراهين تعظيماً لشأنه ، ووقفتم حول صنمه تلمعونه بألسنتكم ، كان يكفر آباءكم وأمهاتكم ، وسعى إلى تدمير بلادكم ، ونزع ممتلكاتكم ، ولو كان بينكم لأدار الرحى عليكم . وأقول لأخي المخالف : حتى متى تسلم سمعك وتخضع جوارحك وتعطي تمرة فؤادك لأفراخ الجوارح ، فها هم نراهم ينعقون ، وشرار الناس وراءهم يلهثون ، بل يتساقطون. نعم .. كبكبوا على وجوههم ، وسحبوا على مناخرهم ، صاغرين إلى أودية التحزب السحيقة ، وإذا ما حاول مغيث انتشالهم ، تثاقلت أجسامهم ، وعجزت عن الوقوف أقدامهم ، وجبنت قلوبهم ، فانكسرت عن رؤية الحق عيونهم ، وعجزت عن إدراكه عقولهم ، وفي ساحات المناظرات صالوا وجالوا ، وإذا ما قام إليهم فارس ، تصاغروا وتقهقروا ، وعند النزال سرعان ما ضعفت سواعدهم ، وارتعدت فرائسهم وضاعت حججهم ، وطاشت عقولهم ، فظهرت للعيان سوءتهم ، فولوا الأدبار ، يجرون خلفهم أردية الكذب والخداع . ولما ارتموا في أحضان شياطينهم ، زعموا بأن المواجه لهم مسكين ، لا يعرف فقه واقع القتال ، فعذروه و أنه عميل ، أو لعله مرجئ ، أو مشغب ، إلى أخر تلك الأباطيل ، فالله هو حسبنا ونعم الوكيل – لا عن عجز ، لكنها الاستعانة . وفي هذه الأسطر : تكشف لنا الكلم عن حقائق ، بل فضائح ، ونظرت في وجه القلم ، وبصرت ما معه من قرائن ؛ فعلمت أنه صادق ناصح ، دعاه إلى ذلك واجب البيان . مع الخوف من تكرار ما كان ، وما حدثتنا به الأيام القريبة ، وشاهدناه ونحن صغار ، وغدوت وراء القلم متبعين خبره ، لعل فيه عبرة . فقال : ومن كتاباتهم أسجل أقوالهم: فؤاد علام " الإخوان وأنا " ص (165) فصل " إعدام سيد قطب " : " وقطع سيد قطب لحظات الصمت القصيرة الرهيبة بقوله : للأسف الشديد لم ينجحوا في تنفيذ عملية نسف القناطر الخيرية ، وكانت هي النهاية : لم أشعر في كلماته بنبرة ندم أو أسى ، وإنما بتشف وحسرة أن القناطر لم تدمر ، وساد التوتر محل الصمت وبدأ سيد قطب ينتقل من موضوع لموضوع دون ترتيب أو تركيز ، كرر أكثر من مرة أن مشكلته في عقله ؛ لأنه مفكر وكاتب إسلامي كبير ، وأن الحكومة لا تملك إلا أن تقضي على العقل الإسلامي الكبير حتى تنفرد بأعمالها ضد الإسلام حسب تصوره .... وبعد الوصول إلى حد الانهيار ، وظل يردد أنه مفكر إسلامي ، وأن الحكومة لم تجد سبيلا للقضاء على أفكاره إلا بإعدامه . ومضت اللحظات الأخيرة ببطء شديد ، وكنت أقف خارج غرفة الإعدام في حضور مأمور السجن وأحد وكلاء النيابة وبعض الضباط والجنود ، واتخذت مراسم تنفيذ الحكم ، وخلعوا عن سيد قطب بدلته وألبس البدلة الحمراء ، وسئل إن كان يريد يطلب شيئا ، فطلب كوب ماء شربه وأدى صلاة الفجر ، ثم دخل غرفة الإعدام وتم تنفيذ الحكم " قلت : ولم يصل عن سيد غير هذا ، بينما نقل يوسف هواش : أنه " أصيب بحالة هستيرة " وظل يردد " لقد أبلغتهم أنهم يحكمون بغير ما أنزل الله ، اللهم فاشهد رحم الله أموات المسلمين " " براءة علماء الأمة من تزكية أهل البدع والمذمة ص (21) وبذا يكسر قلم كل خائن عربيد ، وتبطل حجة كل معرض عن اتباع الحق عنيد وأزيدك من العلم ما تطمئن له نفسك : قال محمد الغزالي السقا " الإخواني" في كتابه " من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث " ص (222 – 233) "... ولقد سمعنا كلاماً كثيراً عن انتساب عدد من " الماسون "(2) بينهم حسن الهضيبي نفسه لجماعة الإخوان ، ولكن لا أعرف بالضبط كيف استطاعت هذه الهيئات الكافرة بالإسلام أن تخنق جماعة كبيرة على النحو الذي فعلته... " ولما تكلّم عن خيانة قيادة الإخوان ووصفها بإهدار لكفاح الأمة وأمانيها قال : " وغلبني السخط على ذلك العمل الشاذ ، ورأيت إنقاذا لكرامة الإسلام ودعوته(3) أن أصور الموقف الذي يجب أن يقفه الإخوان المسلمون ، فنحن لا نتبع ملكاً خائناً ، ولا نؤيد سياسة غادر . ثم نشرت بجريدة " المصري " في 31/12/1951م كلمة تحت عنوان " لن تبلغ أمة هدفها إلا إذا نظمت جبهتها الداخلية " ماذا في ذلكم البيان يغضب السيد حسن الهضيبي ؟ لقد ثار وضاق ، وجاءني في بيتي – الأستاذ عبد العزيز كامل ، والأستاذ خميس حميدة ، وهما من أعضاء مكتب الإرشاد ليخبراني بأن هذا المسلك الفردي منته بي إلى الانسلاخ عن الجماعة ! إن الأوامر صادرة بأن يكون حديث الإخوان في هذه الظروف متناولا لموضوعات أخرى .. موضوعات تتفق مع رغبة القصر الملكي طبعا ... ويؤسفني أن تنشر جريدة " المصري " ردا على باسم المرشد العام أشرف على كتابته سعيد رمضان وسيد قطب ، وكان الردّ خواء من أي شيء واضح أو حاسم ، إنه ردّ وكفى ومبعث أساي أن الأستاذ سيد قطب ما كان ينتظر منه أن يشارك في هذا العمل ولكنه استدرج وخضع(4) يغفر الله له " " الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة " للشيخ سليم الهلالي ص (278 – 279) وعلى ما تتقدم من مقدمات ، قال الشيخ سليم الهلالي " إن تاريخ الإخوان يمثل الفشل السياسي بكل أنواعه وصوره وأبعاده ، فقد استطاع الضباط الأحرار أن يمتطوا هذه الجماعة حتى وصلوا إلى الحكم . بل قالوا : إن سيد قطب كان ميرابو – الرجل الذي مهد للثورة وانظر " سيد قطب الشهيد الحي " ص (138–142) للثورة ... ثم كان ما كان " " الجماعات الإسلامية " ص (283) . فيا أيها الأخ الكريم ، ويا أيها الشاب الطيب لا تكن حطب هذه الفتن ، وتمهل في كل أمرك ، ولا تسلم زمانك إلى كل دعي قبل البينة والرجوع إلى أهل العلم الناصحين الصادقين – غير المتلبسين ببدعة التحزب أو هوى التفرق – كن سلفياً - ما حييت - على الجادة ، معظماً للأمر والنهي ، موقراً للعلماء الكبار أهل العلم والفضل ، مستثمرا أوقاتك في تعلم الهدى وسلوك سبل الخير ، ودع عنك بنيات الطريق ، وليكن شعارك " وعجلت إليك ربي لترضى " ولله العاصم . وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين . كتبه راجي عفو مولاهأبو عبد الله محمد بن عبد الحميد بن محمد حسونة في: 27/5/1424هـ الموافق 27/7/2003م ___________ الحاشية __________ (1) كما قال صاحب كتاب " الممناز في مناقب " الشيخ " ابن باز " ص (55) وهو يترجم للشيخ في ذاك المجلد الضخم ، نجده يغلو في سيد قطب - وكأن الترجمة له - بقوله " ومن أعظم مواقف الشيخ موقفه من قضية الأستاذ الداعية سيد قطب – رحمه الله – فقد قتل هذا الإمام ، وهذا المفكر العبقري الفذ ، قتل ظلما وعدوانا وطغيانا ... وأثر أن سيد قطب لما قرب ليشنق ... قال أحد الشعر : يا شهيد رفع الله به جبهة الحق على طول المدى سوف تبقى في الحنايا علما قائدا للجيل رمز الفدى ما بكينا .. أنت علمتنا بسمة المؤمن في وجه الردى "براءة علماء الأمة... " للسناني ص (8) (2) بقى أن نقول أن مؤرخ الإخوان محمود عبد الحليم في كتابه " الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ " (3/223/225) وعباس السيسي في كتابه " في قافلة الإخوان " (2/144-145) يتهمان محمد الغزالي بأنه يكتب ، وبالعمالة لجمال عبد الناصر عميل الأمريكان كما زعموا " " الجماعات الإسلامية " لسليم الهلالي ص (277) حاشية . (3) بل إنقاذا لكرامتك ودعوة احترمت . إذ أن الإسلام منصور عزيز ، لا ولن يزل ويقهر ما بقي النيران ، وهكذا القوم – مع ما هم عليه – يتكلمون في المحافل الدولية باسم الإسلام وعن المسلمين ، والواجب أن يطرح المرء مرئياته أو أطرحاته وينسبها لنفسه ، حتى إذا ما وقع في الخطأ – ولابد – نسبه إلى تقصيره وعجزه وبرئ إسلامه منه ، إن كانوا يفقهون وبالحق يعلمون . (4) إذا استدرج الذي كان يعبد عقله – ويعتقد أن مشكلته في عقله ، الذي ساقه إلى تكفير الخلق ، و " خضع الرجل الذي يصورونه أنه لم يخضع ، خضع لملك صوروه هم أنه كان خائناً – بل وأيّد – ذلك الذين يصورونه بأنه أبى – سياسة غادر – هكذا أيد سيد غادراً، وخزل أحبائه - أحوج ما يكونوا إليه ، هذا قولهم هم !!! ومن كتبهم هم !! فاسألوها إن كانت من الناطقين. فلما لم يحدثنا القطبيون في هذا الموطن حديثا مؤنقا كالحديث المزعوم ؟!!!.
  10. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بلوغنا بمملكة البحرين خبر التفجير الغاشم الذي حدث في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر رمضان 1437ه، طلبت من أخينا الفاضل محمد كليب أن يقول قصيدة فخط بنانه هذه القصيدة الرائعة في استنكار هذا الفعل الشنيع المشين حيث قلت له في مساء آخر يوم من رمضان: (نريد من حساننا (محمد مطهر) قصيدة تهز الخوارج وتندد بفعلتهم النكراء في المدينة النبوية) ففوجئت به بعد ظهر يوم العيد يرسل هذه القصيدة فجزاه الله خيرا وسدد قلمه في بيان الحق والدفاع عنه ورد الباطل وبيان عواره قف يا عدوَّ الله! قف يا عدوَّ اللهِ عندَ حُدودِك .. أَوَ هكذا يُجزى النبيُّ محمدُ قف يا عدوَّ اللهِ عند حُدودِك .. أَبهَذهِ ترجو النجاةَ وتَسعدُ قف يا عدوَّ اللهِ هل لفِعالِك .. عقلٌ يجيز لقُبحها أو يَشهدُ قف يا عدوَّ اللهِ ويلك ويلك .. رُمتَ المدينةَ تَستبدُّ وتُفسدُ أفٍّ لحقدك يا رُفاتَ بَقِيةٍ .. لم ترضَ عَدلاً من رسولٍ يُرشِدُ آهٍ لجَورك يا فويسقَ حينما .. جئتَ النبيَّ محارباً تتوعَّدُ أَوَ ما علمتَ بأنَّ طيبةَ تَلفِظُ .. خَبَثَ النفوسِ تُذلها وتُباعدُ خَدعوكَ بالجناتِ وهماً يا فتى .. فغنمتَ لعناً لا سواهُ يُرددُ من قال: إنكَ إن قُتلتَ شهادةً .. أَودَى برأسِك في جحيمٍ تُوقدُ قال: الحزامَ. فقُلتَ: سمعاً سيدي .. فقَضى عليك، وعاش عيشاً يَرغدُ قال: الجهادَ. فقُلتَ: فيمَن أبدأُ .. قال: البريءَ متى رأيتَهُ يَسجدُ سبحان ربي كيف تَقتُل مسلماً .. تبغي الثوابَ بقتلهِ تتعبدُ قل لي بربك: كيف تَهتِك حُرمةً .. فيها النبيُّ مُعظمٌ ومُمجدُ قل لي بربك: أي خيرٍ تَبتغي .. إن كانَ جُرمُك راعَ منه المسجدُ يا خارجيُّ كفاك فارجع وانتهِ .. آذيتَ خلقاً عدُّهم لا يَنفدُ يا خارجيُّ ضَلَلتَ هَديَ نبيّنا .. فبقِيتَ كلباً في السَّعيرِ تشرَّدُ جنِّب إلهي المسلمين شِرارَهم .. وشِرارَ حزبٍ للخروجِ يُؤيّدُ محمد كليب 1 شوال 1437 ه
  11. أبو مريم أيمن العابديني

    ملخص الأقوال في شهر شوال

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،،، فيا أيها القارئ الكريم إنه وإن انْقَضَى شهرُ رمضانَ فإن عمل المؤمنِ لا ينقضِي قبْلَ الموت. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، وقال تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } [آل عمران: 102]، وقال النبيُّ e: « إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ »رواه مسلم، فلم يَجْعلْ لانقطاع العملِ غايةً إلاّ الموتَ، فلئِن انقضى صيامُ شهرِ رمضانَ فإن المؤمنَ لن ينقطعَ من عبادةِ الصيام بذلك، فالصيام لا يزالُ مشروعاً ولله الحمد في العام كلِّه. ففي حديثِ أبي أيوبَ الأنصاريِّ t أنَّ النبيَّ e قال: « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ». رواه مسلم. وصيامُ ثلاثةِ أيام من كلِّ شهرٍ قال فيها النبيُّ e : « ثَلاَثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ » رواه مسلم. وقال أبو هريرة t: أوصانِي خَلِيلي e بثلاثٍ وذكر منها صيام ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهر. رواه مسلم. والأوْلَى أن تكونَ أيامَ الْبِيض وهي الثالث عشرَ والرابعَ عشرَ والخامسَ عشرَ،لحديث أبي ذرٍّ t أنَّ النبيَّ e قال: « يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ ». صحيح الجامع ح(673). فهذه لمحة مختصرة عن أحكام صيام الست من شوال أسأل الله أن ينفع بها الجميع، فأقول وبالله التوفيق : أولاً : حكمها : صيام الستة من شوال سنة لما ثبت عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e قَالَ: « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ » رواه مسلم. قلت: ذهب جمهور الفقهاء - المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومتأخرو الحنفية - إلى أنه يسن صوم ستة أيام من شوال بعد صوم رمضان ... الموسوعة الفقهية (2/9989). وقال الإمام ابن قدامة-رحمه الله-: (( صَوْمَ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ )) المغني (6/193). ثانياً : فضلها : لقد بين النبي e أن من صام الست من شوال كان كصيام الدهر كما في الحديث أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ t، وقد فسّر ذلك النبي e بقوله : « مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)» صحيح ابن ماجة ح (1715). وفي رواية : " جعل الله الحسنة بعشر أمثالها الشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بعد الشهر تمام السنة "صحيح الجامع ح(3094)، وفي رواية: « صِيَامُ شَهْرٍ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَسِتَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ بِشَهْرِينِ فَذَلِكَ تَمَامُ السَّنَةِ » صحيح الجامع ح(3851). قال الإمام النووي - رحمه الله -: قَالَ الْعُلَمَاء : (( وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْر ؛لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَرَمَضَانُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَالسِّتَّة بِشَهْرَيْنِ)) شرح النووي (4/186). ثالثاً: ثمراتها: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله -: (1) أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله. (2) أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص، فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة.. وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره من الأعمال. (3) أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد، وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: " ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها". (4) أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، كما سبق ذكره . (5) أن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكراً لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، كان النبي e يقوم حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ:« أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا »متفق عليه. وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185] فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان، وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكراً عقيب ذلك. كان بعض السلف-رحمهم الله- إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائماً، ويجعل صيامه شكراً للتوفيق للقيام. وكان وهيب بن الورد-رحمه الله- يُسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه، فيقول: " لا تَسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وُفق لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه". كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبداً فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم. وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر. لطائف المعارف (2/35)بتصرف. رابعاً : مسائل متفرقة: (1) يستحب بدء صيام الست بعد العيد مباشرة؛ لأن ذلك من باب المسارعة إلى الخير . قال تعالى: (( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ))[آل عمران/134]، وقال تعالى: (( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ))[الحديد/21]. (2) يجوز تفريقها في شهر شوال كاملاً ولا يلزم التتابع فيها؛ لأن الرسول e أطلق صيامها ولم يذكر تتابعاً ولا تفريقاً، حيث قَالَ « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ »رواه مسلم. (3) من صامها في عام لا يلزمه أن يصومها في عام آخر لكنه يستحب له ذلك؛ لقول النبي e: « أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ » رواه البخاري ومسلم. (4) يلزم في الست من شوال ونحوها من النفل المقيد من تبييت النية من الليل لقول النبي e : « مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ » صحيح الجامع ح (6534). قلت: قال الإمام الشوكاني-رحمه الله- :(( الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ وَإِيقَاعِهَا فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالنَّاصِرُ وَالْمُؤَيَّدُ بِاَللَّهِ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ )) نيل الأوطار (7/30). وقال الإمام ابن حزم-رحمه الله-: مَسْأَلَةٌ:(( وَلا يُجْزِئُ صَوْمُ التَّطَوُّعِ إلا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ، لأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِأَنْ لا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْهُ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَمْ يَخُصَّ النَّصُّ ، وهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؛ وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمَا)) المحلى (4/51) بتصرف. وقال الإمام الصنعاني-رحمه الله-: (( وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ عُمُومُ حَدِيثِ التَّبْيِيتِ وَعَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَلَمْ يَقُمْ مَا يَرْفَعُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْبَقَاءُ عَلَيْهِمَا)) سبل السلام (3/308) . وقال العلاّمة ابن عثيمين -رحمه الله- : (( أنه لا بد من تبييت النية من الليل في الصيام المعين، كالست من شوال، ويوم عرفة، ويوم العاشر من شهر الله المحرم وغير ذلك من الصيام المعين؛ لأنه إذا صام من نصف النهار لا يصدق عليه أنه صام اليوم كله، فالنبي _عليه الصلاة والسلام_ رتَّب الأجرَ على صيام الأيام الستة كلها . وأيضاً لما ذكره جمع من العلماء بأن الأجر إنما يكون من حين النية، وحينئذ إذا كانت بداية الصوم ليست من أول اليوم – يعني من طلوع الفجر- فسيكون أجره ناقصاً، فلا ينال الأجر المرتب على صيام هذه الستة. وعلى هذا إذا بدأ الصائم صومه من النهار فلا يصح صيامه على أنه نفل معين، وإنما يكون نفلاً مطلقاً، يعني له أجر صيام النفل المطلق، والله _تعالى_ أعلم)) انظر الشرح الممتع (6/372 (، وفتاوي الصيام/ص185. وقال العلاّمة ابن باز-رحمه الله-:(( الست من شوال : لا يحصل له الفضل حتى يبدأ النية من الأول ( أول اليوم) )) (الحلل الإبريزية)(2/135). (5) لا يلزم إتمام الست من شوال، فمن استطاع الإتمام فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه لقوله e :« الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ » صحيح الجامع ح (3854). (6) الأولى لمن عليه قضاء من رمضان أن يبدأ به لأنه أبرأ لذمته ؛ ولأن الفرض مقدم على النافلة، واختلف أهل العلم فيمن قدم الست من شوال على صيام الفرض على قولين : القول الأول: أن فضيلة صيام الست من شوال لا تحصل إلا لمن قضى ما عليه من أيام رمضان التي أفطرها لعذر. لقوله e :« مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ » رواه مسلم. وإنما يتحقق وصف صيام رمضان لمن أكمل العدة. قال الإمام الهيتمي-رحمه الله-: (( لِأَنَّهَا مَعَ صِيَامِ رَمَضَانَ أَيْ : جَمِيعِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ الْفَضْلُ الْآتِي وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ)) تحفة المحتاج (3/457). وقال الإمام ابن مفلح-رحمه الله-: (( يَتَوَجَّهُ تَحْصِيلُ فَضِيلَتِهَا لِمَنْ صَامَهَا وَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَقَدْ أَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ، وَمَا ظَاهِرُهُ خِلَافُهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ)) انظر الفروع (3/108). وبهذا قال العلاّمة ابن باز، وابن عثيمين-رحمهما الله-، واللجنة الدائمة (10/392). القول الثاني: أن فضيلة صيام الست من شوال تحصل لمن صامها قبل قضاء ما عليه من أيام رمضان التي أفطرها لعذر؛ لأن من أفطر أياماً من رمضان لعذر يصدق عليه أنه صام رمضان فإذا صام الست من شوال قبل القضاء حصل ما رتبه النبي e من الأجر على إتباع صيام رمضان ستاً من شوال. وقد نقل البجيرمي في حاشيته على الخطيب (2/352): بعد ذكر القول بأن الثواب لا يحصل لمن قدم الست على القضاء محتجاً بقول النبي e: " ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ" عن بعض أهل العلم الجواب التالي: ((وَقَدْ يُقَالُ التَّبَعِيَّةُ تَشْمَلُ التَّقْدِيرِيَّةَ لِأَنَّهُ إذَا صَامَ رَمَضَانَ بَعْدَهَا وَقَعَ عَمَّا قَبْلَهَا تَقْدِيرًا ، أَوْ التَّبَعِيَّةُ تَشْمَلُ الْمُتَأَخِّرَةَ كَمَا فِي نَفْلِ الْفَرَائِضِ التَّابِعِ لَهَا ا هـ . فَيُسَنُّ صَوْمُهَا وَإِنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ ، أَيْ بِعُذْرٍ)). والذي يظهر أن ما قاله أصحاب القول الثاني له وجه؛ لا سيما وأن المعنى الذي تدرك به الفضيلة ليس موقوفاً على الفراغ من القضاء قبل الست فإن مقابلة صيام شهر رمضان لصيام عشرة أشهر حاصل بإكمال الفرض أداء وقضاء وقد وسع الله في القضاء فقال:﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة/185]، أما صيام الست من شوال فهي فضيلة تختص هذا الشهر تفوت بفواته لغير عذر. ومع هذا فإن البداءة بإبراء الذمة بصيام الفرض أولى من الاشتغال بالتطوع، والله أعلم. استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على استحباب صيام الدهر، قَالُوا وَلَوْ كَانَ صَوْم الدَّهْر مَكْرُوهًا لَمَا وَقَعَ التَّشْبِيه بِهِ، بَلْ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَل الصِّيَام ؟ وأجاب عن ذلك الْحَافِظ شَمْس الدِّين اِبْن الْقَيِّم-رَحِمه اللَّه- فقال: (( هَذَا الِاسْتِدْلَال فَاسِد جِدًّا مِنْ وُجُوه : أَحَدهَا : أَنَّ فِي الْحَدِيث نَفْسه أَنَّ وَجْه التَّشْبِيه هُوَ أَنَّ الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا، فَسِتَّة وَثَلَاثُونَ يَوْمًا بِسَنَةٍ كَامِلَةٍ وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ صَوْم السَّنَة الْكَامِلَة حَرَام بِلَا رَيْب وَالتَّشْبِيه لَا يَتِمّ إِلَّا بِدُخُولِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق فِي السَّنَة وَصَوْمهَا حَرَام فَعُلِمَ أَنَّ التَّشْبِيه الْمَذْكُور لَا يَدُلّ عَلَى جَوَاز وُقُوع الْمُشَبَّه بِهِ فَضْلًا عَنْ اِسْتِحْبَابه فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُون أَفْضَل مِنْ غَيْره . نَظِير هَذَا : قَوْل النَّبِيّ e لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَاد ؟ فَقَالَ " لَا تَسْتَطِيعهُ . هَلْ تَسْتَطِيع إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِد أَنْ تَقُوم فَلَا تَفْتُر، وَتَصُوم فَلَا تُفْطِر ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَذَلِكَ مِثْل الْمُجَاهِد " وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا الْمُشَبَّه بِهِ غَيْر مَقْدُور وَلَا مَشْرُوع . فَإِنْ قِيلَ : يُحْمَل قَوْله " فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر " عَلَى مَا عَدَا الْأَيَّام الْمَنْهِيّ عَنْ صَوْمهَا . قِيلَ : تَعْلِيلُهُ e حِكْمَة هَذِهِ الْمُقَابَلَة، وَذِكْره الْحَسَنَة بِعَشْرِ أَمْثَالهَا، وَتَوْزِيع السِّتَّة وَالثَّلَاثِينَ يَوْمًا عَلَى أَيَّام السَّنَة : يُبْطِل هَذَا الْحَمْل . الثَّانِي : أَنَّ النَّبِيّ e سُئِلَ عَمَّنْ صَامَ الدَّهْر، فَقَالَ " لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ، وَفِي لَفْظ لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَد " فَإِذَا كَانَ هَذَا حَال صِيَام الدَّهْر فَكَيْف يَكُون أَفْضَل الصِّيَام ؟ الثَّالِث : أَنَّ النَّبِيّ e ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ قَالَ " أَفْضَل الصِّيَام صِيَام دَاوُدَ " وَفِي لَفْظ " لَا أَفْضَل مِنْ صَوْم دَاوُدَ : كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِر يَوْمًا " فَهَذَا النَّصّ الصَّحِيح الصَّرِيح الرَّافِع لِكُلِّ إِشْكَال، يُبَيِّن أَنَّ صَوْمَ يَوْمٍ وَفِطْرَ يَوْمٍ أَفْضَل مِنْ سَرْد الصَّوْم . مَعَ أَنَّهُ أَكْثَر عَمَلًا . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْفِطْر أَفْضَل مِنْهُ لَمْ يُمْكِن أَنْ يُقَال بِإِبَاحَتِهِ وَاسْتِوَاء طَرَفَيْهِ . فَإِنَّ الْعِبَارَة لَا تَكُون لَهُ بِالْإِبْطَالِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُون مَرْجُوحًا، وَهَذَا بَيِّنٌ لِكُلِّ مُنْصِفٍ . وَلِلَّهِ الْحَمْد)) تهذيب سنن أبي داود (1/494). (7) هل يمكن أن تُصام هذه الست في غير شوال وتحصل نفس المزية ؟ أجاب عن ذلك الْحَافِظ شَمْس الدِّين اِبْن الْقَيِّم-رَحِمه اللَّه-فقال : (( اِخْتِصَاص شَوَّال فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الرِّفْق بِالْمُكَلَّفِ، لِأَنَّهُ حَدِيث عَهْد بِالصَّوْمِ، فَيَكُون أَسْهَلَ عَلَيْهِ فَفِي ذِكْر شَوَّال تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ صَوْمهَا فِي غَيْره أَفْضَل، هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَرَافِيّ مِنْ الْمَالِكِيَّة، وَهُوَ غَرِيب عَجِيب . الطَّرِيق الثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُود بِهِ الْمُبَادَرَة بِالْعَمَلِ، وَانْتِهَاز الْفُرْصَة، خَشْيَة الْفَوَات. قَالَ تَعَالَى { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات } وَقَالَ:{ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبّكُمْ } وَهَذَا تَعْلِيلُ طَائِفَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّة وَغَيْرهمْ . قَالُوا : وَلَا يَلْزَم أَنْ يُعْطِيَ هَذَا الْفَضْل لِمَنْ صَامَهَا فِي غَيْره، لِفَوَاتِ مَصْلَحَة الْمُبَادَرَة وَالْمُسَارَعَة الْمَحْبُوبَة لِلَّهِ. قَالُوا : وَظَاهِر الْحَدِيث مَعَ هَذَا الْقَوْل . وَمَنْ سَاعَدَهُ الظَّاهِرُ فَقَوْلُهُ أَوْلَى. وَلَا رَيْب أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِلْغَاء خُصُوصِيَّة شَوَّال، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَة . وَقَالَ آخَرُونَ : لَمَّا كَانَ صَوْم رَمَضَان لَا بُدّ أَنْ يَقَع فِيهِ نَوْع تَقْصِير وَتَفْرِيط، وَهَضْم مِنْ حَقِّهِ وَوَاجِبِهِ نَدَبَ إِلَى صَوْم سِتَّة أَيَّام مِنْ شَوَّال، جَابِرَةٍ لَهُ، وَمُسَدِّدَة لِخَلَلِ مَا عَسَاهُ أَنْ يَقَع فِيهِ. فَجَرَتْ هَذِهِ الْأَيَّام مَجْرَى سُنَن الصَّلَوَات الَّتِي يُتَنَفَّل بِهَا بَعْدهَا جَابِرَة وَمُكَمِّلَة، وَعَلَى هَذَا : تَظْهَر فَائِدَة اِخْتِصَاصهَا بِشَوَّال، وَاَللَّه أَعْلَم . تهذيب سنن أبي داود (1/490، 491). (8) لو لم يتمكن من صيام الأيام الستة في شوال لعذر كمرض أو قضاء رمضان كاملاً حتى خرج شوال، يقضيها ويكتب له أجرها كالفرض إذا أخره عن وقته لعذر، وكالراتبة إذا أخرها لعذر حتى خرج وقتها، فإنه يقضيها كما جاءت به السنة)) انظر الشرح الممتع ( 6 /372 (بتصرف. (9) كره بعض العلماء صيام الأيام الستة كل عام مخافة أن يظن العامة أن صيامها فرض، وهذا أصل ضعيف غير مستقيم لأنه لو قيل به لزم كراهة الرواتب التابعة للمكتوبات، أن تصلى كل يوم وهذا اللازم باطل وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم والمحذور الذي يخشى منه يزول بالبيان. انظر الشرح الممتع ( 6 /372(. (10) هناك فرق بَيْن أَنْ يَقُول " فَكَأَنَّمَا قَدْ صَامَ الدَّهْر " وَبَيْن قَوْله " فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر " هُوَ أَنَّ الْمَقْصُود تَشْبِيه الصِّيَام بِالصِّيَامِ . وَلَوْ قَالَ : فَكَأَنَّهُ قَدْ صَامَ الدَّهْر، لَكَانَ بَعِيدًا عَنْ الْمَقْصُود، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُون تَشْبِيهًا لِلصَّائِمِ بِالصَّائِمِ. فَمَحَلّ التَّشْبِيه هُوَ الصَّوْم، لَا الصَّائِم، وَيَجِيء الْفَاعِل لُزُومًا، وَلَوْ شَبَّهَ الصَّائِم لَكَانَ هُوَ مَحَلّ التَّشْبِيه، وَيَكُون مَجِيء الصَّوْم لُزُومًا، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْد تَشْبِيه الصَّوْم أَبْلَغ وَأَحْسَن لِتَضَمُّنِهِ تَنْبِيه السَّامِع عَلَى قَدْر الْفِعْل وَعِظَمِهِ وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، فَتَتَوَفَّرُ رَغْبَته فِيهِ. تهذيب سنن أبي داود (1/492). فاجتهدُوا إخوانِي في فعلِ الطاعاتِ، واجتنبُوا الخطايَا والسيئاتِ، لتفوزُوا بالحياةِ الطيبةِ في الدنيا والأجْرِ الكثير بعد المَمَات قال الله عزَّ وجلَّ: {مَنْ عَمِلَ صَـلِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [النحل/97]. هذا والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنِ بْنِ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ
  12. أبو مريم أيمن العابديني

    فضائل العشر وأهم أعمالها

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،،، فيا أيها القارئ الكريم ها هو شهر رمضان قد اصفرّت شمسه، وآذنت بالغروب فلم يبق إلا ثلثه الأخير، فماذا عساك قدمت فيما مضى منه، وهل أحسنت فيه أو أسأت، فيا أيها المحسن المجاهد فيه هل تحس الآن بتعب ما بذلته من الطاعة. ويا أيها المفرّط الكسول المنغمس في الشهوات هل تجد راحة الكسل والإضاعة وهل بقي لك طعم الشهوة إلى هذه الساعة . تفنى اللذات ممن نال صفوتها *** من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها *** لا خير في لذة من بعدها النار فلنستدرك ما مضى بما بقى، وما تبقى من ليال أفضل مما مضى، ولهذا كَانَ النَّبِىُّ e :(( إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ)) متفق عليه. وفي رواية مسلم :((يَجْتَهِدُ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِى غَيْرِهِ)) وهذا يدل على أهمية وفضل هذه العشر لأنَّ النبيَّ e كان يجتهدُ فيها أكثر مما يجتهدُ في غيرِهِا وهذا شاملٌ للاجتهادِ في جميع أنواع العبادةِ من صلاةٍ وقرآنٍ وذكرٍ وصدقةٍ وغيرِها وهذا من وجوه: أحدها: أنه e كان إذا دخلت العشر شد المئزر، وهذا قيل إنه كناية عن الجد والتشمير في العبادة، وقيل : كناية عن ترك النساء والاشتغال بهن . وثانيها: أنه e يحي فيها الليل بالذكر والصلاة وقراءة القرآن وسائر القربات . وثالثها: أنه يوقظ أهله فيها للصلاة والذكر حرصاً على اغتنام هذه الأوقات الفاضلة . ورابعها:أنه كان يجتهد فيها بالعبادة والطاعة أكثر مما يجتهد فيما سواها من ليالي الشهر. وعليه فاغتنموا بقية شهركم فيما يقرِّبكم إلى ربكم، وبالتزوُّد لآخرتكم من خلال قيامكم بهذه الطاعات: (1) الحرص على إحياء هذه الليالي الفاضلة: بالصلاة والذكر والقراءة وسائر القربات والطاعات، لأنَّ النبيَّ e كان يُحْيي ليلَه بالقيامِ والقراءةِ والذكرِ بقلبه ولسانِه وجوارِحِه لِشَرفِ هذه الليالِي وطلباً لليلةِ الْقَدْرِ التي مَنْ قامها إيمانَاً واحتساباً غَفَرَ اللهُ له ما تقدمَ من ذنبه. وظاهِرُ الحديثِ :(( إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ))، أنَّه e يُحْيِي الليلَ كلَّه في عبادةِ ربِّه مِنَ الذكرِ والقراءةِ والصلاةِ والاستعدادِ لذلِكَ والسحورِ وغيرها، وبهذا يحْصُلُ الجمْعُ بَيْنَه وبينَ مَا في صحيح مسلمٍ عن عائشة-رضي الله عنها- قَالَتْ: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ e قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ))، لأنَّ إحياءَ الليل الثَّابتَ في العشرِ يكونُ بالقيامِ وغيرِه مِنْ أنْواعِ العبادةِ والَّذِي نَفَتْه إحياءُ الليلِ بالقيامِ فَقَطْ. والله أَعلم. وممَّا يدُلُّ على فَضيلةِ العشرِ من هذه الأحاديث أنَّ النبيَّ eكان يُوقِظُ أهلَه فيها للصلاةِ والذكرِ حِرْصاً على اغتنام هذه الليالِي المباركةِ بِما هي جديرةٌ به من العبادةِ فإنَّها فرصةُ الْعُمرِ وغنيمةُ لمنْ وفَّقه الله عزَّ وجلَّ، فلا ينبغِي للمؤمن العاقلِ أنْ يُفَوِّت هذه الفرصةَ الثمينةَ على نفسِه وأهلِه فما هي إلاَّ ليَالٍ معدودةٌ ربَّمَا يدركُ الإِنسانُ فيها نفحةً من نَفَحَاتِ المَوْلَى فتكونُ سعادةً له في الدنيا والآخرةِ. (2) إيقاظ الأهل: لأن النبي e كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي، قال الإمام سفيان الثوري-رحمه الله-: (( أحب إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويجتهد فيه، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صح عن النبي e أنه كان يطرق فاطمة وعلياً ليلاً فيقول لهما: " أَلا تَقُومَانِ تُصَلِّيَانِ؟ " رواه البخاري.وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يُوتر. وفي الموطأ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ t كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ يَقُولُ لَهُمْ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }[طه:132]مشكاة المصابيح ح (1240). لطائف المعارف (2/3). (3) تأخير الفطور إلى السَّحَرِ: عَنْ أَبِى سَعِيدٍ t أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ e يَقُولُ:« لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ ». قَالُوا فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ:« إِنِّى لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّى أَبِيتُ لِى مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِى وَسَاقٍ يَسْقِينِ » رواه البخاري. قال الحافظ ابن رجب الحنبلي-رحمه الله-:(( قال ابن جرير-رحمه الله- إن ذلك يجوز لمن قوي عليه، ويكره لغيره، فمقتضى كلامه: أن من واصل ولم يفطر ليكون أنشط له على العبادة من غير أن يعتقد أن إمساك الليل قربة أنه جائز وإن أمسك تعبدا بالمواصلة. فإن كان إلى السحر وقوي عليه لم يكره وإلا كره. ولذلك قال أحمد وإسحاق: لا يكره الوصال إلى السحر)) لطائف المعارف (2/3). وقال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: ((ثُمَّ خُصَّ النَّهْي بِجَمِيعِ اللَّيْل فَأَبَاحَ الْوِصَال إِلَى السَّحَر، فَمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِد مُوَافَقَةَ أَهْل الْكِتَاب وَلَا رَغِبَ عَنْ السُّنَّة فِي تَعْجِيل الْفِطْر لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْوِصَال، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيث أَبِي سَعِيد، وَالنَّهْي فِي الحَدِيث عَلَى مَا فَوْق السَّحَر عَلَى كَرَاهَة التَّحْرِيم)) الفتح (6/229 ، 234) بتصرف. (4) الاغتسال بين العشاءين: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي-رحمه الله-:(( قال ابن جرير-رحمه الله- : " كانوا يستحبون (أي السلف) أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر، وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة، ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، وَرَوَى: حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ: أَنْ تَمِيْماً أَخَذَ حُلَّةً بِأَلْفٍ، يَلْبَسُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيْهَا لَيْلَةُ القَدْرِ. سير أعلام النبلاء (3/392). فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين، والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن، كما يشرع ذلك في الجُمع والأعياد. وكذلك يُشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات، ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب؛ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئاً. لطائف المعارف (2/6). (5) الاجتهاد في تحري ليلة القدر في هذه العشر: فقد قال الله تعالى :{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ }[القدر:3]. ومقدارها بالسنين ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر . قال الإمام النخعي-رحمه الله- : العمل فيها خير من العمل في ألف شهر.لطائف المعارف (2/8). وقال e :« مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ » متفق عليه . فقوله:(إيماناً واحتساباً) يعني إيماناً بالله وبما أعدَّ اللهُ من الثوابِ للقائمينَ فيهَا واحتساباً للأجرِ وطلب الثواب، وهذه الليلة في العشر الأواخر كما قال e :« تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ »متفق عليه. وهي في الأوْتار أقْرب من الأشفاعِ، لقول e:« تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِى الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ »رواه البخاري. وهي في السبع الأواخر أقرب، لقوله e:« الْتَمِسُوهَا فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ- يَعْنِى لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلاَ يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِى » رواه مسلم . وأقرب السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين لحديث أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ t قَالَ أُبَىٌّ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَاللَّهِ إِنِّى لأَعْلَمُهَا وَأَكْثَرُ عِلْمِى هِىَ اللَّيْلَةُ الَّتِى أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ e بِقِيَامِهَا:«هِىَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» رواه مسلم .ولا تَخْتَصُّ ليلةُ القدرِ بليلةٍ معينةٍ في جميعِ الأعوامِ بل تَنتَقِّلُ فتكونُ في عامٍ ليلةَ سبع وعشرينَ مثلاً وفي عام آخرَ ليلة خمسٍ وعشرينَ تبعاً لمشيئةِ الله وحكمتِه، ويدُلُّ على ذلك قولُه e: « الْتَمِسُوهَا، تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِى سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِى خَامِسَةٍ تَبْقَى » رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله- عقب حكايته الأقوال في ليلة القدر : (( وَأَرْجَحهَا كُلّهَا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنْ الْعَشْر الْأَخِير وَأَنَّهَا تَنْتَقِل. قَالَ الْعُلَمَاء : الْحِكْمَة فِي إِخْفَاء لَيْلَة الْقَدْر لِيَحْصُل الِاجْتِهَاد فِي اِلْتِمَاسهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا)) الفتح (6/306). وعليه فاجتهد في قيام هذه العشر جميعاً وكثرة الأعمال الصالحة فيها وستظفر بها يقيناً بإذن الله عز وجل . والأجر المرتب على قيامها حاصلٌ لمنْ علِمْ بها ومَنْ لم يعلَمْ لأنَّ النبي e لَمْ يَشْترطِ العلمَ بهَا في حصولِ هذا الأجر)).مجالس شهر رمضان ج22. (6) الاجتهاد في الدعاء: عَنْ عَائِشَةَ-رضي الله عنها- قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَىُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ:« قُولِى اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى » صحيح ابن ماجة ح( 3850 ). إنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر، لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر. والعَفُوٌّ من أسماء الله تعالى، وهو يتجاوز عن سيئات عباده الماحي لأثارها عنهم، وهو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده، ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه أحب إليه من عقوبته. لطائف المعارف (2/21). (7) الحرص على الاعتكاف في هذه العشر : والاعتكاف : لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله تعالى . وهو من الأمور المشروعة . وقد فعله النبي e وفعله أزواجه من بعده، فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجِ النَّبِىِّ e أَنَّ النَّبِىَّ e:« كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ » متفق عليه. ولما ترك الاعتكاف مرة في رمضان اعتكف في العشر الأول من شوال، كما في حديث عائشة-رضي الله عنها- في الصحيحين . قال الإِمامُ أحمدُ-رحمه الله-: لا أعْلَمُ عن أحدٍ من العلماءِ خلافاً أنَّ الاعتكافَ مَسْنونٌ.الفتح (6/313). والأفضل اعتكاف العشر جميعاً كما كان النبي e يفعل لكن لو اعتكف يوماً أو أقل أو أكثر جاز . قال في الإنصاف : أَقَلُّهُ إذَا كَانَ تَطَوُّعًا ، أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا. وقال العلاّمة ابن باز-رحمه الله-: وليس لوقته حد محدود في أصح أقوال أهل العلم .انظر تحفة الأخوان. وينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكر والاستغفار والقراءة والصلاة والعبادة، وأن يحاسب نفسه، وينظر فيما قدم لآخرته، وأن يجتنب ما لا يعنيه من حديث الدنيا، ويقلل من الخلطة بالخلق. قال الحافظ ابن رجب-رحمه الله- : ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى، ولا لتعلم علم، وإقراء قرآن، بل الأفضل له الإنفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية. لطائف المعارف (2/7)، بواسطة (وظائف العشر)د/ عبد الله بن على. إخواني: اللَّيَالِي الْعَشْر يُفْتح فيها الْبَاب، ويقرَّبُ فيها الأحْبَابُ، ويُسْمَع الخطابُ، ويردُّ الجواب، ويُكْتَبُ للعاملينَ فيها عظيمُ الأجرِ والثواب، فيها ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألف شَهْر، فاجتهدُوا رحمكم الله في طلبِها، فهذَا أوانُ الطَّلب، واحذَرَوا من الغفلةِ ففي الغفلة العَطَب. تولَّى العمر في سهوٍ ... وفي لهو وفي خســــرِ فيا ضيعةَ ما أنفقْـ ... ـتُ في الأيام من عمـري وما لي في الذي ضَيَّعْـ ... ـتُ من عمري من عذرِ فما أغفلنا عن وا ... جبات الحمد والشكــــرِ أمَا قد خصنا اللـ ... ـه بشهر أيما شهـــــرِ بشهر أنزل الرحمـ ... ـن فيه أشرف الذكـــرِ وهل يشبهه شهرٌ ... وفيه ليلة القـــــــدرِ فكم من خبر صــــــحَّ ... بما فيها من الخيرِ رَوَيْنَا عن ثقاتٍ ... أنها تُطْلَب في الـــــــوِترِ فطُوبى لامرئ يطلبها ... في هذه العشـــــــرِ ففيها تنزل الأملا ... ك حتى مطلــــــع الذُّخْرِ وقد قال سلام هِـ ... ـيَ حتى مطلـــــع الفجرِ ألا فادَّخِروها إنَّـ ... ـها مــــــن أنْفَسِ الذُّخْرِ فكم من معتَقٍ فيها ... مــــــن النار ولا يدري والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل كتبه أبو مريم أيمن بن دياب بن محمود العابديني غفر الله تعالى له ولوالديه إنتهاء في 7/من شعبان/1431هـ الموافق 19/7/2010م رابط التحميل http://up.top4top.net/downloadf-1235ayx1-doc.html? موقع الشيخ أيمن دياب العابديني : http://zaad33800.blogspot.com/2016/05/blog-post_97.html#ixzz4CdJlVJ5W
  13. الحمد لله وبعد: فهذا مقال ماتع خطته يراع أحد الغيورين على السنة من طلاب العلم الشرعي الشريف، رد فيه على أباطيل بعض المنتسبين للعلم، أحببت نشره هنا ليعم النفع والخير، ويظهر للمنصفين الحق من الباطل. والله الموفق. الرد على - حسن الشنقيطي المغربي- أو (ردُّ الجوابْ على من استدل بكلام ابن تيمية وَظنَّ فيه الهدى والصوابْ ). الحمد رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: لله فإن غياب الفقه الشرعي العميق المتكامل لحقيقة منهج أهل السنة والجماعة وغياب الإطار الأخلاقي والسلوكي الذي تميز به أهل السنة دائما وسلفنا الصالح؛ أديا إلى ظهور جملة من أغلوطات المسائل وعِمايات من الكلام في آراء وتقريرات بعض المنتسبين إلى العلم والباحثين فيه، مع عدم وضوحٍ كامل للمنهج السّلفي في الذهن وعدم ترجمته إلى منهج واضح المعالم؛ يتسبب دائما في اضطراب التصورات وضِيقها، وتداخل الأهداف بالوسائل واختلاط المراحل ونسيان الغاية الأهم من الدعوة إلى أصول الإسلام والسنة، في سبيل تحقيق مصالح جزئية ضيقة تؤول في غالب الأحيان إلى الحِزبية، طالما كان الغرض من الاستدلال بكلام الله ورسوله وكلام العلماء لأجل الإعتضاد به لتزكية منهج الحزب أو الطائفة أو إظهار رأي مغلوط يُتوهم صوابه، مالم يكن الغرض من الإستدلال هو الإعتماد والتسليم له إذا صحّ عن المَحكي وسلِم من المعارضة. ولم يزل العلماء يبحثون عن الحق ويلتمسونه من أي أحد كان، فهم علموا أن بالبحث تتضح المسائل ويتبين طالبها في معلومات كثيرة متنوعة ربما كانت قبلُ خاطئة، ولم تكن تحصل لهم إلا بالبحث. وعلى المرء أثناء تناوله لمسائل العلم وكلام أهل العلم أن يكون ذا حذر ويعرف قدر نفسه ومستواه، حتى لايخبط خبط عشواء في بحثه معرضا عن الضوابط المنهجية التي يُفهم بها كلامهم، ولاتدفعه مخالفته لخصمه أن يحاججه بكلام متشابه يكون سببا لكشف تلاعبه بالنص، فكم هم أولئك الذين جنت عليهم العجلة وخفةُ العقل، وكان محصول إشكالهم أن أرسلوا عقولهم في ميدان أقوال العلماء لم ينقِّروا عن جوانبها، ولم يسألوا ولم يستبصروا فيها، وربما ركبوا متن المكابرة وامتطوا غَارِبَ البهْت فأخرجوا كلام أهل العلم عن سياقه الموضوع له، وحادوا به عن المراد الذي أراده منه قائله ، فرده عليهم خصومهم وأظهروا لهم مافيه من الغلط الظاهر والوهم البيِّن. ولم يزل السلفيون علماءَ وطلابَ علمٍ يردون المقالات الخاطئة على أصحابها ويرشدونهم إلى وجه الهدى والصواب فيها، فهم شامة في أمة الإسلام، وهم أرباب العدل لا الجور، وأتباع الشريعة لا الهوى، ، وهم وسط بين الفرق قديما وحديثا في جميع أبواب السنة، ويتناولون مخالفهيم بالعدل ويلتزمون الحق والصواب مع الموافق والمخالف، (ولايجرمنَّكم شنئانُ قومٍ على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقربُ للتقوى) ويقبلون الحق ممن كان. قال معاذ بن جبل رضي الله عنه : "اقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافرا أو فاجرا، واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول الحق، قال: على الحق نور". رواه أبو داود وأخرجه الحاكم وصححه الذهبي. ويقول ابن تيمية رحمه الله :( والله أمرنا ألا نقول إلا الحق وألا نَقُلْ عليه إلا بالعدل والقسط) منهاج السنة ٢/٣٤٢، ويقول ابن القيم رحمه الله :( اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضا، ورُد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا) مدارج السالكين ٣/٥٢٢. من هذا المبدأ جاءت النية في عقد هذه المقالة راميةً ردَّ بعض التأويلات الخاطئة والمقصودة لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقع فيها بعض المنتسبين إلى العلم فأوقعَتهُ سوءَ الفهم ، حيث عمد هذا المُتكلم - أصلح الله باله- إلى نقل كلام هذا الإمام والتقطه من آخره وترك أوسطه وأوله وأهمل مجموعه، وألجأه عدم الفقه بكلام شيخ الإسلام إلى الزيغ عن فهم مواقع الخطاب وتفاصيله، فجعله فيما اطمئن إليه ضميره وما يعتقده ويدينُ به - كما زعم-، فبذاك أخرجه عن مقصوده وحملهُ على مُراد منطوقه، وسلك في استدلاله بكلام هذا الإمام مسلك أهل البدع و الأهواء كالروافض والمتصوفة والأشاعرة والخوارج العصرية.. ، الذين يقتطفون من كلام هذا الإمام مايطعنون به في علمه وعدالته أو ينتصرون به لآرائهم المخالفة ومذاهبهم المنحرفة، وتَمَطَّرَ هذا المتكلم - أصلحنا الله وإياه- نحو الإجمال العام معرضا عن التفصيل الذي يقتضيه الحال.. ، ومعلوم أن هذا المسلك قد اجتمعت عبارات العلماء على الذم والتشنيع على من استعمله وإن كان قصده حسنا. قال ابن تيمية رحمه الله منتقدا بعض العبارات المجملة في رده على البكري: "لم يَجُزْ إطلاق هذه العبارة إذا عنى بها المتكلم معنى صحيحا، وهو يعلم أن المستمع يفهم منها معنى فاسدا، لم يكن له أن يطلقها لما فيه من التلبيس، إذ المقصود من الكلام البيان دون التلبيس"،( الاستغاثة في الرد على البكري ص٥٢٢)". وماذكره شيخ الإسلام رحمه الله هو عينه ما وقع فيه هذا المتكلم - غفر الله لنا وله-، الذي أراد أن يسوق كلام شيخ الإسلام وفق مراده وهواه، وهو يعلم أن المستمع يعلم من كلامه معنى فاسدا مخالفا لما عليه منهج شيخ الإسلام، وهو خلاف منطوقه رحمه الله إذا ربطنا أول الكلام بآخره وتتبعنا أقواله المتفرقة في هذا الباب تحديدا - كما سيأتي- ومن تأمل حاله عرف فساد هذا الإستدلال، وما أحسن ماقرره ابن حزم رحمه الله إذ يقول:( والكلام إذا أُجمل اندرج فيه تحسين القبيح وتقبيح الحسن، ألا ترى لو أن قائلاً قال: إن فلاناً يطأ أخته! لفحش ذلك ولاستقبحه كل سامع له حتى إذا فُسّر فقال: هي أخته في الإسلام، ظهر فُحش هذا الإجمال وقبحه).[ الأخلاق والسير ومداواة النفوس ص١١٠ ]. ولقد تعلمتُ كما تعلم غيري أن المعتمدَ عندَ نقلِ الكلام هو الصحة والسلامة من العوارض وليس النقل المجرد المخرجِ له من السياق المقصود و الموضوع له، كما قال أبو العلاء: هل صح قولٌ من الحاكي فتقبلهُ ===== أم كل ذاك أباطيل وأسمارُ أما العقول فآلت أنه كذبٌ ===== والعقلُ غرسٌ له بالصّدق إثمارُ ومن المتقرر لدى أهل العلم عند الإستدلال لأبواب العلم ومسائله: جمع مافي الباب كله ، وضم نظير القول إلى نظيره وشبيهَه إلى شبيهه، وإذا أرادوا أن يحكموا بالقاعدة كان الحكم بإعتبار الغالب، وإذا خالفوا فإنما يخالفون بقرينة، فيعتنون بالقرائن كما يعتنون بالقواعد، وفهم كلام العلماء لايتم إلا بجمع النصوص المتعلقة بموضوعه، وأخذ المعنى العام من مجموعها، فلايصح أن يأخذَ بنص كلامهم في أمر ويترك نصا آخر يكون محكما يَرجع الأول إليه، وإلا كفرَ ببعض كلامهم وآمن منه بما تميل إليه نفسه ويطلبه هواه، ولقد وصف الله أهل الباطل أنهم يتبعون النص، ولكن المتشابه منه دون المحكم، ولابد من النظر في ثبوت النص والنظر في صحته والنظر في سلامته من الناسخ والنظر في سلامته من المعارض، وعندها تَتَبرهنُ الأمور وتجتمع جوانب الكلِم وتكون بيِّنةً عند الإستدلال سالمة من جناية التأويل وسوء الفهم. سارتْ مشرِّقةً وسرتَ مغرّبا ==== شتَّان بينَ مشرِّقٍ ومغرِّبِ والحذر كل الحذر من تتبع المتشابه من كلام العلماء، فكم ضل الناطقون به المحيون لذكره، وحادوا عن جادة الصواب في الرأي، وأنزلوا كلامهم فيما ناسب أهواءهم ومااشتهت أنفسهم. يقول ابن القيم رحمه الله في الصواعق: "إن هؤلاء المعارضين للكتاب و السنة بعقلياتهم،التي هي في الحقيقة جهليات، إنما يبنون أمرهم في ذلك على أقوال مشتبهة محتملة، تحتمل معاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى، والإجمال في اللفظ يوجب تناولها بحق وباطل، فبما فيها من الحق يَقْبَلُ ـ مَن لم يُحِطْ بها علما ـ ما فيها من الباطل، لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء، وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع كلها، فإن البدعة لو كانت باطلا محضا لَمَا قبلت، ولبادر كل أحد إلى ردها وإنكارها، ولو كانت حقًّا محضًا لم تكن بدعة، وكانت موافقة للسنة، ولكنها تشتمل على حق وباطل، ويلتبس فيها الحق بالباطل، كما قال تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}. (مختصر الصواعق ٣١٥-٣١٦) وأقول كما قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله في جمهرة مقالاته : أني "لست أريد [ بهذا المقال] أن أكون سفيها أو شتاما أو منفردا معاذ الله، { وليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء} كما قال رسول الله ﷺ، ولكنني أريد أن أقول الحق واضحا غير ملتوٍ، وأن أصف الأشياء بأوصافها الصحيحة بأحسن عبارة أستطيعها" ، ولو ظهَر من هذا المتكلم التجاوز والتعدي في الخطاب وإغلاظ اللفظ واشتداد في العبارة ما كان بحاجة إليها، وغلبت عليه العجلة والمخالفة فلم ينصف في الخطاب، وجانب الحقيقة والصواب، ولكن الشأن كما ذكر الإمام ابن تيمية حين قال :( هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله فِيَّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتما بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس) المجموع ٣/٢٤٥ وكيفما كان الأمر، فإن "الحقيقة إذا ظهرت مُحتاجة إلى من يُنكرها ويردّها كحاجتِها إلى من يقرُّ بهَا ويقبلهَا" كما قال محمد صادق الرافعي رحمه الله في( وَحي القلم)، والمسلم يبتغي الحق ويسعى إليه، مادام مبدأه هو اعتماد منهج النبي ﷺ، حيث كان يفتتح صلاته إذا قام من الليل : " اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ » رواه مسلم ، وابن خزيمة. وقد مر بي أن أوقفني بعض الفضلاءِ على ماساقه هذا المتكلم بين ثنايا تقريره البعيد عن مناهج أهل السنة في معاملة أهل البدع وميزانهم في ذلك - كما سيظهر لك- وما وقع فيه من الخلط بينما اتفق عليه أهل السنة من معاملة المسلم الجامع للخير والشر وبين معاملة المبتدع الداعي إلى بدعته.. ، وما جنحَ إليه واعتبرهُ قاعدة في معاملة أهل البدع، وجعل من كلام شيخ الإسلام عاضدا ومساندا لرأيه وظن فيه التماس ضالته، ومايدل على جعله من كلام شيخ الإسلام مجرد عاضد لاغير : أنك إذا تأملت منهج هذا المتكلم قديما تجده لايستشهد بكلام شيخ الإسلام ولايذكره ولايقرره.. ،وإنما محصول أمره أنه اعتمد نفس منهجه الذي يسير عليه الآن ويدعو إليه بدون حاجته إلى كلام شيخ الإسلام ! ولوكان منصفا وطالع واستقرأ مجموع كلام شيخ الإسلام في( الفتاوى) بأكمله؛ لخرج بتأويل غير هذا التأويل ولتبرهنت له مواقف شيخ الإسلام في معاملة أهل البدع وميزانه في ذلك وتبين له الفرقان بين أقواله، ولكنها - والله أعلم- الأهواء تخدع من غوى، وتُضلُّه فيسير كالحيران، فليسَ من البِرِّ أن يحاججَ هكذا ! ويسوق كلام الإشتباه على المستمعين ولايرشدهم إلى النظر في كلام الإمام في محيطه العام ونمطه الصحيح، ولما استمعت إليه: اعتراني نوعُ عجبٍ وإشفاق عليه، مما أداه إليه اجتهاده هذا من مخالفة محض السنة، فرامَ الجمع بينَ منهجِ المخالفين من المتحزبة الماكرة القائم على التمييع والتخذيل، ومنهج أهل السنة في معاملة المبتدعة القائم على الولاء لراضيها والبراءة من قالِيها؛ وإن صلوا وصاموا وعملوا الصالحات.. ، وسوف يظهر للمتابع منهج شيخ الإسلام في هذا الباب إن شاء الله وميزانه فيه، فنحن جئنا بفضل الله لنجمع مافي الباب كله بقدر الإستطاعة لينجلي الغبار وتتضح الصورة، مع تسجيل براءة هذا الإمام من هذا التقول الذي بناه هذا المتكلم على كلامه، فعارضه بمعقوله وأسسه على غير أساسه، وما يمكنني أن أقولَ إنصافا لهذا المتكلم: أنْ ليْس عُنصرا أكاديميا، دأب على اعتماد منهج التحقيق العلمي وأمانته من خلال العزو الصحيح ونسبة القول إلى قائله وبناء تصور علمي يخضع لمقومات البحث المعروفة لدى المشتغلين بالبحث في الأدلة الشرعية وتقريرات أهل العلم في أبواب المسائلِ، ونظرة واحدة في مناهج علمائنا الأفذاذ تكفي لنهج سبيلهم في التحقيق العلمي وإحكام المسائل، ولاأزال أتعجب من حال من يستهويه نصرة قوله ليبني عليه تصورا خاطئا يعتمد فيه آراء العلماء، ويظهر لي أنه عرف بعض كلام شيخ الإسلام وجهل البعض الآخر، والله أعلم بمزيد حاله.. ، بل إن ماجنحَ إليه من التعظيم التضخيم والنفخ في فقرةٍ واحدة من كلام ابن تيمية التي اقتطفها من آخرها وظن فيه الهداية ونصرة الرأي، لايرضاه ابن تيمية نفسه، وهو الذي يقول واصفا أهل السنة مبينا منهجهم في التلقي وبعض صفاتهم.. ( ولا ينصّبون مقالةً ويجعلونَها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به رسول الله ﷺ بل يجعلون مابُعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه). ( المجموع، ٣/٢٤٧). فهو نصب مقالة شيخ الإسلام وبنى عليها قواعد فاسدة لم يعرفها العلماء قبل في معاملة المبتدعة، ولو علم ابن تيمية أنه سيُظهرُ كلامه بهذا المظهر لما قاله، كما ذكر رحمه الله في: [ بيان الدليل على بطلان التحليل ص ٢١٥ ]: "فرب قاعدة لو علم صاحبها ما تفضي إليه لم يقلها"، وسوف أجعل القارئ حكما بيني وبين هذا المتكلم، ولن أتجاوز مجموع الفتاوى في النقل عن شيخ الإسلام كما نقل منه هو.. ، وبإعتباره أيضا موسوعة علمية لأقواله وتقريراته في مختلف أبواب الإعتقاد والمنهج والسلوك.. ، علمها من علمها وجهلها من جهلها، قاصدا في قولي ونقلي الإختصار والإجازة، كما قال ابن البناء المراكشي عليه الرحمة: قصدتُ إلى الإجازة في كلاَمي ==== لعِلمي بالصّوابِ في الاِختصارِ ولم أَحذَرْ فُهوماً دون فهمي ==== ولكن خفتُ إِزراءَ الكبارِِ وقبل أن نتباحث مع الداعية حسن الشنقيطى - سلمنا الله وإياه من اتباع الهوى- فيما أورده، أود أن أذكر أني لن أتطرق إلى رد كل ما نقله من كلام خارج عن إطار البحث حول مضمون كلام شيخ الإسلام، بل الغاية تحقيق الصواب من كلام شيخ الإسلام لعلَّ حقّاً لطالبٍ يَضِحْ، ولستُ أحبُّ مزجَ الصَّلافَةِ بالقِحَةِ في الخطاب كما فعل، فله خلق ولي آخر، و أسأل الله أن يجعلني ممن سلكوا سبيل : [ وَهُدوا إلى الطيِّبِ منَ القولِ وَهدُوا إلى صراطِ الحَميد]. سورة الحج ٢٤. وَلكنني ما كنتُ يوماً مقلِّدا ==== يرى أنَّ حكمَ العقلِ في الدينِ مأثَمُ فَمَا القلبُ مني بالسخافاتِ مولعٌ ==== ولا الرأسُ مني باِلخرافاتِ مُفعمُ كما لايفوتني أن أسجل عدة مآخذ على هذا الداعية أثناء حديثه اقتضى المقال تحريرها توصيفاً: -أولها: ضعف الإلمام بكلام ابن تيمية، وغياب استقراء علمي لألفاظه فيما أصَّلَه في باب مُعاملة أهل السنة لأهل البدعة الداعين إليها. -ثانيها: بَترُ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وإخراجه عن سياقه الموضوع له، واتهامه رحمه الله أنه يؤصل لمنهج الموازنات في كلامه. -ثالثها: الخطأ عند عزو كلام شيخ الإسلام إلى مصدره المقتبس منه. -رابعها: الوقوع في التناقض عند تنزيل كلام ابن تيمية على المخالفين له من أهل السنة مع غيرهم من أهل البدع. -خامسها: اعتماد الإجمال في الخطاب وإبهام بعض عبارات شيخ الإسلام. -سادسها: عدم التفريق بين العلماء الربانيين وبين دعاة أهل البدع ممن تلوثوا بالمناهج والأفكار الخارجة عن إطار السنة ومَنْ رد عليه العلماء وبينوا حاله ونسبوه إلى البدعة واعتمد منهجا مخالفا لأصول أهل السنة. -سابعها: تجاوز مفهوم الوسطية إلى الوقوع في نقيضها، وعدم اعتماده مع المخالفين له من أهل السنة وهم من جملة الناس الذين أشار إليهم أثناء التعامل العام. -ثامنها: وصف أهل السنة بأصحاب المنهج المبتدع، وليس له سلف معتمد في هذا القول، أو نَقْلٍ عن عالم رباني موثوق، مع أن في كلام ابن تيمية ما يزكي هذا المنهج ويقويه. -تاسعها: الصراخ في الخطاب والخروج عن لغة العلم ومضامين المنهج العلمي في المحاضرة. -عاشرها: الإفتراء على المخالفين لرأيه من أهل السنة، وطعنهم ولمزهم بما ليس فيهم. يقول الداعية حسن الشنقيطي - هدانا الله وإياه للسنة - في مقطعٍ مرئي بثَّه بعضُ معْجبيهِ على الشبكة : " يقول الإمام ابن تيمية، قال كلاماً ثم قال في الصفحة الخامسة والتسعين من المجلد الثامن والعشرين من كتاب الجهاد من مجموع الفتاوى، وأريدُ من طلاب العلمِ أن يحفظوهُ ويمعنُوا النظر فيه.." ولِي مع هذه الفقرةِ من كلامه وقفتين: الأولى: أن هذا العزوَ عزوٌ خاطئ، فإنك إذا رجعت إلى الصفحة [ ٩٥ ] التي ذكرها، لن تجد فيها من الكلام ما أحال عليه، بل تجد ابن تيمية يتكلم حول مسألة التَّسعير في السلع وينقل أقوال الأئمة الفقهاء في المسألة !! ولعل العلجة وعدمَ النظر صَيَّراهُ إلى الوقوع في هذه المشكلة ! مما يدل على أنه اقتطفَ هذا الكلام ولم يُطالع أصله و عمومه ولا ربط بعضه ببعض قبل أن يذكره، والنقل الذي أراده هذا الداعية، تجد بعضه مبثوثا في الصفحتين ٢٠٩/٢١٠ من المجلد الثامن والعشرين، لكنه لاينصرف إلى ما أراده الدعية بالدليل، كما سترى. الثانية: في قوله عن ابن تيمية :( ثم قال كلاما.. )، ولم يذكر هذا الكلام ! وإنما أشار أن شيخ الإسلام ذكر كلاما وأبهمه هذا الداعية ! ليوهم المستمع أن ما أراده شيخ الإسلام هو نفس المراد الذي يعتقده هذا الداعية ويذهب إليه ! ، مع أن ابن تيمية يتكلم عن المسلم العاصي الفاجر الجامع للخير والشر والسنة والبدعة، وليس المبتدع الذي ظهرت بدعته ودعا الناس إليها، ولهذا ذكر ابن تيمية اللص الذي يسرق ولم يذكر المبتدع الذي يبتدع في الدين عندما ذكر المثال فقال: "كاللص الفقير" ولم يقل "كالمبتدع" أو غير ذلك، ( وهذا مهم فتنبه له)، والواجب ربط الكلام أوله بآخره حتى يفهم المراد منه، فهو كالسِّلسلة المتصلة، لا يُنتَفعُ بها إلا عند اكتمالها واتصالها، ولايصح اقتطاع جزء منها لطلب نفعها. يقول الداعية بعد ذلك: " يقول ( ابن تيمية)، إذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب على قدر مافيه من الخير( عبارة شيخ الإسلام: بقدر مافيه.. )، واستحق من المعاداة والعقاب على قدر مافيه من الشر، واستحق من المعاداة والعقاب على قدر مافيه من الشر،( عبارة شيخ الإسلام: بحسب مافيه من الشر)، فيجتمع في الرجل الواحد موجبات الإكرام والإهانة،( فيجتمع له من هذا وهذا، - هذه العبارة لم يذكرها حَسَنٌ-)، كاللص( الفقير) تقطع يده لسرقته، ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته). قلتُ: هكذا أورد الداعية هذا النص وأدرج بين ثناياه مايحسبه انتصارا لرأيه أو إلزاما أو حجة دامغة لخصمه، ومن البِرِّ بالنقل والأمانة العلمية أن يورد للسامعين كلام شيخ الإسلام كاملا مع سبب ذكره حتى يُفهم في موضوعه العام لينتفي سوء الفهم الذي وقع فيه. فقد جاء في نص السؤال الموجه لشيخ الإسلام في ص ٢٠٣ من المجلد ٢٨ مايلي: "وسُئل رحمه الله عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما؟ وماذا يشترط على الذي يبغضه أو يهجره لله تعالى من الشروط، وهل يدخل ترك السلام في الهجران أم لا (...)، ثم أجاب: الهجر الشرعي نوعان: أحدهما بترك المنكرات والثانى بمعنى العقوبة عليها،( ثم ذكر رحمه الله تفصيلا لهذا الجواب راجعه إن شئت، ثم قال بعد ذلك): ".. والتعزير يكون بمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات، كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالظلم والفواحش(..)-ثم قال-: " وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة، إن دعاة البدع لاتقبل شهادتهم، ولايصلى خلفهم، ولايؤخذ عنهم العلم، ولايُنكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا ، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات، فاستحق العقوبة بخلافِ الكاتِمِ(..) - ثم ذكر رحمه الله مسائل في الهجر راجعها في الصفحات: ٢٠٦-٢٠٧، - ثم تأمل ماذكره رحمه الله بعد ذلك، وهو جزء من الصواب الذي زاغ عنه هذا الداعية، فإن كلام شيخ الإسلام يُفسر بعضه بعضا ويدل بعضه على فهم بعضه، قال:"وهذا لأن الهجر من باب العقوبات الشرعية، فهو من جنس الجهاد في سبيل الله، وهذا يُفعل لأن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، والمؤمن عليه أن يعادي في الله ويوالي في الله، فإن كان هناك مؤمن فعليه أن يواليه، وإن ظلمه، فإن الظلم لايقطع الموالاة الإيمانية، قال تعالى( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين، إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون) فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم، فليتدبر المؤمن الفرق بين هذين النوعين، فما أكثر ما يلتبس أحدهما بالأخر، وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك، فإن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله، فيكون الحب لأوليائه والبغض لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه،والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه. وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر مافيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب مافيه من الشر، فيجتمع في الرجل الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويُعطى من بيت المال مايكفيه لحاجته. هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة، وخالفهم الخوارج والمعتزلة، ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا الناس لامستحقا للثواب ولامستحقا للعقاب فقط، وأهل السنة يقولون: إن الله يعذب بالنار أهل الكبائر من يدفعه، ثم يخرجهم منها بشفاعة.." وبهذا تَعلم أن فهم هذا الداعية مخالف للصواب من ناحية الفهم النظري، فَمراد شيخ الإسلام: أن المسلم الواحد يجتمع فيه الخير والشر والفجور والسنة والبدعة والمعصية،فيستحق بذلك من الموالاة والثواب بحسب مافيه من الخير، والمعاداة والعقاب بحسب مافيه من الشر، ثم نقل اتفاق أهل السنة على هذا الأمر كما مر ، ولابد أيضا من ربطه بما تقدم، ورأيتَ أن شيخ الإسلام مثَّل باللص الفقير الذي جمع بين الفجور والبدعة والمعصية والسنة والبدعة، فبذاك وجب إكرامه وإهانته بحسب مافيه من الخير والشر، ولم يجعل رحمه الله هذا الحكم في ناحية المبتدع الداعي إلى بدعته، بل لم يذكره أصلا! لكن هذا الداعية أخذ هذا الحكم من شيخ الإسلام وسَلَّطَهُ على قوم من المبتدعة خالفوا الكتاب المُبين والسنة المستفيضة، وأظهروا البدع وعِماياتِ الكلام وأغلوطاتِ المسائل باختلافها وحملوا الناس عليها وأثنوا على من دعا إليها، فبين أهل السنة والجماعة حال هؤلاء المبتدعة وحذروا الأمة منهم وردوا عليهم مقالتهم المخالفة للكتاب والسنة. فانظر كيف سلك هذا الداعية بكلام شيخ الإسلام هذا المسلك الوعر الذي لم يقصده ولادلَّت عليه عبارتة، بل ليس فيه مايدل على أن ابن تيمية يقول بمنهج الموازنات كما زعم، كيف هذا ومواقف ا ابن تيمية وموازينه في معاملة المبتدعين معلومة؟ وأزمة هذا الداعية تتكرر فبقي على حال واحدة: أنه لم يفرق بين المسلم الذي جمع الخير والشر وبين المبتدع الداعي إلى بدعته. يقول رحمه الله: "والداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، أولا يمكن عقوبته، فلابد من بيان بدعته والتحذير منها، فإن هذا من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به رسوله، والبدعة التي يعد بها الرجل من أهل الأهواء ما اشتهر عند أهل العلم بالسنة مخالفتها للكتاب والسنة، كبدعة الخوارج، والروافض، والقدرية،والمرجئة.. "المجموع ٣٥ /٤١٣-٤١٤. وقال:" وكذلك من كفر المسلمين أو استحل دمائهم وأموالهم، ببدعة ابتدعها ليست في كتاب الله ولا سنة رسوله، ﷺ، فإنه يجب نهيه عن ذلك وعقوبته بما يزجره ولو بالقتل والقتال."المجموع ٣/٤٣٣. وقال:" ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين.. "المجموع ٢٨ /٢٣١. وقال:" جَوَّز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما: قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة..وقد يُستدل على أن المفسد متى لم ينقطع شره إلا بقتله فإنه يقتل".المجموع ٢٨/٣٤٦. وقال:" من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لايعذر فيه، فهذا يُعامل بما يعامل به أهل البدع.. رأى المسلمين أن يَهجروا من ظهرت عليه علامات الزيغ من المظهرين للبدع، الداعين والمظهرين للكبائر.. "المجموع ٢٤/١٧٢. وكيفما كان الأمر فالنقول عن ابن تيمية في ذاك كثيرة معلومة، ولاَيشتبه كلامه إلا على من لايعرفه ولم يحط بشموله، وليس فيه مايظهر الرأي المغلوط الذي ذهب إليه هذا الداعية وأدى به إلى مخالفة محض السنة فَرَامَ الخلطَ بينَ ميزان التعامل بين المؤمن المُظهر للخير والشر وبين المُبتدعِ الداعي إلى البدع ، ويمكنك الرجوع إليه في مجموع الفتاوى لتَستيقنَها. يقول رحمه الله:" ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية، ومن يغلط في الرأي والفتيا، ومن يغلط في الزهد والعبادة، وإن كان المخطئ المجتهد مغفورا له خطؤه، وهو مأجور على اجتهاده، فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب، وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله.. "المجموع ٢٨/٣٤٦. كما لايظهر في عبارات شيخ الإسلام مظهرا لقوله بمنهج الموازنات الذي ادعاه عليه، وليس يفهم منه ذلك إلا من أراد التقول عليه أو صرف ألفاظه نحو استعمالات أخرى، ومنهج الموازنة معيار ساقط عند أهل العلم، ولم يعتمدوه لا في القديم ولا الحديث، وليس يقول به إلا من أراد دفع جَرحٍ ناله وجماعتَه، أو أراد شرا بهذه الأمة. يقول: "وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنته، واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشريعته وأموالهم:هو أولى بالمحاربة من الفاسق وإن اتخذ ذلك دينا يتقرب به إلى الله.." المجموع ٢٨/٢٤١. بناءا على ماتقدم فإني أدعو هذا الداعية إلى مزيد فقهٍ واستيعابٍ لكلام العلماء وأوجه له نفس الخطاب الذي وجهه إلى مخاطبيه حيث يقول في مقطعه في الدقيقة( ٠٢:٠٠) :"ينبغي للشباب المتحمس أن يفقه كلام العلماء الربانيين وألا ينصت لصغار المتعالمين الذين يُنَظِّرونَ لأمة، وهم لم يصلوا إلى درجة هذا الإمام وأمثاله.. ".!!! قلت : هذا كلام ومنهج الإمام أمامك، فخذه وأعد النطر فيه ليكون ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين، لعل ناحية من الصواب تَضِح ، فإنك لم تصل بعد إلى درجة هذا الإمام وأمثاله، ومن نظر في استدلالك بكلامه يظهر له أنه يحمل بين طياته ما ينسفه، ولايتوافق مع ماقررته قَبلُ ، حيث لم توظف هذا الإستنباط والإستنتاج في المعاملة على من تسميهم(مَدَاخِلة) مما يستلزمه ما دعوت إليه في نقلك المغلوط عن شيخ الإسلام؛ فتشملهم كذلك الموالاة والنصرة والثواب والمحبة، ولكنك لم تجعله فيهم، بل تعاملهم معاملة خارجة عن إطار السنة..، ثم أنت نَصَبتَ حكمك على من تهوى نفسك وأردت الدفاع عنه، وهذا عين الجور في نظري؛ أن تقرر شيئا يَسَعُ الكل، فتسقطه على من تريد وتترك من لاتريد! ، وأهل السنة أولى به وأقرب وأحق! لما فيهم من التمسك الظاهر بالسنة والولاء والبراء فيها وانتهاج الآثار السلفية المتظافرة، وترك الابتداع في المنهج والإعتقاد. وها أنت أقمتَ نفسك في مقام الحكم على الناس ! أوليس هذا من باب (الجرح والتعديل) الذي تَرَوَّحتَ تنكر قواعده وتنكر على من يقوم به من العلماء ؟ والحافظ الذهبي يقول في [موقظته ص٨٢]: (والكلام في الرواة يحتاج إلى: - ورع تام. - وبراءة من الهوى والميل. - وخبرة كاملة بالحديث، وعلله، ورجاله). فهل أنتَ حصلت لك واحدة من هذه؟؟ لكنك آويتَ إلى السنةِ من تشاءُ وأخرجتَ منها من تشاءُ! وعندئذ ندرك أن ما أنكرتهُ على أهل السنة كنتَ قائما به بالسبق ووقعت فيه ! من: ( جرحٍ وتعديلٍ وتصنيفٍ وإخراجٍ من السنةِ وطعنٍ في العلماء..، لكنَّ بَاءَكَ تَجرُّ في ذلك وَبَاءُ أهل السنةِ لاتَجرُّ ! ومن راجع مقالكَ يجدُ ما نقولُ، وإذا ظهر السبب بطل العجب ! وأهل السنة والجماعة إذ كانوا يكشفون أهل البدعة للناس ويبينون أمرهم، وينكرون عليهم باللسان واليد، فإنما يقومون بذلك من خلال ضابطين شرعيين أساسيبن: أحدهما: أن يكون إخلاصا لله، لاهوى في النفس أو استيفاء من أحد أو عداوة دنيوية له. والثاني: أن يكون ذلك من خلال عمل شرعي مأمور به، بحيث يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة حسب الأحوال والظروف المختلفة، وإلا لم يكن مشروعا ولا مأمورا به، هذا مُفَادُ كلام شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى. ولم يزل أهل السنة يتبينون في أمرهم وقولهم وفعلهم، ولايصدرون عن أصول السنة و أقوال كبرائهم،لايضرهم من خالفهم. وما قدمناه من كلام شيخ الإسلام وما تبعه: هو الصواب الذي عليه أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيَّناه سابقاً. وإذا أخذنا معيار هذا الداعية-هداه الله- في معاملة أهل البدع والمخالفين بنفس الميزان الذي يُعَامَلُ به المسلم الذي جمع الخير والشر والفجور والمعصية والسنة والبدعة؛ لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعا إلى البدع دعاة الضلال وَلَهُدمَ الإسلام وتعطل ذي الجلال والإكرام، وَلَلَبَّسوا على الناس أمرهم، ولأَدخَلَ المضلون في السنن أباطيل يضلون بها عن صراط العزيز الحميد. وأخيراً أذكرك وأذكر متابعيك بقول الإمام سفيان بن عيينة حين جاء فتىً إليه من خلفه فجبذه فقال: يا سفيان حدّثني!؛ فالتفت سفيانُ فقال: (يا فتى إنه من جهل أقدار الناس فهو بقدر نفسه أَجْهَلُ)، [رواه القاضي عياض في الإلماع ص٢٤٣]. والله أعلم، وصلى الله على نبينا وسلم. إبراهيم بن محمد المالكي. ١٤٣٧/٠٩/١٩
  14. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS) سلفي ونصيحة إلى دعاة أمريكا وبريطانيا مقال هام لفضيلة الشيخ أبي عبد الأعلي خالد بن محمد بن عثمان المصري حفظه الله لتحميل المقال علي الرابط التالي http://www.darelmalsalaf.com/darsound/salafieventssalafya.pdf نص مقالة فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلي خالد بن محمد بن عثمان المصري حفظه الله موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS) سلفي ونصيحة إلى دعاة أمريكا وبريطانيا بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد؛ فإن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة ظاهرة واضحة نقية لا غموض فيها ولا خفاء، كما قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، بخلاف دعوات أهل الباطل من أهل الأهواء فإنه يكتنفها الغموض والخفاء، وأحيانًا الكذب والتدليس والنفاق. ولذلك كان من سمات الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ظهور الحق عندهم ووضوحه؛ لأنهم وَرَثة الأنبياء حقًّا، وليس عندهم تنظيمات سرية ولا أمور يسرون بها ينفصلون بها عن عامة المسلمين في عقيدة أو منهج.. ومن ظهور أهل السنة أيضًا أنهم لا يتكتمون فيما بينهم أمورًا خفيَّة ويصدرون أحكامًا سريَّة على فلان أو علان، كحال الأحزاب البدعية. هذا، وقد أعلن الأخوة السلفيين في سنغافورة عن محاضرة لي معهم حول "أحكام شهر رمضان" عبر الهاتف، بالتنسيق مع موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS)، لكني فوجئت بعد ذلك –ودون الرجوع إليَّ - أن الأخوة السلفيين في سنغافورة قاموا بإلغاء المحاضرة للسبب التالي: قالوا: "بلغتنا نصائح من الدعاة أن موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS) يحتاجون إلى تصحيح أوضاعهم، ولذلك نصح هؤلاء الدعاة بعدم التعاون معهم حتى يقوموا ببعض التصحيحات، وعدم متابعة قناتهم على التليجرام". قلت: أولاً: من الأمور المقرّرة في ديننا أنَّنا لا نأخذ الأحكام من مجاهيل أو مبهمين، كما قال محمد بن سيرين: "إن هذا الأمر دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم"، ولذلك فيجب على هؤلاء أن يسمُّوا لنا هؤلاء الدعاة، لنرى هل هم سلفيون؟ وهل هم من أهل علم الجرح والتعديل الذين لهم أهلية إصدار الحكم على شخص أو فئة ما جرحًا وتعديلاً أم لا؟! وثانيًا: من قواعد هذا العلم الجليل –علم الجرح والتعديل-: أن الجرح لا يُقبَل إلا مفسَّرًا، فكان الواجب على هؤلاء الدعاة أن يبينوا بالأدلة أسباب تحذيرهم من التعاون مع الأخوة في موقع "سلفي إفنتس"، وأما قولهم: "إنهم يحتاجون إلى تصحيح أوضاعهم..."، كلام مرسل لا قيمة له من الجهة النقدية. ومهما كان، فالذي أشهد به أن موقع "سلفي إفنتس" موقع سلفي، وأن القائم عليه – وهو الأخ: آصف شبير أبو معاوية - من إخواننا السلفيين الأفاضل الذين أعرفهم معرفة جيدة، وقد صاحبني في مصر قرابة العام ونصف كان ملازمًا فيها لدروسي ولدروس شيخنا الوالد حسن بن عبدالوهّاب البنا –حفظه الله-، ثم انتقل للعمل في الرياض، وكلّما ذهبت إلى هناك كان ملازمًا لي، فما رأيت منه إلا حرصًا على الدعوة السلفية والارتباط بأكابر علمائها، والنشاط في الدعوة إلى الله، وتنظيم الدورات العلمية النافعة، وهو الذي يتولّى إذاعة الدرس الأسبوعي لمعالي الشيخ صالح اللّحيدان –حفظه الله تعالى- عبر إذاعة الموقع. وأنا أسأل هؤلاء الدعاة: هل وجدتهم –ولو مرة واحدة- على موقع "سلفي إفنتس" الإعلان عن محاضرة لواحد من أهل البدع الداعين إلى بدعتهم؟! وهذا الموقع موجود أخرجوا لنا منه المواضع التي تحتاج إلى تصحيح حتى نناصح إخواننا بتصحيحها. وأما وقوع هؤلاء الأخوة في هذا الموقع في بعض الأخطاء هذا أمر وارد، ولا يخلو منه أحد، لكن هل كلّما أخطأ أخوك حذّرت منه ومنعت من التعاون معه، فطبقت عليه أحكام الهجر التي لا تطبق إلا على المبتدع المخاصم أو الفاسق المجاهر، فإن هذا المنهج لا يرضى به عالم رباني أو داعية هدى. وقد قال شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله تعالى- في نصيحته الثانية إلى "فالح الحربي" كما في (المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح) (مجموع رسائل ومؤلّفات العلامة ربيع بن هادي 9/147): "إنكم سئلتم عن أشخاص معينين مشهورين عند الناس بالسلفية والدعوة إليها، وفيهم علماء في نظر الناس، فأخرجتهم من السلفية، وهذا الإخراج جرح شديد فيهم يحتاج إلى أدلة، فإذا لم تأت بالأدلة وأسباب هذا الجرح رأى الناس أنك ظلمتهم وتعديت عليهم وطعنت في دينهم بغير وجه حق، فصرت متّهمًا عند الناس،فتحتاج إلى استبراء دينك وعرضك، فإن لم تفعل طعن فيك الناس، ولن ترضى أنت ولا غيرك بهذا الطعن، فتقوم الفتنة ويحصل الاختلاف بين السلفيين، وتكثر الطعون المتبادلة ولا يُحسَم ذلك إلا بذكر الأسباب المقنعة بهذا الإخراج، وقد تطالب أنت نفسك بذكر الأسباب إن جرحك أحد أو أخرجك من السلفية".اهـ فإن قال هؤلاء الدعاة: لكن آصفًا ليس من الدعاة المشهورين، ونحن لم نخرجه من السلفية ! فأقول: لكنه معروف بالسلفية عندنا وعند غيرنا، وموقعه معروف بالدعوة إلى المنهج السلفي، وتحذيركم من التعاون معه عقوبة شديدة تكاد تضاهي الإخراج من السلفية بصورة ضمنية. ولو صنع هذا أحد معكم لغضبتم، وتساءلتم: لماذا يحذّرون من التعاون معنا؟! وقد أخرج البخاري (13)، ومسلم (45) من حديث أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». ومن باب المصارحة والمكاشفة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، أقول: إن هناك جهات دعوية في بريطانيا وأمريكا تظن أن الدعوة السلفية حكر عليها فقط، وأن كلَّ مَن أراد أن يقوم بأمور الدعوة نحو تنظيم المحاضرات مع أهل العلم، واستقدام بعضهم للدورات العلمية يجب أن يكون عن طريقهم، فإن قامت جهة دعوية أخرى –وهي سلفية مثلهم- بأي جهود في الدعوة –مهما عظُمت- احتقروها وقلَّلوا من شأنها وعاملوا أصحابها بالازدراء وادعوا أن عملهم يحتاج إلى تصحيحات؛ لأنهم لم يعملوا من خلالهم، وهذه بلية عظيمة تحتاج من هؤلاء الدعاة إلى وقفة مع أنفسهم يتجردون فيها لله عز وجل {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. والأخطر –وهذا مِمَّا ننزه عنه إخواننا الدعاة السلفيين المعروفين في بريطانيا وأمريكا- أن تكون بعض هذه الجهات الدعوية –أو بعض هؤلاء الدعاة- مِمَّن يتستر ببعض علماء السنة مكرًا وكيدًا، كما قال شيخنا العلامة ربيع بن هادي –حفظه الله- في "خطورة الحدادية الجديدة، وأوجه التشابه بينها وبين الرافضة" كما في (المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح) (مجموع رسائل ومؤلّفات العلامة ربيع بن هادي 9/416): "مع بغضهم لهم –أي لعلماء السنة- ومخالفتهم في أصولهم ومنهجهم ومواقفهم،كما يفعل الروافض في تسترهم بأهل البيت مع مخالفتهم لهم في منهجهم وأصولهم وبغضهم لأكثرهم؛ لمَاذا يفعلون هذا؟ الجواب: ليتمكنوا من إسقاط مَن يحاربونهم من أهل السنة، وليتمكنوا من الطعن فيهم، وتشويههم وتشويه أصولهم، وليحقّقوا أهدافهم في تشتيت المنهج السلفي وضرب بعضهم ببعض". وأقول: إن أمريكا وبريطانيا تحتاج إلى جهود مئات – بل آلاف من العلماء والدعاة السلفيين - لنشر التوحيد والسنة والمنهج السلفي في أوساط هذه المجتمعات التي امتلأت بأهل الملل الكافرة والدعوات الضالة، فإذا وجدنا مَن له جهد في الدعوة –ولو قلَّ- وَجَب علينا أن نؤازره ونؤيده، وإن وجدنا فيه ضعفًا أن نقويه ونعالجه لا أن نضعفه ونخذله ونحقره، وقد أخرج مسلم (2564) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا»، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ». وقد نعى الله سبحانه على المنافقين {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وأخرج البخاري (4668)، ومسلم (1018) عن أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: «أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ» قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ، قَالَ فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ، قَالَ: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [التوبة: 79] فلا يجوز بحال أن تتسرب أخلاق المنافقين وسط السلفيين دون أن يشعروا بسبب تسويل الشيطان ونزغه، وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. هذا، وإني أنصح إخواننا جميعًا أن يعملوا بنصيحة شيخنا العلامة ربيع بن هادي: "الحث على المودة والإتلاف والتحذير من الفرقة والاختلاف"، حيث قال –حفظه الله-: "التآخي بين أهل السنة جميعا ـ السلفيين بثوا في مابينكم روح المودة والأخوة ، وحققوا ما نبهَنا إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، بأن المؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا ، والمؤمنون كالجسد الواحد ـ كالجسد الواحد ـ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كونوا هكذا يا أخوة ، ابتعدوا عن عوامل الفرقة فإنها والله شر خطير وداء وبيل واجتنبوا الأسباب التي تؤدي إلى الإحن والبغضاء والفرقة والتنافر، ابتعدوا عن هذه الأشياء لأنها سادت هذه الأيام على أيدي أناس يعلم الله حالهم ـ يعلم الله حالهم ومقاصدهم ـ سادت وكثرت ومزقت الشباب في هذا البلد في الجامعة وغيرها وفي أقطار الدنيا ، ليه ؟ لأنه نزل إلى ساحة الدعوة إلى الله من ليس من أهلها ، لا علما ولا فهما ، ـ بارك الله فيكم ـ وقد يجوز أن يكون الأعداء دسوا في أوساط السلفيين من يمزقهم ويفرقهم ، وهذا أمر غير بعيد أبدا ، ووارد تماما ــ بارك الله فيكم ـ فاحرصوا على الأخوة وإذا حصل بينكم شيء من النفرة، فتناسوا الماضي وأخرجوا صفحات بيضاء جديدة الآن، وأنا أقول للإخوان: الذي يقصر ما نسقطه ـ نهلكه ـ الذي يخطئ منا ما نهلكه ـ بارك الله فيكم ـ نعالجه باللطف والحكمة ونوجه له المحبة والمودة إلى آخره ، حتى يؤوب ، وإن بقي فيه ضعف ما نستعجل عليه، وإلا والله ما يبقى أحد". نسأل الله سبحانه أن يؤلّف بين قلوب إخواننا السلفيين في أمريكا وبريطانيا وفي كل البلاد، إنه سميع قريب مجيب. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري في ظهر يوم الإثنين غرة رمضان 1437 هـ
  15. http://up.top4top.net/downloadf-122ekpr1-doc.html?
  16. أبو مريم أيمن العابديني

    حمل مقال بعنوان فضائل الصيام وخصائصه

    http://up.top4top.net/downloadf-132dqzm1-doc.html?
  17. http://up.top4top.net/downloadf-13217v92-doc.html?
  18. http://up.top4top.net/downloadf-15138ki2-pdf.html?
  19. بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى »([1])، فهذا الحديث من جوامع كلماته الشريفة، ومن أعظم أصول الشريعة المنيفة، فيدخل في هذا جميع العبادات والعادات، ويتناول المعاملات والمعاوضات، فلا يصح لأحد صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج إلا بالنية، ولا تكمل عباداته كلها وينمو ثوابها إلا بكمال الإخلاص وصحة الطوية، والنية بها تميز فروض العبادات من نفلها، وبإخلاصها يعظم أجرها وفوز العامل بفضلها، فيجب على كل مسلم، أن يوطن نفسه على الاحتساب في كل شيء، وإرادة وجه الله تعالى. وها أنا أفتح لك في هذا المقال بابًا عظيمًا من أبواب الطاعات، لتسعى لكسب كنوز من الحسنات، في دقائق معدودات، ودللتك على المفتاح الأعظم، لهذا الباب ألا وهو: مفتاح الإخلاص فبادر بتجديد النيات، لتغير جميع العادات إلى عبادات، لتبلغ إلى أسمى الغايات، إلى جنة رب الأرض والسماوات، وتطبق قول الله تعالى في محكم الآيات {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }[الأنعام: 162، 163]. فوائد النية: )1) تحويل العادات إلى عبادات. )2) المرء يبلغ بنيته ما لا يبلغه بعمله: لقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ، لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ، فَقِيلَ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا السَّارِقُ فَلَعَلَّهُ يَسْتَعِفُّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى»([2]). )3) النية تؤدي إلى عدم انقطاع العمل: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا مِنَ امْرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيْلٍ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا نَوْمٌ، إِلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ»([3]). ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»([4]). ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِذَا ابْتَلَى اللهُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ، قَالَ اللهُ لِلْمَلَكِ الَّذِي يَكْتُبُ عَمَلَهُ: اكْتُبْ لِعَبْدِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ مِنْ الْخَيْرِ مَا دَامَ مَحْبُوسًا فِي وَثَاقِي حَتَّى أَقْبِضَهُ أَوْ أُطْلِقَهُ فَإِنْ شَفَاهُ ، غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ ، غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ »([5]). )4) النية هي سر العبودية وروحها: قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( النية سر العبودية وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه، فهو جسد خراب.... )) ([6]). )5) الثواب والمغفرة يتوقف على النية: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةَ مُسْلِمٍ مِنْ بَيْتِهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا»([7]). )6) النية سبب للنجاة من العذاب وقبول التوبة والفوز بالجنة: حديث غزو الكعبة وحديث الرجل الذي قتل مائة نفس. )7) الخلود في الجنة والنار بالنية: قَالَ الْإِمَامُ الحسن البصري-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( إنما خلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات )) ([8]). قَالَ الْإِمَامُ السيوطي-رَحِمَهُ اللَّهُ-:(( أَنَّ الْمُؤْمِن يُخَلَّد فِي الْجَنَّة وَإِنْ أَطَاعَ اللَّه مُدَّة حَيَاته فَقَطْ ؛ لِأَنَّ نِيَّته أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَبَد الْآبَاد لَاسْتَمَرَّ عَلَى الْإِيمَانِ ، فَجُوزِيَ عَلَى ذَلِكَ بِالْخُلُودِ فِي الْجَنَّة ؛ كَمَا أَنَّ الْكَافِر يُخَلَّد فِي النَّار ، وَإِنْ لَمْ يَعْصِ اللَّه إلَّا مُدَّة حَيَاته فَقَطْ ؛ لِأَنَّ نِيَّته الْكُفْر مَا عَاشَ )) ([9]). مصداقًا لقوله تعالى:{ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [الأنعام: 28]. )8) الله يحفظك ويعينك بقدر نيتك: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: «إِنَّمَا يُحْفَظُ حَدِيثُ الرَّجُلِ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ»([10]). )9) النية سبب لرفع درجتك عند الله وإحسانه إليك: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-:«إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ.... »([11]). )10) النية هي الرصيد الجاري والتجارة الرابحة في الدنيا والآخرة: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:«مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»([12]). )11) النية هي المميزة: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: ((فَبِهَا-أي: بالنية- تَتَمَيَّزُ أَنْوَاعُ الْعِبَادَاتِ وَأَجْنَاسُ الشَّرَائِعِ، فَيَتَمَيَّزُ الْمُصَلِّي مِنْ الْحَاجِّ وَالصَّائِمِ، وَيَتَمَيَّزُ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَيَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ، مِمَّنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَيَصُومُ شَيْئًا مِنْ شَوَّالٍ، وَيَتَمَيَّزُ مَنْ يَتَصَدَّقُ عَنْ زَكَاةِ مَالِهِ، مِمَّنْ يَتَصَدَّقُ مِنْ نَذْرٍ عَلَيْهِ أَوْ كَفَّارَةٍ)) ([13]). )12) النية من عمل السر وعمل السر أفضل من عمل العلانية: قَالَ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة: 271]. )13) النية سبب لتيسير الأمور وتفريج الكروب: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ»([14]). ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « مَنِ ادَّانَ دَيْنًا يَنْوِي قَضَاءَهُ أَدَّى الله عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »([15]). )14) البعث والحشر والحساب يكون على النية: لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « إِنَّمَا يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ »([16]). ولقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: « يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ »([17]). )15) النية شرط قبول العمل: قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]. عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلاً غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« لاَ شَىْءَ لَهُ ». فَأَعَادَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« لاَ شَىْءَ لَهُ ». ثُمَّ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِىَ بِهِ وَجْهُهُ »([18]). هذا والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل كَتَبَهُ أَبُو مَرْيَمَ أَيْمَنِ بْنِ دِيَابٍ بْنِ مَحْمُودٍ اَلْعَابِدِينِي غَفَرَ اللَّـهُ لَهُ ،ولِوَالدَيْهِ ،ولِمَشَايخِهِ ،ولجَمِيْعِ المُسْلِمِيْنَ )1) أخرجه : البخاري 1/2 ( 1 ) ، ومسلم 6/48 ( 1907 ) . نْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. )12) أخرجه : البخاري 2/137 (1421) ، ومسلم 3/89 (1022) (78) . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. )13) (س) 1784 [قال الألباني]: صحيح. عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. )14) أخرجه : البخاري 4/70 ( 2996 ) . عن أبي موسى الأشعرِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. )15) (حم) 12525، (يع) 4235 ، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 3422 المشكاة: 1560. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. )16) إحكام الأحكام (2/706 ، 707). )17) (خ) 38 ، (م) 175 - (760)، (خ) 37 ، (م) 173 - (759)، (خ) 1802 ، (م) 175 - (760)، (خ) 1261 ،(م) 945 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. )18) إحياء علوم الدين (4/ 364) ط. دار االمعرفة - بيروت. ) 19) الأشباه والنظائر الفقهية (ص: 11)ط. دار الكتب العلمية. )20) سنن الدارمي ت الغمري (ص: 171) ح(357). ط. دار البشائر (بيروت). )21) أخرجه: البخاري 1/22 (56)، ومسلم 5/71 (1628) (5). (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) المراد بالتخلف طول العمر والبقاء في الحياة بعد جماعات من أصحابه. (وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) هذا الحديث من المعجزات فإن سعدا رضي الله عنه عاش حتى فتح العراق وغيره وانتفع به أقوام في دينهم ودنياهم وتضرر به الكفار في دينهم ودنياهم وولي العراق فاهتدى على يديه خلائق وتضرر به خلائق بإقامته الحق فيهم من الكفار ونحوهم. )22) أخرجه : مسلم 8/62 (2674) (16). عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. )23) مجموع الفتاوى (26/ 25).ط. دار الوفاء. ) 24) (خ) 2387. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ) 25) صححه الألباني في "صحيح الجامع" (5986). عَنْ مَيْمُونَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. ) 26) قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 2379 في صحيح الجامع. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ) 27) قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 8042 في صحيح الجامع.عَنْ جَابِرٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. ) 28) (س) 3140 ، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1331.
  20. أبو يوسف ماهر بن رجب

    [عرفات المحمديّ] | حُكم كون المرأة مأذونة

    الحمدلله، فهذا جمع لما نشره شيخنا الدكتور أبو الربيع عرفات المحمديّ مُنَجّما في قناته على التلجرام : (( في حُكم كون المرأة مأذونة )) رابط تحميل الملف مُباشر (اضغط هنا)
  21. الرَّبانيَّـة الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد: فقد نظرت في أحوال النَّاس فوجدت أنَّ خيرهم أولئك الَّذين نعتهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ووصفهم وبيَّن حالهم بقوله: «أحبُّ النَّاس إلى الله أنفعهم للنَّاس» [«الصَّحيحة» (906)]، وفي رواية: «خيرُ النَّاس» [«الصَّحيحة» (426)]، ولاشكَّ أنَّ أعظم النَّفع ما كان سببًا للسَّعادة في الدُّنيا والنَّجاة والفوز يوم القيامة، وكان من وظيفة المباركين من عباد الله الصَّالحين وعلى رأسهم أنبياؤه ورسله، الَّذين من وظائفهم ما يشاركهم فيه غيرهم من صادق أتباعهم ومنها ما هو خاصٌّ بهم ممَّا لا يشاركهم فيه أحد، ومن أعظم أعمالهم وأنفع آثارهم تعليم النَّاس ما ينفعهم في دينهم ويصلح شأنهم، لقوله تباك وتعالى: «هو الَّذي بعث في الأميِّين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكِّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة» [الجمعة: 2]، فبثُّ العلم ونشرُه يُعتبَر من أجلِّ القربات وأفضل الطَّاعات الَّتي دلَّت نصوص الكتاب والسُّنَّة على عظيم فضله ورفيع منزلته وقدره، ولهذا حرص عليه السَّلف الكرام، واجتهدوا فيه، وجعلوه شغلهم وديدنهم، ومن لطيف ما يروى في هاذا الباب عن عبد الله بن مبارك رحمه الله أنَّه عوتب فيما يفرِّق من المال في البلدان دون بلده، فقال: «إنِّي أعرف مكان قومٍ لهم فضل وصدق، طلبوا الحديث فأحسنوا طلبه لحاجة النَّاس إليهم ، احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أعنَّاهم بُثَّ العلم لأمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، لا أعلم بعد النُّبوَّة أفضل من بثِّ العلم» [«سير أعلام النُّبلاء» (8/387)]. وقد كتب عبد الله العمري أحد العبَّاد الصَّالحين إلى الإمام مالك رحمه الله يحضُّه إلى الانفراد والعمل، ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: «إنَّ الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فربَّ رجلٍ فُتح له في الصَّلاة ولم يفتح له في الصَّوم، وآخر فُتح له في الصَّدقة ولم يُفتح له في الصَّوم، وآخر فُتح له الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البِرِّ، وقد رضيت بما فُتح لي فيه، وما أظنُّ ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خيرٍ وبرٍّ» [«التَّمهيد»: (٧/١٨٥)]. هذا هو الفهم الرَّشيد والنَّظر السَّديد الَّذي كان عليه علماء السَّلف وأئمَّة الهدى، تبحُّرٌ في العلم من غير اغترار بالنَّفس ولا اعتداد بها، مع تواضع لله ولين جانب مع خلقه فقوله : «فنشر العلم من أفضل أعمال البر» هذا الَّذي كانوا يعتقدونه، فما أحوج الأمَّة إلى علمائها الرَّبانيِّين الَّذين نفعهُم ظاهر، وحسن أثرهم لا ينكره إلَّا الجاهل، هؤلاء الَّذين وصفهم ربنا بقوله: «ولكن كونوا ربانيِّين»، فما معنى أن نكون ربانيِّين في تعليمنا وتدريسنا وفي دعوتنا وسائر أحوالنا؟ قال الإمام البخاريُّ: «قال ابن عبَّاس: «كونوا ربانيِّين»: حلماء فقهاء، ويقال: الرَّبانيُّ الَّذي يربِّي النَّاس بصغار العلم قبل كباره» [«صحيح البخاريِّ» (1/24)]. وعليه: ينحصر معناه على هذا التَّفسير السَّلفي في أمرين: الأوَّل: متعلِّق بنفس المعلِّم وحاله. الثَّاني: بمنهجه في تعليمه و دعوته. وسأحاول بيان كلا المعنيين: الأمر الأوَّل: يتضمَّن وصفين: الوصف الأوَّل: أن يكون في نفسه حليمًا، متَّصفًا بصفة يحبُّها الرَّحمن، كما جاء في حديث أشجِّ عبد القيس الَّذي رواه مسلمٌ (17)، حيث قال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ». فالحليم اسمٌ من أسماء الله ، اشتقَّ لنفسه منه صفةَ الحِلْمِ، أي: الَّذي لا يعجل بالعقوبة والانتقام، والَّذي لا يحبس إنعامه عن عباده لأجل ذنوبهم، بل يرزق العاصي كما يرزق المطيع، وذو الصَّفح مع القدرة على العقاب. أمَّا معناه في حقِّ العبد فهو المتسامح ذو الصَّفح، هذه الِّصفة الَّتي لا يسعد بها على الوجه المطلوب إلَّا من رزقه الله الصَّبر والاحتساب، وهما من أخصِّ صفات المرسلين. الوصف الثَّاني: أن يكون مع هذا التَّحلِّي فقيهًا أي: عالمًا بأصول الشَّريعة وأحكامها، بل قيل: إنَّ الفقيه هو العالم الفطن، هذه الفطانة الَّتي تميِّز حسن استنباطه ونباهة تقديره للأمور والأحوال، حازمًا في شؤونه ثابتًا في مواقفه، لا يداهن ولا يتميَّع، شديدًا في تمسُّكه صلبًا في منهجه، على ما كان عليه الأوائل من سلف هذه الأمَّة الكرام. وقد جاء في بيان فضل العلم و أهله نصوصٌ عظيمةٌ من الكتاب المنزَّل ومن أحاديث المصطفى الهادي صلَّى الله عليه وسلَّم، أهلُه الَّذين فتح الله تبارك و تعالى عليهم في هذا الباب ، كما جاء في حديث معاوية بن أبي سفيان و أرضاه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [أخرجه البخاريُّ (71)، ومسلمٌ (1037)]، والفقه في دين الله تبارك و تعالى أساسه ومبناه على العلم بالله أوَّلًا، العلم بالله تبارك و تعالى بآلائه وأفعاله وصفاته وأسمائه، وهو أفضل العلوم على الإطلاق، لأنَّ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو العلم الَّذي يُوَرِّث الخشية في القلوب، و لهذا كان أولى الناس بهذه المكرمة هم من فتح الله عليهم فيه ، لقول الله : «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [فاطر: 28]، فالعلم الصَّحيح المبنيُّ على كتاب الله وسنَّة رسوله عليه الصَّلاة و السَّلام والَّذي يسير فيه أهله على هدي سلف هذه الأمَّة الكرام ، يورث هذه الخصلة الطَّيِّبة الكريمة، ولهذا جمع بينهما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهون عن الشَّيء أصنعُه؟! فوالله إنِّي أعلمهم بالله وأشدُّهم له خشية» [أخرجه البخاريُّ (6101)، ومسلمٌ (2356)]. فهو أعلم الخلق بالله وأخشاهم له، جمع الله له بينهما، ونال الحظَّ الأكبر منهما، ومع هذا يأمره ربه بقوله: «وقل ربي زدني علمًا»، فما أُمر بطلب الاستزادة من شيءٍ إلَّا من هذا الخير. كما كان من دعائه صلى الله عليه وسلم : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلا مُتَقَبَّلًا» [«صحيح ابن ماجه» (753)]. هذا الدُّعاء المبارك الَّذي كان صلَّى الله عليه وسلَّم يستفتح به بعد صلاة الصُّبح كلَّ يوم في غاية المناسبة، لأنَّ الصُّبح هو بداية اليوم ومُفتَتَحُه، والمسلم ليس له مطمعٌ في يومه إلَّا تحصيل هذه الأهداف والمقاصد العظيمة والأهداف النَّبيلة في تحديد همَّته في أوَّل النَّهار، وهي: 1ـ العلم النَّافع. 2ـ الرِّزق الطَّيِّب. 3ـ العمل المتقبَّل. وكأنَّه في افتتاحه ليومه بذكر هذه المقاصد الثَّلاثة دون غيرها يحدِّد أهدافه ومقاصده في يومه، ولا ريب أنَّ ذلك أجمع للقلب، وأضبط لسير العبد ومسلكه في هذه الحياة، وفيه استعانة وتضرُّع لربِّه في صباحه وأوَّل يومِه أن يمدَّ له العون والخير والتَّوفيق للسَّير على هذه الأهداف كلَّ يوم، فإنَّ هذه المقاصد الثَّلاث عليها مدار الفلاح في الدُّنيا والآخرة. وتأمَّل كيف بدأ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الدُّعاء بسؤال اللَّه العلم النَّافع، قبل سؤاله الرِّزق الطَّيِّب، والعمل المتقبَّل، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ العلم النَّافع مقدَّم، وبه يُبدأ، قال اللَّه : «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات» [محمَّد: 19]، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، لأنَّه لا يمكن أن يكون العمل صحيحًا وموافقًا للكتاب والسُّنَّة دون علمٍ. وفي البدء بالعلم النَّافع حكمةٌ ظاهرةٌ لا تخفى على المتأمِّل، ألا وهي أنَّ العلم النَّافع به يستطيع المرء أن يميِّز بين العمل الصَّالح وغير الصَّالح، ويستطيع أن يميِّز بين الرِّزق الطَّيِّب وغير الطَّيِّب [«فقه الأدعية والأذكار» (4/٤٠)]. فالرَّبَّانيُّ الموفَّق هو من فتح الله عليه في هذا الباب وأنعم عليه بالفقه والعلم بالكتاب، فنال به من هذه المقامات والآداب: من خشية ربِّه الوهاب، ومعرفة قدر النَّفس مع تواضعٍ جمٍّ لله وللعباد، كما كان أولئك الأئمَّة قديمًا وحديثًا في سيرهم وسيرتهم في هذا الباب. ونذكر جميعًا ونتذكَّر في هذا المقام ما كنُّا نسمعه من أئمة هذا الزَّمان : الشَّيخ ابن باز والشَّيخ العثيمين والشَّيخ الألباني – رحمةُ الله جلَّ و علا عليهم أجمعين -، كلُّ واحدٍ منهم يقول عن نفسه: «ما أنا إلَّا طالب علم »، و يقول الألباني: «ما أنا إلَّا طويلب علم»، أي: ما بلغت حتَّى منزلة الطَّالب، وهم الأئمَّة الأعلام الَّذين اجتمعت كلمة المسلمين من مخالفيهم وموافقيهم ومحبِّيهم ومناوئيهم على أنَّهم هم الأئمَّة، هذا كلامهم وهذه عقيدتهم و صفاتهم، رحمة الله تبارك و تعالى عليهم أجمعين. وما هذا إلَّا لأنَّهم كانوا دائمًا وأبدًا يستحضرون كلام الله : «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ»، فيا من آتاك الله جلَّ و علا من هذه الفضيلة! يا من وفِّقت لهذه النِّعمة ولهذا الخير الجسيم! اعلم أنَّ فوقك من هو أعلم منك، و الله تبارك و تعالى أعلم العالمين، وهو في هذا فوق العالمين جميعًا، يقول ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما عند هذه الآية الكريمة : «يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كلِّ عالِم» [«تفسير الطَّبري» (13/286)]، وقال الحسن البصريُّ - عليه رحمة الله - عند هذه الآية الكريمة: «ليس عالمٌ إلَّا فوقه عالمٌ، حتَّى ينتهي العلم إلى الله» [«تفسير الطَّبري» (13/270)]، و يقول الإمام السَّعدي عند تفسير هذه الآية: «فكلُّ عالمٍ فوقه من هو أعلم منه، حتَّى ينتهي العلم إلى عالم الغيب و الشَّهادة سبحانه » [«تيسير الكريم الرَّحمن» (ص: 402)]. أمَّا الأمر الثَّاني، وهو فيما يتعلَّق بعمله ونهجه، فالرَّبانيُّ هو الَّذي يبدأ بصغار العلم قبل كباره، أي: يبدأهم باليسير ليسهل عليهم الوصول، بمعنى أنَّه لا يتعجَّل في أمره وسيره، ثابتٌ في طريقه وعمله على خطى صلبة ومنهج رصين يجمع تربيةً مع تعليم، تحقيقًا لما قاله شيخ المفسِّرين وعميدهم ابن جرير الطَّبري، حيث قال: «وأولى الأقوال عندي بالصَّواب في الرَّبانيِّين أنَّهم جمعُ ربانيٍّ، وأنَّ الرَّبَّانيَّ المنسوب إلى الربَّان، الَّذي يربُّ النَّاس، وهو الَّذي يصلح أمورهم ويَرُبُّها ويقوم بها، ومنه قول علقمة بن عبدة: وكنت امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربَّتني، فضعت، ربوب يعني بقوله: «ربَّتني»: ولي أمري والقيام به قبلك من يربه ويصلحه، فلم يصلحوه، ولكنَّهم أضاعوني فضعت. يقال منه: ربَّ أمري فلان، فهو يربُّه ربا، وهو رابُّه، فإذا أريد به المبالغة في مدحه قيل: هو ربَّان، كما يقال: هو نعسان من قولهم: نعس ينعس، وأكثر ما يجيء من الأسماء على فعلان ما كان من الأفعال ماضيه على فَعِل، مثل قولهم: هو سكران، وعطشان، وريَّان، من: سكِر يسكَر، وعطِشَ يعطَشُ، ورَوِي يَرْوَى، وقد يجيء ممَّا كان ماضيه على: فعَلَ يفعَل، نحو ما قلنا من نعَس ينعَس، وربَّ يَرَبُّ. فإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا = وكان الربان ما ذكرنا، والرباني هو المنسوب إلى من كان بالصِّفة الَّتي وصفت = وكان العالم بالفقه والحكمة من المصلحين، يرب أمور النَّاس، بتعليمه إيَّاهم الخير، ودعائهم إلى ما فيه مصلحتهم = وكان كذلك الحكيم التَّقيُّ لله، والوالي الَّذي يلي أمور النَّاس على المنهاج الَّذي وليه المقسطون من المصلحين أمور الخلق، بالقيام فيهم بما فيه صلاح عاجلهم وآجلهم، وعائدة النَّفع عليهم في دينهم، ودنياهم = كانوا جميعًا يستحقُّون أن يكونوا ممَّن دخل في قوله عزَّ وجل: «ولكن كونوا ربانيِّين». فالربَّانيُّون إذًا، هم عماد النَّاس في الفقه والعلم وأمور الدِّين والدُّنيا، ولذلك قال مجاهد: «وهم فوق الأحبار»، لأنَّ الأحبار هم العلماء، والرَّبَّانيُّ الجامع إلى العلم والفقه، البصرَ بالسِّياسة والتَّدبير والقيام بأمور الرَّعيَّة، وما يصلحهم في دنياهم ودينهم» [«تفسير الطَّبري» (5/529-531)]. ما أقوى هذا التَّفسير وأنفسَه، وكأن صاحبه أراد أن يكون ما ذكر يدلُّ على الذَّاكر، فرحمة الله عليه. وقال ابن القيِّم: «الرَّبانيُّ الرَّفيع الدَّرجة في العلم، العالي المنزلة فيه» [«مفتاح دار السَّعادة» (1/124)]. وذكر ابن عاشور معنىً آخر له فقال عند تفسير الآية فقال: «جعلت مقالتهم مقتضية أنَّ عيسى أمرهم بأن يكونوا عبادًا له دون الله، والمعنى أنَّ الآمر بأن يكون النَّاس عبادًا له هو آمرٌ بانصرافهم عن عبادة الله، «ولكن كونوا ربانيِّين» أي: ولكن يقول: كونوا ربانيِّين أي: كونوا منسوبين للرَّبِّ، وهو الله تعالى، لأنَّ النَّسب إلى الشَّيء إنَّما يكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه، ومعنى ذلك أن يكونوا مخلصين لله دون غيره». قال: «والرَّبانيُّ نسبةً إلى الرَّبِّ على غير قياس، كما يقال: اللحياني لعظيم اللِّحية، والشَّعراني لكثير الشَّعر». قال: «وقوله: «بما كنتم تعلِّمون الكتاب» أي: لأنَّ علمكم الكتاب من شأنه أن يصدَّكم عن إشراك العبادة، فإنَّ فائدة العلم العمل» [«التَّحرير والتَّنوير» (3/295)]. وعليه فخلاصة قول الأئمَّة في هذا ما قاله الشَّيخ السَّعدي: «أي: علماء حكماء حلماء، معلِّمين للنَّاس ومربِّيهم بصغار العلم قبل كباره، عاملين بذلك، فهم يأمرون بالعلم والعمل والتَّعليم الَّتي هي مدار السَّعادة، وبفوات شيء منها يحصل النَّقص والخلل، والباء في قوله: «بما كنتم تعلمون» إلخ، باء السَّببيَّة، أي: بسبب تعليمكم لغيركم المتضمِّن لعلمكم ودرسكم لكتاب الله وسنَّة نبيِّه، الَّتي بدرسها يرسخ العلم ويبقى، تكونون ربانيِّين» اهـ [«تيسير الكريم الرَّحمن» (ص: 136)]. فالرَّبانيَّة فيها الاستجابة لله ولرسوله، فكانت بها الحياة، ولا حياة إلَّا بها، ولهذا فإنَّ الله تعالى جعل النَّاس في هذا قسمان لا ثالث لهما، ربانيٌّ أو شيطانيٌّ متَّبع لهواه، لقوله:﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50]. هناك حقٌّ وباطل، مستقيم ومنحرف، صادق وكاذب، محسن ومسيء، مستجيب ومعرض، صنفان إن لم تكن من أحدهما فأنت من الثَّاني حتمًا، وليس هناك وسط، لذا كانت حاجة النَّاس إلى عالمٍ ربانِيٍّ يرشدهم إلى طريق الحقِّ والهدى والرَّشاد أكثر من حاجتهم إلى من يدرب أبدانهم أو ينمِّي قدراتهم المهنيَّة أو المعرفيَّة، وخاصَّة في ظلِّ ما يعصف بالأمَّة اليوم من عظيم الفتن والرَّزايا والمحن، فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا النَّوع من العلماء الَّذين جعلهم الله تعالى أمنًا للأمَّة، وأمانًا لها من الشُّرور كلِّها والبلايا جميعها، فهم حَفَظَة العقيدة وحماة الشَّريعة، الَّذَيْنِ لا ينعم النَّاس بالأمن إلَّا في ظلِّهما لقوله : ﴿الَّذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ [الأنعام: 82]. والحقيقة الَّتي لا ينكرها إلَّا مكابر معاند جاهل بواقعه وحاله أنَّ من ذكرنا من أرباب هذه الخلال أندر من الكبريت الأحمر في عالم النَّاس اليوم، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون. فمن وُفِّق للقلَّة القليلة منهم فلا يفارقنَّ غرزهم ولا ينأينَّ عنهم، فإنَّهم الغنيمة الَّتي يسعد من ظفر بها، ومُتِّع بقربها.
  22. أبو العز الكوني الليبي

    الحمد لله... تداخل النيات له ثلاثة حالات: ▫١- الجمع بين سنة وسنة بنية واحدة: -مثاله: من صلى ركعتين نوى فيهما تحية المسجد وسنة الفجر. -مثال أخر: نوى صيام يوم الإثنين ويوم عرفة بوقت واحد. هذا جائز لا حرج فيه كما هو معروف في مذهب الحنابلة وغيرهم. ▫٢- الجمع بين فرض وفرض بنية واحدة: -مثاله: صلى أربع ركعات نوى فيهما صلاة الظهر والعصر. -مثال أخر: صام قضاء رمضان مع صيام نذر بنية واحدة. هذا باطل ولا ينعقد به شيئ وعليه الإعادة لأنه يجب عليه أن يعين فرض واحد فقط. ▫٣-الجمع بين فرض وسنة بنية واحدة: -مثاله : من صلى ركعتين نوى فيهما صلاة الفجر مع السنة. -مثال أخر: صام قضاء رمضان ومع عرفة بنية واحدة. هذا أيضاً باطل ولا ينعقد به شيئ وعليه الإعادة، لأنه يجب عليه أن ينوي الفرض أو السنة ولا يجمع بينهما. - لكن يرجى لمن صام القضاء يوم عرفة أو يوم عاشوراء أن يكتب الله له أجر عرفة أو عاشوراء كما قال أهل العلم.
  23. أبو سهيل بن أحمد الدليمي

    ::فرحُ المؤمن بموت الفاجر والمبتدع::

    (جديد )) ::فرحُ المؤمن بموت الفاجر والمبتدع:: : كتبتُ هذه السطور وجمعت هذه الآثار؛ بمناسبة إعلان وزارة الداخلية "السعودية"
×
×
  • اضف...