اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal

نموذج البحث

عرض نتائج البحث الخاصة بــ : 'مقال' .

  • بحث بواسطة الكلمات الدليلية

    ملحوظة: للبحث عن جملة معينة " قم بوضعها داخل علامات تنصيص"
  • بحث عن طريق كاتب الموضوع

نوع المحتوى المراد البحث فية


المنتديات

  • المنابر
    • المنبر الإسلامي
    • منبر الرد على أهل الفتن
    • منبر الحديث وعلومه
    • منبر الأخوات العام
    • الخطب الصوتية والمفرغة

العثور على النتائج فى

العثور على النتائج فى


تاريخ الانشاء

  • تاريخ البداية

    تاريخ النهاية


اخر تحديث

  • تاريخ البداية

    تاريخ النهاية


تصفية المحتوى بحسب العدد المطلوب من

تاريخ الإنضمام

  • تاريخ البداية

    تاريخ النهاية


مجموعة العضو


البلـد

تم العثور علي 25 نتيجة

  1. 2 - شرح حديث: [قِصَّةُ أَصْحَابِ الْغَارِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّوَسُّلِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ] /للعلامة ربيع بن هادي المدخلي قال الشيخ العلامة / ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله - [[سأذكر لكم بعض الأحاديث عن فوائد التجرد لله والإخلاص لله في الدنيا وفي الآخرة: عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ‏عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ: (‏ ‏بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ ‏ ‏نَفَرٍ ‏ ‏يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ ‏ ‏فَأَوَوْا ‏ ‏إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ ‏ ‏فَانْحَطَّتْ ‏ ‏عَلَى ‏ ‏فَمِ ‏ ‏غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ ‏ ‏يَفْرُجُهَا ‏ ‏عَنْكُمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَامْرَأَتِي وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ ‏ ‏أَرْعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا ‏ ‏أَرَحْتُ ‏ ‏عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ فَجِئْتُ ‏ ‏بِالْحِلَابِ ‏ ‏فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ ‏ ‏يَتَضَاغَوْنَ ‏ ‏عِنْدَ قَدَمَيَّ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ ‏ ‏دَأْبِي ‏‏وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ‏ ‏ابْتِغَاءَ ‏ ‏وَجْهِكَ ‏ ‏فَافْرُجْ ‏ ‏لَنَا مِنْهَا ‏ ‏فُرْجَةً ‏‏نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا ‏ ‏فُرْجَةً ‏ ‏فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ ‏ ‏لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَجِئْتُهَا بِهَا فَلَمَّا ‏ ‏وَقَعْتُ ‏ ‏بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ ‏‏ الْخَاتَمَ ‏ ‏إِلَّا بِحَقِّهِ فَقُمْتُ عَنْهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ‏ ‏ابْتِغَاءَ ‏ ‏وَجْهِكَ ‏ ‏فَافْرُجْ ‏ ‏لَنَا مِنْهَا ‏ ‏فُرْجَةً ‏ ‏فَفَرَجَ لَهُمْ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا ‏ ‏بِفَرَقِ ‏ ‏أَرُزٍّ فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ ‏ ‏فَرَقَهُ ‏ ‏فَرَغِبَ ‏ ‏عَنْهُ فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي قُلْتُ اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ‏ ‏ابْتِغَاءَ ‏ ‏وَجْهِكَ ‏ ‏فَافْرُجْ ‏ ‏لَنَا مَا بَقِيَ فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ ([1])) . هذه ثمرة صلاح القلوب واستقامة القلوب وإخلاص القلوب. فالأول وصل إلى البر إلى درجة أظنه لا يسبقه إليها إلا الأنبياء، ما أظن أحداً يسبقه إلى هذا المستوى، وإلى هذا الخلق العالي من البر بالأبوين، من يستطيع أن يفعل مثل هذا ؟ يذهب طول النهار إلى أبعد مكان، يَرعى النعم، ثم يرجع في منتصف الليل أو كذا وإذا بأبويه نائمين، فيحلب فيجدهما نائمين، فيظل القدح على يده، ما يوقظهما ولا يقدّم عليهما أهله ولا ماله، أولاده يتباكون عند قدمه لا يلتفت إليهم، كل ذلك لله -عز و جل - وبراً بالوالدين ووفاءً بحقهما، من يفعل منا مثل هذا ؟! لا نستطيع، هذا منتهى البر لكن لماذا ؟! لله -تبارك وتعالى -، لا لأبويه لله، فعل هذا كله ابتغاء وجه الله. وهذا الإنسان تمكّن من هذه المرأة، وكان يستطيع أن يفعل، لكنه تركها لله -عز وجل -، ففطم نفسه من هذه الشهوة الجامحة، وهذا مقامه صعب، لا ينافسه فيه أو لا يستطيعه إلا مثل يوسف -عليه الصلاة والسلام-، أمرٌ عظيم، ما هو سهل، كل ذلك فعله لماذا ؟! ما الذي حجزه أن يواقع الفاحشة بهذه المرأة؟! إلا خوف الله وخشية الله وتَرَكَها لوجه الله -تبارك وتعالى- ؟ فهذا من ثمار الإخلاص في الدنيا، وفي الآخرة أعظم وأعظم عند الله -تبارك وتعالى-. وذلك الأمين الوفيّ، نمّى أجر هذا الأجير في بعض الروايات أنه فرق من البر أو من الشعير، كَوَّن منه مالاً إبلاً بقراً غنماً عبيداً رقيقاً، ثم جاء ذاك بعد حين، يمكن من بعد 20 سنة، 30 سنة، 40 سنة، لأنّ الأولين كانت أعمارهم تطول، يمد الله في أعمارهم، فبقي دهراً ينمّي مال هذا الأجير، من فرق من الأرز، قد لا يساوي إلا دُريهمات، وإذا بها أموالٌ لا أول لها ولا آخر من الإبل والغنم والبقر والرقيق، ويأتي الأجير ويقتاد هذه الأشياء كلها لم يترك منها شيئاً، وهذا ينظر، لماذا فعل كل هذا ؟! لله رب العالمين، من يفعل منا مثل هذا ؟! من يستطيع ؟! قد يأتيه الأجير ويقول له لي فرق من الشعير فيقول خذ فرق من الشعير، خذ فرقين من الشعير أو ثلاثة أيضاً، أما إبل! بقر! غنم! عبيد! حاجات! كل هذه يذهب بها ! هذا من الصعب على النفوس المؤمنة فضلاً عن غيرها. فهذه من ثمار الإخلاص، ومن نتائج الإخلاص لله وناشئ عن قلوبٍ سليمة، قلوب منيبة، مرتبطة بالله، تحبه وتخشاه وتراقبه، وتُجلّه وتعظِّمه وإلا هذه الأمور ليست بسهلة على النفس، ولا سيما والنفس ميالةٌ للشر، طمّاعة في الدنيا]]اهـ. حواشي: .................. [1] - البخاري :( 2215 - 2272 - 2333 - 3465 - 5974 ) ،مسلم / (2743). المصدر: لقاء : بعنوان- [من القلب إلى القلب] [شريط مُفرغ] - للشيخ ربيع بن هادي المدخلي انظر موقع الشيخ ربيع المدخلي - حفظه الله - كذلك شبكة سحاب السلفية.
  2. سمير بن سعيد السلفي

    دفع الافتئات بالرد على بعض النكرات

    دفع الافتئات بالرد على بعض النكرات سأل بعض النكرات بطريقة فجة منكرة؛ ما موقف عادل السيد ورسلان من فتنة ابن هادي؛ وما قولهما في هذه الفتنة الدائرة؟ والجواب بحول الله الوهَّاب: الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وآله وصحبه المستكملين الشرفا؛ وبعد: بادئ ذي بدء فإنني لن أقبل أي طعن في مشايخي البنا والرسلان وعادل السيد، وأخص منهم على وجه التحديد فضيلة شيخنا المفسر عادل السيد -حفظه الله- الذي يزكيه؛ ويثني عليه دائما فضيلة شيخنا الوالد العلاَّمة الإمام حسن بن عبد الوهاب البنا -أمد الله في عمره على عمل صالح- إلَّا بدليل واضح وبرهان لائح؛ ودعك من الأقوال التي لا دليل عليها؛ فأنا من أكثر الناس معرفة بالشيخ عادل السيد؛ وجهوده التي لا يُحب أن تذكر؛ لأنه رجل يكره المدح، فإنه يبذل الغالي والنفيس لأجل هذه الدعوة المباركة وصيانتها من عبث العابثين؛ وحقد الحاقدين، ولا يحابي أحدًا في دين الله رب العالمين؛ ولو كان من أقرب الأقربين. فلو كان الأخ الكبير عادل السيد ممن يصطاد في الماء العكر، أو يعكر صفو الماء الزلال حتى يتسنى له الصيد كما يفعل البعض، لما أوقف حملات الصد المتماحلة والمتحاملة والمتكررة على بيان شيخنا الوالد الأخير، ففي كل مرة كان يرجع إليه شيخنا الوالد، ويقول له: يا شيخ عادل لو أخطأت صوبني؛ وأنا أرجع، فلو كان الشيخ عادلاً ممن يريدون قلب المِجَن؛ لأن ما حدث لم يكن على هواه مثلا؛ أو أن له رأيا مخالفًا للكبار كما يزعم بعض الأغمار، لتسنَّح الفرصة حين قال له شيخنا الوالد هذا الكلام؛ ولقال لشيخنا الوالد مباشرة: اكتب يا شيخنا تراجعا عن هذا البيان؛ أو عدِّل فيه بعض الجمل التي تحتاج إلى تعديل أو تبديل، عندها كان بالإمكان أن يضع الأمر برمته عند شيخنا الوالد كما يفعل بعض الناس، ولكن الشيخ عادل السيد لا يحب أن يكون خنجرًا مسمومًا تضرب به هذه الدعوة المباركة، لأنه رجل عز أن يوجد مثله في أيامنا في الأمانة والشرف والرجولة؛ رجل يحترم نفسه ودينه وسلفيته، وأخلاقه يعرفها القاصي والداني، وصراحته ووضوحه لمن أكبر الأشياء التي يتميز بها عن غيره؛ وذلك لأنه رجل نزيه شريف، نظيف اليد؛ يأكل من عمل يده؛ ولا يتأكل بدينه، وليس له مآرب يريد الوصول إليها، فإنه -حفظه الله- ممن أحسبهم والله حسيبهم من خيرة من عرفت من المشايخ السلفيين الواضحين ولا أزكي على الله أحدًا. ومع كون البيان -ولأول مرة- يكتب في أجواء بعيدة عن مشورة شيخنا الوالد للشيخ عادل السيد كما هي عادته في أي بيان أو كلام؛ إلاَّ أن الشيخ عادل السيد قال لشيخنا الوالد أمامي؛ وذلك بعد استتباب الأمر؛ وانتشار البيان بين المشايخ وطلاَّب العلم، ومراجعة الشيخ الإمام ربيع بن هادي المدخلي له: يا شيخنا، أنت والدنا وكبيرنا، ولن نتقدم عليك فيما كتبت، فإن ما كتبته ملزم لنا إن شاء الله، ونحن نحترم مشايخنا الكبار من أمثال الشيخين ربيع وعبيد -حفظهما الله- ونثق في علمهما وفضلهما، ولن تجد منَّا أي معارضة أبدًا لهذا البيان، أو كلامًا بعد كلامكم هذا؛ فإننا لا نعرف أحدًا من أئمة العصر قد انتشر علمه؛ وذاع صيته؛ واشتهر بورعه ودينه وصبره وحلمه؛ كالشيخ العلاَّمة الإمام ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله -. وقد وجه بعض الأخوة غير مرة أسئلة للشيخ عادل السيد، وكان بعضها أمامي؛ عن الفتنة القائمة، فكان الشيخ يجيب السائل قائلاً: على الأخوة أن يهتموا بالعلم الشرعي تعلما وتعليما، وأن يتركوا الفتن، ولا يشتغلوا بالقيل والقال، فمتى سنطلب العلم؟ ثم يقول للسائل: على كل حال القضية الدائرة الآن على الساحة السلفية فيها ظالم ومظلوم، ونحن مع المشايخ الكبار؛ الشيخ ربيع والشيخ عبيد وشيخنا الوالد، وإخوانهم من أهل العلم وطلبته.اهـ ويا ليت الأمر اقتصر على امتحان المشايخ وحسب من قِبل هؤلاء الصبية، وقياس هذه المسألة عند بعضهم بقضية خلق القرآن!، بل زاد الأمر ضغثا على إبالة حين رأينا أهل السفه من الصغار الأغمار الأغرار يتطاولون على مشايخنا، ويجردونهم من المشيخة، ويصفونهم بأبشبع الأوصاف -عن الرسلان والسيد أتكلم- ويلقبونهم بألقاب السوء. حنانيكم أيها الصبية وهداديكم فبعض الشر أهون من بعض، تريدون نار الفتنة تلحق بمشايخنا في مصر، وتلاحق طلاب العلم فيما بينهم، فبدل أن يشتغلوا بالعلمانين والملاحدة والمعتزلة والإخوان والتكفيريين والقطبيين والسروريين وغيرهم من أهل البدع الشانئين، تريدون من المشايخ أن ينشغل بعضهم ببعض، وأن يرد بعضهم على بعض، عندها يصير هؤلاء المشايخ في أنظاركم سلفيين ثبتوا في الفتنة، وبينما ذلك كذلك؛ والمشايخ قد شغل بعضهم ببعض؛ فإذا بإعلام العار يسلط عليهم الضوء الذي يسلطه في أقل من هذه القضايا؛ وعندها تؤخذ منهم المساجد، ثم تلتفت لهم الدولة التي وثقت بهم وبمنهجهم وفتحت لهم المساجد؛ فتبدأ بإيقاف الخير الذي كان، ومطاردة هؤلاء المشايخ وطلابهم، وإيداعهم في غياهب السجون، فيصير هذا المنهج المعظَّم في نفوسهم، والذي كانوا يعتبرونه مصدرًا من مصادر الأمن القومي في بلدنا، ولحمة خير عظيمة فاح عبيرها على البلاد والعباد، عندها يصير منهجا إجراميا، وتنظيما دوليا إرهابيا كباقي تنظيمات الضلال، يعامل أهله كما يعامل أهل الإرهاب الأسود، لكونه منهجا قائما على زعزعة الأمن في بلاد الإسلام؛ وتفسيق وتضليل وتبديع كل من خالفه، ويشار إليهم بأصابع الاتهام؛ فيقال: هذا الذي كان يخفيه تنظيم المداخلة؛ ويصدق فينا قول من أرادوا تشويه هذا المنهج من قديم؛ هذا الذي تريدونه أن يحدث هنا في مصر بين المشايخ؟! صارت قضية ابن هادي هي القضية الأم من وجهة نظركم أيها الصبية، وكأن الدعوة إلى التوحيد والسنة لا حياة لها بين الآنام؛ وإخراج الناس من براثن الشرك والخرافات والخزعبلات؛ في بلد ما زال بعض من يشار إليه بالبنان؛ ويقال له الدكتور فلان ينافح عن الشرك الصراح وأهله ويتأول القرآن على غير فهمه؟! وكأننا ما خلقنا إلا لهذه القضية التي نفضنا أيدينا منها منذ زمن، وصرخنا بأعلى أصواتنا: نحن مع العلماء الكبار في التحذير من أي أحد ولو كان من كان طالما أنه خالف الحق. هل تريدون منا أن نتفرغ لهذه القضية وكأنه واجب عيني تكليفي من تركه أثم، إذا كان قد تكلم فيها من هو أكبر منا سنًا وعلمًا وورعًا ومنزلةً ومقامًا؛ فهل يجدر بنا أن نخالف أهل العلم الكبار؟! فلماذا يخرج علينا كل يوم غرٌ صغير يقول: ما هو موقف فلان وفلان ( كذا بدون كلمة شيخ ) من القضية الفلانية وليس ثمَّ مخالفة ظاهرة؟! ومع كل ذلك أقول: هب أن بعض من ذكرت؛ أو غيرهم قد اختلط عليه الأمر مثلا وغيرك يناصحه، فهل نبدعه لقولك؛ ونترك قول من يكبرك ممن لم تبلغ شأوه ولا عشر معشاره في الفضل والعلم وواجب النصح؟! هل تريد ما يحصل في بعض البلدان؛ كالجزائر والمملكة وليبيا من مماحكات وانقسامات وانشقاقات أن يحدث في مصر؛ حتى تصير هذه الدعوة متهمة في عيون كل الناس من جميع أنحاء العالم؟! إنها والله زفرة مكلوم، ونفثة مصدور، يعاني من هذا الغثاء الذي صرنا نتجرع مراره كل يوم ألف مرة؟! مَنْ هؤلاء الصبية، ومن أين خرجوا علينا، وهل هم من الإنس أم من الجن، صرنا لا ندري من المتحدث أهو إنسي أم جني، فضلاً عن كونه ذكرًا أم أنثى، ووالله إنني لأخشى أن يكون من جنس الخُنثى المُشكل!، أُوف وتُف على هذه الأشكال التي تخرج علينا في كل يوم ولم تتعلم الأدب قبل العلم، يا لغربة الإسلام العظيم وما يعانيه من صولة هؤلاء الصبية المتعالمين، متى يعرف كل واحد من هؤلاء قدر نفسه، ويتأدب مع من يكبره سنًا وعلمًا وفضلاً، فإن هذا قد صح به الحديث، أم أنكم أنزلتم مشايخ من أهل السنة في مصر منزلة أهل البدع والضلال، عليكم بما سوَّده أئمة العصر؛ وتكلموا به؛ وبُحَّت به أصواتهم، الربيع؛ الجابري؛ البنا؛ البخاري؛ في علم الرجال حتى تعلموا موقعكم من الإعراب؛ قارنوا ما تكتبوه في حساباتكم؛ وما يسطره هؤلاء الأئمة الأفذاذ الأعلام، وكيف صبروا ويصبرون، ويناصحون، ويراسلون، ويتلطفون، ويتصلون، ويتثبتون، ويصوبون، ويقربون، ويسددون، فيا ليت قومي يعلمون؟! وأخيرًا أقول لمن اخترع بدعة!: ما موقف المشايخ من كذا وكذا، من الفتن الدائرة؛ لقد استمعت إلى لقاء كامل من لقاءات الجُمعة المباركة؛ لفضيلة الشيخ العلاَّمة عبد الله البخاري؛ وهو يرد على بعض الناس لمَّا اتهمه في صوتية له منشورة مشهورة؛ وأراد إلزامه بما لا يلزم؛ فقال: ما سمعنا كلمة واحدة من عبد الله البخاري في فتنة هاني بن بريك؟ فردَّ الشيخ العلاَّمة عبد الله البخاري -حفظه الله- قائلاً؛ وأنقل جوابه بالمعنى لا بالمبنى؛ لأن المادة الصوتية الآن ليست موجودة معي: وهنا البدعة!، أن تقول ما سمعنا موقف فلان من فلان، هذا ليس من منهج السلف، أن يمتحن فلانٌ من الناس لأنه لم يتكلم؛ ألم يتكلم الأكابر؛ وهل سكوت فلانٌ هذا يعد إقرارًا لبدعة فلان؛ هذا إلزام بما لا يلزم؛ وإلا للزم كل من لم يتكلم في فلانٍ هذا بأنه موافق له!، وهذا كلام لا يقوله أبدًا رجل صاحب علم؛ أو كما قال الشيخ -حفظه الله-. وقبل الختام أوجه نصيحة لنفسي ولهؤلاء الأخوة الذين ملأوا الدنيا صياحًا أن يتقوا الله -تبارك وتعالى- وأن يصمتوا ويسكتوا؛ وأن يتعلموا الأدب قبل العلم؛ وأن يطلبوا العلم على أهله العارفين به الراسخين فيه؛ فإن لم يكن في بلدهم عالم من علماء الشريعة واستطاعوا أن يهاجروا في طلبه هاجروا في طلبه إن كانوا أهلاً لحمل هذه الأمانة؛ وإلا فليزموا بيوتهم، وأن يسمعوا نصائح أهل العلم الكبار إن كانوا يحترمونهم لأنهم ما كلفوا عناء البحث عن أحوال الناس وعقائدهم وأقوالهم في فلان وعلاَّن؛ نسأل الله أن يعلمنا ما جهلنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وكتب سمير بن سعيد القاهري
  3. أم مصطفى البغدادية

    الشيخ الفوزان: الحجاب للمرأة أمر شرعي أمر الله به ورسوله.

    قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ). وقال سبحانه وتعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). هذا ما أمر الله به ورسوله نساء المؤمنين، ثم يأتي بعد ذلك من يُسَمَّى: محمد سلامة في تغريدة له فينتقد كلَّ من يدعو لاحتجاب النساء واصفًا ذلك بأنه أمر مخز وساقط أخلاقيًّا قائلا: "إن النساء هم مثل الرجال"، وقال: "ومن العجيب أنني أتحدث في هذه القضية ونحن في عام: 2018م"، وقال: "إن الإسلام لم يأمر بالحجاب بهذه الطريقة اليهودية الأرثوذكسية إنما هي عادات وتقاليد لا بد أن تباد وتنتهي". كذا قال ضاربا بما جاء في الكتاب والسنة وإجماع المسلمين عرض الحائط، وهكذا الجهل أو التجاهل يفعل بأصحابه. والحجاب للنساء أمر شرعي ثابت في الكتاب والسنة، قال الله تعالى في نساء نبيه اللآتي هن قدوة نساء المسلمين: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). وقالت عائشة أم المؤمنين-رضي الله عنها-"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا مر بنا الرجال سدلت إحدانا جلبابها على رأسها وعلى وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه". وقد أخبر الله سبحانه أن حجاب المرأة فيه طهارة لقلوب الرجال والنساء، وأنه يكف أذى الرجال الفساق عن المرأة، ويوفر الحشمة للمرأة، وأن السفور وسيلة لضياع الحشمة وتسلط الفساق على النساء كما هو مشاهد في المجتمعات التي لا تحتجب فيها النساء عن الرجال. إن المسلمين-والحمد لله-متمسكون بما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم من آداب نسائهم، ولا يلتفتون لهذه الأصوات النشاز التي تنعق بمثل هذا الكلام، والله تعالى ناصر دينه وكتابه وسنة نبيه ولو تنكر لهن من تنكر، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. كتبه: صالح بن فوزان الفوزان. عضو هيئة كبار العلماء. 1439-05-16هـ
  4. نورس الهاشمي

    قد يبتليك الله بالخير وانت لا تشعر

    · قد يبتليك الله بالخير وانت لا تشعر إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: قال تعالى : {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون }. البلاء على قسمين: •بلاء بالشر. •و بلاء بالخير. قال الشنقيطي: ولا شَكَّ أن العربَ تُطْلِقُ البلاءَ على الاختبارِ بالشرِّ والاختبارِ بالخيرِ، خلافًا لمن مَنَعَهُ في الاختبارِ بالخيرِ، وهو معروفٌ في كلامِ العربِ، ومن أمثلتِه في الخيرِ قولُ زهير (1): جَزَى اللَّهُ بِالإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُمْ ... وَأَبْلاهُمَا خَيْرَ الْبَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو وهذا معنى قولِه: {وَفِى ذَلِكُم بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ}. العذب النمير ( 1/74). فالله جل و علا يبتلي العبد بالشر: كمرضٍ أو موت حبيب أو فقد مال و غير ذلك، فالله يحب من عبده إذا ابتلاه بشر أن يصبر في ما ابتلاه من أقدار الله المؤلمة ولا يجزع ولا يتسخط . و البلاء يكون بالخير : يعطي للعبد من النعم ما لا تحصى و لا تعد ، كالصحة و العافية و غير ذلك ، فالله جل و علا يختبرك و يبتليك بما أنعم الله عليك ، فهل تشكر أم تكفر ؟ لا يكفي الشكر باللسان فقط، لابد من الأعتراف بالقلب على أن الله تفضل عليك و أنعم عليك، و كذلك الشكر عمل، وهو أن تعمل بطاعته .. قال تعالى : اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ. فتبين أن الشكر عمل و هو أن تعمل بطاعة الله عزوجل. فيجب على على من أنعم الله عليه بنعمة أن يشكر الله عز وجل. و العبد كلما شكر الله عز وجل على ما أنعم الله به زاده من فضله، قال تعالى : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ. قال ابن جرير الطبري في [ التفسير ]: أن الله أعلمهم إن شكروه على هذه النعمة زادهم . و قال الشنقيطي في ( أضواء البيان): المعنى: ونختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، ومما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر. قال ابن زيد، في قوله (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) قال: نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون. وقال ابن عباس، قوله (ونبلوكم بالشر والخير) يقول: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة.. وقوله (وإلينا ترجعون) يقول: وإلينا يردون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها. انظر [ تفسير الطبري ] قال ابن كثير في التفسير : وقوله: ونبلوكم بالشر والخير فتنة أي نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى، فننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط. قال ابن القيم في ( مدارج السالكين) ( 2/ 208): "قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ارْضَ عَنِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ بِكَ. فَإِنَّهُ مَا مَنَعَكَ إِلَّا لِيُعْطِيَكَ. وَلَا ابْتَلَاكَ إِلَّا لِيُعَافِيَكَ. وَلَا أَمْرَضَكَ إِلَّا لِيَشْفِيَكَ. وَلَا أَمَاتَكَ إِلَّا لِيُحْيِيَكَ. فَإِيَّاكَ أَنْ تُفَارِقَ الرِّضَا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ. فَتَسْقُطَ مِنْ عَيْنِهِ". قال ابن القيم في ( عدة الصابرين) ( 132): " فأخبر سبحانه أن الغنى والفقر مطيتا الابتلاء والامتحان وقال تعالى فأما الانسان اذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن وأما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهانن كلا فأخبر سبحانه أنه يبتلى عبده بإكرامه له وبتنعيمه له وبسط الرزق عليه كما يبتليه بتضييق الرزق وتقديره عليه وان كليهما ابتلاء منه وامتحان ثم أنكر سبحانه على من زعم أن بسط الرزق وتوسعته اكرام من الله لعبده وان تضييقه عليه اهانة منه له فقال كلا أى ليس الامر كما يقول الانسان بل قد أبتلى بنعمتى وأنعم ببلائى ". و قال ابن عثيمين رحمه الله: الابتلاء هو الاختبار وقد قال الله تبارك وتعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) فأما الخير فالابتلاء فيه أن الله يبلوا الإنسان هل يشكر أم يكفر كما قال سليمان عليه الصلاة والسلام حين راء عرش ملكة سبأ مستقرا عنده (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ) وأما الابتلاء بالشر فإن الله سبحانه وتعالى يبلوا الإنسان بالشر ليعلم هل يصبر أو يتسخط فإن صبر وأحتسب الأجر من الله كان هذا البلاء كفارة له ورفعة لدرجاته وإن لم يفعل كان هذا الابتلاء محنة عليه في دنياه وأخرته والإنسان الذي أنعم الله عليه بالنعم المالية والبدنية والعقلية والأهلية وتمت له نعمت الدنيا يجب عليه أن يشكر الله على هذه النعمة وأن ينظر إلى من هو دونه حتى يتبين له فضل الله عز وجل عليه وإذا قام بالنعمة وإذا قام بشكر هذه النعمة فقد أدى ما عليه وحصل على الأجر بل وعلى زيادة النعم كما قال الله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله لا يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليه ويشرب الشربة فيحمده عليها) ولا تسخط ولا تهتم ولا تغتم إذا لم يبتليك الله عز وجل بالمصائب فإن الأمر كما قلت لك كما قلت لك يكون الابتلاء بالخير ويكون الابتلاء بالشر نعم. [ فتاوى نور على الدرب]. و الله جل و علا يحب الشاكرين ، و يرضى على عبده لمن شكر، قال تعالى: وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ . جمعه: نورس الهاشمي قد يبتليك الله بالخير وانت لا تشعر.pdf
  5. 5012 - ( إنه يكون للوالدين على ولدهما دين ، فإذا كان يوم القيامة يتعلقان به . فيقول : أنا ولدكما ! فيودان أو يتمنيان لو كان أكثر من ذلك ! ) . قال الألباني في " السلسلة الضعيفة والموضوعة " 11/ 21 : منكر أخرجه الطبراني في "الكبير" (10/ 219/ 10526) : حدثنا أحمد بن عمرو البزار : حدثنا عمرو بن مخلد : أخبرنا يحيى بن زكريا الأنصاري : أخبرنا هارون بن عنترة عن زاذان قال : دخلت على عبدالله بن مسعود وقد سبق إلى مجلسه أصحاب الخز والديباج ، فقلت : أدنيت الناس وأقصيتني ؟! فقال : اذن ، فأدناني حتى أقعدني على بساطه ، ثم قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : ... فذكره . قلت : وهو إسناد ضعيف ؛ البزار - وهو صاحب "المسند" المعروف به - ؛ قال الدارقطني : "ثقة يخطىء كثيرا" . وشيخه عمرو بن مخلد ؛ لم أجد له ترجمة . ومثله شيخه الأنصاري . والحديث أشار المنذري في "الترغيب" (4/ 202) إلى تضعيفه . وقال الهيثمي (10/ 355) : "رواه الطبراني عن عمرو بن مخلد عن يحيى بن زكريا الأنصاري ، ولم أعرفهما ، وبقية رجاله وثقوا ؛ على ضعف في بعضهم" . وأخرجه المروزي في "زوائد الزهد" (1416) من طريق عيسى بن يونس عن هارون بن عنترة عن عبدالله بن السائب : أخبرنا زاذان أبو عمر به نحوه أتم منه . لكنه أوقفه . قلت : وعيسى بن يونس - وهو الفاخوري الرملي - صدوق ، وقد خالف يحيى ابن زكري الأنصاري في إسناده ومتنه . أما الإسناد ؛ فإنه أدخل بين هارون وزاذان : عبدالله بن السائب - وهو الكندي - وهو ثقة ، ثم إنه أوقفه . وأما المتن ؛ فليس فيه : "فيقول : أنا ولدكما ..." إلخ . والله أعلم .
  6. أبو العز الكوني الليبي

    الـتـــاريـــخ يــعــود !صالح بن فوزان الفوزان

    تـــــاريـــــــخ يـــعـــود فضيلة الشيخ : صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله – كان العرب في الجاهلية لا كتاب لهم ولم يبعث فيهم رسول منهم قال تعالى: { وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ } ، فكانوا يعيشون تحت رحمة الدول من حولهم دولتي فارس والروم وفيما بينهم لا حكم يجمعهم ولا نظام يسيرون عليه إلا القبليات وأحكام الجاهلية، ولما بعث الله فيهم رسولا منهم وأنزل عليهم كتابا بلغتهم، قامت لهم دولة موحدة تحت حاكم واحد يحكمهم بكتاب الله، وتعلموا من كتاب الله العلم على يد رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى يد ورثته من بعده العلماء الربانيين قال الله تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } ، فسادوا العالم ودانت لهم الأمم وصاروا أساتذة العالم في العلم والعمل وقامت لهم حضارة وارتفع لهم كيان، وأقاموا العدل ونشروا العلم كما قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } ، فخلصوا المظلومين من ظلم الجبابرة وخلصوا العباد من عبادة الأصنام وغيرها إلى عبادة الله وحده لا شريك له: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } . ولكن لما تنكروا لدينهم وفشت فيهم البدع والشركيات وتملكتهم الأطماع الشخصية واستوردوا نظم الغرب وسلوكياته وأخلاقه وغيروا وبدلوا غير الله عليهم { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ } ، فانقسموا إلى شيع أحزاب { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } ، وسلط الله عليهم الكفار يوقدون الفتنة بينهم ويحرضون بعضهم على بعض ويخططون لهم المكر والغدر ويؤججون الخلاف بينهم ضاعت دولتهم الموحدة وصاروا إلى دول متفرقة تسيرهم الدول الكافرة تحت رغباتها وتطمع في خيرات بلادهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها )) ، قالوا: أمن قلة نحن يا رسول الله؟ قال: (( لا ؛ أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل تنتزع المهابة من قلوب أعدائكم ويلقى في قلوبكم الوهن )) ، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (( حب الدنيا وكراهية الموت )) . وفي هذه الأيام لم يرصد الكفار ما عليه المسلمون مع ما فيه من ضعف وتفكك حتى يزيلوا دولهم نهائيا فأقاموا الشعوب على ولاتهم وأسقطوا دولهم وصاروا في مشاكل لا يستطيعون الخلاص منها إلا بالرجوع إلى الأصل الذي جمعهم وأعزهم ونصرهم وهو كتاب الله وسنة رسوله ليعود لهم عزهم وتقوم لهم دولتهم قال تعالى: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ، { وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، كما قال الإمام مالك رحمه الله: ( لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح أولها ) ، وفينا من يزعم أن الإصلاح في اتباع ما عليه الغرب وهذا من انتكاس الفطرة فإن العرب لم ينالوا العز إلا بالإسلام، ويوم أن كانوا يسيرون خلف الغرب كانوا أذلة لا قيمة لهم بين الشعوب. اللهم ردنا إلى الإسلام ردا جميلا واجمع كلمتنا على الحق، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. كتبه صالح بن فوزان الفوزان عضو هيئة كبار العلماء 1433-06-04هـ
  7. أبو أنس عبد الحميد الليبي

    [[ مقال : فضل شهر الله المحرم ]]

    [[ فضل شهر الله المحرم ]] الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه . أما بعد : فإنه بعد أيام قلائل سيهل علينا أحد الأشهر الحرم ألا وهو الشهر المحرم فأحببت أن أذكر نفسي و أخواني المسلمين والذكرى تنفع المؤمنين كما قال تعالى في سورة الذاريات{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} أي : إنما ينتفع بهذه الذكرى أهل الإيمان والتقوى ، بفضيلة الصيام في هذا الشهر بقوله صلى الله عليه والسلام فيما رواه مسلم برقم (1163)، وأبو داود برقم (2429)، والترمذي برقم (438) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : (أفضل الصومِ بعد رمضانَ : صومُ شهر اللهِ المحرَّم)، في هذا الحديث تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم فيه فيحرص المسلم على الإكثار من صيام النافلة في هذا الشهر العظيم، وبعض العلماء يقول بصيامه كاملاً ، وكذلك في هذا الشهر فضيلة صيام عاشوراء . فعلى المسلم أن يحرص ألا يفوته صوم يوم عاشوراء في هذا الشهر العظيم لما فيه من الفضل ، وهو اليوم العاشر من المحرم جاء في الصحيح عند مسلم برقم (1162)، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(صيام يوم عاشوراء ، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)، وكان عليه الصلاة والسلام يتحرى صيام يوم عاشوراء فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (ما رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يتحرّى صيام يوم فضله على غيره إلاَّ هذا اليوم يومَ عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان) رواه البخاري برقم (2006) ، ومعنى يتحرى : أي : يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه لما فيه من الفضل العظيم من تكفير سنة كاملة من الذنوب ، فصيام اليوم العاشر فيه فضل تكفير ذنوب سنة كاملة ، وهذا من فضل الله جل وعلا، ويستحب صيام اليوم التاسع مع العاشر فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع)،وفي رواية (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم برقم (1134)، فعلى المسلم أن يقتدي به عليه الصلاة والسلام ، وأحوال صيام عاشوراء كالتالي صوم اليوم التاسع و العاشر و الحادي عشر ، أو التاسع والعاشر أو إفراد العاشر. والحكمة من صيام عاشوراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون اليوم العاشر فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا : هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون فنحن نصومه تعظيمًا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (نحن أولى بموسى منكم فأمر بصومه)،انظر صحيح البخاري حديث رقم (3943)، ومسلم برقم (1130)، فالسنة أن يصام هذا اليوم يوم عاشوراء ويضم إليه اليوم التاسع مخالفة لليهود ومخالفة اليهود واجبة في كل قول وفعل وقد أُلفت كتب في هذا الباب من أشهرها وأعظمها كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" واحذر أخي المسلم رعاك الله ـ أن تظلم نفسك في هذا الشهر وغيره مِن الأشهر الحرم بارتكاب الذنوب والعاصي ، فقد حذر الله جل وعلا من ذلك كما قال تعالى : في سورة التوبة: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} فإن السيئات مِن البدع والمعاصي تُعظَّم وتتغلَّظ إذا فُعلت في زمان فاضل كالأشهر الحرم، ورمضان، وأيام عشر ذي الحجة، أو مكان فاضل كمكة حرسها الله تعالى، فعلى المسلم أن يتق الله ويجتنب ما حرم الله جل وعلا، و الأشهر الحرم هي ذو القعدة ، وذو الحجّة ، ومحرّم ، ورجب ، كما جاء من حديث أبي بكرة رضي الله عنه ، عن النّبي - صلّى الله عليه وسلم قال : (....السّنةُ اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان)، رواه البخاري برقم (4662)، و مسلم برقم (1679). نسأل الله تعالى التوفيق والسداد والإخلاص والرشاد ، والحمد لله رب العالمين . كتبه الراجي عفو ربه. أبو أنس عبد الحميد بن علي الليبي. ليلة الجمعة 25 / من شهر ذي الحجة / 1439 هجري .
  8. الشيخ / عبد الإله‎ الرفاعي‏ @alrfaee1433 ٢٥ يوليو /(تويتر). .............................................................. (عجائب الآثار)للمؤرخ الكبير المصري عبدالرحمن الجبرتي رحمه الله(ت:١٢٤٠) رصد في تاريخه ما عاصره من قيام دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في جزيرة العرب تحرى الحقيقة في أخباره فيقرأ عن دعوة التوحيد ويسأل القادم من الحجاز ولا يكتفي بالإشاعات فأوصله ذلك إلى حكم منصف عن الدعوة.
  9. سمير بن سعيد السلفي

    التفنيد والرد على منفذي هجوم الحادث الإرهابي في بئر العبد

    التفنيد والرد على منفذي هجوم الحادث الإرهابي في بئر العبد بتقديم كل من : سماحة شيخنا الوالد العلاَّمة حسن بن عبد الوهَّاب البنا - حفظه الله - . وفضيلة الشيخ المفسِّر أبي يوسف عادل السيد - حفظه الله - . عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ حَدَّثَهُ ؛ أَتَى رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ فَسَارَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، فَجَهَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : « أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ؟ » ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ؟ » ، قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُ ، قَالَ : « أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ » ، قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، وَلَا صَلَاةَ لَهُ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللهُ عَنْهُمْ([1]) » . قال سماحة الشيخ العلاَّمة ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله وشفاه - : والخوارج يقتلون الناس وهم في الصلاة ؛ فيتحرَّونَ وقت الصلاة ! ؛ ليقتلوا الناسَ في مساجدهم ! ، وهذا حصل في بعض بلدان المسلمين ؛ فيهجمون عليهم ، ويقتلونهم وهم في الصلاة([2]) .اهـ 1 - صحيح : قال الشيخ العلاَّمة المحدِّث ربيع بن هادي المدخلي - حفظه الله وشفاه - في كتاب : الذريعة إلى بيان مقاصد الشريعة ؛ عند تخريجه لهذا الحديث العظيم ، ما نصه : رواه أحمد في مسنده ( 5/432-433 ) ، وعبد الرزاق في مصنفه ( 10/163 ) ، وعبد بن حميد في مسنده ( 490 ) ، والفسوي في المعرفة والتاريخ ( 1/107 ) ، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة ( 956-958-959-960 ) ، وابن حبان في صحيحه ( 13/309 ) برقم ( 5971 ) ، وابن قانع في معجم الصحابة ( 614 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 3/367 ) و ( 8/196 ) ، وابن عبد البر في التمهيد ( 10/164-156 ) ، ثم أورد الشيخ - حفظه الله - الحديث ، وعقب عليه قائلاً : قال الهيثمي في المجمع ( 1/171 ) : رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ، وقال الحافظ في الإصابة (4/178 ) إسناده صحيح .اهـ 2 - الذريعة إلى بيان مقاصد الشريعة ، صحيفة : ( 1/135 ) ، طبعة دار الميراث النبوي للنشر والتوزيع . التفنيد والرد على منفذي هجوم الحادث الإرهابي في بئر العبد.pdf
  10. مقال: *(العلماء عصمة بعد الله من الفتن)* للشيخ/ عبد الله بن صلفيق الظفيري - حفظه الله - إمام وخطيب جامع معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - بمحافظة حفر الباطن. رابط الملف: https://t.co/FY4j3qxnGe
  11. ............... بسم الله الرحمن الحيم [وعلى هذه الصفحة نستعرض معكم جميع فتاوى اللجنة الدائمة [فتاوى ما يتعلق بشهر رمضان].(1439هـ) 3 - فضل صيام رمضان وقيامه مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه من المسلمين، سلك الله بي وبهم سبيل أهل الإيمان، ووفقني وإياهم للفقه في السنة والقرآن. آمين.سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد :فهذه نصيحة موجزة تتعلق بفضل صيام شهر رمضان وقيامه، وفضل المسابقة فيه بالأعمال الصالحة، مع بيان أحكام مهمة قد تخفى على بعض الناس.ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبشر أصحابه بمجيء شهر رمضان، ويخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه شهر تفتح فيه أبواب الرحمة وأبواب الجنة وتغلق فيه أبواب جهنم وتغل فيه الشياطين، ويقول صلى الله عليه وسلم : إذا كانت أول ليلة من رمضان فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وغلقت أبواب جهنم فلم يفتح منها باب، وصفدت الشياطين، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار ، وذلك كل ليلة . ويقول عليه الصلاة والسلام: جاءكم شهر رمضان ، شهر بركة ، يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ، ويستجيب الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم فيه ، فيباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا ؛ فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله .ويقول عليه الصلاة والسلام: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .ويقول عليه الصلاة والسلام: يقول الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلا الصيام ؛ فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. للصائم فرحتان : فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . والأحاديث في فضل صيام رمضان وقيامه وفضل جنس الصوم كثيرة.فينبغي للمؤمن أن ينتهز هذه الفرصة ، وهي ما من الله به عليه من إدراك شهر رمضان ، فيسارع إلى الطاعات، ويحذر السيئات، ويجتهد في أداء ما افترض الله عليه ، ولا سيما الصلوات الخمس؛ فإنها عمود الإسلام ، وهي أعظم الفرائض بعد الشهادتين . فالواجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة عليها وأداؤها في أوقاتها بخشوع وطمأنينة.ومن أهم واجباتها في حق الرجال ؛ أداؤها في الجماعة في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ؛ كما قال عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وقال تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وقال عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ إلى أن قال عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر .وأهم الفرائض بعد الصلاة أداء الزكاة كما قال عز وجل: وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ وقال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وقد دل كتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم على أن من لم يؤد زكاة ماله يعذب به يوم القيامة.وأهم الأمور بعد الصلاة والزكاة صيام رمضان، وهو أحد أركان الإسلام الخمسة المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت ، ويجب على المسلم أن يصون صيامه وقيامه عما حرم الله عليه من الأقوال والأعمال؛ لأن المقصود بالصيام هو طاعة الله سبحانه، وتعظيم حرماته، وجهاد النفس على مخالفة هواها في طاعة مولاها، وتعويدها الصبر عما حرم الله، وليس المقصود مجرد ترك الطعام والشرب وسائر المفطرات، ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصيام جُنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني صائم ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .فعلم بهذه النصوص وغيرها أن الواجب على الصائم الحذر من كل ما حرم الله عليه ، والمحافظة على كل ما أوجب الله عليه، وبذلك يرجى له المغفرة والعتق من النار وقبول الصيام والقيام. وهناك أمور قد تخفى على بعض الناس: منها: أن الواجب على المسلم أن يصوم إيمانا واحتسابا لا رياء ولا سمعة ولا تقليدا للناس ، أو متابعة لأهله أو أهل بلده، بل الواجب عليه أن يكون الحامل له على الصوم هو إيمانه بأن الله قد فرض عليه ذلك، واحتسابه الأجر عند ربه في ذلك، وهكذا قيام رمضان يجب أن يفعله المسلم إيمانا واحتسابا لا لسبب آخر، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه .ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس: ما قد يعرض للصائم من جراح أو رعاف أو قيء أو ذهاب الماء أو البنزين إلى حلقه بغير اختياره، فكل هذه الأمور لا تفسد الصوم، لكن من تعمد القيء فسد صومه ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء .ومن ذلك: ما قد يعرض للصائم من تأخير غسل الجنابة إلى طلوع الفجر، وما يعرض لبعض النساء من تأخر غسل الحيض أو النفاس إلى طلوع الفجر، إذا رأت الطهر قبل الفجر، فإنه يلزمها الصوم، ولا مانع من تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر، ولكن ليس لها تأخيره إلى طلوع الشمس؛ بل يجب عليها أن تغتسل وتصلي الفجر قبل طلوع الشمس، وهكذا الجنب ليس له تأخير الغسل إلى ما بعد طلوع الشمس، بل يجب عليه أن يغتسل ويصلي الفجر قبل طلوع الشمس، ويجب على الرجل المبادرة بذلك حتى يدرك صلاة الفجر مع الجماعة.ومن الأمور التي لا تفسد الصوم : تحليل الدم، وضرب الإبر، غير التي يقصد بها التغذية، لكن تأخير ذلك إلى الليل أولى وأحوط إذا تيسر ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، وقوله عليه الصلاة والسلام: من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه . ومن الأمور التي يخفى حكمها على بعض الناس: عدم الاطمئنان في الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة، وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الاطمئنان ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه، وهو الركود في الصلاة والخشوع فيها وعدم العجلة حتى يرجع كل فقار إلى مكانه. وكثير من الناس يصلي في رمضان صلاة التراويح صلاة لا يعقلها ولا يطمئن فيها بل ينقرها نقرا، وهذه الصلاة على هذا الوجه باطلة، وصاحبها آثم غير مأجور.ومن الأمور التي قد يخفى حكمها على بعض الناس:ظن بعضهم أن التراويح لا يجوز نقصها عن عشرين ركعة، وظن بعضهم أنه لا يجوز أن يزاد فيها على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهذا كله ظن في غير محله بل هو خطأ مخالف للأدلة.وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن صلاة الليل موسع فيها ، فليس فيها حد محدود لا تجوز مخالفته، بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة، وربما صلى أقل من ذلك في رمضان وفي غيره.ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل قال: مثنى مثنى ، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قدصلى . متفق على صحته . ولم يحدد ركعات معينة لا في رمضان ولا في غيره، ولهذا صلى الصحابة رضي الله عنهم في عهد عمر رضي الله عنه في بعض الأحيان ثلاثا وعشرين ركعة، وفي بعضها إحدى عشرة ركعة، كل ذلك ثبت عن عمر رضي الله عنه وعن الصحابة في عهده.وكان بعض السلف يصلي في رمضان ستا وثلاثين ركعة ويوتر بثلاث، وبعضهم يصلي إحدى وأربعين، ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم، كما ذكر رحمة الله عليه أن الأمر في ذلك واسع، وذكر أيضا أن الأفضل لمن أطال القراءة والركوع والسجود أن يقلل العدد، ومن خفف القراءة والركوع والسجود زاد في العدد، هذا معنى كلامه رحمه الله.ومن تأمل سنته صلى الله عليه وسلم علم أن الأفضل في هذا كله هو صلاة إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، في رمضان وغيره؛ لكون ذلك هو الموافق لفعل النبي صلى الله عليه وسلم في غالب أحواله، ولأنه أرفق بالمصلين وأقرب إلى الخشوع والطمأنينة ، ومن زاد فلا حرج ولا كراهية كما سبق. والأفضل لمن صلى مع الإمام في قيام رمضان أن لا ينصرف إلا مع الإمام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة .ويشرع لجميع المسلمين الاجتهاد في أنواع العبادة في هذا الشهر الكريم من صلاة النافلة، وقراءة القرآن بالتدبر والتعقل والإكثار من التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير والاستغفار والدعوات الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل، ومواساة الفقراء والمساكين، والاجتهاد في بر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الجار، وعيادة المريض، وغير ذلك من أنواع الخير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: ينظر الله إلى تنافسكم فيه فيباهي بكم ملائكته ، فأروا الله من أنفسكم خيرا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله ، ولما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: عمرة في رمضان تعدل حجة. أو قال: حجة معي .والأحاديث والآثار الدالة على شرعية المسابقة والمنافسة في أنواع الخير في هذا الشهر الكريم كثيرة.والله المسئول أن يوفقنا وسائر المسلمين لكل ما فيه رضاه، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا، ويصلح أحوالنا ويعيذنا جميعا من مضلات الفتن، كما نسأله سبحانه أن يصلح قادة المسلمين، ويجمع كلمتهم على الحق ، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . من فتاوى الشيخ ابن باز المصدر: لجميع هذه الفتاوى، موقع اللجنة الدائمة على الشبكة العنكبوتية
  12. .............. بسم الله الرحمن الرحيم [ثلاثون مجلساً] من كتاب الصوم - من كتاب صحيح الجامع للعلامة للألباني – من : كتاب ترتيب أحاديث صحيح الجامع الصغير وزيادته على الأبواب الفقهية - وهو عبارة عن ثلاثين حلقة في ثلاثين يوماً. [كل مجلس يحتوى 9 أحاديث تقريباً ]. وذلك خلال أيام شهر رمضان المُبارك لعــــ 1439ــــــــــــــام من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ويشتمل على الآتي: 1- باب الترغيب في الصيام. 2- باب رؤية الهلال. 3- باب الأيام المستحب صيامها. 5- باب أحكام الصيام وآدابه. 6- باب ليلة القدر. 7- باب الإعتكاف وقيام الليل. 8- باب عمرة رمضان. 9 - باب زكاة الفطر. قد يُلحق به بعض الفوائد والفتاوى المتعلقة بالصوم.
  13. إعلان الدورة المكثفة لحفظ القرآن الكريم بجامع معاويةرضي الله عنه بحفرالباطن استمارة التسجيل المصدر: موقع الشيخ: عبدالله بن صلفيق الظفيري‏ @abdulahaldafiri على تويتر https://twitter.com/abdulahaldafiri?lang=ar
  14. أبو مريم أيمن العابديني

    بِدْعَةُ الاحْتِفَالِ بِلَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ

    بِسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَأصْحَابِهِ أجمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[المائدة:3]، وَقَالَ تَعَالَى:{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ }[الشورى:21]، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- :« مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([1])، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ:« مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذَا خَطَبَ يَقُولُ:« أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ »، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهي تدل دلالة صريحة على أن الله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قد أكمل لهذه الأمة دينها، وأتم عليها نعمته، ولم يتوف نبيه عليه الصلاة والسلام إلا بعد ما بلّغ البلاغ المبين، وبيّن للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال، وأوضح -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى دين الإسلام من أقوال أو أعمال فكله بدعة مردود على من أحدثه، ولو حسن قصده، وقد عرف أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذا الأمر، وهكذا علماء الإسلام بعدهم، فأنكروا البدع وحذروا منها، كما ذكر ذلك كل من صنّف في تعظيم السنة وإنكار البدعة؛ كالأئمة ابن وضاح، والطرطوشي، وأبي شامة، وغيرهم. ومن البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، أما ما ورد في فضل الصلاة فيها فكله موضوع، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم إن شاء الله ([2]). أَوَّلًا: اعلم أخي الكريم أنه: يستحب الصيام في شهر شعبان فقد كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصوم من شعبان ما لا يصومه من غيره من الشهور، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، قَالَتْ:« كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([3]). وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ مِنَ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ:« ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ » صَحِيحٌ ([4]). فالحذر الحذر أخي الكريم أن يُرفع عملك إلي الله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وأنت متلبس ببدعة. الحذر الحذر أخي الكريم أن يُرفع عملك إلي الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- وأنت كاذب على رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. ثَانِيًا: أخي الكريم اعلم أن الكذب على النبي-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ونسبة ما لم يقله إليه حرام ومستوجب للعذاب سواء كان ذلك في مسائل الحلال أو الحرام، أو في الترغيب، أو الترهيب، أو القصص، أو فضائل الأعمال([5])، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([6]). وَلِمَا رَوَىَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى (وَفِي رِوَايَةٍ: يَرَى) أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ (وَفِي رِوَايَةٍ: الكاذِبَين) ». وَلِمَا رَوَىَ أَحْمَدٌ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« إِنَّ الَّذِي يَكْذِبُ عَلَيَّ يُبْنَى لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ » صَحِيحٌ ([7]). ثَالِثًا: قد أجمع العلماء-رَحِمَهُمُ اللهُ-، على أن الواجب رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ، وإلى سنة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فما حكما به أو أحدهما فهو الشرع الواجب الإتباع، وما خالفهما وجب اطراحه، وما لم يرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله فضلاً عن الدعوة إليه وتحبيذه، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا }[النساء:59]، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى:10]، وَقَالَ تَعَالَى:{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[آل عمران:31]، وَقَالَ تَعَالَى:{ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }[النساء: 65]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة، ووجوب الرضى بحكمهما، وأن ذلك هو مقتضى الإيمان وخير للعباد في العاجل والآجل { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } أي: عاقبة. رَابِعًا: من البدع التي تحدث في ليلة النصف من شعبان: (1) ما اعتاده الناس من الاجتماع لها والاحتفال بها وليس لذلك أصل في الشرع: قَالَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- بعد إيراد كلام الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في (لطائف المعارف)(ص200): (( وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولا عن أصحابه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- شيء في ليلة النصف من شعبان )). وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ (الحوادث) ما نصه: (( وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال: ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها )) . وَقِيلَ لابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: إِنَّ زِيَادًا الْمِنْقَرِيَّ، وَكَانَ قَاصًّا يَقُولُ: إِنَّ أَجْرَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِثْلُ أَجْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «لَوْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَفِي يَدِي عَصًا لَضَرَبْتُهُ بِهَا» انتهى المقصود. ثم قَالَ الْعَلاَّمَةُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: فلو كانت ليلة النصف من شعبان، يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الأمة إليه، أو فعله بنفسه، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- إلى الأمة ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأرضاهم، وقد عرفت آنفاً من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا عن أصحابه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- شيء في فضل ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بها بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة بدعة منكرة، ولقد أحسن من قال: وخير الأمور السالفات على الهدى*****وشر الأمور المحدثات البدائع ([8]). وأعلم أخي المسلم أن مثل هذه الاحتفالات كالاحتفال بليلة النصف من شعبان ، وليلة الإسراء والمعراج المزعومة ، وليلة الرغائب، يكون فيها من الأمور المبتدعة والمحرمة الشيء الكثير، والتي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وقد فصل العلامة ابن الحاج-رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- هذه البدع والمحرمات في هذه الاحتفالات فنلخص من كلامه ما يأتي : (1) تكلف النفقات الباهظة، وهو إسراف يعملونه باسم الدين وهو بريء منه. (2) الحلاوات المحتوية على الصور المحرمة شرعاً. (3) زيادة وقود القناديل وغيرها، وفي زيادة وقودها إضاعة المال، لاسيما إذا كان الزيت من الوقف فيكون ذلك جرحاً في حق الناظر، لاسيما إذا كان الواقف لا يذكره، وإن ذكره لم يعتبر شرعاً، وزيادة الوقود مع ما فيه من إضاعة المال كما تقدم سبب لاجتماع من لا خير فيه، ومن حضر من أرباب المناصب الدينية عالماً بذلك فهو جرحة في حقه إلا أن يتوب، وأما إن حضر ليغير وهو قادر بشرط فيا حبذا. (4) حضور النساء وما فيه من المفاسد. (5) إتيانهم الجامع واجتماعهم فيه، وذلك عبادة غير مشروعة. (6) ما يفرشونه من البسط والسجادات وغيرها. (7) أطباق النحاس فيها الكيزان والأباريق وغيرهما، كأن بيت الله تعالى بيتهم، والجامع إنما جعل للعبادة، لا للفراش والرقاد والأكل والشرب. (8) ومن هذه البدع والمحرمات السقاؤون، وفي ذلك من المفاسد جملة منها: البيع والشراء لأنهم يأخذون الدراهم، وضرب الطاسات بما يشبه صوت النواقيس، ورفع الصوت في المسجد وتلويثه، وتخطي رقاب الناس، وكلها منكرات. (9) اجتماعهم حلقات، كل حلقة لها كبير، يقتدون به في الذكر والقراءة وليت ذلك لو كان ذكراً أو قراءة، لكنهم يلعبون في دين الله تعالى فالذاكر منهم في الغالب لا يقول : (لا إله إلا الله ) بل يقول: (لا يلاه يلله )فيجعلون عوض الهمزة ياء وهي ألف قطع جعلوها وصلاً وإذا قالوا:(سبحان الله) يمططونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم، والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه، وينقص منه ما هو فيه، بحسب تلك النغمات والترجيعات التي تشبه الغناء والأصوات التي اصطلحوا عليها، على ما قد علم من أحوالهم الذميمة، وهذا منكر يحف به عدة منكرات. (10) ومن الأمور العظيمة فيها أن القارئ يبتدئ بقراءة القرآن والآخر ينشد الشعر، أو يريد أن ينشده، فيسكتون القارئ أو يهمون بذلك، أو يتركون هذا في شعره وهذا في قراءته، لأجل تشوف بعضهم لسماع الشعر وتلك النغمات الموضوعة أكثر، فهذه الأحوال من اللعب في الدين أن لو كانت خارج المسجد منعت، فكيف بها في المسجد ؟. (11) حضور الوالدان الصغار وما يتبع من لغطهم وتنجيسهم المسجد . (12) خروج النساء في هذه الليلة-ليلة النصف من شعبان- إلى القبور-مع أن زيارة النساء للقبور محرمة شرعاً- ومع بعضهن الدف يضربن به، وبعضهن يغنين بحضرة الرجال ورؤيتهم لهن متجاهرين بذلك، لقلة حيائهن، وقلة من ينكر عليهن. (13) اختلاط النساء بالرجال عند القبور، وقد رفع النساء جلباب الحياء والوقار عنهن، فهن كاشفات الوجوه والأطراف. (14) أنهم أعظموا تلك المعاصي بفعلها عند القبور التي هي موضع الخشية والفزع والاعتبار، والحث على العمل الصالح، لهذا المصرع العظيم المهول أمره، فردوا ذلك للنقيض، وجعلوه موضع فرح ومعاصي كحال المستهزئين . (15) إهانة الأموات من المسلمين وأذيتهم بفعل المنكرات بجانب قبورهم . (16) أن بعضهم يقيمون خشبة عند رأس الميتة أو الميت، ويكسون ذلك العمود من الثياب ما يليق به عندهم. فإن كان الميت عالماً أو صالحاً صاروا يشكون له ما نزل بهم ويتوسلون به، وإن كان من الأهل أو الأقارب صاروا يتحدثون معه ويذكرون له ما حدث لهم بعده، وإن كان عروساً أو عروسة كسوا كل واحد منهما ما كان يلبسه في حال فرحة، ويجلسون يتباكون ويبكون ويتأسفون. وكسوتهم لهذه الخشبة تشبه في الظاهر بالنصارى في كسوتهم لأصنامهم، والصور التي يعظمونها في مواسمهم ، ومن تشبه بقوم فهو منهم. (17) اللغو في المسجد وكثرة الكلام بالباطل وهو منكر شديد. (18) جعل المسجد كأنه دار شرطة لمجيء الوالي والمقدمين والأعوان، وفرش البسط، ونصب الكرسي للوالي ليجلس عليه في مكان معلوم، وتوقد بين يديه المشاعل الكثيرة في صحن الجامع. (19) اعتقادهم أن فعل هذه المنكرات والبدع المحرمات إقامة حرمة لتلك الليلة، ولبيت الله عز وجل، وأنهم أتوه ليعظموه، وبعضهم يرى أن ذلك من القرب وهذا أشد ([9]). وسبق وذكرت أن هذه البدع والمنكرات تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالاحتفالات في الوقت الحاضر تكاد لا تخلو من كثير من هذه المنكرات وإن اختلف الشكل والهيئة. (20) ويضاف إلى هذه البدع أيضا : الدعاء المعروف الذي يطلب فيه من الله تعالى أن يمحو من أم الكتاب شقاوة من كتبه شقياً ...... الخ . ونصه ما يلي:((اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام، لا إله إلا أنت، ظهر اللاجئين، وجار المستجيرين، وأمان الخائفين، اللهم أن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً، أو مطروداً أو مقتراً عليَّ في الرزق، فامح اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني، وطردي وإقتار رزقي، وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيداً مرزوقاً موفقاً للخيرات، فإنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل، على لسان نبيك المرسل:{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }[الرعد:39]. إلهي بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المكرم، التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم أسألك أن تكشف عنا البلاء ما نعلم وما لا نعلم، وما أنت به أعلم إنك أنت الأعز الأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم ))([10]). وهذا الدعاء ليس له أصل صحيح في السنة، كما هو الحال في صلاة النصف من شعبان، فلم يثبت عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا عن أصحابه، ولا عن السلف-رضوان الله عليهم أجمعين- أنهم اجتمعوا في المساجد من أجل هذا الدعاء في تلك الليلة، ولا تصح نسبة هذا الدعاء إلى بعض الصحابة([11]). وربما شرطوا لقبول هذا الدعاء قراءة سورة(يس)،وصلاة ركعتين قبله، يفعلون القراءة والصلاة والدعاء ثلاث مرات، يصلون المرة الأولى بنية طول العمر، والثانية بنية دفع البلايا، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس، واعتقدوا أن هذا العمل من الشعائر الدينية، ومن مزايا ليلة النصف من شعبان وما تختص به، حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات والسنن فتراهم يسارعون إلى المساجد قبيل الغروب من هذه الليلة، وفيهم تاركوا الصلاة، معتقدين أنه يجبر كل تقصير سابق عليه، وأنه يطيل العمر ويتشاءمون من فوته ([12]). فالاجتماع لقراءة هذا الدعاء بالطريقة المتبعة والمعروف عندهم، وجعل ذلك شعيره من شعائر الدين، من البدع التي تحدث في ليلة النصف من شعبان. صحيح أن الدعاء والتضرع إلى الله تعالى مطلوب في كل وقت ومكان، لكن لا على هذا الوجه المخترع، فلا يتقرب إلى الله بالبدع، وإنما يتقرب إليه تعالى بما شرع ([13]). سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما نصه: هل يجوز حضور الاحتفالات البدعية، كالاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة المعراج، وليلة النصف من شعبان، لمن يعتقد عدم مشروعيتها لبيان الحق في ذلك؟ الجَوَابُ: أولًا: الاحتفال بهذه الليالي لا يجوز، بل هو من البدع المنكرة. ثانيًا: غشيان هذه الاحتفالات وحضورها لإنكارها وبيان الحق فيها، وأنها بدعة لا يجوز فعلها - مشروع، ولا سيما في حق من يقوى على البيان ويغلب على ظنه سلامته من الفتن. أما حضورها للفرجة والتسلية والاستطلاع فلا يجوز؛ لما فيه من مشاركة أهلها في منكرهم وتكثير سوادهم وترويج بدعتهم. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم ([14]). وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أيضاً ما نصه: الاحتفالات بالأعياد الدينية: مولد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،-النصف من شعبان - الخ حسب المناسبات هل ذلك جائز ؟ الجَوَابُ: (أ) الاحتفال بالأعياد البدعية لا يجوز. (ب) في السنة عيدان: عيد الأضحى وعيد الفطر، ويشرع في كل منهما إظهار الفرح والسرور، وفعل ما شرعه الله سبحانه فيهما من الصلاة وغيرها. ولكن لا يستباح فيها ما حرم الله -عَزَّ وَجَلَّ-. (ج) لا يجوز أن يقام احتفال بمولد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا بمولد غيره؛ لأن الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لم يفعل ذلك ولم يشرعه لأمته، وهكذا أصحابه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- لم يفعلوه، وهكذا سلف الأمة من بعدهم في القرون المفضلة لم يفعلوه، والخير كله في إتباعهم. (د) الاحتفال بليلة النصف من شعبان بدعة، وهكذا الاحتفال بليلة سبع وعشرين من رجب التي يسميها بعض الناس بـ: ليلة الإسراء والمعراج، كما تقدم في فقرة (ج). والله المستعان. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم ([15]). وسئل العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن -رَحِمَهُ اللهُ- ما نصه: لقد اعتدنا في نصف شهر شعبان كل سنة توزيع بعض الأطعمة والمأكولات على الجيران تصدقاً، فهل هذا العمل بدعة؟ فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: نعم هذا العمل بدعة، وذلك لأنه لم يكن على عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابه، وكل ما يتقرب به العبد مما ليس على عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأصحابه فإنه يكون بدعة؛ لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّيْنَ مِنْ بَعْدِي، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُوْرِ »، حتى لو فرض أن الإنسان قال: أنا لا أقصد بذلك التقرب إلى الله، ولكنها عادة اعتدناها. نقول: تخصيص العادة بيوم معين يتكرر كل سنة يجعل هذا اليوم بمنزلة العيد، ومن المعلوم أنه ليس هناك عيد في الشريعة الإسلامية إلا ما ثبت في الشريعة، كعيد الفطر، وعيد الأضحى، وكذلك يوم الجمعة هو عيد للأسبوع، وأما النصف من شعبان فلم يثبت في الشريعة الإسلامية أنه عيد، فإذا اتخذ عيداً توزع فيه الصدقات أو تهدى فيه الهدايا على الجيران كان هذا من اتخاذه عيداً ([16]). (2) تخصيصها بالصلاة. وتسمى الصلاة الألفية : أول من أحدثها: أول من أحدث الصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان رجل يعرف بابن أبي الحمراء من أهل نابلس ([17])، قدم على بيت المقدس سنة 448هـ وكان حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة . ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة ([18]). صفتها: هذه الصلاة المبتدعة تسمى بالألفية لقراءة سورة الإخلاص فيها ألف مرة، لأنها مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة سورة الإخلاص عشر مرات . وقد رويت صفة هذه الصلاة، والأجر المترتب على أدائها، من طرق عدة ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات ثم قال:(( هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل وفيهم ضعفاء، والحديث محال قطعاً )) ([19]) .ا.هـ . وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ الشَّوْكَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- في (الفوائد المجموعة) ما نصه: حديث:" يا علي، من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، و (قل هو الله أحد) عشر مرات، إلا قضى الله له كل حاجة . . . " إلخ ، هو موضوع، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة، ورواتها مجاهيل، وقال في (المختصر): حديث صلاة نصف شعبان باطل. ولابن حبان من حديث علي:(( إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ))، (( رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن ماجه عن علي )) ضعيف، وقال في (اللآلئ):(( مائة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات )) مع طول فضله، للديلمي وغيره، موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاث: مجاهيل ضعفاء. قال:(( واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة - وأربع عشرة ركعة )) موضوع . وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء، وكذا من المفسرين، وقد رويت صلاة هذه الليلة- أعني: ليلة النصف من شعبان- على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة. وَقَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: حديث صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وكذب عليه . وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ (المجموع): الصلاة المعروفة بـ: صلاة الرغائب، وهي: اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك. وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي-رَحِمَهُ اللهُ- كتابا نفيسا في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد، وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير جدا، ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلامهم في هذه المسألة لطال بنا الكلام، ولعل فيما ذكرنا كفاية ومقنعا لطالب الحق ([20]). حكمها: اتفق جمهور العلماء على أن الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان بدعة. فألفية النصف من شعبان لم يسنها رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين الأعلام كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي والليث وغيرهم –رحمة الله عليهم جميعاً– وكذلك فإن الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث([21]). سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما نصه: يقول بعض العلماء إنه وردت أحاديث في فضيلة نصف شعبان وصيامه وإحياء ليلة النصف منه هل هذه الأحاديث صحيحة أو لا؟ إن كان هناك صحيح فبينوه لنا بيانا شافيا، وإن كان غير ذلك فأرجو منكم الإيضاح، أثابكم الله؟ الجواب: إنه لم يصح شيء من الأحاديث التي وردت في فضيلة إحياء ليلة النصف من شعبان وصوم يومها عند المحققين من علماء الحديث؛ ولذا أنكروا قيامها وتخصيص يومها بالصيام، وقالوا إن ذلك بدعة، وعظم جماعة من العباد تلك الليلة اعتمادًا على ما ورد من الأحاديث الضعيفة واشتهر عنهم ذلك فتابعهم عليه الناس، تحسينًا للظن بهم، بل قال بعضهم لفرط تعظيمه لليلة النصف من شعبان: إنها الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن، وأنها يفرق فيها كل أمر حكيم، وجعل ذلك تفسيرًا لقوله تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }[الدخان: 3، 4]، وهذا من الخطأ البين، ومن تحريف القرآن عن مواضعه، فإن المراد بالليلة المباركة في الآية ليلة القدر، لقوله تعالى:{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ }[القدر:1]، وليلة القدر في شهر رمضان للأحاديث الواردة في ذلك؛ لقوله تعالى:{ شهر رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }[البقرة:185]. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم ([22]). وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء أيضاً ما نصه: سؤالي عن ليلة النصف من شعبان هل هذه الآية التي في سورة الدخان { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ }هل المقصود بها ليلة النصف من شعبان، أم المراد بها ليلة القدر ليلة سبع وعشرين من رمضان المبارك؟ وهل يستحب في ليلة النصف من شعبان العبادة والذكر والقيام وقراءة القرآن وصيام يوم أربعة عشر من شعبان؟ الجواب: أولا: الصحيح أن الليلة المذكورة في هذه الآية هي ليلة القدر وليست ليلة النصف من شعبان. ثانيا: لا يستحب تخصيص ليلة النصف من شعبان بشيء من العبادة مما ذكرت أو غيره، بل هي كغيرها من الليالي الأخرى، وتخصيصها بشيء من العبادات بدعة. وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم ([23]). (3) تخصيص يومها بالصيام وليلتها بالقيام. قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-:(( في معرض كلامه عن الأوقات الفاضلة التي قد يحدث فيها ما يعتقد أنه له فضيلة وتوابع ذلك، ما يصير منكراً ينهى عنه: ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان فقد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة . ومن العلماء من السلف من أهل المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها كحديث إن الله يغفر لأكثر من عدد غنم كلب)، وقال لا فرق بينها وبين غيرها . لكن الذي عليه أكثر أهل العلم، أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن ([24]) وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر )) ([25]) ا.هـ ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله عز وجل:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}([26]). وما جاء في معناها من الآيات، وقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-::« مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([27])، وما جاء في معناه من الأحاديث، وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ الله عَنْهُ-، عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:((لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ ))([28]). فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزا، لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها، لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس([29]) بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فلما حذّر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من تخصيصها بقيام من بين الليالي، دل ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص، ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها، نبه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على ذلك وحث الأمة على قيامها، وفعل ذلك بنفسه ،كما في الصحيحين عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال:(( مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))([30]). فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الأمة ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ورضي الله عن أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، - وأرضاهم، وقد عرفت آنفاً من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا عن أصحابه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-، شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في فضل ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة بدعة منكرة .... ا.هـ ([31]). سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما نصه: هل القيام للعبادة في ليلة العيد، والقيام بنصف شعبان، هل هذان القيامان واجب أم بدعة في الدين، أم سنة أم مستحب؛ لأني رأيت حديثًا -الذي يتكلم عن هذين القيامين- وقال:« من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه في يوم تموت القلوب»؟ الجواب: قيام ليلة العيد وليلة النصف من شعبان ليس بمشروع، وتخصيصهما بشيء من العبادات ليس سنة، بل بدعة. والحديث الذي ذكرت:« من أحيا ليلة العيد وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه في يوم تموت القلوب »، ذكره السيوطي في الجامع الصغير ولفظه:« من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب » ([32]) وقد رواه الطبراني، ورمز السيوطي إلى ضعفه، ونقل صاحب فيض القدير عن ابن حجر قال: حديث مضطرب الإسناد، وفيه عمر بن هارون، ضعيف، وقد خولف في صحابيه، وفي رفعه، وقد رواه الحسن بن سفيان عن عبادة أيضًا وفيه بشر بن رافع متهم بالوضع. ومن ذلك يظهر لك أن الحديث ضعيف على أحسن أحواله فلا يحتج به. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ([33]). وسئل العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْن -رَحِمَهُ اللهُ-: عن النصف من شعبان؟ فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: النصف من شعبان ورد عن بعض المتقدمين أنه كان يصوم يوم النصف من شعبان لكنه لم يثبت فيه عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-حديث يعتمد عليه وعلى هذا فلا يشرع تخصيص ذلك اليوم بصوم ولكن يقال للإنسان إن شهر شعبان كان الرسول عليه الصلاة والسلام يكثر الصوم فيه فلم يكن يصوم في شهر غير رمضان أكثر مما يصوم في شعبان فليكثر الإنسان من الصوم في شعبان كما كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يكثر من الصوم فيه وَسُئِلَ أَيْضًا -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما عن حكم صيام رجب والخامس عشر من شهر شعبان وقيام ليلها ؟ فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: كل هذا لا أصل له بالنسبة لصيام رجب كغيره من الأيام لا يختص بصوم ولا تختص لياليه بقيام أما شعبان فقد كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يكثر الصوم فيه لكنه لا يخص يوم الخامس عشر منه قالت عائشة-رضي الله عنها-:(كان أكثر ما يصوم يعني في النفل شعبان) وأما ما اشتهر عند العامة من أن ليلة النصف من شعبان لها تهجد خاص ويومها له صيامٌ خاص وأن الأعمال تكتب في تلك الليلة لجميع السنة فكل هذا ليس له أصلٌ صحيح يعول عليه. وَسُئِلَ أَيْضًا -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حكم صيام اليوم الخامس عشر من شهر شعبان وهل يجوز صيام يوم الشك تمام الشهر؟ فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: اسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا للصواب في القول والعمل صيام النصف من شهر شعبان وردت فيه أحاديث في فضله وفي فضل قيام الليلة ليلة النصف وفضل يوم النصف أيضاً لكنها أحاديث ضعفها أكثر أهل العلم والأحاديث الضعيفة لا تثبت بها حجة لا سيما في المسائل العملية وبناء على ذلك فإن تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام وتخصيص ليلة النصف من شعبان بالقيام غير مشروع لعدم صحة الأحاديث الواردة في ذلك عند أكثر أهل العلم ولم يثبت شيء عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا عن أصحابه في فضلها أما إذا صام الإنسان ثلاثة الأيام البيض من شهر شعبان وهي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر فإن هذا لا بأس به لأنه يسن للإنسان أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام والأفضل أن يجعلها في هذه الأيام الثلاثة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وقد صح عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال (صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله)([34]). (4) الوقيد وإيقاد النار ليلتها. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ومن البدع المنكرة في الاحتفالات بليلة النصف من شعبان كثيرة الوقيد فالمحدث لهذه البدعة راغب في دين المجوسية، لأن النار معبودة وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة ([35])، فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان، حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا كان ذلك إلى النار التي أوقدوها ([36]). فزيادة الوقود فيه تشبه بعبدة النار في الظاهر – وإن لم يعتقدوا ذلك – لأنَّ عبدة النار يوقدونها حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها،ولا شك أن التشبه بأهل الأديان الباطلة منهي عنه. والله أعلم ([37]). وَقَالَ الْعَلاَّمَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: فما اعتاده الناس من زيادة وقود القناديل الكثيرة من الأنوار الكهربائية في كثير من المساجد بمناسبة بعض المواسم والأعياد كأول جمعة من رجب وليلة النصف من شعبان وشهر رمضان كله والعيدين - محرم ممنوع لا سيما في العيدين فإن الأنوار فيهما تبقى متقدة إلى الضحوة فيهما وقد قال ابن الحاج-رحمه الله- في ( المدخل ) في أثناء الكلام على بدع ليلة النصف من شعبان ( 1/308 ):( ألا ترى إلى ما فعلوه من زيادة الوقود الخارج الخارق حتى لا يبقى في الجامع قنديل ولا شيء مما يوقد إلا أوقده حتى إنهم جعلوا الحبال في الأعمدة والشرفات وعلقوا فيها القناديل وأوقدوها وقد تقدم التعليل الذي لأجله كره العلماء-رحمهم الله- التمسح بالمصحف والمنبر والجدران . . . إلى غير ذلك إذ إن ذلك كان السبب في ابتداء عبادة الأصنام وزيادة الوقود فيه تشبه بعبدة النار في الظاهر وإن لم يعتقدوا ذلك لأن عبدة النار يوقدونها حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها وقد حث الشارع صلوات الله وسلامه على ترك تشبه المسلمين بفعل أهل الأديان الباطلة حتى في زيهم المختص بهم . وانضم على ذلك اجتماع كثير من النساء والرجال والولدان الصغار الذي يتنجس الجامع بفضلاتهم غالبا وكثرة اللغط واللغو الكثير مما هو أشد وأكثر وأعظم من ليلة السابع والعشرين من رجب وقد تقدم ما في ذلك من المفاسد وفي هذه الليلة أكثر وأشنع وأكبر وذلك بسبب زيادة الوقود فيها فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه البدع كيف يجر بعضها إلى بعض حتى ينتهي ذلك إلى المحرمات ) . ا.هـ كلامه. ثم قَالَ-رَحِمَهُ اللهُ-: وفي ( الباعث على إنكار البدع والحوادث ) ( ص 22 - 23 ) نقلا عن الْإِمَامِ أَبُي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أنه قال:( ومما أحدثه المبتدعون وخرجوا به عما وسمه المتشرعون وجروا فيه على سنن المجوس واتخذوا دينهم لهوا ولعبا الوقيد ليلة النصف من شعبان ولم يصح فيها شيء عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد صدوق من الرواة وما أحدثه [ إلا ] متلاعب بالشريعة المحمدية راغب في دين المجوسية لأن النار معبودهم . وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان ومقصودهم عبادة النيران وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا كان ذلك إلى النار التي أوقدوا ومضت على ذلك سنون وأعصار تبعت بغداد فيها سائر الأمصار هذا مع ما يجتمع في تلك الليلة من الرجال والنساء واختلاطهم فالواجب على السلطان منعهم وعلى العالم ردعهم . وإنما شرف شعبان لأن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يصومه فقد صح الحديث في صيامه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شعبان كله أو أكثره ) . ثم قال ابن أبي شامة ( ص 25):( فهذا كله فساد ناشئ من جهة المتنسكين المضلين فكيف بما يقع من فساد الفسقة المتردين وإحياء تلك الليلة بأنواع من المعاصي الظاهرة والباطنة وكلهم بسبب الوقيد الخارج عن المعتاد الذي يظن أنه قربة وإنما هو إعانة على معاصي الله تعالى وإظهار المنكر وتقوية لشعائر أهل البدع ولم يأت في الشريعة([38]). قُلْتُ: ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم يتضح لطالب الحق : أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم ، وليس له أصل في الشرع المطهر ، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله عز وجل : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }[المائدة : 3] وما جاء في معناها من الآيات . وقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ([39])، وفي ما جاء في معناه من الأحاديث([40]). خَامِسًا: أحاديث لا تصح: (1) حديث:((إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ)) موضوع : ميزان الاعتدال (6/178)، ومصباح الزجاجة (1/247)، والضعيفة ح(2132) (5/154)، وضعيف الترغيب والترهيب ح(623)(ج1)، ومشكاة المصابيح ح(1308) (ج1)، وابن ماجة ح(1388) ( 1/444). (2) حديث: ((رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي)) موضوع : المقاصد الحسنة (1/121)، وموضوعات الصغاني (1/4)، والموضوعات (2/124)، وكشف الخفاء (1/423)، وتذكرة الموضوعات (1/116)، والمنار المنيف ح(168)، والفوائد المجموعة (ص50)، والضعيفة ح(4400) (ج9). (3) حديث: ((كان إذا دخل رجب قال اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان)) ضعيف: كشف الخفاء ح(554)(1/186)، وتذكرة الموضوعات (1117)، ومجمع الزوائد (2/165)، ومشكاة المصابيح ح(1369)(ج1)، وضعيف الجامع ح(4395) . (4) حديث: ((يا على من صلى مائة ركعة في ليلة النصف من شعبان، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات إلا قضى الله عز وجل له كل حاجة طلبها تلك الليلة)) موضوع: الموضوعات (2/127)، والفوائد المجموعة(ص53). هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل [1])) أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، بِرَقَمِ (2697)، وَمُسْلِمٌ، بِرَقَمِ (1718). [2])) التحذير من البدع - (ص 18 ،19) للعلامة ابن باز-رحمه الله. [3])) أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، بِرَقَمِ (1969)، وَمُسْلِمٌ، بِرَقَمِ (1156). [4])) أَخْرَجَهُ: أَحْمَدُ، بِرَقَمِ (21801)، وَالنَّسَائِيُّ بِرَقَمِ (2357)، وَصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الصَّحِيْحَةِ بِرَقَمِ (1898)، وَصَحِيحِ الْجَامِعِ بِرَقَمِ (3711). [5])) قُلْتُ: وَلِلإِمَامِ النَّوَوِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- تَحْتَ حَدِيْثِ ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ)) كلاماً ماتعاً يقرر ما ذكرناه آنفاً هذا نصه: وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث يَشْتَمِل عَلَى فَوَائِد وَجُمَلٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ : إِحْدَاهَا : تَقْرِير هَذِهِ الْقَاعِدَة لِأَهْلِ السُّنَّة أَنَّ الْكَذِبَ يَتَنَاوَل إِخْبَار الْعَامِد وَالسَّاهِي عَنْ الشَّيْء بِخِلَافِ مَا هُوَ . الثَّانِيَة : تَعْظِيم تَحْرِيم الْكَذِب عَلَيْهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَنَّهُ فَاحِشَة عَظِيمَة وَمُوبِقَة كَبِيرَة وَلَكِنْ لَا يَكْفُرُ بِهَذَا الْكَذِب إِلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّهُ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذَاهِب الْعُلَمَاء مِنْ الطَّوَائِف . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيّ وَالِد إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبِي الْمَعَالِي مِنْ أَئِمَّة أَصْحَابنَا : يَكَفُرُ بِتَعَمُّدِ الْكَذِب عَلَيْهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، حَكَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ عَنْ وَالِده هَذَا الْمَذْهَب وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي دَرْسه كَثِيرًا : مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُول اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، عَمْدًا كَفَرَ وَأُرِيقَ دَمه، وَضَعَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الْقَوْلَ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَاب وَإِنَّهُ هَفْوَةٌ عَظِيمَةٌ . وَالصَّوَاب مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْجُمْهُور وَاَللَّه أَعْلَمُ . الثَّالِثَة : أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَحْرِيم الْكَذِب عَلَيْهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بَيْن مَا كَانَ فِي الْأَحْكَام وَمَا لَا حُكْمَ فِيهِ كَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب وَالْمَوَاعِظ وَغَيْر ذَلِكَ فَكُلّه حَرَام مِنْ أَكْبَر الْكَبَائِر وَأَقْبَح الْقَبَائِح بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُعْتَدّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاع ، خِلَافًا لِلْكَرَّامِيَّة الطَّائِفَة الْمُبْتَدِعَة فِي زَعْمِهِمْ الْبَاطِل أَنَّهُ يَجُوز وَضْع الْحَدِيث فِي التَّرْغِيب وَالتَّرْهِيب ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى هَذَا كَثِيرُونَ مِنْ الْجَهَلَة الَّذِينَ يَنْسُبُونَ أَنْفُسهمْ إِلَى الزُّهْد أَوْ يَنْسُبهُمْ جَهَلَة مِثْلهمْ ، وَشُبْهَة زَعْمهمْ الْبَاطِل أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّار . وَزَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَا كَذِبٌ عَلَيْهِ ، وَهَذَا الَّذِي اِنْتَحَلُوهُ وَفَعَلُوهُ وَاسْتَدَلُّوا بِهِ غَايَة الْجَهَالَة وَنِهَايَة الْغَفْلَة ، وَأَدَلّ الدَّلَائِل عَلَى بُعْدهمْ مِنْ مَعْرِفَة شَيْء مِنْ قَوَاعِد الشَّرْع ، وَقَدْ جَمَعُوا فِيهِ جُمَلًا مِنْ الْأَغَالِيط اللَّائِقَة بِعُقُولِهِمْ السَّخِيفَة وَأَذْهَانهمْ الْبَعِيدَة الْفَاسِدَة فَخَالَفُوا قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم إِنَّ السَّمْع وَالْبَصَر وَالْفُؤَاد كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } ، وَخَالَفُوا صَرِيح هَذِهِ الْأَحَادِيث الْمُتَوَاتِرَة وَالْأَحَادِيث الصَّرِيحَة الْمَشْهُورَة فِي إِعْظَام شَهَادَة الزُّور ، وَخَالَفُوا إِجْمَاع أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد . وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِل الْقَطْعِيَّات فِي تَحْرِيم الْكَذِب عَلَى آحَاد النَّاس فَكَيْف بِمَنْ قَوْله شَرْع وَكَلَامه وَحْي ، وَإِذَا نَظَرَ فِي قَوْلهمْ وَجَدَ كَذِبًا عَلَى اللَّه تَعَالَى ، قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى } وَمِنْ أَعْجَب الْأَشْيَاء قَوْلهمْ : هَذَا كَذِب لَهُ ، وَهَذَا جَهْل مِنْهُمْ بِلِسَانِ الْعَرَب وَخِطَاب الشَّرْع فَإِنَّ كُلّ ذَلِكَ عِنْدهمْ كَذِب عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ ؛ فَأَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَحْسَنُهَا وَأَخْصَرُهَا أَنَّ قَوْله لِيُضِلَّ النَّاس ، زِيَادَة بَاطِلَة اِتَّفَقَ الْحُفَّاظ عَلَى إِبْطَالهَا وَأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ صَحِيحَةً بِحَالٍ . الثَّانِي : جَوَاب أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيّ-رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَكَانَتْ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاس } . الثَّالِث : أَنَّ اللَّام فِي لِيُضِلَّ لَيْسَتْ لَام التَّعْلِيل بَلْ هِيَ لَام الصَّيْرُورَة وَالْعَاقِبَة ، مَعْنَاهُ أَنَّ عَاقِبَة كَذِبِه وَمَصِيرِه إِلَى الْإِضْلَال بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } وَنَظَائِره فِي الْقُرْآن وَكَلَام الْعَرَب أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَر وَعَلَى هَذَا يَكُون مَعْنَاهُ فَقَدْ يَصِير أَمْر كَذِبه إِضْلَالًا ، وَعَلَى الْجُمْلَة مَذْهَبُهُمْ أَرَكُّ مِنْ أَنْ يُعْتَنَى بِإِيرَادِهِ وَأَبْعَدُ مِنْ أَنْ يُهْتَمَّ بِإِبْعَادِهِ وَأَفْسَدُ مِنْ أَنْ يُحْتَاج إِلَى إِفْسَاده . وَاَللَّه أَعْلَمُ . الرَّابِعَة : يَحْرُم رِوَايَة الْحَدِيث الْمَوْضُوع عَلَى مَنْ عَرَفَ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَضْعُهُ فَمَنْ رَوَى حَدِيثًا عَلِمَ أَوْ ظَنَّ وَضْعَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ حَالَ رِوَايَتِهِ وَضْعَهُ فَهُوَ دَاخِل فِي هَذَا الْوَعِيد ، مُنْدَرِج فِي جُمْلَة الْكَاذِبِينَ عَلَى رَسُول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا الْحَدِيث السَّابِق " مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ " . وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاء : يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ رِوَايَة حَدِيث أَوْ ذَكَرَهُ أَنْ يَنْظُر فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا أَوْ حَسَنًا قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَذَا أَوْ فَعَلَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْجَزْمِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَلَا يَقُلْ : قَالَ أَوْ فَعَلَ أَوْ أَمَرَ أَوْ نَهَى وَشِبْهَ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْجَزْم بَلْ يَقُول : رُوِيَ عَنْهُ كَذَا أَوْ جَاءَ عَنْهُ كَذَا أَوْ يُرْوَى أَوْ يُذْكَرُ أَوْ يُحْكَى أَوْ يُقَالُ أَوْ بَلَغَنَا وَمَا أَشْبَهَهُ (قلت: ذلك عند بيان حاله) . وَاَللَّه سُبْحَانه أَعْلَمُ . قَالَ الْعُلَمَاء : وَيَنْبَغِي لِلرَّاوِي وَقَارِئ الْحَدِيث ، إِذَا اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ لَفْظَةٌ فَقَرَأَهَا عَلَى الشَّكِّ أَنْ يَقُول عَقِبَهُ أَوْ كَمَا قَالَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . اُنْظُرْ: شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ - (1 / 69- 71).ط. دار إحياء التراث العربي – بيروت. [6])) أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، بِرَقَمِ (106)، وَمُسْلِمٌ، بِرَقَمِ (1). [7])) أَخْرَجَهُ: أَحْمَدُ، بِرَقَمِ (4742)، وَالنَّسَائِيُّ بِرَقَمِ (2357)، وَصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الصَّحِيْحَةِ بِرَقَمِ (1618)، وَصَحِيحِ الْجَامِعِ بِرَقَمِ (1694). [8])) التحذير من البدع - (ص 22، 31) لِلْعَلاَّمَةُ ابْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-. [9])) المدخل لابن الحاج (1/293-313) ، وكذلك مجلة المنار (3/ 665- 667 ) . [10])) رسالة في فضل ليلة النصف من شعبان لمحمد حسنين مخلوف ص(32، 33) ، وكذلك : رسالة روي الظمآن للأنصاري ص(9) . [11])) مجلة المنار (3/667) ، والسنن والمبتدعات ص(149) ، والإبداع ص (290). [12])) والإبداع ص (290) . [13])) يراجع : المدخل لابن الحاج (1/308) ، نقلاً بواسطة (نقلاً من البدع الحولية لعبد الله التويجري)). [14])) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 4 / ص 247)فتوى رقم (6524). [15])) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 4 / ص 292) بدع الأعياد السؤال الأول من الفتوى رقم (5738). [16])) فتاوى نور على الدرب ( فتاوى التوحيد والعقيدة ـ البدعة). [17])) نابلس : مدينة مشهورة بأرض فلسطين بين جبلين ، مستطيلة لا عرض لها ، كثيرة المياه ، بينها وبين بيت المقدس عشرة فراسخ ، وبها الجبل الذي تعتقد اليهود أن الذبح كان عليه ، وعندهم أن الذبيح إسحاق – عليه السلام – فهم يعتقدون في هذا الجبل . يراجع : معجم البلدان (5/248) . [18])) يراجع: التحذير و البدع للطرطوشي ص (121، 122) . [19])) يراجع : الموضوعات (2/ 127-130)، وكذلك اللآليء المصنوعة للسيوطي (2/57-60)، وكذلك الفوائد المجموعة ص (51). [20])) التحذير من البدع - (ص 25ـ 27) . ([21]) يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (23/134،133،131)، واقتضاء الصراط المستقيم (2/628)، والباعث لأبي شامة ص(32-36)، وفتاوى محمد رشيد رضا (1/28-30) و(3/994-1003)، والسنن والمبتدعات للشقيري ص(148-149)، والإبداع لعلي محفوظ ص (286-288)، والتحذير من البدع للشيخ ابن باز ص (11-16)-رحم الله الجميع . [22])) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (ج 4 / ص 277ـ 279)جزء من إجابة السؤال الثاني من الفتوى رقم (884). [23])) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 4 / ص 288)السؤال الأول من الفتوى رقم (7929). [24])) ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث وآثار ولكنها لا تخلو من مقال . يراجع :العلل المتناهية (2/67-72)، ومجمع الزوائد (8/65)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (3/135- 139)، حديث رقم (1144). ([25]) يراجع :اقتضاء الصراط المستقيم (3/626، 627)، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (23/123)، والاختيارات الفقهية ص (65). [26])) سورة المائدة ، الآية : 3. [27])) أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، بِرَقَمِ (2697)، وَمُسْلِمٌ، بِرَقَمِ (1718). ([28]) رواه الإمام أحمد في مسنده (6/444) . ورواه مسلم في صحيحه (2/801) كتاب الصيام .حديث رقم (1144 ) (148) . [29])) قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة ........ الحديث )) . رواه الإمام أحمد في مسنده (2/512) .مسلم في صحيحه (2/585) ، كتاب الجمعة ، حديث رقم (584) . وأبو داود في سننه (1/634) ، كتاب الصلاة . حديث رقم (1046) .والترمذي في سننه (1/305) ، أبواب الجمعة . وقال : حديث حسن صحيح . والنسائي في سننه (3/89، 90)، كتاب الجمعة باب رقم (4) . [30])) رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (1/92،91) ، كتاب الإيمان ، حديث رقم (37،35) .ذكر قيام رمضان في رواية ، وقيام ليلة القدر في رواية أخرى .وكذلك رواه مسلم في صحيحه (1/524،523) ، كتاب صلاة المسافرين ، حديث رقم (759، 760) . [31])) يراجع : التحذير من البدع ص (15، 16)،(نقلاً بواسطة البدع الحولية). [32])) أخرجه ابن ماجه 1 / 567 برقم ( 1782) بنحوه، وابن الجوزي ( في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية ) 1 / 56، 2 / 71 - 72، برقم ( 898، 924 ) والطبراني كما في ( مجمع الزوائد ) 2 / 198، وانظر تلخيص الحبير 2 / 80 برقم ( 675)، والسلسة الضعيفة 2 / 11 برقم (520، 521). [33])) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - (ج 10 / ص 154ـ 155)السؤال الثاني من الفتوى رقم (11029). [34])) يراجع: فتاوى نور على الدرب (فتاوى الجنائز ـ باب صيام التطوع). [35])) نسبة إلى خالد بن برمك بن جاماس بن يشتاسف ، وكان برمك من مجوس بلخ ، وتلقد خالد بن برمك المناصب تدريجياً في الدولة العباسية حتى وصل إلى الوزارة ، ثم إمارة الأقاليم ، وتوفي سنة 163هـ ، ثم تولى أولاده يحيى ، وولده الفضل ، وجعفر ، وغيرهم المناصب العليا ، حتى طغت سمعتهم وما ينفقونه من العطايا على سمعة الخليفة في وقته ، إلى أن نكبهم الرشيد فقتلهم ،، وفرق شملهم ، وذلك سنة 187هـ . يراجع : البداية والنهاية (10/215-225) , والأعلام (2/295). [36])) يراجع :والباعث ص(33-34) . [37])) يراجع : نقلا ( الباعث على إنكار البدع والحوادث ) ( ص 22 - 23 ) لأبي بكر الطرطوشي-رحمه الله-. [38])) ( الثمر المستطاب ) (2/298 ، 299). [39])) أَخْرَجَهُ: اَلْبُخَارِيُّ، بِرَقَمِ (2697)، وَمُسْلِمٌ، بِرَقَمِ (1718). [40])) التحذير من البدع - (ص 28).
  15. مقال: نقاش مع الدكتور بشار عواد معروف في ضبط لفظ (رُوِّينا) أو ((رَوَينا) للشيخ الدكتور عبد البارئ بن حماد الأنصاري حفظه الله ورعاه https://bit.ly/2K9TAL4 وللفائدة وضعت المقال في الصور أسفل. #الحديث #المصطلح #محدث #السنة #الأثر #دراسات_حديثية #علوم_الحديث #المخطوط#المخطوطات #تراثنا #مخطوطاتنا
  16. أبو مريم أيمن العابديني

    تَحْدِيْدُ الْوِجْهَةِ فِي حَادِثِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ

    الْحَمْدُ لِلَّهِ أحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. أَمَّا بَعْدُ: فَأَوَّلًا: مَتَى كَانَتِ الْهِجْرَةُ: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (7/244):(( وَجَزَمَ اِبْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ، وَهَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْغَارِ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، فَلَعَلَّ قُدُومَهُ قُبَاءَ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَإِذَا ضُمَّ إِلَى قَوْلِ أَنَسٍ: إِنَّهُ أَقَامَ بِقُبَاءَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، خَرَجَ مِنْهُ أَنَّ دُخُولَهُ الْمَدِينَةَ كَانَ لِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ مِنْهُ )). ثَانِيًا: حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَتَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ: عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِىَّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:« كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ: أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (1/96 ، 250 ، 506 ، 507): قَوْلُهُ:(( أَوْ قَالَ أَخْوَالُهُ )): الشَّكُّ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَفِي إِطْلَاقِ أَجْدَادِهِ أَوْ أَخْوَالِهِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ أَقَارِبُهُ مِنْ جِهَةِ الْأُمُومَةِ، لِأَنَّ أُمَّ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ مِنْهُمْ، وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ. وَإِنَّمَا نَزَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، بِالْمَدِينَةِ عَلَى إِخْوَتِهِمْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ فَفِيهِ عَلَى هَذَا مَجَازٌ ثَانٍ. وَقَوْلُهُ:(( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا )): كَذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ هَذِهِ هُنَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ سَهْلٌ بِأَنْ يَكُونَ مَنْ جَزَمَ بِسِتَّةَ عَشَرَ لَفَّقَ مِنْ شَهْرِ الْقُدُومِ وَشَهْرِ التَّحْوِيلِ شَهْرًا وَأَلْغَى الزَّائِدَ، وَمَنْ جَزَمَ بِسَبْعَةَ عَشَرَ عَدَّهُمَا مَعًا، وَمَنْ شَكَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَانَ التَّحْوِيلُ فِي نِصْفِ شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ جَزَمَ الْجُمْهُورُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ. ثَالِثًا: الصَّلَاةُ الَّتِي تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ عِنْدَهَا: وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ عِنْدَهَا، وَكَذَا فِي الْمَسْجِدِ، فَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَرَاءِ هَذَا أَنَّهَا الظُّهْرُ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ قَالَ: يُقَالُ إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِهِ بِالْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَاسْتَدَارَ إِلَيْهِ وَدَارَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ. وَيُقَالُ زَارَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أُمَّ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَصَنَعَتْ لَهُ طَعَامًا وَحَانَتِ الظُّهْرُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُمِرَ فَاسْتَدَارَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ الْمِيزَابَ فَسُمِّيَ " مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ "، قَالَ اِبْنُ سَعْدٍ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: هَذَا أَثْبَتُ عِنْدنَا. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي بَنِي سَلِمَةَ لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، الظُّهْرُ. وَأَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الْعَصْرَ: لِأَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ وَقْتَ الْعَصْرِ إِلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ، وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. وَأَمَّا الصُّبْحُ فَهُوَ مِنْ حَدِيثِ اِبْن عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، بِأَهْلِ قُبَاءٍ: وَوَصَلَ الْخَبَرُ وَقْتَ الصُّبْحِ إِلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَهُمْ بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ أَهْلُ قُبَاءٍ، وَذَلِكَ فِي حَدِيث بن عُمَرَ. قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ رَجُلٌ): هُوَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ قَيْظِيِّ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ:« إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الكَعْبَةِ » مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ:(( إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ )): لَمْ يُسَمَّ الْآتِي بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ بنُ طَاهِرٍ وَغَيْرُهُ، نَقَلُوا أَنَّهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ مَا نَقَلُوا مَحْفُوظًا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّادٌ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ أَوَّلًا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ، فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِهِمَا، أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-:« أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مَرَّ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ »، فَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ بن عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ، وَبَنُو سَلَمَةَ غَيْرُ بَنِي حَارِثَةَ. رَابِعًا: كَيْفِيَّةُ التَّحْوِيلِ: قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (1/506 ، 507): وَوَقَعَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّحَوُّلِ فِي حَدِيثِ ثُوَيْلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم وَقَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ قَرِيبًا وَقَالَتْ فِيهِ:" فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ، فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ". قُلْتُ: وَتَصْوِيرُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ إِلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفِ، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتِ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ، وَتَحَوَّلَتِ النِّسَاءُ حَتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرِّجَالِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْدَ التَّحْوِيلِ بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. خَامِسًا: التَّحْقِيقُ: قَوْلُهُ:(( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا )): كَانَتْ هِجْرَةُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بـ(( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا )) يَكُونُ التَّحْويِلُ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بـ(( سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا )) يَكُونُ التَّحْويِلُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ. وَإِنْ قُلْنَا بِمَا يَقُوْلُ بِهِ النَّاسَ الْيَوْمَ أَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ فِي شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ إِذَاً سَيَكُونُ حَادِثُ تَحْويِلِ الْقِبْلَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ عَلَى الْقَوْلِ بـ(( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ))، وَفِي جُمَادَى الْأُولَى عَلَى الْقَوْلِ بـ(( سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا )). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (1/96): وَذَلِكَ أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَانَ التَّحْوِيلُ فِي نِصْفِ شَهْرِ رَجَبٍ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ جَزَمَ الْجُمْهُورُ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ. سَادِسًا: مَسَائِلٌ: قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِقْبَالِهِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الأَوَّلُ: قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ، وَقَالَهُ عِكْرِمَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، فَاخْتَارَ الْقُدْسَ طَمَعًا فِي إِيمَانِ الْيَهُودِ وَاسْتِمَالَتِهِمْ، قَالَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: امْتِحَانًا لِلْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ أَلِفُوا الْكَعْبَةَ. الثَّالِثُ: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيِهِ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِصَلَاتِهِ الْكَعْبَةَ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ }[البقرة: 143]. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا حِينَ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَوَّلًا بِمَكَّةَ، هَلْ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ إِلَى مَكَّةَ، عَلَى قَوْلَيْنِ: الأَوَّلُ: قَالَتْ طَائِفَةٌ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِالْمَدِينَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. الثَّانِي: قَالَ آخَرُونَ: أَوَّلُ مَا افْتُرِضَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي إِلَيْهَا طُولَ مُقَامِهِ بِمَكَّةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، عَلَى الْخِلَافِ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ-رَحِمَهُ اللهُ-: وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي، ثم أخرج بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ" كَانَ أَوَّلَ مَا نَسَخَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْيَهُودُ، أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }[البقرة: 144]، فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَقَالُوا:{ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ التِي كَانُوا عَلَيْهَا } فَأَنْزَلَ اللَّهُ:{ قُلْ للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ }، وَقَالَ:{ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ }، وَقَالَ تَعَالَى:{ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ }[البقرة: 143]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلِيَمِيزَ أَهْلَ الْيَقِينِ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: { وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ }[البقرة: 143]، يَعْنِي تَحْوِيلَهَا عَلَى أَهْلِ الشَّكِّ:{ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ }[البقرة: 45]، يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى. اُنْظُرْ: تَفْسِيْرُ القُرطُبيِّ (2/ 150).ط. دار الكتب المصرية – القاهرة، وشرح سنن النسائي المسمى «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى- محمد بن علي بن آدم الإثيوبي» (6/398).ط. دار آل بروم للنشر والتوزيع . هذا والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل
  17. سلطان الجهني

    سابور

    بسم الله الرحمن الرحيم 74 - محمد بن رافع * (خ، م، د، س، ت) ابن أبي زيد ، واسمه سابور، الامام الحافظ الحجة القدوة، بقية الاعلام، أبو عبد الله القشيري مولاهم النيسابوري. ولد سنة نيف وسبعين ومئة في أيام مالك الامام، ورحل سنة نيف وتسعين. وسمع ما لا يوصف كثرة، وجمع، وصنف. قال فيه الحاكم في " تاريخه ": شيخ عصره بخراسان في الصدق والرحلة. سمع بالحجاز سفيان بن عيينة، ومعن بن عيسى، وابن أبي فديك، وأبا بكر بن أبي أويس، وطبقتهم بالحجاز. وعبد الله بن إدريس، ووكيعا، وابن نمير، وأبا معاوية، وأبا أسامة، ويونس بن بكير، والحسين الجعفي، وعدة بالكوفة. وعبد الرزاق، وأخاه عبد الوهاب، ويزيد بن أبي حكيم، وعبد الله الوليد، وإسماعيل بن عبد الكريم باليمن، وأبا داود، ووهب بن جرير، وأبا قتيبة، وأبا علي الحنفي، وحماد بن مسعدة وعدة بالبصرة. ومن يزيد بن هارون وطبقته بواسط. ومن شبابة بالمدائن. ومن أبي النضر وعدة ببغداد. ومن النضر بن شميل، ومكي بن إبراهيم وطبقتهما بخراسان. وعني بالسنن علما وعملا وعمر، وارتحل الناس إليه. حدث عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في تصانيفهم، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن سلمة، وأبو زرعة، وإبراهيم بن أبي طالب، وأبو بكر بن خزيمة، وأبو بكر بن أبي داود، ومحمد بن عقيل البلخي، وجعفر بن أحمد بن نصر، ومحمد بن إسحاق الثقفي، وزنجويه بن محمد، وخلق، آخرهم موتا حاجب بن أحمد الطوسي. ومن طريقه يقع حديثه عاليا في " الثقفيات " (1).قال الحاكم: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، سمعت أبا عمرو المستملي، سمعت محمد بن رافع يقول: كنت مع أحمد بن حنبل وإسحاق عند عبد الرزاق، فجاءنا يوم الفطر، فخرجنا مع عبد الرزاق إلى المصلى، ومعنا ناس كثير فلما رجعنا من المصلى، دعانا عبد الرزاق إلى الغداء، فجعلنا نتغدى معه، فقال لاحمد وإسحاق: رأيت اليوم منكما شيئا عجبا، لم تكبرا ! ! قالا: يا أبا بكر، نحن ننظر إليك هل تكبر فنكبر. فلما رأيناك لم تكبر أمسكنا. قال: وأنا كنت أنظر إليكما، هل تكبران فأكبر قال جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ: ما رأيت من المحدثين أهيب من محمد بن رافع، كان يستند إلى الشجرة الصنوبر في داره، فيجلس العلماء بين يديه على مراتبهم، وأولاد الطاهرية ومعهم الخدم، كأن على رؤوسهم الطير. فيأخذ الكتاب، ويقرأ بنفسه، ولا ينطق أحد، ولا يتبسم إجلالا له (1). وإذا تبسم واحد أو راطن صاحبه، قال: وصلى الله على محمد، ويأخذ الكتاب، فلا يقدر أحد يراجعه أو يشير بيده. ولقد تبسم خادم من خدم الطاهرية يوما، فقطع ابن رافع مجلسه، فانتهى الخبر بذلك [ إلى طاهر بن عبد الله ] (2) فأمر بقتل الخادم، حتى احتلنا لخلاصه. قال زكريا بن دلويه: بعث طاهر بن عبد الله إلى ابن رافع بخمسة آلاف درهم مع رسول، فدخل عليه بعد العصر، وهو يأكل الخبز مع الفجل. فوضع الكيس، فقال: بعث الامير إليك بهذا المال. فقال: خذ خذ لا أحتاج إليه، فإن الشمس قد بلغت رأس الحيطان (1) إنما تغرب بعد ساعة، وقد جاوزت الثمانين إلى متى أعيش ؟ فرد (2). قال: فدخل ابنه، وقال: يا أبة، ليس لنا الليلة خبز. قال: فبعث ببعض أصحابه خلف الرسول ليرد المال إلى طاهر فزعا من ابنه أن يذهب خلفه، فيأخذ المال. قال زكريا: ربما كان يخرج إلينا محمد بن رافع في الشتاء وقد لبس لحافه. أحمد بن سلمة: حدثنا محمد بن رافع: رأيت أحمد بن حنبل بين يدي يزيد بن هارون ببغداد، وفي يده كتاب لزهير عن جابر، وهو يكتبه. فقلت: يا أبا عبد الله، تنهونا عن جابر وتكتبونه ؟ قال: نعرفه. الحاكم: أخبرنا محمد بن أحمد بن عمر، سمعت أحمد بن سلمة، سمعت محمد بن رافع يقول: أنا أفدت أحمد بن حنبل، عن يزيد بن مسلم الصنعاني الراوي عن وهب. ونزلت أنا وأحمد، ومات الشيخ. وكان قد أتى له مئة وخمس وثلاثون سنة. قال أحمد بن عمر بن يزيد: حدثنا محمد بن رافع، سمعت عبد الرزاق، سمعت معمرا يقول: رأيت باليمن عنقود عنب وقر (3) بغل تام. قال مسلم والنسائي: ابن رافع ثقة مأمون (1). قال زنجويه بن محمد: مات محمد بن رافع في ذي الحجة، سنة خمس وأربعين ومئتين، وغسله أحمد بن نصر العابد، وصلى عليه محمد ابن يحيى. الحاكم: أخبرنا أحمد بن بالويه العفصي، حدثنا محمد بن إسحاق ابن إبراهيم، سمعت أبا بكر المدني - يعني: محمد بن نعيم - يقول: رأيت محمد بن رافع في المنام بعد موته بثلاث في حجره مصحف يقرأ، فقلت له: أليس قد مت ؟ فنظر إلي نظرة منكرة. فقلت: سألتك بالله إلا ما حدثتني، ما فعل بك ربك ؟ قال: بشرني بالروح والراحة (2). أخبرنا أبو الحسين الحافظ، أخبرنا جعفر بن علي، وعلي بن هبة الله، وأحمد بن محمد، وعبد الله بن رواحة، قالوا: أخبرنا أبو طاهر السلفي، أخبرنا أبو القاسم بن الفضل، حدثنا ابن محمش، أخبرنا حاجب بن أحمد، حدثنا محمد بن رافع، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي، عن عكرمة أن أبا هريرة حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يسوق بدنة وهو يمشي، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنها بدنة. فأمره أن يركبها (3). المصدر: ترجمة الحافظ محمد بن رافع :كتاب سير أعلام النبلاء - للحافظ الذهبي
  18. عبد الأعلى المصري

    "الورَّاقون وأثرهم في صناعة المخطوط العربي (مهن الوراقة)"

    بسم الله الرحمن الرحيم "الورَّاقون وأثرهم في صناعة المخطوط العربي (مهن الوراقة)" الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله على آله وأصحابه ومن اتَّبع هداه، أما بعد، فإن مصطلح "الوراقة" مأخوذ من "الورق"، والورق واحده ورقة، ويجمع على "ورقات"، وتجمع الورقات على أوراق، وبه سمِّي بائع الورق ورَّاقًا. قال شمس الدين محمد السحماوي (ت 868 ه) في كتابه "الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم" (2/547) (ط دار الكتب والوثائق القومية/ مراجعة أ. حسين نصار): "وقد نطق القرآن الكريم بتسميته –أي الورق- قرطاسًا، فقال الله عز وجل: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ}، وقال الجوهري: قرطس –بغير ألف-. ويقال: فيه الصحيفة كما قال عز وجل: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى}، وتجمع على صحائف وسمى المصحف مصحفًا لجمعه الصحف، ويقال: "طرس"، وتجمع على طروس، ويقال فيه"مهرق"، قال الجوهري: "وهو فارسي معرب"، ويقال: فيه سجل، كما قال الله عز وجل {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ}، وقد نطق القرآن العظيم بالرق فقال: {فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ}". إن مصطلح "الوراقة" اشتهر عند البعض أنه خاص ببيع الورق والكتب والصحف، ونحو ذلك، وقد عقد ابن خلدون في تاريخه (المقدمة) (1/532) الفصل الحادي والثلاثين في صناعة الوراقة، قال فيه: "... وجاءت صناعة الورّاقين المعانين للانتساخ والتّصحيح والتّجليد وسائر الأمور الكتبيّة والدّواوين واختصّت بالأمصار العظيمة العمران". قلت: وقد أخذ العلامة محمد المانوني بمفهوم ابن خلدون للوراقة، فلم يربط الوراقة بصناعة الورق فحسب، بل اعتبر الوراقة تشمل العناصر التالية: انتخاب الورق وتصنيعه، وتصنيع الكراريس، والنساخة، والزخرفة والنمنمة والتزويق والتذهيب، والتسفير والتجليد. أي أن الوراقة بالمفهوم الشامل هي جميع المراحل التي يمر بها المخطوط بدءًا من صناعة المادة التي يكتب عليها، وانتهاءً بالتسفير، بل ويشمل كذلك بيع الكتاب، ونحو ذلك، ولذلك نتحدث في هذا البحث عن هذه المفردات لمهن "الوراقة". · أقسام الوراقة: قام أ.د. الوليد بن فريان في كتابه "الوراقة في منطقة نجد" الوراقة إلى ثلاثة أقسام: · القسم الأول: الوراقة من جهة المقصود بها، وهي على أربعة أنواع: 1. الوراقة التجارية: يقوم الورّاق بنسخ الكتب وبيعها. 2. الوراقة الحرفية: وذلك بأن ينسخ الورّاق الكتب بالأجرة. 3. الوراقة التعليمية: أن يقوم العالم بنسخ كتبه بنفسه. 4. الوراقة الخيرية: أن يقوم العالم –أو الناسخ- بنسخ الكتب؛ ليوقفها على المكتبات والمساجد والأربطة ونحو ذلك. · القسم الثاني: الوراقة بالنظر إلى المشتغلين بها: 1. وراقة العلماء: وهي أرقى أنواع الوراقة؛ لما تميز به من الضبط والدقة. 2. وراقة طلاب العلم. 3. وراقة العامة. · القسم الثالثة: الوراقة بالنظر إلى المجال: 1. وراقة كتب العلوم الشرعية. 2. وراقة كتب النحو واللُّغة والأدب. 3. وراقة الكتب الحرفية: من صناعة وهندسة وفلاحة وطب ونحو ذلك. حوامل الكتابة في مهن الوراقة أولاً: البردي: موطنه الأصلي مصر، ووُجد في فلسطين (بصقلية)، ويسميه العرب: قرطاسًا أو ورق القصب. - تاريخه: 1. استخدم منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. 2. استخدم في جزيرة العرب قبل الإسلام بكثير. 3. استخدم في القرن الأول الهجري لما فتحت المناطق التي ينمو بها البردي. 4. استخدم في شكل كراسات ودفاتر في العصر العباسي الأول (132-136 ه). 5. ظل مستخدمًا إلى منتصف القرن الرابع الهجري، ثم توقفت صناعته عمليًّا في القرن الخامس الهجري، لما زاحمته صناعة الورق. ثانيًا: الرَّق (Parchment): هو جلد حيوان منتوف الشعر تتم معالجته مع تجفيقه وشدّه مما يجعله قابلاً للكتابة عليه. وأهم مميزاته إمكانية مسح الكتابة من علي وإعادة استخدامه مرة أخرى، ويتم ذلك بالغسل أو الكحت أو الكشط، ويسمّى الرّق الممسوح: "الطَّرس" وجمعه "طروس". ثالثًا: الورق (الكاغد) (Papers): · تاريخ صناعة الورق –الذي تعتمد عليه الوراقة-: لقد بدأ العرب تدوين مؤلفاتهم وإنتاج العلمي في شتى العلوم على أوعية بدائية مختلفة منها: جريد النخل اليابس والحجارة البيضاء، وأكتاف وأضلاع الإبل والأغنام، والجلود، والقماش الأبيض، وورق البردي الذي حظي بشهرة كبيرة في العصر العباسي، وكان أكثر تلك الأدوات استعمالاً. وقد دوِّن القرآن في التدوين الأول الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم على بعض هذه الأوعية. المشهور أن تاريخ ظهور الورق كمنافس للبردي في بلاد الإسلام بدأ في حدود عام 133ﻫ، أي بعد فتح العرب لمدينة فرغانة حينما انتصر المسلمون على حاكم كوشا الصيني في فتوح سمرقند؛ حيث عادوا بعشرين ألف أسير، بينهم بعض الصينيين الذين يتقنون صناعة الورق، وكُلِّف هؤلاء الأسرى بإقامة مطابخ لصناعة الورق في سمرقند. وقد ذكر هذا المستشرق ستانوود كب: "أن العرب قد تعرضوا في سمرقند الواقعة على الشمال من الهند مباشرة لهجوم الصينيين عام 134 ﻫ/ 751 م، وفي أثناء صد هذا الهجوم بنجاح وقعت يد الحاكم العربي على أول قطعة من الورق أتيح لها أن تجد طريقها إلى الغرب من الصين حيث جاء اختراع الورق هناك قبل زمن المسيح عليه السلام. وأقبل الحاكم العربي في لهفة على استقصاء الأمر من أسرى المعركة، فعلم أن من بينهم من يحذق هذه الصناعة، فأرسل هؤلاء الصناع إلى فارس ومصر؛ ليضطلعوا بتعليم فن صناعة الورق من الكتان والخرق والألياف النباتية، وربما جاء اهتمام العالم العربي بصناعة الورق على صورة غير عادية نتيجة لسابق معرفته بالبردي المصري Papyrus الذي كان قد أخذ يحل محل الرّق Parchment الباهظ الثمن، وكانت صناعة الورق البردي تكاد تكون متشابهة، ولكن الورق أفضل كثيراً بالنسبة للطباعة". قلت: لكن ذهب شمس الدين محمد السحماوي في كتابه "الثغر الباسم في صناعة الكاتب والكاتم" (2/547) (ط دار الكتب والوثائق القومية/ مراجعة أ. حسين نصار) نقلاً عن المدائني إلى أن أول من استعمل الورق في الإسلام: الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لما ولي الخلافة؛ حيث قال: "فاستعمل الورق في ديوان الإنشاء امتيازًا لديوان الخلافة على غيره، كما قاله المدائني"، ثم قال: "وجرى الأمر على ذلك إلى زمن الرشيد فكثُر الورق، فأمر ألاَّ يكتب أحد إلا في الكاغد؛ لأن الجلود ونحوها، تقبل المحو والإعادة بخلاف الورق فإنه يظهر فيه الكشط، ثم انتشر بعد ذلك الورق بسائر الأقطار". وذهب ابن خلدون كما في مقدمة تاريخه "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العجم والبربر، ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر" (1/352/ط بولاق) إلى أنهم في أول الأمر اقتصروا على كتابة الرسائل السلطانية والإقطاعات والصكوك في الرِّقوق المهيئة بالصناعة من الجلد تشريفًا للمكتوبات وميلاً بها إلى الصحة والإتقان، ثم لما كثُرت الرسائل والصكوك وضاق الرق عن ذلك؛ أشار الفضل بن يحيى البرمكي على الرشيد بصناعة الكاغد –أي الورق-، فتم تصنيعه، وأسَّس الفضل بْن يَحْيَى عام عام (178هـ) م أول مصنع للورق في بغداد في عهد هارون الرشيد، وكان الفضل أخًا لهارون من الرضاعة، وقد وُلِد بعده بسبعة أيام. ومنذ ذلك الحين أسهم ظهور الورق مساهمة فعالة في ازدهار حركة التأليف والكتابة لسهولة تداول المخطوط الورقي بين الناس، بل ساهم في حركة الترجمة الضخمة التي قام بها المسلمون لعلوم الحضارات القديمة كالفارسية والهندية واليونانية إلى اللغة العربية. وأسِّس أول مصنع للورق بالفسطاط في مصر منذ بداية القرن الثالث الهجري. والقيروان عرفت صناعة الورق في القرن الرابع الهجري. والأندلس عرفت صناعة الورق في القرن الخامس الهجري، وشيِّدت المصانع له هناك. ودمشق عرفت صناعة الورق في القرن السادس الهجري، واشتهر ورقها أكثر من الورق المصري. العثمانيون عرفوا صناعة الورق في القرن التاسع الهجري باستانبول. واستخدمت الأوراق الأوربية ذات العلامة المائية في منتصف القرن الثامن الهجري، ومنذ عام 957 هـ لا تجد ورقًا غير ذي علامة مائية، فقد استسلم الورق الآخر أمامه خاصة "الورق البندقي" ذو علامة الهلب. واستمر إنتاج الورق غير ذي العلامة المائية في الشرق إلى مطلع القرن الرابع عشر. ومن ثَمّ انتشرت الصناعة بسرعة فائقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فدخلت سوريا ومصر وشمال إفريقيا وأسبانيا، وتحسنت الصناعة تحسناً ملموساً بسرعة كبيرة وأنتجت المصانع أنواعاً ممتازة من الورق. · مراحل صناعة الورق في "مهن الوراقة": • جمع الخرق البالية في القدور. • صب محلول قوي من الماء المستخلص من رماد الخشب. • غلي الخليط بشدة. • تغسل الخرق جيدًا. • تدق فوق صخرة حتى تتحول إلى عجينة طرية. • شعشعة العجين بصب الماء. • يصب السائل في مصفاة لتكوين طبقة متماسكة من الألياف . • تؤخذ الفرخة من داخل المصفاة ونشر تحت أشعة الشمس. ويقول "ول ديورانت": وكان إدخال هذا الاختراع سبباً في انتشار الكتب في كل مكان، ويدلنا اليعقوبي (م 891) أنه كان في زمانه أكثر من مائة بائع للكتب (وراق) في بغداد، وأن محلاتهم كانت مراكز للنسخ وللخطاطين والمنتديات الأدبية، وكان كثير من طلاب العلم يكسبون عيشهم عن طريق نسخ المخطوطات وبيعها للوراقين -تجار الورق-، وألحق بأغلب الجوامع مكتبات عامة، وكان يوجد في بعض المدن مكتبات تضم كتباً قيمة، يباح الإطلاع عليها للجميع. أما المكتبات الخاصة فكانت لا تحصى، ولقد رفض أحد الأطباء دعوة سلطان بخارى للإقامة ببلاطه؛ لأنه يحتاج إلى أربعمائة بعير لنقل مكتبته، وربما ملك الصاحب بن عباد في القرن العاشر كمية من الكتب تقدر بما كان في مكتبات أوربا مجتمعه، وبلغ الإسلام في ذلك الوقت أوج حياته الثقافية. ومع بداية القرن الرابع الهجري أصبحت المكتبات العربية والخزانات تعج بالمخطوطات والكتب التي تبحث في كافة العلوم والآداب، ولقد كانت زيادة أعداد هذه النسخ من المخطوطات تعتمد على فئة "الوراقين "الذين انتشرت دكاكينهم في كافة أنحاء الدولة العربية الإسلامية، وكان هؤلاء ينسخون آلاف المخطوطات، ولولا وجود "الوراقين" ما كانت المخطوطات العربية بهذه الكثرة. ولم تكن تلك الكتب التي تنسخ رخيصة الثمن، فقد تقاضى ابن الهيثم عالم البصريات المشهور - مثلاً - 75 درهماً أجرًا لنسخ مجلد من مجلدات إقليدس، وقد عاش منه ابن الهيثم ستة أشهر، ولقد ترك ابن الجزار - الطبيب والرحالة القيرواني - عند وفاته 250 طنًّا من لفائف جلد الغزال التي كتبها بنفسه، وعرف الناس عند وفاة أحد العلماء أنه قد ترك 600 صندوق متخمًا بالكتب في كل فروع العلم، وأن كل صندوق منها بلغ من الثقل حداً جعل عدداً من الرجال يعجزون عن نقله إلى خارج المنْزِل. وانتشر منتجو الورق بطواحينهم في سمرقند وبغداد ودمشق وطرابلس وفي فلسطين والأندلس، وتبعهم المجلدون متأثرين بفن التجليد الصيني، وكان المخطوط يعتمد اعتماداً كبيراً في إخراجه النهائي على الورّاق، ولقد كان المخطوط ينطوي على التذهيب والتجليد والتلوين إضافة إلى النسخ الذي هو عمل "الوراق" الأساس. · النساخة: النساخة على نوعين: نساخة فردية – نساخة جماعية. - وتمر النساخة بأربع مراحل هي: قراءة النص، وحفظه، والإملاء الداخلي، وتنفيذ عملية الكتابة. - تقليد النسخ. - المقابلة: قال القاضي عياض في كتابه: "الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع" (159): "فَلْيُقَابِلْ نُسْخَتَهُ مِنَ الْأَصْلِ بِنَفْسِهِ حَرْفًا حَرْفًا حَتَّى يَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ وَيَقِينٍ مِنْ مُعَارَضَتِهَا بِهِ وَمُطَابَقَتِهَا لَهُ، وَلَا يَنْخَدِعُ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى نَسْخِ الثِّقَةِ الْعَارِفِ دُونَ مُقَابَلَةٍ". · أماكن النسخ: 1. السكن الشخصي. 2. حانوت صغير في سوق الوارقة. 3. المكتبات (خزانات الكتب). 4. المدارس النظامية. 5. المساجد. 6. الزوايا، والنكايا، والخوانق. 7. القلاع والحصون العسكرية. · أشهر الخزانات التي كان يتم فيها النسخ: 1. خزانة كتب الفاطميين. 2. الخزانة الملكية في المغرب. · أشهر المدارس النظامية التي كان يتم فيها النسخ: 1. المدارس السلطانية بسمرقند. 2. المدارس السلطانية بأنقرة. 3. المدارس الرشيدية بأصبهان. · أهم المساجد التي كان يتم فيها النسخ: الجوامع الكبرى في دمشق وكربلاء، والأزهر بالقاهرة، وبعض جوامع الأندلس. وفي إحدى مخطوطات الموطأ ذكر الناسخ أنه كتبها في (المسجد الجامع بغرناطة ). · عملية النسخ فردية أو جماعية: كتاب" الوقاية " لمحبوب بن صدر الشريعة؛ نموذجًا لتعدُّد النساخ في العمل الواحد، فقد اشترك في نسخة (خمسة وعشرون) ناسخًا وذلك في عام (996ه). · (تعدّد كفاءات بعض النساخ ): 1. علي بن محمد المُجلِّد : كان نساخًا ومجلدًا. 2. الراوندي _ صاحب كتاب "راحة الصدور" _ كان خطَّاطاً تعلمَّ سبعين نوعًا من الخط، وكان ينسخ المصاحف ويعمل بالزخرفة وتجليد الكتب بإتقان. · مصطلحات أدوات الكتابة في أدبيات التراث: منها: الدواةُ ،والمِزْبر أو القلم -يصنع من البوص أو الخيرزان أو الخشب-، والسكينُ، والمرملة أو المتربة، والمنشأة، والمقلمة، والمُدية، والمِقط، والمحبرة، والمداد، والحبر، واللصاق أو النشا ،والمِنفذ، والمِلزمة ،والمِفرشة، والممسحة ،والمسقاة أو الماوردية، والليقة، والكُرسُف، والبِرْسُ، والطُّوطُ، والمسطرة، والمِصْقلةُ، والمُهْرَقُ، والمِسَنُّ، واللوحُ، والقرطاس، والصحيفة، والورق، والكاغد، والرق، والأديم ،والقضيم، والعسيب، والكُرنافة، والحجارة إلخ .. · أقلام الكتابة في "مهن الوراقة": أولاً: بري القلم: يقال: بريت القلم، وأبريه بريًا وبراية. قال الحسن بن وهب: يحتاج الكاتب إلى خلال منها: جودة بري القلم، وإطالة جلفته، وتحريف قَطته. "صبح الأعشى للقلقشندي (2/485)". روى بن بكار: قال: قال لي مصعب: رأيت صبيًّا خرج من الديوان فقلت له: أي الكتَّاب أكتب في ديوانكم؟ فقال: أجودهم بريًا للقلم. "طبقات الشعراء لابن المعتز (2/386)". محل براية القلم: من جهة نبات القصبة أي من أعلاها، إذا كانت قائمة على أصلها. قال أبو القاسم: إذا أخذ القلم ليبريه فلا يخلو من استقامة في البنية أو اعوجاج في الخلقة، فإن كان مستويًا في البنية، فليبريه من رأسه وهو من حيث استدق، وإن كان معوجًا فمن أسفله؛ لأن أسلفه أقل التواء من أعلاه. ثانيًا: قطُّ القلم: أصل القط: القطع والقد، والفرق بين القط والقد: أن القد القطع طولاً، والقط القطع عرضًا. والمِقط والمِقطة: بكسر الميم: ما يقط عليه القلم، وأما المَقط –بفتح الميم-: فالموضع الذي يقط من رأس القلم. قال ابن مقلة: "اعلم أن للقلم وجهًا وصدرًا وعرضًا، فأما وجهه من حيث تضع السكين وأنت تريد قطّه، وهو ما يلي لَحمة القلم، وأما صدره ما يلي قشرة القلم، وأما عرضه فهو نزولك فيه على تحريفه، وحرَّف القلم هو السنّ العليا، وهي اليمنى. صناعة الأمدة في "مهن الوراقة" معنى المداد: كل شيء يزيد بنفسه نقول له مدَّه يمده ..قال تعالى:{والبحر يمده من بعده سبعة أبحر} [لقمان 27]، وسمى بذلك؛ لأنه يمُد القلم أي يعينه، قال تعالى:{قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفِدَ البحر قبل أن تنفَد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف 109]. قال ابن قتية: هو من المداد لا الإمداد. والمداد في أصل اللّغة يطلق على كل ما أمددت به اللّيقة ليُكتَب به على أي لون كان. ويقال: هو –وهي- المداد؛ لأنه جمع "مدادة"، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، فإنه يذكّر ويؤنث، ويقال: مددت الدواة. وإن زاد الشيء بغيره أضفنا الألف نقول :أمددته بكذا وكذا قال تعالى: {وأمددناكم بأموال وبنينَ}، [الإسراء :6]، ويسمِّي الزيت الذي نمد به السراج مداد، قال الأخطل: رأتْ بارقات بالأكف كأنها مصابيحُ سُرجٍ أيِّدتْ بمدادِ - الحبر بصفته لونًا ينصرف في الثقافة العربية إلى الألوان الفاقعة، ويكون أكثر تطابقًا مع الأمدة الملونة. - المداد هو الحبر، ويذهب إلى ذلك كثيرون، وتعامل المراكشي مع المصطلحين بمعنى واحد الحبر اسم النوع المداد صفة. - المداد يحيل على الألوان والحبر على المداد الأسود؛ ويذهب هذا المذهب محمد المنوني رحمه الله، وعابد سليمان المِشْوَخِي. - اللِّيقة: مأخوذة من قولهم فلان ما تليق كفه درهمًا، أي لا يحبسه ولا يمسكه، سميت بذلك لإمساكها المداد. · مكونات الأمدة: - المعلقات الغروية: مثلا السِّناج ،والسُّخام ، والعفص ،والزاج. - مواد رابطة: الصمغ العربي. - محسنات: السكر للزيادة في اللزوجة، والشبة مادة حافظة، وأصفر الزرنيخ كبريت الصوديوم مضاد للأكسدة والتعفن، والكافور لتطييب الرائحة، والعسل للزيادة في اللزوجة والتطرية، والصَّبِر والملح للتطرية. · مكونات الحبر: العفص- الأثل – الصمغ العربي – الزاج – ورق الريحان – العَكر –رماد القراطيس المحروقة – بياض البيض – دخان خشب الصنوبر- ماء السماق- ماء البقّم –الشب-الكندر- شحم الحنظل- التمر الهندي- السكر-“الحبّار“- المسك-المُغْرة –اللك-أملاح المعادن –فحم الخشب-الكلس-الزجاج –أكسيد الرصاص -السِّناج أو الصناج-السخام-خرق الكتان-النفط- الفجل-قشور الجوز-الطباشير-العسل –الزئبق-الزنجفر-الزرنيخ الأصفر أو الرهج –الزنجار-النوشادر-البلوط- قشور الرمان –الملح –العُصفُر-الحِناء- الكُركُم- -الزعفران-الكافور-العلّيق أو التوت الأسود. والمكونات الأساسية للحبر ثلاثة: العفص – والصمغ- والزاج: العفص: هو كرات ورق البلوط معروفة منذ القدم عند العرب والفرس والهند، ذكره ابن سينا كثيرًا في كتابه: ”القانون في الطب"، ذكر منه القلَلَوْسي الشامي غير المثقوب والأملس الخفيف المثقوب والرومي. الزاج: مصطلح عام يقصد به أملاح حمض الكبريتيك..استعملها الكيميائيون العرب وميَّزوا بينها حسب الألوان .كان العرب يأخذونه من الحديد الصدئ.. (علم الاكتناه:320) الزاج الأخضر، والأصفر، والأبيض، والأحمر، والأزرق.. ذكر منه القللوسي الأنواع الآتية: نوع سريع التفتت، نوع صلب، نوع أخضر، الفارسي، لون اللازورد. أما باقي المواد فهي إضافات لأغراض معينة، منها: • الرائحة: المسك والزعفران. • التعفن : الصَّبِر. • الحفظ : الزرنيخ والكافور. · تركيبة الحبر العادي الأسود: - محلول الزاج: (ملح المعادن أو سلفات المعادن)، وفيه أنواع؛ القبرصي، والأبيض، والعراقي، والمصري، والأخضر، والسوري. - محلول العفص؛ والعفص يؤخذ من على شجر السنديان أو البلوط. - مسحوق السناج أو الصناج أو السخام أو مسحوق الفحم الناعم .. - ماء الصمغ العربي. · الغلو في التركيبات: - الإفراط في الصمغ يؤدي إلى التصاق الأوراق. - الإفراط في الزاج يؤدي إلى احتراق الكتابة. · أنواع المداد من حيث التحضير: 1. المطبوخ: يصلح المطبوخ للكاغد وحده حسب القلَلَوْسي والمنقوع يصلح للرق ..وذهب القلقشندي ت 806 هـ إلى أن المطبوخ يصلح للرق والورق، وإنما يتميز المدادان بنوعية التركيبات إذ يضاف للورق السخام أو الدخان .. 2. المداد المعصور: يذهب القلَلَوْسي إلى أنه يصلح للورق والرق. 3. المداد المنقوع: القلَلَوْسي يصلح للرق. · مكونات الأمدة على حسب الأنواع والألوان: 1- الأمدة الكربونية: تتكون من السِّناج، والصمغ العربي، والماء ،والخل .. (السناج للون، والصمغ مثبت، والماء أو الخل مذيب للسناج والصمغ )... سلبياته التأثر بالرطوبة وسهولة إزالته . 2- الأمدة المعدنية: تصنع من مسحوق المعادن ويضاف إليها الصمغ العربي أو زلال البيض، وتعرف المركبات المعدنية باسم الزاج . 3- الأحبار النباتية: استعملت متأخرة.. تستخلص من النباتات أو أزهارها.. لونها تبهت في المخطوطات . 4- المداد السري: كان يصنع بماء البصل ولم يكن يظهر في الأوراق إلا بعد تعرضها للحرارة.. تستعمل مرارة السلحفاة في صنع الحبر كتابته تقرأ ليلا ولا تقرأ نهارًا. 5-الأحبار الملونة. · ألوان الحبر: ذكر منها الدكتور عابد سليمان المشوخي الآتي: (ينظر:مجلة المعهد المجلد 55 ج 1 - 2011، م ص:146 ): - اللون الأسود: هو أكثر الأمدة استعمالاً، ويتدرج حسب حدته فهناك القاتم، والحالك، والحائك، والحلكوك، والحلبوب، والداجي، والدَّجوجي، والديجور، والأدهم، والمدهام (أورد ذلك القلقشندي في الصبح). - اللون الأبيض: يعمل من الرصاص الأبيض أو من الطباشير الرقيق. - اللون الأحمر: كان يستخرج من المواد الآتية :خشب البرزيل، قشور الرمان، الحامض، وقشور الجوز الأخضر، والإثمد، ودودة القز، وأم الدم .. - اللون الذهبي: يذهب (القلقشندي) إلى أن مداد الذهب هو محلول مكون من برادة الذهب والماء والصمغ وعصير الليمون . - اللون الأزرق: يؤخذ من حجر اللازورد. - اللون الأصفر: يؤخذ من أكسيد الرصاص الأصفر أو المغرة الصفراء. - اللون اللازورد: يؤخذ من اللازورد وهو معدن (حجر) يتخذ في أصله للحلي وأجوده الصافي الأزرق يضاف إلى ماء العفص ومح بيضة والعفص.. - اللون الأرجواني: يحصل عليه من صدف بعض السمك الأرجواني اللون أو من الكبريت أو الزِّرنيخ وهو عنصر كيميائي سام (الرهج). - اللون الوردي: يؤخذ من المُرْتكِّ وهو الرصاص،ويمزج بالزعفران والصمغ. من "مهن الوراقة": التسطير هو عنصر أساسي من عناصر الحفريات التقنية في مجال عمل المخطوطات. وهو مجموع الخطوط المرسومة على الصفحة لتحديد المساحة المكتوبة وتوجيه الكتابة، ولا يلزم أن ترسم بالحبر والمداد، بل 98% غير ظاهرة. ووحدة التسطير هو المسافة بين السطر والآخر في الصفحة، وفي أغلب المخطوطات تكون متناسقة. - من أنواع التسطير: 1. التسطير بالمنحت أو المخرز أو الأداة التي كانت تستعمل في عمل السطور: ووجد في القرون الأولى ما يدل على استعمال التسطير في المخطوطات التي بالخط الحجازي، وكان المنحت المستعمل يترك تجويفات في باطن الصفحة يسمى ثلمة ويترك ظهورًا بروزًا أو تحدبًا يسمى بالجذور. 2. التسطير بالطي: أي طي الورقات. "من مهن الوراقة": التسفير والتجليد · الصورة الأولى للتجليد: أن يوضع المخطوط بين لوحين خشبين مثقوبين في مكانين متباعدين من ناحية القاعدة، ويمر كل ثقب منها خيط رفيع من ليف النخيل بيدأ بأحد اللوحين ثم تخرز به صحفا المخطوط حتى ينفذ إلي اللوح الأخر، فيعقد؛ وقد أخذ العرب هذه الطريقة من الأحباش. · مشاهير المجلدين: ذكر ابن النديم في الفهرست سبعة منهم؛ على رأسهم (ابن أبي الحريش )كان مجلدًا في خزانة الحكمة للمأمون. · كيفية التجليد: يجمع المجلد الأوراق القديمة، ويلصقها ببعض لتكون في النهاية الكرتون، ثم يغلّف أحيانًا بالرّق، أو الورق، أو القماش. · والتسفير كما يشرحه الإشبيلي يتكون من المراحل الآتية: التحزيم: بعد أن تلزم الكراريس وتطرق تحزم بالحرير إذا كانت رقًّا. التقفية: صناعة القفا – التسوية – الحبك - التبطين – البشر. · أحوال وطرائف الورّاقين: قال الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1/257): حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ تَوْبَةَ الْأَدِيبُ، قَالَ: "خَاصَمَ بَعْضُ الْوَرَّاقِينَ امْرَأَتَهُ فَدَعَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: أَبْلَاكَ اللَّهُ بِقَلَمٍ حَفِيٍّ، وَسِكِّينٍ صَدِيٍّ، وَوَرَقٍ رَدِيٍّ، وَنَوْمٍ نَدِيٍّ، وَسِرَاجٍ يَنْطَفِي". أسماء الورّاقين والخطّاطين والنُّسَاخ اعلم أن كبار الخطّاطين للخط العربي المنسوب هم: 1. الأخوان ابنا مقلة: أبو علي محمد بن علي بن مقلة (ت 328 هـ)، وأبو عبدالله الحسن بن علي بن مقلة (ت 338 هـ). 2. أبو الحسن علي بن هلال البغدادي الكاتب المعروف بـ"ابن البوّاب" (ت 423 هـ). 3. آخر الخطَّاطين البغداديين الذين أثَّروا في تطور الخط العربي: جمال الدين ياقوت بن عبدالله المستعصمي الرومي (ت 698 هـ). تتلمذ عليه ستَّة صاروا أساتذة لمن بعدهم في زمن: التيموريين، والصفويين والعثمانيين، وهم: 1- أحمد السهروردي. 2- محمد بن حيدر الحسيني. 3- مبارك شاه بن قطب. 4- عبدالله الصيرفي. 5- أرغون الكاملي. 6- بير يحيى الصوفي. 4. بعد سقوط بغداد في العزو المغولي؛ صارت القاهرة المركز في الخط حتى نهاية القرن التاسع. 5. أشهر الخطّاطين في العصر المملوكي: ابن الوحيد الكاتب (ت 711هـ). 6. عبدالرحمن بن يوسف الصائغ (ت 845 هـ). 7. محمد بن الحسن بن محمد الطِّيبي (القرن العاشر) –صاحب كتاب "جامع محاسن كتابة الكتّاب ونزهة أولي البصائر والألباب على طريقة ابن البوَّاب". وأورد ابن الزيات نماذج للنَّسَخة الذين اغتنوا بالنساخة حتى إن بعض القضاة تمنوا لو اقتصروا على الوراقة ص 3. ويخبرنا مؤلف تاريخ قرطبة نقلاً عن المدخل ص:288 «أنه كانت توجد في الربض الشرقي للمدينة مائة وسبعون امرأة ينسخن المصاحف بالخط الكوفي». وقد فرّق العلماء بين الخطّاط والحرفي المستكتب أو النّساخ. الخطّاط هو الذي يتوخى الأبعاد الهندسية والفنية للخط. والحرفي المستكتب أو النّساخ: هو الذي ينجز عمل النساخة تحت الطلب. · نماذج من أسماء الورّاقين –الذين امتهنوا مهن الوراقة- عبر القرون: (المصدر: "الوراقة وأشهر أسماء الورَّاقين، تأليف: علي إبراهيم نملة). 1. إبراهيم بن أحمد أبو إسحاق المستملي (ت 376ه). 2. إبراهيم بن أحمد الأبزاري أبو إسحاق (ت 364ه). 3. إبراهيم بن إسحاق الحربي أبو إسحاق (ت 285ه). 4. إبراهيم بن أسعد الموصلي فخر الدين أبو إسحاق (ت؟). 5. إبراهيم بن سعيد الحبال (ت؟). 6. إبراهيم بن القاسم أبو إسحاق (ت بعد 417ه). 7. إبراهيم بن محمد بن سالم البغدادي عز الدين أبو إسحاق (ت بعد 656ه). 8. أبو زيد بن الخليفة الموحدي (ت بعد 712ه). 9. وراق محمد بن عبد الله المصري أبو العباس ( ت حول 339ه). 10. أحمد بن أحمد الدقاق الناسخ أبو طاهر (ت 470ه). 11. أحمد بن جعفر الوراق أبو العباس (ت؟). 12. أحمد بن الحسين الوراق (ت؟). 13. أحمد بن أبي غالب الوراق (ت 548ه). 14. أحمد بن العباس الوراق أبو العباس (ت؟). 15. أحمد بن عبد الله الفاسي أبو العباس (ت 650ه). 16. أحمد بن عبد الله أبو بكر الدوري الوراق (ت 379ه). 17. أحمد بن عبد الله الأسعردي قوام الدين أبو نصر (ت 581ه). 18. أحمد بن عبد الله بن عبدك العدسي الوراق (ت؟). 19. أحمد بن علي بن أحمد الصنهاجي (ت بعد 720ه). 20. أحمد بن عيسى بن خلف البغدادي أبو بكر الوراق (ت؟). 21. الحسن بن عبدالله المرزباني، أبو سعيد السيرافي النحوي (ت 368 ه). 22. الحسن بن علي بن الحسن بن عبدالله بن مُقلة، أبو عبدالله (338 ه). 23. الحسين بن أحمد بن فرج بن راشد المدني، البغدادي، قوام الدين، أبو محمد (598 ه). 24. حسين بن محمد بن أحمد الغساني، أبو علي (498 ه). 25. الحسين بن يوسف الصنهاجي الشاطبي الكتبي الناسخ، أبو علي (673 ه). 26. حمدان بن إبراهيم الورّاق، المعروف بابن نيطرا، العاقولي (ت 299 ه). 27. خلف بن محمد بن باز، القرطبي الوراق، أبو القاسم (437 ه). 28. سعيد بن الحسن بن شداد المسمعي الوراق الناجم، أبو عثمان (ت 314 ه). 29. سلمة بن عاصم، أبو محمد النحوي، وراق الفرَّاء (ت ؟). 30. شجاع بن جعفر البغدادي، أبو الفوارس (ت 353 ه). 31. العباس بن غالب الهمذاني، الورّاق (ت 233 ه). 32. عبدالحميد بن حبيب بن أبي العشرين (ت ؟). 33. عبدالرحمن بن محمد بن عباس، المعروف بابن الحصّار الطُّلَيطلي (ت 438 ه). 34. عبدالرزاق بن أحمد بن محمد، أبو الفضل، ابن الفوطي، ابن الصابوني (ت 723 ه). 35. عبدالله بن محمد بن أبي الجوع، الأديب الورّاق المصري (ت 395 ه). وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري عصر الإثنين 15 رجب 1439 هـ
  19. عبد الأعلى المصري

    الإيثار والنجدة والشهامة .. سمات الرجولة

    الإيثار والنجدة والشهامة .. سمات الرجولة بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه؛ أما بعد، فإن سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان قد ضربوا أروع الأمثلة في الإيثار والنجدة والشهامة التي هي سمات الرجولة. قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وبوَّب البخاري في كتاب مناقب الأنصار: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]، وأخرج تحته حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]. وأخرجه مسلم (2054) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مختصرًا: "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ، وَأَطْفِئِ السِّرَاجَ، وَقَرِّبِي لِلضَّيْفِ مَا عِنْدَكِ"، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. وأخرج البخاري (3781)، ومسلم (1427) من حديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالاً، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ، وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَهْيَمْ». قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟». قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» -واللفظ للبخاري-. وأخرج البخاري (3782) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ، قَالَ: «لاَ» قَالَ: «يَكْفُونَنَا المَئُونَةَ وَيُشْرِكُونَنَا فِي التَّمْرِ» قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. ولذلك حقَّ للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقول: «لَوْ أَنَّ الأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ فِي وَادِي الأَنْصَارِ، وَلَوْلاَ الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ»، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «مَا ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي، آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ، أَوْ كَلِمَةً أُخْرَى». فقد ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار والنجدة والشهامة، وحقَّقوا معاني الأخوة الصادقة مع المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين. وقد استوقفني في الآونة القريبة ثلاث حوادث تتمثل فيها معاني الإيثار والنجدة والشهامة في أروع صورها في زماننا المعاصر: الحادث الأول: قيام هذا الرجل الشهم –إبراهيم القللي- والذي يعمل مزارعًا في جازان- بإنقاذ عشرة من المرضى منهم نساء وأطفال من مستشفى جيزان لما دبَّ فيها الحريق، ولقي ربَّه وهو يحاول إنقاذ روح أخرى بعد العاشرة، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}. وقد أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز –حفظه الله- بمنحه وسام الملك عبدالعزيز –رحمه الله- من الدرجة الأولى ومنح أسرته مليون ريالاً مكافأة على إيثاره وشهامته ورجولته. والحادث الثاني: قصة مقتل الجندي الشهم (علي بن علي) –أحد جنود الصاعقة المصرية- حيث شارك في إحدى العمليات القتالية ضد الخوارج، ولما وجَّه العدو رشاشًا آليًا متعدّد الطلقات صوب إخوانه في الكتيبة، أعطى ظهره لهذه الطلقات؛ كي يفدي بها إخوانه، فأخذ في ظهره ما يقرب من خمسين طلقة نارية. والحادث الثالث: قصة الجندي المصري الشجاع الذي صعد بدبابته فوق سيارة مفخخة قبل أن تنفجر كي يحمي عشرات المسلمين المتواجدين في المنطقة من الموت. فهل بعد هذا الإيثار من إيثار؟! ونحن وإن كنا لا نجزم لأحد بالشهادة، فالله أعلم بنياتهم وخواتيمهم، لكن لنا ظاهر العمل الذي دلّ على شهامة وإيثار ونجدة يضرب بها المثل، قلَّ أن توجد في هذا الزمان. فهؤلاء ثلاثة من عامّة المسلمين –ليسوا بدعاة ولا طلبة علم- ضربوا أروع الأمثلة في النجدة والإيثار والشهامة.. كانوا رجالاً -نحسبهم حقَّقوا معاني الرجولة، ولا نزكيهم على الله-، وقد يكونون أصحاب معصية وتقصير وجهل في بعض الجوانب، لكن أعمالهم العظيمة التي خُتِم لهم بها نرجو أن تكون كفَّارة لذنوبهم، ونسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء. ولذا فإني أوجه ندائي إلى إخواننا أن يتلمسوا هذه المعاني الجليلة من الإيثار والنجدة والشهامة، وأن يسعوا جاهدين أن يحقِّقوها في واقعهم، وأن ينبذوا الاختلافات فيما بينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وأن يسعوا إلى إصلاح ذات البين، فإن لحظات العمر أغلى من أن تهدر في هذه المنازعات والخصومات التي كان يتجنبها سلفنا الصالح، ويحذِّرون من الدخول فيها، وإن الدنيا قصيرة، فاخرج منها –إن استطعت- كفافًا لا تحمل أوزارًا يثقل ظهرك عن حملها، والق ربّك خفيف المحمل لا يطالبك أحد بشيء. وتأمل ما قاله الشيخ مقبل الوادعي –رحمه الله- في "المخرج من الفتنة" (ص ٨-٩): "إنَّنا لسنا نستغرب اختلاف الملوك والرؤساء؛ لأنَّهم أصحاب دنيا. ولكن الذي يجرح القلب هو اختلاف الدعاة إلى الله، ويحقِّقون ما يريده أعداؤهم من الفرقة". وأوجه هذه الأسئلة إلى المتنازعين: تخيل نفسك مع إخوانك -الذين لا تفتأ عن منابذتهم- في هذه المستشفى التي وقع بها الحريق، هل تصنع صنيع هذا المزارع البسيط وتفدي إخوانك والآخرين؟! أو تخيل نفسك مع إخوانك في كتيبة واحدة في جهاد الأعداء من اليهود أو الروافض أو الخوارج، ففوجئتَ بأحد هؤلاء المجرمين يصوب السلاح الآلي المتعدد الطلقات كي يحصد إخوانك جميعًا، هل تصنع صنيع هذا الجندي الشهم، فتجعل ظهرك حاميًا لإخوانك أم تفر وتتركهم؟! أو تخيل نفسك في موقع واحد مع إخوانك، ومعك هذه الدبَّابة، وشعرت بهذه السيارة المفخخة التي إن انفجرت قتلت إخوانك جميعًا، هل تصنع صنيع هذا الجندي الشهم فتتقدم تقدم الأسود كي تحمي إخوانك من هذه المصير؟! أسئلة تحتاج إجابتها إلى وقفة صادقة مع النفس، وتجرد لله عز وجل لا تحابي فيها نفسك، بل تحاسبها، واعلم أنك مسئول عن إجابتك بين يدي عليم خبير {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}. أيها الأفاضل، أنتم أعلم مني بغربة السلفيين في العالم أجمع، وأعلم بقلتهم وضعفهم، فلمَ نزيد هذه الغربة غربة والضعف ضعفًا بهذا التشرذم والشقاق والتحريش، ونحقق مراد الشيطان فينا، كما في حديث جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ». وأنتم أدرى مني بالمرحلة الدقيقة التي تمر بها بلاد الإسلام كافَّة، فإن الأعداء من الرافضة واليهود والنصارى وأهل الأهواء قاطبة يتربصون بنا من كل حدب وصوب، يغتنمون الفرصة تلو الفرصة؛ كي يمزقونا تمزيقًا، فهل نكون نحن أداة لهذا التمزيق، ونشمت بنا الأعداء، أم نتكاتف أكثر وأكثر من أجل أن نكون صمام أمن للمجتمع؟! إخواني على الصغير أن يحترم الكبير، وعلى اللاحق أن يعرف للسابق حقَّه وقدره ! ووالله إن جرأة الصغار على الكبار –ولو أخطأ الكبير- تؤدي إلى شرٍّ عظيم وفساد في الأرض كبير. أخي لا يكون هدفك أن ينتشر الحق على يديك أنت، بل أن ينتشر في الآفاق ولو على يدي غيرك –ولو لم يُنسَب إليك شيء منه-، ورحم الله الشافعي لما قال: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ، وَمَا فِي قَلْبِي مِنْ عِلْمٍ، إِلا وَدِدْتُ أَنَّهُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ، وَلا يُنْسَبُ إِلَيَّ». وعن الرَّبِيع، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ -وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَذَكَرَ مَا وَضَعَ مِنْ كُتُبِهِ- فَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ تَعْلَمُهُ، وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ أَبَدًا. وعن حَرْمَلَة بْنُ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ، يَقْولُ: «وَدِدْتُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ أَعْلَمُهُ تَعَلَّمُهُ النَّاسُ أُوَجَرُ عَلَيْهِ، وَلا يَحْمَدُونِي». إخواني.. السلفيون خيار الناس، فعليهم أن يقدّموا الأسوة الحسنة في كل مواقفهم لعامة المسلمين، خاصة عند اختلافهم. فالواجب علينا أن نقدِّم نموذجًا صالحًا يُقتدى به، وأن نربي عليه أولادنا وأولاد المسلمين؛ كي ينشأ جيل صالح يحمل هذه الدعوة بعدنا. وأقول: {يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري عصر الأربعاء 10 رجب 1439 هـ
  20. بسم الله الرحمن الرحيم منهج الشيخ عبدالسلام بن محمد بن هارون –رحمه الله تعالى- في صنع الفهارس والكشَّافات من خلال تحقيقه لهذه الكتب 1. "الكتاب" لسيبويه (أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر) (ت 183 هـ) (ط مكتبة الخانجي). 2. "مقاييس اللُّغة"، لأبي زكريا أحمد بن فارس (ط دار عالم الكتب). 3. "مجالس العلماء" لأبي القاسم عبدالرحمن بن إسحاق الزّجاجي (ت 340 ه) (ط مكتبة الخانجي – دار الرفاعي بالرياض). 4. "المصون في الأدب" لأبي أحمد بن عبدالله العسكري (ت 382 ه). (ط مكتبة الخانجي – دار الرفاعي بالرياض). 5. "المفضليَّات"، للمفضل بن محمد بن يعلى الضَّبِّي (وشاركه في تحقيقه: المحدِّث أحمد شاكر –رحمه الله-) (ط دار المعارف) المكوّنات *المنهج العام للشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- في صنع الفهارس* · عناوين الفهارس العامة المشتركة بين الكتب الخمسة. · عناوين الفهارس الواردة في "المفضَّليات"، ولم ترد في الكتب الأخرى. · عناوين الفهارس الواردة في كتاب "مجالس العلماء"، ولم ترد في الكتب الأخرى. · عناوين الفهارس الواردة في كتاب "الكتاب" لسيبويه، ولم ترد في الكتب الأخرى. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المصون في الأدب" عن فهارس الكتب الأخرى. · الاختلافات الواردة في فهارس "مقاييس اللُّغة" عن فهارس الكتب الأخرى. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المفضّليَات" عن فهارس الكتب الأخرى. *منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس* · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "الكتاب" لسيبويه. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مجالس العلماء" لأبي القاسم الزجاجي. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مقاييس اللغة" لابن فارس. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المفضَّليات" للمفضَّل الضَّبِّي. · منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المصُون في الأدب" للعسكري. *منهجه –رحمه الله- في ترتيب كل فهرس على حدة* · منهجه –رحمه الله- في فهرست آيات كتاب الله عز وجل. · منهجه في فَهرَست الأحاديث والآثار والأخبار. · منهجه –رحمه الله- في فهرست الأعلام وأسماء البلدان والقبائل. · منهجه –رحمه الله- في فهرست الأشعار. *المنهج العام للشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- في صنع الفهارس* بسم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أمابعد، فقد أبان الشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- عن منهجه العام في صنع الفهارس من خلال كتابه "تحقيق النصوص ونشرها"، ثم فصَّل في بيان منهجه في كل فهرس على حدة. قال –رحمه الله- في كتابه "تحقيق النصوص ونشرها" (ص92/الطبعة السابعة) بعد أن ذكر مكملات التحقيق: "وللفهارس المقام الأول بين هذه المكملات، إذ بدونها تكون دراسة الكتب -ولا سيما القديمة منها- عسيرة كل العسر، فالفهارس تفتش ما في باطنها من خفيات يصعب التهدِّي إليها، كما أنها معيار توزن به صحة نصوصها، بمقابلة ما فيها من نظائر قد تكشف عن خطأ المحقِّق أو سهوه". وقال في (ص93) بعد أن ذكر تجاربه في ابتداع فهارس لبعض الكتب التي حقَّقها، وهي: "الحيوان"، و"البيان والتبيين"، و"مقاييس اللُّغة"، و"المفضّليات": "...وابتدع الأستاذ محب الدين الخطيب في نشر كتاب "الميسر والقداح": "فهرس ما في متن الكتاب من لُغات الميسر والقداح وصفاتهما وأدواتهما". كما صنع الأب أنستاس ماري الكرملي في نشر "الإكليل" فهرس المعمِّرين، والفهرس العمراني. وله فهارس أخرى طريفة في نشر "نخب الذخائر". وكذلك ابتدع الأستاذ محمد عبد الغني حسن في نشر "حلية الفرسان" 11 فهرسا تتعلق بالخيل. وصنع الأستاذ كوركيس عواد في نشر "الديارات للشابستي" فهرسا عمرانيًّا طريفًا. ولغير هؤلاء من إخواننا المحقِّقين العرب جهود أخرى موفَّقة في الفهارس قد يضيق بسردها هذه المقام. وإنما ذكرت هذا كله لأسجل هذه الاتجاهات العلمية الحديثة التي تحاول أن تبحث الكنوز وتقلبها المرة تلو المرة، لتعثر على ما يفيد العلم والتاريخ الحضاري. وأكثرت من عرض ذلك أيضًا لأقول: إن لكل كتاب منهجًا خاصًّا في فهرسته دون التقيد بالطرق العامة للفهارس، وهي الطرق التقليدية القديمة، أي التي كانت حديثة بالأمس، إذ إن الفهارس ما وضعت إلا لتمكين القارئ من أن ينتفع بالكتاب غاية الانتفاع". وقال –رحمه الله- (ص95-97) في بيان طريقته في ترتيب الفهارس: ويشمل: أ- ترتيب كل فهرس في نطاقه نفسه. ب- ترتيبه مع غيره من الفهارس. أ‌- أما الأول: فمن اليسير أن نجري هذا الترتيب بوساطة صنع مجموعات مرتبة على الثواني ثم الثوالث وهكذا، وينضبط هذا العمل باستعمال "صندوق الجذاذات". قلت: ثم أخذ يفصِّل عن منهجه في ترتيب كل فهرس على حدة، وسيأتي –إن شاء الله- ذكر هذا في موضعه، إلى أن ذكر في نهاية الكلام منهجه في ترتيبه مع غيره من الفهارس. ب‌- وأما ترتيب الفهرس مع غيره من الفهارس فإن المنهج المنطقي يقتضي تقديم أهم الفهارس وأشدَّها مساسًا بموضوع الكتاب، فإن كان الكتاب كتاب تراجم وتاريخ قدَّم فيه فهارس الأعلام، أو كتاب أمثال قدَّم فهرس الأمثال، أو قبائل قدَّم فهرس القبائل وهكذا، ثم تساق بعده سائر الفهارس مرتبة حسب ترتيبها المألوف.اهـ قلت: وقبل أن أناقش منهجه التفصيلي في كل فهرس على حدة، أناقش منهجه في ترتيب الفهرس مع غيره، وهل التزم –رحمه الله- بالفعل بهذا الترتيب أما لا؟ فأقول: ابتداءً نسرد عناوين الفهارس العامة المشتركة بين الكتب الخمسة –بغض النظر عن الترتيب-: 1. فهرس القرآن الكريم. 2. فهرس الأحاديث. 3. فهرس اللُّغة. 4. فهرس الأشعار. 5. فهرس الأرجاز. 6. فهرس الأمثال. 7. فهرس الأعلام. 8. فهرس الكتب. - أما عن فهارس "القبائل"، و"البلدان"، هكذا عنون لها في فهارس "مقاييس اللّغة"، وعبَّر عنها في "الكتاب" لسيبويه، و"مجالس العلماء"، و"المفضّليات" بقوله: - فهرس القبائل والطوائف. - فهرس البلدان والمواضع. * عناوين الفهارس الواردة في "المفضَّليات"، ولم ترد في الكتب الأخرى: - فهرس الشعراء. - فهرس القوافي. - فهرس الحروف التي لم تذكر في المعاجم. - الفهرس الفني: أ- الأوصاف. ب- التشبيهات. ج- الفخر. د- المعاني العامة. * عناوين الفهارس الواردة في كتاب "مجالس العلماء"، ولم ترد في الكتب الأخرى: - فهرس مسائل العربية. - فهرس مجالس الكتاب. - فهرس مسائل الكتاب. - فهرس الكتب التي ورد ذكرها في الكتاب. · عناوين الفهارس الواردة في كتاب "الكتاب" لسيبويه، ولم ترد في الكتب الأخرى: - فهرس الأساليب والنماذج النحوية. - فهرس الألفاظ المفسَّرة في الحواشي. - فهرس المقدمة وأبواب الكتاب حسب ورودها. - فهرس مسائل النحو والصرف. - فهرس المقابلة بين صفحات نسحة بولاق ونسختنا هذه. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المصون في الأدب" عن فهارس الكتب الأخرى: - فهرس الحديث (هنا "الحديث" بدلا من "الأحاديث"). - فهرس الأعلام والقبائل والطوائف (هنا جمع بين الأعلام والقبائل والطوائف)، وأم الكتب الأخرى فقد فصَلَ فهرس الأعلام عن فهرس القبائل والطوائف، وأحيانًا لا يذكر الطوائف. - فهرس الأبواب والفصول. (جمع بين الأبواب والفصول). · الاختلافات الواردة في فهارس "مقاييس اللُّغة" عن فهارس الكتب الأخرى: قسَّم فهرس اللُّغة إلى ثلاثة أقسام: 1. ما ورد من الألفاظ اللّغوية في غير مادته. 2. الألفاظ غير العربية. 3. ما فات المعاجم المتداولة أو انفرد به ابن فارس. · الاختلافات الواردة في فهارس كتاب "المفضّليَات" عن فهارس الكتب الأخرى: أولاً: في فهرس "أسماء الشعراء"، و"القوافي" تم العزو إلى رقم القصيدة لا إلى رقم الصفحة. وفي فهارس "اللُّغة"، و"الحروف التي لم تذكر في المعاجم"، و"الفهرس الفني" تم العزو إلى رقم القصيدة، ورقم البيت. ثانيًا: الفهرس الفني كان فريدًا من نوعه بين الفهارس كما جاء في التعليق على "الفهرس الفني": "هذه الفهارس التحليلية المبتكرة، هي في صميم فنون الشعر، إذ ترشد القارئ إلى مواضع المعاني التي بها يتفاضل الشعراء في البلاغة والإبانة، وهي المعاني التي يكون بها الشعر شعرًا، وقد صنّفت إلى أربعة أصناف: الأوصاف، والتشبيهات، والفخر، ثم سائر المعاني العامة، ولن تجد لهذه الفهارس مثيلاً في كتاب من قبل".اهـ *منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس* وإليك منهجه في ترتيب الفهرس مع غيره: · أولاً: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "الكتاب" لسيبويه: 1. شواهد القرآن الكريم. 2. الحديث. 3. الأمثال. 4. الأساليب والنماذج النحوية. 5. الأشعار. 6. الأرجاز. 7. اللُّغة. 8. الألفاظ المفسرة في الحواشي. 9. الأعلام. 10. القبائل والطوائف ونحوها. 11. البلدان والمواضع ونحوها. 12. المقدمة وأبواب الكتاب حسب ورودها. 13. مسائل النحو والصرف. 14. المقابلة بين صفحات نسخة بولاق ونسختنا هذه. 15. مراجع الشرح والتحقيق. • ثانيًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مجالس العلماء" لأبي القاسم الزجاجي: 1. فهرس القرآن الكريم. 2. فهرس الحديث. 3. فهرس الأمثال. 4. فهرس الأشعار. 5. فهرس الأرجاز. 6. فهرس الأعلام. 7. فهرس القبائل والطوائف ونحوها. 8. فهرس البلدان والمواضع ونحوها. 9. فهرس اللُّغة. 10. مسائل العربية. 11. مجالس الكتاب. 12. مسائل الكتاب. 13. الكتب التي ورد ذكرها في الكتاب. 14. مراجع الشرح والتحقيق. • ثالثًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "مقاييس اللغة" لابن فارس: 1. فهرس اللُّغة. 2. فهرس الأشعار. 3. فهرس الأرجاز. 4. فهرس الأمثال. 5. فهرس الأعلام. 6. فهرس القبائل. 7. فهرس البلدان. 8. فهرس الكتب. • رابعًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المفضَّليات" للمفضَّل الضَّبِّي: 1. فهرس الشعراء. 2. فهرس القوافي. 3. فهرس اللُّغة. 4. فهرس الحروف التي لم تذكر في المعاجم. 5. الفهرس الفني. 6. فهرس الأعلام. 7. فهرس القبائل والطوائف. 8. فهرس البلدان والمواضع. • خامسًا: منهجه –رحمه الله- في ترتيب الفهارس في كتاب "المصون في الأدب" للعسكري : - أولاً: فهرس (طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة والرفاعي بالرياض (الطبعة الثانية 1982) : 1. فهرس القرآن الكريم. 2. فهرس الحديث. 3. فهرس الأمثال. 4. فهرس اللُّغة. 5. فهرس الأعلام والقبائل والطوائف. 6. فهرس البلدان والمواضع. 7. فهرس الأشعار. 8. فهرس الأرجاز. 9. فهرس الأبواب والفصول. 10. مراجع الشرح والتحقيق. ثانيًا: الفهارس في (الطبعة الثانية المصورة، طبعة مطبعة حكومة الكويت 1984)، جاءت ناقصة ومرتّبة ترتيبًا مخالفًا لطبعة الخانجي: 1. فهرس الأبواب والفصول. 2. فهرس الأعلام والقبائل والطوائف. 3. فهرس البلدان والمواضع. 4. فهرس الأشعار. 5. فهرس الأرجاز. 6. مراجع الشرح والتحقيق. قلت: ويظهر من هذا السرد لترتيب فهارس هذه الكتب الخمسة بعضها مع بعض ما يلي: 1. أنه -رحمه الله- لم يضع فهرسًا للقرآن والحديث إلا في ثلاثة كتب، وهي: "الكتاب"، و"مجالس العلماء"، و"المصون في الأدب"، وخلا كتابا "مقاييس اللُّغة"، و"المفضَّليات" من فهارس القرآن والحديث، فهل هذان الكتابان لم يُستشهد فيهما بآيات وأحاديث أم لا؟ - أما عن "مقاييس اللُّغة"، فقد تصفحت بعض أجزائه فوقفت على بعض الآيات فيه التي استشهد بها ابن فارس، ومن هذه المواضع: (5/102) استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ}. (2/227) استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ}. (2/233): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. (2/319): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ}. (2/319): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. (3/90): استشهد ابن فارس بقول الله تعالى: {وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ}. وبالنسبة للأحاديث والآثار، استشهد ابن فارس: في (2/223) بحديث: "إن أخنع الأسماء". وفي (3/88): بحديث: "حتى إن الرُّمَّانة لتشبع السَّكْن". وفي (3/376): بحديث: "استغرِبوا لا تُضْووا". وفي (3/414): بحديث: "اقتلوا ذا الطُّفْيَتَين والأبتر". وعلَّق في الحاشية: "في اللِّسان: "إن أخنع الأسماء إلى الله تبارك وتعالى مَن تسمَّى باسم ملك الأملاك". وفي (3/208) بأثر يحيى بن يَعمَر أنه قال للرجل خاصمته امرأته: "إن سألتك ثمن شَكْرها، وشَبْرِك، أنشأت تطُلُّها، وتَضْهَلها". - وأمّا عن "المفضَّليات"، فهو كتابٌ في الشعر، وقد خلا من الآيات والأحاديث. 2. أنه -رحمه الله- في "مقاييس اللغة"، لابن فارس، قدَّم فهرس "اللُّغة" على غيره من الفهارس؛ لأنه كتابٌ في اللُّغة، وهذا التزام منه لما قرّره في كتابه "تحقيق النصوص". 3. أنه -رحمه الله- في كتاب "المفضَّليات" للمفضَّل الضَّبِّي، قدَّم فهرس "الشعراء"، وثنَّى بفهرس "القوافي"؛ لأنه كتابٌ في الشعر، وهذا التزام منه أيضًا لما قرّره في كتابه "تحقيق النصوص". * منهجه –رحمه الله- في ترتيب كلِّ فهرس على حدة * · منهجه –رحمه الله- في فهرست آيات كتاب الله عز وجل: لقد أبان –رحمه الله-عن منهجه في فهرست آيات كتاب الله عز وجل من خلال كتابه "تحقيق النصوص" (ص95-96/ط الرابعة)، حيث قال: "وترتيب "آي الذكر الحكيم" جرى كثير من المحقِّقين فيه على اتباع السورة ورقم الآية، فبعضهم مع ذلك يرتب السور على حسب ورودها في الكتاب العزيز، وبعضهم يرتب السور على حسب حروف الهجاء. وقد جريت على ذلك في كثير من منشوراتي، ولكن وجدت في تجربتي الطويلة أن في ذلك شيئًا من الصعوبة، وأنه لا يجدي الباحث كثيرًا، ولا سيما إذا كان بحثه عن آية يجهل سورتها مع علمه بلا ريب ببعض ألفاظها، فاهتديت بعون الله إلى طريقة ميسرة للتهدِّي إلى آيات الكتاب بترتيبها في نطاق المواد اللغوية، اعتمادًا على بروز بعض كلمات الآية: مثال ذلك: أرب: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} ص5. بتل: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} ص10. ترب: {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} ص15. ثوب: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ص20... وهكذا". قلت: وقد التزم –رحمه الله- بهذا المنهج في تحقيقه على الكتب المختارة، وأكّد عليه في بعضها، كما قال في تعليقه على فهرس شواهد القرآن في فهارس "الكتاب" لسيبويه: "جرى الترتيب اللُّغوي في هذا الفهرس على المواد اللّغوية، وقد وجدت أن هذا الترتيب الذي ابتدعته، أوفق من الترتيب المتبع في فهارس القرآن، الذي يعتمد على ترتيب السور والآيات، فإن فيه الصعوبة، ومن ضعف الفائدة ما لا خفاء به". وأما عن منهجه في فهرست "القراءات"، فهو يدمجها في فهرس آيات القرآن، دون أن يميّز بين القراءات المختلفة، كما جاء في "المصون" (ص121): "فقال ابن الكلبي: مَن قرأ {ألا إنهم تَثْنَوي صدورهم}..."، وضعها في ترتيبها اللُّغوي في فهرس القرآن، حيث وضعها في مادة "ثنى". · منهجه في فَهرَست الأحاديث والآثار والأخبار: قد أبان –رحمه الله- عن منهجه في فهرسته لـ: "خزانة الأدب" (17/15): "ولصعوبة الفصل بين هذه الثلاثة جعلتها واحدًا مرتبة أوائله على حروف الهجاء، مع نسبة ما أمكن منها إلى أربابها، تاركًا للحواشي في أجزاء الكتاب أن تتكفل بتخريج كل نص من هذه النصوص". قلت: والأحاديث المرفوعة في الكتب المختارة كانت قليلة جدًّا، وفي بعضها منعدمة. فلم يصنع فهارس للأحاديث في "مقاييس اللّغة"، و"المفضليات"، والأخير قد خلا من الأحاديث والآثار والأخبار؛ لأنه كلّه أشعار. وأما كتاب "المصون في الأدب"، لأبي أحمد العسكري، فقد ورد فيه ستّة أحاديث في الفهرس، وكذلك كتاب "مجالس العلماء"، لأبي القاسم الزّجّاجي. وأما كتاب "الكتاب" لسيبويه، فقد ورد فيه ثمانية أحاديث. وبعد تتبعي لمنهجه في فهرست الأحاديث، وجدت أنه يذكر نصّ الحديث كاملاً في الفهرس، لا يذكر طرفًا منه فقط، كما جرت عادة المفهرسين. مثال: في كتاب "المصون في الأدب" (ص136) ([1]): حديث: "رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس، وأهل المعروف في الدنيا: أهل المعروف في الآخرة، وإن يهلك امرؤٌ بعد مشورة"، فذكر نصّه كاملاً في الفهرس رغم طوله. - وفي كتاب "مجالس العلماء" ستّة أحاديث ذكر نصوصها كاملة في الفهرس، وهي: 1. (ص118): حديث: "صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم". 2. (ص137): حديث: "الحرب خدعة". 3. (ص182) حديث: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة علينا". 4. (ص118): "ليس من أصحابي أحدٌ ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء". 5. (ص229): "اللهم إنب أسألك اليقين والعفو والعافية، وتمام النعمة في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين". 6. (ص152): "أيما رجل تزوج امرأة لدينها وجمالها كان ذلك سدادًا من عوز". 7. (ص182): "كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يتخوَّلنا بالموعظة". · منهجه –رحمه الله- في فهرست الأعلام وأسماء البلدان والقبائل والطوائف: قد أبان –رحمه الله- عن منهجه في هذا الباب في كتابه "تحقيق النصوص ونشرها" (ص95/ط الثانية) بقوله: "وترتيب "الأعلام والبلدان والقبائل" ونحوها ليس فيه شيء من العسر إلا في مراعاة "الإحالات"، وذلك فيما إذا ورد العلم مرة باسمه، وأخرى بكنيته أو لقبه، فتحول أرقام كل من الأخيرين إلى "الاسم" لأنه هو المعتمد في الترتيب. وينبه المفهرس القارئ إلى ذلك. وأما الكنى والألقاب التي لم يرد لها اسم ترد إليه فإنها توضع كما هي في ترتيبها. وبعض المفهرسين يعبر كلمة "ابن" و "أبو" و "ذو" فيضعها في الألف والذال، وبعضهم يهمل ذلك فيرتب ما أضيفت إليه فقط، فابن الحسن في الحاء وأبو اليسر في الياء، وذو الإصبع في الألف. وبعضهم يهمل "ابن" و"أبو" فقط، ويحمل "ذو" في الذال، وهذا النظام الأخير هو الذي ارتضيته في فهارسي وهو النظام الغالب بين المفهرسين، والأمر كله لا يعدو الجري على نظام خاص".اهـ قلت: وقد تتبعت صنيعه في فهارس الكتب المختارة، فوجدته –رحمه الله- قد وفى بما أصَّله نظريًّا في كتابه "تحقيق النصوص"، وإليك أمثلة على هذا: أولاً: أمثلة من فهرست الأعلام في "مقاييس اللّغة" لابن فارس: - في مادة "أبو إسحاق الزّجّاج"، أحال على اسمه: "إبراهيم بن السَّري". - في مادة "الأعنق" –وهو لقب-، أحال على اسمه: "قيس بن الحارث بن همام". - في مادة "أبو بكر" –وهي كنية-، أحال على اسمه: "محمد بن الحسن بن دُرَيْد". - أبو بكر الصِّديق، وأبو بكر بن السُّنِّي، وأبو بكر الخيَّاط ثلاثتهم لم يحلهم على أسماء؛ لأنهم معروفون بكنيتهم. - أبو الدقيش، وأبو دليجة، وأبو داود كذلك ثلاتهم لم يحلهم على أسماء؛ لأنهم معروفون بكنيتهم. - "ابن ثور" وضعها في مادة "الثاء" لا الألف، كما تعهد أن يهمل "ابن"، و"أبو"، دثم أحال على اسمه: "حمَيد". ثانيًا: أمثلة من فهرست الأعلام في "الكتاب" لسيبويه (5/176-194): - ابن الأبرص، وهي نسبة إلى "ابن"، لم يجعله في حرف الألف، بل أحال على اسمه: "عَبِيد بن الأبرص". - ابن أحمر، وهي نسبة إلى "ابن"، لم يجعله في حرف الألف، بل أحال على اسمه: "عمرو". - ابن أسود، لم يحل فيه على اسم؛ لأنه ليس معروفًا باسمه. ومن المشهورين بكناهم، فلم يحل إلى أسمائهم: أبو داود، وأبو حنش، وأبو حيَّة النُّمَيري. - "أبو الخطاب الأخفش الأكبر"، جمع بين كنيته ولقبه، وأحال على اسمه: "عبدالحميد بن عبدالمجيد خطام المُجاشِعي". - ذو الأصبع العدواني، وذو الرّمّة، كلاهما في حرف الذال. ثالثًا: أمثلة من فهرست الأعلام في "مجالس العلماء" للزجّاجي (ص286-312): - أبو سعيد، أحال على اسمه "الحسن البصري". - ابن السِّكّيت، أحال على اسمه "يعقوب". - الشافعي، أحال على اسمه "محمد بن إدريس". - الفرَّاء، أحال على اسمه "يحيى بن زياد". - ابن الكلبي، لم يحل على اسمه؛ لأنه معروفٌ بهذه النسبة. وقال الشيخ عبدالسلام أيضًا في تعليقه على فهرس الأعلام من فهارس "الكتاب" لسيبويه: "ولم فى تذكر في الفهرس أرقام الخليل بن أحمد ، يونس بن حبيب، وذلك لكثرة ورودها كثرة مفرطة". قلت: فهذه قاعدة اتّبعها في فهرست الأعلام، أنه –رحمه الله- لا يذكر الأعلام المتكررة في الكتاب تكرُّرًا مفرطًا، مِمَّا يجعل ذكرها في الفهرس ليس ذا كبيرة فائدة؛ لأن هذا العَلَم قد يذكر في جلِّ صفحات الكتاب. رابعًا: منهجه في الإحالات في فهرس القبائل والطوائف ونحوها في "الكتاب" لسيبويه: جاء في هذا الفهرس (195-202): - مادة "الأقارع"، أحالها على "بني قريع". - مادة "البكريون"، أحالها على "بكر بن وائل". - مادة "بلحارث"، أحالها على "بنو الحارث". - مادة "تميم بنت مر" أحالها على "تميم بن مر". - مادة "التميميون" أحالها على "تميم بن مر". - مادة "الحجازيون" أحالها على "أهل الحجاز". - مادة "عام" أحالها على "عامر بن صعصعة". - مادة "الكوفيون" أحالها على "أهل الكوفة". - مادة "المدنيون" أحالها على "أهل المدينة". خامسًا: منهجه في الإحالات في فهرس البلدان والمواضع ونحوها: 1. في "الكتاب" لسيبويه: لم أقف إلا على إحالة واحدة في مادة "القرية" أحالها على "الشام"، وفي (1/38). وهي في قول المتلمِّس: آليت حبَّ العراق الدهر أطعمه والحب يأكله في القرية السُّوسُ وعلَّق عليه الشيخ عبد السلام هارون –رحمه الله- في الحاشية، فقال: "ديوان المتلمس الورقة 5 نسخة الشنقيطي، وكان عمرو بن هند قد أقسم ألا يطعم المتلمِّس حبّ العراق لما خافه على نفسه، وفر الملتمس إلى الشام ومدح ملوكها، فقال لعمرو: آليت على ذلك، وقد أمكنني منه بالقرية – يعني الشام- ما يغني عمَّا عندك، وما يأكله السوس من كثرته". قلت: فـ "القرية"، هنا مبهم، فأحال على تعيينها، وهي "الشام". 2. في "مقاييس اللُّغة" لابن فارس: - مادة "أم رحم" أحالها على "مكة". (6/404). - مادة "أم القرى" أحالها على "مكة". (6/404). - مادة "بكة" أحالها على "مكة". (6/405). - مادة "البنية" أحالها على "مكة". (6/405). - مادة "صلاح" أحالها على "مكة".(6/410). - مادة "الناسة" أحالها على "مكة". (6/413) ثم أعاد ذكر كل هذه المواد تحت مادة "مكة". 3. في "مجالس العلماء" لأبي القاسم الزجَّاجي: لم أقف إلا على إحالة واحدة في مادة "الزوراء" أحالها على "مدينة أبي جعفر". · منهجه –رحمه الله- في فَهرست الأشعار: قد أبان –رحمه الله- عن منهجه في هذا الباب في كتابه "تحقيق النصوص ونشرها" (ص96-97/الطبعة السابعة)، حيث قال: "وأما ترتيب "الشعر" فإنه متنوع الضروب: وأقل صورة لترتيبة أن يرتب على القوافي من الهمزة إلى الياء ثم الألف اللينة في آخرها، ثم ترتب كل قافية على أربعة أقسام: الساكنة، ثم المفتوحة، ثم المضمومة، ثم المكسورة، ويضاف إلى آخر كل قسم من هذه الأقسام ما يمكن أن يختم المادة بالهاء الساكنة ثم المضمومة ثم المفتوحة ثم المكسورة. وقد يضم إلى هذا الترتيب ترتيب آخر، وهو ترتيب البحور الستة عشر، وقد يضم إليها ترتيب ثالث هو صاحب الشعر، وفي كل ترتب الصفحات في كل قافية على حدة. أما أنا فقد سرت في معظم كتبي الأخيرة على نهج خاص في الترتيب قصدت به التيسير والضبط، إذ سرت على طريقة ميَّسرة، ملغيًّا ترتيب البحور، لجهل كثير من الناس بها أو بتطبيقها، وهي طريقة شبيهة بالعروضية، فأجعل ترتيب كل مجموعة من القوافي على النسق التالي: فَعلُ - مفَعَّلُ - فَعَلُ - فاعل - فعال وأفعال - فعول وفعيل. مثل أهل - المعول - سبل - عواذل - الخيال وأمثال - تقول وسليل. وتفسيرها من علم القافية -وهو ما لم نقصده- أن ترتب على أنواع القوافي التالية: المتواتر. المتدارك. المتكاوس أو المتراكب. المؤسسة، المردوفة بألف. المردوفة بواو أو ياء وجعلت كل المشطورات من السريع والمنسرح والرجز فهرسًا واحدًا سميته "فهرس الأرجاز"؛ وذلك لصعوبة التمييز بين هذه البحور والثلاثة؛ ولأن أرجاز العرب جاءت على هذه البحور جميعًا".اهـ قلت: وقد تتبعت فهارس الكتب الخمسة، فوجدته –رحمه الله- قد التزم هذا التقسيم، فخصَّص فهرسًا للأشعار بالأوزان المذكورة، مراعيًا فيه الترتيب المشار إليه، وآخر للمشطورات من السريع والمنسرح والرجز، سمَّاه بـ"فهرس الأرجاز".اهـ قلت: ومن سمات منهج الشيخ عبدالسلام هارون –رحمه الله- في الفهرسة -التي بدت لي- أنه يحرص دائمًا على ابتداع الفهارس التي تسهّل الوصول إلى دقائق المعلومات في داخل النصِّ المحقَّق. من أمثلة هذا أنه في "الكتاب" لسيبويه، صنع فهرسًا للمقارنة بين نسخته ونسخة بولاق فقال: "تيسيرًا للاهتداء إلى ما يقابل صفحات نسخة بولاق التي مضى على طبعها إلى الآن نحو ثمانين سنة للدراسات المختلفة والإشارات العلمية الكثيرة، صنعت هذا الفهرس المقارن". هذا ما تيَّسر جمعه في هذه العجالة، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من الاستقصاء والتتّبع والتحري للخروج بنتائج أمثل وأدقّ، والله المستعان. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري
  21. حماية أهل الذمة من اليهود والنصارى والإحسان إليهم في شريعة الإسلام بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه؛ أما بعد، فإن أحكام أهل الذمِّة لها نصيب معلوم في شريعة الإسلام، وقد تناثرت مسائلها في كتب الفقه في أبواب شتى، ومن هذه المسائل: "حماية أهل الذمة من اليهود والنصارى والإحسان إليهم"، وفي هذا البحث أحاول أن أجمع شتات هذه المسألة، مع ذكر نماذج عملية لها؛ نظرًا لجهل الكثيرين بها، ولظنِّ الخوارج منافاة هذه الحماية لعقيدة الولاء والبراء. وأبدأ بذكر النصوص الدالة على وجوب الوفاء بالعهد لمن أعطيه من اليهود والنصارى وغيرهم، مع عصمة دماء وأموال المعاهدين وأهل الذمة والمستأمنين: أخرج ابن ماجه وغيره من طريق عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَمِنَ رَجُلًا عَلَى دَمِهِ، فَقَتَلَهُ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ لِوَاءَ غَدْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وفي رواية الطيالسي: «إِذَا أَمِنَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا». وفي حديث أبي بكرة: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَأَبْشَارَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ» فَكَانَ كَذَلِكَ، قَالَ: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»، أخرجه البخاري (67)، ومسلم (1679). وقال أبو داود (3052): حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أبو صَخْرٍ الْمَدِينِيُّ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ عِدَّةٍ، مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (621)، قال: أنا يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ به، وزاد فيه: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِصْبُعِهِ إِلَى صَدْرِهِ «أَلَا وَمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ سَبْعِينَ عَامًا»([1])، وأخرجه تحت باب: وبوَّب عليه البيهقي في معرفة السنن والآثار (13/384): الْوَصَاةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ خَيْرًا. وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ، وَلَا اللُّقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ»، أخرجه أبو داود (3804)، والنسائي في الكبرى (19469)، والدارقطني (4768)، وصححه الألباني. وعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِنْ سَمَّعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا دَخَلَ النَّارَ»، أخرجه ابن حبان (11/238) ([2]). قلت: واعلم أن عقود الذمّة والعهد والأمان يلزم منها حماية الذمّيين والمعاهدين والمستأمنين ضد الخوارج والمعتدين عليهم عامَّة بغير حقٍّ، ومما يدل على ذلك ما يلي: في وصية عمر التي أخرجها البخاري: "أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ"، قال ابن الملقن: "وقوله: (وأن يُقاتَل من ورائهم). يعني: بين أيديهم كل مسلم وكافر، كما يقاتل من ظلم مسلمًا". قال شمس الدين البِرْماوي في "اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح": "أي: من بين أيديهم، أي: يدفَع أهلَ الحرب ونحوَه عنهم". وقال الإمام ابن باز في "التعليقات البازية": "إذا أدوا الجزية صاروا تبع المسلمين يقاتل عنهم". وقد بوَّب البخاري على موضع الشاهد منه: بَابٌ: يُقَاتَلُ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلاَ يُسْتَرَقُّونَ. قال العيني في عمدة القارئ: "يُقَاتل عَن أهل الذِّمَّة أَي: عَن أهل الْكتاب لأَنهم إِنَّمَا بذلوا الْجِزْيَة على أَن يأمنوا فِي أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وأهليهم فَيُقَاتل عَنْهُم، كَمَا يُقَاتل عَن الْمُسلمين.. قَوْله: (وَلَا يُسْتَرَقونَ)... وَأجِيب: بِأَنَّهُ أَخذه من قَوْله فِي الحَدِيث: (وأوصيه بِذِمَّة الله) فَإِن مُقْتَضى الْوَصِيَّة بالإشفاق أَن لا يدخلُوا فِي الاسترقاق". وقال ابن زنجويه في الأموال (1/333): "قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَكَذَلِكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ، يُجَاهَدُ مِنْ دُونِهِمْ، وَيُفَكُّ عُنَاتُهُمْ، فَإِذَا اسْتُنْقِذُوا رَجَعُوا إِلَى ذِمَّتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ أَحْرَارًا، وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ". وقال شهاب الدين القرافي في "الفروق" (3/14): "أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يُوجِبُ حُقُوقًا عَلَيْنَا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي جِوَارِنَا وَفِي خَفَارَتِنَا وَذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدِينِ الْإِسْلَامِ فَمِنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ وَلَوْ بِكَلِمَةِ سُوءٍ أَوْ غِيبَةٍ فِي عِرْضِ أَحَدِهِمْ أَوْ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذِيَّةِ أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّعَ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذِمَّةَ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ لَهُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَجَاءَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى بِلَادِنَا يَقْصِدُونَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ لِقِتَالِهِمْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَنَمُوتَ دُونَ ذَلِكَ صَوْنًا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ دُونَ ذَلِكَ إهْمَالٌ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ، وَحَكَى فِي ذَلِكَ إجْمَاعَ الْأَمَةِ". وقال في (3/15): "أَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ بِرِّهِمْ وَمِنْ غَيْرِ مَوَدَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ فَالرِّفْقُ بِضَعِيفِهِمْ وَسَدُّ خُلَّةِ فَقِيرِهِمْ وَإِطْعَامُ جَائِعِهِمْ وَإِكْسَاءُ عَارِيهِمْ وَلِينُ الْقَوْلِ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ لا عَلَى سَبِيلِ الْخَوْفِ وَالذِّلَّةِ وَاحْتِمَالِ إذَايَتِهِمْ فِي الْجِوَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ لُطْفًا مِنَّا بِهِمْ لَا خَوْفًا وَتَعْظِيمًا وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَأَنْ يُجْعَلُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَنَصِيحَتُهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَحِفْظُ غَيْبَتِهِمْ إذَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِأَذِيَّتِهِمْ وَصَوْنُ أَمْوَالِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ وَأَنْ يُعَانُوا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَإِيصَالُهُمْ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَكُلُّ خَيْرٍ يَحْسُنُ مِنْ الأعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ عَدُوِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الأخْلَاقِ فَجَمِيعُ مَا نَفْعَلُهُ مَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالَةِ مِنَّا وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَتَحْقِيرِ أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ الصَّنِيعِ لَهُمْ وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَسْتَحْضِرَ فِي قُلُوبِنَا مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ بُغْضِنَا وَتَكْذِيبِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْنَا لاسْتَأْصَلُوا شَأْفَتَنَا وَاسْتَوْلَوْا عَلَى دِمَائِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ الْعُصَاةِ لِرَبِّنَا وَمَالِكِنَا عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ نُعَامِلُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ وَأَمْرِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مَحَبَّةً فِيهِمْ وَلَا تَعْظِيمًا لَهُمْ وَلَا نُظْهِرُ آثَارَ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي سْتَحْضِرُهَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ صِفَاتِهِمْ الذَّمِيمَةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْعَهْدِ يَمْنَعُنَا مِنْ ذَلِكَ فَنَسْتَحْضِرُهَا حَتَّى يَمْنَعَنَا مِنْ الْوُدِّ الْبَاطِنِ لَهُمْ وَالْمُحَرَّمِ عَلَيْنَا خَاصَّةً". وقال ابن قدامة (ت 620ه) في "المغني" (13/250): "وَإِذَا عَقَدَ الذِّمَّةَ، فَعَلَيْهِ حِمَايَتُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِالْعَهْدِ حِفْظَهُمْ". وقال: "وَإِذَا تَحَاكَمَ إلَيْنَا مُسْلِمٌ مَعَ ذِمِّيٍّ وَجَبَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ؛ لأنَّ عَلِيًّا حَفِظَ الذِّمِّيَّ مِنْ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ، وَحَفِظَ الْمُسْلِمَ مِنْهُ". وقال إمام الحرمين عبدالملك الجويني (ت 478هـ) في "نهاية نهاية المطلب في دراية المذهب" (18/36): " وهل يجب علينا أن نذب الكفار عنهم؟ يعني أهل الحرب؟ فإن كانوا في بلاد الإسلام؛ فإنا نضطر إلى الذب من غير قصدٍ ينصرف إليهم؛ فإنه يتعين علينا حمايةَ بلاد الإسلام عن طروق الكفار، وإذا نحن فعلنا هذا، فيحصل به الذب عنهم لا محالة. ولو كان الذمي في دار الحرب لكنه التزم الجزية، وعقدنا له الذمة، فيستحيل أن نلتزم ذب الكفار عنهم؛ فإن هذا مما لا يحيط به الاستطاعة، والإطاقة. ولو كان أهل الذمة في بلدةٍ متاخمة لبلاد الإسلام من جهةٍ، ولبلاد الكفار من جهة، وكان ذبُّ الكفار عنهم ممكنًا، فهل نلتزم ذلك لهم بمطلق الذمة؟ فعلى وجهين: أحدهما - لا نلتزم ذلك؛ فإن الغرض بعقد الذمة أن يأمنونا ويؤمِّنونا، فإذا كفيناهم بوادر أجنادنا، وكففنا الأيدي عنهم، كفاهم ذلك، والدليل عليه أنهم لا يلتزمون، الذبَّ عنا إذا تغشانا جمعٌ من الكفار، ونحن لا نلتزم لهم ما لا يلتزمونه لنا. والوجه الثاني - أنه يجب علينا الذب عنهم إذا تمكنا منهم؛ فإنا بالذمة التزمنا أن نُلحقهم في العصمة والصون بأهل الإسلام، فيجب علينا أن نذب عنهم كما نذب عن أهل الإسلام، وهذا مشهور في الحكاية، والأقيس الوجه الأول". وقال عبدالله بن عمر البيضاوي (ت 685ه) في "الغاية القصوى في دراية الفتوى" (2/401): "ويجب ذبُّ أهل الحرب عنهم وإن انفردوا ببلدة على الأظهر؛ لأنهم معصومون كالمسلمين". وجاء في كتاب الخراج لأبي يوسف (ص139) لما تكالب الروم على بعض المدن التي صالحوا أهلها وأعطوهم الذمّة: "فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى كُلِّ وَالٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ فِي الْمُدُنِ الَّتِي صَالَحَ أَهْلَهَا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يردوا عَلَيْهِم مَا جبي مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الجموع، وَأَنَّكُمُ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَنَحْنُ لَكُمْ عَلَى الشَّرْطِ وَمَا كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمُ الأَمْوَالَ الَّتِي جَبَوْهَا مِنْهُمْ، قَالُوا: رَدَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ". وانظروا إلى موقف شيخ الإسلام مع النصارى الذمّيين، كما في مجموع الفتاوى (28/617): "وَلَمَّا قَدِمَ مُقَدِّمُ الْمَغُولِ غازان وَأَتْبَاعُهُ إلَى دِمَشْقَ وَكَانَ قَدْ انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلامِ؛ لَكِنْ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ بِمَا فَعَلُوهُ... وَقَدْ عَرَفَ النَّصَارَى كُلُّهُمْ أَنِّي لَمَّا خَاطَبْت التَّتَارَ فِي إطْلَاقِ الْأَسْرَى وَأَطْلَقَهُمْ غازان وقطلو شاه وَخَاطَبْت مَوْلَايَ فِيهِمْ فَسَمَحَ بِإِطْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ لِي: لَكِنَّ مَعَنَا نَصَارَى أَخَذْنَاهُمْ مِنْ الْقُدْسِ فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلِقُونَ. فَقُلْت لَهُ: بَلْ جَمِيعُ مَنْ مَعَك مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ ذِمَّتِنَا؛ فَإِنَّا نُفْتِكَهُمْ وَلَا نَدَعُ أَسِيرًا لَا مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَأَطْلَقْنَا مِنْ النَّصَارَى مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهَذَا عَمَلُنَا وَإِحْسَانُنَا وَالْجَزَاءُ عَلَى اللَّهِ، وَكَذَلِكَ السَّبْي الَّذِي بِأَيْدِينَا مِنْ النَّصَارَى يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ إحْسَانَنَا وَرَحْمَتَنَا وَرَأْفَتَنَا بِهِمْ؛ كَمَا أَوْصَانَا خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ: {الصَّلَاةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}". وقال أبو يوسف في الخراج (ص86): "مَا فعل عمر بِأَهْل نَجْرَان وَمَا كتب لَهُم: ثُمَّ جَاءُوا مِنْ بَعْدِ أَنِ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ أَجْلاهُمْ عَنْ نَجْرَانَ الْيَمَنَ وَأَسْكَنَهُمْ بِنَجْرَانَ الْعِرَاق؛َ لأَنَّهُ خَافَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ لَهُمْ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لأَهْلِ نَجْرَانَ مَنْ سَارَ مِنْهُمْ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ لا يَضُرُّهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَاءً لَهُمْ بِمَا كَتَبَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. "أَمَّا بَعْدُ: فَمن مروا بِهِ من أمراء الشَّام وأمراء الْعرَاق فليسقوهم من حرث الأَرْض، فَمَا اعتملوا مِنْ ذَلِكَ فَهُو لَهُمْ صَدَقَةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ وَعَقْبَةٌ لَهُمْ مَكَانَ أَرْضِهِمْ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لأَحَدٍ وَلا مَغْرَمَ. "أَمَّا بَعْدُ؛ فَمَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَلْيَنْصُرْهُمْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ فَإِنَّهُمْ أقواهم لَهُم الذِّمَّة وجريتهم عَنْهُمْ مَتْرُوكَةٌ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرِينَ شَهْرًا بَعْدَ أَنْ يَقْدِمُوا وَلا يُكَلَّفُوا إِلا مِنْ صُنْعِهِمُ الْبِرَّ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلا مُعْتَدَى عَلَيْهِمْ. شَهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ وَمُعَيْقِيبٌ، وَكَتَبَ". مَا كتبه لَهُم عُثْمَان: فَلَمَّا قُبِضَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ أَتَوْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَكَتَبَ لَهُمْ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ -وَهُوَ عَامِلُهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، سَلامُ اللَّهِ عَلَيْكَ؛ فَإِنِّي أَحْمَد اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الأَسْقُفَ وَالْعَاقِبَ وَسُرَاةِ أَهْلِ نَجْرَانَ الَّذِينَ بِالْعِرَاقِ، أَتَوْنِي فَشَكَوْا إِلَيَّ وَأَرَوْنِي شَرْطَ عُمَرَ لَهُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِّي قَدْ خَفَّفْتُ عَنْهُمْ ثَلاثِينَ حُلَّةً مِنْ جِزْيَتِهِمْ تَرَكْتُهَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَإِنِّي وَفَّيْتُ لَهُمْ بِكُلِّ أَرْضِهِمُ الَّتِي تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ عُقْبَى مَكَانِ أَرْضِهِمْ بِالْيَمَنِ فَاسْتَوْصِ بِهِمْ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُمْ أَقْوَامٌ لَهُمْ ذِمَّةٌ، وَكَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَعْرِفَةٌ. وَانْظُرْ صَحِيفَةً كَانَ عُمَرُ كَتَبَهَا لَهُمْ فَأَوْفِهِمْ مَا فِيهَا، وَإِذَا قَرَأْتَ صَحِيفَتَهُمْ فَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ وَالسَّلامُ"، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (503)، وابن زنجويه في الأموال (732). وذكر ابن جرير الطبري في "تاريخه"(3/609) كتاب عمر لأهل إيلياء، وفيه: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أجمعين، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبهم وسقيمهم وبريئهم وسائر ملتهم، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا مللها، ولا من صلبهم ولا من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، وعلى أهل لد ومن دخل معهم من أهل فلسطين أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل مدائن الشام..."، ونقله بنحوه: ابن خلدون في "تاريخه" (2/268). واعلم أن الجزية –وإن كانت فرضت على الذمّيين من باب الصَّغار- كما قال الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] إلا أنه يُراعي فيها الرفق والعدل وعدم الإجحاف، كما قال محمد بن عبدالكريم المغيلي التلمساني الجزائري (ت 909ه) في "مصباح الأرواح في أصول الفلاح" (ص36-37): "أما الجزية فهي مال يعطيه منهم: كلُّ ذكر بالغ حر عاقل قادر مخالط عند تمام كل سنة بصفة شرعية، فقد ترتب على هؤلاء اليهود ونحوهم بحسب فرض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحو: ثمانية مثاقيل ذهبًا، وأربعة منها أصل الجزية، وأربعة فيما يتبعها من الأرزاق ونحوها. فمن كان لا يلحقه جور يعطيها كلّها إن قدر عليها، ومن كان يلحقه جور أعطى أصل الجزية ويحطُّ عنه ما يتبعها، وذلك إذا كان لا يتعدى شيئًا من الحد الذي على أهل الذمة، وإلا فلا يحطُّ عنه للظلم شيء حتى يوفِّي بما عليه من شروط الذمة كلها، ويخفَّف عن الضعيف بحسب ضعفه فلا حدَّ لأقلها أو يسقط عمَّن أسلم أو عجز حتى عن بعضها". وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ) في "كتاب الأموال" (1/98): "باب اجتباء الجزية والخراج، وما يؤمر به من الرفق بأهلها، وينهى عنه من العنف عليهم فيها". وقال ابن زنجويه (ت 251هـ) في "كتاب الأموال" (1/309): "باب الوفاء لأهل الصلح، وما يجب على المسلمين من ذلك، ويكره من الزيادة عليهم". وبوَّب أَبُو يُوسُف في الخراج (ص138): "الوصاة بِأَهْل الذِّمَّة وعقاب من أَسَاءَ إِلَيْهِم"، وقَالَ: "وَقَدْ يَنْبَغِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّدَكَ اللَّهُ أَنْ تَتَقَدَّمَ فِي الرِّفْقِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ نَبِيِّكَ وَابْنِ عَمِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّفَقُّدِ لَهُمْ حَتَّى لَا يُظْلَمُوا وَلا يُؤْذَوْا وَلا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَلا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلا بِحَقٍّ يَجِبُ عَلَيْهِمْ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنَا حَجِيجُهُ". وأخرج الإمام مسلم (2613) من حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ: مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، وَصُبَّ عَلَى رُءُوسِهِمِ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا»، وفي الرواية التي تليها: قَالَ: مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْبَاطِ بِالشَّامِ، قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». قال: وَزَادَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ وَأَمِيرُهُمْ يَوْمَئِذٍ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى فِلَسْطِينَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَخُلُّوا. وأخرج بعد برقم (119) من طريق ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ، وَجَدَ رَجُلاً وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبْطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». قلت: وهذه الحماية لأهل الذمِّة والمعاهدين داخلة في عموم البر والقسط اللَّذين لم ينهنا الله عنهما كما في سورة الممتحنة؛ حيث قال ابن القيم في "أحكام أهل الذمة" (1/601): "فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة -أي سورة الممتحنة- عن اتخاذ المسلمين الكُفَّار أولياء وقطع المودة بينهم وبينهم توهم بعضهم أن برهم والإحسان إليهم من الـموالاة والمودة؛ فبيَّن الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهي عنها وأنه لم ينه عن ذلك بل هو من الإحسان الذي يحبه ويرضاه وكتبه على كل شيء وإنما المنهي عنه تولي الكُفَّار". قلت: فقد قال تعالى في الآية الأولى من الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1]، ثم قال تعالَى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُـوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَـنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الـدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الممتحنة: 8-9]. قلت: ومن الإحسان إلى أهل الذمة ومعاملتهم بالبر والقسط: عدم تكليفهم ما لا يطيقون، وأن لا يؤخذ منهم شيء فوق ما تمت المصالحة عليه من الجزية والخراج. قال عَبْدُ الرَّزَّاقِ في مصنَّفه (6/91) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا نَمُرُّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَيَذْبَحُونَ لَنَا الدَّجَاجَةَ وَالشَّاةَ قَالَ: وَتَقُولُونَ قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ يَقُولُ: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} قَالَ: «إِنَّهُمْ إِذَا أَدَّوُا الْجِزْيَةَ لَمْ تَحِلُّ لَكُمْ أَمْوَالُهُمْ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ»([3]). قال الثوري: "من احتاج من أهل الذمة، فلم يجد ما يؤدي في جزيته، يستأنى به حتى يجد فيؤدي، وليس عليه غير ذلك، فإن أيسر أخذ بما مضى، فإن عجز عن شيء من الصلح الذي صالح عليه، وضع عنه إذا عرف عجزه يضعه عنه الإمام". قال ابن زنجويه في كتاب الأمول: (169): قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءِ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنْ جِسْرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: شَهِدْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، قُرِئَ عَلَيْنَا بِالْبَصْرَةِ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ رَغِبَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَاخْتَارَ الْكُفْرَ عُتُوًا وَخُسْرَانًا مُبِينًا، فَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَطَاقَ حِمْلَهَا، وَخَلِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِمَارَةِ الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِمَعَاشِ الْمُسْلِمِينَ، وَقُوَّةً عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَانْظُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، قَدْ كَبِرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، فَأَجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ لَهُ مَمْلُوكٌ كَبُرَتْ سِنُّهُ، وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، وَوَلَّتْ عَنْهُ الْمَكَاسِبُ، كَانَ مِنَ الْحَقِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوتَهُ أَوْ يُقَوِّيَهُ، حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ عِتْقٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ مَرَّ بِشَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، يَسْأَلُ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ، فَقَالَ: مَا أَنْصَفْنَاكَ إِنْ كُنَّا أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ فِي شَبِيبَتِكَ، ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ فِي كِبَرِكَ. قَالَ: ثُمَّ أَجْرَى عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُصْلِحُهُ. وقال الشيخ عمر بن فهد الشِّمَّري في "الدعوة والاحتساب لأهل الكتاب" (ص228) في تعداده لحقوق أهل الذمّة: "حق الإحسان والرعاية: إن الدين الإسلامي رعا حقوق أهل الكتاب ومنها حق الإحسان والرعاية، وتشمل حقهم في تعريفهم بالإسلام ودعوتهم إليه وبيان محاسنهم والإحسان إليهم بالمعاملة ومساعدة المحتاج منهم ورعاية وعيادة مريضهم"، وقال في (ص229): "ومما يشرع للمسلم أن يعامل غير المسلم معاملة حسنة؛ لأن المعاملة الحسنة دعوة إلى الإسلام، والمسلم مأمور بالبراءة من الشرك وأهله، وهو أيضًا مأمور بألاَّ يؤذيهم، ولا يضرهم ولا يبخسهم حقوقهم، وأن يكون عدلاً إن قضى، وصادقًا معهم إن تحدث، فيؤدي الأمانة إليهم وإن خانوه.. والإحسان إلى أهل الكتاب لا يستلزم محبتهم المنهي عنها، وإنما يحسن إليهم؛ ليكون سببًا في هدايتهم إلى الإسلام".اهـ وللشيخ عطية سالم في "تتمته لأضواء البيان" للعلامة الشنقيطي (8/148 إلى 158) بحث جيد في تفسير هذه الآية، وفي إثبات أنها محكمة لا منسوخة، وإليك موطن الشاهد منه حيث قال -بعد أن أشار إلى أن الآيتين السابقتين قد قسَّما الكفار قسمين-: "قسمٌ مسالم لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم فلم ينه الله المسلمين عن برهم والإقساط إليهم. وقسمٌ غير مسالم يقاتل المسلمين ويخرجهم من ديارهم ويظاهر على إخراجهم فنهى الله المسلمين عن موالاتِهم؛ وفرق بين الإذن بالبر والقسط وبين النهي عن الموالاة والمودة؛ ويشهد لهذا التقسيم ما في الآية الأولى من قرائن، وهي عموم الوصف بالكفر وخصوص الوصف بإخراج الرسول وإياكم. ومعلوم أن إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين من ديارهم كان نتيجة لقتالهم وإيذائهم فهذا القسم هو المعني بالنهي عن موالاته لموقفه المعادي؛ لأن المعاداة تنافي الموالاة؛ ولذا عقَّب عليه بقوله تعالَى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}؛ فأي ظلم بعد موالاة الفرد لأعداء أمته وأعداء الله ورسوله. أما القسم العام وهم الذين كفروا بما جاءهم من الحق لكنهم لم يعادوا المسلمين في دينهم لا بقتال ولا بإخراج ولا بمعاونة غيرهم عليهم ولا ظاهروا على إخراجهم؛ فهؤلاء من جانب ليسوا محلاً للموالاة لكفرهم وليس منهم ما يمنع برهم والإقساط إليهم". قلت: وهذه الحماية لهم مع الإحسان إليهم لا تناقض النهي عن توليهم وموالاتهم؛ حيث إن التولِّي والموالاة إنما هما في الاعتقاد، أي محبة دينهم ونصرته. قال شيخ الإسلام في الصارم المسلول (2/55) -بعد أن ذكر آية المجادلة-: "فلا بد أن يدخل في ذلك عدم المودة لليهود وإن كانوا أهل الذِّمَّة لأنه سبب النزول وذلك يقتضي أن أهل الكتاب محادون لله ورسوله وإن كانوا معاهدين، ويدل على ذلك أن الله قطع الموالاة بين المسلم والكافر، وإن كان له عهد وذمة وعلى هذا التقدير فيقال: عوهدوا على أن لا يظهروا المحادة ولا يعلنوا بِها بالإجماع كما تقدم وكما سيأتي؛ فإذا أظهروا صاروا محادين لا عهد لهم مظهرين للمحادة وهؤلاء مشاقون فيستحقون خزي الدنيا من القتل ونحوه وعذاب الآخرة. فإن قيل: إذا كان كل يهودي مُحادًا لله ورسوله فمن المعلوم أن العهد يثبت لهم مع التهود وذلك ينقض ما قدمتم من أن المحاد لا عهد له؛ قيل من سلك هذه الطريقة قال المحاد لا عهد له على إظهار المحادة فأما إذا لم يظهر لنا المحادة فقد أعطيناه العهد". وقال الحافظ فِي "الفتح" (5/276): "ثم إن البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه فِي قوله تعالَى -وذكر آية المجادلة- فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل". قلت: وهذا الإحسان إلى أهل الذمِّة غير المحاربين لا يتنافى أيضًا مع فرض الصغار عليهم، والذي يتمثل في دفع الجزية مع الشروط التي فرضها عليهم عمر رضي الله عنه والتي اشتهرت بـ "الشروط العمرية"، وقد أخرجها ابن الأعرابي في معجمه (357)، والبيهقي في الكبرى (9/339)، وعبدالله بن زَبْر الربعي في "جزء فيه شروط النصارى" (10)، وعثمان بن أحمد أبو عمرو الدقاق المشهور بـ"ابن السماك" في "جزء فيه شروط أمير المؤمنين عمر على النصارى" (1)، وابن كثير في "مسند الفاروق" (2/489) كلهم من طريق الرَّبِيعُ بْنُ ثَعْلَبٍ أَبي الْفَضْلِ، عن يَحْيَى بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي الْعَيْزَارِ عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْوَلِيدِ بْنِ نُوحٍ، وَالسَّرِيِّ بْنِ مُصَرِّفٍ، يَذْكُرُونَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: كَتَبْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ صَالَحَ نَصَارَى الشَّامِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصَارَى مَدِينَةِ كَذَا وَكَذَا، إِنَّكُمْ لَمَّا قَدِمْتُمْ عَلَيْنَا سَأَلْنَاكُمُ الْأَمَانَ لِأَنْفُسِنَا وَذَرَارِيِّنَا وَأَمْوَالِنَا، وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَشَرَطْنَا لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا: أَنْ لَا نُحْدِثَ فِي مَدِينَتِنَا، وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دَيْرًا وَلَا كَنِيسَةً وَلَا قِبْلَةً، وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ، وَلَا نُجَدِّدَ مَا خَرِبَ مِنْهَا، وَلا نُحْيِيَ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ خُطَطِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَمْنَعَ كَنَايِسَنَا أَنْ يَنْزِلَهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ نُطْعِمُهُمْ وَلَا نُئْوِي فِي مَنَازِلِنَا وَلَا كَنَائِسِنَا جَاسُوسًا، وَلَا نَكْتُمَ غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا نُعَلِّمَ أَوْلَادَنَا الْقُرْآنَ، وَلَا نُظْهِرَ شِرْكًا، وَلَا نَدْعُو إِلَيْهِ أَحَدًا، وَلَا نَمْنَعَ مِنْ ذَوِي قَرَابَاتِنَا الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ أَرَادُوهُ، وَأَنْ نُوَقِّرَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَقُومَ لَهُمْ مِنْ مَجَالِسِنَا إِذَا أَرَادُوا الْجُلُوسَ، وَلَا نَتَشَبَّهَ بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ فِي قَلَنْسُوَةٍ، وَلَا عِمَامَةٍ، وَلَا نَعْلَيْنِ، وَلَا فَرْقِ شَعْرٍ، وَلَا نَتَكَلَّمَ بِكَلَامِهِمْ، وَلَا نَتَكَنَّى بِكُنَاهُمْ، وَلَا نَرْكَبَ السُّرُجَ، وَلَا نَتَقَلَّدَ السُّيُوفَ، وَلَا نَتَّخِذَ شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ، وَلَا نَحْمِلَهُ مَعَنَا، وَلَا نَنْقُشَ عَلَى خَوَاتِيمِنَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا نَبِيعَ الْخُمُورَ، وَأَنْ نَجُزَّ مَقَادِمَ رُءُوسِنَا، وَأَنْ نَلْزَمَ زِيَّنَا حَيْثُ مَا كُنَّا وَأَنْ نَشُدَّ زَنَانِيرَنَا عَلَى أَوْسَاطِنَا، وَأَنْ لَا نُظْهِرَ الصَّلِيبَ عَلَى كَنَائِسِنَا وَلَا كُتُبِنَا وَلَا نَجْلِسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نَضْرِبَ بِنَوَاقِيسِنَا فِي كَنَائِسِنَا إِلَّا ضَرْبًا خَفِيًّا وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ فِي كَنَائِسِنَا فِي شَيْءٍ مِنْ حَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نُخْرِجَ سَعَانِينَا وَلَا بَاعُوثَنَا وَلَا نَرْفَعَ أَصْوَاتَنَا مَعَ مَوْتَانَا، وَلَا نُظْهِرَ النِّيرَانَ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَسْوَاقِهِمْ، وَلَا نُجَاوِرَهُمْ بِمَوْتَانَا، وَلَا نَتَّخِذَ مِنَ الرَّقِيقِ مَا جَرَى عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا نَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فَلَمَّا أَتَيْتُ عُمَرَ بِالْكِتَابِ زَادَ فِيهِ: وَلَا نَضْرِبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَرَطْنَا ذَلِكَ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا وَقَبِلْنَا عَلَيْهِ الْأَمَانَ، فَإِنْ نَحْنُ خَالَفْنَا عَنْ شَيْءٍ مِمَّا شَرَطْنَاهُ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِنَا وَأَهْلِ مِلَّتِنَا فَلَا ذِمَّةَ لَنَا، وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مِنَّا مَا يَحِلُّ مِنْ أَهْلِ الْمُعَانَدَةِ وَالشِّقَاقِ"([4]). قلت: قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (1/119) (ط دار رمادي للنشر): "قَالَ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، فَالْجِزْيَةُ هِيَ الْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَى رُءُوسِ الْكُفَّارِ إِذْلَالًا وَصَغَارًا وَالْمَعْنَى: حَتَّى يُعْطُوا الْخَرَاجَ عَنْ رِقَابِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": اسْمُهَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَزَاءِ إِمَّا جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ صَغَارًا، أَوْ جَزَاءً عَلَى أَمَانِنَا لَهُمْ لِأَخْذِهَا مِنْهُمْ رِفْقًا". ثم قال –رحمه الله- في (1/121): "وَالصَّوَابُ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّغَارَ هُوَ الْتِزَامُهُمْ لِجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ عَلَيْهِمْ، وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ الْتِزَامَ ذَلِكَ هُوَ الصَّغَارُ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: كَانُوا يُجَرُّونَ فِي أَيْدِيهِمْ وَيُخْتَمُونَ فِي أَعْنَاقِهِمْ إِذَا لَمْ يُؤَدُّوا الصَّغَارَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا بَذَلَ مَا عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ الصَّغَارَ لَمْ يُحْتَجْ إِلَى أَنْ يُجَرَّ بِيَدِهِ وَيُضْرَبَ. وَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا بْنُ يَحْيَى: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُتْعَبُوا فِي الْجِزْيَةِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَمْ يُرِدْ تَعْذِيبَهُمْ وَلَا تَكْلِيفَهُمْ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاسْتِخْفَافَ بِهِمْ وَإِذْلَالَهُمْ. قُلْتُ: لَمَّا كَانَتْ يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى احْتَرَزَ الْأَئِمَّةُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي الْجِزْيَةِ، وَأَخَذُوهَا عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ يَدُ الْمُعْطِي السُّفْلَى وَيَدُ الْآخِذِ الْعُلْيَا". وقال –رحمه الله- في (1/122-123): "قَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجِزْيَةَ وُضِعَتْ صَغَارًا وَإِذْلَالًا لِلْكُفَّارِ لَا أُجْرَةً عَنْ سُكْنَى الدَّارِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَوَجَبَتْ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ والزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا أَنِفَتْ مِنْهَا الْعَرَبُ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ وَالْتَزَمُوا ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةَ الْمُدَّةِ كَسَائِرِ الْإِجَارَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا وَجَبَتْ بِوَصْفِ الْإِذْلَالِ وَالصَّغَارِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةً بِحَسَبِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنَّ سُكْنَى الدَّارِ قَدْ تُسَاوِي فِي السَّنَةِ أَضْعَافَ الْجِزْيَةِ الْمُقَدَّرَةِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الذِّمِّيِّ أُجْرَةُ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ يَسْكُنُهَا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً لَكَانَ الْوَاجِبُ فِيهَا مَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ؛ وَبِالْجُمْلَةِ فَفَسَادُ هَذَا الْقَوْلِ يُعْلَمُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ". وقد عقد ابن قيم الجوزية فصلاً في أحكام أهل الذمِّة (1/137) (ط دار رمادي) بعنوان: [فَصْلٌ لَا يَحِلُّ تَكْلِيفُهُمْ مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَلَا تَعْذِيبُهُمْ عَلَى أَدَائِهَا وَلَا حَبْسُهُمْ وَضَرْبُهُمْ]. وقال في (1/143): "وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا كُلِّهِ الرِّفْقُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَلَّا يُبَاعَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ شَيْءٌ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِمَّا سَهُلَ عَلَيْهِمْ بِالْقِيمَةِ". وقال في (1/156): "وَلَوْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ حِصْنًا لَيْسَ فِيهِ إِلَّا نِسَاءٌ فَبَذَلْنَ الْجِزْيَةَ لِتُعْقَدَ لَهُنَّ الذِّمَّةُ عُقِدَتْ لَهُنَّ بِغَيْرِ شَيْءٍ وَحَرُمَ اسْتِرْقَاقُهُنَّ". وقال في (1/165): "وَأَمَّا الْفَلَّاحُونَ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ وَالْحَرَّاثُونَ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَثْنُوهُمْ مَعَ مَنِ اسْتُثْنِيَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ أَطْبَقَ بَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُقَاتِلْ لَمْ يُقْتَلْ وَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ". قلت: وتأمل ما نتج عن البر والرفق والعدل في معاملة أهل الذمِّة من الخير العظيم للمسلمين؛ حيث أخرج الله سبحانه من أصلابهم من صار من كبار علماء المسلمين، وهذه واقعة "عين التمر" تعتبر نموذجًا فريدًا في هذا الشأن، وإليك نصّها كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (9/528) حيث قال: "لَمَّا اسْتَقَلَّ خَالِدٌ بِالْأَنْبَارِ اسْتَنَابَ عَلَيْهَا الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَقَصَدَ عَيْنَ التَّمْرِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ مِهْرَانُ بْنُ بَهْرَامَ جُوبِينَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَجَمِ، وَحَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ طَوَائِفُ مِنَ النَّمِرِ وَتَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَمَنْ لَاقَاهُمْ، وَعَلَيْهِمْ عَقَّةُ بْنُ أَبِي عَقَّةَ، فَلَمَّا دَنَا خَالِدٌ، قَالَ عَقَّةُ لِمِهْرَانَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، فَدَعْنَا وَخَالِدًا. فَقَالَ لَهُ: دُونَكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَإِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْنَا أَعَنَّاكُمْ. فَلَامَتِ الْعَجَمُ أَمِيرَهُمْ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: دَعُوهُمْ، فَإِنْ غَلَبُوا خَالِدًا فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنْ غُلِبُوا قَاتَلْنَا خَالِدًا وَقَدْ ضَعُفُوا وَنَحْنُ أَقْوِيَاءُ. فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِفَضْلِ الرَّأْيِ عَلَيْهِمْ، وَسَارَ خَالِدٌ وَتَلَقَّاهُ عَقَّةُ، فَلَمَّا تَوَاجَهُوا قَالَ خَالِدٌ لِمُجَنِّبَتَيْهِ: احْفَظُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي حَامِلٌ. وَأَمَرَ حُمَاتَهُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ وَرَائِهِ، وَحَمَلَ عَلَى عَقَّةَ وَهُوَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، فَاحْتَضَنَهُ وَأَسَرَهُ، وَانْهَزَمَ جَيْشُ عَقَّةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْأَسْرَ، وَقَصَدَ خَالِدٌ حِصْنَ عَيْنِ التَّمْرِ، فَلَمَّا بَلَغَ مِهْرَانَ هَزِيمَةُ عَقَّةَ وَجَيْشِهِ، نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَهَرَبَ وَتَرَكَهُ، وَرَجَعَتْ فُلَّالُ نَصَارَى الْأَعْرَابِ إِلَى الْحِصْنِ، فَوَجَدُوهُ مَفْتُوحًا فَدَخَلُوهُ وَاحْتَمَوْا بِهِ، فَجَاءَ خَالِدٌ فَأَحَاطَ بِهِ، وَحَاصَرَهُمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوهُ الصُّلْحَ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ خَالِدٍ، فَجُعِلُوا فِي السَّلَاسِلِ وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ، ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُ عَقَّةَ، وَمَنْ كَانَ أُسِرَ مَعَهُ، وَالَّذِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ أَيْضًا أَجْمَعِينَ، وَغَنِمَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ، وَوَجَدَ فِي الْكَنِيسَةِ الَّتِي بِهِ أَرْبَعِينَ غُلَامًا يَتَعَلَّمُونَ الْإِنْجِيلَ، وَعَلَيْهِمْ بَابٌ مُغْلَقٌ، فَكَسَرَهُ خَالِدٌ وَفَرَّقَهُمْ فِي الْأُمَرَاءِ وَأَهْلِ الْغَنَاءِ، وَكَانَ فِيهِمْ حُمْرَانُ، صَارَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنَ الْخُمُسِ، وَمِنْهُمْ سِيرِينُ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَخَذَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْمَوَالِي الْمَشَاهِيرِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ وَبِذَرَارِيِّهِمْ خَيْرًا". وقال في (13/56): "فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ النَّضْرِيِّ كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، أَسَرَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي جُمْلَةِ السَّبْيِ، فَاشْتَرَاهُ أَنَسٌ ثُمَّ كَاتَبَهُ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ الْأَخْيَارِ جَمَاعَةٌ؛ مُحَمَّدٌ هَذَا، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَمَعْبَدٌ، وَيَحْيَى، وَحَفْصَةُ، وَكَرِيمَةُ وَكُلُّهُمْ تَابِعِيُّونَ ثِقَاةٌ أَجِلاَّءُ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ". وقال في ترجمة موسى بن نصير من البداية والنهاية (12/625): "مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اللَّخْمِيُّ مَوْلَاهُمْ، كَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ مَوْلًى لِبَنِي أُمَيَّةَ. افْتَتَحَ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَغَنِمَ مِنْهَا أَمْوَالًا لَا تُعَدُّ وَلَا تُوصَفُ، وَلَهُ بِهَا مَقَامَاتٌ مَشْهُورَةٌ هَائِلَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَعْرَجَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَأَصْلُهُ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ إِرَاشَةَ مِنْ بَلِيٍّ. سُبِيَ أَبُوهُ مِنْ جَبَلِ الْخَلِيلِ مِنَ الشَّامِ فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ اسْمُ أَبِيهِ نَصْرًا فَصُغِّرَ... وَكَانَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ هَذَا ذَا رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ وَحَزْمٍ وَخِبْرَةٍ بِالْحَرْبِ". وقال خليفة بن خيَّاط في تاريخه (ص36): "قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَعلي بْن مُحَمَّد وَغَيرهمَا أَتَى خَالِد بْن الْوَلِيد عين التَّمْر فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى نزلُوا عَلَى حكمه فَقتل وسبى فَمن ذَلِكَ السَّبي: سِيرِين أَبُو مُحَمَّد بْن سِيرِين، وَمِنْهُم: يسَار كَانَ عبدًا لقيس بْن مخرمَة، من وَلَده: مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بن يسَار صَاحب السِّيرَة، وَمِنْهُم: نصير أَبُو مُوسَى بْن نصير، وَمِنْهُم: رَبَاح أَبُو عَبْد اللَّهِ وَعبيداللَّه ابْني رَبَاح، وَمِنْهُم: هُرْمُز يُسمَّون بِالْبَصْرَةِ الهرامزة فِي جمَاعَة يبلغ عَددهمْ أَرْبَعِينَ أكره ذكرهم". وقال ابن جرير في "تاريخ الرسل والملوك" (3/415): "وَسَبَى مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ وَمِنْ أَبْنَاءِ تِلْكَ الْمُرَابِطَةِ سَبَايَا كَثِيرَةٍ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ مِنْ تِلْكَ السَّبَايَا أَبُو عَمْرَةَ مَوْلَى شَبَّانَ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ الأَعْلَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَوْلَى الْمُعَلَّى، مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى زَهْرَةَ، وَخَيْرٌ مَوْلَى أَبِي دَاوُدَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَيَسَارٌ وَهُوَ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَفْلَحُ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ أَحَدُ بنى مالك بن النجار، وحمران ابن أَبَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ". وقال ابن قتيبة في المعارف (ص435) في ترجمة حمران: "هو «حمران بن أبان بن عبد عمرو»، ويكنى: «أبا زيد» وكان سباه «المسيّب بن نجبة الفزاري» زمن «أبى بكر» رضى الله عنه من «عين التّمر»، وأمير الجيش «خالد بن الوليد»، فوجده مختونًا، وكان يهوديًّا". وقال في (ص491): "ويذكرون أن «يسارًا» كان من سبايا عين التّمر". وقال شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قِزْأُوغلي المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (ت 654 هـ) في "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان" (9/246) في ترجمة أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حكى ابن سعد أنه حبشي بِجاوي من بِجاية، وقال غير ابن سعد: هو من اليمن، وقيل: من سَبْي عين التَّمر، سباه خالد بن الوليد، فاشتراه عمر سنة إحدى عشرة لما بعثه أبو بكر على الحج، رآه بذي المجاز يُباع". قلت: فهذا نتاج سبي غزوة واحدة: عدد من أفاضل التابعين –ومنهم علماء- كانوا أولادًا لمن سبوا؛ وذلك جرَّاء التزام الأحكام الشرعية في التعامل معهم !! وتأمل قول يحيى بن شرف النووي –رحمه الله- في "روضة الطالبين وعمدة المفتين" (10/291/ط المكتب الإسلامي): "دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَاقْتَرَضَ مِنْهُمْ شَيْئًا، أَوْ سَرَقَ وَعَادَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ". "لذلك فإن قول القائل: إن المسلم إذا دخل دار حرب بغير أمان فيجوز له أخذ أموال الكفَّار بغير رضاهم، فهذا يصح إذا كانت دار حرب وليس بينهم وبين المسلمين عهود أو هدنة، أما إن كانت دار عهد أو تم عقد هدنة بينهم وبين المسلمين فلا يجوز له استباحة دمائهم ولا أموالهم، ولو دخل خلسة أو بغير أمان، وذلك أن عصمة الدم والمال تحقّق بالعهد والأمان كما تتحقّق بالإسلام"([5]). وذكر الشيخ عمر بن فهد الشِّمَّري في "الدعوة والاحتساب لأهل الكتاب" (ص226) "الحقوق الاقتصادية" لأهل الذمة فقال: "إن الدولة الإسلامية لا تمنع الكتابي الذي يعيش في ظل حكمها من حقوقه في التكسب وطلب العيش، وحقه في التملك على النحو التالي: 1- حق التكسب: أن الكتابي لم يمنع من حقِّه في التكسب والعمل في مجالات عديدة، مما أدى إلى براعاتهم في كثير من المجالات التي تدر عليهم أكبر قدر ممكن من الأرباح مثل: الصيرفة والتجارة العامة في المواد الغذائية والصناعة والزراعة، إضافة إلى احتكار بعض المهن مثل: الصياغة والخياطة وصنع الزجاج وغزل الحرير وإدارة السفن والملابس والأحذية والأجهزة الكهربائية والإلكترونية، وهذه الأعمال وما شابهها يجوز لأهل الكتاب العمل والتكسب بالوجه المشروع كالمسلم. ولولي الأمر منعهم من احتكار بعض الصناعات التي يخشى من ضرر احتكارها؛ كصناعة الأسلحة والأدوية والأغذية والأجهزة ونحوها. 2- حق التملك: ولأهل الكتاب حق التملك، حيث يملكون البيوت والدكاكين والمزارع وأجهزة الصناعة والسفن والآلات والأجهزة ووسائل النقل وغيرها مما يُملك ولا يجوز التعدي على ماله لقوله صلى الله عليه وسلم:" ألا لا تحلُّ أموال المعاهدين إلا بحقِّها". وقال جمهور الفقهاء بصحة إحياء الذمي للمُوَّاتِ في دار الإسلام وذلك لعموم قوله صل الله عليه وسلم: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له"، ولأهل الكتاب حقّ تملك المباحث العامة مثل: الحطب والحشيش، وصيد البر والبحر، بلا خلاف بين أهل العلم".اهـ وقال برنارد لويس كما في "الغرب والشرق الأوسط" (ص38) ([6]): "وفي نظرة المسلمين إلى المسيحية تسامح وتساهل أكثر بكثير مما في نظرة أوربا إلى المسيحية المعاصرة التي تنظر إلى الإسلام على أنه كله باطل وشرٍّ، وهذه النظرة المتسامحة من المسلمين تنعكس في المعاملة الحسنة والتسامح الكبير؛ الذي يلقاه أتباع الديانة المسيحية في المجتمعات الإسلامية بالرغم من موقف المسيحيين كديانة منافسة". قلت: وقد ضرب عمرو بن العاص رضي الله عنه ومن معه من الصحابة والتابعين –الفاتحين لأرض مصر- أروع الأمثلة في التسامح والنزاهة والعدل والإنصاف مع نصارى مصر: وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح مصر كما في حديث عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا» قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَ"، أخرجه مسلم (2543). ثم رواه من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا» أَوْ قَالَ "ذِمَّةً وَصِهْرًا". وأخرج عبد الرزاق في مصنَّفه (6/58)، (10/362) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَلَكْتُمُ الْقِبْطَ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً، وَإِنَّ لَهُمْ رَحِمًا». قَالَ مَعْمَرٌ: فَقُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: يَعْنِي أُمَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلْ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ. وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (16/5486) (560/الطبعة الجديدة) من حديث أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أم سلمة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: «اللهَ اللهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللهِ». ورواه ابن عبدالحكم في "فتوح مصر" (ص9) عن أبي سلمة مرسلاً. وصحَّحه الإمام الألباني في الصحيحة (3113) (المجلد السابع/القسم الأول). قال الأزهري في تهذيب اللغة: "قبط: قَالَ اللَّيْث: القبْط هم أهل مصرَ بُنْكُهَا. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم قِبْطيّ. قَالَ: والقُبطيَّة، وَجَمعهَا القَباطيّ، وَهِي ثيابٌ بيض مِن كتَّان تُعمل بِمصْر. فلمَّا ألزمتْ هَذَا الاسمَ غيَّروا اللَّفْظ، فالإنسان قِبطيّ وَالثَّوْب قُبْطيّ". وجاء في كتاب "القديس مرقس وتأسيس كنيسة الأسكندرية"، تأليف: د. سمير فوزي (ص13): "اعتاد المصريون القدماء أن يطلقوا على بلادهم اسم"km.t" "قمط" الذي يعني "التربة السوداء"، وهي سمة مميزة لتربة وادي النيل السوداء الخصبة في مقابل الصحراء القاحلة على جانبي الوادي التي اعتادوا أن يسموها "dsr.t" أي: التربة الحمراء"، ولاعجب أن يسموا البحر الذي يجري على حدود هذه الصحراء "البحر الأحمر". فالأقباط، وهم النسل المنحدر مباشرة من الفراعنة، استمروا في استخدام هذه التسمية لوطنهم فسموها khme في لهجة أهل الصعيد وهم أقباط مصر العليا، وفي لهجة البحيرة وهم أقباط الدلتا سموها"xhmi". بعد ذلك جاء الإغريق فسموا هذا البلد إيجيتوس Aiyuntt tos، وهي صيغة مشوهة لأحد أسماء عاصمة المملكة القديمة في عهد الفراعنة (من الأسرة الثالثة حتى الأسرة السادسة (كا. 2640 ca -2160ق م ) التي تعني "معبد بتاج"، وهو الإله المشهور في الأساطير المصرية. من هذه الكلمة الإغريقية اشتقت أخيرًا الأسماء الأوروبية للقطر المصري مثل Egypt,Egypte,Aegy إلخ... وبعد الفتح العربي (639/641) استخدم الفاتحون جذر الكلمة اليونانيةgypt وتنطق "قبطQipt" لتسمية الأبناء الأصليين للبلاد أي كل المقيمين عليها والذين تحولوا إلى المسيحية قبل ذلك بقرون وبناء عليه صارت كلمة "قبط" أو " copt" والتي تعني من الناحية "الاشتقاقية": مصر"، و"مصري"، واستمر على استخدام هذا الاسم على أنها الاسم الخاص لسكان البلاد الأصليين، أي المسيحيين المصريين الذين جرى العرف على اعتبارهم شرعًا الأبناء المباشرين لقدماء المصريين".اهـ قلت: لذلك فإن كلمة "أقباط" كانت تطلق على جنس أهل مصر الذين اعتنقوا النصرانية، والذين أطلق عليهم بعد ذلك: " الأقباط الأرثوزكس"؛ حيث إن النصارى افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة كما أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الفرق النصرانية إنما ظهر أغلبها واستقر في القرن الرابع الميلادي وما بعده، وأشهرها مذهب الملكانية (الملكيون) الذين أيَّدوا قرارات قسطنطين في مجمع نيقية الأول عام 325 م، وبعض الباحثين يذكر أنهم أيّدوا قرارات مجمع خلقيدونية عام 451م، وسموا بذلك نسبة للملك مرقيانوس –ملك قسطنطينية-. ومجمع نيقية قرَّروا فيه أن المسيح إله، وهو أهم المجامع المسكونية فقد حضره من الآباء 2048 إلا أن شدّة الخلاف جعلت الإمبراطور قسطنطين يعيد المجمع بحضور 380 فقط من مؤيِّدي رأي بولس القائل بألوهية المسيح. ومجمع خلقيدونية قرروا فيه أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين. واحتدم الجدال والنزاع بين كنيستيّ الإسكندريَّة والقُسطنطينيَّة، وبلغ أقصاهُ في مُنتصف القرن الخامس الميلاديّ حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح، فاعتقدت الكنيسة القبطيَّة بأنَّ للمسيح طبيعة إلهيَّة واحدة (مونوفيزيَّة)، وتبنَّت كنيسة القُسطنطينيَّة القول بِثُنائيَّة الطبيعة المُحدَّدة في مجمع خلقدونيَّة، ورأت أنَّ في المسيح طبيعة بشريَّة وطبيعة إلهيَّة، وتبنَّت هذا المذهب لِيكون مذهبًا رسميًّا للإمبراطوريَّة، وأنكرت نحلة المونوفيزيتيين، وكفَّروا من قال بأنَّ للمسيح طبيعة واحدة، كما حرموا ديسقوروس بطريرك الإسكندريَّة حرمانًا كنسيًّا. لكن لم يقبل ديسقوروس ولا نصارى مصر قرارات مجمع خلقيدونية، وأطلقوا على أنفُسهم اسم: "الأقباط الأرثوزكس" - أي أتباع الديانة التقليديَّة الصحيحة-، وعُرفت الكنيسة المصريَّة مُنذ ذلك الوقت باسم «الكنيسة القبطيَّة الأرثوذكسيَّة»، وانضمت إليهم كنائس السريان، والأرمن الأرثوزكس؛ وهذه الكنائس تعتقد أن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة. واعلم أن نصارى الصعيد قديمًا كانوا على رأي أريوس الذي ينفي ألوهية المسيح، كما قال محمد أبو زهرة([1]) في "محاضرات في النصرانية" (ص 113) مبيِّنًا رأي أريوس: "وقد قال في بيان مقالته ابن بطريق: "كان يقول إن الآب وحده الله، والابن مخلوق مصنوع، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن"، ثم قال: "وقد كان لرأي أريورس في اعتبار المسيح مخلوقًا لله مشايعون كثيرون، فقد كانت الكنيسة في أسيوط على هذا الرأي، وعلى رأسها ميليتوس، وكان أنصاره في الأسكندرية نفسها كثيرين من حيث العدد، أقوياء من حيث المجاهرة بما يعتقدون، كما كان لهذا الرأي مشايعون في فلسطين ومقدونية والقسطنطينية. ([1]) كان أشعريًّا. وقد رأى بطريرك الإسكندرية أن يقضي على هذه الفكرة، فلم يعمد إلى المناقشة والجدل، حتى لا يتسع الخرق على الواقع، وحتى لا يلحن بالحجة عليه أريوس، ولكنه عمد إلى لعنة وطرده من حظيرة الكنيسة... وقد كان مذهب عدم ألوهية المسيح ذائعًا منتشرًا، وكان أسقف مقدونية على مذهب أريوس أيضًا، ويعظ على أساسه، وفي الحق أننا نجد أن أسقف مقدونية وأسقف فلسطين، وكنيسة أسيوط كل أولئك على رأي أريوس". وممن قال بقول أريوس: نسطور -أسقف القسطنطينية- حيث أنكر ألوهية المسيح عليه السلام، وقال: إنه إنسان مملوء بالبركة ولم يرتكب خطيئة، وقال إن مريم لم تلد إلهًا، بل ما يولد من الجسد إلا جسدًا، وما يولد من الروح فهو روح، فالعذراء ولدت إنسانًا عبارة عن آلة اللاهوت، وقد عقد مجمع أفسس الأول (سنة 431 م) للنظر في مقالة نسطور التي اعتبروها بدعة. وقد كان لتدخل قسطنطين الأثر الكبير في فرض القول بألوهية المسيح؛ حيث أعطى الأساقفة الـ (318) السلطة الكنسية، وأمر بتحريق من خالفهم، وامتد هذا التسلط إلى أقباط مصر لما استولت الدولة الرومانية على مصر، حيث فرضت المذهب الملكاني على أهل مصر، إلى أن فتح عمرو بن العاص مصر فأنهى هذه العصبية، وأوقف الاضطهاد الواقع على أقباط مصر من قبَل الرومان، وقد شهد بهذا أحد المؤرخين الأجانب وهو د. ألفريد بتلر في "فتح العرب لمصر" (تعريب محمد فريد أبو حديد) حيث قال (ص460): "قال على لسان بنيامين: "كنت في بلدي وهو الأسكندرية فوجدت بها أمنًا من الخوف واطمئنانًا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسه"، وقد وصف قومه بأنهم "فرحوا كما يفرح الأسخال إذا ما حلِّت لهم قيودهم وأطلقوا ليرتشفوا من لبان أمهاتهم". وكتب (حنا النقيوسي) بعد الفتح بخمسين عامًا -وهو لا يتورع عن أن يصف الإسلام بأشنع الأوصاف ويتهم من دخلوا فيه بأشدّ التهم- ولكنه يقول في عمرو إنه "قد تشدَّد في جباية الضرائب التي وقع الاتفاق عليها، ولكنه لم يضع يده على شيء من ملك الكنائس، ولم يرتكب شيء من النهب أو الغضب، بل أنه حفظ الكنائس وحماها إلى آخر مدة حياته". إذن فما كان أعظم ابتهاج القبط بخلاصهم مما كانوا فيه، فقد خرجوا من عهد ظلم وعسْف وتطاول بهم، وهوت بهم إليه حماقة البيزنطيين، آل أمره بعد خروجهم منه إلى عهد من السلام والاطمئنان". قلت: وقال د. أدولف جروهمان كما في "محاضرات في أوراق البردي العربية" (ص45/ط دار الكتب والوثائق القومية): "تعلمون أنه في سنة [21 للهجرة/642 للميلاد] فتح العرب مصر بإمرة عمرو بن العاص، وربما تتذكرون تلك الجملة المؤثرة المعروفة: "إن الإسلام انتشر لواؤه بالسيف والنار"، على أن الأسقف يوحنا النيقيوسي –المسيحي- ينقض هذا القول؛ إذا شهد -وشهادته شهادة معاصرٍـ بأن عمرو بن العاص لم يأخذ شيئًا من مقتنيات الكنيسة، ولم ينهب ولم يأخذ غير الجزية التي اشترط عمرو دفعها. وها أنا أدلكم على مستند في غاية الأهمية، وهو أقدم المستندات في عهد الإسلام؛ إذ تاريخه في جمادى الأول من سنة [22 للهجرة/مايو 642 للميلاد]، على أنه مع ذلك أقدم ورقة مكتوبة باللغتين من عهد فتوح العرب لمصر. وهذا المستند محفوظ بين المجموعة المشهورة التي اقتناها من الأوراق البردية الأرشيدوق رينر (rainer) في فيينا..."، "وفي ظاهر الورقة ما ترجمته: إشهاد لوضع الشَّاء تحت تصرف المهاجرين وغيرهم، عند سفرهم بالنهر إلى الوجه القبلي. وأُعطيت هذه الشَّاء وسلِّمت بمقتضى الحساب خصمًا من المخصصات في المدة الأولى. نصُّ الكتابة العربية التي بعد اليونانية: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أخذ عبد الله - ابن جابر وأصحابه من الجزر من أهناس أخذنا. - من خليفة ثدراق بن أبو قير الأصغر ومن خليفة اصطفى ابن أبو قير الأكبر خمسين شاة - من الجزر والخمس عشرة شاة أخرى أجزرها أصحاب سفنه كتائبه وثلقاه في. - شهر جمادى من سنة إثنين وعشرين وكتب بن حديدو". قلت: وهذه وثيقة نادرة تثبت أمانة جنود عمرو بن العاص في التعامل مع قبط مصر الذين أعطوا الذمِّة والعهد، فلم يستبح عمرو بن العاص، ولا جنوده أموالهم بغير حقِّها. وقال د. ألفريد بتلر في (ص462): "لم يكن عجبًا من أمر القبط أن يسعوا إلى الإيقاع بأتباع المذهب الملكاني والاقتصاص منهم، بعدما ذاقوه من الروم وبطريقهم قيرس من سوء العذاب. ولكن ما كان عمرو ليبيح لهم مثل هذا الأمر إن دار في خلدهم أن يفعلوه، فإن عمرًا كان في حكمه يسير على نهج الاعتدال والتسامح، ولم يكن له هوى مع أحد المذهبين الدينيين، ولدينا كثير من الأدلة على صدق هذا الرأي، فمثلاً يذكر ساويرس أن أسقفًا ملكانيًّا بقي على مذهبه حتى مات لم يمسسه أحد بأذى". قلت: هكذا يشهد النصارى أنفسهم لعمرو بن العاص بحمايتهم من اضطهاد بني جلدتهم المتعصِّبين، ويشهدون بإنصافه وعدالته، وأنه كان سببًا في رفع ظلم واضطهاد الرومان عنهم. وتأملوا سماحة الملك فيصل –رحمه الله- مع النصارى في بلجيكا، فلمَّا شب حريق في مجمع كبير في بروكسل في خلال زيارة الملك فيصل لبلجيكا، ومات فيه أكثر من ثلاثمائة شخص، فتبرع الملك فيصل بمليون دولارًا لضحايا الحادث، وقد تأثر ملك بلجيكا بصنيع الملك فيصل، وطلب منه الملك جزاء صنيعه الفريد -الذي لم يقم به ملك من ملوك الغرب الكافر- أن يقدم له أي شيء يطلبه، فإذ بالملك فيصل يقدّم مصلحة المسلمين العامة في بلجيكا على مصلحة نفسه أو مصلحة دولته، ويطلب من ملك بلجيكا أن يأذن ببناء مسجد كبير لأداء صلوات الجمعة والصلوات الخمس للمسلمين هناك، وقد أنشأ أول مصلَّى في بروكسل (بلجيكا) في مبنى صغير في حي متواضع في عام 1936. فأمر الملك بدوان –ملك بلجيكا- في عام 1967 بإعطاء الملك فيصل متحف الآثار البلجيكية –الذي يقع في أجمل مواقع بروكسل- هدية كي يحوّل إلى مسجد وأصبح مركزًا إسلاميًّا كبيرًا في بلجيكا، وفي عام 1968م اعترفت بالدين الإسلامي دينًا رسميًّا في بلجيكا. لكن على ولاة الأمر المسلمين –مع حمايتهم لأهل الذمة- أن يكونوا على حذر شديد من عدة أمور: · أولاً: توليتهم مناصب حسَّاسة في الدولة المسلمة. · وثانيًا: توَّليهم في اعتقادهم. · وثالثًا: إطلاعهم على أسرار الدولة المسلمة. وذلك أنه ثبتت خيانات عدّة منهم للمسلمين عبر القرون، وليتأملوا قول محمد بن علي بن عبد الواحد الدكالي (المعروف بابن النَّقاش) (ت 763ه) في "المذمة في استعمال أهل الذمة"(ص48-49): "وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن أهل الكتاب أنهم يعتقدون أنهم ليس عليهم إثم ولا خطيئة في خيانة المسلمين وأخذ أموالهم، فقال تعالى: {ومن أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارلَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وهذه صفة قبط مصر، فإنهم زعموا أنهم ليس عليهم في الأميين سبيل، أن لهم أخذ أموالهم وأنفسهم مجانًا، في مقابلة ما أخذوا من أموال النصارى وأنفسهم في الزمان الغابر، وقد صرح بعضهم -كما سيأتي ذكر ذلك- فإن قلت إنما هذه الآيات في تحريم ولايتهم- بفتح الواو ـ وهي محبتهم، والسؤال إنما وقع عن ولايتهم -بكسر الواو - وهي توليهم؟ قلت: لما كانت الولاية- بالكسر- شقيقة الولاية بالفتح، بل هي وسيلتها إذا لا تولي وتأمر إلا من تحبه لاشتماله على الصفات المقتضية للولاية من العقل والعلم والدين ونحو ذلك كانت توليتهم نوعًا من توليهم بل وأبلغ منها، وقد حكم الله تعالى: بأن من تولاهم فإنه منهم، ولا يتم الإيمان إلا بالبراءة منهم [والولاية تنافي البراءة، فلا تجتمع الولاية والبراءة أبدًا]. والولاية إعزاز، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا، والولاية وصلة، فلا تجتمع مع معاداة الكافر أبدًا". هذا ما تيّسر جمعه في هذه المسألة التي يجهل أبعادها البعض، أردت أن أجليها؛ كي تتضح سماحة هذه الشريعة. والله المستعان وإليه المآل. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري قبيل ليلة الثلاثاء 9 رجب 1439 هـ ([1]) صحَّحه العلامة الألباني في الصحيحة (1/807)، وقال: "قال الحافظ العراقي في " فتح المغيث " (4 / 4): "وهذا إسناد جيد وإن كان فيه من لم يسم، فإنهم عدة من أبناء الصحابة يبلغون حد التواتر الذي لا يشترط فيه العدالة ". وقال السخاوي في " المقاصد " ص (185): "وسنده لا بأس به، ولا يضره جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم، ولذا سكت عليه أبو داود. (ثم قال:) وله شواهد بينتها في جزء أفردته لهذا الحديث، منها عن عمر بن سعد رفعه: " أنا خصم يوم القيامة لليتيم، والمعاهد، ومن أخاصمه أخصمه". ([2]) ذكر العلامة الألباني هذا اللفظ خلال تخريجه لحديث: "ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، فلا يؤمن بي، إلا دخل النار"، وتصحيحه له في الصحيحة (3093)، فقال: "أخرجه ابن حبان في "صحيحه " (4860- الإحسان) ؛ لكن سقطت منه بعض الألفاظ ولم يبق منه إلا ما أفسد المعنى: "من سمع يهودياً أو نصرانياً دخل النار"! ويبدو أن الرواية هكذا وقعت له، ولذلك ترجم لها بقوله: "ذِكْرُ إِيجَابِ دُخُولِ النَّارِ لِمَنْ أَسْمَعَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَا يَكْرَهُونَهُ"... فهذا التفسير باطل رواية ولغة وشرعاً. 1- أما الرواية؛ فظاهر من النظر في نص الحديث المذكور أعلاه، ولفظه عند أحمد وغيره من طريق شعبة التي عند ابن حبان: "من سمع بي من أمتي، أو يهودي، أو نصراني، ثم لم يؤمن بي؛ دخل النار". 2- وأما اللُّغة؛ فلا يتفق المعنى الذي ذكره من لفظ الحديث المبتور؛ إلا لو كان بلفظ: "من سمع بيهودي أونصراني "، وإنما هو بلفظ: "من سمع يهوديًّا.. "، فهذا من (الإسماع) ؛ وما ذكره من (التسميع) ، وشتان ما بينهما! 3- ثم إن معنى (التنديد) المذكور في تفسيره إنما هو كناية عن فضح اليهودي أو النصراني وإذاعة عيوبه؛ فهل هذا موجب لدخول النار المذكور في الحديث؟ ! فاللهم هداك! لقد كان يكفي ذاك المعلق بأن يتأمل فيما ترجم به المؤلف ابن حبان للحديث؛ ليتبين خطأ تفسيره إياه أولاً؛ وخطأ الترجمة المبنية على الحديث المختصر اختصاراً مخلاً ثانياً؛ فإنه قال كما تقدم: ".. لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهونه "! فما قال: "سمع بأهل الكتاب "! وبهذه المناسبة أقول: لقد أفادني أحد الإخوان- جزاه الله خيرًا- أن الحافظ السخاوي قد سبقني إلى التنبيه على الخطأ الذي وقع فيه ابن حبان؛ وذلك في كتابه "فتح المغيث " (2/221) - تحت فصل الاقتصار في الرواية على بعض الحديث -؛ فقال: "هذا الإمام أبو حاتم بن حبان- وناهيك به- قد ترجم في صحيحه: (إيجاب دخول النار لمن أسمع أهل الكتاب مايكرهونه)، وساق فيه حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من سمع يهوديًّا أونصرانيًّا دخل النار". وتبعه غيره فاستدل به على تحريم غيبة الذمي! وكل هذا خطأ، فلفظ الحديث: (من سمع بي من أمتي، أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي؛ دخل النار)". فإن قيل: هذا الاختصار المخل؛ هل هو من ابن حبان، أم من أحد رواته؟ أقول وبالله التوفيق: أستبعد جدًّا أن يكون من ابن حبان، لحفظه وعلمه وفقهه، وإنما هو- فيما يغلب على ظني- من شيخه (أبي خليفة)، واسمه (الفضل بن الحباب الجمحي)، فإنه- مع كونه ثقة عالماً- كما قال الذهبي في "الميزان "-، ومعدودًا من الحفاظ-؛ فقد ذكر له الحافظ بعض الأخطاء في "اللسان"، فأرى أن يضم إلى ذلك هذا الحديث. والله أعلم. ثم إن حديث الترجمة يمكن عده مبينًا ومفسرًا لقوله تعالى: {وما كنَّا معذبين حتى نبعث رسولاً} مع ملاحظة قوله - صلى الله عليه وسلم -فيه: "يسمع بي"؛ أي: على حقيقته- صلى الله عليه وسلم - بشرًا رسولاً نبيًّا فمن سمع به على غير ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الهدى والنور ومحاسن الأخلاق؛ بسبب بعض جهلة المسلمين؛ أو دعاة الضلالة من المنصرين والملحدين؛ الذين يصورونه لشعوبهم على غير حقيقته -صلى الله عليه وسلم - المعروفة عنه؛ فأمثال هؤلاء الشعوب لم يسمعوا به، ولم تبلغهم الدعوة، فلا يشملهم الوعيد المذكور في الحديث. وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رآني في المنام.."؛ أي: على حقيقته وصفاته التي كان عليها في حال حياته، فمن ادعى فعلاً أنه رآه شيخاً كبيراً قد شابت لحيته؛ فلم يره؛ لأن هذه الصفة تخالف ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم -مما هو معروف من شمائله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم".اهـ ([3]) معاوية ابن صعصعة، قال فيه الحافظ: له صحبة، و قيل: إنه مخضرم، وقال عنه الذهبي: صحابي، وقال النسائي: ثقة، لكن الراوي عنه أبو إسحاق السبيعي، تغيّر بأخرة، وهو مدلس وقد عنعن. وأخرجه ابن زنجويه في الأموال (379) قال: ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلاً، سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنَّا نَمُرُّ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَنُصِيبُ مِنَ الشَّعِيرِ أَوِ الشَّيْءِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ ذِمَّتِكُمْ إِلَّا مَا صَالَحْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ»، وهذا إسناد ضعيف، لكنه يقوي الإسناد السابق، وبهما يصح الأثر. ([4]) في إسناده يحيى بن عقبة بن العيزار. قال ابن معين: كذاب خبيث، عدو الله، وقال أبو حاتم: يفتعل الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي وغيره: ليس بثقة. كما في ميزان الاعتدال 4/397. وأخرجه ابن زَبْر في "شروط النصارى" (9)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (2/174) من طريق بقية بن الوليد, عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب, عن عبد الرحمن بن غنم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب على النصارى حين صولحوا ...وذكره بنحوه. ورواه الخلال في "كتاب أحكام أهل الملل" من "جامعه" (1000) (ص357) قال: أخبرنا عبدالله بن الإمام أحمد حدثنى أبو شرحبيل الحمصى عيسى بن خالد قال: حدثنى عمر أبو اليمان وأبو المغيرة قالا: أخبرنا إسماعيل بن عياش قال: حدثنا غير واحد من أهل العلم قالوا: كتب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غنم...... فساقه بنحوه. قال ابن القيم (2 / 663 - 664): "وشهرة هذه الشروط تغنى عن إسنادها: فإن الإئمة تلقوها بالقبول , وذكروها في كتبهم واحتجوا بها, ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفى كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها".اهـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 121،122: وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمع عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة". ([5]) انظر: "اختلاف الدارين وآثاره في أحكام الشريعة الإسلامية" (2/231/ط الجامعة الإسلامية-المدينة). ([6]) بواسطة "تسامح الغرب مع المسلمين في العصر الحاضر" (ص77).
  22. أبو سهيل بن أحمد الدليمي

    الحلقة الثانية من(كلام العلامة الألباني في  بعض المعاصرين من خلال مؤلفاته )

    الحلقة الثانية من(كلام العلامة الألباني في بعض المعاصرين من خلال مؤلفاته ) ٤_٥_الكوثري _عبدالله الغماري قال الألباني: و أوضح مثال على ذلك _اي أنهم لا يقيمون وزنا لجهود أئمة الحديث و علماءهم ونقادهم _الكوثري و عبد الله الغماري ، فقد ضعفواحديث الجارية الذي فيه سؤاله صلى الله عليه وسلم:أين الله؟ قالت في السماء قال صلى الله عليه وسلم:اعتقها فإنها مؤمنة،وتبعهم على ذلك ذاك الهالك في تقليدهم السقاف! بل إنه زاد عليهم طغيانا وغرورا فقال في(تعليقه على دفع شبهة التشبيه ص١٠٨):ونحن نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل :أين الله. وقال ص١٨٨ ذاك اللفظ المستبشع. يقول المستهتر هذا وهو يعلم أن الحديث متفق علي صحته عند علماء المسلمين متلقى بالقبول خلفا عن سلف واحتج به كبار الأئمة............)ص١١ السقاف مكرر يقول عنه : وبالجملة فهو جهمي جلد ينكر معاني أيات الصفات بطريق التأويل و التعطيل كما فعل بآيات الاستواء، وينكر أحاديث الصفات الصحيحة بادعاء ضعفها ومخالفة علماء الحديث والجرح والتعديل كهذا الحديث ونحوه كثير فهو يضعف قوله صلى الله عليه وسلم: رأيت ربي في احسن صورة، ويفتري في تخريجه على بعض الأئمة، كما يضعف أحاديث اليدين و القبضة و الأصابع والضحك و غيرها فلعل بعض إخواننا يتفرغون له و يكشفون للناس جهله و ضلاله و عواره،كفى الله المؤمنين شروره.ا.ه الصحيحة ص١٢ مكرر السقاف يقول عنه أيضا: إنك لا شك أو ريب دسيس بين المسلمين و من أعداء الإسلام كاليهود أو غيرهم لإفساد عقائدهم،و إيقاع البلبلة في صفوف عامتهم بما تبثه فيما ينسب إليك من المؤلفات التي تشعر أن من وراءك من يمدك في الغي و الطعن في أئمة المسلمين و حفاظهم كمثل قولك في كتاب ( التوحيد لابن خزيمة ) إنه كتاب شرك و تضعيفك لامام السنة حماد بن سلمة، و تكفيرك لشيخ الإسلام ابن تيمية ومن نحا نحوه و هذا كله مبثوث في المؤلفات المشار إليها و بخاصة التعليق على (دفع الشبه ) ص١٤ من الصحيحة. ٦ شعيب الأرناؤوط ذكره الشيخ في أكثر من موضع في كتبه و كان يحزنه جدا أن شعيبا الأرناؤوط يأخذ تحقيقاته و تخريجاته و ينسبها لنفسه و لا يثبتها للشيخ فمن ذلك قوله: و هذا مما استفاده الشيخ _ أي شعيب_ من تخريجي الآتي للحديث كما يظهر ذلك للقراء بأدنى تأمل، و هو أمر معروف عنه عند كل الذين يعملون تحت إشرافه ثم لا حمدا و لا شكرا. الصحيحة(٢١/١) ويقول عنه لما عزى إلى سلسلته الصحيحة حديثا:و مع ما في هذا العزو من الشيخ شعيب إلى كتاب الألباني من الجرأة الأدبية غير المعتادة منه. (٢٢/١)من الصحيحة. ٧ حسن عبد المنان هذا أيضا ذكره الألباني كثيرا و رد عليه و لقبه (بهدام السنة) و هو كما قال _و الله المستعان قال عنه: و هناك شخص آخر ابتلي الناس و المكتبة الإسلامية به أخيرا ممن يصدق فيه المثل المعروف ( تزبب قبل أن يتحصرم ) كالذي قبله ، و لكنه يختلف عنه في اسلوبه؛ فذاك يشكك الناس في السنة في الطعن في شخص الألباني ورميه بالنقائص و الجهل ! وهذا يتظاهر بالثناء على الالباني وتقدير علمه، و لكنه يطعن في السنة مباشرة بتضعيفه الأحاديث الصحيحة التي صححها العلماء. الصحيحة (١٧/١) ثم ذكر الشيخ _ رحمه الله _ بضعة أحاديث مما ضعفها من السلسلة الصحيحةللألباني و يقول عنه أيضا: و إن من عجبه وغروره انه يتقوى في التضعيف المذكور بالشيخ شعيب الأرناؤوط فيختمها بقوله : وافقني على تضعيفه الشيخ شعيب . (٢٠/١) وقال عنه : فجاء هذا الباغي على السنة، فاخرجه منه إلى ضعيفته (٥٥/٥٢٩) قلت نور الدين : يقصد الشيخ رحمه الله أن هذا الباغي أخرج حديث أنس بن مالك قال: قال رجل يا رسول الله أحدنا يلقي صديقه ؛ اينحنى له ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا . قال فيلتزمه و يقبله ؟ قال : لا . قال فيصافحه؟ قال : نعم إن شاء. و الحديث حسنه الألباني في تخريجه رياض الصالحين النووي رقم( ٣٩٣) و في الصحيحة برقم (١٦٠) ، ثم جاء هذا المعتدي فحقق (رياض الصالحين ) و حكم عليه بالضعف تعقيبا على الالباني فرد الشيخ عليه بقوله : و أخذ يضعف طرقه الأربعة دون أن يفرق بين ضعف يستشهد به و ضعف لا يستشهد به ! و قاس ذلك على طرق حديث الطير ؛ يعني: (انا مدينة العلم و علي بابها ) ، و شتان بين الحديثين فإن هذا ليس في الأحاديث الصحيحة ما يشهد لمعناه، بل هو من أحاديث الشيعة المرفوضة كما حققه شيخ الإسلام بن تيمية في المنهاج بخلاف حديث الترجمة فقد جرى عليه عمل السلف به فيما يتعلق بالمصافحة و ترك الانحناء و التقبيل عند اللقاء على ما هو مبين في محله. ثم متى كان للقياس دخل في تضعيف الأحاديث او تصحيحها؟! و هذا وحده يكفي للدلالة على أن الرجل وضع لنفسه قواعد لنقد الأحاديث لا أصل لها عند العلماء، و في الوقت نفسه يخالف قواعدهم و أحكامهم المتفرعة عنها. ا.ه قلت نور الدين: و قد رد عليه الشيخ الألباني رحمه الله و على اعتداءاته على السنة النبوية في مواطن كثيرة من كتبه ، بل قد افرد كتابا خاصا في الرد على هذا الهدام للسنة كما لقبه الألباني رحمه الله بذلك عنوانه (النصيحة بالتحذير من تخريب ابن عبد المنان لكتب الأئمة الرجيحة و تضعيفه لمئات الأحاديث الصحيحة ) ٨ محمد على الصابوني قال الشيخ رحمه الله:( تنبيه ) وقع خطأ مطبعي فاحش في تفسير ابن كثير (٤٢/٣) فإنه ساق فيه رواية أحمد من طريق ابن لهيعة عن زبان المتقدمة من روايته عن سهل بن معاذ بن أنس ، فتحرف على الطابع (بن أنس ) إلى(عن أنس )! فصار الحديث من مسند أنس! و لم ينتبه لهذا الخطأ الشيخ الصابوني لجهله الشديد بهذا العلم الشريف فجعل الحديث في (مختصره ٣٧٩/٢) من رواية أحمد عن أنس! و هذا مما لا أصل له في كتب السنة إطلاقا و مع هذا الخطأ الفاحش منه، فإن ايراده لهذا الحديث الضعيف مما يؤكد جهله المذكور، و يدل على كذبه فيما ادعاه في مقدمة (مختصره )أنه لم يورد فيه إلا الأحاديث الصحيحة، و قد نبهت على كثير من أحاديثه الواهية في مناسبات كثيرة من هذه السلسلة و غيرها، فانظر مثلا مقدمة المجلد الرابع من (الضعيفة ص٧) و مقدمة (الصحيحة )المجلد الرابع أيضا(ص_ه_م )الأمر الذي يجعل الباحث يقطع بأنه دعي يتشبع بما لم يعط و الله المستعان. (الصحيحة٦١/١)رقم الحديث (٢١). ٩- محمد نسيب الرفاعي قال عنه : و قصر ابن كثير في تفسيره (١٢١/٢)فلم يعزه إلا لابن أبي حاتم! و قلده مختصرا (تفسيره) و المتشبعان بما لم يعطيا! و زاد الرفاعي أنه بيض له في فهرس المجلد الثاني ؛ فلم يصححه كما فعل بأكثر أحاديثه، و فيها الكثير مما لا يصح، كما هو مبين في مواضع من (الضعيفة) و ماذلك إلا لجهله بذلك العلم الشريف، هو و ابن بلده! و إلا لصرحا بصحته ، فإن إسناد ابن أبي حاتم إسناد مسلم و إن جهلا رواية مسلم إياه. فالله المستعان. الصحيحة (٨١/١) رقم الحديث( ٣٥) محمد نسيب الرفاعي _و الصابوني مكرر قال عن حديث "عجبت لأمر المؤمن.......الخ"و عزاه الحافظ بن كثير في تفسيره (٢٣٣/٢)الأعراف ل(الصحيحين) و هو وهم و قلده فيه نسيب الرفاعي في مختصره(٢٢٤/٢) و تلاه بلديه الصابوني في (مختصره أيضا ٣٧/٢)و لولا أنهما ذكرا في مقدمتيهما ما يُشعر القراء بأنهما من أهل المعرفة بهذا العلم الشريف تصحيحا و تضعيفا،و هم من اجهل الناس به كما يدل عليه كتاباهما و نبهت في الضعيفة على كثير من الأحاديث الضعيفة التي صححاها لولا ذلك لما تعرضت لهما بذكر! و لو كانا من أهل المعرفة لما قلداه في هذا الوهم.........الخ.الصحيحة (٢٧٧/١) رقم ١٤٧ عبد الوارث الكبير قال رحمه الله:ثم وقفت على العدد (٨٢)من (مجلة العربي ) الكويتية (ص١٤٤) تحت عنوان "أنت تسأل ونحن نجيب " بقلم المدعو : عبد الوارث الكبير ؛ جوابا له على سؤال عما لهذا الحديث من الصحة و الضعف ؟ فقال : أما حديث الذباب، و ما في جناحيه من داء و شفاء؛ فحديث ضعيف ، بل هو عقلا حديث مفترى ، فمن المسلم به أن الذباب يحمل الجراثيم و الاقذار .......و لم يقل أحد: إن في جناحيه الذبابة داءا و في الآخر شفاءا إلا من وضع هذا الحديث او افتراه ، و لو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار الذباب و يحض على مكافحته. قال الألباني: و في الكلام _على اختصاره_ من الدس و الجهل ما لابد من الكشف عنه؛ دفاعا عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم و صيانة له من أن يكفر به من قد يغتر بزخرف القول ! فأقول: اولا: لقد زعم أن الحديث ضعيف يعني من الناحية العلمية الحديثية بدليل قوله: ( بل هو عقلا حديث مفترى) وهذا الزعم واضح البطلان، تعرف مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلها صحيحة، وحسبك دليلا على ذلك أن أحدا من أهل العلم لم يقل بضعف الحديث؛ كما فعل هذا الكاتب الجرئ! ثانيا: لقد زعم انه حديث مفترى عقلا! وهذا الزعم ليس وضوح بطلانه بأقل من سابقه؛ لأنه مجرد دعوى، لم يسق دليلا يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به، الست تراه يقول: ولم يقل أحد..... ولو صح؛ لكشف عنه العلم الحديث....؟! فهل العلم الحديث- أيها المسكين!- قد أحاط بكل شئ علما، ام ان أهله الذين لم يصابوا بالغرور- كما أصيب من يقلدهم منا- يقولون: إننا كلما ازددنا علما بما في الكون واسراره؛ ازددنا معرفة بجهلنا، وان الأمر بحق كما قال الله تبارك وتعالى:( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) واما قوله: أن العلم يقطع بمضار الذباب و يحض على مكافحته؛ فمغالطة مكشوفة؛ لأننا نقول: إن الحديث لم يقل نقيض هذا، وإنما تحدث عن قضية أخرى لم يكن العلم يعرف معالجتها، فإذا قال الحديث: إذا وقع الذباب....) ؛ فلا أحد يفهم- من العرب ولا من العجم؛ اللهم إلا العجم في عقولهم وافهامهم- أن الشرع يبارك في الذباب ولا يكافحه! ثالثا: قد نقلنا فيما سبق ما أثبته الطب اليوم؛ من أن الذباب يحمل في جوفه ما سموه ب( مبعد البكتيريا) القاتل للجراثيم، وهذا وان لم يكن موافقا لما في الحديث على وجه التفصيل؛ فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار إليه وأمثاله من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبعد أن يأتي يوم تنجلي فيه معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثبوت التفاصيل المشار إليها علميا،( ولتعلم نبأه بعد حين) وان من عجيب أمر هذا الكاتب وتناقضه؛ انه في الوقت الذي ذهب فيه إلى تضعيف هذا الحديث؛ ذهب إلى تصحيح الحديث:( طهور الإناء الذي يلغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب) فقال: حديث صحيح متفق عليه. فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء او الشيخين على صحته؛ فالحديث الأول أيضا صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم؛ فكيف جاز له تضعيف هذا وتصحيح ذاك؟! ثم تأويله تأويلا باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح عنده في معناه؛ لأنه ذكر أن المقصود من العدد مجرد الكثرة، وان المقصود من التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر! وهذا تأويل باطل، بين البطلان، وان كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله عنه. فلا ادري أي خطأيه اعظم؟! اهو تضعيفه للحديث الأول وهو صحيح؟! ام تأويله للحديث الآخر وهو تأويل باطل؟! . انتهى راجع الصحيحة ص ٩٨ - ٩٩- ١٠٠ قلت نورالدين: وقد كشف العلم الحديث ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين وان كنا لا يهمنا هذا لأننا كمسلمين فنحن مستيقنين كل الاستيقان بصدق وصحة كلامه صلى الله عليه وسلم ولا نحتاج إلى علم حديث يثبت لنا صدق ما قاله صلى الله عليه وسلم كتبه وجمعه/ نورالدين بن يوسف الخضير حفظه الله
  23. الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد: فقَدْ ظَهَر مقالٌ في بعض الصُّحُف الجزائرية لأحَدِ أصحاب المَكَنة والقرار، يحتوي على نقولٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية في الثناء على الجنيد رحمهما الله، وهذا نصه بالخطِّ الغليظ: «الإمام ابنُ تيمية يُشيد بإمام التصوُّف !!! لا يرتاب العلماء في أنَّ الإمام الجُنيد مِنْ أئمَّة الهدى، بل هو مرجعٌ مِنْ مرجعياتِ تديُّنِ أسلافنا العلماء،،، ولكنَّني لاحظتُ أنَّ كثيرًا ممَّنْ يتدخَّلون على هذه الصفحة للدفاع عن طائفةِ «السلفية» يهاجمون طائفةَ «التصوُّف»، وكأنَّ منهجهم ضلالٌ مُبينٌ؛ وإنِّي أسوق ـ هنا ـ شهادةَ شيخ الإسلام ابنِ تيمية في إمام التصوُّف أبي القاسم الجنيد (٢٢١هج - ٢٩٧هج) ليتيقَّن هؤلاء أنَّ في مهاجمة التصوُّف مخالفةً لمنهج علماء السلف، وأنَّ الأصل هو عدمُ تعميم الأحكام، بل موافقةُ ما وافق الشرعَ ومخالفةُ ما خالفه؛ قال ابنُ تيمية في «مجموع الفتاوى»: «كان الجنيد رضي الله عنه سيِّدُ الطائفة إمامَ الهدى... والجنيدُ وأمثالُه أئمَّةُ هدًى»(١)؛ وقال: «كان الجنيد رضي الله عنه سيِّد الطائفة، ومِنْ أحسنهم تعليمًا وتأديبًا وتقويمًا»(٢)؛ وقال بصددِ مناقشة مسألة الإرادة الكونية القدَرية والفرقِ بينها وبين الإرادة الدينية: «وكانت هذه المسألةُ قدِ اشتبهَتْ على طائفةٍ مِنَ الصوفية، فبيَّنها الجُنَيْدُ ـ رحمه الله ـ لهم، مَنِ اتَّبَع الجُنَيدَ فيها كان على السداد، ومَنْ خالفه ضلَّ»(٣)». هذا، وقد استصحب صاحبُ المقال هذا الثناءَ على طائفة المتصوِّفة بجميع طبقاتهم وأقسامهم، سواءٌ كانت حلوليةً أو وجوديةً أو مُباحيةً أو قبوريةً أو غيرَها، هكذا بالتعميم، واستعمل تلك النقولَ لمطالبة السلفية بالكفِّ عن مهاجمة الصوفية ـ بالجملة ـ وعدمِ التعميم في إنزال الأحكام؛ لكونِ ذلك ـ في زعمه ـ مخالفةً لمنهج علماء السَّلف؛ فإنَّ للسلفيِّين ـ أهلِ السنَّة والجماعة ـ مع هذا المقالِ وقفات: الوقفة الأولى: أنَّ أبا القاسم الجنيد(٤) أصلُه فارسيٌّ مِنْ «نهاوند»، يُلقِّبه الصوفية ﺑ «سيِّد الطائفة»، وهو ـ وإِنْ كان مِنَ المتصوِّفة الأوائل الذين غلبَتْ عليهم الاستقامةُ في العقيدة، والإكثارُ مِنْ دعوى الْتزام السنَّة ونهجِ السلف ـ إلَّا أنه تأثَّر بأستاذه الحارث المُحاسِبيِّ [ت: ٢٤٣ﻫ] الذي يُعَدُّ أوَّلَ مَنْ خلط الكلامَ بالتصوُّف، وبخاله السَّرِيِّ السَّقَطيِّ الفارسيِّ [ت: ٢٥١ﻫ]، وهو أوَّلُ مَنْ تكلَّم ـ في بغداد ـ في ترتيب المقامات وبسطِ الأحوال، كما تأثَّر بآراءِ ذي النون المصريِّ [ت: ٢٤٥ﻫ]، وهو أوَّلُ مَنْ تكلَّم في معرفة الأحوال والمقامات. هذا، وإِنْ كان الجنيد خالف طريقةَ ذي النون في الفَناء، وأَنكرَ شطحاتِ الصوفية والقولَ بسقوط التكاليف، إلَّا أنه وردَتْ عنه عباراتٌ ومصطلحاتٌ عدَّها العلماء مِنَ الشطحات، نذكر منها على سبيل الإيجاز: ـ قول الجنيد: «علمُنا مُشتبِكٌ مع حديثِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»(٥)، وهذا العلم المشترك على وجه الاشتباك يؤدِّي ـ بلا ريبٍ ـ إلى آثارٍ غايةٍ في السوء، فضلًا عن اعتقاده. ـ وعرَّف الجنيدُ التصوُّفَ بقوله: «أَنْ تكون مع الله تعالى بلا علاقة»(٦)، وهو يقصد قَطْعَ الإنسان صِلَتَه مع جميع البشر، والاختفاءَ عن بني جنسه في الأربطة والخوانق والزوايا؛ ولا يخفى بطلانُ هذه الدعوةِ لمخالفتها لقول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»(٧). ـ وعرَّف التصوُّفَ ـ أيضًا ـ بقوله: «تصفية القلب عن موافقة البريَّة، ومفارقةُ الأخلاق الطبعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلُّق بالعلوم الحقيقية، واستعمالُ ما هو أولى على الأبدية، والنصحُ لجميع الأمَّة، والوفاء لله على الحقيقة، واتِّباع الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم في الشريعة»(٨). ـ وقال الجنيد ـ أيضًا ـ: «أُحِبُّ للمريد المبتدي أَنْ لا يشغل قلبَه بهذه الثلاث وإلَّا تغيَّر حالُه: التكسُّب، وطلبُ الحديث، والتزوُّجُ»، وقال: «أُحِبُّ للصوفيِّ أَنْ لا يقرأ ولا يكتب لأنه أجمعُ لهمِّه»(٩). ـ وجاء عن الجنيد أنه قال ـ أيضًا ـ: «ما أخَذْنا التصوُّفَ عن القِيل والقال، لكن عن الجوع وتركِ الدنيا وقطعِ المألوفات والمُستحسَنات»(١٠). وهذه جملةٌ مِنْ مخالفاتِه الصريحة والظاهرة لِمَا جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولِمَا كان عليه صحابتُه الكرام رضي الله عنهم؛ فكيف يكون الجنيد محلَّ تأييدٍ وموضعَ إشادةٍ ـ في مثلِ هذه المخالفات ـ فتأمَّلْ؟! الوقفة الثانية: لا نسلِّم أنَّ ورودَ الثناءِ مِنِ ابنِ تيمية على الجنيد هو ثناءٌ على التصوُّف برُمَّته أوَّلًا؛ والمتأمِّلُ في كلامه يدرك أنَّ ثناءَه عليه جاء مِنْ جهةِ مُوافَقةِ أفاضل الطائفة المتصوِّفة الأولى لبعضِ جوانب العقيدة الصحيحة، وتوصِيَتِهم باتِّباع السنَّة، وتحذيرِهم مِنَ الغُلُوِّ في القول بالقَدَر والفَناء ونحوِ ذلك ممَّا زلَّ فيه بعضُ أصحابهم ومُريدِيهم؛ فهذه الطائفة ـ بهذا الاعتبار ـ أحسنُ حالًا إذا ما قُورِنَتْ بطوائف المتصوِّفة الغالية ثانيًا؛ فمثلُ هذا الثناءِ يُشبِه قولَ المحدِّثين في الخبر: «أصحُّ حديثٍ في الباب»، أو قولهم: «رجالُه ثِقَاتٌ» أو «رجالُه رجالُ الصحيح»؛ فليس ذلك تصحيحًا للحديث، ولا يُساوي قولَهم: «حديثٌ صحيحٌ» ولا حتَّى «إسنادُه صحيحٌ»؛ علمًا أنَّ قولَ ابنِ تيمية ـ مع عُلُوِّ كعبه وسُمُوِّ منزلته ـ هو فيه مجتهدٌ يُصيب ويخطئ، ولا عصمةَ إلَّا لمَنْ عَصَمه اللهُ تعالى؛ فلا مجالَ ـ في المنهج السلفيِّ ـ للاحتجاج بالتعصُّب المذهبيِّ، أو بالجمود الفكريِّ، وتقليد الآباء، وتقديس الرجال ـ ثالثًا ـ فتأمَّلْ. وهاهي ذي بعضُ النقول التي تبيِّن وجوهَ ما تقدَّم ذِكرُه عن الصوفية: ـ قال ابنُ الجوزيِّ ـ رحمه الله ـ في مقامِ بيانِ معنى التصوُّف: «وهذا الاسْمُ ظَهَر للقوم قبل سنةِ مائتين، ولمَّا أظهره أوائلهم تكلَّموا فيه وعبَّروا عن صِفَته بعباراتٍ كثيرةٍ، وحاصلُها: أنَّ التَّصوُّف ـ عندهم ـ رياضةُ النَّفس ومجاهدةُ الطبع بردِّه عن الأخلاق الرذيلة وحملِه على الأخلاق الجميلة مِنَ الزهد والحِلم والصبر والإخلاص والصدق .. عن الطوسيِّ يقول: سَمِعْتُ أبا بكر بنَ المثاقف يقول: سألتُ الجنيد بنَ محمَّدٍ عن التصوُّف فقال: «الخروج عن كُلِّ خُلُقٍ رديءٍ، والدخولُ في كُلِّ خُلُقٍ سنِّيٍّ».. وعلى هذا كان أوائلُ القوم؛ فلبَّس إبليسُ عليهم فِي أشياءَ ثمَّ لبَّس على مَنْ بعدهم مِنْ تابعيهم؛ فكلَّما مضى قرنٌ زاد طمعُه في القرن الثاني؛ فزاد تلبيسُه عليهم، إلى أَنْ تمكَّن مِنَ المتأخِّرين غايةَ التمكُّن؛ وكان أصلُ تلبيسه عليهم أنه صدَّهم عَنِ العلم وأراهم أنَّ المقصود العملُ؛ فلمَّا أطفأ مصباحَ العلم عندهم تخبَّطوا فِي الظلمات»(١١). ـ وقال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ وهو يَصِفُ اختلافَ الناس في الحكم على المتصوِّفة وتنازُعَهم في طريقتهم إلى طَرَفَيْ نقيضٍ مفرِّقًا بين أوائلهم ومتأخِّريهم، حيث جَعَل الأوائلَ مِنَ المجتهدين في الطاعة بين المقتصد والمجتهد، أمَّا المنتسبون إليهم فمنهم مَنْ هو ظالمٌ لنفسه عاصٍ لربِّه، ثمَّ قال ـ رحمه الله ـ: «وقد انتسب إليهم طوائفُ مِنْ أهل البِدَع والزندقة؛ ولكن عند المحقِّقين مِنْ أهل التصوُّف ليسوا منهم: كالحلَّاج مثلًا؛ فإنَّ أكثرَ مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق، مثل: الجنيد بنِ محمَّدٍ سيِّدِ الطائفة وغيره .. فهذا أصلُ التصوُّف؛ ثمَّ إنه ـ بعد ذلك ـ تشعَّب وتنوَّع وصارت الصوفيةُ ثلاثةَ أصنافٍ: صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم: فأمَّا «صوفية الحقائق»: فهُم الذين وصَفْناهم. وأمَّا «صوفية الأرزاق» فهُم الذين وُقِفَتْ عليهم الوقوفُ كالخوانك؛ فلا يُشترَط في هؤلاء أَنْ يكونوا مِنْ أهل الحقائق فإنَّ هذا عزيزٌ، وأكثرُ أهل الحقائق لا يتَّصِفون بلزوم الخوانك؛ ولكن يُشترَط فيهم ثلاثةُ شروط: أحَدُها العدالة الشرعية بحيث يُؤدُّون الفرائضَ ويجتنبون المحارم، والثاني: التأدُّب بآداب أهل الطريق ـ وهي الآداب الشرعية ـ في غالب الأوقات، وأمَّا الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها، والثالث: أَنْ لا يكون أحَدُهم متمسِّكًا بفضول الدنيا؛ فأمَّا مَنْ كان جمَّاعًا للمال، أو كان غيرَ متخلِّقٍ بالأخلاق المحمودة ولا يتأدَّب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقًا فإنه لا يَستحِقُّ ذلك. وأمَّا «صوفية الرسم» فهُم المُقتصِرون على النسبة، فهَمُّهم في اللباس والآداب الوضعية ونحوِ ذلك، فهؤلاء في الصوفية بمنزلة الذي يقتصر على زيِّ أهل العلم وأهلِ الجهاد ونوعٍ ما مِنْ أقوالهم وأعمالهم، بحيث يظنُّ الجاهلُ حقيقةَ أمرِه أنه منهم وليس منهم»(١٢). ـ وقال ـ أيضًا ـ: «وأمَّا أئمَّةُ الصوفية والمشايخُ المشهورون مِنَ القدماء: مثل الجنيد بنِ محمَّدٍ وأتباعِه، ومثل الشيخ عبد القادر وأمثاله فهؤلاء مِنْ أعظم الناس لزومًا للأمر والنهي وتوصيةً باتِّباع ذلك وتحذيرًا مِنَ المشي مع القَدَر كما مشى أصحابُهم أولئك؛ وهذا هو «الفرق الثاني» الذي تكلَّم فيه الجنيدُ مع أصحابِه؛ والشيخُ عبد القادر كلامُه كُلُّه يدور على اتِّباع المأمور، وتركِ المحظور، والصبرِ على المقدور؛ ولا يُثبِت طريقًا تخالف ذلك أصلًا، لا هو ولا عامَّةُ المشايخ المقبولين عند المسلمين؛ ويحذِّر عن ملاحظة القَدَر المحض بدون اتِّباع الأمر والنهي كما أصاب أولئك الصوفيةَ الذين شَهِدوا القَدَرَ وتوحيدَ الربوبية وغابوا عن الفرق الإلهيِّ الدينيِّ الشرعيِّ المحمَّديِّ الذي يفرِّق بين محبوب الحقِّ ومكروهِه، ويثبت أنه لا إله إلَّا هو»(١٣). ـ وقد قسَّم الفخر الرازيُّ الصوفيةَ إلى ستِّ فِرَقٍ بقوله: «وهُم فِرَقٌ: الأولى: أصحاب العادات، وهم قومٌ منتهى أمرهم وغايتُه تزيينُ الظاهر كلُبْس الخِرْقة وتسويةِ السجَّادة. الثانية: أصحاب العبادات، وهم قوم يشتغلون بالزهد والعبادة مع ترك سائر الأشغال. الثالثة: أصحاب الحقيقة، وهم قومٌ إذا فرغوا مِنْ أداء الفرائض لم يشتغلوا بنوافل العبادات، بل بالفكر وتجريد النفس عن العلائق الجسمانية .. الرابعة: النورية، وهم طائفةٌ يقولون: إنَّ الحجاب حجابان: نوريٌّ وناريٌّ؛ أمَّا النوريُّ فالاشتغال باكتساب الصفات المحمودة كالتوكُّل والشوق والتسليم والمراقبة والأنس والوحدة والحالة؛ أمَّا الناريُّ فالاشتغال بالشهوة والغضب والحرص والأمل؛ لأن هذه الصفاتِ صفاتٌ ناريَّةٌ كما أنَّ إبليس لمَّا كان ناريًّا فلا جَرَمَ وَقَع في الحسد. الخامسة: الحلولية، وهم طائفةٌ مِنْ هؤلاء القوم الذين ذكَرْناهم يرَوْن في أنفسهم أحوالًا عجيبةً، وليس لهم مِنَ العلوم العقلية نصيبٌ وافرٌ؛ فيتوهَّمون أنه قد حَصَل لهم الحلولُ أو الاتِّحاد؛ فيدَّعون دعاوى عظيمةً؛ وأوَّلُ مَنْ أظهر هذه المقالةَ في الإسلام: الروافضُ؛ فإنهم ادَّعَوُا الحلولَ في حقِّ أئمَّتهم. السادسة: المباحية، وهم قومٌ يحفظون طامَّاتٍ لا أصلَ لها وتلبيساتٍ في الحقيقة، وهم يدَّعون محبَّةَ الله تعالى، وليس لهم نصيبٌ مِنْ شيءٍ مِنَ الحقائق، بل يخالفون الشريعةَ ويقولون: إنَّ الحبيب رَفَع عنه التكليفَ، وهو الأشرُّ مِنَ الطوائف، وهم ـ على الحقيقة ـ على دِينِ مزدك »(١٤). فظَهَر للمتأمِّل أنَّ كلامَ ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ في الثناء على الجنيد ـ رحمه الله ـ ومَنْ كان على مثلِ القَدْر الذي كان عليه مِنَ التوحيد والاتِّباع إنما هو ثناءٌ على طائفةٍ مِنْ أوائل المتصوِّفة المعروفين بالزهد والتقلُّل مِنَ الدنيا، والبعيدين عن المزالق العَقَدية والانحرافاتِ والسلوكية الخطيرة التي تبنَّاها كثيرٌ مِنْ متأخِّريهم الذين انحرفوا عن سواء السبيل بأنواعٍ مِنَ الجنايات: كتعظيم القِباب والأضرحة، وتقديسِ المشايخ، والغُلُوِّ في القَدَر، والفَناء في توحيد الربوبية، وتعطيلِ الشرع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعلُّقِ بالخرافات والمنامات، ودعوى اتِّحاد الباري سبحانه بهم وحلولِه فيهم؛ تعالى اللهُ عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا. الوقفة الثالثة: أنَّ مدح شخصٍ أو شخصين أو طائفةٍ معيَّنةٍ مُنتسِبةٍ لمنهجٍ، لا يَلْزَم منه ـ بالضرورة ـ مدحُ منهجٍ بأكمله وطريقٍ برُمَّته له أصولُه وقواعدُه؛ إذ الفرقُ بين الشخص والمذهب قائمٌ، وهكذا صنع ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ حين أثنى على الجنيد عينًا؛ فقَدْ ذمَّ منهجَ المتصوِّفة أصلًا وانحرافًا فقال: «ولهذا كان العارفون كالجنيد بنِ محمَّدٍ: سيِّد الطائفة ـ قدَّس الله رُوحَه ـ لمَّا سُئِل عن التوحيد قال: «التوحيد إفراد الحدوث عن القِدَم»؛ فإنه كان عارفًا، ورأى أقوامًا ينتهي بهم الأمرُ إلى الاتِّحاد، فلا يميِّزون بين القديم والمُحدَث، وكان ـ أيضًا ـ طائفةٌ مِنْ أصحابه وقعوا في الفناء في توحيد الربوبية، الذي لا يميز فيه بين المأمور والمحظور، فدَعَاهم الجنيد إلى الفرق الثاني وهو توحيد الإلهية، الذي يميز فيه بين المأمور والمحظور، فمنهم مَنْ وافقه ومنهم مَنْ خالفه ومنهم لم يفهم كلامَه .. وهذا الذي ذكره الجنيد مِنَ الفرق بين القديم والمُحدَث، والفرقِ بين المأمور والمحظور، بهما يزول ما وَقَع فيه كثيرٌ مِنَ الصوفية مِنْ هذا الضلال؛ ولهذا كان الضُّلَّال منهم يذمُّون الجنيدَ على ذلك كابن عربيٍّ وأمثالِه؛ فإنَّ له كتابًا سمَّاه: «الإسرا إلى المقام الأسرى» مضمونُه حديثُ نفسٍ ووساوسُ شيطانٍ حصلَتْ في نفسه، جَعَل ذلك معراجًا كمعراج الأنبياء، وأخذ يعيب على الجنيد وعلى غيره مِنَ الشيوخ ما ذكروه»(١٥). وعلى هذا سار أعلامُ الأمَّة مِنَ التفريق بين الأفراد والمسلك العامِّ، مِنْ حيث ثناؤهم على أشخاصٍ بأعيانهم لموافقتهم الحقَّ وإصابتِهم الحقيقةَ دون الثناء على مسلكهم كما هو صنيعُ شيخ الإسلام ابنِ القيِّم ـ رحمه الله ـ في كلامه عن الشيعة(١٦). الوقفة الرابعة: أنَّ الذي استقرَّ عليه أئمَّةُ الهدى المُقتَفون للسنَّة النبوية أنَّ الصوفية الحديثة ليسَتِ امتدادًا للصوفية الأولى، بل هي مبتورةُ الصِّلَة بأوائل الطريقة، وليس لهم ممَّنْ تقدَّمهم كأمثالِ مَنْ أثنى عليهم ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ إلَّا نسبةُ التسمية بُغيةَ التلبيس والتعمية؛ وكما هو معلومٌ فإنَّ الاتِّفاق في الأسماء لا يقتضي التماثلَ في المسمَّيات، قال محمَّد البشير الإبراهيمي: «إنَّنا عَلِمْنا حقَّ العلم ـ بعد التروِّي والتثبُّت، ودراسةِ أحوال الأمَّة ومناشئِ أمراضها ـ أنَّ هذه الطُّرُقَ المُبتدَعة في الإسلام هي سببُ تفرُّق المسلمين، لا يستطيع عاقلٌ سَلِم منها ولم يُبْتَلَ بأوهامها أَنْ يكابر في هذا أو يدفعه، وعَلِمْنا أنها هي السبب الأكبر في ضلالهم في الدِّين والدنيا، ونعلم أنَّ آثارها تختلف ـ في القوَّة والضعف ـ اختلافًا يسيرًا باختلاف الأقطار، ونعلم أنها أظهرُ آثارًا وأعراضًا وأشنعُ صُوَرًا ومَظاهِرَ في هذا القطرِ الجزائريِّ والأقطارِ المُرتبِطة به ـ ارتباطَ الجوار القريب ـ منها في غيره؛ لأنها في هذه الأقطارِ فروعٌ بعضُها مِنْ بعضٍ، ونعلم أنَّنا ـ حين نُقاوِمها ـ نُقاوِم كُلَّ شرٍّ، وأنَّنا حين نقضي عليها ـ إِنْ شاء الله ـ نقضي على كُلِّ باطلٍ ومُنكَرٍ وضلالٍ، ونعلم ـ زيادةً على ذلك ـ أنه لا يتمُّ ـ في الأمَّةِ الجزائرية ـ إصلاحٌ في أيِّ فرعٍ مِنْ فروع الحياة مع وجودِ هذه الطُّرُقية المشئومة، ومع ما لها مِنْ سلطانٍ على الأرواح والأبدان، ومع ما فيها مِنْ إفسادٍ للعقول وقتلٍ للمواهب»(١٧). والجدير بالتنبيه أنَّ المتأمِّل في انتقاد السلفية للصوفية ومَنْ على شاكلتهم مِنَ الطوائف الدخيلة على الإسلام المشوِّهةِ لجماله والمعكِّرةِ لصفوه، يدرك أنه وَرَد بأسلوبٍ علميٍّ بعيدٍ عن اللَّدَد في الخصومة ونافرٍ مِنَ اللجاج في المعارضة، وذلك مِنْ مقتضى المنهج السلفيِّ القائم على نصرة الله وشرعِه بمحاربة البِدَع والضلالات والمنكرات الدخيلة على دِين الله الحنيف، كما لا يُرادُ منه: تصفيةُ خصوماتٍ فرديةٍ أو نزاعاتٍ مَنْصِبيةٍ أو طموحاتٍ رياديةٍ، فضلًا عن أَنْ يكون ثمرةَ مُهاتَرةٍ كلاميةٍ جداليةٍ ذميمةٍ، والحقُّ أنَّ دافِعَها الحرصُ على صفاء المنبع ونقاءِ المَشْرَب، والغيرةُ على الأمَّة مِنَ الانسياب والتِّيه في ظلمات الجهل وغياهب الخرافات، المشتِّتة للجمع والمُضعِفة للقوَّة والمَنَعة، ولن تضع الحربُ العلميةُ أوزارَها إلَّا بعد الفراغ منها هدمًا وتخريبًا، واقتحامِ معاقلها الحصينةِ ردًّا وتعقيبًا، وإقامةِ بناء الحقِّ على أنقاضها تشييدًا وتأسيسًا. قال الإمام محمَّد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ: «فمَنْ كان يؤرِّخ للطُّرُقية بهذا الوطن [الجزائر] ولاشتدادها فيه وامتدادها منه فلْيَحبِسْ قلمَه؛ فهذه آخرُ صحيفةٍ مِنْ كتابها، ولْيختِمْه بتسجيلِ سنة الوفاة، بإقحامِ سطرِ: ماتت ـ لا رَحِمها الله ـ بين سنةِ كذا وكذا»(١٨). والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا. الجزائر في: ١٩ جمادى الآخرة ١٤٣٩ﻫ الموافق ﻟ: ٠٧ مارس ٢٠١٨م المصدر http://ferkous.com/home/?q=tawjih-15
  24. سمير بن سعيد السلفي

    ماذا يريد الإرهاب الأسود من وراء ضرب الكنائس وتفجيرها في مصر ؟!!

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى ، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى ، وآله وصحبه المستكملين الشرفا ، وبعد : فإن الذي يريده هؤلاء - وقد صرَّح به بعضهم - إحداث صراع طائفي بين المسلمين والنصارى ، حتى تصير فوضى طائفية يقتل فيها المسلم الذمي والعكس ، عندها تسقط هيبة الدولة وولي أمرها وجيشها وشرطتها من أعين الناس ؛ فإن حدث ذلك - وأسأل الله أن لا يحدث أبدًا - سارع دول الكفر كأمريكا وروسيا وغيرها لحماية الأقليات النصرانية التي تعاني من ضيق العيش وأذى الإرهاب الأسود ؛ فتضع قواعدها العسكرية في بلادنا الأبية لحماية هذه الأقلبات ؛ فإذا ما داهمت بعض دول الكفر عقر دار المسلمين ووصلت إلى بلدنا مصر قام الجيش بمحاربة هذه الدول المعادية والتي تدخلت في الشأن المصري ، وعندها تحدث حرب وفوضى عارمة تأتي على الأخضر واليابس ، وتتحد دول الكفر على جيشنا الأبي المسلم بمساندة هؤلاء الإرهابيين الخونة ؛ فيأبى الجيش إلا محاربة من تدخل في شأنه الخاص - وحق له ذلك ساعتئذ - فتتعاون هذه الثلة المجرمة مع دول الكفر ، وتصير حليفة له ضد وطنها وجيشها وقادتها لإخراج مرسيهم الغائب ! من السرداب ؛ فينشط مخطط التقسيم الذي أحبطه بل وأجهضه في مهده زعيمنا ورئيسنا المقدام عبد الفتاح السيسي - أيده الله - ؛ فتقوم الثورة والخراب والحرب والدمار التي لا هوادة فيها ؛ حتى يصير مصير المصريين كمصير بعض المسلمين في بعض دول الإسلام ؛ ممن لا يجدون أقواتهم ؛ ولا يستطيعون حماية انفسهم وأولادهم بله وأعراضهم ! ؛ فتضعف قوى الإسلام والمسلمين في الداخل والخارج ويسقط على إثر هذه الصراعات بلدنا الامن ، وعندها ينفذ الإرهاب من مصر إلى المملكة - حرسها الله - وما حولها من بلدان المسلمين ؛ ليتواطئوا مع اليهود والشيعة لاحتلال بلاد الإسلام والمسلمين ؛ فتصير لهم دولة من لا دولة ، وعندها تظن هذه الطغمة أنها انتصرت ونجح ما تخطط له ؟! وهذا لن يحدث لأمور أبدًا - بإذن الله - ، منها : أن الله لا يصلح عمل المفسدين ، وأفعالهم هذه أعمال شيطانية إفسادية ليست من الإسلام في شيء . أن الله لا يحب المعتدين ، ولذلك لا يكون النجاح حليف من لا يحبه الله ؛ فلا يدوم لهم نصر وإن حدث بعض ما يرمون إليه ويريدونه . أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - أخبر أن من صفات الخوارج أنهم كلما ذر ! لهم قرنٌ قطع ؛ وهذا معناه أنهم لم ولن تقوم لهم دولة حتى يرث الله - تبارك وتعالى - الأرض ومن عليها . أن هؤلاء قد تحقق فيهم موعود الرسول - عليه الصلاة والسلام - ومنه قوله : يقتلون أهل الإسلام ويدعون اهل الأوثان ؛ فما رأيناهم ولا سمعنا أنهم حاربوا اليهود ، أو الشيعة أو غيرهم من الكفار أبدًا على مدى كل هذه العصور ! . أن هؤلاء فيهم من صفات اليهود الشيء الكثير ، ومنها أنهم يأخذون من النصوص ما وافق أهواءهم ؛ فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ؛ فتراهم يكفِّرون من لا يحكم بما أنزل الله في زعمهم ، وهم من أشد الناس بعدًا عن كتاب الله ، وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - ؛ فأين حكم الله من قتل المسلمين والمعاهدين والمستامنين ؟! أن من كان هذا حاله ؛ فإن الله لا ينصره أبدًا ؛ فهم لا يرفعون رأسًا للتوحيد ؛ الذي هو حق الله على العبيد ؛ فتراهم في كثير من بلدان المسلمين التي احتلوها لا يعلِّمون الناس الذين يكفرونهم توحيد الله ! ، ولا سنة نبيه - عليه الصلاة والصلام - ولا يهتمون بنشر السنن ؛ بل يحاربون ويقتلون أهل السُنة ، ومن كان هذا حاله فهو من أبعد الناس عن نصر الله ، بل الخزي والهزيمة والضنك تلحقه أين ذهب ومتى حل أو ارتحل . أن كل شغلهم الشاغل هو ما كان يشغل جدهم ذي الخويصرة التميمي ، لما قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - : « اعدل يا محمد ... » ؛ فما حلوا ببلد إلا وكان همهم جمع المال ، وسبي النساء ، حتى يصبح أعزة أهل هذا البلد أذلة ! ؛ وغالب ما يحتجون به على هؤلاء الحكَّام أنهم استأثروا بالحقوق الرعية ! ، وهؤلاء الحكَّام - لو درواْ - أفضل منهم بعشرات إن لم يكن بمئات المرات ، على الأقل فإن غالب هؤلاء الحكَّام لا يتجرون بدين الله كما يفعل هؤلاء الخوارج الشراة الأرجاس النجاس ! . أسأل الله - جلَّ في علاه - أن يمكن من رقابهم ، وأن يشفي صدور قوم مؤمنين ، وأن يجعل النصر حليف الدولة وجيشها وقادتها ، وأن يحفظ ولي أمرنا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ن ونعوذ بظمة الله أن يغتال من تحته ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . وكتب ارتجالاً وعلى عجالة سمير بن سعيد القاهري أعانه الرب العلي
  25. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS) سلفي ونصيحة إلى دعاة أمريكا وبريطانيا مقال هام لفضيلة الشيخ أبي عبد الأعلي خالد بن محمد بن عثمان المصري حفظه الله لتحميل المقال علي الرابط التالي http://www.darelmalsalaf.com/darsound/salafieventssalafya.pdf نص مقالة فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلي خالد بن محمد بن عثمان المصري حفظه الله موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS) سلفي ونصيحة إلى دعاة أمريكا وبريطانيا بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتّبع هداه، أما بعد؛ فإن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم دعوة ظاهرة واضحة نقية لا غموض فيها ولا خفاء، كما قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، بخلاف دعوات أهل الباطل من أهل الأهواء فإنه يكتنفها الغموض والخفاء، وأحيانًا الكذب والتدليس والنفاق. ولذلك كان من سمات الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ظهور الحق عندهم ووضوحه؛ لأنهم وَرَثة الأنبياء حقًّا، وليس عندهم تنظيمات سرية ولا أمور يسرون بها ينفصلون بها عن عامة المسلمين في عقيدة أو منهج.. ومن ظهور أهل السنة أيضًا أنهم لا يتكتمون فيما بينهم أمورًا خفيَّة ويصدرون أحكامًا سريَّة على فلان أو علان، كحال الأحزاب البدعية. هذا، وقد أعلن الأخوة السلفيين في سنغافورة عن محاضرة لي معهم حول "أحكام شهر رمضان" عبر الهاتف، بالتنسيق مع موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS)، لكني فوجئت بعد ذلك –ودون الرجوع إليَّ - أن الأخوة السلفيين في سنغافورة قاموا بإلغاء المحاضرة للسبب التالي: قالوا: "بلغتنا نصائح من الدعاة أن موقع "سلفي إفنتس" (SALAFI EVENTS) يحتاجون إلى تصحيح أوضاعهم، ولذلك نصح هؤلاء الدعاة بعدم التعاون معهم حتى يقوموا ببعض التصحيحات، وعدم متابعة قناتهم على التليجرام". قلت: أولاً: من الأمور المقرّرة في ديننا أنَّنا لا نأخذ الأحكام من مجاهيل أو مبهمين، كما قال محمد بن سيرين: "إن هذا الأمر دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم"، ولذلك فيجب على هؤلاء أن يسمُّوا لنا هؤلاء الدعاة، لنرى هل هم سلفيون؟ وهل هم من أهل علم الجرح والتعديل الذين لهم أهلية إصدار الحكم على شخص أو فئة ما جرحًا وتعديلاً أم لا؟! وثانيًا: من قواعد هذا العلم الجليل –علم الجرح والتعديل-: أن الجرح لا يُقبَل إلا مفسَّرًا، فكان الواجب على هؤلاء الدعاة أن يبينوا بالأدلة أسباب تحذيرهم من التعاون مع الأخوة في موقع "سلفي إفنتس"، وأما قولهم: "إنهم يحتاجون إلى تصحيح أوضاعهم..."، كلام مرسل لا قيمة له من الجهة النقدية. ومهما كان، فالذي أشهد به أن موقع "سلفي إفنتس" موقع سلفي، وأن القائم عليه – وهو الأخ: آصف شبير أبو معاوية - من إخواننا السلفيين الأفاضل الذين أعرفهم معرفة جيدة، وقد صاحبني في مصر قرابة العام ونصف كان ملازمًا فيها لدروسي ولدروس شيخنا الوالد حسن بن عبدالوهّاب البنا –حفظه الله-، ثم انتقل للعمل في الرياض، وكلّما ذهبت إلى هناك كان ملازمًا لي، فما رأيت منه إلا حرصًا على الدعوة السلفية والارتباط بأكابر علمائها، والنشاط في الدعوة إلى الله، وتنظيم الدورات العلمية النافعة، وهو الذي يتولّى إذاعة الدرس الأسبوعي لمعالي الشيخ صالح اللّحيدان –حفظه الله تعالى- عبر إذاعة الموقع. وأنا أسأل هؤلاء الدعاة: هل وجدتهم –ولو مرة واحدة- على موقع "سلفي إفنتس" الإعلان عن محاضرة لواحد من أهل البدع الداعين إلى بدعتهم؟! وهذا الموقع موجود أخرجوا لنا منه المواضع التي تحتاج إلى تصحيح حتى نناصح إخواننا بتصحيحها. وأما وقوع هؤلاء الأخوة في هذا الموقع في بعض الأخطاء هذا أمر وارد، ولا يخلو منه أحد، لكن هل كلّما أخطأ أخوك حذّرت منه ومنعت من التعاون معه، فطبقت عليه أحكام الهجر التي لا تطبق إلا على المبتدع المخاصم أو الفاسق المجاهر، فإن هذا المنهج لا يرضى به عالم رباني أو داعية هدى. وقد قال شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي –حفظه الله تعالى- في نصيحته الثانية إلى "فالح الحربي" كما في (المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح) (مجموع رسائل ومؤلّفات العلامة ربيع بن هادي 9/147): "إنكم سئلتم عن أشخاص معينين مشهورين عند الناس بالسلفية والدعوة إليها، وفيهم علماء في نظر الناس، فأخرجتهم من السلفية، وهذا الإخراج جرح شديد فيهم يحتاج إلى أدلة، فإذا لم تأت بالأدلة وأسباب هذا الجرح رأى الناس أنك ظلمتهم وتعديت عليهم وطعنت في دينهم بغير وجه حق، فصرت متّهمًا عند الناس،فتحتاج إلى استبراء دينك وعرضك، فإن لم تفعل طعن فيك الناس، ولن ترضى أنت ولا غيرك بهذا الطعن، فتقوم الفتنة ويحصل الاختلاف بين السلفيين، وتكثر الطعون المتبادلة ولا يُحسَم ذلك إلا بذكر الأسباب المقنعة بهذا الإخراج، وقد تطالب أنت نفسك بذكر الأسباب إن جرحك أحد أو أخرجك من السلفية".اهـ فإن قال هؤلاء الدعاة: لكن آصفًا ليس من الدعاة المشهورين، ونحن لم نخرجه من السلفية ! فأقول: لكنه معروف بالسلفية عندنا وعند غيرنا، وموقعه معروف بالدعوة إلى المنهج السلفي، وتحذيركم من التعاون معه عقوبة شديدة تكاد تضاهي الإخراج من السلفية بصورة ضمنية. ولو صنع هذا أحد معكم لغضبتم، وتساءلتم: لماذا يحذّرون من التعاون معنا؟! وقد أخرج البخاري (13)، ومسلم (45) من حديث أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». ومن باب المصارحة والمكاشفة لإحقاق الحق وإبطال الباطل، أقول: إن هناك جهات دعوية في بريطانيا وأمريكا تظن أن الدعوة السلفية حكر عليها فقط، وأن كلَّ مَن أراد أن يقوم بأمور الدعوة نحو تنظيم المحاضرات مع أهل العلم، واستقدام بعضهم للدورات العلمية يجب أن يكون عن طريقهم، فإن قامت جهة دعوية أخرى –وهي سلفية مثلهم- بأي جهود في الدعوة –مهما عظُمت- احتقروها وقلَّلوا من شأنها وعاملوا أصحابها بالازدراء وادعوا أن عملهم يحتاج إلى تصحيحات؛ لأنهم لم يعملوا من خلالهم، وهذه بلية عظيمة تحتاج من هؤلاء الدعاة إلى وقفة مع أنفسهم يتجردون فيها لله عز وجل {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. والأخطر –وهذا مِمَّا ننزه عنه إخواننا الدعاة السلفيين المعروفين في بريطانيا وأمريكا- أن تكون بعض هذه الجهات الدعوية –أو بعض هؤلاء الدعاة- مِمَّن يتستر ببعض علماء السنة مكرًا وكيدًا، كما قال شيخنا العلامة ربيع بن هادي –حفظه الله- في "خطورة الحدادية الجديدة، وأوجه التشابه بينها وبين الرافضة" كما في (المجموع الواضح في رد منهج وأصول فالح) (مجموع رسائل ومؤلّفات العلامة ربيع بن هادي 9/416): "مع بغضهم لهم –أي لعلماء السنة- ومخالفتهم في أصولهم ومنهجهم ومواقفهم،كما يفعل الروافض في تسترهم بأهل البيت مع مخالفتهم لهم في منهجهم وأصولهم وبغضهم لأكثرهم؛ لمَاذا يفعلون هذا؟ الجواب: ليتمكنوا من إسقاط مَن يحاربونهم من أهل السنة، وليتمكنوا من الطعن فيهم، وتشويههم وتشويه أصولهم، وليحقّقوا أهدافهم في تشتيت المنهج السلفي وضرب بعضهم ببعض". وأقول: إن أمريكا وبريطانيا تحتاج إلى جهود مئات – بل آلاف من العلماء والدعاة السلفيين - لنشر التوحيد والسنة والمنهج السلفي في أوساط هذه المجتمعات التي امتلأت بأهل الملل الكافرة والدعوات الضالة، فإذا وجدنا مَن له جهد في الدعوة –ولو قلَّ- وَجَب علينا أن نؤازره ونؤيده، وإن وجدنا فيه ضعفًا أن نقويه ونعالجه لا أن نضعفه ونخذله ونحقره، وقد أخرج مسلم (2564) من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا»، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ». وقد نعى الله سبحانه على المنافقين {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وأخرج البخاري (4668)، ومسلم (1018) عن أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: «أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ» قَالَ: كُنَّا نُحَامِلُ، قَالَ فَتَصَدَّقَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ، قَالَ: وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الْآخَرُ إِلَّا رِيَاءً، فَنَزَلَتْ: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [التوبة: 79] فلا يجوز بحال أن تتسرب أخلاق المنافقين وسط السلفيين دون أن يشعروا بسبب تسويل الشيطان ونزغه، وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. هذا، وإني أنصح إخواننا جميعًا أن يعملوا بنصيحة شيخنا العلامة ربيع بن هادي: "الحث على المودة والإتلاف والتحذير من الفرقة والاختلاف"، حيث قال –حفظه الله-: "التآخي بين أهل السنة جميعا ـ السلفيين بثوا في مابينكم روح المودة والأخوة ، وحققوا ما نبهَنا إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، بأن المؤمنين كالبنيان يشد بعضه بعضا ، والمؤمنون كالجسد الواحد ـ كالجسد الواحد ـ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كونوا هكذا يا أخوة ، ابتعدوا عن عوامل الفرقة فإنها والله شر خطير وداء وبيل واجتنبوا الأسباب التي تؤدي إلى الإحن والبغضاء والفرقة والتنافر، ابتعدوا عن هذه الأشياء لأنها سادت هذه الأيام على أيدي أناس يعلم الله حالهم ـ يعلم الله حالهم ومقاصدهم ـ سادت وكثرت ومزقت الشباب في هذا البلد في الجامعة وغيرها وفي أقطار الدنيا ، ليه ؟ لأنه نزل إلى ساحة الدعوة إلى الله من ليس من أهلها ، لا علما ولا فهما ، ـ بارك الله فيكم ـ وقد يجوز أن يكون الأعداء دسوا في أوساط السلفيين من يمزقهم ويفرقهم ، وهذا أمر غير بعيد أبدا ، ووارد تماما ــ بارك الله فيكم ـ فاحرصوا على الأخوة وإذا حصل بينكم شيء من النفرة، فتناسوا الماضي وأخرجوا صفحات بيضاء جديدة الآن، وأنا أقول للإخوان: الذي يقصر ما نسقطه ـ نهلكه ـ الذي يخطئ منا ما نهلكه ـ بارك الله فيكم ـ نعالجه باللطف والحكمة ونوجه له المحبة والمودة إلى آخره ، حتى يؤوب ، وإن بقي فيه ضعف ما نستعجل عليه، وإلا والله ما يبقى أحد". نسأل الله سبحانه أن يؤلّف بين قلوب إخواننا السلفيين في أمريكا وبريطانيا وفي كل البلاد، إنه سميع قريب مجيب. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم. وكتب أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري في ظهر يوم الإثنين غرة رمضان 1437 هـ
×