أم عفاف المغربية

علاج المصاب بضماد من السنة والكتاب

عدد ردود الموضوع : 3

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة الى اخت في الله

الحمد لله الواحد الاحد الرب الصمد الذي لم يلد ولم يولد ذي العظمة والكبرياءالمتفرد بالعزة والبقاء والسلام على خاتم الأنبياء وعلى آله وأصحابه واتباعه الاوفياء

اما بعد

فان انجع السبل وانفعها تسلية للمصاب بمصيبة الموت ان يتذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم الفاجعة العظمى والمصيبة الكبرى كيف لاوهو الحبيب محمد وحبه مقدم على حب النفس والولد والوالدين قال - صلى الله عليه وسلم إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب

جاء في في بهجة المجالس لابن عبد البر أنَّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان إذا عزَّى قومًا قال:ليس مع العزاء مصيبة ولا مع الجزع فائدة والموت أشدّ مما قبله، وأهون مما بعده، فاذكر مصيبتك برسول الله تَهُن عليك مصيبتك

وقد احسن القائل

اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد

وإذا أتتك مصيبة تشجى بها فاذكر مصابك بالنبي محمد

 

فيا من فقدت عزيز وغاب عن بصرها حبيب واشتعل كبدها لهيب هوني عليك اختاه فان مصيبتك هينة طالما ليست في الدين

قال السفاريني رحمه الله

المصائب تتفاوت، فأعظمها مصيبة الدين، نعوذ بالله من ذلك فإنها أعظم مصيبة، والمسلوب من سُلب دينه.

وقد قيل

وكل كسر لعل الله جابره وما لكسر قناة الدين جُبرانُ

وتذكري اخية ان الحياة الدنيا ممر شقاء وبلاء وفرح وترح و تحول وتضمحل وسويعات لها اجل مسمى قال تعالى { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }

وانه لرحيل محتوم من وكر الفناء الى دار البقاء وقضاء مرسوم فسابق ومسبوق

 

قال ابن حزم رحمه الله

حق على من مات ولده أو قريب من أقاربه أن ينزله في تقدمه عليه في الموت منزلة ما لو كان في سفر فسبقه الولد إلى البلد الذي هو مستقره ووطنه ، فإنه لا يعظم عليه تأسفه لعلمه أنه لاحق به على القرب وليس بينهما إلا تقدم وتأخر ، وهكذا الموت فإن معناه السبق إلى الوطن إلى أن يلحق المتأخر ، وإذا اعتقد هذا قل جزعه وحزنه.

فيا اخية انه أمر الله لاراد لقضائه ولا معقب لحكمه فوديعة الله قد استردها ومالك الا الصبر فتجلدي بصبر العقلاء الكرام واياك والجزع

قال ابن القيم رحمه الله

كل أحد لابد أن يصبر على بعض مايكره ، إما اختيارا وإما اضطرارا فالكريم يصبر اختيارا لعلمه بحسن عاقبة الصبر ، وأنه يحمد عليه و يذم على الجزع ، وأنه إن لم يصبر لم يرد الجزع عليه فائتا ، ولم ينبتزع عنه مكروها ، وأن المقدور لا حيلة في دفعه ومالم يقدر لا حيلة في تحصيله فالجزع ضره أقرب من نفعه ، قال بعض العقلاء " العاقل عند نزول المصيبة يفعل مايفعله الأحمق بعد شهر كما قيل :

وأن الأمر يفضي إلى آخر // فيصير آخره أولا

فإذا كان آخر الأمر الصبر والعبد غير محمود فما أحسن به أن يستقبل الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره ، وقال بعض العقلاء : " من لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم ...

فيا ايتها المؤمنة ان الله يبتلى عباده حسب دينهم ويمتحنهم وان اهل البلاء ليغبطهم اهل العافية يوم القيامة قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم " يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطي أهل البلاء الثواب، لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض .

وان منزلة الصبر عظيمة وجزاؤها أعلى المراتب والغرف فكوني من الفائزين

قال تعالى

إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ

ويا امة الله اصبري وتصبري فما من باب اوسع من باب الصبر

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

ومن يتصبر يُصبره الله وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر

يامن طرق الموت بابها فاختار احبتها ان سلعة الله غالية انها الجنة

فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال:

يقول الله تعالي: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة"

وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول قبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد

فما الذ حلاوة الصبر ومااحلى مره حين يكون الثواب خير المآل وطيب المسكن وحسن الجوار وغمسة تُنسي كل شقاء وبؤس وبلاء

وان اكمله ما كان عند الصدمة الأولى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الصبر عند الصدمة الأولى

. ولقد بشر الله تعالى الصابرين المسترجعين بالصلاة والرحمة والاهتداء فقال سبحانه

وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون

قال ابن كثير رحمه الله

بيَّنَ تَعَالَى مَنْ الصَّابِرُونَ الَّذِينَ شُكْرهمْ فَقَالَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أَيْ تَسَلَّوْا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مِلْك لِلَّهِ يَتَصَرَّف فِي عَبِيده بِمَا يَشَاء وَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَضِيع لَدَيْهِ مِثْقَال ذَرَّة يَوْم الْقِيَامَة فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ اِعْتِرَافهمْ بِأَنَّهُمْ عَبِيده وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِي الدَّار الْآخرة

وقال القرطبي رحمه الله

جَعَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْكَلِمَات مَلْجَأ لِذَوِي الْمَصَائِب , وَعِصْمَة لِلْمُمْتَحَنِينَ : لِمَا جَمَعَتْ مِنْ الْمَعَانِي الْمُبَارَكَة , فَإِنَّ قَوْله : " إِنَّا لِلَّهِ " تَوْحِيد وَإِقْرَار بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمُلْك . وَقَوْله : " وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " إِقْرَار بِالْهَلْك , عَلَى أَنْفُسنَا وَالْبَعْث مِنْ قُبُورنَا , وَالْيَقِين أَنَّ رُجُوع الْأَمْر كُلّه إِلَيْهِ كَمَا هُوَ لَهُ . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى : لَمْ تُعْطَ هَذِهِ الْكَلِمَات نَبِيًّا قَبْل نَبِيّنَا , وَلَوْ عَرَفَهَا يَعْقُوب لَمَا قَالَ : يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُف

وقوله تعالى ُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

هَذِهِ نِعَم مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الصَّابِرِينَ الْمُسْتَرْجِعِينَ . وَصَلَاة اللَّه عَلَى عَبْده : عَفْوه وَرَحْمَته

وَبَرَكَته وَتَشْرِيفه إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَقَالَ الزَّجَّاج : الصَّلَاة مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْغُفْرَان وَالثَّنَاء الْحَسَن . وَمِنْ هَذَا الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّت إِنَّمَا هُوَ الثَّنَاء عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ , وَكَرَّرَ الرَّحْمَة لَمَّا اِخْتَلَفَ اللَّفْظ تَأْكِيدًا وَإِشْبَاعًا لِلْمَعْنَى , كَمَا قَالَ : " مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى, وَقَوْله " أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَع سِرّهمْ وَنَجْوَاهُمْ. وَقَالَ الشَّاعِر : صَلَّى عَلَى يَحْيَى وَأَشْيَاعه رَبّ كَرِيم وَشَفِيع مُطَاع وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ كَشْف الْكُرْبَة وَقَضَاء الْحَاجَة . وَفِي الْبُخَارِيّ وَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَة : " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَات مِنْ رَبّهمْ وَرَحْمَة وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ " . أَرَادَ بِالْعِدْلَيْنِ الصَّلَاة وَالرَّحْمَة , وَبِالْعِلَاوَةِ الِاهْتِدَاء . قِيلَ : إِلَى اِسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَإِجْزَال الْأَجْر , وَقِيلَ : إِلَى تَسْهِيل الْمَصَائِب وَتَخْفِيف الْحُزْن انتهى

وعن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها, إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها " قالت: فلما توفي أبو سلمة؛ قلت: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم عزم الله علي فقلتها؛ فما الخلف؟! قالت: فتزوجت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خير من رسول الله صلى الله عليه وسلم

فيا اخيتي المكروبة المفجوعة تعالي لنتجول في رحاب سير السالفين الفيحاء ونلقي نظرة على ما صبروا عليه من البلاء فقد كانوا مضرب المثل في الرضا بمرِّ القضاء فنطرق باب تشبه بهم

روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: أُصِيب حارثة يوم بدر، وهو غلام، فجاءت أمُّه إلى النبي فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة مِنِّي، فإن يكُ في الجنَّة أصبر واحتسب, وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟

فقال النبي: «ويحكِ أو هَبِلْتِ أو جَنَّة واحدة هي؟ إنَّها جِنَان كثيرة، وإنه لفي جنَّة الفردوس

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ رضي الله عنه يَشْتَكِي، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ. فَقُبِضَ الصّبِيّ،فَلَمّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمّ سُلَيْمٍ: هُوَ أَسْكَنُ مِمّا كَانَ، فَقَرّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشّىَ، ثُمّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصّبِيّ، فَلَمّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَىَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "أَعَرَسْتُمُ اللّيْلَةَ ؟" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " اللّهُمّ بَارِكْ لَهُمَا " فَوَلَدَتْ غُلاَماً، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتّىَ تَأْتِيَ بِهِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَتَىَ بِهِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم ، وَبَعَثَتْ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ ، فَأَخَذَهُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَمَعَهُ شَيْءٌ؟" قَالُوا: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا النّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَمَضَغَهَا ، ثُمّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ ، فَجَعَلَهَا فِي فِي الصّبِيّ ، ثُمَّ حَنَّكَهُ ، وَسَمّاهُ عَبْدَ اللّهِ .

وروى البيهقي : أن عبد الله بن مطرف مات ، فخرج أبوه مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن ، فغضبوا وقالوا : يموت عبد الله وتخرج في ثياب حسنة مدهناً ؟ ! قال : أفأستكين لها ، وقد وعدني ربي تبارك وتعالى عليها ثلاث خصال ، هي أحب إلي من الدنيا وما فيها ، قال الله تعالى : ( الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا اليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون)

وذكر الذَّهبي كما في السير يوم وقع الطاعون في الشام ان عمرو رضي الله عنه خطب بالناس فقال: إن هذا الطاعون رجز ففروا منه في الأودية والشعاب.

فبلغ ذلك شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه، فغضب وجاء يجر ثوبه ونعلاه فحايده، قائلاً: لقد صحبت رسول الله فاسمعوا: الطاعون رحمة ربكم ودعوة نبيكم يستشهد الله به أنفسكم ويزكي أعمالكم. فبلغ ذلك معاذًا رضي الله عنه وهو يَتوقُ إلى الشهادة في سبيل الله فقال: اللهم اجعل نصيب أهل بيت معاذ الأوفر منه.

لأنه يعلم أن من أصيب به له مثل أجر الشهيد، فتصاب ابنتاه الاثنتان وتموتان، فدفنهما في قبر واحد، وحمد الله واسترجع، ثم أصيب ابنه عبد الرحمن وهو من أعزِّ أبنائه فقال معاذ لابنه: كيف تجدك، قال: أبتاه الحق من ربك فلا تكن من الممترين.

فقال معاذ رضي الله عنه: ستجدني إن شاء الله من الصابرين، ثم تُوُفِّي رحمه الله.

ثم أصاب الطاعون كفَّ معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فجعل يقبلها ويقول: هي أحبُّ إليَّ من حُمُر النِعم ثُمَّ يُغْشَى عليه، فإذا سُري عنه قال: يا رب غُم غَمك واخنق خنقك فوعِزَّتك إنَّك لتعلم أني لأُحبُّك، ثُمَّ لقي الله جلاَّ وعلا، بعد أن احتسب أهل بيته جميعًا، فما كان إلا الرضى والتسليم بقضاء الله وقدره

وجاء في "عيون الأخبار"لابن قتيبة ان اعربية فقدت جميع أبنائها، وكفَّ بصرُها، كانت تعيش في مغزلها وتقول: الحمد لله على ما قضى، رضيت من الله ما رَضِيَ لي، واستعين الله على بيت ضيق الفناء قليل الإيواء.

ثم أُصِيبَت بموت جارة لها كانت تَبُثُّها أحزانها وأشجانها, فيقال لها: أين فلانة؟ فتقول: الحمد لله على قضاء الله والرَّجعة إلى الله.

وذكرابن ابي الدنيا في الاعتبار ان امرأة من بني عامر كان لها تسعة من الأولاد دخلت بهم -ذات يوم- غاراً، ثم خرجت لحاجة، وتركتهم في الغار، ولما رجعت سقط الغار عليهم، وانطبق، فجعلت تسمع أنينهم وتتلظَّى بجحيم عويلهم، لا تملك لهم حولاً ولا طولاً، تَئنُّ وتزفر زفرات قطَّعت أحشاءها والذي عانا البلايا عرف، حتى فقدت أنينهم؛ فلم تسمع لهم أنيناً، فعلمت أنهم ماتوا جميعاً تحت هذا الغار، فرجعت وبها من الأسى ما الله به عليم، فكانت تردد وتقول:

ربيتهم تسعة حتى إذا اتسقوا أُفردت منهم كقرن الأعضب الوحد

وكل أم وإن سُرَّت بما ولدت يوماً ستفقد من ربَّت من الولدِ

وجاء في كتابه الصبر والثواب حدثني علي بن الحسن بن موسى ، عن موسى بن عيسى ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي قال : حدثني بعض الحكماء قال : خرجت وأنا أريد الرباط ، حتى إذا كنت بعريش مصر ، أو دون عريش مصر ، إذا أنا بمظلة وإذا فيها رجل قد ذهبت يداه ورجلاه وبصره ، وإذا هو يقول : اللهم إني أحمدك حمدا يوافي محامد خلقك ، كفضلك على سائر خلقك ، إذ فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا ، فقلت : والله لأسألنه أعلمه أم ألهمه إلهاما ؟ قال : فدنوت منه ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام ، فقلت : إني سائلك عن شيء أتخبرني به ؟ قال : إن كان عندي منه علم أخبرتك به ، فقلت : على أي نعمة من نعمه تحمده عليها ؟ أم على أي فضيلة من فضائله تشكره عليها ؟ قال : أليس ترى ما قد صنع بي ؟ قال : قلت : بلى قال : فوالله لو أن الله سبحانه صب علي السماء نارا فأحرقتني ، وأمر الجبال فدمرتني ، وأمر البحار فغرقتني ، وأمر الأرض فخسفت بي ، ما ازددت له إلا حبا ، ولا ازددت له إلا شكرا . وإن لي إليك حاجة ، بني لي كان يتعاهدني لوقت صلاتي ، ويطعمني عند إفطاري ، وقد فقدته منذ أمس ، انظر هل تحسه لي ؟ فقلت : إن في قضاء حاجة هذا العبد لقربة إلى الله . قال : فخرجت في طلبه ، حتى إذا كنت بين كثبان من رمال ، إذا أنا بسبع قد افترس الغلام يأكله قال : قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، كيف آتي هذا العبد الصالح من وجه رفيق فأخبره الخبر لا يموت ؟ قال : فأتيته ، فسلمت عليه ، فرد علي السلام ، فقلت : إني سائلك عن شيء أتخبرني به ؟ قال : إن كان عندي منه علم أخبرتك به قال : قلت : أنت أكرم على الله منزلة أم أيوب عليه السلام ؟ قال : بل أيوب صلى الله عليه وسلم كان أكرم على الله مني ، وأعظم منزلة عند الله مني . قال : قلت : أليس ابتلاه الله فصبر ، حتى استوحش منه من كان يأنس به وصار غرضا لمرار الطريق ؟ قال : بلى . قلت : فإن ابنك الذي أخبرتني من قصته ما أخبرتني ، خرجت في طلبه ، حتى إذا كنت بين كثبان من رمال ، إذا أنا بسبع قد افترس الغلام يأكله . فقال : الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا ثم شهق شهقة فمات رحمه الله . قال : قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون من يعينني على غسله وكفنه ودفنه ؟ قال : فبينما أنا كذلك ، إذا أنا بركب قد بعثوا رواحلهم يرويدون الرباط . قال : فأشرت إليهم ، فأقبلوا إلي . فقالوا : ما أنت وهذا ؟ فأخبرتهم بالذي كان من أمره قال : فثنوا أرجلهم ، فغسلناه بماء البحر ، وكفناه ، بأثواب كانت معهم ، ووليت الصلاة عليه من بينهم ، ودفناه في مظلته تلك ومضى القوم إلى رباطهم ، وبت في مظلته تلك الليلة أنسا به فلما مضى من الليل مثل ما بقي منه ، إذا أنا بصاحبي في روضة خضراء ، عليه ثياب خضر ، قائما يتلو الوحي ، فقلت : ألست أنت صاحبي ؟ قال : بلى . قلت : فما الذي صيرك إلى ما أرى ؟ قال : وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء ، والشكر عند الرخاء . قال الأوزاعي : قال لي الحكيم : يا أبا عمرو وما تنكر من هذا الولي ؟ والاه ، ثم ابتلاه فصبر ، وأعطاه فشكر ؟ والله لو أن ما حنت عليه أقطار الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، وأتى عليه الليل والنهار ، أعطاه الله أدنى خلق من خلقه ، ما نقص ذلك من ملكه شيئا قال الوليد : قال لي الأوزاعي :

ما زلت أحب أهل البلاء منذ حدثني الحكيم بهذا الحديث

وختاما فقد ارشدنا الحبيب المصطفى الى دواء ناجع وضماد نافع فقال صلوات الله وسلامه عليه ما أصاب عبداً همٌّ قط ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أو علمته أحداً من خلقك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً

اسال الله تعالى ان يكشف كرب المكروبين وان يربط على قلوبهم وأن يجزل لهم الأجر والثواب

جمع وترتيب ام عفاف المغربية

غفر الله لي ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات

تم التعديل بواسطة أم عفاف المغربية

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

لله درك أختي على ما خطت أناملك، مواساة لكل مصاب، ودعوة لكل مكروب بالصبر وتذكر موت النبي صلى الله عليه وسلم وجعله أعظم المصائب والكروب.

 

فجزى الله أختنا وبارك فيها على ما قدمت وأعطت من عطاء الله النفيس الغالي المتمثل في التذكرة بالصبر المستنبطة من الأحاديث النبوية والأثار السلفية.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان