اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
سلطان الجهني

(ملخص): يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد مهمة نذكر بعضها

Recommended Posts

89 - " إن أول ما يكفئ -يعني الإسلام-كما يكفأ الإناء-يعني الخمر-، فقيل:كيف يا رسول الله، وقد بين الله فيها ما بين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسمونها بغير اسمها".

90- ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه،(وفي رواية):يسمونها بغير اسمها

91- " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ".

غريب الحديث:
(الحر) الفرج، والمراد: الزنا.
(المعازف) جمع معزفة وهي آلات الملاهي كما في " الفتح ".
(علم) هو الجبل العالي.
(يروح عليهم) بحذف الفاعل وهو الراعي بقرينة المقام، إذ السارحة لابد لها من حافظ.
(بسارحة) هي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها، وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها.
(يأتيهم لحاجة) بيانه في رواية الإسماعيلي في " مستخرجه على الصحيح ":" يأتيهم طالب حاجة ".
(فيبيتهم الله) أي يهلكهم ليلا.
(ويضع العلم) أي يوقعه عليهم.
فقه الأحاديث:
يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد هامة نذكر بعضها:
أولا: تحريم الخمر، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين والحمد لله، غير أن طائفة منهم - وفيهم بعض المتبوعين - خصوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصة! وأما ما سوى ذلك من المشروبات المسكرة، مثل (السكر) وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ، و (الجعة) وهو نبيذ الشعير، و (السكركة) وهو خمر الحبشة من الذرة، فذلك كله حلال عندهم إلا المقدار الذي يسكر منه، وأما القليل منهفحلال! بخلاف خمر العنب فقليله ككثيره في التحريم.وهذا التفريق مع مصادمته للنصوص القاطعة في تحريم كل مسكر،
كقول عمر رضي الله عنه: " نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل " وكقوله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " وقوله: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ".
أقول: هذا التفريق مع مصادمته لهذه النصوص وغيرها، فهو مخالف للقياس الصحيح والنظر الرجيح، إن أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر كثيره، وبين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر؟ ! وهل حرم القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر، فكيف يحلل هذا ويحرم ذاك والعلة واحدة؟ ! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدق نسبتها إلى أحد من أهل
العلم لولا صحة ذلك عنهم، وأعجب منه الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه من أهل القياس والرأي! ! قال ابن القيم في " تهذيب السنن " (5 / 263) بعد أن ساق بعض النصوص المذكورة:"فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة مغنية عن التكلف في إثبات تسميتها خمرا بالقياس، مع كثرة النزاع فيه. فإذ قد ثبت تسميتها خمرا نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا. فهذه طريقة منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم، والقياس في الحكم. ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينها، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه، وإن لم يسكر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه، وقليله يدعو إلى كثيره. وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة، فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات وهو باطل، فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافيا في التحريم، فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها، ولا اشتباه في معناها، بل هي صحيحة. وبالله التوفيق ". وأيضا فإن إباحة القليل الذي لا يسكر من الكثير الذي يسكر غير عملي، لأنه لا يمكن معرفته إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة (الكحول) في الشراب، فرب شراب قليل، كمية الكحول فيه كثيرة وهو يسكر، ورب شراب أكثر منه كمية، الكحول فيه أقل لا يسكر وكما أن ذلك يختلف باختلاف بنية الشاربين وصحتهم، كما هو ظاهر بين، وحكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب وهي التي تقول: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، " ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ".
واعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة والقياس الصحيح معا في بعض المذاهب مما يوجب على المسلم البصير في دينه،الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة عقله وتفكيره وعقيدته لغير معصوم، مهما كان شأنه في العلم والتقوى والصلاح بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب والسنة إن كان أهلا لذلك، وإلا سأل المتأهلين لذلك، والله تعالى يقول:(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

وبالإضافة إلى ذلك فإنا نعتقد أن من قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم فهو مأجور على خطئه، للحديث المعروف، لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه، وأما من وقف من أتباعهم على هذه الاحاديث التي ذكرنا، ثم أصر على تقليدهم على خطأهم،
وأعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة فهو - ولا شك - على ضلال مبين، وهو داخل في وعيد هذه الأحاديث التي خرجناها ولا يفيده شيئا تسميته لما يشرب بغير اسمه مثل الطلاء، والنبيذ، أو (الويسكى) أو (الكونياك) وغير ذلك من الأسماء التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الكريمة.
وصدق الله العظيم إذ يقول: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان) .

ثانيا: تحريم آلات العزف والطرب، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه:
أ - قوله: " يستحلون " فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم.
ب - قرن (المعازف) مع المقطوع حرمته: الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى.
وقد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ، كالطبل والقنين وهو العود وغيرها، ولم يأت ما يخالف ذلك أو يخصه، اللهم إلا الدف في النكاح والعيد، فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه، وقد ذكرته في ردي على ابن حزم. ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على
تحريم آلات الطرب كلها، واستثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في الحرب، وألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية، ولا وجه لذلك ألبتة لأمور:

الأول: أنه تخصيص لأحاديث التحريم، بدون مخصص، سوى مجرد الرأي والاستحسان، وهو باطل.
الثاني: أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم، وأن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم، فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم، وأربط لقلوبهم فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم، ويصرفهم عن ذكر ربهم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) .
الثالث: أن استعمالها من عادة الكفار (الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق) فلا يجوز لنا أن نتشبه بهم، لا سيما فيما حرمه الله تبارك وتعالى علينا تحريما عاما كالموسيقى.ولا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة من القول بإباحة آلات الطرب والموسيقى، فإنهم - والله - عن تقليد يفتون، ولهوى الناس اليوم ينصرون، ومن يقلدون؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ فأباح آلات الطرب والملاهي، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده، وقد عرفت أنه صحيح قطعا، وأن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق بيانه، وليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة، مع أنهم أفقه منه وأعلم وأكثر عددا وأقوى حجة؟ ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل، ومعنى التحقيق العلمي كما لا يخفى أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب ويدرسوا طرقها ورجالها، ثم يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف، ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من ناحية دلالتها وفقهها وعامها وخاصها، وذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم أصول الحديث وأصول الفقه، لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم ولكانوا مأجورين، ولكنهم - والله - لا يصنعون شيئا من ذلك، ولكنهم إذا عرضت لهم مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى تحقيق المصلحة زعموا. دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب والسنة، وكم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية، يبرأ الإسلام منها. فإلى الله المشتكى.فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك، وسنة نبيك، ولا تقل:
قال فلان، فإن الحق لا يعرف بالرجال، بل اعرف الحق تعرف الرجال، ورحمة الله على من قال:

العلم قال الله قال رسوله** قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة **بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها **حذرا من التمثيل والتشبيه

ثالثا: أن الله عز وجل قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية، فيمسخهم فيقلب صورهم، وبالتالي عقولهم إلى بهيمة..
قال الحافظ في " الفتح " (10 / 49) في صدد كلامه على المسخ المذكور في الحديث: " قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم. قلت: والأول أليق بالسياق ".

أقول: ولا مانع من الجمع بين القولين كما ذكرنا بل هو المتبادر من الحديثين. والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة وخنازير لم يكن مسخا حقيقيا بدنيا، وإنما كان مسخا خلقيا! وهذا خلاف ظاهر الآيات والأحاديث الواردة فيهم، فلا تلتفت إلى قولهم فإنهم لا حجة لهم فيه إلا الاستبعاد العقلي، المشعر بضعف الإيمان بالغيب. نسأل الله السلامة.
رابعا: ثم قال الحافظ:"وفي هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأن الحكم يدور مع العلة، والعلة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وجد الإسكار، وجد التحريم، ولو لم يستمر الاسم، قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها، ردا على من حمله على اللفظ "!

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها...للألباني
المجلد الأول :رقم الحديث(89)(90)(91).

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

89 - " إن أول ما يكفئ -يعني الإسلام-كما يكفأ الإناء-يعني الخمر-، فقيل:كيف يا رسول الله، وقد بين الله فيها ما بين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسمونها بغير اسمها".

90- ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه،(وفي رواية):يسمونها بغير اسمها

91- " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ".

غريب الحديث:
(الحر) الفرج، والمراد: الزنا.
(المعازف) جمع معزفة وهي آلات الملاهي كما في " الفتح ".
(علم) هو الجبل العالي.
(يروح عليهم) بحذف الفاعل وهو الراعي بقرينة المقام، إذ السارحة لابد لها من حافظ.
(بسارحة) هي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها، وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها.
(يأتيهم لحاجة) بيانه في رواية الإسماعيلي في " مستخرجه على الصحيح ":" يأتيهم طالب حاجة ".
(فيبيتهم الله) أي يهلكهم ليلا.
(ويضع العلم) أي يوقعه عليهم.
فقه الأحاديث:
يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد هامة نذكر بعضها:
أولا: تحريم الخمر، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين والحمد لله، غير أن طائفة منهم - وفيهم بعض المتبوعين - خصوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصة! وأما ما سوى ذلك من المشروبات المسكرة، مثل (السكر) وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ، و (الجعة) وهو نبيذ الشعير، و (السكركة) وهو خمر الحبشة من الذرة، فذلك كله حلال عندهم إلا المقدار الذي يسكر منه، وأما القليل منهفحلال! بخلاف خمر العنب فقليله ككثيره في التحريم.وهذا التفريق مع مصادمته للنصوص القاطعة في تحريم كل مسكر، 
كقول عمر رضي الله عنه: " نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل " وكقوله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " وقوله: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ".
أقول: هذا التفريق مع مصادمته لهذه النصوص وغيرها، فهو مخالف للقياس الصحيح والنظر الرجيح، إن أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر كثيره، وبين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر؟ ! وهل حرم القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر، فكيف يحلل هذا ويحرم ذاك والعلة واحدة؟ ! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدق نسبتها إلى أحد من أهل
العلم لولا صحة ذلك عنهم، وأعجب منه الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه من أهل القياس والرأي! ! قال ابن القيم في " تهذيب السنن " (5 / 263) بعد أن ساق بعض النصوص المذكورة:"فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة مغنية عن التكلف في إثبات تسميتها خمرا بالقياس، مع كثرة النزاع فيه. فإذ قد ثبت تسميتها خمرا نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا. فهذه طريقة منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم، والقياس في الحكم. ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينها، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه، وإن لم يسكر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه، وقليله يدعو إلى كثيره. وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة، فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات وهو باطل، فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافيا في التحريم، فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها، ولا اشتباه في معناها، بل هي صحيحة. وبالله التوفيق ". وأيضا فإن إباحة القليل الذي لا يسكر من الكثير الذي يسكر غير عملي، لأنه لا يمكن معرفته إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة (الكحول) في الشراب، فرب شراب قليل، كمية الكحول فيه كثيرة وهو يسكر، ورب شراب أكثر منه كمية، الكحول فيه أقل لا يسكر وكما أن ذلك يختلف باختلاف بنية الشاربين وصحتهم، كما هو ظاهر بين، وحكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب وهي التي تقول: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، " ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ".
واعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة والقياس الصحيح معا في بعض المذاهب مما يوجب على المسلم البصير في دينه،الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة عقله وتفكيره وعقيدته لغير معصوم، مهما كان شأنه في العلم والتقوى والصلاح بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب والسنة إن كان أهلا لذلك، وإلا سأل المتأهلين لذلك، والله تعالى يقول:(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

وبالإضافة إلى ذلك فإنا نعتقد أن من قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم فهو مأجور على خطئه، للحديث المعروف، لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه، وأما من وقف من أتباعهم على هذه الاحاديث التي ذكرنا، ثم أصر على تقليدهم على خطأهم،
وأعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة فهو - ولا شك - على ضلال مبين، وهو داخل في وعيد هذه الأحاديث التي خرجناها ولا يفيده شيئا تسميته لما يشرب بغير اسمه مثل الطلاء، والنبيذ، أو (الويسكى) أو (الكونياك) وغير ذلك من الأسماء التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الكريمة.
وصدق الله العظيم إذ يقول: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان) .

ثانيا: تحريم آلات العزف والطرب، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه:
أ - قوله: " يستحلون " فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم.
ب - قرن (المعازف) مع المقطوع حرمته: الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى.
وقد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ، كالطبل والقنين وهو العود وغيرها، ولم يأت ما يخالف ذلك أو يخصه، اللهم إلا الدف في النكاح والعيد، فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه، وقد ذكرته في ردي على ابن حزم. ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على
تحريم آلات الطرب كلها، واستثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في الحرب، وألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية، ولا وجه لذلك ألبتة لأمور:

الأول: أنه تخصيص لأحاديث التحريم، بدون مخصص، سوى مجرد الرأي والاستحسان، وهو باطل.
الثاني: أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم، وأن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم، فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم، وأربط لقلوبهم فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم، ويصرفهم عن ذكر ربهم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) .
الثالث: أن استعمالها من عادة الكفار (الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق) فلا يجوز لنا أن نتشبه بهم، لا سيما فيما حرمه الله تبارك وتعالى علينا تحريما عاما كالموسيقى.ولا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة من القول بإباحة آلات الطرب والموسيقى، فإنهم - والله - عن تقليد يفتون، ولهوى الناس اليوم ينصرون، ومن يقلدون؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ فأباح آلات الطرب والملاهي، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده، وقد عرفت أنه صحيح قطعا، وأن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق بيانه، وليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة، مع أنهم أفقه منه وأعلم وأكثر عددا وأقوى حجة؟ ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل، ومعنى التحقيق العلمي كما لا يخفى أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب ويدرسوا طرقها ورجالها، ثم يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف، ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من ناحية دلالتها وفقهها وعامها وخاصها، وذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم أصول الحديث وأصول الفقه، لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم ولكانوا مأجورين، ولكنهم - والله - لا يصنعون شيئا من ذلك، ولكنهم إذا عرضت لهم مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى تحقيق المصلحة زعموا. دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب والسنة، وكم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية، يبرأ الإسلام منها. فإلى الله المشتكى.فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك، وسنة نبيك، ولا تقل:
قال فلان، فإن الحق لا يعرف بالرجال، بل اعرف الحق تعرف الرجال، ورحمة الله على من قال:

العلم قال الله قال رسوله** قال الصحابة ليس بالتمويه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة **بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها **حذرا من التمثيل والتشبيه

ثالثا: أن الله عز وجل قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية، فيمسخهم فيقلب صورهم، وبالتالي عقولهم إلى بهيمة..
قال الحافظ في " الفتح " (10 / 49) في صدد كلامه على المسخ المذكور في الحديث: " قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم. قلت: والأول أليق بالسياق ".

أقول: ولا مانع من الجمع بين القولين كما ذكرنا بل هو المتبادر من الحديثين. والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة وخنازير لم يكن مسخا حقيقيا بدنيا، وإنما كان مسخا خلقيا! وهذا خلاف ظاهر الآيات والأحاديث الواردة فيهم، فلا تلتفت إلى قولهم فإنهم لا حجة لهم فيه إلا الاستبعاد العقلي، المشعر بضعف الإيمان بالغيب. نسأل الله السلامة.
رابعا: ثم قال الحافظ:"وفي هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأن الحكم يدور مع العلة، والعلة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وجد الإسكار، وجد التحريم، ولو لم يستمر الاسم، قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها، ردا على من حمله على اللفظ "!

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها...للألباني
المجلد الأول :رقم الحديث(89)(90)(91).

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×