اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
أبو حسين الفيلكاوي

الرد على سالم بن سعد الطويل في ثلاث مسائل قائمة على تبنِّيه القاعدة الفاسدة: (لا يلزمني)

Recommended Posts

الرد على سالم بن سعد الطويل في ثلاث مسائل قائمة على تبنِّيه القاعدة الفاسدة: (لا يلزمني)

 

 

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه

أما بعد:

 

فلقد سبق لي أن رددت على سالم الطويل بمقال نشر في هذه الشبكة المباركة -بإذن الله تعالى- شبكة سحاب السلفية تحت عنوان: (الرد على سالم بن سعد الطويل في اتهامه الصحابة بالحزبية المذمومة)، ورابطه:

 

http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141720

 

كما رد عليه الأخ الفاضل جاسم الكوهجي بمقال نشر أيضا في هذه الشبكة؛ شبكة سحاب السلفية تحت عنوان: (منهج العلامتين الربيع والعثيمين، تعيين الدعاة المخالفين، ورد عدوان سالم الطويل، وطلابه العابثين)، ورابطه:

 

http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=141769

 

ورد عليه الأخ الفاضل الدكتور فواز العوضي بمقال نشر أيضا في هذه الشبكة؛ شبكة سحاب السلفية تحت عنوان: (التنبيهات على ما في كلام سالم الطويل من التحريفات)، ورابطه:

 

http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=144070

 

إلا أن الرجل لم يزدد بهذه الردود إلا ظلما إلى ظلمه، وانحرافا إلى انحرافاته، وافتراء إلى افتراءاته، والله المستعان

 

ولما كان المقصود بيان ما عند هذا الرجل من مخالفات صريحة لمنهج أهل السنة والجماعة وذلك لسببين:

 

إما أن يتوب إلى الله عز وجل فيتوب الله عليه، ويوفقه لأن يدع ما هو عليه من باطلٍ وضلال، فيتبرأ من القواعد الفاسدة التي طالما حارب بها السلفيين، ويرجع عن أخطائه إذا انكشفت له.

 

وإما أن يحذره المسلمون إذا هو أصر على ما هو عليه وكابر ويجتنبوه.

 

فقد عزمت الرد عليه بهذا المقال، وهو المقال الثاني في الرد على سالم بن سعد الطويل؛ مُبيِّنا فيه ثلاث مسائل؛ بل ثلاث مصائب من مصائب هذا الرجل وتناقضاته، علما بأن هذه الثلاث مخالفات هي من مقال واحد فقط، وهو مما نشره في موقعه تحت عنوان: (الإجابة عن الأسئلة القطرية).

 

وهذه الثلاث مسائل التي خالف بها سالم الطويل أهل الحق بل وربما تناقض -في بعضها- هي كالتالي:

 

المسألة الأولى: هي ادعاء سالم الطويل الرضا بمنهج الشيخ العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله تعالى-.

 

المسألة الثانية: هي ما ادَّعاه سالم الطويل بأن مخالفة الشيخ ربيع في أحكامه على المخالفين لا تعني عدم الرضا بمنهجه.

 

المسألة الثالثة: هي تبنِّي سالم الطويل قاعدة (لا يلزمني) في رده الحق، ورد ما لا يهواه من أقوال العلماء.

 

وقبل الشروع في المقصود والرد على الثلاث مسائل أقدم بمقدمة بين يدي الموضوع، فأقول:

 

إن من أهم المسائل التي خالف بها سالم بن سعد الطويل –هداه الله إلى الحق وقبوله وألهمه رشده- المنهج السلفي؛ منهج أهل السنة والجماعة –والتي كانت سببا في وجود هذه المخالفات التي أخذتها عليه من مقاله المذكور- تبنِّيه القاعدة الفاسدة التي استخدمها أبو الحسن المأربي، ثم تابعه عليها علي حسن الحلبي، ثم تابعهما -بعد ذلك- إبراهيم الرحيلي؛ كلهم يردون الحق، ويردون أحكام العلماء على المخالفين، ويُشغِّبون عليهم وعلى أحكامهم بهذه القاعدة الفاجرة الفاسدة المخالفة لأصول وقواعد أهل السنة والجماعة؛ قاعدة: (لا يلزمني).

 

فهؤلاء الثلاثة المذكورون لم يستخدموا هذه القاعدة الفاسدة إلا لرد الحق وعدم قبوله، ولصد الناس عنه -كما هو معلوم عند السلفيين-، فاستخدامهم لها: حماية لأنفسهم أولا -بحسب ظنهم-؛ إذ وقعوا في مخالفة أصول وقواعد أهل السنة والجماعة، وناصحهم علماء السنة، فأبَوا إلا المكابرة والتمسك بالباطل والاستمرار فيه، ورد الحق وعدم قبوله؛ حتى حذر منهم العلماء وحَذَروهم، ثم حماية مَن وراءهم ممن يدافعون عنهم من أهل الضلال ثانيا.

 

وإن لمن المؤسف حقا أن يتبنى سالم الطويل هذه القاعدة الفاسدة ويقررها في أكثر من موطن –سواء كان مكتوبا أو مسموعا-، ويشغب بها على أحكام علماء السنة في المخالفين؛ مع ظهور فساد هذه القاعدة لأدنى طالب علم سلفي.

 

فعلماؤنا قد أشبعوا هذه القاعدة بيانا وتوضيحا -في ردودهم على من تستر بها في ردِّه الحق- حتى بان فسادها لكل من له أدنى مسكة من علم؛ ممن يرفع بالعلماء وبأصول أهل السنة وقواعدهم رأسا؛ غير أن هذا الرجل بدلا من أن يتمسك بما قرره العلماء لينجو بنفسه وبمن معه -إذ لا سبيل للنجاة إلا بالتمسك بما عليه السلفيون؛ أهل السنة والجماعة وسلوك سبيلهم- ذهب ليعيد الكَرَّة من جديد ويشوش على ما قرره العلماء وعلى أحكامهم بهذه القاعدة الفاسدة، التي نتج عنها تلكم المسائل السالف ذكرها، والرد على مسائله ومخالفاته فيما يأتي:

 

أما المسألة الأولى: وهي ادعاء سالم الطويل الرضا بمنهج الشيخ العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله تعالى- فالجواب عنها:

 

بأن من عجائب هذا الرجل -في مقاله المذكور- أنه يقرر الشيء وضده، ويحسب أنه يحسن صنعا، فيقول القول في سطرٍ وينقضه في السطر الذي يليه، ولا أدري إن كان فعله هذا نابعا عن ظنه أن الناس يقرأون ولا يفهمون ما يقرأون، أم أنه هو الذي يكتب ولا يدري ماذا يكتب؛ وإلا فما معنى قوله حين سئل عن رضاه عن منهج الشيخ ربيع من عدمه:

(نعم؛ أرتضي منهج الشيخ ربيع حفظه الله تعالى؛ فمنهجه منهج سلفي ارتضاه العلماء وزكوه..).

 

بل وأكده بقوله: (ثم إن الشيخ ربيع هو الذي يزكي المناهج وينتقدها وهذا مشهور ومعلوم عنه حتى عند كبار العلماء فكيف لا أرتضي منهجه؟).

 

ثم يُسأل بعد سطر واحد فقط: كيف يطلب الشيخ ربيع من سالم الطويل تبديع علي حسن الحلبي، ويطلب منه نشر ردوده على الحلبي، ثم إذا رجع الشيخ سالم الكويت يقول: (لا يلزمني) تبديع علي حسن الحلبي؟، فيجيب:

(لعل السائل لا يعرف معنى (المنهج) فظن أني إذا لم أوافق الشيخ ربيع على تبديع شخص ما بعينه أكون مخالفا لمنهجه أو غير مرتضيه!!).

ثم يُؤكده بقوله: (نعم لقد طلب مني الشيخ ربيع أن أبدع علي حسن الحلبي فسَكتُّ ولم أوافق على تبديعه ولم أعده بذلك).

 

بل ويُسأل: لماذا لم يقل سالم الطويل للشيخ ربيع أنه لا يلزمني تبديع علي حسن الحلبي؟ فيجيب: (هذه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قد يجهلها السائل وكثير من الناس؛ فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع ما لا يعجبه (سكت)؛ فسكوتي لا بأس به شرعاً...).

 

ثم ليته اكتفى بهذا الحد وسكت، بل زاد الطين بلة -كما يقال- حين نصَّب نفسه قيِّما ومرشدا لإمام الجرح والتعديل حين أردف هذا كله بقوله: (وأتمنى أن الشيخ ربيع لا يطلب مني ولا من غيري تبديع أحد بعينه لاسيما أن بعض الناس ربما رمى من لم يبدع من بدَّعه الشيخ ربيع بأبشع الألقاب...).

 

والمقصود أن الرجل ينص على أنه يرتضي منهج الشيخ ربيع، وأن الشيخ ربيعا هو الذي يزكي المناهج وينتقدها، ويعلم بشهادة كبار العلماء له بذلك، ثم هو لا يوافق الشيخ ربيعا على أحكامه وعلى تبديعه للأشخاص، بل لعله لا يرتضي أحكامه في أشخاص معينين كـ: علي حسن الحلبي وقد طلب منه الشيخ ربيع تبديعه -كما ذكر هو- إلا أنه لم يوافقه على تبديعه، فرد الحق القائم على الأدلة والبراهين دون بيِّنة ولا برهان، ورد شهادة العلماء للشيخ ربيع؛ علم ذلك أم لم يعلم.

 

والسؤال: كيف نجمع -يا سالم الطويل- بين رضاك بمنهج الشيخ ربيع -حفظه الله- وقبولك له وبين ردِّك لأحكامه على المخالفين وعدم قبولك لها، بل وتشويشك عليها؟!!، مع علمك أن الشيخ ربيعا لا يتكلم في أحد من الناس إلا بدليل وبرهان، وبهذا عرفه العلماء وزكوه.

 

فأمرك – يا سالم الطويل- عجيب غريب، وإلا فكيف يصدر منك هذا الكلام ومِن مقال واحد فقط.

 

فكيف لو فتح لك المجال أن تصول وتجول في هذا الموضوع وفي دروس ومحاضرات عدة؛ فماذا عساك أن تقول؟!.

 

وظني بك -يا سالم الطويل- أنك تهرف بما لا تعرف، وتتكلم بما لا تحسن الكلام فيه، وإلا فبأي شيء رددت أحكام الشيخ ربيع المدخلي -حفظه الله- التي حكم بها على المخالفين، وبأي شيء خالفته، وقد علمت ما لم يعلمه غيرك، وظهر لك من مخالفات القوم ما لم يظهر لغيرك، وقد شهدت له بمعرفته المناهج، وبشهادة العلماء له بذلك، ثم تخالفه دون بينة ولا برهان، إنه الهوى -يا سالم الطويل- فانتبه لنفسك وثب إلى رشدك قبل فوات الأوان.

 

واعلم أنه لا يجوز لك ولا لغيرك -ممن تستر بهذه القاعدة الفاسدة- رد أحكام العلماء في المخالفين مع معرفتكم وعلمكم بأدلتهم وحججهم التي بنوا عليها أحكامهم، والتي تعلمون علم اليقين أنها لو ظهرت وكُشفت لأي عالم من علماء السنة في أي زمان ومكان لكان حكمهم واحدا لا خلاف فيه بينهم.

 

ثم اعلم –يا سالم الطويل- أن ردك لأحكام الشيخ ربيع وعدم قبولك لها تجعلك مُطالَبا بأن تنقض أدلته وحججه -وقد ظهرت واشتهرت- التي بنى عليها أحكامه، ودونك ودون ذلك خرط القتاد.

 

فالسلفيون يعلمون علم اليقين أن الشيخ ربيعا قد حكم على المخالفين بعلم وعدل، وأنك -يا سالم الطويل- رددت أحكام الشيخ ربيع بجهل وهوى، فالله المستعان.

 

وخذ هذه لعلك تعرف الفرق بين من يرتضي منهج الشيخ ربيع وبين من لا يرتضيه:

 

قال شيخنا العلامة عبيد الجابري حفظه الله: "وأنا أقول لكم: أنا شخصيا، والله ما قرأت كل ما كتبه الشيخ ربيع -حفظه الله، وحفظ جميع علماء الإسلام والسنة، بالإسلام والسنة في الحياة وبعد الممات- ما كتبه الشيخ ربيع حفظه الله عن سيد قطب، والله ما قرأته كله، أبدًا ولكن فهمته؛ قرأت بعضه ففهمت البقية؛ لأن الشيخ ربيعا عندي صاحب راية، يرفع بها لواء السنة، ويذب عنها، وعن أهلها، فما رفعها -ولله الحمد- في وجه محاربٍ، مُعادٍ للسنة إلا عادت هذه الراية منصورة، مؤزرة، قوية، ما لانت، ولا هانت، وقد فضح بها -ولله الحمد- أهل البدع والضلال، وأساطين أهل البدع والضلال. فكفاني أن الشيخ ربيعا ردَّ على فلان، أو أن الشيخ محمد بن عثيمين ردَّ على فلان، كفاني..."(مجموعة الرسائل الجابرية- ص: 182).

 

ثم انظر يا من تدعي الرضا بمنهج الشيخ ربيع كيف تعامل الإمام ابن عثيمين رحمه الله مع أحكام هذا الإمام؛ حامل لواء الجرح والتعديل في هذا الزمان؛ فقد ذكر شيخنا العلامة عبيد الجابري حفظه الله عن الشيخ العلامة ابن عثيمين رحمه الله أنه سئل عن كتب سيد قطب، فأجاب: "كفانا فيها أخونا الشيخ ربيع"، فقال الشيخ عبيد الجابري معلقا: "أحالك! فافهم"(انظر في ذلك: مجموعة الرسائل الجابرية- ص: 183).

 

 

أما المسألة الثانية: وهي ما ادَّعاه سالم الطويل بأن مخالفة الشيخ ربيع في أحكامه على المخالفين لا تعني عدم الرضا بمنهجه.

 

وهذه دعوى يدعيها سالم الطويل وهي أنه وإن خالف الشيخ ربيعا إلا أنه قد وافق غيره من العلماء، وهذا ظاهر في قوله: (وهل لو أن الشيخ صالح الفوزان مثلا لم يبدِّع شخصا بعينه قد بدَّعه الشيخ ربيع سيكون مخالفا لمنهج الشيخ ربيع أو غير مرتضيه؟).

 

والجواب على هذا أن يقال:

اعلم -يا سالم الطويل- أنه لا حجة لك في ذلك، بل الحجة قائمة عليك، كيف لا!! وأنت ممن يقرر -إذا انحشر في الردود وضُيِّق عليه- بأن من علم حجة على من لم يعلم؛ كما في مقالك: (رد الإساءة بالإحسان)، أم أنك تبنيت هذه القاعدة انتصارا لنفسك فقط، دون أن تعتقدها!! فأمرك عجيب، تقرر القول وتنقضه!!.

 

بل أقول: إن في قولك نفسه ما ينقض دعواك، ولكنك تخوض بما لا تحسن الخوض فيه، فقولك: (لم يبدِّع شخصا بعينه...)؛ حجة عليك لو كنت تعقل ما تقول، فلا شك أنه لن يكون مخالفا لمنهج الشيخ ربيع ولا أنه لا يرتضي منهجه حين لم يبدع من بدَّعه الشيخ ربيع؛ لأن منهج علمائنا واحد، لا خلاف بينهم، فكونه لم يبدعه لعدم ظهور حاله له كما تعامل الإمام ابن عثيمين حين أحال على الشيخ ربيع في قضية سيد قطب.

 

والسؤال: هل تعتقد -يا سالم الطويل- أن الشخص المعين -إذا انحرف عن السنة وخالف أصول أهل السنة وقواعدهم-؛ أنه يجب أن يعرف حاله ويحكم عليه العلماء أجمعون حتى يُقبل الحكم فيه؟

 

وهل تعتقد أن الإمام الفوزان أو غيره من علماء السنة إذا عرف حكم الشيخ ربيع أو غيره في المخالفين مع إظهارهم الأدلة والبراهين على ذلك، هل تعتقد أنهم سيدَعون الحق مستخدمين قاعدتكم الفاسدة: (لا يلزمني)؟

 

اتق الله -يا سالم الطويل- واعلم أن في نسبتك العلماء -الذين لم يحكموا على المخالفين بمثل ما حكم به الشيخ ربيع- لهذه القاعدة الفاسدة؛ قاعدة: (لا يلزمني)، واعتذارك بفعلهم؛ فيه ظلم وافتراء عليهم –رحم الله من مات منهم وغفر لحيهم-، وهو من الطعن في علماء السنة شئت أم أبيت، وإلا فحاشاهم، ثم حاشاهم، ثم حاشاهم أن يخالفوا الحق إذا ظهر لهم، كما ظهر لك ولمن وافقك على هذه القاعدة الفاسدة فأبيتم إلا المخالفة واتباع الهوى.

 

واعلم أن السلفيين يعرفون للعلماء قدرهم، فيعتذرون لهم بما اعتذر به الأئمة لبعضهم البعض، كما هو معلوم من قول الإمام ابن خزيمة رحمه الله حين جرح محمد بن حميد مع علمه بتزكية إمام أهل السنة أحمد بن حنبل له.

 

قال ابن خزيمة: "لو عرفه أحمد بن حنبل لما أثنى عليه"(تذكرة الحفاظ 2/491).

 

فلم تمنعه تزكية أحمد بن حنبل لـ: محمد بن حميد من قول الحق فيه؛ كما يتبجح أصحاب قاعدة: (لا يلزمني)، بل ولم تحمله مخالفة الإمام أحمد له أن يجعل لأحمد منهجا مغايرا لمنهجه كما هو فعلكم، بل عرف لأحمد قدره، وشهد له بشهادة حق، وهي: بأنه لو علم ما علمه هو -ابن خزيمة- لوافقه على قوله، وحكم بحكمه.

 

وخذ هذه لعلك تثوب إلى رشدك:

قال الإمام ابن باز رحمه الله: "فلا يجوز اتباع قول أحد من الناس كائنا من كان إلا إذا وافق شريعة الله، وإن كان عالما كبيرا"(مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 5/383).

 

والسؤال: هل تعتقد -يا سالم الطويل- بأن الشيخ ربيعا قد وافق الحق ووافق شريعة الله في أحكامه على المخالفين -وقد شهد له أئمة هذا الزمان بحمل هذا اللواء- أم أنك تعتقد خلاف ذلك؟ بانتظار إجابتك!! وكن واضحا وصريحا وإياك والمراوغة في الإجابة وإياك واللف والدوران.

 

وخذ هذا التأصيل لعلك تنتفع به:

فقد سئل شيخنا العلامة عبيد الجابري حفظه الله: هل يُشترط في الرد على المُخالف والتحذير منه: أن يجتمع على التحذير منه والكلام فيه أهل العلم! أم يكفي عالم واحد فقط؟

فأجاب: هنا قاعدة في الجرح والتعديل، وملخصها: (أن من علم حجة على من لم يعلم)، فإذا حذر عالم من رجل وأقام عليه الدليل بأنه من أهل الأهواء، أو من الجُهال الذين لا يستحقون الصدارة في العلم والتعلم، وكان هذا العالم معروفا بين الناس بالسنة، والاستقامة عليها، وتقوى الله سبحانه وتعالى: فإنا نقبل كلامه، ونَحذر مَن حذَّرَنا منه، وإن خالفه مئات، مادام أنه أقام الدليل، وأقام البينة على ما قاله في ذلكم المُحذَّر منه، فهذا وسعنا؛ بل هو فرضنا، والواجب علينا، وإلا ضاعت السنة.

 

فإن كثيرا من أهل الأهواء يخفى أمرهم على جمهرة أهل العلم، ولا يتمكنون من كشف عوارهم، وهتك أستارهم لأسباب:

 

منها: البطانة السيئة التي تحول بين هذا العالم الجليل السني القوي، وبين وصول ما يُهتك به ستر ذلك اللعَّاب الماكر الغشاش الدساس، حالت تلك البطانة السيئة من أن يصل إليه شيء، حتى أنها تحول بينه وبين إخوانه الذين يحبهم في الله، فلا يستطيع أن يقرأ لهم، أو يسمع عنهم.

 

ومنها: أن يكون ذلك العالم ليس عنده وقت؛ بل وقته كله في العلم، والتعليم.

 

ومنها: أن يكون بعيدا عن هذه الساحة؛ يكون هذا الشخص مثلا في مصر، أو الشام، أو المغرب، أو مثلا اليمن، وهذا العالم -الذي في السعودية- لا يدري عما يجري في تلك الساحة؛ ما بلَّغه ثِقةٌ بما يجري في تلك الساحة والساحات؛ فهو جاهل بحاله.

 

ومنها: أن يكون هذا العالم قد نمى إلى علمه، وتعلق في فكره أن ذلك الرجل ثِقة عنده، فما استطاع أن يصل إلى ما كشفه غيره من أهل العلم؛ للأسباب المتقدمة وغيرها؛ لكن نمى إلى علمه سابقا أنه صاحب سنة، وأنه يدعو إلى الله، وكان أمامه يُظهر السنة، وحب أهل السنة، والدعوة إلى السنة، ويذكر قصصا من حياته، ومصارعته للأفكار الفاسدة، والمناهج الكاسدة، ويأتي له بكتب سليمة، وما درى عن دسائسه.

 

فإذن ماذا نصنع؟ نعمل على كلام ذلك العالم الذي أقام الدليل، وأقام البينة التي توجب الحذر من ذلك الرجل، من كتبه، ومن أشرطته، ومن شخصه.

 

وأما ذلك العالم الجليل فهو على مكانته عندنا؛ لا نجرحه، ولا نحط من قدره، ولا نقلل من شأنه؛ بل نعتذر له، نقول: ما علم، لو علم ما علمنا لكان عليه مثلنا أو أشد منا"(مجموعة الرسائل الجابرية- ص: 193).

 

هذا ما وسع أهل الحق والسنة -يا سالم الطويل-، فليسعك ما وسعهم، وتدبر قول الشيخ عبيد -حفظه الله-: (فهذا وسعنا؛ بل هو فرضنا، والواجب علينا، وإلا ضاعت السنة)، وإياك أن تخذل الحق وأهله، وأن تنصر الباطل وأهله، وأنت تعلم جيدا أدلة هذا العالم الجليل حامل لواء الجرح والتعديل وبراهينه في أحكامه على هؤلاء المخالفين.

 

وقال الشيخ عبيد الجابري حفظه الله أيضا: "نحن موقنون أن من خالف سُنةً؛ مخطئ، ونقول: فلان أخطأ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل المسيء صلاته: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل) ونبهه إلى خطئه في صلاته ثلاث مرات، وهو يقول له: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، والرجل يفعل، ثم قال بعد ذلك: (والذي بعثك بالحق نبيًّا لا أُحسِن غير هذا فعلمني، فعلمه)، هذا هو محل التفصيل في هذا المبحث، كيف نتعامل مع المُخطئ؟ فتنبَّهوا!

 

أقول: لا يخلو من حالين:

إما أن يكون صاحب سنة زلَّت به القدم؛ أراد الحق، لكنه لم يُوفَّق، فهذا أولا: يُردُّ خطؤه؛ لما تقرَّر آنفا، ووعيتموه؛ أن الخطأ لا يُقبل عند أهل السنة، وأزيد هنا: لأن المقصود: تصفية التدين، وتخليصه من شوائب البدع، وشوائب الخطيئات، وإن كانت صغائر.

 

وثانيا: لا يُتابع على زلَّتِه، بحجة أنه عالمٌ كان مجتهدا طالبا للحق؛ فلا يُبرر لك اجتهاده، وسَبْقه في الفضل، وجلالة قدره، وإمامته في الدين، أنه مجتهد أراد الحق، فأنت لا تتابعه مادمت عرفت أنه أخطأ؛ فإنك حال معرفتك خطئه، ومخالفته للحق آثمٌ إذ تابعته، أما هو: مادام مجتهدا طالبا للحق: فإن خطأه مغفور –إن شاء الله-، وهو مأجور على اجتهاده؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، أنت مُتعبَّدٌ بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة، مُتعبَّدٌ به؛ لأنه حق، ولست مُتعبَّدًا باجتهاد أحد؛ فاجتهادات أهل العلم والأئمة ليست بمعصومة؛ لا يجوز أن تُتخَذ منهجا..."(مجموعة الرسائل الجابرية- ص: 218).

 

فماذا عساك أن تقول بعد هذا التأصيل -يا سالم الطويل- وقد علمت بأنك حال معرفتك خطأ العالم، ومخالفته للحق آثمٌ إذ تابعته؟!!.

 

وخذ قاصمة الظهر من إمام أهل السنة في هذا الزمان:

قال الإمام ابن باز رحمه الله: "فالأئمة أئمة هدى، الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأشباههم كلهم أئمة هدى ودعاة حق، دعوا الناس إلى دين الله وأرشدوهم إلى الحق، ووقع هناك مسائل بينهم، اختلفوا فيها لخفاء الدليل على بعضهم، فهم بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهدٍ أخطأ الحق فله أجر واحد، فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى، فتقول: مذهب فلان أولى بالحق، بكل حال، أو مذهب فلان أولى بالحق لكل حال لا يخطئ، لا، هذا غلط. عليك أن تأخذ بالحق، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا، وعليك أن لا تتعصب وتقلد تقليدا أعمى، بل تعرف للأئمة فضلهم وقدرهم، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك، فتأخذ بالحق وترضى به، وترشد إليه إذا طلب منك، وتخاف الله وتراقبه جل وعلا، وتنصف من نفسك، مع إيمانك بأن الحق واحد، وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد -أعني مجتهدي أهل السنة، أهل العلم والإيمان والهدى- كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"(مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 1/343).

 

 

المسألة الثالثة: هي تبنِّي سالم الطويل قاعدة (لا يلزمني) في رده الحق، وفي رد ما لا يهواه من أقوال العلماء.

 

وبيان هذه القاعدة وفسادها من وجوه:

 

الوجه الأول: أن قوله (لا يلزمني) يؤخذ منه أن هناك من يلزمه باتباع شخصه أو باتباع قوله؛ مما حمله على أن يجد له مخرجا من هذا الإلزام، فلم يجد أمامه إلا هذا القول فتبناه.

 

وهذه -في الحقيقة- دعوى عارية عن الصحة والدليل، فالسلفيون لا يُلزمون أحدا؛ بل ولا يَقبلون مِن أحدٍ أن يتعصَّب لأحدٍ من الناس كائنا من كان، فكل يُؤخذ من قوله ويُرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فهم مِن أبعد الناس عن التعصب المذموم، وكيف يدعو إلى التعصب المذموم مَن كان هو من أبعد الناس عنه، ينهى عنه، ويَحذَره، ويُحذِّر الناس منه.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر؛ وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن جعل شخصا من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة ومَن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة.."(مجموع الفتاوى 3/346).

 

وقال الإمام ابن باز رحمه الله: "والخلاصة: أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله، ولا يُفرق بين الناس، وأن لا يكون مُتعصبا لمذهب دون مذهب، أو لقبيلة دون قبيلة، أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك، بل الواجب أن يكون هدفه إثبات الحق وإيضاحه، واستقامة الناس عليه، وإن خالف رأي فلان أو فلان أو فلان..."(مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 1/343).

 

وقال الإمام ابن عثيمين رحمه الله: "فالمبتدعون قد نقول: إنهم يُثابون على حسن نيتهم إذا كانوا لا يعلمون الحق، ولكننا نخطِّئهم فيما ذهبوا إليه، أما أئمتهم الذين علموا الحق، ولكن ردوه ليبقوا جاههم، ففيهم شبه بأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن المغيرة، وغيرهم الذين قابلوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بالرد إبقاءً على رئاستهم وجاههم.

أما بالنسبة لأتباع هؤلاء الأئمة، فينقسمون إلى قسمين:

القسم الأول: الذين جهلوا الحق، فلم يعلموا عنه شيئا، ولم يحصل منهم تقصير في طلبه، حيث ظنوا أن ما هم عليه هو الحق، فهؤلاء معذورون.

القسم الثاني: من علموا الحق، ولكنهم ردوه تعصُّبا لأئمتهم، فهؤلاء لا يُعذرون، وهم كمن قال الله فيهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}(الزخرف: 22)..."(القول المفيد على كتاب التوحيد 1/67).

 

فالسلفيون –يا سالم الطويل- لم يُلزِموكم باتباع أحد من الرجال، ولكنهم يُلزمونكم –ولا يزالون- باتباع الحق ممن جاء به كائنا من كان، فتأبون إلا العناد، والمكابرة، والجدال بالباطل، والتهويل، والتشويش، والتشغيب؛ فتردون الحق، وترفضونه، وترفضون ما يقدِّمه العلماء من أدلة وبراهين، وتردونها بأهوائكم من غير حجة ولا برهان، وتُدافعون عن المبطلين بالباطل، وتكرهون الكلام فيهم، وتُقدِّمونهم على رؤوس الأشهاد، فتخدعون بهم الشباب السلفي، وتَحرِفونهم عن السنة، ثم تحتجون علينا -بعد ذلك- بقولكم: (لا يلزمني)، فلا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم.

 

فهلا أخبرتنا -يا سالم الطويل- عمن ألزمك باتباع ما لم يأمرك به الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم؛ مما ألجأك إلى أن تتبنى هذه القاعدة الفاسدة: (لا يلزمني)!!.

 

وإليك أقوال شيخنا العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله- في هذا الباب؛ لعلك تنتفع بها ومن خلفك، وتتركون الجدال والدفاع عن المبطلين بالباطل، بل وتدَعون ما أنتم عليه من الباطل:

 

قال الشيخ العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله-: "ونزَّه الله منهج أهل السنة والجماعة في النقد وأهله من اعتماد الظلم والكذب، ومن المحاباة لأهل السنة وغيرهم إذ المحاباة والتعصب الأعمى لا يوجدان إلا عند أهل الضلال والأهواء، وأي خذلان أسوأ من الاستماتة في محاربة أهل السنة ومن موالاة أهل البدع الكبرى والذب عن باطلهم وإنشاء المناهج لأجل ذلك، وتربية من خذله الله على ذلك كله، فنعوذ بالله حقًّا من الخذلان"(مجموع كتب ورسائل وفتاوى الشيخ ربيع المدخلي 10/401).

 

وسئل حفظه الله: ما كيفية التعامل مع أشخاص يقولون: إن فلانا بدَّعه العلماء، ولكن أخطاءه لا تُخرجه من دائرة أهل السنة؟ وأن هذا المنهج جديد، ظهر بعد وفاة العلماء الأكابر، مثل: الألباني، وابن باز، والعثيمين -رحمهم الله جميعا-؟.

فأجاب: نعم هذا المنهج نشأ قريبا، عندكم علم من الجرح والتعديل، الكلام الذي قلناه، ناس جرحوا، ناس ما جرحوا، ناس يزكُّون ويدافعون عن هذا المجروح، نحن نطلب من الجارحين التفسير، إذا بينوا أسباب الجرح الصحيحة فيجب اتِّباعهم، لأن هذا اتِّباع للحق، وردُّ ما عندهم من الحق رفضٌ للحق، فنفس الجرح والتعديل يوجد هنا، هؤلاء جرحوا، فإن كانوا جرحوا بدون حجة فلا قيمة لكلامهم، وإن كانوا جرحوا بحجة؛ فيجب على من يخالفهم أن ينصاع ويرجع إلى الحق والصواب، وأن يأخذ بالحجة -بارك الله فيكم- فكثير من الناس يُكذِّبون بالحق، ويرفضون الحق، وهذا أمر عظيم خطير جدا، وهكذا -كما قلت لكم- فهذه هي القاعدة في الجرح والتعديل: يُطلب من هؤلاء الجارحين تفسير جرحهم، والبينة عليه إذا لم يكن عندهم بيِّنة، أما إذا كانوا يملكون بينة، وعندهم أدلة: فهنا تكون الحجة ويتبع الحق، وانتهى كل شيء"(الحث على المودة والائتلاف والتحذير من الفرقة والاختلاف- ص: 60).

 

وسئل حفظه الله: أثابكم الله، إذا حكم العلماء على شخص بأنه مبتدع، فهل يُطلق هذا الحكم على أتباعه -تبعا لشيخهم- حيث يلتمسون له الأعذار بأنه أخطأ، ولكن لا يُبدِّعونه؟

فأجاب: "يُرجع إلى السؤال الأول؛ إن كان مع العلماء حجة على تبديع هذا الرجل، فعلى طلابه وعلى كل الناس الذين يحتكون به أن يأخذوا بهذا الحق، ولا يجوز لهم أن يدافعوا عنه"(الحث على المودة والائتلاف والتحذير من الفرقة والاختلاف- ص: 61).

 

فهل عرفت -يا سالم الطويل- ما الذي يلزمك وما الذي لا يلزمك، وهل عرفت أن السلفيين الصادقين يتبعون الأدلة والبراهين، ويتعصبون للحق وبالحق، لا كما يُصوِّرهم أعداؤهم من المخالفين من أنهم يتعصبون للرجال، ويُلزِمون الناس باتباعهم دون دليل ولا برهان، فتأبى أنت إلا أن تتبع الأعداء المخالفين في اتهامهم السلفيين بما هم منه براء من إلزامك وغيرك بما لا يلزمكم، فاتق الله يا رجل واعرف للسلفيين قدرهم!!.

 

الوجه الثاني: في نقض هذه القاعدة الفاسدة (لا يلزمني)، وبيان أنها لم تأت إلا لرد الحق ونصرة الباطل:

 

وقبل الشروع في نقضها أقدم سؤالا للمدعو سالم الطويل وهو: ما الذي لا يلزمك -يا سالم الطويل؟-، فهما أمران:

 

إما قبول الحق ورد الباطل، وهو ما يُلزمك به السلفيون.

 

وإما رد الحق والتمسك بالباطل والإصرار عليه، وهو ما ينهاك عنه السلفيون.

 

فأي الطريقين تريد؟!.

 

واعلم –يا مسكين- أن المتمسكين بهذه القاعدة: (لا يلزمني)؛ لم يتمسكوا بها من فراغ، وإنما تمسكوا بها لِما رأوه من تساقط رجالٍ أمامهم لا يرتضون هم إسقاطهم، لجامعٍ يجمع بينهم؛ يخشون بسببه أن تدور الدائرة عليهم، فيسقطون هم بأنفسهم كما سقط غيرهم، ولذلك تجدهم يُشوِّشون على أحكام علمائنا السلفيين التي يحكمون بها على المُخالفين، ويبحثون عما يردون به الحق، مع علمهم بأن الأدلة ظاهرة على خلاف قولهم وتشويشهم، بل ومع علمهم بأن أهل السنة أهل عدل وإنصاف، لا يأمرون إلا بالحق، ولا يدعون إلا إلى الحق، لا كما يصفهم أعداؤهم.

 

فهل أنت -يا سالم الطويل- ممن يخشى على نفسه السقوط؛ حتى تلجأ لهذه القاعدة وتتبناها، فإن كنت من هؤلاء، فالأولى بك أن تتوب، وأن ترجع إلى الحق، فالتوبة والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. 

 

وأزيدك بهذا التأصيل لعلك تزداد به معرفة للفرق بين ما يلزمك وما لا يلزمك، وتعرف الفرق بين طريق الحق وطريق الضلال:

 

قال شيخنا العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله- في ردِّه على أبي الحسن المأربي وقد استدل بهذه القاعدة الفاسدة؛ قائلا: (فأنا بفضل الله سبحانه وتعالى لا يلزمني أن آخذ بقول أحد لا أعرف له دليلاً).

 

قال الشيخ ربيع: "أدلة أهل السنة مهما بلغت من الكثرة والقوة والوضوح ليست بأدلة عنده، وهذا من إفكه وعناده وتلاعبه، وإلا فالشيخ ربيع يسوق كلام سيد قطب بحروفه، وينص على الجزء والصحيفة، وكذلك الشيخ عبد الله الدويش، ويَرُدَّان أباطيل سيد قطب بالأدلة، ثم إن شهادة العلماء الألباني وابن عثيمين وغيرهما ممن ذكرناهم شهادة مُستَمدَّة بعلم من صريح كلام سيد قطب، ثم ما هي الأدلة التي جعلتك تتظاهر بالتراجع؟، فهل عاد سيد قطب إلى الحياة، وقدم لك الأدلة المقنعة أنه يقول بوحدة الوجود والحلول، فاقتنعت حينئذ بأدلته، ثم من العجب أن ترى هذا الداء العضال من فضل الله عليك"(مجموع كتب ورسائل وفتاوى الشيخ ربيع المدخلي 13/297).

 

وقال -حفظه الله- في ردِّه على أبي الحسن المأربي أيضا: "والخلاصة في الأخير: أن الرجل يرد أقوال العلماء وشهاداتهم وأحكامهم، ويرد أخبار السلفيين مهما بلغ عددهم، ويقبل بهَواه أخبار أناس مجهولين أو كذَّابين، فعلام تدل مثل هذه المواقف والتصرفات، وإن أعماله هذه تنافي التثبت الذي شرعه الإسلام، فإذا قال: هؤلاء عندي ثقات، ولا يلزمني التثبت من أخبارهم، فيقال:

1 - هات أسماءهم وتعديل العلماء لهم، ونفي الجرح عنهم.

2 - لماذا تختفي وراء التثبت؛ لترد أقوال العلماء الثقات، بل مَن هم فوق هذه المَرتبة، فترد فتاواهم وأقوالَهُم، فلو كنت ذا منهج صحيح، وقصد سليم؛ لماذا تفعل كل هذا؟، ولماذا ترد أخبار السلفيين وإن كثرت أعدادهم؟!.

أليس كل من هذا وذاك يدلان على اعوجاج شديد، وانحراف عن الفطرة والمنهج السلفي السديد، بل يدلان على مناوأة لهذا المنهج وأهله بالتأكيد"(مجموع كتب ورسائل وفتاوى الشيخ ربيع المدخلي 13/305).

 

وقال -حفظه الله-: "إذا اختلف عالمان من علماء الجرح والتعديل أو غيرهم في أمر ديني؛ فالحكم في القضية لله، لا للهوى وأهله الذين يأخذون بقول المُخطئ، ويردون قول المصيب.

 

والواجب فيما اختلف فيه من أمر الدين: الرد إلى الله والرسول، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء: 59)، فينظر في قول المتنازعين في ضوء الشريعة وقواعدها المُستَمدَّة منها، لا المُفتعَلة، فمن وافق قَولُه شريعةَ الله؛ وَجَب الأخذ بقوله، ومن خالفها رُدَّ قوله مع احترامه، واعتقاد أنه مجتهد له أجر المجتهد المُخطئ، ولا يقف المسلم المُتبع موقف أهل الأهواء، فيقول: قد اختلف العلماء، فلا يلزمني قول فلان وفلان، ويذهب يتلاعب بعقول الناس، فإن مثل هذا القول يُجرِّئ الناس على رَدِّ الحق وإسقاط أهله، وصاحب الحُجة يجب الأخذ بقوله اتباعًا لشرع الله وحجته، لا لشخص ذلك الرجل وسواد عينيه"(أئمة الجرح والتعديل هم حماة الدين- ص: 65).

 

وقال -حفظه الله- في ردِّه على الحلبي: "ووالله إن هؤلاء الأئمة ومن سار على دربهم لملتزمون ومنطلقون من أساسيات الشرع المنقول، وعملهم قائم على النصوص المفصَّلة في الشرع المنقول، وترضاه وتُسلِّم به عقول أولي النهى المنقادين لما جاء عن الله والرسول صلى الله عليه وسلم.

 

فإذا لم يقنعك هذا أيها الحلبي ولم ينفعك، وترى أنه لا يلزمك، فهات براهينك الواضحة من أساسيات الشرع المنقول ومن بدهيات العقول ومن تقريرات العلماء الفحول، التي تدمغ أعمال أئمة العقائد وأئمة الجرح والتعديل، ومن سار على نهجهم، وعند ذلك يحق لك أن تصول على من ذكرنا وتجول، وإلا عرف الناس أنك كذوب جهول"(من مقال للشيخ ربيع بعنوان: الحلبي يواصل تجنِّيه على الإمام البخاري وغيره- الحلقة الأولى).

 

وقال -حفظه الله- في ردِّه على الحلبي أيضا: "ثم لما انحرفتَ عن منهج السلف شمَّرتَ عن ساعد الجد في حرب السلفيين المعاصرين فتمادى بك الهوى إلى أن تناولتَ الإمام البخاري هذا التناول السيئ كما تناولتَ أصولهم، فدفعك الحقد والهوى إلى أن تقول:

1- إن علم الجرح والتعديل ليس له أدلة في الكتاب والسنة.

2- وأن تبديع المبتدع لا يُقبل حتى يتم عليه إجماع العلماء.

3- وأصل (لا يلزمني)؛ لرد الحق.

4- ونحوه (لا يقنعني).

5- وأن أخبار الثقات وأحكامهم لابد من التثبت منها ولو كانوا من الصحابة، مخالفًا في ذلك كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومنهج السلف الصالح.

6- وإثارتك الضجة على الجرح المفسر مع أن من تخاصمهم لا ينتقدون أهل الأهواء ولا يدينونهم إلا من كتبهم ومقالاتهم بحروفها ونصوصها الواضحة في الضلال.

7- وتأصيلك وحزبك تلك الأصول التي تسع أصناف أهل الضلال وضلالاتهم وتحشدهم للدفاع عنهم ولحرب أهل السنة، ومنها المنهج الواسع الأفيح الذي يسع أهل السنة والأمة كلها.

أليس هذا المنهج المدمر وهذا التأصيل الباطل من أوضح البراهين على أنك وحزبك من أشد المنحرفين عن منهج السلف ومن أشد المحاربين له؟"(من مقال للشيخ ربيع بعنوان: الحلبي يواصل تجنِّيه على الإمام البخاري وغيره- الحلقة الأولى).

وقال حفظه الله: "واخترع هذا الحزب لهذا التحلل والتفلت من الحق وأحكام الله العادلة الرادعة أصولاً أخرى، مثل أصل (لا يلزمني، ولا يلزمنا)، (ولا يقنعني، ولا يقنعنا)، ولم يقفوا عند هذه الفواقر وما يترتب عليها من تضييع للحق ومحاربة لمنهج السلف وتفلت منه، بل أضافوا إلى ذلك التشمير عن ساعد الجد لحرب السلفية والسلفيين، فوصفوا السلفيين الذابين عن دين الله ومنهج السلف بأنهم غلاة وشواذ، والتزموا هذا في حروبهم الفاجرة، القائمة على الفجور والكذب، فلا يصفونهم إلا بالغلاة وأحيانا بالخوارج، وأحيانا غلاة التجريح، وأسرفوا في ذلك والتزموه، وأضاف الحلبي الطعون الظالمة التي سلفت، وحاربوا أصول السلف في الجرح والتعديل"(من مقال للشيخ ربيع بعنوان: الحلبي يُدَمِّر نفسَهُ بالجهل والعناد والكذب- الحلقة الأولى).

 

وقال حفظه الله: "أقول باختصار: إن اختراعك أنت وحزبك للقواعد الباطلة السوأى أشهر من نار على علم، ومنها:

1- المنهج الواسع الأفيح.

2- ونُصحح ولا نُجرح.

3- وإذا حكمت حوكمت.

4- والدعوة إلى التثبت لرد الحق.

5- ومنها حمل المجمل على المفصل، الذي يصادم منهج أهل السنة وتطبيقاتهم التي ملأت المجلدات والذي أنكره جمهور أهل المذاهب، وذكر الشوكاني أنه مجمع على إبطاله.

6- ولا يلزمني؛ لرد الحق، والإمعان في العناد والمكابرة.

وهذه التأصيلات منها ما اخترعه أبو الحسن ومنها ما اخترعه عدنان عرعور، ومنها ما اخترعه الحلبي"(من مقال للشيخ ربيع بعنوان: الحلبي يُدَمِّر نفسَهُ بالجهل والعناد والكذب- الحلقة الثانية).

 

وقال حفظه الله: "ومن أصولهم لرد الحق والحجج والبراهين والثبات على الباطل أصل (لا يلزمني) الذي جعلوه جُنة يدفعون بها الحق، فمهما خالف أحدهم الحق لا يرجع عن هذه المخالفة مهما عظمت، ومهما ساءت مواقفهم وأصولهم، ومهما دافعوا عن أنفسهم وعن أهل البدع والضلال بالباطل، ومهما طعنوا في أهل السنة بالباطل والكذب، ومهما يأت السلفي على أي مسألة بالأدلة والبراهين فلا يقبلونها بل يردونها بهذه (الجُنة) (لا يلزمني)"(من مقال له بعنوان: (بيان الجهل والخبال في مقال حسم السجال رد على المسمى بـ: مختار طيباوي- الحلقة الأولى).

 

وقال حفظه الله: "ومثل أصل (لا يلزمني) و (لا يقنعني) لرد الحق، وهو من أخبث أصولهم.

 

فأعداء الرسل ما كانوا يلتزمون الحق الذي يأتي به الرسل، ولا يقتنعون به، وأهل الضلال من الروافض والصوفية والخوارج والأحزاب الضالة لا يلتزمون الحق الذي التزمه السلف وعلى رأسهم الصحابة واقتنعوا به، فكم أفسد هذا الحزب من الشباب السلفي، أفسدوهم عقائديا ومنهجيا وأخلاقيا..."(من مقال له بعنوان: مكيدة خطيرة ومكر كُبَّار).

 

وسئل شيخنا العلامة عبيد الجابري حفظه الله: إذا سمعتُ كلام العالم في شريطٍ، أو قرأتُ له في كتابٍ عن شخصٍ ما أنه مُبتدع، ولم أَرَ منه دليلا على ذلك، فهل يلزمني أن أحْذَر من هذا الشخص، وأن أقتنع بأنه مُبتدع، أم أتريَّث حتى أجد الدليل على ذلك؟

فأجاب: الحمد لله، فإن أهل السنة لا يحكمون على أحدٍ ببدعة إلا وقد خَبَرُوه، وسَبَرُوا ما عنده تماما، وعرفوا منهجه تماما؛ جُملةً، وتفصيلاً، ومن هنا: فهذه المسألة تستدعي مِنَّا وقفتين:

 

الوقفة الأولى: فيمن حَكم عليه عالم أو علماء بأنه مبتدع، ولم يختلف معهم غيرهم ممن هم أهل سنة مثلهم، فإنا نقبل جرحهم له، ونقبل قولهم فيه ونحذَره، مادام أنه حَكَم عليه وجَرَحه عالم سني، ولم يُظهِر بقية أهل السنة -الذين هم أقران هذا العالم- من إخوانه العلماء ما يُرجِّح تعديلهم على جرح ذلك العالم، فلا بد من قبوله؛ لأن هذا العالم السني الذي جرح رجلا؛ فإنه لم يجرحه إلا بأمرٍ بَانَ له، وقام عنده عليه الدليل؛ لأن هذا من دين الله، والذي يجرح أو يُعدِّل، يعلم أنه مسؤول عما يقول، ويُفتي به، أو يحكم به، وأنه مسئول من الله عز وجل قبل أن يسأله الخلق.

 

الوقفة الثانية: إذا كان هذا الشخص الذي جرحه عالم أو علماء، وحَكموا عليه بما يُسقطه، ويوجب الحذر منه، قد خالفهم غيرهم؛ فحَكموا بعدالته، وأنه على السنة، أو غير ذلك من الأحكام المخالفة لأحكام الآخرين المجرِّحين له، فمادام أن هؤلاء على السنة، وهؤلاء على السنة، وكلهم أهل ثقة عندنا؛ وذَوُو أمانة عندنا؛ ففي هذه الحال: ننظر في الدليل؛ ولهذا قالوا: (من عَلِمَ حُجة على من لم يَعْلَم)، فالجارح قال في فلان من الناس: إنه مبتدعٌ منحرفٌ زائغٌ، وأتى بالأدلة مِن كُتب المجروح، أو من أشرطته، أو من نقل الثقات عنه؛ فهذا مُوجبٌ علينا قبول قوله، وترك قول المُعدِّلين، الذين خالفوا مَنْ جرحه؛ لأن هؤلاء المجرِّحين له أَتَوا بأدلةٍ خَفِيَت على الآخرين لسبب من الأسباب، أو أن المعدِّل لم يقرأ، ولم يسمع عن ذلك المُجَرَّح؛ وإنما بنى على سابق علمه به وسابق معرفته به، وأنه كان على سنة، فأصبح هذا المجروح الذي أقيم الدليل على جرحه مجروحا، والحجة مع من أقام الدليل، وعلى من يطلب الحق أن يتبع الدليل، ولا يتلمَّس بُنيَّات الطريق ذات اليمين وذات الشمال، أو يقول: أقف بنفسي!! فهذا لم نعهده عند السلف، وهذه الأمور تكون فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد؛ في أصول العقائد، وأصول العبادات؛ فإن المصير إلى قول من أقام الدليل: واجبٌ حتمي، وذاك العالم السني الذي خالف الجارحين، له عذره، يبقى على مكانته عندنا، وعلى حُرمته عندنا، ونستشعر أنه له -إن شاء الله- ما كان عليه من سابقة الفضل وجلالة القدر؛ هذا وسعه، والعالم من أهل السنة –السلفي- بَشَر يذهل، وينسى، ويكون عُرضة للتلبيس من بطانة سيئة، أو كان قد وثق بذلك الرجل المجروح؛ فلبَّس عليه، والشواهد على هذا كثيرة.

 

فكثير من السقَط والذين هم -في الحقيقة- حربٌ على السنة وأهلها، يأتون بنماذج من كتبهم، يقرؤونها على علماء أجِلَّة، مشهود لهم بالفضل والإمامة في الدين، ويُخفي ذلك اللعَّاب الماكر عن ذلكم العالم الجليل الإمام الفذ الجهبذ، ما لو عَلِمَه لسقط عنده، فهذا العالم يُزكِّي بناءً على ما سمع، فإذا طُبع الكتاب وانتشر، وتناقلته الأيدي، وذاع صيته، وإذا بالمجادلين يقولون: زكَّاه فلان!!

 

فهؤلاء العلماء -رحمة الله عليهم- معذورون، ومن التَّبعة سالمون -إن شاء الله تعالى- في الدنيا والآخرة؛ وإنما هذا لعَّاب، أخفى ولبَّس على ذلك العالم، إذن ماذا بقي؟ نُقيم على ذلك الملبِّس اللعَّاب الدسَّاس الماكر البيِّنة من كتبه، ومَن جادَلَنا فيه نقول: خذ هذا هو قوله، هل تظن أنه عَرَضَه بهذه الصورة على من سمَّينا من أهل العلم، ومَن هو على نفس النهج فأقروه؟ فالجواب: كلا، إذن؛ يجب عليك أن تكون مُنصفا، متجردا من العاطفة الجياشة المندفعة، ومن الهوى الذي يُعمي، ويجب عليك أن تكون طُلبتك الحق"(مجموعة الرسائل الجابرية- ص: 223).

 

وقال حفظه الله: "فالرجل تزكيه أعماله التي هي على السنة، وتشهد عليه بذلك، ويذكره الناس بها حيا وميتا، وما تَستَّر أحدٌ بالسنة، وغرَّر الناس به، حتى التفوا حوله، وارتبطوا به، وأصبحوا يُعوِّلون عليه، ويقبلون كل ما يصدر عنه، إلا فضحه الله سبحانه وتعالى، وهتك ستره، وكشف للخاصة والعامة ما كان يُخفي، وما كان يُكِن من الغش، والتلبيس، والمكر، والمخادعة؛ يُهيِّئ الله رجالا فضلاء فطناء حكماء أقوياء جهابذة ذوي علم وكياسة وفقه في الدين، يكشف الله بهم ستر ذلكم اللعَّاب الملبِّس الغشاش، فعليكم إذا بُيِّن لكم حال ذلك الإنسان -الذي قد ذاع صيته، وطبَّق الآفاق، وأصبح مرموقا، يُشار إليه بالبنان- أصبح عليكم واجبا الحذر منه؛ مادام أنه حذَّر منه أهل العلم والإيمان، والذين هم على السنة؛ فإنهم: سيكشفون لكم بالدليل، ولا مانع من استكشاف حال ذلك الإنسان الذي حذَّر منه عالم أو علماء -بأدب وحسن أسلوب-؛ فإن ذلك العالم سيقول لك: رأيتُ فيه كذا وكذا، وفي الكتاب الفلاني كذا، وفي الشريط الفلاني كذا، وإذا هي أدلة واضحة تكشف لك ما كان يُخفيه، وأن ذلكم الذي طَبَّق صيته الآفاق، وأصبح حديثه مُستساغًا، يُخفي من البدع والمكر، ما لا يُظهره من السنة، وأمر ثالث: وهو أن مَن عَلِمَ الخطأ وبَان له، فلا يسوغ له أن يُقلِّد عالما خَفِيَ عليه الأمر، وقد قدمت لكم: أن اجتهادات العلماء غير معصومة؛ ولهذا لا يجوز أن تُتخذ منهجا"(مجموعة الرسائل الجابرية- ص: 226).

 

وسئل العلامة محمد بن هادي المدخلي -حفظه الله- عن قول القائل:(لا يلزمني)، فأجاب: "إذا كان تُبيّن له الحقّ بدليله ويقول: (لا يلزمني) فما الذي يلزمه؟ ما الذي يلزمه؟ الله جلّ وعلا يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا}، ويقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}،ويقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا}، ويقول سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} إلى غير ذلك من الآيات؛ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله)، فإذا بينتَ للمرء المسألة بدليلها من الكتاب والسنة دلالة عليها، دلالة صريحة واضحة لا لبس فيها ولا غموض ولا خفاء؛ ثم لا يُعارضك بشيء إلا بقوله: (لا يلزمني) فاعلم أنه صاحب هوى، أما لو أتى بدليل قائم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليك أن لا تعجل عليه، انظر في دليله فقد يكون الدليل صحيحا؛ لكن الفهم غير صحيح، فبيِّن له؛ فإن أبى بعد البيان له المدعَّم بكلام الله من آيات أخرى، فإن خير ما شرح القرآن القرآن، ثم بعد ذلك الحديث، وخير ما فسر السنة السنة، فبعد ذلك كلام الصحابة، ثم في الجميع لغة العرب، ويُطلب هذا من كلام العرب ومن أشعارهم فإن الشعر ديوان العرب كما قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، فإذا بينتَ له بعد ذلك بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأبى فلا حيلة فيه، لا حيلة فيه، وهذا الآن أصبح -يعني- مَرْكبًا يركبه كل من أراد أن يركب رأسه ويخالف ويفارق أهل السنة؛ (لا يلزمني)؛ هذه مسألة أبو الحسن نحن ما سمعناها إلا معه، تُبيِّن له بالحق والأدلة والدلائل المتتابعة يقول لك: (لا يلزمني)؛ إذًا ما الذي يلزمك؟ تريد وَحيًا في قصتك هذه بعينها؟ باسمك؟ هذا لا يمكن أن يكون؛ كتاب الله يتلوه كل تالٍ وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوها كل تالٍ بين أيدينا، فنحن نحتكم إليها؛ فإما أن تكون دلالة منطوق فهي أعلى الدلالات، وإما أن تكون دلالة مفهوم فهي التي تليها، ثم كلام أهل العلم؛ نستعرضه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل هو على فهمك أنت وإلا على فهمي أنا، على أي الفهمين كان؛ وجَب على الثاني الرجوع له، في أكثر من هذا إنصافًا معشر الإخوة؟ إن كان يدل كلام السلف في تفسيرهم لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ما ذهبتَ إليه؛ فأنا معك، وإن كان يدل على ما أنا عليه وأدعوك إليه؛ فيجب عليك أن تتقي الله وتترك هذه العبارة (لا يلزمني)، الحق يلزمك ويجب عليك قبوله؛ {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}... فقوله: (لا يلزمني) هو من باب الضرب في صدر الناصح والرد عليه بغير ما حجة ولا دليل"(اللقاءات السلفية بالمدينة النبوية- اللقاء الأول- عند الساعة وخمسين دقيقة تقريبا).

 

والمقصود: أن رد أحكام العلماء على المخالفين بهذه القاعدة الفاجرة؛ قاعدة: (لا يلزمني، ولا يقنعني)؛ هي اتباع لهؤلاء الضالين، وعداء للسلفيين، واتباع للهوى؛ قصدت ذلك -يا سالم الطويل- أم لم تقصد.

 

واعلم –يا سالم الطويل أنت ومن وافقك- أن مَن اتَّبع العلماء في جرحهم للشخص المُعيَّن مع تقديمهم الأدلة والبراهين على جرحهم؛ فقد سلك الطريق المستقيم، وشَهِد لنفسه بالعلم والعدل؛ إذ ابتعد عن التقليد الأعمى، واتَّبع الدليل، ومما لا شك فيه أن في اتباع الدليل تجردا للحق، وبعدا عن الهوى، وأن مَن ترك اتَّباع العلماء في جرحهم للشخص المُعيَّن مع تقديمهم الأدلة والبراهين على جرحهم واتبع من لا دليل معه؛ فقد سلك الطريق الوخيم، وشهد لنفسه بالجهل والهوى، وذلك أن في تقليد العلماء مع معرفة مخالفتهم للدليل؛ اتِّباعا للهوى، وفي تقليد بعضهم دون بعض مع الجهل بأدلة الفريقين والقدرة على الوصول إليها وبحثها والتمييز بينها دليلا على الجهل.

 

فاختر لنفسك -يا سالم الطويل- أحد الطريقين!!.

 

الوجه الثالث: في نقض قول سالم الطويل: (وأنا أجزم جزما من غير تردد أن الشيخ ربيع لا يقول ذلك)، وقوله: (ثم إن الشيخ ربيع حفظه الله تعالى لا يقول بالإلزام أصلاً، ولما كان يرد على الحدادية قال بالحرف الواحد: طيب هل الله فرض علي أقول فلان مبتدع حتى لو كان مبتدع 150%؟ أقول جهمي معتزلي، أشعري، يكفيني أديت الأمانة وواجبي في النصيحة).

 

والجواب على ذلك بأن يقال: كلمة حق أُريد بها باطل، إذ أراد سالم الطويل بقوله هذا أن يُهون من شأن مخالفته، وأن يُوصِل رسالةً لمنتقديه -حسب ظنه- بأنه قد وافق في قوله هذا الشيخ ربيعا، فلا مجال إذن لانتقاده عليه، لأن انتقاده على قوله هذا سيؤدي في النهاية إلى انتقاد الشيخ ربيع نفسه، وهذا في الحقيقة إن دل على شيء فإنما يدل على تلبيس هذا الرجل وتدليسه، بل وعلى جهله وتخليطه، وإلا فمنهج الشيخ ربيع ووضوحه مما لا يخفى على من له أدنى مسكة من علم، وما حملك -يا سالم الطويل- على تبني هذه القاعدة إلا لترُد بها أحكام هذا العالم الجليل، فكفاك لعبا على ذقون المخدوعين بك.

 

أما قولك: (إن الشيخ ربيع حفظه الله تعالى لا يقول بالإلزام أصلاً)؛ فكلمة حق أُريد بها باطل كما سبق، وذلك أن الشيخ ربيعا لم يلزمك باتباع شخصه ولا باتباع قوله -كما تقدم-، ولكنه وغيره من علماء الحق؛ يلزمونك ويلزمون غيرك باتباع الحق وقبوله ممن جاء به كائنا من كان، فلا تخدع نفسك ومن اغتر بك -يا سالم الطويل-، فتقرر الباطل وتصدقه.

 

وأما قولك: (ولما كان يرد على الحدادية قال بالحرف الواحد: طيب هل الله فرض علي أقول فلان مبتدع حتى لو كان مبتدع 150%؟ أقول جهمي، معتزلي، أشعري، يكفيني أديت الأمانة وواجبي في النصيحة)؛ فهذا القول -إن صحت نسبته للشيخ- فهو مما لا حجة لك فيه، وذلك أن الشيخ -حفظه الله- يرد على الحدادية، والحدادية كانوا يُلزمون العلماء وطلبة العلم بتبديع الحافظين ابن حجر والنووي وغيرهما من أهل العلم ممن لم يُبدِّعهم العلماء مع ردِّهم أخطاءهم، ومَن لم يُبدِّع هؤلاء فهو عند الحدادية مبتدع، فرد عليهم الشيخ ربيع بهذا الرد مبينا التزامه بما التزمه العلماء قديما وحديثا، وأنه لا يخالف في ذلك إلا هؤلاء الحدادية.

 

وتدبر قول الشيخ ربيع حفظه الله -الآتي- لتفهم هذا جيدا:

 

قال العلامة ربيع المدخلي حفظه الله تحت عنوان: احترام علماء المنهج السلفي لابن حجر والنووي من أجل خدمتهم للسنة، فكيف لا يحترمون من يشاركهم في العقيدة والمنهج، ومحاربة البدع، مع خدمته للسنة؟!، قال:

"وإذا كان علماء السنة والتوحيد في كل مكان يحترمون ابن حجر والنووي وأمثالهما ممن فيه أشعرية، يحترمونهم لأجل خدمتهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع نيل بعضهم من شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم؛ فكيف لا يحترمون الألباني ويحبونه من أجل خدمته للسنة والعقيدة والمنهج السلفي، والذب عن كل ذلك، وتصدِّيه لأهل البدع، ولكن لجهل عبد اللطيف بالسنة والعقيدة والمنهج السلفي، وما في قلبه من دغل وحقد؛ لا يسلك مسلك هؤلاء الذين يتمسح بهم ليتذرع بهذا التمسح إلى تحقيق أهدافه وأحقاده، لاسيما في أهل المدينة"(إزهاق أباطيل عبد اللطيف باشميل- ص: 16).

 

وقال حفظه الله: "وأما زعمك أننا كنا نشارك الحداد في تبديع أبي حنيفة وابن حجر والنووي؛ فهذا من الإفك، بل الذي نقوله سابقا ولاحقا: إن عند النووي أشعرية، وابن حجر مضطرب، أو نقول تعبيرا عن ذلك: عنده أشعريّة"(إزهاق أباطيل عبد اللطيف باشميل- ص: 16).

 

فهل بان لك -يا سالم الطويل- ما الذي حمل الشيخ ربيعا على هذا القول، والآن ينقلب السؤال عليك: ما الذي حملك أنت على رد الحق الذي ظهر لك وبان بهذه القاعدة الفاسدة.

 

ثم اعلم أن ما سلكه الشيخ ربيع وقرره؛ هو ما يقرره غيره من الأئمة، وأختم هذا الوجه بقولين فقط من أقوال الأئمة، وإلا فأقوال أهل العلم في هذا الباب كثيرة جدا.

القول الأول: قول الإمام الألباني رحمه الله:

 

سئل الإمام الألباني رحمه الله سؤالا؛ قال السائل: فالسؤال يا شيخنا يعني طبعا على سبيل ضرب المثل: الإمام ابن حجر في كتابه (فتح الباري في شرح أحاديث صحيح البخاري) كانت له بعض الزلات في مجال العقيدة، ونبه عليها شيخنا عبد العزيز بن باز في تعليقاته، فالسؤال: طبعا هو في زلاته هذه يعني خفق في فهم الصحابة، فكانت له زلات في مجال العقيدة، فسؤالي: هل يخرج من المنهج أو زلاته في الاعتقاد تنفي عنه كونه على المنهج الصحيح. هذا السؤال يا شيخ؟

فأجاب: "إذا كنا متذكرين جميعا أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إماما في دعوة الحق، فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبناها، فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح، متى يكون المسلم صالحا؟ هل يشترط في أن يكون صالحا: ألا يقع منه أي ذنب أو معصية؟

الجواب: لا، بل من طبيعة الإنسان أن يقع منه الذنب والمعصية مرارا وتكرارا، فمتى يكون العبد صالحاً؟

إذا غلب خيره شره، وصلاحه على ضلاله.. وهكذا، كذلك تماما يُقال في المسائل العلمية سواء كانت هذه المسائل العلمية مسائل عقدية أو فقهية، فإذا كان هذا العالم يغلب عليه العلم الصحيح فهو الناجي، أما أن له زلة أو زلات في الفقه أو في العقيدة فهذا لا يخرجه عن ما غلب عليه من العقيدة الصحيحة، فابن حجر ما ذكرت من له تلك الزلات فلا يعني ذلك أنه لا ينبغي أن نستفيد من كتابه، وألا نترحم عليه، وألا نحشره في زمرة علماء المسلمين المتمسكين بالكتاب والسنة.... إذا كان إذًا هذه طبيعة البشر أن يخطئوا في مخالفة النص قَصدا وهي الذنوب، وأن يخطئوا في مخالفة النص لا قَصدا وإنما لسوء فهم فلا مؤاخذة في ذلك، المؤاخذة متى تكون؟ إذا أقيمت الحجة على إنسان، سواء كانت الحجة في مسألة عقدية فكرية أو كانت الحجة في مسألة فقهية، ثم عاند وأصر على خطئه فهنا تكون المؤاخذة، والعكس لا، أي: إذا إنسان وقع في خطأ عقدي لكنه هو كان حريصا على معرفة الصواب في تلك العقيدة لكنه لم يوفق إلى ذلك، ولو أقيمت الحجة عليه لرجع إلى الصواب فلا مؤاخذة عليه"(سلسلة جامع تراث الألباني في العقيدة 2/155).

 

القول الثاني: قول الإمام ابن عثيمين رحمه الله:

 

قال الإمام ابن عثيمين رحمه الله: "ثم هذه الضلالات تنقسم إلى: بدع مُكفِّرة، وبدع مُفسِّقة، وبدع يُعذر فيها صاحبها.

ولكن الذي يُعذر صاحبها فيها لا تخرج عن كونها ضلالة، ولكن يُعذر الإنسان إذا صدرت منه هذه البدعة عن تأويل وحسن قصد.

وأضرب مثلا بحافِظَين مُعتمَدَين موثوقَين بين المسلمين وهما: النووي وابن حجر رحمهما الله تعالى.

فالنووي: لا نشك أن الرجل ناصح، وأن له قدم صدق في الإسلام، ويدل لذلك قبول مؤلفاته حتى إنك لا تجد مسجدا من مساجد المسلمين إلا ويقرأ فيه كتاب (رياض الصالحين)، وهذا يدل على القبول، ولكنه -رحمه الله- أخطأ في تأويل آيات الصفات حيث سلك فيها مسلك المُؤوِّلة، فهل نقول: إن الرجل مبتدع؟

نقول: قوله بدعة، لكن هو غير مبتدع، لأنه في الحقيقة مُتأول، والمتأول إذا أخطأ مع اجتهاده فله أجر، فكيف نصفه بأنه مبتدع ونُنفِّر الناس منه، والقول غير القائل، فقد يقول الإنسان كلمة الكفر ولا يكفر.

أرأيتم الرجل الذي أضل راحلته حتى أيس منها، واضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بالناقة على رأسه، فأخذ بها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، وهذه الكلمة كلمة كفر، لكن هو لم يكفر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخطأ مِن شِدَّة الفَرَح).

أرأيتم الرجل يُكرَه على الكفر قولا أو فعلا؛ فهل يكفر؟

الجواب: لا، القول كفر والفعل كفر، لكن هذا القائل أو الفاعل ليس بكافر لأنه مُكرَه.

أرأيتم الرجل الذي كان مُسرفا على نفسه فقال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذرُّوني في اليَمِّ -أي البحر- فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ظن أنه بذلك ينجو من عذاب الله، وهذا شك في قدرة الله عز وجل، والشك في قدرة الله كفر، ولكن هذا الرجل لم يكفر.

جمعه الله عز وجل وسأله لماذا صنعت هذا؟ قال: مخافتك، وفي رواية أخرى: من خشيتك، فغفر الله له.

 

أما الحافظ الثاني: فهو ابن حجر -رحمه الله- وابن حجر حسب ما بلغ علمي متذبذب في الواقع، أحيانا يسلك مسلك السلف، وأحيانا يمشي على طريقة التأويل؛ التي هي في نظرنا تحريف.

 

مثل هذين الرجلين هل يمكن أن نقدح فيهما؟

أبدا، لكننا لا نقبل خطأهما، خطؤهما شيء واجتهادهما شيء آخر.

أقول هذا لأنه نبتت نابتة قبل سنتين أو ثلاث تهاجم هذين الرجلين هجوما عنيفا، وتقول: يجب إحراق فتح الباري وإحراق شرح صحيح مسلم، -أعوذ بالله- كيف يجرؤ إنسان على هذا الكلام، لكنه الغرور والإعجاب بالنفس واحتقار الآخرين"(شرح الأربعين النووية- ص: 314).

 

وفي ختام هذا المقال أجعل بين يديك -يا سالم الطويل- ما ذكره شيخنا العلامة عبيد الجابري حفظه الله لتعلم أن أهل السنة أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق.

 

قال الشيخ عبيد: "الأصل عند أهل السنة: الشدة على البدع وأهلها، وقوة النكير والغلظة؛ وذلك حينما تقوى شوكتهم، وترجح كفتهم، فإنهم في هذه الحال لا يرعون حرمةً لمبتدع؛ بل يهينونهم، ويحتقرونهم، ويُهوِّنون من شأنهم، والأصل في هذا: النص، وسيرة السلف الصالح؛ وهي إجماع.

 

ثم ساق الأدلة على ذلك؛ ثم قال:

 

لا يغلو سني في الجرح أبدا؛ لأن هذا دينٌ يَدينُ الله به؛ ولكن نحن نسمع ما بين الفينة والفينة هذه الكلمة تُردَّد، فالسني يدين الله سبحانه وتعالى بالجرح؛ إذ هو عنده دينٌ يَدينُ الله به، فيَذُبُّ به عن السنة وأهلها، كما أن (التعديل) كذلك دين، ولهذا فإن أهل السنة –أعني: الأئمة- حريصون على ألا يجرحوا أحدا ببدعة، فضلا عن كفر، إلا وعندهم من البينات ما يشهد لهم، ولكن أهل الأهواء يُفسرون هذا غُلوًّا، فمادام الدليل قد قام واضحا على أن فلانا من الناس مبتدع ضال منحرف، فكيف يُفسَّر هذا غُلوًّا؟! وأهل السنة مُتقرِّر عندهم أنهم لا يُبدِّعون أحدا فضلا عن تكفيره، حتى تقوم عليه الحجة؛ وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أهل السنة أعرف الناس بالحق، وأرحمهم بالخلق)، لكن أهل الأهواء لا يقر لهم قرار، ولا تنام لهم جفون، ولا تنشرح لهم صدور، ولا تطمئن لهم قلوب بالجرح؛ لأن أئمة السنة، وعلماء السنة، وأهل السنة: يُبغِضون أهل البدع؛ فإذا كُشف لهم عن رجلٍ بأنه مبتدع؛ قَوِي البغض في نفوسهم، وقَوِي الحذر، فحذَروه، وإن كانوا من قبل يُحسنون به الظن، وهذا لا يُرضي أهل الأهواء.

نعم؛ قد يكون من بعض أهل السنة شيء من القسوة؛ لما يراه هو أن الأمر يستدعي القسوة، والآخر وإن كان لا يخالفه في أصل المسألة، ولكنه يستعمل أحيانا عبارات ليِّنة، وهذا ليس محل خلاف.

وإذا سلمنا على ما ورد في السؤال -من حكاية- لقول بعض أهل الأهواء أن بعض أهل السنة يغلو في الجرح!

أقول: مِن قديم وُجِد من أهل السنة مَن هو قوي، وليس غاليا؛ حرصًا على حماية السنة، وشِدةً في الذب عنها وعن أهلها، فما لامه الآخرون، وما قالوا إنه مُفرِّق، وعلى سبيل المثال: يقولون: من وثَّقه شُعبة فحسبك به، ومن جرَّحه يُنظر في جرحه، ولم يُتهم شُعبة رحمه الله بأنه غالٍ مُتشدد شدة في غير محلِّها، ولم أعلم أحدا حتى الساعة؛ رجلا مُتمكنا في السنة خالطت بشاشتها قلبه حذَّر من شُعبة ووشى به عند غيره من أهل السنة"(مجموعة الرسائل الجابرية- ص: 202 - 210).

 

فاتق الله -يا سالم الطويل- وكفاك تعصبا للباطل وأهله، وكفاك طعنا وتشويها لأهل الحق؛ السلفيين.

 

وإياك -يا سالم الطويل- أن تتعصب لقولك وترد الحق بهواك، ولا أراك إلا كذلك، فقد بُيِّن لك، وبُيِّن وبُيِّن؛ فتأبى إلا المخالفة والإصرار على الباطل، وأنت بين أمرين: إما أن ترد ما أُخذ عليك وتُبطله بالأدلة والبراهين، وإما أن تقر بخطئك، وتستغفر الله من ذلك وتتوب إليه، وتعلن ذلك وتبين؛ كما هو صريح القرآن في قول الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}.

 

واعلم -يا سالم الطويل- أنه لا لوم على من بيَّن الحق ودعى إليه، ولكن اللوم كل اللوم على من تمسَّك بالباطل وأبى أن ينصاع للحق، وفي ذلك قال الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله، وذلك في رده على الصابوني، قال:

 

"واللوم كل اللوم على من تمسَّك بالباطل وأبى أن ينصاع إلى الحق، أما من تمسك بالحق ودعى إليه وأوضح بطلان ما خالفه فهذا لا لوم عليه، بل هو مشكور وله أجران، أجر اجتهاده وأجر إصابته للحق"(مجموع فتاوى ومقالات متنوعة 3/60).

 

هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

                                  كتبه: أبو حسين علي بن حسين الفيلكاوي

                         وكان نشره يوم الأربعاء 6 شعبان 1435هـ الموافق 4/6/2014م

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

جزى الله الأخ الفاضل ابوحسين الفيلكاوي في هذا الرد المؤدب المؤصل ونسأل الله أن يصلح شأن اهل السنه ويرد ضالهم لجادة الصواب انه جواد كريم.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×