اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
نورس الهاشمي

تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله

Recommended Posts

تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله

 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده :

اعلم: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب العظم في الدين، وهو المهم الذي بعث الله به النبيين، ولو طوى بساطه، لاضمحلت الديانة، وظهر   الفساد، وخربت البلاد. مختصر منهاج القاصدين للمقدسي ( 1/  123)

 

فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، والقيام به من أجل العبادات، و فيه دعوة الناس للخير ، و القيام به من صفات المؤمنين .

 

 و على الآمر بالمعروف يجب عليه إنكار المنكر على كل من وقع في محذور؛ سواء كان في العبادات أو في الأماكن العامة أو في المجالس الخاصة أو في الأسواق أو في الجامعات و المعاهد أو في المساجد ،

وكذلك يجب عليه إنكار المنكر على أهل البدع والمخالفين والمبطلين، وبيان حالهم من  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر و من النصيحة ، ويجب مراعاة المصالح  والمفاسد و التحقق من الشروط والآداب..

 

وقد بين الإمام النووي رحمه الله تعالى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقول رحمه الله : " واعلم أن هذا الباب - أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه ، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح ، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه ، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ، فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب ، فإن نفعه عظيم.

 

مسالة : ما هو المعروف والمنكر؟

بأن المعروف: وهو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه ولا إحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث ( 3 / 442)

والمُنْكَرُ وهو ضد المعروف وكلُّ ما قبحه الشرع وحَرَّمَهُ وكرهه فهو مُنْكَرٌ

 

و كل ما أورده العلماء في تعريف المعروف و المنكر يقرر بأن المعروف هو كل ما امر الله به و رسوله، والمنكر كل ما نهى الله و رسوله عنه ، و اعظم ما أمر الله به هو التوحيد و أعظم ما نهى الله عنه هو الشرك

و قال ابن حجر الهيتمي : المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الأمر  بواجبات الشرع ، والنهي عن محرماته. الزواجر في اقتراف الكبائر، ( 2/ 837)

فقد جاءت النصوص من الكتاب  والسنة بالتغليظ في العقوبة، والذم على كل من خالف قوله فعله ،

 

‏‏‏قال تعالى ‏{‏أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنت تتلون الكتاب أفلا تعقلون‏}‏ 

‏ وقال تعالى‏:‏ [‏يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون‏]

 

قال تعالى ، أخباراً عن شعيبٍ، عليه السلام ‏ ‏[‏وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه‏]‏ ‏(‏‏(‏هود‏:‏88‏)‏‏)‏‏.

 

وعن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة- رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: " يؤتى بالرجل يوم القيامة فليقي في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدورُ الحمارُ في الرحا، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ألم تك تأمرُ بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت أمرُ بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه" متفق عليه.

قولهُ" تندلقُ" هو بالدلٍ المهملة، ومعناه تخرجُ و " الأقتابُ ": الأمعاءُ، واحدُها قتب.

 

 

قال الشيخ العثيمين رحمه الله :

هذا الحديث فيه التحذير الشديد من الرجل الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، والعياذ بالله.

 

يقول: " يؤتى بالرجل يوم القيامة" أي تأتي به الملائكة، فيلقى في النار إلقاء، لا يدخلها برفق، ولكنه يلقى فيها كما يلقى الحجر في اليمّ، وتندلق أقتاب بطنه، يعني أمعاءه، الأقتاب: جمع قتب وهو المعني، ومعنى تندلق: تخرج من بطنه من شدة الإلقاء- والعياذ بالله.

" فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا" وهذا التشبيه للتقبيح، شبهه بالحمار الذي يدور على الرحا، وصفة ذلك: أنه في المطاحن القديمة قبل أن توجد هذه المعدات الجديدة، كان يُجعل حجران كبيران وينقشان فيما بينهما أي ينقران، ويوضع للأعلى منها فتحة تدخل منها الحبوب، وفيها خشبة تربط بمتن الحمار، ثم يستدير على الرحا، وفي استدارته تطحنُ الرحا.

فهذا الرجل الذي يلقى في النار يدور على أمعائه- والعياذ بالله - كما يدور الحمار على رجاه، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون له: ما لك؟ أي شيء جاء بك إلى هنا، وأنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول مقراً على نفسه: " كنت آمر بالمعروف ولا آتيه" يقول للناس " صلوا ولا يصلي. ويقول لهم: زكوا أموالكم ولا يزكى. ويقول: بروا الوالدين، ولا يبر والديه، وهكذا يأمر بالمعروف ولكنه لا يأتيه.

 

" وأنهى عن المنكر وآتيه" يقول للناس: لا تغتابوا الناس، لا تأكلوا الربا، لا تغشوا في البيع، لا تسيئوا العشرة، لا تسيئوا الجيرة، وما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة التي ينهى عنها، ولكنه يأتيها والعياذ بالله، يبيع بالربا، ويغش، ويسيء العشرة، ويسئ إلى الجيران وغير هذا، فهو بذلك يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه - نسأل الله العافية- فيعذب هذا العذاب ويخزى هذا الخزي.

فالواجب على المرء أن يبدأ بنفسه فيأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر؛ لأن أعظم الناس حقاً عليك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسك.

ابدأ بنفسٍك فانهها عن غيها

فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

ابدأ بها ثم حاول نصح إخوانك، وأمرهم بالمعروف، وانههم عن المنكر، لتكون صالحاً مصلحاً. نسأل الله أن يجعلني وإياكم من الصالحين المصلحين، إنه جواد كريم. شرح رياض الصالحين ( 2 / 241 )

 

قلت ( نورس ) : هل كل أمر و نهي خالفه سواء كان  الامر (واجباً أو مندوباً) وكذلك النهي ( كان محرماً أو مكروهاً ) يدخل في الوعيد ؟

 

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى ( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم)  : " اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّوْبِيخَ فِي الْآيَةِ بِسَبَبِ تَرْكِ فِعْلِ الْبِرِّ ، لَا بِسَبَبِ الْأَمْرِ بِالْبِرِّ " انتهى من "تفسير القرطبي" (1/ 366) .

 

وقال الحافظ ابن كثير : " وَالْغَرَضُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ وَنَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ ، حَيْثُ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْخَيْرِ وَلَا يَفْعَلُونَهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ : ذَمُّهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْبِرِّ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ ، بَلْ عَلَى تَرْكِهِمْ لَهُ .

فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْعَالِمِ ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ وَالْأَوْلَى بِالْعَالِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ أَمْرِهِمْ بِهِ ، وَلَا يَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ ، كَمَا قَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).

فَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ، وَفِعْلِهِ : وَاجِبٌ ، لَا يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِتَرْكِ الْآخَرِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ .

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَعَاصِي لَا يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهَا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَأَضْعَفُ مِنْهُ تَمَسُّكُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهَا .

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعَالِمَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنِ ارْتَكَبَهُ .

قَالَ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ لَهُ : لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ ، مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ.

قَالَ مَالِكٌ: وَصَدَقَ ، مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ؟

قُلْتُ : وَلَكِنَّهُ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - مَذْمُومٌ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ وَفِعْلِهِ الْمَعْصِيَةَ ، لِعِلْمِهِ بِهَا وَمُخَالَفَتِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْ يَعْلَمُ كَمَنْ لَا يَعْلَمُ ؛ وَلِهَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ" انتهى من "تفسير القرآن العظيم" (1/248) .

 

وقال أبو بكر ابن العربي : " إنَّمَا وَقَعَ الذَّمُّ هَاهُنَا عَلَى ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ ، لَا عَنْ نَهْيِهِ عَنْ الْمُنْكَرِ" انتهى من "أحكام القرآن" 1/349)  .

 

 

وقال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان [ 1 / 462 ] :

اعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ يَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الْحَقِّ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَفْعَلُهُ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَفْعَلُهُ، أَنَّهُ حِمَارٌ مِنْ حُمُرِ جَهَنَّمَ يَجُرُّ أَمْعَاءَهُ فِيهَا.

وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ الْمُعْرِضَ عَنِ التَّذْكِرَةِ حِمَارٌ أَيْضًا، أَمَّا السُّنَّةُ الْمَذْكُورَةُ فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ، فَيَدُورُ بِهَا فِي النَّارِ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ؛ مَا أَصَابَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ ، فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ "، أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

وَمَعْنَى تَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ: تَتَدَلَّى أَمْعَاؤُهُ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءٌ مِنْ أُمَّتِكَ، كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ "، أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَابْنُ حَيَّانَ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ الشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: " أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَبَلَغْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَرْجُو، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تَفْتَضِحَ بِثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَافْعَلْ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ الْآيَةَ [2 \ 44] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [61 \ 3] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ الْآيَةَ [11 \ 88] ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ "، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ أَيْضًا الشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنَ انْدِلَاقِ الْأَمْعَاءِ فِي النَّارِ، وَقَرْضِ الشِّفَاهِ بِمَقَارِيضِ النَّارِ، لَيْسَ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى ارْتِكَابِهِ الْمُنْكَرَ عَالِمًا بِذَلِكَ، يَنْصَحُ النَّاسَ عَنْهُ، فَالْحَقُّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْ صَالِحٍ وَلَا طَالِحٍ، وَالْوَعِيدُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَا عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ; لِأَنَّهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْخَيْرُ، وَلَقَدْ أَجَادَ مَنْ قَالَ: [الْكَامِلُ]

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

وَقَالَ الْآخَرُ: [الطَّوِيلُ]

وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهُوَ مَرِيضُ

وَقَالَ الْآخَرُ: [الطَّوِيلُ]

فَإِنَّكَ إِذْ مَا تَأْتِ مَا أَنْتَ آمِرٌ ... بِهِ تَلْفَ مَنْ إِيَّاهُ تَأْمُرُ آتِيَا

وَأَمَّا الْآيَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُعْرِضَ عَنِ التَّذْكِيرِ كَالْحِمَارِ أَيْضًا، فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [74 \ 49، 50، 51] ، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُذَكِّرِ بِالْكَسْرِ، وَالْمُذَكَّرِ بِالْفَتْحِ أَنْ يَعْمَلَا بِمُقْتَضَى التَّذْكِرَةِ، وَأَنْ يَتَحَفَّظَا مِنْ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا، لِئَلَّا يَكُونَا حِمَارَيْنِ مِنْ حُمُرِ جَهَنَّمَ.اه

 

تبين من ذلك، أن ضابطه :كل من ترك واجباً أو ارتكب محرماً عالما به فهو يدخل في الوعيد، والله اعلم .

و لا يشترط أن يكون الآمر والناهي فاعلاً لما أمر به، تاركاً لما نهى عنه ، بل يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و إن كان مذنباً، ولكن يجب عليه أن لا يأمر الناس بأمر إلا وهو فاعله و لا ينهى عن منكر الا و هو مجتنبه.

 

 

قال النووي رحمه الله : " قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الْحَالِ ، مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ ، مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ مُخِلًّا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ ، وَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يَنْهَى عَنْهُ .

فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ : أَنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا ، وَيَأْمُرَ غَيْرَهُ وَيَنْهَاهُ ، فَإِذَا أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا ، كَيْفَ يُبَاحُ لَهُ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ؟! " انتهى من " شرح صحيح مسلم " (2/23) .

وقال الحافظ ابن حجر : " وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا مَنْ لَيْسَتْ فِيهِ وَصْمَةٌ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ الْأَوْلَى فَجَيِّدٌ ، وَإلَّا فَيَسْتَلْزِمُ سَدَّ بَابِ الْأَمْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ" انتهى من "فتح الباري" (13/53)

 

 

قال العلامة العثيمين: اختلف العلماء- رحمهم الله- هل يشترط أن يكون الآمر والناهي فاعلاً لما أمر به، تاركاً لما نهى عنه أو لا؟

والصحيح أنه لا يشترط، وأنه إذا أمر بمعروف أو نهى عن منكر، ولم كان لا يفعل المعروف ولا يتجنب المنكر، فإن ذنبه عليه، لكن يجب أن يأمر وينهى، لأنه إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفعل المأمور ولا يترك المحظور، لأضاف ذنباً إلى ذنبه، لذا فإنه يجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن كان يفعل المنكر ويترك المعروف.

ولكن في الغالب بمقتضى الطبيعة الفطرية أن الإنسان لا يأمر الناس بشيء لا يفعله ، بل يستحي، ويخجل، ولا ينهى الناس عن شيء يفعله. لكن الواجب أن يأمر بما أمر به الشرع وإن كان لا يفعله وأن ينهي عما نهي عنه الشرع ، وأن كان لا يتجنبه؛ لأن كل واحد منهم واجب منفصل عن الآخر، وهما متلازمين.

ثم إنه ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقصد بذلك إصلاح الخلق وإقامة شرع الله، لا أن يقصد الانتقام من العاصي ، أو الانتصار لنفسه ، فإنه إذا نوى هذه النية لم ينزل الله البركة فلي أمره ولا نهيه؛ بل يكون كالطبيب يريد معالجة الناس ودفع البلاء عنهم ، فينوى بأمره ونهيه

 أولاً : إقامة شرع الله ، وثانياً : إصلاح عباد الله ، حتى يكون مصلحاً وصالحاً ، نسأل الله أن يجعلنا من الهُداة المهتدين المصلحين إنه جواد كريم. [ شرح رياض الصالحين ].

 

قال ابن رجب ( لطائف المعارف ) ( 17 ) : قال النخعي كانوا يكرهون القصص لهذه الآيات الثلاث قيل لمطرف: ألا تعظ أصحابك؟ قال: أكره أن أقول ما لا أفعل تقدم بعض التابعين ليصلي بالناس إماما فالتفت إلى المأمومين يعدل الصفوف وقال: استووا فغشي عليه فسئل عن سبب ذلك فقال: لما قلت لهم استقيموا فكرت في نفسي فقلت لها فأنت هل استقمت مع الله طرفة عين.
ما كل من وصف الدوا يستعمله ... ولا كل من وصف التقى ذو تقى
وصفت التقى حتى كأني ذو تقى ... وريح الخطايا من ثيابي تعبق
ومع هذا كله فلا بد للإنسان من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والتذكير ولو لم يعظ إلا معصوم من الزلل لم يعظ الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد لأنه لا عصمة لأحد بعده:
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب ... فمن يعظ العاصين بعد محمد
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله وانهوا عن المنكر وإن لم تتناهوا عنه كله"

 وقيل للحسن: إن فلانا لا يعظ ويقول: أخاف أن أقول مالا أفعل فقال الحسن: وأينا يفعل ما يقول ود الشيطان أنه ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر

وقال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر قال مالك: وصدق ومن ذا الذي ليس فيه شيء:
من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
خطب عمر بن عبد العزيز رحمه الله يوما فقال في موعظته: إني لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي فاستغفر الله وأتوب إليه وكتب إلى بعض نوابه على بعض الأمصار كتابا يعظه فيه وقال في آخره: وإني لأعظك بهذا وإني لكثير الإسراف على نفسي غير محكم لكثير من أمري ولو أن المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذا لتواكل الخير وإذا لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا لاستحلت المحارم وقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة في الأرض والشيطان وأعوانه يودون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر وإذا أمرهم أحد أو نهاهم عابوه بما فيه وبما ليس فيه كما قيل:
وأعلنت الفواحش في البوادي ... وصار الناس أعوان المريب
إذا ما عبتهم عابوا مقالي ... لما في القوم من تلك العيوب

وودوا لو كففنا فاستوينا ... فصار الناس كالشيء المشوب
وكنا نستطب إذا مرضنا ... فصار هلاكنا بيد الطبيب. انتهى

 

و لهذا جاء الوعيد ان ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات اليهود، {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}

قال القرطبي: قوله تعالى: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} فيه مسألتان:

 

الأولى- قوله تعالى: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ} أي لا ينهى بعضهم بعضا: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ذم لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم. خرج أبو داود عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} إلى قوله: {فَاسِقُونَ} ثم قال: "كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم" وخرجه الترمذي أيضا. ومعنى لتأطرنه لتردنه

الثانية- قال ابن عطية: والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين؛ فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه. وقال حذاق أهل العلم: وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا. وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا واستدلوا بهذه الآية؛ قالوا: لأن قوله: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي. وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم. وأكد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود: {تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} {وَمَا} من قوله: {مَا كَانُوا} يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها؛ التقدير لبئس شيئا كانوا يفعلونه. أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي.

 تفسير القرطبي  6 / 253 –  254)

و كتب : نورس الهاشمي أبو عبدالرحمن 

باب تغليظ عقوبة من أمر بمعروف أو نهى عن منكر وخالف قوله فعله.docx

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

 

[ ينبغي للآمر بالمعروف و النهي عن المنكر أن يتصف بإمور  ]

قال ابن مفلح في الآداب الشرعية ( ج / ١٩١): 

وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر متواضعا، رفيقا فيما يدعو إليه شفيقا رحيما غير فظ ولا غليظ القلب، ولا متعنتا، حرا ويتوجه أن العبد مثله وإن كان الحر أكمل، عدلا فقيها، عالما بالمأمورات والمنهيات شرعا، دينا نزها، عفيفا ذا رأي وصرامة وشدة في الدين، قاصدا بذلك وجه الله عز جل، وإقامة دينه، ونصرة شرعه، وامتثال أمره، وإحياء سننه، بلا رياء ولا منافقة ولا مداهنة غير متنافس ولا متفاخر، ولا ممن يخالف قوله فعله، ويسن له العمل بالنوافل والمندوبات والرفق، وطلاقة الوجه وحسن الخلق عند إنكاره، والتثبيت والمسامحة بالهفوة عند أول مرة.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×