اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
أبو عبد الرحمن المظفري الكردي

هداية الحيران في قيام العشر من آخر رمضان - بقلم : الشيخ سعد النايف

Recommended Posts

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: 

 

فإنه مما ينبغي أن يعتنى به من مسائل العلم مسألة قيام رمضان وخصوصاً في العشر الأواخر منه، فقد يقع كثير من الناس في حيرة عند حلول هذا الشهر الكريم وعند العشر الأواخر منه، هل يصلون في بداية الليل بعد العشاء تلك الصلاة الموصوفة بالسرعة وقلة القراءة فيها، أم لهم أن يؤخروا القيام إلى آخر الليل إلى صلاة طويلة تستغرق وقتاً هي أقرب من حيث الطول والعدد إلى السنة،  وسبب الإشكال في ذلك هو ما فهموه خطئاً من كلام بعض علمائنا الأفاضل في هذه المسألة، والحكمة ضالة المؤمن أنّا وجدها التقطها، وعلى كل حال فالمسألة فقهية فهي محل اجتهاد ونظر من أهله، وهي سنة [القيام]  أسأل الله تعالى أن يجعل لنا فيها من النصيب أوفره .

 

قال الله تعالى: ( يا أيها المزّمل قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا )[المزّمل2، 3، 4] وقيام الليل كان واجباً عليه صلى الله عليه وسلم ثم نسخ الوجوب في أواخر هذه السورة [الزمر]، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر لأمته عن طريق التبع .

وقال تعالى: (إِنَّ هُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الذاريات الآيات16-17-18] .

قال مجاهد: "كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَنَامُونَ "[تفسير مجاهد] 

وهذ المدح والثناء لهؤلاء الأخيار فيه تحضيض وتشويف وتشويق للعمل بما حازوا عليه من ذلك السبق ومنه قيام الليل .

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»

[متفق عليه، رواه البخاري برقم1152 ومسلم برقم1159 ] .

 

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (رَأَيْتُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّ بِيَدِي قِطْعَةَ إِسْتَبْرَقٍ، فَكَأَنِّي لاَ أُرِيدُ مَكَانًا مِنَ الجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ إِلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنَّ اثْنَيْنِ أَتَيَانِي أَرَادَا أَنْ يَذْهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَتَلَقَّاهُمَا مَلَكٌ، فَقَالَ: لَمْ تُرَعْ خَلِّيَا عَنْهُ، فَقَصَّتْ حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى رُؤْيَايَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ)

[رواه البخاري برقم1156] . 

وبذلك يتبين فضل ومنزلة ذلك العمل الجليل ألا وهو قيام الليل حيث حض النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأصحاب مع منزلتهم الرفيعة من الصحبة، والفضل، والقرب منه صلى الله عليه وسلم، والهجرة، والجهاد معه، ومع ذلك فقد حضهم ورغبهم في قيام الليل لما فيه من الأجر الجزيل والسبق عند الله تعالى .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ».

[رواه النسائي برقم1613 وقال الشيخ الألباني: صحيح] .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أيضاً، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

[متفق عليه، البخاري برقم37 ومسلم برقم759] .

 وبهذا يتبين أيضاً أن قيام رمضان له مزية وفضل على غيره من أيام السنة، مع ما فيها من الخير والفضل، لكن شهر رمضان يتأكد فيه استحباب القيام، ورتب الشرع على قيامه ذلك الأجر العظيم، ومنه مغفرة السيئات جميعها إذا اجتنبت الكبائر .  

وعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ، وَكَثُرَ النَّاسُ ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ» وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ)

[متفق عليه، البخاري برقم1129 ومسلم برقم761] . 

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: (صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، فَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ، قَالَ: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا وَلَمْ يَقُمْ حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا فِي الثَّالِثَةِ، وَجَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ حَتَّى تَخَوَّفْنَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ).


[رواه الخمسة، أحمد والنسائي برقم1364 وأبو داود برقم1375 والترمذي برقم806 وابن ماجة برقم1327 وصححه الشيخ الألباني] .


وبهذا يتبين أن قيام رمضان السنة فيه أن يفعل مع الإمام في المسجد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الاستمرار في ذلك خشيت الفرضية على أمته، ولا عجب في ذلك فهو الرؤوف الرحيم بهم .


وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، ( كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ، وَلَا يَنَامُ قَلْبِي»).


[متفق عليه، رواه البخاري3569 برقم ومسلم برقم738] .


وعن عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ - تَعْنِي بِاللَّيْلِ - فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلصَّلاَةِ».


[رواه أحمد والبخاري برقم994 والنسائي وابن ماجة وغيرهم] .


فأنظر أخي المسلم إلى هذه الصفة الرائعة لصلاته صلى الله عليه وسلم من طولها وحسنها والتي ينعدم أو يعز نظيرها في هذا الزمان، والله المستعان، وفي ذلك أيضاً أن هذه الأربع يسلم فيها من كل ركعتين كما جاء ذلك متضحاً من حديث عائشة رضي الله عنها حيث بينت أنه كان ينصرف من كل ركعتين في بيان لها عن صفة صلاته من الليل صلى الله عليه وسلم، وكما جاء في حديث ابن عمر أيضاً ما يبين ذلك كما سيأتي فيما بعد . 


وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ» ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ» يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ).


[رواه مالك والبخاري برقم2010] .


وذلك أن عمر رضي الله عنه جمع الناس على قارئ واحد وهذه هي السنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكنه خشي أن تفرض على الأمة فيحصل لها تكليف جديد قد يعجزون عنه لذلك توقف النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بهم في تلك الحال، فلما زال ذلك الخوف بعد موته وذلك باستقرار الشريعة وأمن الفرضية أعاد عمر رضي الله عنه الناس إلى سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وقوله نعمت البدعة يعني نعم الصنع الذي قام به رضي الله عنه، وهو تعبير لغوي وليس المقصود من ذلك البدعة بمعنى الزيادة في الشريعة فتلك محرمة، ولا تقع منه رضي الله عنه لأن عمله سنة أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباعها ، وفي هذا الأثر أيضاً أن القيام في آخر الليل أفضل من أوله، لكنه فعل المفضول رفقاً بالأمة، ولا ريب أنه ينبغي مراعات ذلك، كما فعل عمر رضي الله عنه ذلك في أمره بالقيام من أول الليل في رمضان، لكن العشر الأواخر فيها مزيد اعتناء فالأفضل فيها أن يكون القيام من آخر الليل كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لمن أراد الحصول على الأجر الأوفى، وموافقة سنته صلى الله عليه وسلم في ذلك .


وعن ابْنَ عُمَرَ، يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ». فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: «أَنْ تُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ»



 

[متفق عليه، رواه البخاري برقم995ومسلم برقم749] . 

وفي ذلك ما يبين أن سنته صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل والنهار أيضاً أن يسلم من كل ركعتين كما مر آنفاً، وتلك هي السنة والأفضل من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم مع جواز أن يصليها جميعاً في تسليمة واحدة كما جاء في بعض الأحاديث ما يبين ذلك . 

وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ»

[رواه أحمد والبخاري برقم996] .

وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ»

[متفق عليه، البخاري برقم2024 ومسلم برقم1174] .

وهذا يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يولي العشر الأواخر من شهر رمضان بمزيد اعتناء من إحياء الليل كله، وإيقاظ أهله لأجل ذلك، والجد والاجتهاد المفهوم من شد المئزر، وأنه لا حرج في تأخير القيام إلى ما بعد منتصف الليل .

وعن ابن عمر قال: (َ كَانُوا لاَ يَزَالُونَ يَقُصُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا أَنَّهَا[يعني ليلة القدر] فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ».

[متفق عليه، رواه البخاري برقم1157ومسلم برقم1165] . 

وهذا أيضاً ما يدل على مزيد اهتمامه صلى الله عليه وسلم بالأواخر من شهر رمضان لأن فيه ليلة ينعدم نظيرها من حيث الأجر، فهي كما وصفها الله تعالى بأنها (خير من ألف شهر) وتحصيل ذلك لا يتم إلا بقيام هذه العشر الأواخر من هذا الشهر الكريم .   

وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ».

[رواه أحمد ومسلم برقم 1175 والترمذي برقم796 وابن ماجة برقم1767] .

فمن خلال هذه الأحاديث يتبين لك أخي المسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخص العشر الأواخر من رمضان من الأعمال ما لا يفعله في بقية الشهر وذلك لمزيتها وتميزها على بقية الشهر ولأن فيها ليلة القدر التي وصفها الله تعالى بأنها: (خير من ألف شهر) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحري والتماس هذه الليلة الكائنة في هذه الليالي العشرة فلا عجب أن من يطيل القيام فيها أكثر من بقية الشهر يكون أوفق للسنة وأتبع للرسول صلى الله عليه وسلم ممن ساواها بغيرها من ليالي شهر رمضان، ولا ريب أن الليل كله محل للصلاة كما في حديث عائشة رضي الله عنها: (من كل الليل أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى وتره إلى السحر) والمقصود هو قيام الليل الذي كان يقومه صلى الله عليه وسلم والذي ينتهي بالوتر . 

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟

[متفق عليه، البخاري1145 ومسلم برقم758] . 

وهذا يرجح صلاة آخر الليل على أوله لأنه وقت النزول الإلهي، وفيه القيام الطويل والدعاء والاستغفار، فينال المسلم فيها من الأجر، وإجابة الدعاء، ومغفرة الذنوب ما لا يناله في أول الليل، وأنها صلاة محضورة مشهودة .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ}، ثُمَّ «قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»، ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ، «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ».

[رواه البخاري برقم 4569 والنسائي وأبو داود] .

وعن عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ، قُالُ: ( قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِنْ سَاعَةٍ أَقْرَبُ مِنَ الْأُخْرَى أَوْ هَلْ مِنْ سَاعَةٍ يُبْتَغَى ذِكْرُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ. إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعَبْدِ جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَحْضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ...).

[رواه النسائي برقم572 والترمذي برقم3579 وغيرهما، وقال الشيخ الألباني: صحيح] . 

وفي هذا أيضاً ما يبين منزلة القيام من آخر الليل لأنه وقت القرب من الله تعالى، فهناك قرب للعبد من الله تعالى وهو في السجود، وقرب له منه تعالى آخر وهو في آخر الليل .

 

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما الفرق بين صلاة التراويح التي تكون بعد صلاة العشاء، وصلاة القيام التي تكون في آخر الليل في رمضان؟  فأجاب: لا فرق بينهما. 

صلاة التراويح في أول الليل أو في آخر الليل, لكن الناس في أيام العشر من الأواخر من رمضان يحبون أن يحيوا الليل اقتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان في العشر الأواخر يحيي الليل كله. 

فلهذا جعلوا القيام في آخر الليل, والصلاة الخفيفة التي يسمونها التراويح في أول الليل, ولا بأس بهذا.

 

 [سلسلة لقاءات الباب المفتوح  اللقاء الباب المفتوح 107]

 

وسُئل الشيخ الألباني رحمه الله:

بعض أئمة المساجد يصلي التراويح أربع ركعات ثم يوكل شخص يصلي الأربعة الباقية ثم يأتي هو وجماعة من الشباب فيصلون الأربعة الباقية من آخر الليل فهل يجوز هذا؟ 

فأجاب: لماذا لا يوكِل في الأربعة الأولىً! وإنما هو يقسمها قسمين حتما هذا الشيء ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ممكن هو يترخص في محاضرة في الأفضل كما قال عمر رضي الله عنه: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل،  فإذا أراد هو [الإمام] أن يحييها في آخر الليل مع ناس من الشباب الذين يحبون السنة وإحيائها، يوكل واحد يصلي بهم بعد صلاة العشاء ثم هو يصلي مع جماعته، وأما  تقسيمها إلى قسمين فلا أجد له مبرراً، أما الصلاة التي يريد أن يصليها[من آخر الليل] فيعلنها جماعة ويخيرهم، هل تريدون أن تصلوا معنا من آخر الليل فبها ونعمت، وإلا فيوكل واحد يصلي بهم [شو فيها].

[متفرقات الشيخ الألباني شريط86 فقرة14] .

 

هذا والله أعلم وصل اللهم على نبينا محمد على آله وصحبه وسلم .

 

كتبه

الشيخ سعد النايف

22- رمضان - 1437

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

جزاكم الله خيراً


 


وكنتُ قد كتبتُ قديماً مقالاً بعنوان [تنبيـه الإخوان حول ظاهرة الجماعة الثانية لصلاة التراويح فـي رمضان] وهو على هذا الرابط:


 


http://www.sahab.net/forums/?showtopic=131268


 


 


وأما كلام الشيخ الألباني رحمه الله؛ فله أكثر من مجلس يتكلَّم فيه عن هذا الموضوع:


 


المجلس الأول/


في شريط (719) من سلسلة الهدى والنور:


السائل: ما يحدث الآن يا شيخ في رمضان في العشر الأواخر؛ يُقسِّمون الصلاة - صلاة القيام - في أول الليل وفي أخره، وأصبح هذا يعني نظام دائم؟


فأجاب الشيخ رحمه الله: بدعة


السائل: كيف يكون؟ يعني إذا أردنا أن نقيم السنة ونخفِّف عن الناس فكيف نفعل؟


الشيخ رحمه الله: تُفكِّرون كما قال عمر: "والتي يؤخِّرونها أفضل"، يعني هو أمر أُبي بن كعب أن يقيم صلاة القيام بالناس بعد صلاة العشاء ففعل، ولما خرج يتحسس قال: "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل".


السائل: يعني يبقى الحال على ما هو قبل العشر؟


الشيخ رحمه الله: اي نعم)).


 


المجلس الثاني/


يقول الشيخ الألباني رحمه الله في شريط رقم (723): ((لو كان هناك إمام مسجد وجماعة المسجد اتفقوا مع الإمام على أن يؤخروا صلاة القيام إلى آخر الليل؛ هنا جمع هذا الإمام وجماعته بين الفضيلتين فضيلة الجماعة وفضيلة الوقت، وهذا الوقت هو الذي رمى إليه عمر رضي الله عنه؛ وهو لا يريد أن يقول أكثر من ذلك...


  وهكذا ها هو الآن عمر يقول: "والتي ينامون أفضل"، نذكِّر بأصل نصَّ عليه الشارع، "اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وتراً"، ولكن هون نحن بين أمرين: إذا بنأخر الصلاة لكسب فضيلة الوقت حا نضيع فضيلة الجماعة، فايهما أفضل؟


جاء النص الذي ذكرناه أنفاً كشافع لبيان أنَّ صلاة القيام جماعة هو سنة بقوله عليه السلام بالتعليل المذكور أنفاً: "إني خشيت أن تكتب عليكم"، وبحضه على صلاة الجماعة في العشاء ثم صلاة القيام في تراويح.


ثم هنا أيضاً يرد الموضوع المعروف من قوله عليه السلام في الصحيحين: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بتأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو إلى نصف الليل" روايتان، لماذا لم يأمرهم؟


لأنَّ من الصعب حمل الناس كلهم أن يحضروا صلاة الجماعة في نصف الليل.


إذن هو ماذا كان يفعل عليه السلام؛ وهو يعلم أنَّ نصف الليل أفضل؟ كان يقدِّم، هذا من باب ترجيح ثواب على ثواب، مصلحة على مصلحة، وهذا هو شريعة الله عز وجل)).


 


المجلس الثالث/


سُئل الشيخ الألباني رحمه الله كما في شريط (86 متفرقات): عن إمام من أئمة المساجد في أنه في بداية رمضان يصلي أول أربع ركعات بعدين يجيب غيره يؤم في الناس؛ وهو ومن معه خواص بعض الشباب يجيء بالساعة وحدة بالليل يقوم كمان أربع ركعات ويوتروا، وهل هذا الفعل صحيح؛ يعني جائز يقر عليه؟


فكان جواب الشيخ الألباني رحمه الله: "وليش ما يوكِّل بالأربع ركعات الأولى، بينما هو يقسمها قسمين!، حتماً هذا مثل ما كنا نبحث: شيء ما فعله الرسول عليه السلام، لكن ممكن هو أن يترخَّص بالمحافظة على سبيل الأفضل وهو ما قاله عمر بن الخطاب لما جمعهم وراء أبي بن كعب: "نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل"، وإذا أراد هو أن يحييها في أخر الليل مع ناس من الشباب الذين يحبون السنة وإحيائها، فيوكِّل واحد يصلي بهم بعد العشاء، ثم هو يقوم يصلي مع جماعته، أما تقسيمها قسمين لا أجد لها مبرراً...


والأحسن من هيك يخيرهم: تريدوا تصلوا معنا في آخر الليل فبها؟ وإلا بنوكِّل واحد يصلي فيكم شو فيها)).


وفي هذه الجلسة أيضاً سأله: أيهما أفضل أن أصلي مع كثرة الناس في أول الليل أو في آخر الليل مع قلة الناس؟


فأجاب الشيخ رحمه الله: ((هذا السؤال ما بيجوز توجيه الجواب عليه بهذا الإجمال، لا بد من التفصيل:


ممكن أن يقال: في آخر الليل لما تكون جماعتين متماثلتين بحسب أداء الصلاة والقراءة ونحو ذلك.


أما إذا اختلفتا فحينئذ إلْحَق بالأكمل، يعني فَرَضَاً: جماعة أكثر تصلي في أول الليل لكن بقراءة أقل، جماعة أقل بقراءة أكثر، ومثِّل أمثلة، فحيث كان الأكمل فهناك الأفضل)).


 


فالملاحظ من هذه المجالس:


1- في المجلس الأول يحكم الشيخ الألباني رحمه الله على تقسيم الجماعة في العشر الأواخر من رمضان إلى جماعتين: في أول الليل، وفي آخره، بأنه بدعة.


2- في المجلس الثاني يجيز الشيخ الألباني رحمه الله أن يؤخِّر إمام المسجد صلاة التراويح إلى آخر الليل - من غير تقسيم إلى جماعتين - بشرط أن يتفق أهل المسجد كلهم معه على هذا، ثم أصَّل رحمه الله ما يمنع مثل هذه الصورة بسبب ما يحصل من المشقة؛ كما أنَّ صلاة العشاء في نصف الليل أو في ثلثها أفضل؛ لكن يمنع من صلاتها جماعة في هذا الوقت المشقة على الناس.


3- في المجلس الثالث يجيز الشيخ الألباني رحمه الله أن يُقسِّم إمام المسجد الجماعة إلى جماعتين؛ لكن هذا ليس على إطلاقه، وإنما كان في مقابل تقسيم محدث: وهو أن يقوم إمام المسجد بتقسيم التراويح إلى أربع ركعات في أول الليل وأربع ركعات في آخر الليل.


 


أقول بعد هذا:


ونحن لا نعرف هل المجلس الأول كان قبل المجلس الثالث أم العكس؟


لكن الذي نعرفه – كما هو مذكور في بعض الرسائل التي تتكلم عن حياة الشيخ الألباني - أنه رحمه الله كان في أول أمره يتحرى مع بعض أصحابه قيام الليل مع إمام مسجد يصلي بعد منتصف الليل، فلعلَّه كان رحمه الله يرى مشروعية هذا الأمر أولاً، ثم بعد البحث والتأمل رجع عن هذا الرأي رحمه الله، وهذا الأمر لا يعاب على العالم، بل يدل على متابعته للدليل وحرصه على العلم، وقد كان للأئمة المشهورين أكثر من قول ومذهب في المسألة الواحدة، لأنهم كانوا يدورون مع الدليل حيث دار، وهذه من مناقبهم وفضائلهم.


 


وقد يقول قائل: ولماذا لا يكون العكس هو الصحيح؟ يعني: أنَّ الألباني رحمه الله كان يرى عدم مشروعية هذا الأمر، ثم رأه مشروعاً في آخر حياته؟!


وجوابه:


إنَّ أهل العلم يقولون: "الناقل عن الأصل مقدَّم على الأصل"، يعني لو كان في المسألة دليلان لا يمكن الجمع بينهما، ولا نعرف المتقدِّم منهما عن المتأخِّر، ولا الترجيح بينهما بإحدى القواعد المعروفة، فنعمل بالدليل الذي نقل الحكم عن الأصل، مثال: إذا كان الأصل هو الإباحة، وتعارض الحكم بين الإباحة والتحريم من غير معرفة المتقدم والمتأخر ولا إمكانية الجمع بينهما ولا الترجيح، فالإباحة هي الأصل في الأشياء، والتحريم هو الناقل، فالقول بالتحريم متعين.


 


وفي مسألتنا هذه:


إما أن نقول: إنَّ الشيخ الألباني رحمه الله تناقض قوله في هذه المسألة واضطرب مذهبه فيها!؛ فمرة يصف هذا التقسيم بالبدعة، ومرة يقره مع التأييد لأفضلية الصلاة في آخر الليل مع الجماعة الثانية.


وإما أن نقول: إنَّ الشيخ رحمه الله كان يرى مشروعيته - لأنَّ الأصل أنَّ صلاة القيام في أي وقت شاء؛ أوله وأوسطه وآخره – أولاً، ثم بعد تأمله في المسألة رأى بدعية صلاة القيام في آخر الليل جماعة في المسجد، وهو الأظهر، والله أعلم.


 


ومما يؤكِّد أنَّ رأي الشيخ الألباني رحمه الله انتهى إلى القول بتفضيل الصلاة بعد العشاء مع جماعة المسلمين في أول الليل؛ قوله رحمه الله في رسالته [قيام رمضان ص20]: ((وقد أشار الإمام أحمد إلى هذا الأثر والذي قبله حين سئل: يؤخِّر القيام - أي التراويح - إلى آخر الليل؟! فقال : "لا سنة المسلمين أحبُّ إليَّ" رواه أبو داود في " مسائله " ص 62))، ذكره تعليقاً على أثر: ((وكان الناس يقومون أوله)).


 


ثم إنَّ حكم الشيخ الألباني رحمه الله بالبدعة على هذا التقسيم هو الذي يدعمه الدليل، والشيخ رحمه الله الذي عُرف عنه أنه يدور مع الدليل حيثما دار ولا يتقيَّد بمذهب ولا بقول الجمهور، والدليل قائم على أنَّ صلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد تكون بعد راتبة العشاء، وأنَّ فعلها في آخر الليل مخالف لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه رضي الله عنهم ومخالف لسنة المسلمين؛ واليكم البيان:


 


* أما المخالفة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما صلى التراويح في رمضان جماعة في المسجد صلاها بعد العشاء مباشرة؛ بدليل أنَّ أبا ذر رضي الله عنه ذكر أنه صلاها بالناس في ليلة الثالث والعشرين إلى ثلث الليل الأول، وصلاها في ليلة الخامس والعشرين إلى نصف الليل، ولم يثبت عنه خلاف ذلك.


وموضع النقاش (صلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد) وليس (وقت صلاة الليل منفرداً أو جماعة - من غير اتفاق حتماً - في غير رمضان وفي غير المسجد)؛ فالرجاء التنبه لهذا وعدم الخلط بين الأمرين.


 


* وأما كونه مخالفاً لعمل الصحابة؛ فقد كان في عهد عمر رضي الله عنه لما جمعهم على قارئ واحد في المسجد يقوم الناس صلاة التراويح في أول الليل، مع كونهم يعلمون أنَّ وقت آخر الليل أفضل، لكن ما أخَّروها لأنهم لا يخالفون سنة النبي صلى الله عليه وسلم أولاً، وثانياً فيه مشقة على الناس؛ لأنهم لو تركوا يذهبون إلى بيوتهم فقد يغلب عليهم النوم فتفوتهم صلاة الليل جماعة.


قال عبد الرحمن بن عبد القاري رحمه الله: ((خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال: والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارىء واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، وكان الناس يقومون أوله)).


 


* وأما كونه مخالفاً لسنة المسلمين:


فقد ذكر الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في [المسائل ص62]: ((سمعتُ أحمد - الإمام أحمد بن حنبل - قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟! قال: يصلي مع الناس.


وسمعته أيضاً يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له بقية ليلته".


ثم قال أبو داود: "قيل لأحمد وأنا أسمع: يؤخِّر القيام - يعني التراويح - إلى آخر الليل؟! قال: لا، سنة المسلمين أحبُّ إليَّ)).


فمع إنَّ الصلاة في آخر الليل أفضل من الصلاة في أول الليل كما هو معلوم؛ لكنَّ الإمام أحمد رحمه الله دعا إلى الصلاة مع الناس في أول الليل؛ لماذا؟ لأنها سنة المسلمين.


قال العلامة ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد (4/918):


((واختلف قوله - يعني الإمام أحمد رحمه الله - في تأخير التراويح إلى آخر الليل:


- فعنه إن أخروا القيام إلى آخر الليل فلا بأس به؛  كما قال عمر: "فإنَّ الساعة التي تنامون عنا أفضل"، ولأنه يحصل قيام بعد رقدة، وقال الله تعالى: "إنَّ ناشئة الليل...الآية.


- وروى عنه أبو داود: "لا يؤخر القيام إلى آخر الليل، سنة المسلمين أحب إلي"، وجهه: فعل الصحابة، ويحمل قول عمر على الترغيب في الصلاة آخر الليل ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل لا أنهم يؤخرونها، ولهذا أمر عمر من يصلي بهم أول الليل.


قال القاضي: "قلتُ: ولأنَّ في التأخير تعريضاً بأن يفوت كثير من الناس هذه الصلاة لغلبة النوم القيام)).


وذكر الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله في رسالته "قيام الليل" عن: ((عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَرْسَلْتُ إِلَى الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ فَسَأَلْتُهُ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي رَمَضَانَ: أَنُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى بُيُوتِنَا فَنَنَامُ ثُمَّ نَعُودُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَأَبَى، قَالَ: «لَا, صَلَاةُ الْعِشَاءِ ثُمَّ الْقِيَامُ».


أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قِيلَ لِأَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَنَا أَسْمَعُ: يُؤَخَّرُ الْقِيَامُ يَعْنِي التَّرَاوِيحَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ؟ قَالَ: «لَا, سُنَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ»)).


وقال القاضي أبو عبد الله الحليمي الشافعي رحمه الله في "المنهاج في شعب الإيمان"  [338ه – 403ه]: ((والمعهود من أمور الناس قديماً وحديثاً: أنهم إذا صلوا قيام شهر رمضان جماعة لم يخالفوا بين العشر الأواخر وبين ما قبلها في مقدار القيام، فينبغي أنَّ العمل على هذا في المساجد.


وأما ما يستحب من فضل الجد والاجتهاد في العشر الأواخر وطلب ليلة القدر فيها في كل وتر؛ فذلك تطوع ونُدب إليه كلُّ من أطاقه على الانفراد ليس الاجتماع عليه سنة)).


 وقال المرداوي في "كشاف القناع": ((وفعلها في المسجد أفضل؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلاها مرة ثلاث ليال متوالية كما روته عائشة، ومرة ثلاث ليال متفرقة كما رواه أبو ذر وقال: "من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة"، وكان أصحابه يفعلونها في المسجد أوزاعاً في جماعات متفرقة في عهده، وجمع عمر الناس على أُبي، وتابعه الصحابة على ذلك ومن بعدهم، وفعلها أول الليل أفضل; لأنَّ الناس كانوا يقومون على عهد عمر أوله)).


وقد سئل العلامة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله كما في (المنتقى من فتاوى الشيخ) السؤال التالي: ما حكم صلاة التراويح وصلاة التهجد؟ وما هو وقت صلاة التهجد؟ وكم عدد ركعاتها؟ وهل يجوز لمن صلى الوتر بعد الانتهاء من التراويح أن يصلي التهجد، أم لا؟ وهل لا بد من اتصال صلاة التراويح بصلاة العشاء؛ بأن تكون بعدها مباشرة، أم أنه يجوز لو اتفق الجماعة على تأخيرها بعد صلاة العشاء ثم تفرقوا وتجمعوا مرة أخرى لصلاة التراويح، أم أن ذلك لا يجوز؟


الجواب: أما صلاة التراويح، فإنها سنة مؤكدة، وفعلها بعد صلاة العشاء وراتبتها مباشرة، هذا هو الذي عليه عمل المسلمين.


أما تأخيرها كما يقول السائل إلى وقت آخر ثم يأتون إلى المسجد ويصلون التراويح: فهذا خلاف ما كان عليه العمل؛ والفقهاء يذكرون أنها تفعل بعد صلاة العشاء وراتبتها ...)).


 


والله الموفِّق


 


 


شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
جزاكم الله خيرا شيخ رائد

وهذا توضيح من الشيخ سعد على تعليقكم بارك الله فيك

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : 

عذرا أخي الكريم لم أكن قد اطلعت  على تعليق الأخ رائد على المنشور، والمسألة واضحة إن شاء الله تعالى، 

 

أولا: الشيخ الألباني رحمه الله تعالى له كلام حول هذا الموضوع في عدت مواضع لكن كلامه ليس فيه تناقض ففي الصوتية المفرغة في منشوري يشير الى باقي كلامه في المسألة فما أجازه شيء وهو أن يصلي قوم في بداية الليل بعد العشاء، ويصلي قوم بعد منتصف الليل كما هو واضح من كلامه رحمه الله، وأما المسألة التي منعها في بقية المواضع من كلامه والتي أشار اليها في هذه الصوتية، فهي أن يقسمون القيام نصفين نصف في بداية الليل بعد العشاء ونصف بعد منتصف الليل وهذا واضح بحمد الله،

 

وثانيا: لو كان للشيخ الألباني رحمه الله في المسألة كلام يخالف بعضه بعضا كيف نرجح بين كلامه أيهما المتقدم وأيهما المتأخر ألا يحتاج دليل للترجيح، وهذا واضح عند التأمل .

 

وثالثا: الأدلة كثيرة عامة وخاصة تدل على ما بينته في المنشور ومنها: أحاديث قيامه صلى الله عليه وسلم، ومنها: قول عمر رضي الله عنه:( والتي تنامون عنها خير من التي تقومون) .

 

الرابع: حاله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان حيث أنه كان يحيي الليل كله.

 

خامسا: حتى لو كان الراجح والمتأخر من كلام الشيخ الألباني رحمه الله تعالى هو انتفاء القيام الثاني بالكلية فأقوال العلماء من المتقدمين والمتأخرين كثيرة التي تفيد الجواز مثل الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الفوزان رحم الله أمواتهم وحفظ أحيائهم .

 

سادسا: وإذا كان للشيخ الألباني رحمه الله في المسألة قولين فالأحب إلينا قوله الذي يوافق الجماعة، والله أعلم.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×
×
  • اضف...