• Sahab
  • Sky
  • Blueberry
  • Slate
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Charcoal
سلطان الجهني

(مُسَلْسَلٌ) : الفوائد الحديثية من كلام وفتاوى وأقوال شيخ الإسلام: ابن تيمية

عدد ردود الموضوع : 115

رابط المشاركة (تم تعديلها)

سئل شيخ الإسلام عن معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : " { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } .
الجواب
فصل وأما قوله : " { يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم وكلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم } " فيقتضي أصلين عظيمين : ( أحدهما : وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة كالطعام ودفع المضرة كاللباس وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة . وإنما القدرة التي تحصل لبعض العباد تكون على بعض أسباب ذلك ؛ ولهذا قال : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } وقال : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم } فالمأمور به هو المقدور للعباد وكذلك قوله : { أو إطعام في يوم ذي مسغبة } { يتيما ذا مقربة } { أو مسكينا ذا متربة } وقوله : { وأطعموا القانع والمعتر } وقوله : { فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } وقال : { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } فذم من يترك المأمور به اكتفاء بما يجري به القدر . ومن هنا يعرف أن السبب المأمور به أو المباح لا ينافي وجوب التوكل على الله في وجود السبب ؛ بل الحاجة والفقر إلى الله ثابتة مع فعل السبب ؛ إذ ليس في المخلوقات ما هو وحده سبب تام لحصول المطلوب ؛ ولهذا لا يجب أن تقترن الحوادث بما قد يجعل سببا إلا بمشيئة الله تعالى ؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن . فمن ظن الاستغناء بالسبب عن التوكل فقد ترك ما أوجب الله عليه من التوكل ؛ وأخل بواجب التوحيد ولهذا يخذل أمثال هؤلاء إذا اعتمدوا على الأسباب . فمن رجا نصرا أو رزقا من غير الله خذله الله كما قال علي رضي الله عنه لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه . وقد قال تعالى : { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم } وقال تعالى : { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده } وقال : { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون } . وهذا كما أن من أخذ يدخل في التوكل تاركا لما أمر به من الأسباب فهو أيضا جاهل ظالم ؛ عاص لله بترك ما أمره ؛ فإن فعل المأمور به عبادة لله . وقد قال تعالى : { فاعبده وتوكل عليه } وقال : { إياك نعبد وإياك نستعين } وقال : { قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } وقال شعيب عليه السلام { عليه توكلت وإليه أنيب } وقال : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب } . وقال : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير } فليس من فعل شيئا أمر به وترك ما أمر به من التوكل بأعظم ذنبا ممن فعل توكلا أمر به وترك فعل ما أمر به من السبب ؛ إذ كلاهما مخل ببعض ما وجب عليه وهما مع اشتراكهما في جنس الذنب فقد يكون هذا ألوم وقد يكون الآخر مع أن التوكل في الحقيقة من جملة الأسباب . وقد روى أبو داود في سننه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين . فقال المقضي عليه : حسبي الله ونعم الوكيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس فإن غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل } " . 

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

نواصل معكم: ...........


ومن خلال منبر الحديث وعلومه .....


شبكة سحاب السلفية .......


(مسلسل):  الفوائد الحديثية من كلام وفتاوى وأقوال شيخ الإسلام: ابن تيمية .....


شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان } " ففي قوله صلى الله عليه وسلم " { احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز } " أمر بالتسبب المأمور به وهو الحرص على المنافع . وأمر مع ذلك بالتوكل وهو الاستعانة بالله فمن اكتفى بأحدهما فقد عصى أحد الأمرين ونهى عن العجز الذي هو ضد الكيس . كما قال في الحديث الآخر : " { إن الله يلوم على العجز ولكن عليك بالكيس } " وكما في الحديث الشامي : " { الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله } " فالعاجز في الحديث مقابل الكيس ومن قال : العاجز هو مقابل البر فقد حرف الحديث ولم يفهم معناه . ومنه الحديث : " { كل شيء بقدر حتى العجز والكيس } " . ومن ذلك ما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون يقولون : نحن المتوكلون فإذا قدموا سألوا الناس ؛ فقال الله تعالى : { وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } فمن فعل ما أمر به من التزود فاستعان به على طاعة الله وأحسن منه إلى من يكون محتاجا كان مطيعا لله في هذين الأمرين بخلاف من ترك ذلك ملتفتا إلى أزواد الحجيج كلا على الناس ؛ وإن كان مع هذا قلبه غير ملتفت إلى معين فهو ملتفت إلى الجملة لكن إن كان المتزود غير قائم بما يجب عليه من التوكل على الله ومواساة المحتاج فقد يكون في تركه لما أمر به من جنس هذا التارك للتزود المأمور به . وفي هذه النصوص بيان غلط طوائف : طائفة تضعف أمر السبب المأمور به فتعده نقصا أو قدحا في التوحيد والتوكل وإن تركه من كمال التوكل والتوحيد وهم في ذلك ملبوس عليهم وقد يقترن بالغلط اتباع الهوى في إخلاد النفس إلى البطالة ولهذا تجد عامة هذا الضرب التاركين لما أمروا به من الأسباب يتعلقون بأسباب دون ذلك ؛ فإما أن يعلقوا قلوبهم بالخلق رغبة ورهبة وإما أن يتركوا لأجل ما تبتلوا له من الغلو في التوكل واجبات أو مستحبات أنفع لهم من ذلك كمن يصرف همته في توكله إلى شفاء مرضه بلا دواء أو نيل رزقه بلا سعي فقد يحصل ذلك لكن كان مباشرة الدواء الخفيف والسعي اليسير وصرف تلك الهمة والتوجه في عمل صالح : أنفع له بل قد يكون أوجب عليه من تبتله لهذا الأمر اليسير الذي قدره درهم أو نحوه . وفوق هؤلاء من يجعل التوكل والدعاء أيضا نقصا وانقطاعا عن الخاصة ظنا أن ملاحظة ما فرغ منه في القدر هو حال الخاصة .

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

وقد قال في هذا الحديث : " { كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم } " وقال : " { فاستكسوني أكسكم } " وفي الطبراني أو غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : " { ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع فإنه إن لم ييسره لم يتيسر } " . وهذا قد يلزمه أن يجعل أيضا استهداء الله وعمله بطاعته من ذلك وقولهم يوجب دفع المأمور به مطلقا ؛ بل دفع المخلوق والمأمور وإنما غلطوا من حيث ظنوا [ أن ] سبق التقدير يمنع أن يكون بالسبب المأمور به كمن يتزندق فيترك الأعمال الواجبة بناء على أن القدر قد سبقه بأهل السعادة وأهل الشقاوة ولم يعلم أن القدر سبق بالأمور على ما هي عليه فمن قدره الله من أهل السعادة كان مما قدره الله تيسيره لعمل أهل السعادة ومن قدره من أهل الشقاء كان مما قدره أن ييسره لعمل أهل الشقاء كما قد أجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا السؤال في حديث علي بن أبي طالب وعمران بن حصين وسراقة بن جعشم وغيرهم . ومنه حديث الترمذي : حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن الزهري عن { أبي خزامة عن أبيه . قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال : هي من قدر الله } " . وطائفة تظن أن التوكل إنما هو من مقامات الخاصة المتقربين إلى الله بالنوافل وكذلك قولهم في أعمال القلوب وتوابعها كالحب والرجاء والخوف والشكر ونحو ذلك . وهذا ضلال مبين بل جميع هذه الأمور فروض على الأعيان باتفاق أهل الإيمان ومن تركها بالكلية فهو : إما كافر وإما منافق لكن الناس هم فيها كما هم في الأعمال الظاهرة فمنهم ظالم لنفسه ؛ ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ونصوص الكتاب والسنة طافحة بذلك وليس هؤلاء المعرضون عن هذه الأمور علما وعملا بأقل لوما من التاركين لما أمروا به من أعمال ظاهرة مع تلبسهم ببعض هذه الأعمال بل استحقاق الذم والعقاب يتوجه إلى من ترك المأمور من الأمور الباطنة والظاهرة وإن كانت الأمور الباطنة مبتدأ الأمور الظاهرة وأصولها والأمور الظاهرة كمالها وفروعها التي لا تتم إلا بها .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

سئل شيخ الإسلام عن معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : " { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } .
الجواب
فصل وأما قوله : " { يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا } " وفي رواية : " { وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم } " فالمغفرة العامة لجميع الذنوب نوعان : أحدهما : المغفرة لمن تاب كما في قوله تعالى { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } إلى قوله : { ثم لا تنصرون } فهذا السياق مع سبب نزول الآية يبين أن المعنى لا ييأس مذنب من مغفرة الله ولو كانت ذنوبه ما كانت فإن الله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب . وقد دخل في هذا العموم الشرك وغيره من الذنوب فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه قال تعالى : { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } إلى قوله : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم } وقال في الآية الأخرى : { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين } وقال : { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } إلى قوله { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم } وهذا القول الجامع بالمغفرة لكل ذنب للتائب منه - كما دل عليه القرآن والحديث - هو الصواب عند جماهير أهل العلم وإن كان من الناس من يستثني بعض الذنوب كقول بعضهم : أن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنا للحديث الإسرائيلي الذي فيه : " { فكيف من أضللت } " . وهذا غلط ؛ فإن الله قد بين في كتابه وسنة رسوله أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع . وقد قال تعالى : { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق } قال الحسن البصري : انظروا إلى هذا الكرم عذبوا أولياءه وفتنوهم ثم هو يدعوهم إلى التوبة . وكذلك توبة القاتل ونحوه وحديث أبي سعيد المتفق عليه في الذي قتل تسعة وتسعين نفسا يدل على قبول توبته وليس في الكتاب والسنة ما ينافي ذلك ولا نصوص الوعيد - فيه وفي غيره من الكبائر - بمنافية لنصوص قبول التوبة فليست آية الفرقان بمنسوخة بآية النساء ؛ إذ لا منافاة بينهما فإنه قد علم يقينا أن كل ذنب فيه وعيد فإن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة ؛ إذ نصوص التوبة مبينة لتلك النصوص كالوعيد في الشرك وأكل الربا وأكل مال اليتيم والسحر وغير ذلك من الذنوب . ومن قال من العلماء : توبته غير مقبولة . فحقيقة قوله التي تلائم أصول الشريعة أن يراد بذلك أن التوبة المجردة تسقط حق الله من العقاب . وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة وهذا حق . ولا فرق في ذلك بين القاتل وسائر الظالمين . فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حق المظلوم لكن من تمام توبته أن يعوضه بمثل مظلمته . وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بد له من العوض في الآخرة فينبغي للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يبق مفلسا . ومع هذا فإذا شاء الله أن يعوض المظلوم من عنده فلا راد لفضله كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء .

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

ولهذا في حديث القصاص الذي ركب فيه جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس شهرا حتى شافهه به وقد رواه الإمام أحمد وغيره واستشهد به البخاري في صحيحه ؛ وهو من جنس حديث الترمذي صحاحه أو حسانه ؛ قال فيه : " { إذا كان يوم القيامة فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد ؛ يسمعهم الداعي وينفذهم البصر . ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا لأحد من أهل النار قبله مظلمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولا لأحد من أهل الجنة حتى أقصه منه } " . فبين في الحديث العدل والقصاص بين أهل الجنة وأهل النار . وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد : " { أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة } " وقد قال سبحانه لما قال : { ولا يغتب بعضكم بعضا } - والاغتياب من ظلم الأعراض - قال : { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } . فقد نبههم على التوبة من الاغتياب وهو من الظلم . وفي الحديث الصحيح : " { من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات . فإن كان له حسنات وإلا أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم يلقى في النار } " أو كما قال . وهذا فيما علمه المظلوم من العوض فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك فقد قيل : من شرط توبته إعلامه وقيل : لا يشترط ذلك وهذا قول الأكثرين وهما روايتان عن أحمد . لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات كالدعاء له والاستغفار وعمل صالح يهدي إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه . قال الحسن البصري : كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته . وأما الذنوب التي يطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة مثل قول أكثرهم : لا تقبل توبة الزنديق وهو المنافق وقولهم : إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه تسقط عنه حدود الله وكذلك قول كثير منهم أو أكثرهم في سائر الجرائم كما هو أحد قولي الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد وقولهم في هؤلاء : إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام لم تقبل توبتهم . فهذا إنما يريدون به رفع العقوبة المشروعة عنهم أي : لا تقبل توبتهم بحيث يخلى بلا عقوبة بل يعاقب : إما لأن توبته غير معلومة الصحة بل يظن به الكذب فيها وأما لأن رفع العقوبة بذلك يفضي إلى انتهاك المحارم وسد باب العقوبة على الجرائم ولا يريدون بذلك أن من تاب من هؤلاء توبة صحيحة فإن الله لا يقبل توبته في الباطن ؛ إذ ليس هذا قول أحد من أئمة الفقهاء بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة كما قال تعالى : { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما } { وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار } الآية . قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا لي : كل من عصى الله فهو جاهل وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب . وأما من تاب عند معاينة الموت فهذا كفرعون الذي قال : أنا الله { حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين }

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

 قال الله : { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } وهذا استفهام إنكار بين به أن هذه التوبة ليست هي التوبة المقبولة المأمور بها ؛ فإن استفهام الإنكار : إما بمعنى النفي إذا قابل الإخبار وإما بمعنى الذم والنهي إذا قابل الإنشاء وهذا من هذا . ومثله قوله تعالى { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين } { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } الآية . بين أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع وأن هذه سنة الله التي قد خلت في عباده ؛ كفرعون وغيره وفي الحديث : " { أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر } " وروي : " { ما لم يعاين } " . وقد ثبت في الصحيحين { أنه صلى الله عليه وسلم عرض على عمه التوحيد في مرضه الذي مات فيه } وقد { عاد يهوديا كان يخدمه فعرض عليه الإسلام فأسلم فقال : الحمد لله الذي أنقذه بي من النار ثم قال لأصحابه : آووا أخاكم } " . ومما يبين أن المغفرة العامة في الزمر هي للتائبين أنه قال في سورة النساء : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فقيد المغفرة بما دون الشرك وعلقها على المشيئة وهناك أطلق وعمم فدل هذا التقييد والتعليق على أن هذا في حق غير التائب ؛ ولهذا استدل أهل السنة بهذه الآية على جواز المغفرة لأهل الكبائر في الجملة خلافا لمن أوجب نفوذ الوعيد بهم من الخوارج والمعتزلة وإن كان المخالفون لهم قد أسرف فريق منهم من المرجئة حتى توقفوا في لحوق الوعيد بأحد من أهل القبلة كما يذكر عن غلاتهم أنهم نفوه مطلقا ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه ونصوص الكتاب والسنة مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذب وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان . النوع الثاني : من المغفرة العامة التي دل عليها قوله : { يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا } المغفرة بمعنى تخفيف العذاب ؛ أو بمعنى تأخيره إلى أجل مسمى وهذا عام مطلقا ؛ ولهذا شفع النبي صلى الله عليه وسلم في أبي طالب مع موته على الشرك فنقل من غمرة من نار حتى جعل في ضحضاح من نار في قدميه نعلان من نار يغلي منهما دماغه . قال : " { ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار } " وعلى هذا المعنى دل قوله سبحانه : { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } .

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

فصل

وأما قوله عز وجل‏:‏ ‏(‏يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضَرِّي فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني‏)‏ فإنه هو بين بذلك أنه ليس هو فيما يحسن به إليهم من إجابة الدعوات، وغفران الزلات بالمستعيض/ بذلك منهم جلب منفعة أو دفع مضرة، كما هي عادة المخلوق الذي يعطي غيره نفعًا ليكافئه عليه بنفع، أو يدفع عنه ضررًا؛ ليتقي بذلك ضرره، فقال‏:‏ ‏(‏إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني‏)‏، فلست إذا أخصكم بهداية المستهدي وكفاية المستكفي المستطعم والمستكسي بالذي أطلب أن تنفعوني، ولا أنا إذا غفرت خطاياكم بالليل والنهار أتقي بذلك أن تضروني، فإنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني؛ إذ هم عاجزون عن ذلك، بل ما يقدرون عليه من الفعل لا يقدرون عليه إلا بتقديره وتدبيره، فكيف بما لا يقدرون عليه‏؟‏ فكيف بالغني الصمد، الذي يمتنع عليه أن يستحق من غيره نفعًا أو ضرًا‏؟‏ وهذا الكلام كما بين أن ما يفعله بهم من جلب المنافع ودفع المضار فإنهم لن يبلغوا أن يفعلوا به مثل ذلك، فكذلك يتضمن أن ما يأمرهم به من الطاعات وما ينهاهم عنه من السيئات فإنه لا يتضمن استجلاب نفعهم، كأمر السيد لعبده، أو الوالد لولده، والأمير لرعيته، ونحو ذلك‏.‏ ولا دفع مضرتهم، كنهي هؤلاء أو غيرهم لبعض الناس عن مضرتهم‏.‏

فإن المخلوقين يبلغ بعضهم نفع بعض ومضرة بعض، وكانوا في أمرهم ونهيهم قد يكونون كذلك، والخالق ـ سبحانه ـ مقدس عن ذلك، فبين تنزيهه عن لحوق نفعهم وضرهم في إحسانه إليهم بما يكون من/أفعاله بهم وأوامره لهم، قال قتادة‏:‏ إن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلًا به عليهم، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم‏.‏

فصل

ولهذا ذكر هذين الأصلين بعد هذا، فذكر أن برهم وفجورهم ـ الذي هو طاعتهم ومعصيتهم ـ لا يزيد في ملكه ولا ينقص، وأن إعطاءه إياهم غاية ما يسألونه نسبته إلى ما عنده أدني نسبة، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم ممن يزداد ملكه بطاعة الرعية، وينقص ملكه بالمعصية‏.‏ وإذا أعطي الناس ما يسألونه أنفد ما عنده ولم يغنهم، وهم في ذلك يبلغون مضرته ومنفعته، وهو يفعل ما يفعله من إحسان وعفو وأمر ونهي لرجاء المنفعة وخوف المضرة‏.‏ فقال‏:‏ ‏(‏يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقي قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا‏.‏ يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئـًا‏)‏، إذ ملكه هو قدرته على التصرف‏.‏ فلا تزداد بطاعتهم ولا تنقص بمعصيتهم، كما تزداد قدرة الملوك بكثرة المطيعين لهم، وتنقص بقلة المطيعين لهم، فإن ملكه متعلق/بنفسه، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، وهو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء‏.‏

والملك قد يراد به القدرة على التصرف والتدبير، ويراد به نفس التدبير والتصرف، ويراد به المملوك نفسه الذي هو محل التدبير، ويراد به ذلك كله‏.‏ وبكلٍّ حال، فليس بر الأبرار وفجور الفجار موجبًا لزيادة شيء من ذلك ولا نقصه، بل هو بمشيئته وقدرته يخلق ما يشاء، فلو شاء أن يخلق مع فجور الفجار ما شاء لم يمنعه من ذلك مانع، كما يمنع الملوك فجور رعاياهم التي تعارض أوامرهم عما يختارونه من ذلك، ولو شاء ألا يخلق مع بر الأبرار شيئًا مما خلقه لم يكن برهم محوجًا له إلى ذلك، ولا معينًا له كما يحتاج الملوك ويستعينون بكثرة الرعايا المطيعين‏.‏

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

سئل شيخ الإسلام عن معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : " { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } .
الجواب
فصل ثم ذكر حالهم في النوعين سؤال بره وطاعة أمره . الذين ذكرهما في الحديث حيث ذكر الاستهداء والاستطعام والاستكساء وذكر الغفران والبر والفجور فقال : " { لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر } " والخياط والمخيط : ما يخاط به إذ الفعال والمفعل والمفعال من صيغ الآلات التي يفعل بها كالمسعر والمخلاب والمنشار . فبين أن جميع الخلائق إذا سألوا وهم في مكان واحد وزمان واحد فأعطي كل إنسان منهم مسألته لم ينقصه ذلك مما عنده إلا كما ينقص الخياط " وهي الإبرة " إذا غمس في البحر . وقوله : " { لم ينقص مما عندي } " فيه قولان : أحدهما : أنه يدل على أن عنده أمورا موجودة يعطيهم منها ما سألوه إياه وعلى هذا فيقال : لفظ النقص على حاله لأن الإعطاء من الكثير وإن كان قليلا فلا بد أن ينقصه شيئا ما . ومن رواه : " { لم ينقص من ملكي } " يحمل على ما عنده كما في هذا اللفظ ؛ فإن قوله : " مما عندي " فيه تخصيص ليس هو في قوله : " من ملكي " . وقد يقال : المعطى : إما أن يكون أعيانا قائمة بنفسها ؛ أو صفات قائمة بغيرها . فأما الأعيان فقد تنقل من محل إلى محل فيظهر النقص في المحل الأول . وأما الصفات فلا تنقل من محلها وإن وجد نظيرها في محل آخر كما يوجد نظير علم المعلم في قلب المتعلم من غير زوال علم المعلم وكما يتكلم المتكلم بكلام المتكلم قبله من غير انتقال كلام المتكلم الأول إلى الثاني . وعلى هذا فالصفات لا تنقص مما عنده شيئا وهي من المسئول كالهدى . وقد يجاب عن هذا بأنه من الممكن في بعض الصفات ألا يثبت مثلها في المحل الثاني حتى تزول عن الأول : كاللون الذي ينقص وكالروائح التي تعبق بمكان وتزول ؛ كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على حمى المدينة أن تنقل إلى مهيعة وهي الجحفة وهل مثل هذا الانتقال بانتقال عين العرض الأول أو بوجود مثله من غير انتقال عينه ؟ فيه للناس قولان : إذ منهم من يجوز انتقال الأعراض بل من يجوز أن تجعل الأعراض أعيانا ؛ كما هو قول ضرار والنجار وأصحابهما كبرغوث وحفص الفرد ؛ لكن إن قيل : هو بوجود مثله من غير انتقال عينه فذلك يكون مع استحالة العرض الأول وفنائه فيعدم عن ذلك المحل ويوجد مثله في المحل الثاني . والقول الثاني : أن لفظ النقص هنا كلفظ النقص في حديث موسى والخضر الذي في الصحيحين من حديث ابن عباس ؛ عن أبي بن كعب ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : " { أن الخضر قال لموسى لما وقع عصفور على قارب السفينة فنقر في البحر فقال : يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر } " ومن المعلوم أن نفس علم الله القائم بنفسه لا يزول منه شيء بتعلم العباد وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله كنسبة ما علق بمنقار العصفور إلى البحر . ومن هذا الباب كون العلم يورث كقوله : { العلماء ورثة الأنبياء } ومنه قوله : { وورث سليمان داود } ومنه توريث الكتاب أيضا كقوله : { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } ومثل هذه العبارة من النقص ونحوه تستعمل في هذا وإن كان العلم الأول ثابتا . كما قال سعيد بن المسيب لقتادة وقد أقام عنده أسبوعا سأله فيه مسائل عظيمة حتى عجب من حفظه وقال : نزفتني يا أعمى وإنزاف القليب ونحوه هو رفع ما فيه بحيث لا يبقى فيه شيء . ومعلوم أن قتادة لو تعلم جميع علم سعيد لم يزل علمه من قلبه كما يزول الماء من القليب لكن قد يقال : التعليم إنما يكون بالكلام والكلام يحتاج إلى حركة وغيرها مما يكون بالمحل ويزول عنه ؛ ولهذا يوصف بأنه يخرج من المتكلم ؛ كما قال تعالى : { كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } . 

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

ويقال : قد أخرج العالم هذا الحديث ولم يخرج هذا فإذا كان تعليم العلم بالكلام المستلزم زوال بعض ما يقوم بالمحل وهذا نزيف وخروج : كان كلام سعيد بن المسيب على حقيقته . ومضمونه : أنه في تلك السبع الليالي من كثرة ما أجابه وكلمه فارقه أمور قامت به من حركات وأصوات ؛ بل ومن صفات قائمة بالنفس كان ذلك نزيفا ومما يقوي هذا المعنى أن الإنسان وإن كان علمه في نفسه فليس هو أمرا لازما للنفس لزوم الألوان للمتلونات بل قد يذهل الإنسان عنه ويغفل وقد ينساه ثم يذكره فهو شيء يحضر تارة ويغيب أخرى . وإذا تكلم به الإنسان وعلمه فقد تكل النفس وتعي حتى لا يقوى على استحضاره إلا بعد مدة فتكون في تلك الحال خالية عن كمال تحققه واستحضاره الذي يكون به العالم عالما بالفعل وإن لم يكن نفس ما زال هو بعينه القائم في نفس السائل والمستمع ومن قال هذا يقول : كون التعليم يرسخ العلم من وجه لا ينافي ما ذكرناه وإذا كان مثل هذا النقص والنزيف معقولا في علم العباد كان استعمال لفظ النقص في علم الله بناء على اللغة المعتادة في مثل ذلك وإن كان هو سبحانه منزها عن اتصافه بضد العلم بوجه من الوجوه أو عن زوال علمه عنه لكن في قيام أفعال به وحركات نزاع بين الناس من المسلمين وغيرهم . وتحقيق الأمر : أن المراد ما أخذ علمي وعلمك من علم الله وما نال علمي وعلمك من علم الله وما أحاط علمي وعلمك من علم الله كما قال : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } إلا كما نقص أو أخذ أو نال هذا العصفور من هذا البحر أي : نسبة هذا إلى هذا كنسبة هذا إلى هذا وإن كان المشبه به جسما ينتقل من محل إلى محل ويزول عن المحل الأول وليس المشبه كذلك ؛ فإن هذا الفرق هو فرق ظاهر يعلمه المستمع من غير التباس كما قال صلى الله عليه وسلم " { إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر } " فشبه الرؤية بالرؤية وهي وإن كانت متعلقة بالمرئي في الرؤية المشبهة والرؤية المشبه بها ؛ لكن قد علم المستمعون أن المرئي ليس مثل المرئي فكذلك هنا شبه النقص بالنقص ؛ وإن كان كل من الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبه [ به ] ليس مثل الناقص والمنقوص والمنقوص منه المشبه به . ولهذا كل أحد يعلم أن المعلم لا يزول علمه بالتعليم بل يشبهونه بضوء السراج الذي يحدث : يقتبس منه كل أحد ويأخذون ما شاءوا من الشهب وهو باق بحاله وهذا تمثيل مطابق ؛ فإن المستوقد من السراج يحدث الله في فتيلته أو وقوده نارا من جنس تلك النار وإن كان قد يقال : إنها تستحيل عن ذلك الهواء مع أن النار الأولى باقية كذلك المتعلم يجعل في قلبه مثل علم المعلم مع بقاء علم المعلم ولهذا قال علي رضي الله عنه العلم يزكو على العمل أو قال : على التعليم ؛ والمال ينقصه النفقة . وعلى هذا فيقال في حديث أبي ذر : إن قوله " مما عندي " ؛ وقوله : " من ملكي " هو من هذا الباب وحينئذ فله وجهان : ( أحدهما : أن يكون ما أعطاهم خارجا عن مسمى ملكه ومسمى ما عنده كما أن علم الله لا يدخل فيه نفس علم موسى والخضر . ( والثاني أن يقال : بل لفظ الملك وما عنده يتناول كل شيء وما أعطاهم فهو جزء من ملكه ومما عنده ولكن نسبته إلى الجملة هذه النسبة الحقيرة . 

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

ومما يحقق هذا القول الثاني :

أن الترمذي روى هذا الحديث من طريق عبد الرحمن بن غنم ؛ عن أبي ذر مرفوعا فيه : " { لو أن أولكم وآخركم ؛ وإنسكم وجنكم ؛ ورطبكم ويابسكم ؛ سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منهم فأعطيتهم ما سألوني ؛ ما نقص ذلك مما عندي كمغرز إبرة لو غمسها أحدكم في البحر وذلك إني جواد ماجد واجد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له : كن ؛ فيكون } " فذكره سبحانه : أن عطاءه كلام وعذابه كلام يدل على أنه هو أراد بقوله : " من ملكي " و " مما عندي " أي : من مقدوري فيكون هذا في القدرة كحديث الخضر في العلم والله أعلم . ويؤيد ذلك أن في اللفظ الآخر الذي في نسخة أبي مسهر : { لم ينقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص البحر } " وهذا قد يقال فيه : إنه استثناء منقطع أي : لم ينقص من ملكي شيئا لكن يكون حاله حال هذه النسبة وقد يقال : بل هو تام والمعنى على ما سبق .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

سئل شيخ الإسلام عن معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال : " { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي : لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } .
الجواب
فصل ثم ختمه بتحقيق ما بينه فيه من عدله وإحسانه فقال : " { يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } " فبين أنه محسن إلى عباده في الجزاء على أعمالهم الصالحة إحسانا يستحق به الحمد ؛ لأنه هو المنعم بالأمر بها ؛ والإرشاد إليها والإعانة عليها ثم إحصائها ثم توفية جزائها . فكل ذلك فضل منه وإحسان ؛ إذ كل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل وهو وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة وكان حقا عليه نصر المؤمنين - كما تقدم بيانه - فليس وجوب ذلك كوجوب حقوق الناس بعضهم على بعض الذي يكون عدلا لا فضلا ؛ لأن ذلك إنما يكون لكون بعض الناس أحسن إلى البعض فاستحق المعاوضة وكان إحسانه إليه بقدرة المحسن دون المحسن إليه ؛ ولهذا لم يكن المتعاوضان ليخص أحدهما بالتفضل على الآخر لتكافئهما وهو قد بين في الحديث أن العباد لن يبلغوا ضره فيضروه ولن يبلغوا نفعه فينفعوه فامتنع حينئذ أن يكون لأحد من جهة نفسه عليه حق بل هو الذي أحق الحق على نفسه بكلماته فهو المحسن بالإحسان وبإحقاقه وكتابته على نفسه فهو في كتابة الرحمة على نفسه وإحقاقه نصر عباده المؤمنين ونحو ذلك محسن إحسانا مع إحسان . فليتدبر اللبيب هذه التفاصيل التي يتبين بها فصل الخطاب في هذه المواضع التي عظم فيها الاضطراب فمن بين موجب على ربه بالمنع أن يكون محسنا متفضلا ؛ ومن بين مسو بين عدله وإحسانه وما تنزه عنه من الظلم والعدوان . وجاعل الجميع نوعا واحدا . وكل ذلك حيد عن سنن الصراط المستقيم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . وكما بين أنه محسن في الحسنات ؛ متم إحسانه بإحصائها والجزاء عليها ؛ بين أنه عادل في الجزاء على السيئات فقال : " { ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } كما تقدم بيانه في مثل قوله : { وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم } . وعلى هذا الأصل استقرت الشريعة الموافقة لفطرة الله التي فطر الناس عليها كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ؛ عن شداد بن أوس ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { سيد الاستغفار أن يقول العبد : اللهم أنت ربي ؛ لا إله إلا أنت . خلقتني وأنا عبدك ؛ وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت . أعوذ بك من شر ما صنعت ؛ أبوء لك بنعمتك علي ؛ وأبوء بذنبي ؛ فاغفر لي ؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت } " 

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

 ففي قوله : " { أبوء لك بنعمتك علي } " اعتراف بنعمته عليه في الحسنات وغيرها . وقوله : " { وأبوء بذنبي } " اعتراف منه بأنه مذنب ظالم لنفسه وبهذا يصير العبد شكورا لربه مستغفرا لذنبه فيستوجب مزيد الخير وغفران الشر من الشكور الغفور الذي يشكر اليسير من العمل ويغفر الكثير من الزلل . وهنا انقسم الناس ثلاثة أقسام في إضافة الحسنات والسيئات التي هي الطاعات والمعاصي إلى ربهم وإلى نفوسهم فشرهم الذي إذا أساء أضاف ذلك إلى القدر واعتذر بأن القدر سبق بذلك وأنه لا خروج له على القدر فركب الحجة على ربه في ظلمه لنفسه وإن أحسن أضاف ذلك إلى نفسه ونسي نعمة الله عليه في تيسيره لليسرى . وهذا ليس مذهب طائفة من بني آدم ولكنه حال شرار الجاهلين الظالمين الذين لا حفظوا حدود الأمر والنهي ولا شهدوا حقيقة القضاء والقدر كما قال فيهم الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي : أنت عند الطاعة قدري ؛ وعند المعصية جبري أي مذهب وافق هواك تمذهبت به . وخير الأقسام وهو القسم المشروع وهو الحق الذي جاءت به الشريعة : أنه إذا أحسن شكر نعمة الله عليه وحمده ؛ إذ أنعم عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا ؛ فإنه فقير محتاج في ذاته وصفاته وجميع حركاته وسكناته إلى ربه ولا حول ولا قوة إلا به فلو لم يهده لم يهتد كما قال أهل الجنة : { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق } وإذا أساء اعترف بذنبه واستغفر ربه وتاب منه وكان كأبيه آدم الذي قال : { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } ولم يكن كإبليس الذي قال : { رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين } { إلا عبادك منهم المخلصين } . ولم يحتج بالقدر على ترك مأمور ولا فعل محظور ؛ مع إيمانه بالقدر خيره وشره وإن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء ونحو ذلك . وهؤلاء هم الذين أطاعوا الله في قوله في هذا الحديث الصحيح : { فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه } " ولكن بسط ذلك وتحقيق نسبة الذنب إلى النفس مع العلم بأن الله خالق أفعال العباد فيه أسرار ليس هذا موضعها ومع هذا فقوله تعالى : { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } { ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } ليس المراد بالحسنات والسيئات في هذه الآية الطاعات والمعاصي كما يظنه كثير من الناس حتى يحرف بعضهم القرآن ويقرأ ( فمن نفسك ؟ ومعلوم أن معنى هذه القراءة يناقض القراءة المتواترة وحتى يضمر بعضهم القول على وجه الإنكار له وهو قول الله الحق فيجعل قول الله الصدق الذي يحمد ويرضى قولا للكفار يكذب به ويذم ويسخط بالإضمار الباطل الذي يدعيه من غير أن يكون في السياق ما يدل عليه . ثم إن من جهل هؤلاء ظنهم أن في هذه الآية حجة للقدرية واحتجاج بعض القدرية بها وذلك أنه لا خلاف بين الناس في أن الطاعات والمعاصي سواء من جهة القدر . فمن قال : إن العبد هو الموجد لفعله دون الله ؛ أو هو الخالق لفعله ؛ وأن الله لم يخلق أفعال العباد فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية . ومن أثبت خلق الأفعال وأثبت الجبر أو نفاه ؛ أو أمسك عن نفيه وإثباته مطلقا ؛ وفصل المعنى أو لم يفصله : فلا فرق عنده بين الطاعة والمعصية . فتبين أن إدخال هذه الآية في القدر في غاية الجهالة وذلك أن الحسنات والسيئات في الآية المراد بها المسار والمضار دون الطاعات والمعاصي كما في قوله تعالى { وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون } وهو الشر والخير في قوله : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } . وكذلك قوله : { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } وقوله تعالى { ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني } وقوله تعالى { وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون } { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } وقال تعالى : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه } . فهذه حال فرعون وملئه مع موسى ومن معه كحال الكفار والمنافقين والظالمين مع محمد وأصحابه إذا أصابهم نعمة وخير قالوا : لنا هذه أو قالوا : هذه من عند الله وإن أصابهم عذاب وشر تطيروا بالنبي والمؤمنين وقالوا : هذه بذنوبهم وإنما هي بذنوب أنفسهم لا بذنوب المؤمنين وهو سبحانه ذكر هذا في بيان حال الناكلين عن الجهاد الذين يلومون المؤمنين على الجهاد فإذا أصابهم نصر ونحوه قالوا : هذا من عند الله وإن أصابتهم محنة قالوا : هذه من عند هذا الذي جاءنا بالأمر والنهي والجهاد قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } إلى قوله : { وإن منكم لمن ليبطئن } إلى قوله : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال } إلى قوله : { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة } أي هؤلاء المذمومين { يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك } أي بسبب أمرك ونهيك قال الله تعالى : { فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا } 

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

{ ما أصابك من حسنة } أي : من نعمة { فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك } أي : فبذنبك . كما قال : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } وقال : { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم } . وأما القسم الثالث في هذا الباب : فهم قوم لبسوا الحق بالباطل وهم بين أهل الإيمان أهل الخير وبين شرار الناس وهم الخائضون في القدر بالباطل فقوم يرون أنهم هم الذين يهدون أنفسهم ويضلونها ويوجبون لها فعل الطاعة وفعل المعصية بغير إعانة منه وتوفيق للطاعة ولا خذلان منه في المعصية . وقوم لا يثبتون لأنفسهم فعلا ولا قدرة ولا أمرا . ثم من هؤلاء من ينحل عن الأمر والنهي فيكون أكفر الخلق وهم في احتجاجهم بالقدر متناقضون ؛ إذ لا بد من فعل يحبونه وفعل يبغضونه ولا بد لهم ولكل أحد من دفع الضرر الحاصل بأفعال المعتدين فإذا جعلوا الحسنات والسيئات سواسية لم يمكنهم أن يذموا أحدا ولا يدفعوا ظالما ولا يقابلوا مسيئا وإن يبيحوا للناس من أنفسهم كل ما يشتهيه مشته ونحو ذلك من الأمور التي لا يعيش عليها بنو آدم ؛ إذ هم مضطرون إلى شرع فيه أمر ونهي أعظم من اضطرارهم إلى الأكل واللباس . وهذا باب واسع لشرحه موضع غير هذا . وإنما نبهنا على ما في الحديث من الكلمات الجامعة والقواعد النافعة بنكت مختصرة تنبه الفاضل على ما في الحقائق من الجوامع والفوارق ؛ التي تفصل بين الحق والباطل في هذه المضايق . بحسب ما احتملته أوراق السائل والله ينفعنا وسائر إخواننا المؤمنين بما علمناه ، ويعلمنا ما ينفعنا ويزيدنا علما ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ منه إلا إليه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وأستغفر الله العظيم لي ولجميع إخواننا المؤمنين . والحمد لله رب العالمين . وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما .

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

رابط المشاركة (تم تعديلها)

وقال شيخ الإسلام رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما .

فصل : في صحيح البخاري وغيره من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { يا بني تميم اقبلوا البشرى قالوا : قد بشرتنا فأعطنا فأقبل على أهل اليمن فقال : يا أهل اليمن اقبلوا البشرى ؛ إذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا : قد قبلنا يا رسول الله . قالوا : جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال : كان الله ولم يكن شيء قبله وفي لفظ معه وفي لفظ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض } " وفي لفظ : " { ثم خلق السموات والأرض } " ثم جاءني رجل فقال : أدرك ناقتك فذهبت فإذا السراب ينقطع دونها فوالله لوددت إني تركتها ولم أقم . قوله : { كتب في الذكر } يعني : اللوح المحفوظ كما قال : { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر } أي : من بعد اللوح المحفوظ يسمى ما يكتب في الذكر ذكرا كما يسمى ما يكتب فيه كتابا كقوله عز وجل : { إنه لقرآن كريم } { في كتاب مكنون } . والناس في هذا الحديث على قولين : منهم من قال : إن مقصود الحديث إخباره بأن الله كان موجودا وحده ثم إنه ابتدأ إحداث جميع الحوادث وإخباره بأن الحوادث لها ابتداء بجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم وإن جنس الزمان حادث لا في زمان وجنس الحركات والمتحركات حادث وإن الله صار فاعلا بعد أن لم يكن يفعل شيئا من الأزل إلى حين ابتدأ الفعل ؛ ولا كان الفعل ممكنا . ثم هؤلاء على قولين : منهم من يقول : وكذلك صار متكلما بعد أن لم يكن يتكلم بشيء بل ولا كان الكلام ممكنا له . ومنهم من يقول : الكلام أمر يوصف به بأنه يقدر عليه لا أنه يتكلم بمشيئته وقدرته بل هو أمر لازم لذاته بدون قدرته ومشيئته . ثم هؤلاء منهم من يقول : هو المعنى دون اللفظ المقروء عبر عنه بكل من التوراة والإنجيل والزبور والفرقان . ومنهم من يقول : بل هو حروف وأصوات لازمة لذاته لم تزل ولا تزال وكل ألفاظ الكتب التي أنزلها وغير ذلك . والقول الثاني في معنى الحديث : إنه ليس مراد الرسول هذا ؛ بل إن الحديث يناقض هذا ولكن مراده . إخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع فقال تعالى : { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء } وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء } " فأخبر صلى الله عليه وسلم أن تقدير خلق هذا العالم المخلوق في ستة أيام وكان حينئذ عرشه على الماء . كما أخبر بذلك القرآن والحديث المتقدم الذي رواه البخاري في صحيحه ؛ عن عمران رضي الله عنه . ومن هذا : الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { أول ما خلق الله القلم فقال له : اكتب قال : وما أكتب . قال : ما هو كائن إلى يوم القيامة } " فهذا القلم خلقه لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان مخلوقا قبل خلق السموات والأرض وهو أول ما خلق من هذا العالم وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص وهو قول جمهور السلف كما ذكرت أقوال السلف في غير هذا الموضع . والمقصود هنا : بيان ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة . والدليل على هذا القول الثاني وجوه : ( أحدها أن قول أهل اليمن : " { جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر } " 

تم التعديل بواسطة سلطان الجهني

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان