• Sahab
  • Sky
  • Blueberry
  • Slate
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Charcoal
أبو عبد الودود عيسى البيضاوي

مناقشة الدكتور الشريف حاتم العوني فيما انتقده على العلامة عبد الرحمن المعلمي في تعريفه للعبادة وتزهيده في عامَّة ما نُشر للشيخ حديثاً

عدد ردود الموضوع : 1

رابط المشاركة (تم تعديلها)

مناقشة الدكتور الشريف حاتم العوني فيما انتقده على العلامة عبد الرحمن المعلمي في تعريفه للعبادة وتزهيده في عامَّة ما نُشر للشيخ حديثاً .

قال الشريف حاتم العوني في صفحته على الفيس بوك: ((طبعت آثار الشيخ المحقق عبدالرحمن المعلمي ( عليه رحمة الله ) كاملة، ومنها كتاب ( رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله ) ، وهو كتاب كبير في مجلدين كبيرين ، ويُطبع شبه كامل لأول مرة .
وهو كتاب لم يطبعه الشيخ في حياته ، ولا جزءا منه ، وبقي يكتب الشيخ في مسوداته ، ويبيض بعضها . لكنه لم يدفع منه شيئا للطباعة في حياته ، رغم أن بداية كتابته فيه كانت قبل وفاته بأكثر من خمسة ...عشر عاما ، كما بين ذلك محققه !! ومع ذلك مكث الكتاب هذه السنين كلها ، ولم يطبع المؤلف في حياته ، ولا أوصى بطباعته بعد موته !!
ولذلك وجب التنبيه على أن مثل هذه المسودات والكتب التي لم يدفعها المؤلفون للطباعة ( في العصر الحديث ) ، يرد فيها احتمال أن أفكارها ما زالت محل نظر لديهم ، ولربما مازالوا يرونها لم تأخذ منهم حظها الكافي لكي تمثل اجتهادهم ورأيهم، ولذلك لم يخرجوها . وهذا مما يوسع العذر لهم ، ولكنه يوجب أيضا الحذر من نسبة كل ما فيها إليهم ؛ إلا ما وجدناه في كتاب له آخر رضيه وأخرجه ، مما يدل على رضاه عن نسبة أفكاره واجتهاداته التي فيه إليه)).

ولما نقل أحد الإخوة الذين عقبوا على مقاله تعريفاً للمعلمي للعبادة عن كتاب القائد مع الإحالة إلى كتاب العبادة قال بعد ذلك: ((وهذا يدل على انه حرر كتاب العبادة و دعا الناس للاطلاع عليه)) ,

فقال الدكتور حاتم العوني ردَّا عليه: (( أولا : لو كان كلامك صحيحا على إطلاقه , لماذا لم يطبع المعلمي كتابه العبادة لمدة تزيد على خمسة عشر عاما , وطبع كتاب القائد الذي كتبه بعده ؟! هل لديك دليل , أو عند المحقق الفاضل : أنه قد ارتضى كل فكرة في الكتاب ؟ فقدان ذلك : يدل على صحة تقريري في آثار المعلمي وفي كل مسودة ليس لدينا دليل على انتهاء المؤلف من مجال النظر والاجتهاد فيها )).


أقول: الأصل فيما يكتبه الشخص مريداً به التأليف بحثا لمسألة أو تحقيقاً لقضية أنه يرتضي مكتوبه، ومخالفة هذا الأصل هي التي تحتاج إلى دليلٍ؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.

ومَن قال: إن ما تركه الشيخ مسوَّدات؟. بل كتاب العبادة في الأصل حسب الظاهر عبارة عن سبعة دفاتر، وجدنا ستة منها مبيَّضة معتمدة بعضها بخطه وبعضها بخط مَن استكتبه. ثم راجع هذا كلَّه وأجرى قلمه هنا وهناك زيادة لمعلومة أو توثيقاً لنصٍّ، وعمل عدَّة ملاحق يحدِّد موضع الملحق أوَّلاً في الصفحة ثم يكتب الملحق في صفحة أو صفحات مستقلة مع الإشارة إلى الصفحة التي يُلحَق بها، مع الإحالات المتكررة لصفحات آتية أو سابقة.
فهل هذه الأشياء تنقص من قيمة التأليف أو تقوِّيه؟ وقد قيل قديماً كما في مقدمة يتيمة الدهر للثعالبي: إنَّ أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتاباً فيبيت عنده ليلة إلا أحب في غدها أن يزيد فيه أو ينقص منه، هذا في ليلة واحدة فكيف في سنين عدَّة؟.
ووجدنا أيضاً أصولاً زادها المؤلف على الدفاتر السبعة مبيَّضة تبييضاً لا مزيد عليه، وهي بمقدار أحد الدفاتر الستة من حيث مادَّتها.
وبقي علينا الدفتر الثالث من الدفاتر السبعة، ووجدنا مادَّته في مسوَّدة (س)، فنسأل أساطين فنِّ تحقيق الكتب، هل قواعد التحقيق تقتضي سدَّ النقص الذي في الكتاب من المسوَّدة التي هي بخط المؤلِّف أو يُترك الخرم الكبير لاحتمال أنَّ المسوَّدة لا تمثِّل اجتهاده الذي رضيه؟.
وقد اعترف الدكتور الشريف حاتم العوني أن تعريف العبادة الذي انتقده على المعلمي وُجد هو بعينه في كتاب القائد إلى تصحيح العقائد المنشور في آخر التنكيل، وهو يعتقد أن المؤلف طبعه في حياته، فسقط بذلك التمهيد الذي مهَّد به للتشكيك فيما توصَّل إليه المؤلف، وسقط أيضاً ما دندن حوله من وجوب التأني في نسبة ما في المخطوطات المعاصرة لمؤلفيها إن لم يطبعوها في حياتهم.
ولا شك أن الشيخ رضي أن يُنْسبَ الكتاب إليه، ويكفي في ذلك قوله عن كتاب العبادة: «هو كتاب من تأليفي، استقرأت فيه الآيات القرآنية ودلائل السنة والسيرة والتاريخ وغيرها؛ لتحقيق ما هي العبادة، ثم تحقيق ما هو عبادة لله تعالى مما هو عبادة لغيره. يسَّر الله نشره». التنكيل 2/435.
فهل يُقال بعد هذا إن الشيخ لم يكن يرغب في طباعة كتابه، وأن أفكاره لم تزل محلَّ نظر لديه، وأنه يجب التأني في نسبة ما فيه إليه؟.
وكلامنا الآن في تعريف العبادة، وقد أقرَّ الدكتور حاتم في تعليقه على منشوره أنَّ هذا التعريف نفسه في كتاب القائد الذي طُبع في حياته، حسب قوله، وإن كان الصواب أن التنكيل لم يخرج في حياة الشيخ، بل بعد وفاته بيسير.
ثم إنَّ من أسباب عدم طباعة الكتاب قلَّة ذات اليد وارتفاع تكاليف الطباعة التي لم تكن متيسِّرة في ذاك الوقت مثلما تيسَّرت في الآونة الأخيرة.
فاستمع إلى ما يبثُّه المعلمي في هذا الشأن في تقديمه لكتاب فضل الله الصمد في شرح الأدب المفرد 1/18: قال: ((والشارح-كغالب أهل العلم في هذا العصر- يستطيع أن يُتعب نفسه السنين العديدة في خدمة العلم والدين ثم يعجز عن نشر عمله، فعسى أن يقيض الله له من أصحاب المطابع أو محبي العلم مِن ذوي الثروة مَن يقوم بهذا الغرض. والله الموفق)).
وقد كتب الشيخ هذا الكلام في 19 جمادى الآخرة 1370هــ قبل وفاته بخمس عشرة سنة، وقبيل قدومه إلى مكة.


قال الدكتور الشريف حاتم العوني: ((وقد خلص الشيخ ( رحمه الله) إلى تعريف جديد للعبادة، لم يُسبق إليه ، وهو أنها:(( خضوع اختياري ، يُطلب به نفع غيبي )).

قال أبو عبد الله عثمان بن معلم محمود: أحسب أن الشيخ المعلمي بذل وسعه في بيان ما دلَّ عليه الكتاب والسنة وكلام أهل العلم في حقيقة العبادة، وأنه قد وُفِّق في ذلك أيَّما توفيق.
وأهلية الشيخ في بحث هذه المضايق لا ينكرها منصف، فقد أعدَّ عُدَّته لذلك وبحث ونقَّب ورتَّب ورصف ونوَّع العبارات ونظر فيما يحتاج إلى نظر من عبارات أهل العلم في تعريف حقيقة العبادة، وتوصَّل إلى ما رآه تعريفاً جامعاً مانعاً محرَّراً أوَّلاً من حيث العبادة المطلقة سواء وُجِّهت إلى الله أو إلى غيره، وثانياً من حيث العبادة المقيَّدة.
فقال في العبادة من حيث هي:(( خضوع اختياري يُطلب به نفع غيبي)). ثم شرح ذلك وبيَّن محترزات التعريف، ثم قال: ((وهذا تعريف للعبادة من حيث هي، فإن أُرِيد تعريف عبادة الله عزَّ وجلَّ زِيد: (بسلطانٍ)، أو تعريفُ عبادة غيره، زِيد: (بغير سلطانٍ)، وقد يكون الفعل عبادةً لغير الله عزَّ وجلَّ، ولَكِنَّ فاعله معذورٌ؛ فلا يُحْكَمُ عليه بالشرك, كما سيأتي إن شاء الله تعالى)).
فإذاً قول الشيخ: (بسلطان) أو (بغير سلطان) داخل في تعريف العبادة المقيَّدة.
فماذا فعل الدكتور الشريف حاتم العوني؟.
قال- وليته لم يقل-: ((والمهم عندي هو محاكمة هذا التعريف : هل هو صواب ؟ أم خطأ ؟ والحقيقة أنه بتأمل يسير سوف يتضح خلله ، وأوضح ذلك من خلال الإيرادين التاليين :
أولا : على هذا التعريف لو سجد رجل للمسيح عليه السلام ( وكان السجود جائزا لغير الله جائزا [كذا] في بني إسرائيل ) وخضع له خضوع المؤمن بالله أمام روح الله وكلمته ورسوله على أن يحيي له ابنه ، أو أن يخبره بغيب رزقه الماضي ، أو أن يشفيه من العمى أو البرص الذي يعجز الخلق عن شفائه ، ولو قبّل يد المسيح ، واستجداه متذللا أن يفعل شيئا من ذلك = فقد عبد المسيح عليه السلام ، وأشرك بالله تعالى ! مع أن هذا الرجل ما زاد على آمن [كذا] بما أخبرهم به المسيح عليه السلام نفسه { وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .
وهذا يبين أنه ليس كل خضوع اختياري طلبا لأمر غيبي شركا !
وعلى هذا القول : يكون خضوع بعض الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له طالبين منه إخبارهم ببعض المغيبات المتعلقة بأشراط الساعة أو حال بعض أهاليهم بعد وفاتهم أو ببعض أخبار الأمم الغابرة أو بذكر من يكون أبوه [كذا] الحقيقي ( كما وقع ذلك كله ) شركا منهم ! فقد خضعوا للنبي صلى الله عليه وسلم طالبين أمرا غيبيا !! وحاشاهم من مثل هذا الإطلاق  !!!)).

أقول: يؤسفني أن أقول: إن الدكتور حاتماً لم يُنصف الشيخ المعلِّمي، ولم يُعطِ المسألة حقها وحجمها.
فإيراداه اللَّذَان أوردهما لا يَرِدان على الشيخ.
فبالنسبة للإيراد الأول فإنَّ ما كان يفعله المسيح عليه السلام هو آيات له ومعجزات أيَّده الله بها، تدلُّ على صدقه في قوله: إنه رسول الله، فهي محسوسة ومشاهَدة لمن معه. وما كان يُسألُه المسيح عليه السلام مِن غيب الطعام لم يكن أمراً غيبيّا بالنسبة له، بل مما أطلعه الله عليه معجزة له، فإن سأله الناس عن ذلك فلديهم سلطان من الله عليه، حتى تتمَّ المعجزة.
ويشبه ذلك من وجهٍ الشفاعةُ التي سيسألها الناس يوم القيامة رسولَنا صلى الله عليه وسلم، فإنه يملك الدعاء يومئذ.
و((السؤال في المحشـر من النبيِّ صلى الله عليه وسلم سؤالٌ من حاضرٍ مشاهَدٍ يُسْأَلُ منه ما يقدر عليه بمقتضـى الحسِّ والمشاهدة)) كما قاله المعلم. (رفع الاشتباه  793).
قال المعلمي: ((ومن الحِكَمِ في التنبيه على أنَّ ما جرى على يد عيسى عليه السلام من الخوارق إنما كان يقع بإذن الله تعالى, أي لا كعمل البشر الأحياء لما يقدرون عليه عادة ــ قَطْعُ شبهة مَنْ يُشْـرِكه)). (رفع الاشتباه 822 ).
وتعريف النفع الغيبي عند الشيخ المعلمي كما في (رفع الاشتباه 731، 552): ((ما كان على خلاف العادة المبنيَّة على الحِسِّ والمشاهدة)). ((وهو ما يكون المخضوع له غيبيًّا أو يزعم الخاضع أنَّ له قدرة غيبيَّة أي غير عاديَّة، والنفع المطلوب يتعلق بها)) أي بتلك القدرة الغيبيَّة.
وأما الخضوع للمسيح بالسجود الذي فرضه الدكتور حاتم فهو على نوعين: فإن كان جائزاً في شريعتهم كما ذكرتَ فليس سجود عبادة وإنما هو سجود تحية. ثبت ذلك عن عدي بن حاتم فيما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وثبت عن قتادة وابن زيد فيما رواه الطبري في تفسيره. وذكر القرطبي إجماعَ أهل التفسير على ذلك.
وأما إن كان غير جائز وكان سجودَ عبادة لم يأذن الله به، فمن أين للدكتور حاتم أن هذا ليس بشرك؟.
وما ذُكر في الكتاب والسنة من هذا القبيل فلم يُغفله المعلمي، بل أورده ووجَّهه بما يوافق التعريف الذي انتهى إليه.
فاستمع إليه يقول:(( فأما سجود الملائكة لآدم، وسجود آل يعقوب ليوسف, فذاك طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ كان عندهم بذلك من الله سلطانٌ.)). (رفع الاشتباه 748).

وقال أيضاً: ((وأما مَن كان عنده سلطانٌ من الله عزَّ وجلَّ أن يخضع لشيءٍ من المخلوقات طلبًا للنفع الغيبِيِّ فخضع له طاعةً لله عزَّ وجلَّ، فهذا موافقٌ للشهادة لا مخالفٌ لها، لكن بشرط أن يكون خضوعُه لذلك المخلوق هو الخضوعَ الذي عنده به من الله تعالى سلطانٌ...... ولا شكَّ أن الله تبارك وتعالى أَمَرَ بإكرام الأناس الصالحين الذين عبدهم قوم نوحٍ وبإكرام المسيح وأمِّه وبإكرام الملائكة، ولكن لما تجاوز الناس الإكرام المأذون فيه إلى غيره على الوجه المتقدِّم كان ذلك شركًا بالله عزَّ وجلَّ)). (رفع الاشتباه 736).
وأما ما بناه الدكتور حاتم على إيراده الأول من أنه ((يكون خضوع بعض الصحابة رضوان الله عليهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له طالبين منه إخبارهم ببعض المغيبات المتعلقة بأشراط الساعة أو حال بعض أهاليهم بعد  وفاتهم أو ببعض أخبار الأمم الغابرة أو بذكر من يكون أبوه الحقيقي ( كما وقع ذلك كله ) شركا منهم ! فقد خضعوا للنبي صلى الله عليه وسلم طالبين أمرا غيبيا)).
فهذا هو سوء الفهم بعينه، فإن الأمور الغيبية المتعلِّقة بالدين مما كان في العصور الخوالي وأخبار الأنبياء وأممهم وما يكون بعد الموت إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم ما يكون فيهما من النعيم أو العقاب، فهذا من الدين الذي جاء به، فكثير منه في القرآن، وكثير منه ابتدأهم الرسول صلى الله عليه وسلم به دون سؤالٍ منهم، وبعضه كان بأسئلة منهم.
وقد قال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) [الجن 26-27].
وسؤالهم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الأمور عندهم من الله فيه سلطان. فهذا إلزامٌ لا يلزم.
ولا يُسلَّم أن أسئلتهم كان يصحبها الخضوع والتذلُّل، بل (( الحقُّ أن السؤال من الأنبياء والعلماء إنما يصحبه الإكرام والاحترام الذي أمر الله عزَّ وجلَّ به)). كما قال المعلمي في (رفع الاشتباه 772).
وتأمَّلْ هذا الإيراد الذي أورده المعلمي على نفسه وأجاب عنه. قال: ((فإن قيل: كيف يكون السؤال من الملائكة دعاءً لهم وعبادةً، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يسألون جبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام؟
قلتُ: ليس هذا من ذاك؛ فإن الأنبياء عليهم السلام إنما يسألون جبريل عن بعض المعارف ونحوها سؤالَ استفهامٍ وهو حاضرٌ مُشَاهَدٌ لهم، أرسله الله عزَّ وجلَّ ليعلِّمهم ويخبرهم عما يسألونه عنه، فسؤالهم منه طلب حقٍّ، وهذا السؤال لا خضوع معه للمسؤول، ولا هو غائبٌ، ومع ذلك فعندهم من الله تعالى بذلك سلطانٌ)). (رفع الاشتباه 795).
ثم ذكر الدكتور حاتم إيراده الثاني على تعريف العبادة الذي انتهى إليه المعلمي فقال:
(( ثانيا : وعلى هذا التعريف : لو خضع رجل لمخلوق ، طالبا نجاة ابنه من أيدي اللصوص الذين يقفون أمامه ، ويقبضون على ابنه ، وليس أمرا غيبيا ، لكنه خضع له على أن هذا المخلوق يتصرف في الكون بغير إذن الله تصرف الرب المالك المدبر : فلن يكون مشركا ؛ لأنه لم يطلب أمرا غيبيا )).
والجواب على هذا الإيراد أن يقال: إن الدكتور حاتماً خلط هنا بين أمرين: الأول خضوع لا يُطلب به نفع غيبي، فهذا لا إشكال في أنه ليس عبادة ما لم يتجاوز الحدَّ المسموح به شرعاً.
الأمر الثاني: مسألة مستقلة تقتضـي وحدها الكفر والشـرك، وهي الاعتقاد في مخلوق أنه ((يتصرف في الكون بغير إذن الله تصرف الرب المالك المدبر)). فمَن قال: إن هذا لا يقتضي الشرك عند الشيخ؟ مع أن الشيخ يرى أن ((الذي يدل عليه القرآن أن التدبير بالخلق والرزق ونحوهما على سبيل الاستقلال هو الذي ينبغي أن يكون مناطًا للألوهية، فمَن لم يكن كذلك لم يَنْبَغِ أن يُتَّخَذَ إلهًا، وأعني بالتدبير المستقلِّ: أن يكون المدبِّر ذا قدرة مطلقة، بحيث لا يكون فوقه قادرٌ محيط به علمًا وقدرة، يعلم جميع أحواله ويمنعه إذا أحبَّ ويغني عنه إذا أراد, أو يكون فوقه قادر كذلك ولكنَّ الأعلى فَوَّضَ الأمرَ إلى الأدنى مطلقًا يتصرَّف كيف يشاء)). (رفع الاشتباه 347 ).
وقال أيضاً: ((والقطع بلا إله إلا الله يستدعي القطع بثلاثة أمور:
الأول: أنه لا مدبِّر في الكون استقلالًا إلا الله عزَّ وجلَّ، فمن جَوَّز أن يكون في الكون مدبر مستقل قد يعجز الله تعالى عن منعه وقد يستطيع هو منع الله عزَّ وجلَّ عن إنفاذ قضائه، فقد جَوَّز أن يكون مع الله إله آخر. وكذلك إذا جوّز أن يكون الله عزَّ وجلَّ فَوَّضَ أمر العالم أجمع، أو أمر العالم الأرضي، أو أمر قُطْر خاص، أو بلد خاص، أو شخص واحد إلى مخلوق، وأذن له أن يصنع به ما أراد على أن يتـخلّى الباري عزَّ وجلَّ عن تدبير ذلك الشخص مثلًا أصلًا. وكذلك إذا جوّز أن يكون مخلوق من الخلق مقبولَ الشفاعة أو الدعاء البتة بحيث لا يخالفه الله عزَّ وجلَّ في شيء قطعًا)). (رفع الاشتباه 876).
وقال أيضاً: ((عامَّة المشركين لا يعتقدون لشركائهم تدبيرًا مستقلًّا، ولذلك قامت عليهم الحجة بهذه الآيات. ولكن من الأمم مَنْ يُشْرِكُ الروحانيين زاعمًا أنه كما أن للبشر قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم فينفعون ويضرون ويغيثون ويعينون ويقتلون ويستحيون ونحو ذلك مما هو مشاهد، فللروحانيين قدرة يتصرفون بها على حسب اختيارهم وهي أعظم وأكمل من قدرة البشر. قالوا: وكلا القدرتين مخلوقة لله عزَّ وجلَّ وممنوحة منه، وإذا شاء سَلْبَ القدرة من بعض الروحانيين فَعَلَ، كما إذا شاء سَلْبَ القدرة مِنْ بعض البشر. قالوا: فنحن نؤلِّه الروحانيين ونعبدهم لينفعونا بهذه القدرة الموهوبة لهم من الله عزَّ وجلَّ، كما أن البشر يعظِّم بعضُهم بعضًا ويخضعُ بعضُهم لبعض رغبةً في منفعة أو خشيةً من مضرَّة مع العلم بأن قدرة البشر موهوبة لهم من الله عزَّ وجلَّ. ومِنْ هؤلاء عامَّةُ وَثَنِيِّي الهند وغيرهم)). (رفع الاشتباه 348).
وقال أيضاً: ((ومَن اعتقد في غيره قدرة على النفع والضر، فإن اعتقد لذلك الغير قدرة مستقلَّة عن قدرة الله تعالى، أي غير مستمدَّة منها، فذلك هو الكفر، سواء اعتقد أن تلك القدرة تستقلُّ بالإيجاد أو تحتاج إلى إعانة قدرة الله تعالى. وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين)). (تحقيق الكلام في المسائل الثلاث 222 ).
وألزم الدكتور حاتم العلَّامة المعلمي: بأن هذا المعتقِد في بشر أنه يتصـرف في الكون بغير إذن الله تصرُّفَ المالك المدبِّر ليس مشركا لأنه لم يطلب منه أمراً غيبيا.
وغفل الدكتور حاتم عن أنَّ هذه القدرة التي أثبتها السائل للمسؤول قدرة غيبية (( لا نعلم عليها سلطانًا، بل قد استأصل الله عزَّ وجلَّ شأفتها ببرهان التمانع)) كما في (رفع الاشتباه  1038) .
والعبادة ليست محصورة في الأعمال وحدها، بل منها عقائد، فإنَّ اعتقاد هذا السائل أنَّ مسؤوله يتصرف في الكون تصرف الرب دون إذن من الله دعوى منه أنه يستحق أن يُعبد من دون الله ويُطلبَ منه النفع الغيبي، والنفع الغيبي كما قال المعلمي: (( ما يكون المخضوع له غيبيًّا أو يزعم الخاضع أنَّ له قدرة غيبيَّة أي غير عاديَّة، والنفع المطلوب يتعلق بها)) أي بتلك القدرة الغيبية.
وبعد أن ظنَّ الدكتور حاتم أنه فنَّد تعريف الشيخ المعلمي صحَّح تعريفاً للعبادة يخالف القرآن ودعوات الرسل وما كان عليه المشركون على مرِّ العصور.
فقد اقترح فيصل المزني في التعليقات على صفحة الفيس بوك التي فيها منشور الدكتور حاتم العوني تعريفاً للعبادة، قال فيه: ((العبادة : هي صرف عمل قلبي او فعلي للمعبود معتقدا فيه شئ من خصائص الربوبية)). هذا ما فهمته من خلاصة بحث شيخنا الفاضل في (العبادة بوابة التوحيد او بوابة التكفير).... هل فهمي هذا صحيح ؟)). فأجابه الدكتور الشريف حاتم العوني بقوله: ((نعم فهمك صحيح)).
واستطرد فيصل قائلا: ((وبناء عليه، فان الشرك هو صرف عمل قلبي او فعلي لغير الله معتقدا فيه خصيصة ربوبية ع الاستقلال او المشاركة او الولاية !! هل هذا ايضا صحيح)).فأجابه الدكتور الشريف حاتم العوني بقوله: ((صحيح أيضا بارك الله لي ولك في العلم)).
قال ذلك مع أنَّ الله تعالى حكى عن المشركين أنَّ غاية مطلوبهم من عبادة معبوداتهم أن تقرِّبهم إلى الله، فقال سبحانه: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر 3 ).
وقال تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) (الزخرف 9 ).
وقال سبحانه: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله) إلى آخر الآيات في هذا المعنى. (المؤمنون 84- 89 ).
وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (يوسف  106 )

((إيمانهم قولهم: الله خالقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره)). أخرجه ابن جرير 13/ 374. وقد رُوي نحو هذا عن ابن عباس وقتادة وغيرهما.
وقال المعلمي عن المشركين: و((لذلك يؤلِّهون المخلوقات والجمادات مع علمهم باحتياجها وافتقارها واعترافهم بذلك)). (رفع الاشتباه 339) .
وقال أيضاً: ((وبعدُ، فقد علمت شهادة الله عزَّ وجلَّ على المشركين بأنهم يعترفون بأن الله عزَّ وجلَّ هو الذي يدبِّر الأمر والذي يرزقهم من السماء والأرض وغير ذلك، وقد أخبر الله تعالى عن كثير من الأمم أنهم اتـخذوا الأصنام آلهة، واتـخذوا الشياطين آلهة، واتـخذوا الهوى إلهًا، واتـخذوا الأحبار والرهبان أربابًا وآلهة, مع أنهم لم يعتقدوا لشيء من ذلك التدبير المستقل)). (رفع الاشتباه  345) .
وقال أيضاً: ((فقد ثبت بما تقدم أن اتـخاذ الشيء إلهًا لا يتوقف على اعتقاد كونه واجبَ الوجود، ولا اعتقاد كونه مستغنيًا عما سواه، ولا كونه مدبِّرًا مستقلًّا، بل ولا غير مستقلٍّ؛ فإن الذين ألَّهوا الأصنام لم يعتقدوا لها شيئًا من التدبير)). (رفع الاشتباه 346) .
ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام قوله في كتابه (الإشارة والإيجاز إلى أنواع المجاز) تعليقاً على قوله تعالى:﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين ﴾ [الشعراء: 97- 98] ما نصُّه: «وما سَوَّوهم به إلا في العبادة والمحبة دون أوصاف الكمال ونعوت الجلال». المصدر السابق والموضع نفسه.
وقال المعلمي: ((ومن العجائب أنك تجد في هذا العصر كثيرًا من طلبة العلم ــ إن لم أقل مِنَ العلماء ــ يتوهَّمون أن المشركين يعتقدون في الأصنام من أشجار وأحجار وغيرها أنها واجبة الوجود قادرة على كلِّ شيء خالقة رازقة مدبِّرة للعالَم، ولقد كَلَّمْتُ بعضهم في شأن الوثنيِّين من أهل الهند وقولهم في الأصنام, فقال: إذا كان هذا قولهم في الأصنام فليسوا بمشركين!! وحجته أنهم لم يخالفوا التوحيد الذي حقَّقه علماء التوحيد، وهكذا غلب الجهلُ بمعنى لا إله إلا الله، والغلطُ فيه وفي حقيقة الشرك الذي بعث الله عزَّ وجلَّ رسله لإبطاله، فإنا لله وإنا إليه راجعون)). (رفع الاشتباه 341).
وقد نبَّه الأخ ماهر أمير في تعليقه على منشور الشريف حاتم إلى أن الذي أوقع الدكتور حاتماً في الخطأ هو إهماله القيدين الذين ذكرهما المعلمي للعبادة المقيَّدة فقال : ((لو انكم قيدتم كلامه بالقيد الذي ذكره هو نفسه " بسلطان او بغير سلطان " لزال الخلل المتوهَّم)) إلى آخر مناقشته التي ختمها بقوله: ((فاتمنى منكم الاطلاع ع بقية مؤلفاته ليتحرر رأيكم في التعريف خصوصا و المعلمي رحمه الله مشهود له بالتبحر في هذا فلا يكفي ( التأمل اليسير ) ! )) .
فأجابه الدكتور الشريف حاتم بقوله: ((هو لم يقيده بالقيد الذي تذكره , وتعريفه للعبادة خال من هذا القيد تماما . أما القيد الذي تذكره فهو قيد لا لتعريف العبادة , وإنما هو تعريف العبادة التي تخص الله تعالى)).
ألم يتبيَّن لك أيها القارئ أن الدكتور الشريف حاتماً لم يتصوّر القضية كما ينبغي، ولما نُبِّه وخنقته الحجَّة فرَّ إلى حذلقة لم يُوفَّق فيها.
فالأخ طلب منه أن يزيد القيد الذي زاده المعلمي، فالقيدان اللَّذان ذكرهما المعلمي موزَّعان، فإن كان ذلك الخضوع الخاصُّ بسلطانٍ من الله فهو عبادة لله، وإن كان بغير سلطان من الله فهو عبادة لغير الله. وصاحبنا الدكتور الشريف حاتم يقول: ((فهو قيد لا لتعريف العبادة, وإنما هو تعريف العبادة التي تخص الله تعالى)). فتأمل هذا الجواب يسيراً وقل لي كيف تكون عبادة الله بغير سلطان؟. أفهكذا  يكون نقد الأكابر على صفحات الفيس بوك؟!!!.
وقال معلِّق آخر في تعليقه على المنشور ذاته في موقع النخبة مع اعترافه أنه يخالف المعلمي في أصول وفروع موجِّهاً كلامه إلى الدكتور الشريف حاتم: ((اخي بارك الله فيك ..أرى أنك حملت النص ما لا يحتمله .. و أغربت في التاويل ..إلى أن قال: فأرجوا أن تراجع ما ألزمت به الرجل)).
قال الدكتور الشريف حاتم العوني في ختام منشوره:((فتبين بهذين الإيرادين خلل التعريف وقصوره .
وهذا التعريف هو لب الكتاب ، وغاية بحثه . وقد تبين خلله، وأن ضخامة الكتاب لم تكن كافية لتوفيق مؤلفه العلامة القدير ( رحمه الله) للصواب فيه)).

أقول: الموفَّق مَن وفَّقه الله، وقد تبيَّن للقارئ أنَّ الخلل في الإيرادين لا في التعريف الذي حرَّره العلامة المعلمي.
ثم لما ذا يزهِّد الدكتور حاتم القرَّاء في كتاب الشيخ المعلمي إن لم يعجبه التعريف، فإنَّ فيه مباحث كثيرة في بيان التوحيد وضدِّه، وما كان يعمله المشـركون أو يعتقدونه في معبوداتهم باستقراء تامٍّ لا نجده حسب علمي إلا في هذا الكتاب، وقدَّم للكتاب بأصول محرَّرة، وعقد فصلاً بديعاً في حكم الجهل والغلط، شرح فيه أحوال الناس في بلوغ الدعوة وقيام الحجة، واستطرد في بحث أحوال مشـركي العرب بعد إسماعيل وما فعله عمرو بن لحي، ونقد أموراً يعتمد عليها بعض الناس في أمور الاعتقاد وهي لا تصلح لذلك، فتكلَّم عن التقليد، والبناء على الرأي والقياس، أو الاعتماد على الحديث الضعيف، والاغترار بالخوارق التي تقع على أيدي بعض مَن يُعتقد فيهم الصلاح، وكيف كان الصالحون الأولون يتجنبون تزكية أنفسهم ويظهرون التواضع، وبحث تفسير أهل العلم للفظ (إله) سواء في كتب التفسير أو كتب علم الكلام أو كتب اللغة، وما قاله أهل العلم في تفسير لفظ العبادة، وبيَّن تقصير المتكلمين في إيضاح توحيد الألوهية الحقيقي، وقرَّر برهان التمانع بأحسن تقرير، ودافع عن الملائكة فيما يوهم عدم العصمة، وحقَّق قصة هاروت وماروت.
وتحدَّث عن تفسير الإله بالمعبود، وتفسير أهل العلم للعبادة، وبيَّن معناها لغة واصطلاحاً، وأقام البرهان على أن المشركين كانوا مقرِّين بربوبية الله مع اتخاذهم آلهة من دون الله. قال: ولم يكن مناط تأليه المشركين للملائكة دعوى أنهم بنات الله، وبيَّن المناط الحقيقيَّ لذلك التأليه والعبادة.
وأبطل الشيخ شبهتي التقليد والتشبث بالقَدَر لدى المشركين، ونَقَلَ ما قرَّره بعض أهل العلم من أنَّ عبادة الملائكة أصل الشرك ومبدؤه. وأوضح أنَّ المشركين يعبدون الأوثان والأصنام تعظيماً لأشخاص معظَّمين. واستعرض جُلَّ الآيات التي تحدَّثت عن شرك الأمم السابقة ابتداء من قوم نوح وانتهاء بمشـركي العرب الذين كانوا قبل البعثة، ولا يترك تفسير الآيات التي تحتاج إلى تفسير، وفصَّل في اعتقاد المشـركين في الأصنام والملائكة والشياطين، وكيف كان تأليه الأحبار والرهبان وعيسـى وأمِّه والهوى، وحرَّر تعريف العبادة، وعقد فصلاً للقيام وفصلاً آخر يزيد على ثمانين صفحة في الدعاء وأحكام الطلب، والجواب عن الشبهات المثارة في هذه المسألة، لا تجده بهذا التوسُّع والتحرير عند غيره حسب اطِّلاعي، ثم عقد فصلاً للرَّدِّ على شبهات المشـركين بأصنافهم، وفصلاً في الأعذار، ثم ختم بما يتعلَّق بالطِّيَرة والتمائم والتولة والسحر والقسم بغير الله، وكلُّ بحث من هذه البحوث لو نُشـر مفرداً لكان نافعاً جدّاً، فلماذا حكم الدكتور حاتم العوني على هذا الجهد العظيم بالإلغاء والإقصاء؟!!.

 

 

كتبه: الدكتور عثمان بن معلم محمود
الباحث في مركز الدراسات القرآنية بمجمع الملف الفهد لطباعة المصحف الشريف
المدينة النبوية
في 16 جمادى  الآخرة 1434

 

تم التعديل بواسطة أبو عبد الودود عيسى البيضاوي

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان