أبو بكر يوسف لعويسي

فوائد ودرر في النوم وحكمه بعد العصر

عدد ردود الموضوع : 5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ، والصلاة  والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد :

فقد امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بنعمة النوم، فقال جل وعلا:{ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } [النبأ:9] .

قال ابن جرير (24/151) يقول: وجعلنا نومكم لكم راحة ودَعة، تهدءون به وتسكنون، كأنكم أموات لا تشعرون، وأنتم أحياء لم تفارقكم الأرواح، والسبت والسبات: هو السكون، ولذلك سمي السبت سبتا، لأنه يوم راحة ودعة.انتهى كلامه .

وَفي الآية  امْتِنَانٌ وتفضل عَلَى النَّاسِ بهذه النعمة العظيمة هي بِخَلْقِ نِظَامِ النَّوْمِ فِيهِمْ لِتَحْصُلَ لَهُمْ رَاحَةٌ مِنْ أَتْعَابِ الْعَمَلِ الَّذِي يَكْدَحُونَ لَهُ فِي نَهَارِهِمْ ، وهي تحدي لهم قائم ، وواقع بحيث لا يستطيع أحدٌ من الخلق أن يستغني عن النوم .

فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ النَّوْمَ حَاصِلًا لِلْإِنْسَانِ بِدُونِ اخْتِيَاره، لذلك يُقال النَّومُ سُلطانٌ غالبٌ ..

فالنّوم يحمل الإنسان ويضطره إِلَى قَطْعِ الحركة من عمل وغيره لِتَحْصُلَ رَاحَةٌ لِمَجْمُوعِهِ الْعَصَبِيِّ  والنفسي والبدني ، فَبِتِلْكَ الرَّاحَةِ يَسْتَجِدُّ قُوَاهُ العقلية والبدنية الَّتِي أَوْهَنَهَا العَمَلُ وَالحَرَكَاتُ أثناء نهاره، بِحَيْثُ لَوْ تَعَلَّقَتْ رَغْبَةُ أَحَدٍ بِالسَّهَرِ لعدة أيام لما استطاع أن يواصل ، ولَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ ، وإلا اختل توازنه العقلي والجسدي من عدم النوم  ، وَذَلِكَ لُطْفٌ من الله جل جلاله  بِالْإِنْسَانِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ مَا بِهِ مَنْفَعَةُ مَدَارِكِهِ قَسْرًا عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَهَاوَنَ بِهِ..ويشكر نعمة ربه عليه .

فينبغي على المسلم أن تكون حياته متوازنة يعطي كل ذي حق حقه ، (( ولنفسك عليك حقا ))صحيح الجامع (3040).

 فينام المسلم عندما يحتاج إلى النوم، ويستيقظ عندما يأخذ حاجته دون إفراط ولا تفريط، وخير الأمور أوسطها ..

قال ابن القيم في الطب النبوي (1/179- 181) وفي الزاد( 4/221)وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَصْلًا فِي النَّوْمِ وَالنَّافِعِ مِنْهُ وَالضَّارِّ، فَنَقُولُ :

النَّوْمُ حَالَةٌ لِلْبَدَنِ يَتْبَعُهَا غَوْرُ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ وَالْقُوَى إِلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ لِطَلَبِ الرَّاحَةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: طَبِيعِيٌّ وَغَيْرُ طَبِيعِيٍّ.

1 - فَالطَّبِيعِيُّ: إِمْسَاكُ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا، وَهِيَ قُوَى الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ، وَمَتَى أَمْسَكَتْ هَذِهِ الْقُوَى عَنْ تَحْرِيكِ الْبَدَنِ اسْتَرْخَى، وَاجْتَمَعَتِ الرُّطُوبَاتُ وَالْأَبْخِرَةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَحَلَّلُ وَتَتَفَرَّقُ بِالْحَرَكَاتِ وَالْيَقَظَةِ فِي الدِّمَاغِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ هَذِهِ الْقُوَى، فَيَتَخَدَّرُ وَيَسْتَرْخِي، وَذَلِكَ النَّوْمُ الطَّبِيعِيُّ.

2 - وَأَمَّا النَّوْمُ غَيْرُ الطَّبِيعِيِّ، فَيَكُونُ لِعَرَضٍ أَوْ مَرَضٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَسْتَوْلِيَ الرُّطُوبَاتُ عَلَى الدِّمَاغِ اسْتِيلَاءً لَا تَقْدِرُ الْيَقَظَةُ عَلَى تَفْرِيقِهَا، أَوْ تَصْعَدُ أَبْخِرَةٌ رَطْبَةٌ كَثِيرَةٌ كَمَا يَكُونُ عَقِيبَ الِامْتِلَاءِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَتُثْقِلُ الدِّمَاغَ وَتُرْخِيهِ، فَيَتَخَدَّرُ، وَيَقَعُ إِمْسَاكُ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا، فَيَكُونُ النَّوْمُ.

وَلِلنَّوْمِ فَائِدَتَانِ جَلِيلَتَانِ:

1 -  إِحْدَاهُمَا: سُكُونُ الْجَوَارِحِ وَرَاحَتُهَا مِمَّا يَعْرِضُ لَهَا مِنَ التَّعَبِ، فَيُرِيحُ الْحَوَاسَّ مِنْ نَصَبِ الْيَقَظَةِ، وَيُزِيلُ الْإِعْيَاءَ وَالْكَلَالَ.

2 - وَالثَّانِيَةُ: هَضْمُ الْغِذَاءِ، وَنُضْجُ الْأَخْلَاطِ لِأَنَّ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيَّةَ فِي وَقْتِ النَّوْمِ تَغُورُ إِلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ، فَتُعِينُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَبْرُدُ ظَاهِرُهُ وَيَحْتَاجُ النَّائِمُ إِلَى فَضْلِ دِثَارٍ.

وَأَنْفَعُ النَّوْمِ: أَنْ يَنَامَ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ، لِيَسْتَقِرَّ الطَّعَامُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ في الْمَعِدَةِ اسْتِقْرَارًا حَسَنًا، فَإِنَّ الْمَعِدَةَ أَمْيَلُ إِلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الشِّقِّ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا لِيُسْرِعَ الْهَضْمَ بِذَلِكَ لِاسْتِمَالَةِ الْمَعِدَةِ عَلَى الْكَبِدِ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ نَوْمُهُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ، لِيَكُونَ الْغِذَاءُ أَسْرَعَ انْحِدَارًا عَنِ الْمَعِدَةِ، فَيَكُونُ النَّوْمُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ بُدَاءَةَ نَوْمِهِ وَنِهَايَتَهُ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مُضِرٌّ بِالْقَلْبِ بِسَبَبِ مَيْلِ الْأَعْضَاءِ إِلَيْهِ، فَتَنْصَبُّ إِلَيْهِ المواد.

وأردأ النَّوْمُ عَلَى الظَّهْرِ، وَلَا يَضُرُّ الِاسْتِلْقَاءُ عَلَيْهِ لِلرَّاحَةِ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ، وَأَرْدَأُ مِنْهُ أَنْ يَنَامَ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ، وَفِي «الْمُسْنَدِ» وَ «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» عَنْ أبي أمامة قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فِي الْمَسْجِدِ مُنْبَطِحٍ عَلَى وَجْهِهِ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: «قُمْ أَوِ اقْعُدْ، فَإِنَّهَا نَوْمَةٌ جَهَنَّمِيَّةٌ»  قال الشيخ الألباني ضعيف ،ضعيف الأدب المفرد (185)وضعيف ابن ماجة(3725).

وَالنَّوْمُ الْمُعْتَدِلُ مُمَكِّنٌ لِلْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ مِنْ أَفْعَالِهَا، مُرِيحٌ لِلْقُوَّةِ النَّفْسَانِيَّةِ، مُكْثِرٌ مِنْ جَوْهَرِ حَامِلِهَا، حَتَّى إِنَّهُ رُبَّمَا عَادَ بِإِرَخَائِهِ مَانِعًا مِنْ تَحَلُّلِ الْأَرْوَاحِ.

وَنَوْمُ النَّهَارِ رَدِيءٌ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الرُّطُوبِيَّةَ وَالنَّوَازِلَ، وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ  (1).

وَيُورِثُ الطِّحَالَ، وَيُرْخِي الْعَصَبَ، وَيُكْسِلُ، وَيُضْعِفُ الشَّهْوَةَ إِلَّا فِي الصَّيْفِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ، وَأَرْدَؤُهُ نوم أول النهار، أردأ مِنْهُ النَّوْمُ آخِرَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ابْنًا لَهُ نَائِمًا نَوْمَةَ الصُّبْحَةِ، فَقَالَ لَهُ: قُمْ، أَتَنَامُ فِي السَّاعَةِ التي تقسم فيها الأرزاق.؟

وَقِيلَ: نَوْمُ النَّهَارِ ثَلَاثَةٌ : خُلُقٌ (1)، وَحُرَقٌ (2)، وَحُمْقٌ (3). فَالْخُلُقُ: نَوْمَةُ الْهَاجِرَةِ ، وَهِيَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْحُرَقُ : نَوْمَةُ الضُّحَى، تَشْغَلُ عَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالْحُمْقُ: نَوْمَةُ الْعَصْرِ.

1 - قال الألباني: وكأن المراد أن النوم في أوسط النهار خُلُق ممدوح ، ففيه إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (( قِيلوا: فإن الشياطين لَا تَقِيل )) ، وهو مخرَّج في " الصحيحة "(1647) وصحيح الجامع (4431).

(2) " خرقٌ ": أي: جهل.

(3) قال الألباني: قوله: " وآخره حُمْق " فإن حقيقة الحُمْق - كما في " النهاية " (وضع الشيء في غير موضعه ، مع العلم بقبحه) فهذا يقابله مدح من نام في أوسط النهار.

وأما حديث: (( من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه )).

فضعيف. الضعيفة (39).

أخرجه ابن حبان في " الضعفاء والمجروحين " (1 / 283) من طريق خالد بن القاسم عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعا.

أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " (3 / 69) وقال: لا يصح، خالد كذاب، والحديث لابن لهيعة فأخذه خالد ونسبه إلى الليث.

قال السيوطي في " اللآليء " (2 / 150) : قال الحاكم وغيره: كان خالد يدخل على الليث من حديث ابن لهيعة، ثم ذكره السيوطي من طريق ابن لهيعة فمرة قال:
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا، ومرة قال:

عن ابن شهاب عن أنس مرفوعا.

وابن لهيعة ضعيف من قبل حفظه، وقد رواه على وجه ثالث، أخرجه ابن عدي في " الكامل " (ق 211 / 1) والسهمي في " تاريخ جرجان " (53) عنه عن عقيل عن مكحول مرفوعا مرسلا، أخرجاه من طريق مروان، قال: قلت لليث بن سعد - ورأيته نام بعد العصر في شهر رمضان - يا أبا الحارث مالك تنام بعد العصر وقد
حدثنا ابن لهيعة..؟ فذكره، قال الليث: لا أدع ما ينفعني بحديث ابن لهيعة عن عقيل! ثم رواه ابن عدي من طريق منصور بن عمار حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.

قلت ( أي الألباني ): ولقد أعجبني جواب الليث هذا، فإنه يدل على فقه وعلم، ولا عجب، فهو من أئمة المسلمين، والفقهاء المعروفين، وإني لأعلم أن كثيرا من المشايخ اليوم يمتنعون من النوم بعد العصر، ولوكانوا بحاجة إليه، فإذا قيل له :

الحديث فيه ضعيف، أجابك على الفور: يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال! فتأمل الفرق بين فقه السلف، وعلم الخلف!

والحديث رواه أبو يعلى وأبو نعيم في " الطب النبوى " (12 / 2 نسخة السفرجلاني) عن عمرو بن حصين عن ابن علاثة عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعا.وعمرو بن الحصين هذا كذاب كما قال الخطيب وغيره  .انتهى كلامه .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطحاوي في  شرح مشكل الآثار (3/98):  وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ (2) مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ، وَهُوَ إِبَاحَةُ النَّوْمِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِذْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ ذَلِكَ عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ .

=====================

1 – قوله - رحمه الله- : وَنَوْمُ النَّهَارِ رَدِيءٌ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الرُّطُوبِيَّةَ وَالنَّوَازِلَ، وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ  .. هذا ليس على إطلاقه ، فإن نوم القليلة مفيد جدا ، وهو خلق ممدوح فقد حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم وجعل من لا يقيل إنما هم الشياطين ،فقال : ((  قيلوا فإنّ الشياطين لا تقيل )).

 وتحضرني قصة ها هنا :

وهي أنّ عالما كان يتصل به سائلٌ دائما ، حتى أصبح معروفا لديه ، وذات مرة اتصل به في وقت القيلولة ، المرة الأولى ، والثانية ، والثالثة ؛ فرفع الشيخ السماعة وبعد السلام قال السائل ألم تعرفني يا شيخ ؟؟ قال الشيخ أنت الشيطان الذي لا يقيل .

 2  - لا يقصد بالحديث  : ((من نام بعد العصر..)) وإنما حديث أسماء بنت عميس - رضي الله عنها – (( أن النبي صلى الله عليه وسلم نام بعد العصر ...واضعا رأسه على فخذ علي – رضي الله عنه - حتى غابت  الشمس فسأل النبيُ اللهَ أن يردها لعلي ...)) الحديث  إلا أن الحديث ضعيف جدا ؛ بل حكم عليه الشيخ الألباني بالوضع .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

 

أخي الكاتب، أرجو أن توثق مقالاتك، وأن تنسب ما تقتبسه سواء كان باللفظ أو المعنى إلى قائله، من باب الأمانة العلمية، والبعدعن تهمة السطو على جهود غيرك.

ووللتدليل على ما أقول، هذا مثال واحد وقع لي من أول قراءة لمقالك فتوقفت عن القراءة.

فهذا كلام نسبته لنفسك ودون إحالة لصاحبه، تقول : "وَفي الآية  امْتِنَانٌ وتفضل عَلَى النَّاسِ بهذه النعمة العظيمة هي بِخَلْقِ نِظَامِ النَّوْمِ فِيهِمْ لِتَحْصُلَ لَهُمْ رَاحَةٌ مِنْ أَتْعَابِ الْعَمَلِ الَّذِي يَكْدَحُونَ لَهُ فِي نَهَارِهِمْ ، وهي تحدي لهم قائم ، وواقع بحيث لا يستطيع أحدٌ من الخلق أن يستغني عن النوم .فَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ النَّوْمَ حَاصِلًا لِلْإِنْسَانِ بِدُونِ اخْتِيَاره، لذلك يُقال النَّومُ سُلطانٌ غالبٌ ..

وبعد التأكد ظهر أنه لابن عاشور في تفسيره، اقتبسته ولم توثقه، فيظن القارئ أنه لك،

قال ابن عاشور في التحرير والتنوير، الجزء 31 صفحة 19 وما بعدها: " وفي هذا امتنان على الناس بخلق نظام النوم فيهم لتحصل لهم راحة من أتعاب العمل الذي يكدحون له في نهارهم ، فالله تعالى جعل النوم حاصلا للإنسان بدون اختياره ، ".

 

وأكتفي بهذا المثال.

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على الحبيبي المصطفى وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد :

هذه بعض التحف والنقولات عن أهل العلم في مسألة عدم العزو الاقتباس والتضمين وبناء الكتب على أصولٍٍ ، والاستفادة من علم الآخرين ونشره علنا بالمعنى أو بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى أو ملخصا أو مختصرا أو متصرفا فيه ؛ فأنه لا عيب في ذلك كله عند العلماء ، ولا يعتبر قدحا فيمن وقع له ذلك ، فربما كانت المصلحة أن لا يذكر صاحب الكلام ولا مؤلفه ، أو ربما غفل أو نسي ، أو لم يستحضر المصدر الذي قرأ منه ، أو حتى اعتمده ؛ فإن ذلك طريقة العلماء في مصنفاتهم ، وفي طريقة تأليفهم ، وخاصة إذا لم تكن هناك  أي مضرة تعود على  صاحبه أو ورثته ، ولا ادعى الناقل نسبته حقيقة إلى نفسه ، ولا ادعى حفظ حقوق ذلك الفعل ، وإنما كان

القصد منه نشر العلم ليعم النفع والفائدة به ، فما زال العلماء قديما وحديثا يستفيدون من بعضهم البعض .

 وإن كان الأفضل والأولى عزو الكلام إلى قائله ، فمن بركة العلم نسبته إلى قائله كما قاله العلماء .

قال صاحب كشف شبهة السرقة المنسوب للشيخ رسلان  : ولو ألقينا الضوء على منهج التصنيف عند السلف ونظرنا في كتبهم لوجدنا أن مسألة "نقل العلم بدون عزو" كانت معلومة بين أهل العلم، وهي طريقة من طرق التصنيف عندهم.

فطرق التصنيف –كما في رسالة "الاقتباس العلمي"- كالتالي:

1  -  أن ذلك كان منهجا سائدا في تلك الحقبة الزمنية ..

2 -  أن الغاية عند أهل العلم نشر العلم وبذله والتعاون في هذا الجانب بغض النظر عن نسبة الآراء والأقوال لأصحابها.

3 -  قد يكون من أسباب عدم العزو مراعاة المصلحة في هذا الجانب فإنه في بعض البلاد لا يمكن أن يسمى بعض أهل العلم لوجود خصوم لهم يناوئونهم فإذا عزا المؤلف ربما تعرض لأمور لا تحمد عقباها فيترك العزو لتحقيق مصلحة نشر العلم.

قلت : وهذا صحيح ، فمجرد ذكر اسم صاحب المقال ، والاستفادة من الحق الذي عنده يصنف الشخص الناقل ، أو يتهم بشتى التهم سواء للنظام القائم أو لبعض من يشتغلون بالعلم ، أو بعض الخصوم الذي لا هم لهم إلا تتبع العورات ، ويا ليتها عورة بل يعيبون النّاس بما ليس بعيب ، ويسقطونهم بغير موجب شرعي ، والأمثلة كثيرة في بلادي والبلاد المجاورة وفي بلاد الهند ..

4  -  ربما يكون من أسباب عدم العزو شهرة هذا القول ، وعدم خفائه كما فعل ابن عبد البر- رحمه الله-  من ذكر تعريف القدر بأنه ((سر الله)) وعدم عزوه محمول على شهرة هذا القول عند أهل السنة والجماعة.

قلت : قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) الْقَمَرِ 12 وَقَالَ (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) الْأَحْزَابِ وَقَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحُكَمَاءُ قَدِيمًا الْقَدَرُ سِرُّ

اللَّهِ فَلَا تَنْظُرُوا فِيهِ فَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَلَّا يُعْصَى مَا عَصَاهُ أَحَدٌ فَالْعِبَادُ أَدَقُّ شَأْنًا وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْصُوا اللَّهَ إِلَّا بِمَا يُرِيدُ.الاستذكار (8/263).

5 - مما تميّز به جمع من أهل العلم من المتقدمين قوة ذاكرتهم فربما حفظ مسألة ( أو مسائل ) أو قولاً ( أو أقوال ) ((أو أصول بعض الكتب) ولقلة المصادر عند البعض فإنه ربما ينسى مورد الفائدة مع حفظه لنصها فيذكرها بدون عزو خصوصا إذا علم أن بعضهم ألَّف جملة من الكتب دون الرجوع إلى المصادر والمراجع بل يذكر ما يريد من حفظه كما فعل ابن القيم الجوزية في زاد المعاد والرسالة التبوكية..

قلت :( وغيره كما سيأتي ). تنبيه ما بين قوسين إضافة مني .

ومن هنا نعلم: أن الأصل عند أهل العلم العزو عند التصنيف ، ولكن إن حصل منهم عدم العزو فلا يَسقط فاعله، وهذا نظرًا إلى أن الأصل عند أهل العلم نشر العلم وبذله والتعاون عليه.

أما من يدَّعي خلاف ذلك فهو مخالف ويوقع نفسه في اتهام علماء السلف على مد العصور بالسرقة العلمية ، لأن المعلوم أن عدم العزو سار عليه جملة من المتقدمين، وعليه فلا ضير في هذا الصنيع.

وعند النظر والتأمل في مصنفات أهل العلم المتقدمين والمتأخرين نجد أن كثيرا من مصنفاتهم لا تخلوا من نقل نصوص من علماء سابقين أو معاصرين بدون عزو، أو بناء كتب على أصول من سبقهم ، أو تضمين كتب أو فوائد نافعة استفادوها ، ولم ولن يتهمهم أحد بالسرقات العلمية ..

قال الدكتور بشار عواد معروف في كتابه ((الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام)) (ص422):

رابعا : طرائق النقل  .

1-           والإشارة إلى المصادر:

(اختلف المؤرخون المسلمون في الإشارة إلى المصادر الني ينقلون معلوماتهم عنها أو عدم الإشارة إليها، ولم يكن عدم الإشارة عيباً كبيراً في الكتاب آنذاك، وقد جرَّبنا وجود كثرة من كبار المؤرخين لم يذكروا القسم الأكبر من مصادرهم مثل ابن الجوزي ((المنتظم))..

وابن الأثير في ((الكامل))، وبدر الدين العيني في ((عقد الجمان)) وغيرهم، كما جربنا عدم ذكر المصادر نهائياً عند طائفة من ثقات المؤرخين كالمنذري في كتابه ((التكملة)).

وفي الوقت نفسه وجدنا طائفة أخرى عنيت بذكر مصادرها ولكنها تفاوتت في ذلك أيضا حيث كان قسم منهم يذكر موارده بصورة دقيقة بينما كان القسم الآخر يذكر موارده تارة ويغفله تارة أخرى .

ولم يبق إلا أن أتمثل  ما قاله عبد الله بن يوسف الجديع في كتابه " العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية "(1/16).

 الثالثة: بلغني عن شيخٍ فاضلٍ آخر دعواه أنِّي أنقلُ من كلام الإِمام ابنِ القيِّم رحمه الله في كتابي هذا ولا أسمِّيه موهِماً أنَّ ذلك من كلامي.

وأقول: هذه دعوى جائرةٌ، فأنا في هذا الكتاب لم يكن من مَراجعي كتُب ابن القيم إلا قليلاً، مُعْتَمِداً على نقلِهِ عن بعضِ العُلماء، وقد عزوتُ ذلكَ في هامشِ كتابي، وسمَّيتُ مَصدرِي.

وأنا يعلمُ اللهُ لم أعمدْ في شيءٍ من كُتبي أو تحقيقاتي إلى نقلِ كلامِ أحدٍ من أهلِ العلمِ ولا أسمِّيهِ، ولكن لكثرةِ ما أقرأ لبعضِ الأئمَّةِ كشيخ الإِسلام ابن تيميَّة مَثلًا فإنَّ بعضَ عباراتِهِم رُبَّما علقت في ذهني، ولا أستحضرُ حالَ الكتابةِ أنَّها لفُلانٍ، سواء كان معيّناً أو مُبهَماً، فتدخل ضمنَ سِياقَتي، وهذا أمرٌ واسعٌ في كِتابَةِ العِلْمِ، وما من إمامٍ من أئمَّتِنا ممَّن نأتَسي ونَقتَدي بهم إلا وله مثلُ ذلكَ كثيرٌ، وهذا لا يَعودُ بالتُّهمةِ عليهم، وما هو بعَيْبٍ، ويكذبُ في العلمِ من ادَّعى أنَّ مِثلَ ذلكَ لا يقعُ له إذا اشتغلَ بالتَّصنيفِ.

هذا في الألفاظ.

أمَّا المَعاني؛ فنحنُ لا نكادُ نتكلَّمُ بِشَيْءٍ لم نُسْبَق إليهِ، ولكنَّا نجتهدُ في إنشائِهِ.

وإنَّما الخيانةُ في العلمِ أن يُنْقَلَ الكلامُ البيِّنُ الفَصْل والذي لم يدخُلْهُ إنشاءُ الكاتِبِ من غيرِ عزْوٍ إلى قائلهِ.

قلت : هذا مع التصريح بنسبته لنفس الناقل ، أما أن يصلحه أو يزيد فيه أو يختصره ، أو يشرحه أو ينقله بالمعنى ، أو يقتبس الجملة والجملتين ، أو كانت المصلحة في عدم ذكره ، ولم يكن هناك أي ضرر فيه على صاحبه وورثته ، فلا يعد كذلك لأنه ربما أخذه عن طريق السماع أو حفظه من كتاب ثم نسيه ..

وقابَلَ هؤلاءِ – وللأسفِ - طائفةٌ حملتْهم في الغالبِ خُصوماتٌ خاصَّةٌ على تتبُّعِ عَوراتِ خُصومِهم من الكُتَّاب، فأفحَشوا حتَّى عَدُّوا النَّقْلَ المَعْزُوَّ إذا كَثُرَ سَرِقَةً، وهذا ظُلْمٌ وإجحافٌ ؛ فإنَّ عزْوَ الكلامِ إلى قائله يُبَرِّىءُ النِّيَّةَ ولا يلبسُ على القارىءِ.

قال الإمام السخاوي في " الجواهر والدرر ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر"  (1/390):

ووراء ذلك أنه ( أي  : ابن حجر) كان يعرفُ من أين أخذ المصنِِّف تصنيفه أو بعضه، فقرأت بخطه ما نصه:

فصل  :

فيمن أخذ تصنيف غيره فادعاه لنفسه وزاد فيه قليلًا ونقص منه ولكن أكثره مذكور بلفظ الأصل.

أ - "البحر" للروياني، أخذه مِنَ الحاوي للماوردي.

ب - "الأحكام السلطانية" لأبي يَعْلَى، أخذها من كتاب الماوردي، لكن بناها على مذهب أحمد.

ث - "شرح البخاري" لمحمد بن إسماعيل التَّيمي، مِنْ شرح أبي الحسن ابن بطَّال.

ت - "شرح السُّنة" للبغوي، مستمدٌّ مِنْ شَرْحَي الخطَّابي على البخاري وأبي داود.

ج - الكلام على تراجم البخاري للبدر بن جماعة، أخذه مِنْ تراجم البخاري لابن المنَيِّر باختصار.

ح - "علوم الحديث" لابن أبي الدَّم، أخذه من "علوم الحديث" لابن الصلاح بحروفه، وزاد فيه كثيرًا.

خ -  "محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح" لشيخنا البُلقيني، كلُّ ما زاده على ابن الصلاح مستمدٌّ مِنْ "إصلاح ابن الصلاح" لمُغلْطاي.

د - "شرح البخاري" لشيخنا ابن الملقن، جَمَعَ النِّصفَ الأول مِنْ عدَّة شُروح. وأما النَّصف الثاني، فلم يتجاوز فيه النَّقلَ مِنْ شيخي ابن بطال وابن التِّين، يعني حتى في الفروع الفقهية، كما سمعت ذلك مِنْ صاحب الترجمة. أي ابن حجر .انتهى كلامه.

قال الشوكاني  - رحمه الله – في البدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع (1/332-333) وَأَقُول لَا يخفى على الْمنصف مَا فِي هَذَا الْمَنْقُول من التحامل على هَذَا الإمام فإنه مَا اعْترف بِهِ من صعوبة علم الْحساب عَلَيْهِ لَا يدل على مَا ذكره من عدم الذكاء فإن هَذَا الْفَنّ لَا يفتح فِيهِ على ذكى إِلَّا نَادرا كَمَا نشاهده الْآن في أهل عصرنا كَذَلِكَ سُكُوته عِنْد قَول القايل لَهُ تجمع لَك أهل كل فن من فنون الِاجْتِهَاد فإن هَذَا كَلَام خَارج عَن الإنصاف لِأَن رب الْفُنُون الْكَثِيرَة لَا يبلغ تَحْقِيق كل وَاحِد مِنْهَا مَا يبلغهُ من هُوَ مشتغل بِهِ على انْفِرَاده وَهَذَا مَعْلُوم لكل اُحْدُ .

وَكَذَا قَوْله إنه مسخ كَذَا وَأخذ كَذَا لَيْسَ بِعَيْب فإن هَذَا مازال دأب المصنفين يأتي الآخر فَيَأْخُذ من كتب من قبله فيختصر أَو يُوضح أوْ يعْتَرض أَو نَحْو ذَلِك من

الْأَغْرَاض الَّتِى هي الباعثة على التصنيف وَمن ذَاك الذي يعمد إلى فن قد صنف فِيهِ من قبله فَلَا يَأْخُذ من كَلَامه. انتهى كلامه.

 وهذا ابن رشد من المالكية يستمد مادته في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد من كتاب الاستذكار لابن عبد البر ..

 وكتاب ابن جرير الطبري في التفسير هو العمدة في بابه ينقل منه الكثير من العلماء دون عزو إليه ولا إشارة لذلك ، وهذا القرطبي الذي أورد بالسند أن من بركة العلم عزوه إلى قائله ، نقل كثيرا عن ابن عطية من كتابه الوجيز .. ومن أبي عبيد عامر بن المثنى من كتابز المجاز ولم يعزو إليهما وإلى غيرهما ، وهذا امير المؤمنين في الحديث البخاري أكثر النقل في صحيحه عن أبي عبيد عامر بن المثنى ولم يعزو إليه ولم يصرح باسمه في كثير من المواطن ، وهذا لا يعني التبرير لسرقة جهود الآخرين ، وخاصة إذا كان القصد منه السلخ ، أو الانتحال ، ونسبة ذلك حقيقة إلى النفس ، وفوق ذلك يطبع ويستفيد من وراء ذلك .فليس من شك أن ذلك خيانة للأمانة العلمية .

ومن المناهج المعروفة في التأليف عند المتقدمين أن يبني أهل العلم كتبهم على كتب من سبقهم  :

ذكر أحمد الغماري في ((المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار)) (ص281) ((أن خليلاً الفقيه المالكي المشهور ألف ((مختصره)) وبناه على  من ((مختصر ابن رجب))، وألف ابن الحاجب ((مختصره)) وبناه على  ((لجواهر)) لابن شاش، وألف ابن شاش كتاباً جله ((تهذيب)) البراذعي، وكتاب البراذعي جله ((مدونة)) سحنون ، وكتاب سحنون جله كلام ابن القاسم )) .

وهذه نماذج من فعل العلماء من السلف والخلف ،   نذكرها  للعبرة حتى لينتهي أقوام من اتهام  إخوانهم بالسرقة العلمية .

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

تم النشر (تم تعديلها) · تقديم بلاغ

1 – محمد ابن إسحاق  - رحمه الله - صاحب السيرة النبوية :

 

قال الذهبي في ترجمته : العَلاَّمَةُ ، الحَافِظُ، الأَخْبَارِيُّ الصدوق أمير المؤمنين كما قال شعبة بن الحجاج :

 

 وقَال أَبُو دَاوُد  : سمعت أَحْمَد ذكر مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، فَقَالَ: كَانَ رجل يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه  .

 

الضعفاء للعقيلي 4/ 28 وتاريخ بغداد (1/ 229) تهذيب الكمال في أسماء الرجال (24/421) تحقيق د. بشار عواد معروف ، ونقله الذهبي في السير (6/499) ط دار الحديث- القاهرة وتهذيب التهذيب (9/ 43).

أولا : هذا الإمام  الذهبي- رحمه الله - اعتبر صنيع ابن إسحق الذي أشار إليه الإمام أحمد – رحمه الله - ، شبيهًا بمعلقات البخاري، وبالتالي لا يكون قادحًا، فقد عقب على قول أحمد السابق قائلًا: ((هَذَا الفِعْلُ سَائِغٌ، فَهَذَا (الصَّحِيْحُ) لِلْبُخَارِيِّ، فِيْهِ تَعلِيقٌ كَثِيْرٌ)). سير أعلام النبلاء: (7/46).

 

ثانيا : عبارة الإمام أحمد- رحمه الله – صريحة واضحة بأنه كان يأخذ ، ويضع  وما دام أنه ينشر ذلك ويُحدث به فإنه يَعلم أنهم يعلمون أن ذلك العلم ليس له ولو نسبه لنفسه لافتضح أمره .

 

ثالثا : قوله : "هَذَا الفِعْلُ سَائِغٌ فَهَذَا "الصَّحِيْحُ" لِلْبُخَارِيِّ، فِيْهِ تَعلِيقٌ كَثِيْرٌّ ".   وإن كان هذا التشبيه قياس مع الفارق ، لأن البخاري – رحمه الله – قال مبينا مكانة كتابه:" ما وضعت في كتابي هذا إلا الصحيح " مع ذلك فإن ذلك التعقيب يدفع في الجملة عن ابن إسحق الإمام الثقة الصدوق ؛ تهمة النقل عن الغير بدون عزو ، أو أخذ بعض كتب الناس ويبني عليها علمه ، ولو حصل منه فلا يعتبر قدحا فيه لأن طريقة العلماء الاستفادة من بعضهم البعض إلا إذا حدث بذلك وصرح بالسماع وهو لم يسمع ذلك فهذا يعتبر كذبا، أما إن لم يكن كذلك ووجد له قرينة ومحمل على خلاف ذلك فلا يعد عيبا ولا قدحا كما أفاده ابن سيد  الناس في جوابه على كلام الإمام أحمد كما في عيون الأثر(1/15) نقلته بالمعنى.

 

2 -  الإمام البخاري  - رحمه الله - أمير المؤمنين في الحديث بلا منازع  فقد أكثر النقل عن أبي عبيد معمر بن المثنى وفي الغالب لا يذكره ولا يصرح باسمه ولا يعزو كلامه إلى  مصنفه .

 

قال ابن حجر في ترجمة " أبي عبيدة ": قال البخاري وقال أبو عبيدة فذكره ...

 

ووقع في بعض الروايات ، وقال أبو عبيد فكأنه تصحيف وهذه المواضع كلها في كتاب المجاز لأبي عبيدة معمر بن المثنى هذا ، وقد أكثر البخاري في جامعه النقل منه من غير عزو كما بينت ذلك في الشرح ، والله تعالى الموفق [ تهذيب التهذيب: (10/247 ).

 

وأنا ناقل لك بعض الأمثلة مما نقل ولم يعزه على وجه التمثيل لا الحصر، قال في الصحيح : بَابُ وُجُوبِ النَّفِيرِ، وَمَا يَجِبُ مِنَ الجِهَادِ وَالنِّيَّةِ :

 

وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا، وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا، وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوكَ، وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 42] يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: {انْفِرُوا ثُبَاتٍ} سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ " يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ ثُبَةٌ "

قال الحافظ في الفتح : (1/289) قَوْله : وَيُقَال وَاحِد الثَّبَات ثبة ، قائل ذَلِك هُوَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى وَهُوَ فِي كتاب الْمجَاز لَهُ .

 

قال أمير المؤمنين البخاري في الصحيح بَابُ صِفَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ بِحُسْبَانٍ .... يُقَالُ: {يُولِجُ} [الحج: 61]: «يُكَوِّرُ»، {وَلِيجَةً} [التوبة: 16] «كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ».

قال الحافظ في الفتح (1/295): قَوْله تَعَالَى يولج يكور وَقَوله وليجة كل شَيء أدخلته فِي شَيء هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي الْمجَاز .

 

قال البخاري في الصحيح باب قَالَ مُجَاهِدٌ: {إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} [البقرة: 14] «أَصْحَابِهِمْ مِنَ المُنَافِقِينَ وَالمُشْرِكِينَ»  ... إلى أن قال : وَقَالَ غَيْرُهُ: {يَسُومُونَكُمْ} [البقرة: 49]: " يُولُونَكُمُ الوَلاَيَةُ، - مَفْتُوحَةٌ - مَصْدَرُ الوَلاَءِ، وَهِيَ الرُّبُوبِيَّةُ، إِذَا كُسِرَتِ الوَاوُ فَهِيَ الإِمَارَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فُومٌ " وَقَالَ قَتَادَةُ: {فَبَاءُوا}: «فَانْقَلَبُوا» وَقَالَ غَيْرُهُ: {يَسْتَفْتِحُونَ} [البقرة: 89]: يَسْتَنْصِرُونَ ..

 

قال الحافظ في الفتح (1/310) : وَقَالَ غَيره يسومونكم يولونكم ... هَذَا قَول أبي عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى فِي الْمجَاز .

 

قَوْلُهُ: وَقَالَ بَعْضُهُمُ . الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا فوم .. هَذَا يَحْكِي عَن عَطاء وَقَتَادَة .

 

قَوْله : وَقَالَ غَيره (( يستفتحون )) يستنصرون هُوَ قَول أبي عُبَيْدَة ...

 

فقد نقل عن أبي عبيدة ، وعطاء وقتادة دون عزو لأحد منهم .

 

قال البخاري بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا} [طه: 10]- إِلَى قَوْلِهِ - {بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى} "(4/152) {المُثْلَى} [طه: 63]: تَأْنِيثُ الأَمْثَلِ، يَقُولُ: بِدِينِكُمْ، يُقَالُ: خُذِ المُثْلَى خُذِ الأَمْثَلَ، {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} [طه: 64]، يُقَالُ: هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ اليَوْمَ، يَعْنِي المُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، {فَأَوْجَسَ} [طه: 67]: أَضْمَرَ خَوْفًا، فَذَهَبَتِ الوَاوُ مِنْ {خِيفَةً} [هود: 70] لِكَسْرَةِ الخَاءِ. {فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]: عَلَى جُذُوعِ..

 

قال الحافظ في الفتح  (6/425): قَوْلُهُ الْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ يَقُولُ بِدِينِكُمْ يُقَالُ خُذِ الْمُثْلَى خُذِ الْأَمْثَلَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ بِطَرِيقَتِكُمْ أَيْ بِسُنَّتِكُمْ وَدِينِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَالْمُثْلَى تَأْنِيثُ الْأَمْثَلِ تَقول خُذِ الْمُثْلَى مِنْهُمَا لِلْأُنْثَيَيْنِ وَخُذِ الْأَمْثَلَ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ ذَكَرًا وَالْمُرَادُ بِالْمُثْلَى الْفُضْلَى قَوْلُهُ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا..

 

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْله ثمَّ ائْتُوا صفا أَيْ صُفُوفًا وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ مِنْ قَوْلِهِمْ هَلْ أَتَيْتَ الصَّفَّ الْيَوْمَ أَيِ الْمُصَلَّى الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ قَوْلُهُ فَأَوْجَسَ أَضْمَرَ خَوْفًا فَذَهَبَتِ الْوَاوُ مِنْ خِيفَةٍ لِكَسْرَةِ الْخَاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أَيْ فَأَضْمَرَ مِنْهُمْ خِيفَةً أَيْ خَوْفًا فَذَهَبَتِ الْوَاوُ فَصَارَتْ يَاءً مِنْ أَجْلِ كَسْرَةِ الْخَاءِ ...

 

 قَوْلُهُ: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ عَلَى جُذُوعِ هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ .. قَوْلُهُ خَطْبُكَ بَالُكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ قَالَ فَمَا خَطبك أَيْ مَا بَالُكَ وَشَأْنُكَ .

 

وقال البخاري بَابُ قَوْلِهِ: {يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ... وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: " {كَلِمَتُهُ} [النساء: 171] كُنْ فَكَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: {وَرُوحٌ مِنْهُ} [النساء: 171] أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا {وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ} [النساء: 171] "

 

قال الحافظ في الفتح  (6/474) : وَقَالَ غَيْرُهُ وَرُوحٌ مِنْهُ أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم قَوْلُهُ كُنْ فَكَانَ وَرُوحٌ مِنْهُ

 

اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ أَيْ لَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ قَوْلُهُ وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة هُوَ بَقِيَّةُ الْآيَةِ الَّتِي فَسَّرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ ..

 

وقال البخاري بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: بَابُ قَوْلِهِ: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ، وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا).

 

وَقَالَ مَعْمَرٌ: " أَوْلِيَاءُ مَوَالِي، وَأَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ، (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ): هُوَ مَوْلَى اليَمِينِ، وَهْوَ الحَلِيفُ وَالمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ العَمِّ، وَالمَوْلَى المُنْعِمُ المُعْتِقُ، وَالمَوْلَى المُعْتَقُ، وَالمَوْلَى المَلِيكُ، وَالمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ "

 

وقال الحافظ في الفتح ( 8/248): قَوْلُهُ وَقَالَ مَعْمَرٌ أَوْلِيَاءُ مَوَالِيَ أَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهُوَ الحليف وَالْمولى أَيْضا بن الْعَمِّ وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ أَيْ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ أَيْ بِفَتْحِهَا وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ انْتَهَى .

 

وَمَعْمَرٌ هَذَا بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَكُنْتُ أَظُنُّهُ مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ إِلَى أَنْ رَأَيْتُ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ وَاسْمُهُ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَلَمْ أَرَهُ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ

 

وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ الْمَوَالِي الْأَوْلِيَاءُ الْأَبُ وَالْأَخُ وَالِابْنُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَصَبَةِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ أَوْلِيَاء وَرَثَة وَالَّذين عاقدت أَيْمَانكُم فالمولى بن الْعَمِّ وَسَاقَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.

 

وقال البخاري باب سورة الأنبياء .. وتحت حديث (4739) قال : وَقَالَ غَيْرُهُ: {أَحَسُّوا} [الأنبياء: 12]: «تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْتُ»...

 

قال الحافظ في الفتح ( 8/436) وَقَالَ غَيْرُهُ : أَحَسُّوا تَوَقَّعُوا مِنْ أَحْسَسْتُ.

 

وَقَالَ مَعْمَرٌ أَحَسُّوا إِلَخْ وَمَعْمَرٌ هَذَا هُوَ بِالسُّكُونِ وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى اللُّغَوِيُّ وَقَدْ أَكْثَرَ الْبُخَارِيُّ نَقْلَ كَلَامِهِ فَتَارَةً يُصَرِّحُ بِعَزْوِهِ وَتَارَةً يُبْهِمُهُ ..

 

نعم فقد أكثر البخاري النقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنى حتى توهم الكثير أنه معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق ولم يعزو إليه كما ذكر الهروي والحافظ فهل يعد أمير المؤمنين البخاري على جلالته ومكانته العلمية سارقا لتفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن نقل عنهم ؟؟؟

 

3 - صنيع مسلم وابن أبي حاتم مع البخاري - رحمهم الله - قال أبو أحمد محمد بن محمد بن إسحاق الكرابيسي: ((  رحم الله الإمام محمد بن إسماعيل، فإنه الذي ألف الأصول ، وبين للناس، وكل من عمل بعده فإنما أخذه من كتابه، كمسلم بن الحجاج فرق كتابه في كتبه، وتجلد فيه حق الجلادة، حيث لم ينسبه إلى قائله، ولعل من ينظر في تصانيفه لا يقع فيها ما يزيد إلا ما يسهل على من يعد عداً، ومنهم من أخذ كتابه، فنقله بعينه إلى نفسه كأبي زرعة، وأبي حاتم، فإن عاند الحق معاندٌ فيما ذكرت، فليس يخفى صورة ذلك على ذوي الألباب)) [ الأربعين المرتبة على طبقات الأربعين: (293).

 

قال الحافظ ابن حجر وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد (( في كتابه الكنى )): رحم الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الإِمَام فَإِنَّهُ الَّذِي ألف الْأُصُول وَبَين للنَّاس وكل من عمل بعده فَإِنَّمَا أَخذه من كِتَابه كمسلم فرق أَكثر كِتَابَهُ فِي كِتَابه ،  وتجلد فِيهِ حق الجلادة حَيْثُ لم ينْسبهُ إِلَيْهِ .

 

وَقَالَ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ لَوْلَا البُخَارِيّ لما رَاح مُسلم وَلَا جَاءَ، وَقَالَ أَيْضا إِنَّمَا أَخذ مُسلم كتاب البُخَارِيّ فَعمل فِيهِ مستخرجا وَزَاد فِيهِ أَحَادِيث . الفتح (1/489) الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1379). رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه : محمد فؤاد عبد الباقي .قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب  عليه تعليقات العلامة : عبد العزيز بن عبد الله بن باز،  ونقله في ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»(8/519) محمد بن علي بن آدم بن موسى الإثيوبي الوَلَّوِي .

 

وفي السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن (1/147) لمحمد بن عمر بن محمد، أبو عبد الله، محب الدين ابن رشيد الفهري السبتي تحقيق صلاح بن سالم المصراتي الناشر: مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة

 

روينَا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور إِلَى الخليلي الْحَافِظ الْجَلِيل المتقن قَالَ سَمِعت عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن فضَالة الْحَافِظ يَقُول سَمِعت أَبَا أَحْمد مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْكَرَابِيسِي الْحَافِظ يَقُول : رحم الله الإِمَام مُحَمَّد ابْن إِسْمَاعِيل فَإِنَّهُ الَّذِي ألف الْأُصُول وَبَين للنَّاس وكل من عمل بعده فَإِنَّمَا أَخذه من كِتَابه كمسلم بن الْحجَّاج فرق كِتَابه فِي كتبه وتجلد فِيهِ حق الجلادة حَيْثُ لم ينْسبهُ إِلَى قَائِله، وَلَعَلَّ من ينظر فِي

 

تصانيفه لَا يَقع فِيهَا مَا يزِيد إِلَّا مَا يسهل على من يعده عدا ..

 

وَمِنْهُم من أَخذ كِتَابه فنقله بِعَيْنِه إِلَى نَفسه كَأبي زرْعَة ، وَأبي حَاتِم ؛ فَإِن عاند الْحق معاند فِيمَا ذكرت فَلَيْسَ تخفى صُورَة ذَلِك على ذَوي الْأَلْبَاب انْتهى كَلَام الْحَافِظ أبي أَحْمد. وهو في الفتح أيضا (1/11).

 

وقال الدارقطني: " وَأي شَيء صنع مُسلم إِنَّمَا أَخذ كتاب البُخَارِيّ فَعمل عَلَيْهِ مستخرجا وَزَاد فِيهِ زيادات ، وَهَذَا الَّذِي حكيناه عَن الدَّارَقُطْنِيّ جزم بِهِ أَبُو الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ فِي أول كِتَابه الْمُفْهم فِي شرح صَحِيح مُسلم *)) الفتح الباري (1/11)لأحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي ،الناشر: دار المعرفة - بيروت،( 1379)رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي ،قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب ،وعليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز .وهو في النكت على كتاب ابن الصلاح (1/286) لابن حجر العسقلاني .تحقيق : الشيخ العلامة  ربيع بن هادي عمير المدخلي .

 

الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية  .

 

4 -  إمام أهل السنة الإمام المبجل أحمد بن حنبل - رحمه الله - وقع له شيء من ذلك :

 

قال - رحمه الله -  في خطبة كتابه"  الرد على الجهمية  " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بكتاب الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من تائه ضال قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين .

 

وقد نبَّه الإمام ابن قيّم الجوزيّة في ((الصواعق المرسلة)) (3/927-928) قائلاً : ((قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في ((الرد على الجهمية)) وذكرها))،

 

 ثم قال: ((وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، أو وافقه فيها، فقد ذكرها محمد بن وضاح في أوَّل كتابه في ((الحوادث والبدع (ص3))..

 

قلت : وهذه الخطبة من كلمات مروية عن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - تلقاها الإمام أحمد عنه أو وافقه  فيها فقد ذكرها محمد بن وضاح في أول كتابه البدع (1/26) تحقيق عمرو عبد المنعم سليم ، الناشر: مكتبة ابن تيمية، القاهرة- مصر، مكتبة العلم، جدة – السعودية كما ذكر ابن القيم .

 

قال ابن وضاح في كتابه البدع والحوادث رقم (03): نا أَسَدٌ قَالَ: نا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يُوسُفُ ثِقَةٌ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ رَفَعَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ : " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى الْعِبَادِ بِأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى ، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى ، وَيُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى ، كَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ ، وَضَالٍ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ ، بَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ دُونَ هَلَكَةِ الْعِبَادِ ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ

 

عَلَى النَّاسِ ، وَأَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ  يَقْتُلُونَهُمْ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا بِالْحُدُودِ وَنَحْوِهَا ، فَمَا نَسِيَهُمْ رَبُّكَ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ  نَسِيًّا} [سورة مريم: 64] جَعَلَ قَصَصَهُمْ هُدًى ، وَأَخْبَرَ عَنْ حُسْنِ مَقَالَتِهِمْ ، فَلَا تَقْصُرْ عَنْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُمُ الْوَضِيعَةُ . ا.ه

 

وهذه الديباجة قد اشتهرت عن الإمام أحمد في مقدمة كتابه الرد على الجهمية وقد نقل شيئا منها العكبري في الإبانة الكبرى (1/196) دون عزو منه لأحد .

 

كما نقل جزءا منها عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب – رحمهم الله جميعا - في كتاب المورد العذب الزلال في كشف شبه أهل الضلال (مطبوع ضمن

 

الرسائل والمسائل النجية، الجزء الرابع، القسم الأول)(1/289) الناشر: دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية .

 

وهذا ابن القيم – رحمه الله - الذي صرح بأن الإمام أحمد تلقاها عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه – أو وافقه فيها ؛ ومع ذلك فقد افتتح بها كتابه ((مفتاح دار السعادة)) دون عزو، ولكنه تصرف فيها يسيرا .

 

فقال  -رحمه الله في :الجزء (1/2): وَالْحَمْد لله الَّذِي أَقَامَ فِي أزمنة الفترات من يكون بِبَيَان سنَن الْمُرْسلين كَفِيلا واختص هَذِه الأمة بِأَنَّهُ لَا تزَال فِيهَا طَائِفَة على الْحق لَا يضرهم من خذلهم وَلَا من خالفهم حَتَّى يَأْتِي أمْرَهْ وَلَو اجْتمع الثَّقَلَان على حربهم قبيلا يدعونَ من ضل إلى الْهدى ويصبرون مِنْهُم على الأذى ويبصرون بِنور الله أهل الْعَمى ويحيون بكتابه الْمَوْتَى فهم أحسن النَّاس هَديا وأقومهم قيلا فكم من قَتِيل لإبليس قد أحيوه وَمن ضال جَاهِل لَا يعلم طَرِيق رشده قد هدوه وَمن مُبْتَدع فِي دين الله بشهب الْحق قد رَمَوْهُ جهادا فِي الله وابتغاء مرضاته وبيانا لحججه على الْعَالمين وبيناته ، وطلبا للزلفى لَدَيْهِ ونيل رضوانه وجناته فحاربوا فِي الله من خرج عَن دينه القويم وصراطه الْمُسْتَقيم الَّذين عقدوا ألوية الْبِدْعَة وأطلعوا أعنة الْفِتْنَة وخالفوا الْكتاب وَاخْتلفُوا فِي الْكتاب وَاتَّفَقُوا على مُفَارقَة الْكتاب ونبذوه وَرَاء ظُهُورهمْ وارتضوا غَيره مِنْهُ بديلا..وسأعود لابن القيم في نقولاته غير هذا .

 

5-  أبو عبد الله محمد بن سعد صاحب الطبقات المعروف بابن سعد -  رحمه الله -:

 

قال الذهبي في السير (10/664)"مُحَمَّدُ بنُ سَعْدِ بنِ مَنِيْعٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ " الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ، الحُجَّةُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ، كَاتِبُ الوَاقِدِيِّ، وَمُصَنِّفُ: (الطَّبَقَاتِ الكَبِيْرِ) فِي بِضْعَةَ عَشَرَ مُجَلَّداً، وَ (الطَّبَقَاتِ الصَّغِيْرِ) ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

 

قال ابن حجر في مقدمة الفتح(1/417) : عبد الرَّحْمَن بن شُرَيْح بن عبد الله بن مَحْمُود الْمعَافِرِي أَبُو شُرَيْح الإسْكَنْدراني وَثَّقَهُ أَحْمد وبن معِين وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو حَاتِم وَالْعجلِي وَيَعْقُوب بن سُفْيَان وشذ بن سعد فَقَالَ مُنكر الحَدِيث .

 

قلت : أي الحافظ : وَلم يلْتَفت أحد إِلَى بن سعد فِي هَذَا فَإِن مادته من الْوَاقِدِيّ فِي الْغَالِب والواقدي لَيْسَ بمعتمد.

 

 فهذا ابن  الحافظ بن حجر يذكر عن ابن سعد – رحمه الله -  أنه نقل غالب مادته في الطبقات من الواقدي ، والعلماء يستفيدون منها ، ولم يقل أحدهم أنه سرقها.

 

6 - أبو سليمان الخطابي – رحمه الله – صاحب معالم السنن وشرح صحيح البخاري وغيرها .

 

قال الذهبي – رحمه الله – في السير (17/23)الخَطَّابِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ  الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ، اللُّغَوِيُّ، أَبُو سُلَيْمَانَ حَمْدُ  بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ خَطَّابٍ البُسْتِيُّ، الخَطَّابِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ.

 

قال الخطابي في أعلام الحديث (4/2291)(شرح صحيح البخاري)تحقيق د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود .

 

عن أبي هريرة  - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: لَعَن الله السَّارق، يسرقُ البيضةَ فَتُقْطعُ يَدُه، ويسرِق الحَبْل فتُقطعُ يَدُه.

 

 قال الأعمشُ: كانوا يَرَوْنَ أنه بَيْض الحديد، والحَبْل: كانوا يرون أنه مما يَسْوى دراهم.

 

قُلتُ (أي الخطابي) : تَأويلُ الأعمش هذا غَيرُ مطابقٍ لمذهب الحديث ومَخْرج الكلام فيه، وذلك أنه ليس بالسائغ في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه هذا الحديث من اللوم والتثريب: أخزى الله فلانا عَرَّض نفسه للتلف في مَالٍ له قدر ومزية ، وفي عَرَض له قِيمة.

 

إنَّما يُضْرَب المَثَل في مِثْلهِ بالشيء الوَتِح الذي لاوَزنَ له ولا قيمة, هذا عادة الكلام وحكم العرف الجاري في مثله.

 

وإنَّما وجه الحديث وتأويله : ذَمُّ السرقة وتهجينُ أمرِها وتحذيِرٌ سوءِ مغَبَّتها فيما قلَّ وكَثُرَ من الملا.

 

 يقول: إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة ، والحَبْل الخَلِقُ الذي لا قيمة له إذا تعاطاها المُسْتَرق, فاستَمرت بِه العادة لم يَنْشَبْ أن يؤديه ذلك إلى سَرِقَة ما  فَوقَها، حتى يبلُغ قَدْرَ ما يقطَع فيه اليد، فتقطع يده.

 

 يقول: فَلْيَحذَر هذا الفعل وليتَوقّهْ قَبْل أن تَمْلِكَهُ العادة ويَمْرُنَ عليها ليسلم من سوء مغبته ووَخيمِ عاقِبتهِ.

 

قال الحافظ في الفتح (12/82) متعقبا له: وَسَبَقَ الْخَطَّابِيَّ إِلَى ذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ فِيمَا حَكَاهُ بن بَطَّالٍ فَقَالَ احْتَجَّ الْخَوَارِجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْأَشْيَاءِ وَكَثِيرِهَا وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ مَا نَزَلَ ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي " رُبْعِ دِينَارٍ " فَكَانَ بَيَانًا لِمَا أُجْمِلَ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

 

 قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْمَشِ إِنَّ الْبَيْضَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الرَّأْسِ فِي الْحَرْبِ وَأَنَّ الْحَبْلَ مِنْ حِبَالِ السُّفُنِ فَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ صَحِيحَ كَلَامِ الْعَرَبِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ يَبْلُغُ دَنَانِيرَ كَثِيرَةً وَهَذَا لَيْسَ مَوْضِعَ تَكْثِيرٍ لِمَا سَرَقَهُ السَّارِقُ وَلِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَنْ يَقُولُوا قَبَّحَ اللَّهُ فُلَانًا عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلضَّرْبِ فِي عِقْدِ جَوْهَرٍ وَتَعَرَّضَ لِلْعُقُوبَةِ بِالْغُلُولِ فِي جِرَابِ مِسْكٍ  ، وَإِنَّمَا الْعَادَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَرَّضَ لِقَطْعِ الْيَدِ فِي حَبْلٍ رَثٍّ أَوْ فِي كُبَّةِ شَعْرٍ أَوْ رِدَاءٍ خَلَقٍ وَكُلُّ مَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ أَبْلَغَ انْتَهَى وَرَأَيْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ .

 

ونقل جزءا منه عبد الرحمن الساعاتي في الفتح الرباني (16/110) دار إحياء التراث (ط 2) دون عزو منه له فقال :

 

قوله : (( البيضة فتقطع يد ويسرق الحبل فتقطع يده)) المعنى المراد ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء عاقبتها فيما قل وكثر من المتاع، يقول أن سرقة الشيء اليسير إذا تعاطاه المرء فاستمرت به العادة لم ينشب أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقه

 

حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده، فليحذر هذا الفعل قبل أن تملكه العادة ليسلم من سوء العاقبة ..

 

7- القَاضِي عِيَاضٌ بنُ مُوْسَى بنِ عِيَاضٍ اليَحْصَبِيُّ :

 

قال الذهبي – رحمه الله - الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ الأَوْحَدُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، القَاضِي، أَبُو الفَضْلِ.

نقل القاضي عياض – رحمه الله -  كلام الباقلاني - مع تصرف يسير- دون عزو إليه.

 

قال القاضي عياض: ((وكذلك لا تنعقد (الإمامة ) ابتداء للفاسق بغير تأويل، وهل يخرج منها بموافقة المعاصى.

 

ذهب بعضهم إلى ذلك، وأنه يجب خلعه، فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب لم يجز القيام عليه، ووجب الصبر عليه؛ لأن ما تؤدى الفتنة إليه أشد، وقال جمهور أهل السنة من أهل الحديث والفقه والكلام: لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا

 

يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه، وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعته؛ للأحاديث الواردة في ذلك من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، ما أقاموا الصلاة "، وقوله: " صلِّ خلف كل بر وفاجر"،

 

وقوله: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "، وقوله: " وألا ننازع الأمر أهله "، وأن حدوث الفسق لا يوجب خلعه. وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذه المسألة الإجماع )).

 

وهذا بعينه كلام "الباقلاني": في كتابه " تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل": (1/478):

 

قال:((بَاب ذكر مَا يُوجب خلع الإِمَام وَسُقُوط فرض طَاعَته إِن  قَالَ  قَائِل مَا الَّذِي يُوجب خلعه الإِمَام عنْدكُمْ ؟ قيل لَهُ:  يُوجب ذَلِك أُمُور :

 

1- مِنْهَا كفر بعد الْإِيمَان - 2 - وَمِنْهَا تَركه إِقَامَة الصَّلَاة وَالدُّعَاء إِلَى ذَلِك ..

 

3 - وَمِنْهَا عِنْد كثير من النَّاس فسقه وظلمه بِغَصب الْأَمْوَال وَضرب الأبشار وَتَنَاول النُّفُوس الْمُحرمَة وتضييع الْحُقُوق وتعطيل الْحُدُود.

 

وَقَالَ الْجُمْهُور من أهل الْإِثْبَات وَأَصْحَاب الحَدِيث لَا ينخلع بِهَذِهِ الْأُمُور وَلَا يجب الْخُرُوج عَلَيْهِ ؛ بل يجب وعظه وتخويفه وَترك طَاعَته فِي شَيء مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ من معاصي الله ،  وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بأخبار كَثِيرَة متظاهرة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن أَصْحَابه فِي وجوب طَاعَة الْأَئِمَّة وَإِن جاروا واستأثروا بالأموال ،  وَأَنه قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم : (( اسمعوا وَأَطيعُوا وَلَو لعبد أجدع ، وَلَو لعبد حبشِي وصلوا وَرَاء كل بر وَفَاجِر)) وَرُوِيَ أَنه قَالَ أطعهم وَإِن أكلُوا مَالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم مَا أَقَامُوا الصَّلَاة فِي أَخْبَار كَثِيرَة وَردت فِي هَذَا الْبَاب)) ا .هـ

يتبع - إن شاء الله-

 

تم التعديل بواسطة أبو بكر يوسف لعويسي

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان