أبو يوسف الليبي

خطبة جمعة عن (السلفية)

عدد ردود الموضوع : 2

بسم الله الرحمن الرحيم

عودة إلى شبكة سحاب الحبيبة وهذه أول مشاركة لي بعد غياب سنوات وموضوع المشاركة خطبة جمعة ألقيتها بمسجد زيد بن حارثة بمدينة صبراتة حرسها الله وسائر بلاد المسلمين وموضوع الخطبة هو (السلفية). 

رابط تحميل الصوتية: http://www.shatt.net/up/do.php?id=163672  

والتفريغ بالمرفقات

السلفية.docx

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى


من دلائل نبوة رسول الهدى  محمد - صلى الله عليه وسلّم - وقوعُ ما أخبر به من حوادث آخر الزمان وما يكون فيه، ومن ذلك ما أخبر به - صلى الله عليه وسلّم - من تفرقٍ واختلاف، فعن العرباضِ بنِ ساريةَ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: (وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً)، أخرجه الترمذي بسندٍ صحيح. وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة).
فهذا إخبارٌ صحيح صريح من رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بما نراه اليوم من افتراقٍ للمسلمين على فرقٍ وطوائف، فاللهم صل وسلم على نبيينا محمد، وإنا لله وإنا إليه راجعون. ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - هو المبلغُ عن ربه، الناصحُ لأمته؛ فإنه - صلى الله عليه وسلّم - لم يتركنا لآرائنا واجتهاداتِنا في كيفية التعامل مع هذه الاختلافات؛ بل بين لنا بوضوح تام الموقفَ الحق الذي يجب على كل مسلم أن يتخذَه، والصراطَ المستقيمَ الذي لا حجة لأحد في مخالفته؛ فقال - صلى الله عليه وسلّم - بعد أن ذكر الاختلاف: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة). ولما أخبر - صلى الله عليه وسلّم - أن الفرقةَ الناجيةَ من هذه الأمة فرقةٌ واحدةٌ بادر الصحابة – رضوان الله عليهم – بسؤاله عن صفة هذه الفرقة، فقال - صلى الله عليه وسلّم -: (هي الجماعة). وفي رواية: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - باتباع سبيله وسبيل صحابته، والاجتماع على ذلك، ووصف من خالف هذا بأنه في النار. هذا هو ما أرشدنا إليه رسولنا - صلى الله عليه وسلّم -؛ فلم يقل لنا - صلى الله عليه وسلّم -: تعاونوا فيما اتفقتم فيه، وليعذر بعضكم بعضا فيما اختلفتم فيه، ولم يَلْبِس - صلى الله عليه وسلّم - الحقَّ بالباطل، وحاشاه أن يفعل، بل بيّن لنا الحق أتمَّ بيان، وحذَّرنا من الباطل وأهله أشدَّ تحذير. بل إن الله أمرنا في كتابه بالاجتماع على الحق، واتباع صراطه المستقيم، وحذرنا من التفرق إلى سبل مختلفة؛ قال - تعالى -: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}. فدل هذا على أن الطريق الموصلَ إلى الله - تعالى – طريقٌ واحد، هو طريق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وصحابتِه الكرام سلفِنا الصالح. قال ابن القيم - رحمه الله -: (وهذا لأن الطريقَ الموصلَ إلى الله واحد، وهو ما بَعث به رُسلَه وأَنزل به كتبَه، ولا يَصل إليه أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب؛ فالطرق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله موصلٌ إليه). وذم ربنا - سبحانه - قوما يُظهرون الاجتماع مع أنهم مختلفون متفرقون؛ قال - تعالى -: {تحسبهم جميعاً وقلبوهم شتى}
ونحن نعلم ونقر أن الاختلاف سنة كونية، فالله – عزّ وجلّ - لم يخلق الخلق على صورة واحدة، بل خلق بحاراً وأنهاراً، وخلق سهولاً وجبالاً، وخلق الأبيض والأسود، وخلق الليل والنهار، وخلق السماء والأرض، وخلق الذكر والأنثى، ولكنْ كونُ الاختلاف سنةً كونية لا يجعله سنةً شرعية، فالله أمرنا بالاجتماع على الحق، ونهانا عن التفرق في الدين؛ قال - تعالى -: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبرهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}. ولم يرد ذِكرُ الاختلاف في كتاب الله - عزّ وجلّ - إلا مذموماً؛ قال - تعالى -: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك}، وقال - عزّ وجلّ -: {ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون}. وقال - عزّ وجلّ -: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء}
فاعلم أيها المسلم أنه يجب عليك أن تتعامل مع الواقع الأليم الذي تعيشه الأمة من اختلافٍ وتفرق بالتعامل الشرعي الصحيح، الذي يضمن لك - دون ما سواه – النجاةَ يوم القيامة، فاستمسك في كل أمور دينك بكتاب الله - عزّ وجلّ - وسنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، على ما كان عليه صحابة رسول الله - رضوان الله عليهم - وأئمةُ الهدى من بعدهم، واحذر الفرقَ الضالة، والجماعاتِ المنحرفة، كالروافضِ المشركين، والخوارجِ المارقين، والعلمانيين التائهين، والمتحزبةِ الضالين، وغيرِهم من أهل الزيغ والانحراف؛ احذر هذه الفرقَ والجماعاتِ وإن نَسبت نفسها إلى الإسلام، وإن دعا أتباعُها إلى سُبُلِهم وادّعوا أنهم على الحق والهدى؛ احذرهم واجتنب سُبُلَهم؛ والزم كتابَ ربك، وسنةَ نبيك، وسبيلَ سلفك الصالح؛ مسترشداً بأئمة الهدى، مصابيحِ الدجى؛ علماء السنةِ - رحم الله ميتَهم، وأطال بقاءَ حيِّهم -. في صحيح ابن حبانَ عن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - خطاً فقال: (هذا سبيل الله)، ثم خط خطوطا ًعن يمينه وعن شماله، ثم قال: (وهذه سبل؛ على كل سبيلٍ منها شيطان يدعو إليه)، ثم تلا: {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون}

 

الخطبة الثانية:

عباد الله: إن من الناس من لا يعجبه الحديثُ عن تفرق الأمة، ولا يروقُ له ذَمُّ الفرقِ المخالفةِ لهديِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلّم - وهديِ صحابته، وربما وَصَفَ الدعاةَ الناصحين بأنهم يُحجّرون واسعاً، ويزيدون الأمة فُرقةً على فُرقتها، وهذا باطل لا أساس له.
ألا فلتعلم - أخي - أن امرَءاً يحذرك من سبل الضلال المفضية إلى الهلاك، ويرشدك إلى صراط الله المستقيم الذي في اتباعه نجاتك وسعادتك؛ لهو الناصحُ لك، المشفقُ عليك. وأما من زين لك سبلَ الضلال، أو في أحسن أحواله قلل لك من خطورتها، ولَبَسَ لك الحق بالباطل، سعياً لجمع الناس حولَه، أو لحشد الأصوات لصالحه؛ فهو الخائنُ الغاشُّ الجديرُ بأن يُحْذر ويُزجر.
فها هو الصحابي العالم الجليل عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ الخطاب - رضي الله عنهما – يُخبَر بظهور فِرقةِ القدرية، وهي إحدى الفرق الضالة الثنتين وسبعين، فماذا قال - رضي الله عنه -؟ هل قال: هم إخواننا مسلمون مثلنا؟! هل قال: اعذروهم واسكتوا عن أخطائهم ولا تفرقوا الصف؟! لا والله؛ قال - رضي الله عنه -: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني(.
فإذا علمت هذا – أخي – فاعلم أن أهل الزيغ والضلالِ من أتباعِ الفرقِ المنحرفةِ والمناهجِ الضالةِ ربما روجوا لكثير من بِدَعِهم وضلالِهم بآيات من كتاب الله - عزّ وجلّ - وأحاديثَ من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، يفسرونها على غير حقيقتها؛ لأنهم علموا أن كلَّ مسلمٍ يعظم بطبيعته نصوص الكتاب والسنة، فلما كان ذلك كذلك وضع لنا ربنا - عزّ وجلّ - معياراً  توزن به أيُّ دعوة، ألا وهو اتباع فهم السلف الصالح للكتاب والسنة؛ قال ربنا - عزّ وجلّ -: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}؛ فلم يقتصر ربنا على التحذير من مخالفة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -؛ بل حذر من مخالفة سبيلِ المؤمنين، ولا شك أن صحابة رسول الله - رضوان الله عليهم - أولى الناسِ بذلك؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في صفة الفرقة الناجية: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي). ورحم الله إمامَ دارِ الهجرة مالكَ بنَ أنسٍ إذ يقول: (لا يُصلح آخرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها)
فوالله الذي لا إله غيره إن صراط الله المستقيم هو اتباعُ كتاب ربنا وسنة نبينا بفهم سلفنا الصالح، وهذا وحدَه هو الإسلام الذي جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وحذر من مخالفته، وهو الذي يجب على كل أحدٍ أن يَدينَ الله به، ويبرأَ من كل ما خالفه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: (ولا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قَبولُ ذلك منه بالاتفاق؛ فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقاً)
ثم اعلم – أخي – أنه من الظلم البين أن يُحكم على المنهج السلفي النقي الوسطي الذي هو الإسلام؛ من الظلم أن يُحكم عليه من خلال تصرفات بعض أبنائه أو المنتسبين إليه؛ فإن من الناس من ينتسب إلى السلفية كذباً وزورًا، ثم هو يشوه الإسلام والسلفية بالتطرف والقتل والتدمير، ومن الناس من ينتسب إلى السلفية ثم تراه أبعد ما يكون عن السلف في أخلاقه ومعاملاته، ومن الناس ومن الناس. والواجب أن يُحكم على الشيء بحقيقته لا بتطبيق الناس له. فلا يحملنك - أخي – خطأٌ رأيته من شخص أو أشخاصٍ تَظهر عليهم سنةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -؛ لا يحملنك هذا على الاستهزاء بالسنة، فإن الاستهزاء بشيء - ولو بسيط - من السنة هو في حقيقته استهزاءٌ بصاحب هذه السنة رسولِ الله – صلى الله عليه وسلّم -، وهذا كفرٌ أكبرُ، فاحذر كلمةً تتلفظ بها أو تكتبها لا تلقي لها بالا، تهوي بها في نار جهنم.
وفي الختام؛ نصيحةٌ لكل أخٍ حريصٍ على اتباع الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح: ألا فلتحرص - أخي - على ما تحمله من الخير، ولتكن داعيةً إليه بفعلك قبل قولك؛ فخالق الناس بخلق حسن، ووازن فيما تأتي وتذرُ بين المصالح والمفاسد، وكن مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وليكن همُّك هدايةَ الناس لا إقصاءَهم، واعلم أنك لا تمثل نفسَك بل تمثل الدين الذي تحمله، فينبغي أن يَظهر هذا الدين في سلوكك كما هو ظاهر في هيئتك؛ فمنهج السلف عقيدةٌ وعبادةٌ وخلق. واجتهد في تعلم دينِك وتعليمه، فثمَّ السعادةُ والفلاح في الدنيا والآخرة.

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان