اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
خالد المنصوري

كلام الإمام الذهبي، وغيره: عن "مشايخ المناصب، وحُبّ الرّئاسة، والدنيا، والمتمشيخين"

Recommended Posts

 


قال الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه "زغل العلم" ص/36، وهو يذكر المذاهب الأربعة فقال في الشافعية

الفقهاء الشافعية أكيس الناس وأعلم من غيرهم بالدين ، فأسُّ مذهبهم مبني على اتباع الأحاديث المتصلة ، وإمامهم من رؤوس أصحاب الحديث ومناقبه جمة، فإن حصلت يا فلان مذهبهُ لتدين الله به وتدفع عن نفسك الجهل فأنت بخير،]

ثم قال: [ وإن كانت همتك كهمة اخوانك من الفقهاء البطالين ، الذين قصدهم المناصب والمدارس والدنيا والرفاهية والثياب الفاخرة ، فما ذا بركة العلم ، ولا هذه نية خالصة ، بل ذا بيع للعلم بحسن عبارة وتعجل للأجر وتحمل للوزر وغفلة عن الله ، فلو كنت ذا صنعة لكنت بخير ، تأكل من كسب يمينك وعرق جبينك ، وتزدري نفسك ولا تتكبر بالعلم ، أو كنت ذا تجارة لكنت تشبه علماء السلف الذين ما أبصروا المدارس ولا سمعوا بالجهات ، وهربوا لما للقضاء طلبوا ، وتعبدوا بعلمهم وبذلوه للناس ، ورضوا بثوب خام وبكسرة ، كما كان من قريب الإمام أبو إسحاق* صاحب "التنبيه"، وكما كان بالأمس الشيخ محيي الدين صاحب "المنهاج".
 

وكما ترى اليوم سيدي عبد الله بن خليل ، وعلى كل تقدير احذر المراء في البحث وإن كنت محقا ، ولا تنازع في مسالة لا تعتقدها ، واحذر التكبر والعجب بعملك ، فيا سعادتك إن نجوت منه كفافا لا عليك ولا لك ، فوالله ما رمقت عيني أوسع علما ولا أقوى ذكاء من رجل يقال له : ابن تيمية ، مع الزهد في المأكل والملبس والنساء ، ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن ، وقد تعبت في وزنه وفتشته حتى مللت في سنين متطاولة ، فما وجدت قد أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذبوه وكفروه إلا الكبر والعجب ، وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء بالكبار ، فانظر كيف وبال الدعاوي ومحبة الظهور ، نسأل الله تعالى المسامحة ، فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم منه ولا أزهد منه ، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وآثام أصدقائهم ، وما سلطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم بل بذنوبه ، وما دفعه الله عنه وعن أتباعه أكثر ، وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون ، فلا تكن فى ريب من ذلك**.اهـ

 

* هو الامام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفقيه الشيرازي الشافعي ، المتوفى سنة 476 ، قال عنه ابن خلكان : ( كان في غاية من الورع والتشدد في الدين ، ومحاسنه أكثر من أن تحصر ) . له ترجمة فى ( وفيات الأعيان ، 1 : 29) ، و ( تهذيب الأسماء واللغات ، 2 : 172) ، و ( طبقات الشافعية للسبكي ، 3 : 88) ، و ( كشف الظنون ، 1 : 489) وفيه ( أن كتابه هذا ( التنبيه في فروع الشافعية ) هو أحد الكتب الخمس المشهورة المتداولة بين الشافعية ، وأكثرها تداولا ) اهـ .
** قلت : هذه سنة الله تعالى في خلقه حيث أنه لا يقوم أحد من عباده الصالحين بالدعوة والجهاد في سبيله إلا أوذي وامتحن ، وكان مصيرة الطرد والتشريد والعقاب ، كما فعل بشيخ الاسلام - رحمه الله - ، وكلام المصنف - رحمه الله - في مدح شيخه ابن تيمية والثناء عليه أشهر من أن يذكر وأكثر من أن يحصر ، فمن ذلك قوله في ( تذكرة الحفاظ ، 4 : 1496) : ( وكان - أي ابن تيمية - من بحور العلم ، ومن الأذكياء المعدودين والزهاد الأفراد والشجعان الكبار والكرماء الأجواد ، أثنى عليه الموافق والمخالف ) اهـ ، وللمؤلف رسالة في = سيرته اسمها ( الدرة اليتيمة في سيرة ابن تيمية ) ذكرها صاحب ( هدية العارفين ، 2 : 154) . [محقق الكتاب]

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

وقال رحمه الله في "سير أعلام النبلاء" ج7/ص153

(وقوم نالوا العلم، ووَلُوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التَّقَيُّد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتبًا لهم، فما هؤلاء بعلماء !
وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرُّخَص، وروى الشَّاذَّ من الأخبار.
وبعضهم اجترأ على الله، ووضع الأحاديث، فهتكه الله، وذهب علمُه، وصار زاده إلى النار.
وهؤلاء الأقسام كلهم رَووا من العلم شيئًا كبيرًا، وتضلَّعوا منه في الجملة، فخَلف من بعدهم خلف بَانَ نقصُهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظَّاهر، ولم يُتقِنُوا منه سوى نزْرٍ يسيرٍ، أَوْهَمُوا به أنهم علماء فضلاء، ولم يَدُرْ في أذهانهم قَطُّ أنهم يتقرَّبون به إلى الله، لأنهم ما رأوا شيخًا يُقتدى به في العلم، فصاروا همجًا رعاعًا، غايةُ المدرِّس منهم أن يحصل كتبًا مُثَمَّنَة يَخْزُنُها وينظُر فيها يومًا ما، فيصحِّف ما يُورده ولا يُقَرِّره.
فنسأل الله النّجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالمٌ ولا رأيت عالمًا.)

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

وقال رحمه الله في "السير" أيضا ج18/ص192

وَالقِسم الثَّالِث:الفَقِيهُ المنتهِي اليَقظ الفَهِم المُحَدِّث، الَّذِي قَدْ حَفِظ مُخْتَصَراً فِي الفروع، وَكِتَاباً فِي قوَاعد الأُصُوْل، وَقرَأَ النَّحْو، وَشَاركَ فِي الفضَائِل مَعَ حِفْظِهِ لِكِتَابِ اللهِ وَتشَاغله بتَفْسِيره وَقوَةِ مُنَاظرتِهِ، فَهَذِهِ رُتْبَة مِنْ بلغَ الاجْتِهَاد المُقيَّد، وَتَأَهَّل لِلنظر فِي دلاَئِل الأَئِمَّة، فَمتَى وَضحَ لَهُ الحَقُّ فِي مَسْأَلَة، وَثبت فِيهَا النَّصّ، وَعَمِلَ بِهَا أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَعْلاَمِ كَأَبِي حَنِيفَةَ مِثْلاً، أَوْ كَمَالِك، أَوِ الثَّوْرِيِّ، أَوِ الأَوْزَاعِيِّ، أَوِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاق، فَلْيَتَّبع فِيهَا الحَقّ وَلاَ يَسْلُكِ الرّخصَ، وَلِيَتَوَرَّع، وَلاَ يَسَعُه فِيهَا بَعْدَ قيَام الحُجَّة عَلَيْهِ تَقليدٌ فَإِن خَاف مِمَّنْ يُشَغِّب عَلَيْهِ مِنَ الفُقَهَاء فَلْيَتَكَتَّم بِهَا وَلاَ يَترَاءى بِفعلهَا،

فَرُبَّمَا أَعْجَبته نَفْسُهُ، وَأَحَبّ الظُهُور، فَيُعَاقب، وَيَدخل عَلَيْهِ الدَّاخلُ مِنْ نَفْسِهِ، فَكم مِنْ رَجُلٍ نَطَقَ بِالْحَقِّ، وَأَمر بِالمَعْرُوف، فَيُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهِ مَنْ يُؤذِيه لِسوء قَصدهِ، وَحُبِّهِ لِلرِّئَاسَة الدِّينِيَّة، فَهَذَا دَاءٌ خَفِيٌّ سَارٍ فِي نُفُوسِ الفُقَهَاء، كَمَا أَنَّهُ دَاءٌ سَارٍ فِي نُفُوسِ المُنْفِقِين مِنَ الأَغنِيَاء وَأَربَاب الوُقُوف وَالتُّرب المُزَخْرَفَة، وَهُوَ دَاءٌ خفِيٌّ يَسرِي فِي نُفُوس الجُنْد وَالأُمَرَاء وَالمُجَاهِدِينَ، فَترَاهم يَلتقُونَ العَدُوَّ، وَيَصْطَدِمُ الجمعَان وَفِي نُفُوس المُجَاهِدِينَ مُخَبّآتُ وَكمَائِنُ مِنَ الاختيَالِ وَإِظهَار الشَّجَاعَةِ ليُقَالَ، وَالعجبِ، وَلُبْسِ القرَاقل المُذَهَّبَة، وَالخُوذ المزخرفَة، وَالعُدد المُحلاَّة عَلَى نُفُوس مُتكبّرَةٍ، وَفُرْسَان مُتجبِّرَة، وَيَنضَاف إِلَى ذَلِكَ إِخلاَلٌ بِالصَّلاَة، وَظُلم لِلرَّعيَّة، وَشُرب لِلمسكر، فَأَنَّى يُنْصرُون؟ وَكَيْفَ لاَ يُخذلُون؟ اللَّهُمَّ: فَانصر دينَك، وَوَفِّق عِبَادك.

فَمَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلعمل كسره العِلْمُ، وَبَكَى عَلَى نَفْسِهِ، وَمنْ طلب العِلْم لِلمدَارس وَالإِفتَاء وَالفخر وَالرِّيَاء، تحَامقَ، وَاختَال، وَازدرَى بِالنَّاسِ، وَأَهْلكه العُجْبُ، وَمَقَتَتْهُ الأَنْفُس {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشَّمْس:9 و 10] أَي دسَّسَهَا بِالفجُور وَالمَعْصِيَة.
قُلِبَتْ فِيهِ السِّينُ أَلِفاً. اهـ

قال يَحْيَى بنُ مُعَاذٍ "لاَ يُفْلِحُ مَنْ شَمَمْتَ رَائِحَةَ الرِّيَاسَةِ مِنْهُ" ج13/ص15

وقال الشَّافِعِيِّ، "مَا رَفَعْتُ مِنْ أَحَدٍ فَوقَ مَنْزِلَتِهِ، إِلاَّ وَضَعَ مِنِّي بِمِقْدَارِ مَا رَفَعْتُ مِنْهُ". ج10/ص42

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

"يُوْسُفُ بنُ أَسْبَاطٍ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُوْلُ: مَا رَأَيتُ الزُّهدَ فِي شَيْءٍ أَقلَّ مِنْهُ فِي الرِّئَاسَةِ، تَرَى الرَّجُلَ يَزْهَدُ فِي المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ وَالمَالِ وَالثِّيَابِ، فَإِنْ نُوزِعَ الرِّئَاسَةَ حَامَى عَلَيْهَا، وَعَادَى".السير 301/13

"عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍّ: عَنْ طَالُوْتَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بنَ أَدْهَم يَقُولُ: مَا صَدَقَ اللهَ عَبْدٌ أَحَبَّ الشُّهْرَةَ.

فعلّقَ عَلى هَذَا الإِمَام الذّهبي فقال (قُلْتُ: عَلاَمَةُ المُخْلِصِ الَّذِي قَدْ يُحبُّ شُهرَةً، وَلاَ يَشعُرُ بِهَا، أَنَّهُ إِذَا عُوتِبَ فِي ذَلِكَ، لاَ يَحرَدُ وَلاَ يُبرِّئُ نَفْسَه، بَلْ يَعترِفُ، وَيَقُولُ: رَحِمَ اللهُ مَنْ أَهدَى إِلَيَّ عُيُوبِي، وَلاَ يَكُنْ مُعجَباً بِنَفْسِهِ؛ لاَ يَشعرُ بِعُيُوبِهَا، بَلْ لاَ يَشعرُ أَنَّهُ لاَ يَشعرُ، فَإِنَّ هَذَا دَاءٌ مُزْمِنٌ.)" السير 393/7

و "رَوَى أَبُو الأَشْهَبِ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ مُطَرِّفُ بنُ عَبْدِ اللهِ: لأَنْ أَبِيتَ نَائِماً وَأُصْبِحَ نَادِماً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبِيتَ قَائِماً وَأُصْبِحَ مُعْجَباً".
الذهبي: (
قُلْتُ: لاَ أَفْلَحَ -وَاللهِ- مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، أَوْ أَعْجَبَتْهُ.)" السير 191/4

وقد عدّ الذهبي هذه الأمور من شُعَب النِّفَاقِ فقال:
(
كَذَلِكَ شُعَبُ النِّفَاقِ مِنَ الكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالفُجُورِ وَالغَدْرِ وَالرِّيَاءِ وَطَلَبِ العِلْمِ لِيُقَالَ، وَحُبُّ الرِّئاسَةِ وَالمَشْيَخَةِ، وَمُوَادَّةِ الفُجَّارِ وَالنَّصَارَى) السير 431/21

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى


قال شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله:
(
فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة، بحسب إمكانها، فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه، ويعادي من يخالفه في هواه. وإنما معبوده ما يهواه ويريده، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا}
 والناس عنده في هذا الباب كما هم عند ملوك الكفار من المشركين من الترك وغيرهم، يقولون: " يا رباعي " أي: صديق وعدو.
فمن وافق هواهم كان وليا، وإن كان كافرا مشركا، ومن لم يوافق هواهم كان عدوا، وإن كان من أولياء الله المتقين.) مجموع الفتاوى
325/14

 

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)


(عن أبي الورد بن ثمامة، عن وهب بن منبه، قال: كان في بني إسرائيل رجال أحداث الأسنان قد قرءوا الكتب وعلموا علمًا، وإنهم طلبوا بقراءتهم وعلمهم الشرف والمال، وإنهم ابتدعوا بها بدعًا أدركوا بها المال والشرف, فضلوا وأضلوا.

وقال ابن عبدوس:
"كلما توقر العالم وارتفع،
كان العجب إلى صاحبه أسرع، إلاّ من عصمه الله بتوفيقه، ونزع حبّ الرياسة عن نفسه".

عن كعب أنه قال لرجل رآه يتبع الأحاديث: "اتق الله وارض بالدّون من المجالس ولا تؤذِ أحدًا، فإنه لو ملأ علمك ما بين السماء والأرض مع العجب ما زادك الله به إلا سفالًا ونقصًا".)

عن مسروق قال: "كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه".
قال أبو عمر: إنما أعرفه بعمله.

- وقالوا:
"
العجبُ يهدم المحاسن".
- وعن عليّ -رضي الله عنه- أنه قال:
"
الإعجاب آفة الألباب".
- وقال غيره:
"
إعجاب المرء بنفسه دليلٌ على ضعف عقله".
- ولقد أحسن علي بن ثابت حيث يقول:

"المال آفته التبذير والنهب *** والعلم آفته الإعجاب والغضب
- وقالوا:
"
من أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبّر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال حقر، ومن جالس العلماء وقر".
- وقالوا:
"
لا ترى المعجب إلاّ طالبًا للرئاسة".
- وقال الفضيل بن عياض:
"
ما من أحد أحب الرئاسة إلا حَسَد، وبغى، وتتبع عيوب الناس، وكره أن يذكر أحد بخير".
- وقال أبو نعيم:
"
والله ما هلك من هلك إلا بحب الرئاسة".
- وقال أبو العتاهية:

"أآخي من عشق الرئاسة؟! خفت أن *** يطغى ويحدث بدعة وضلالاً"
- وقال أيضًا:
"حب الرئاسة أطغى من على الأرض ***حتى بغى بعضهم فيها على بعض
- ولي في هذا المعنى:
حب الرئاسة داءٌ يحلق الدينا1 *** ويجعل الحبّ حربًا للمحبينا
يفري الحلاقيم والأرحام يقطعها *** فلا مروءة تبقى ولا دينا
من دان بالجهل أو قبل الرسوخ *** فما تلفيه إلا عدوًّا للمحقينا

...
- وقال ابن أبي الحواري: سمعت إسحاق بن خلف يقول:
"
والله الذي لا إله إلا هو لإزالة الجبال الرّواسي أيسر من إزالة الرياسة"

- وقال آخر:
"
حب الرياسة داء لا دواء له وقل ما تجد الراضين بالقسم"
- وقال الثوري:
"
من أحب الرياسة فليعد رأسه للنطاح".)


1 في الأصل "يحلق الدنيا" والصواب ما أثبته والله أعلم
جامع بيان العلم وفضله/ بتصرف

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في "الوابل الصيب من الكلم الطيب" ص/139

بعد أن ذكر من فضائل ابن عباس حبر الأمة رضي الله عنهما:

(وهكذا الناس بعده قسمان.
- قسمٌ حفاظ : معتنون بالضبط، والحفظ، والأداء، كما سمعوا، ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه.
- وقسمٌ معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص، والتفقه فيها..
-
وأما الطائفة الثالثة: وهم أشقى الخلق، الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأساً، فلا حفظ، ولا فهم، ولا رواية، ولا دراية، ولا رعاية.
.. الأشقياء، لا رواية، ولا دراية، ولا رعاية،
{إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًافهم الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، إنّ همُّ أحدهم إلا بطنه وفرجه، فإن ترقّت همّته فوق ذلك كان همُّه ـ مع ذلك ـ في لباسه وزينته، فإن ترتقّت همته فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه، فإن ترقّت همّته فوق ذلك، كان همّه في الرياسة والانتصار للنفس الكلبيّة، فإن ارتفعت همّته عن نصرة النفس الكلبيّة، كان همّه في نصرة النفس السّبُعيّة.

وأمّا النفس المَلَكيّة فلم يُعطها أحدٌ من هؤلاء.

(فإن النفوس ثلاثة: كلبية وسبعية، وملكية.
-
فالكلبية: تقنع بالعظم، والكِسرة، والجيفة، والعذرة.
-
والسّبُعية: لا تقنع بذلك، بل بقهر النفوس، والاستعلاء عليها بالحق والباطل.
- وأما المَلكية: فقد ارتفعت عن ذلك، وشمَّرت إلى الرفيق الأعلى، فهمتها العلم والإيمان، ومحبة الله تعالى، والإنابة إليه، والطمأنينة به، والسكون إليه، وإيثار محبته ومرضاته، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذه لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربّها ووليّها، لا لتنقطع به عنه.)

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

قال ابن القيم في الفوائد / ص85

(عُلَمَاء السَّوْءِ جَلَسُوا على بَاب الْجنَّة يدعونَ إِلَيْهَا النَّاس بأقوالهم ويدعونهم إِلَى النَّار بأفعالهم؛ فَكلما قَالَت أَقْوَالهم للنَّاس: هلمُّوا! قَالَت أفعالهم: لَا تسمعوا مِنْهُم!
 فَلَو كَانَ مَا دَعَوْا إِلَيْهِ حَقًا كَانُوا أول المستجيبين لَهُ! فهم فِي الصُّورَة أدلاء وَفِي الْحَقِيقَة قطّاع الطّرق.)

وقال أيضا/ ص155

(من علامات السعادة والفلاح: أنَّ العبد كُلَّما زيدَ في عِلْمِه زِيدَ في تواضعهِ ورَحْمَتِهِ، وكُلَّما زِيدَ في عملهِ زِيدَ في خَوْفِهِ وحذَرِهِ، وكُلَّما زِيدَ في عمرهِ نَقَصَ مِنْ حِرْصِهِ، وكُلَّما زِيدَ في مالهِ زِيدَ في سَخَائِهِ وبذلهِ، وكُلَّما زيدَ في قَدْرِهِ وَجَاهِهِ زيدَ في قُرْبِهِ مِنَ النَّاسِ وقضاءِ حوائجهم والتَّواضع لهم.

وعلامات الشَّقاوة: أنَّه كُلَّما زيدَ في عِلْمِهِ زيدَ في كِبْرِهِ وتِيهِهِ، وكُلَّما زيدَ في عَمَلِهِ زيدَ في فَخْرِهِ واحتقارِهِ للنَّاسِ وحسن ظنِّه بنفسهِ، وكُلَّما زيدَ في عُمرهِ زيدَ في حرصهِ، وكُلَّما زيدَ في مالهِ زيدَ في بُخْلِهِ وإمْسَاكهِ، وكُلَّما زيدَ في قَدْرِهِ وجَاهِهِ زيدَ في كِبْرِه وتِيهِهِ، وهذه الأمورُ ابتلاءٌ مِنَ الله وامتحانٌ يبْتلي بها عبَادهُ فيَسْعدُ بها أقوامٌ ويَشْقَى بها أقوامٌ.)

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

 

وقال الشاطبي رحمه الله في "الموافقات" في الذين يطلبون العلم لغير الله [87/1-88]

(وإن كان غيرَ خادم له؛ فالقصد إليه ابتداء غير صحيح، كتعلّمه رياء، أو ليُماري به السفهاء، أو يُباهي به العلماء، أو يستميل به قلوب العباد، أو لينال من دنياهم، أو ما أشبه ذلك؛ فإنّ مثل هذا إذا لاح له شيء مما طلب زَهِد في التعلم، ورغب في التقدّم، وصعب عليه إحكام ما ابتدأ فيه، وأنف من الاعتراف بالتقصير؛ فرضي بحاكم عقله، وقاس بجهله؛ فصار ممن سُئل فأفتى بغير علم؛ فضَلَّ وأضلَّ، أعاذنا الله من ذلك بفضله.

وفي الحديث: "لا تعلَّموا العلم لُتباهوا به العلماء، ولا لتُماروا به السفهاء، ولا لتحتازوا به المجالس، فمن فعل ذلك؛ فالنار النار".

وقال: "من تعلم علما ما يُبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا؛ لم يجد عَرف الجنة يوم القيامة" .

...

وفي القرآن العظيم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [الآية] [البقرة: 174].
والأدلة في المعنى كثيرة.)

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله، كما في "مختصر منهاج القاصدين" .

"علماء السوء: هم الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا، والتوصل إلى المنزلة عند أهلها." ص/23

"وقال بعض السلف: أشد الناس ندامة عند الموت عالم مفرط." ص/24

وقال:
"
واعلم: أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات" ص/212

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

ومن "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة المقدسي رحمه الله ص/25

(ومن صفات علماء الآخرة: أن يكونوا منقبضين عن السلاطين، محترزين من مخالطتهم.

قال حذيفة رضى الله عنه: إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه.

وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء، فاحذروا منه فإنه لص.

وقال بعض السلف: إنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه.

ومن صفات علماء الآخرة: أن لا يتسرعوا إلى الفتوى، وأن لا يفتوا إلا بما يتيقنون صحته.

وقد كان السلف يتدافعون الفتوى حتى ترجع إلى الأول.

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله: أدركت فى هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما أحد يسأل عن حديث أو فتوى إلا ود أن أخاه كفاه ذلك. ثم قال آل الأمر إلى إقدام أقوام يدعون العلم اليوم، يقدمون على الجواب في مسائل لو عرضت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لجمع أهل بدر واستشارهم.)

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

 

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في رسالة"فضل علم السلف على علم الخلف" بتصرف، وهي ضمن "مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي" 30/3 تَحقِيق الحُلوانيّ

[علامة العِلْم الغير نافع]
وعلامة هذا العِلْم الَّذِي لا ينفع أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء، وطلب العلو والرفعة في الدُّنْيَا والمنافسة فيها، وطلب مباهاة العُلَمَاء ومماراة السفهاء وصرف وجوه الناس إِلَيْهِ، وقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلم: "أن من طلب العِلْم لذلك فالنار النار".
وربما ادعى بعض أصحاب هذه العلوم معرفة الله وطلبه والإعراض عما سواه،
وليس غرضهم بذلك إلا طلب التقدم في قلوب الناس من الملوك وغيرهم، وإحسان ظنهم بهم، وكثرة أتباعهم، والتعظم بذلك عَلَى الناس، وعلامة ذلك إظهار دعوى الولاية كما كان يدعيه أهل الكتاب، وكما ادعاه القرامطة والباطنية ونحوهم، وهذا بخلاف ما كان عليه السَّلف من احتقار نفوسهم وازدرائها باطنًا وظاهرًا.
وقال عمرو: من قال إنه عالم فهو جاهل، ومن قال أنَّه مؤمن فهو كافر، ومن قال هو في الجنة فهو في النار.
ومن علامات ذلك: عدم قبول الحق والانقياد إِلَيْهِ والتكبر عَلَى من يقول الحق، خصوصًا إن كان دونهم في أعين الناس، والإصرار عَلَى الباطل خشية تفرق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إِلَى الحق.
وربما أظهروا بألسنتهم ذم أنفسهم واحتقارها عَلَى رءوس الأشهاد؛ ليعتقد الناس فيهم أنهم عند أنفسهم متواضعون فَيُمدَحُون بذلك، وهو من دقائق أبواب الرياء، كما نبه عليه التابعون فمن بعدهم من العُلَمَاء.
ويظهر منهم من قبول المدح واستجلابه مما ينافي الصدق والإخلاص؛

فإن الصادق يخاف النفاق عَلَى نفسه ويخشى عَلَى نفسه من سوء الخاتمة، فهو في شغل شاغل عن قبول المدح واستحسانه.
فلهذا كان من علامات أهل العِلْم النافع أنهم لا يرون لأنفسهم حالا ولا مقامًا، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد.
قال الحسن: إِنَّمَا الفقيه الزاهد في الدُّنْيَا الراغب في الآخرة، البصير بدينه المواظب على عبادة ربه. وفي رواية عنه قال:
الَّذِي لا يحسد من فوقه، ولا يسخر ممن دونه، ولا يأخذ عَلَى علم علمه الله أجرًا. وهذا الكلام الأخير قد رُوي معناه عن ابن عمر من قوله.
وأهل العِلْم النافع كلما ازدادوا من هذا العِلْم ازدادوا لله تواضعًا وخشية وانكسارًا وذلا.

قال بعض السَّلف: ينبغي للعالم أن يضع التراب عَلَى رأسه تواضعًا لربه.
فإنَّه كلما ازداد علماً بربه ومعرفة به ازداد منه خشية ومحبة وازداد له ذلا وانكسارًا.

ومن علامات العِلْم النافع: أنَّه يدل صاحبه عَلَى الهرب من الدُّنْيَا، وأعظمها الرياسة والشهرة والمدح، فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العِلْم النافع فإن وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته، بحيث أنَّه يخشى أن يكون مكرًا واستدراجًا، كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك عَلَى نفسه عند اشتهار اسمه وبُعْدِ صيته.
ومن علامات العِلْم النافع: أن صاحبه لا يدعي العِلْم ولا يفخر به عَلَى أحد، ولا ينسب غيره إِلَى الجهل إلا من خالف السنة وأهلها؛ فإنَّه يتكلم فيه غضبًا لله لا غضبًا لنفسه ولا قصدًا لرفعتها عَلَى أحد.
وأما من علمه غير نافع فليس له شغل سوى التكبر بعلمه عَلَى الناس،
وإظهار فضل علمه عليهم ونسبتهم إِلَى الجهل، وتنقصهم ليرتفع بذلك عليهم وهذا من أقبح الخصال وأردئها، وربما نسب من كان قبله من العُلَمَاء إِلَى الجهل والغفلة والسهو، فيوجب له حب نفسه وحب ظهورها، وإحسان ظنه بها وإساءة ظنه بمن سلف.

وأهل العِلْم النافع عَلَى ضد هذا. يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العُلَمَاء، ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها.
وما أحسن قول أبي حنيفة وقد سئل عن علقمة والأسود: أيهما أفضل؟ فَقَالَ:
والله ما نحن بأهل أن نذكرهم، فكيف نفضل بينهم؟!.
وكان ابن المبارك إذا ذكر أخلاق من سلف ينشد:
 

لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ***ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
 

ومن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضلا عَلَى من تقدمه في المقال وتشقق الكلام، ظن لنفسه عليهم فضلا في العِلْم أو الدرجة عند الله لفضل خص به عمن سبق فاحتقر من تقدمه، وأزرى عليه بقلة العِلْم، ولا يعلم المسكين أن قلة كلام من سلف إِنَّمَا كان ورعًا وخشية لله، ولو أراد الكلام وإطالته لما عجز عن ذلك، كما قال ابن عباس لقوم سمعهم يتمارون في الدين: أما علمتم أن لله عبادًا أسكتتهم خشية الله من غير عي ولا بكم، وإنهم لهم العُلَمَاء والفصحاء والطلقاء والنبلاء، العُلَمَاء بأيام الله غير أنهم إذا تذكروا عظمة الله طاشت لذلك عقولهم وانكسرت قلوبهم وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استفاقوا من ذلك يسارعون إِلَى الله بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم من المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء ومع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأبرار برآء، إلا أنهم لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون له بالقليل، ولا يدلون عليه بالأعمال، هم حيث ما لقيتهم مهتمون مشفقون وجلون خائفون. خرجه أبو نعيم وغيره.
وأخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال «الحَيَاءُ وَالعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الإِيمَانِ، وَالبَذَاءُ وَالبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ» وحسنه الترمذي، وخرّجه الحاكم وصححه.
...
قال عون بن عبد الله: ثلاث من الإيمان: الحياء والعفاف والعي، عي اللسان لا عي القلب ولا عي العمل، وهن مما يزدن في الآخرة وينقصن من الدُّنْيَا، وما يزدن في الآخرة أكبر مما ينقصن من الدُّنْيَا. ورُوي هذا مرفوعًا من وجه ضعيف.
وقال بعض السَّلف: إن كان الرجل ليجلس إِلَى القوم فيرون أن به عيًّا وما به عي إنه لفقيه مسلم.

فمن عرف قدر السَّلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام، والزيادة في البيان عَلَى مقدار الحاجة لم يكن عيًّا ولا جهلاً ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية لله واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع.
وسواء في ذلك كلامهم في أصول الدين وفروعه، وفي تفسير القرآن والحديث، وفي الزهد والرقائق والحكم والمواعظ، وغير ذلك مما تكلموا فيه.
فمن سلك سبيلهم فقد اهتدى، ومن سلك غير سبيلهم ودخل في كثرة السؤال والبحث والجدال والقيل والقال؛ فإن اعترف لهم بالفضل وعلى نفسه بالنقص كان حاله قريبًا.
وقد قال إياس بن معاوية: ما من أحد لا يعرف عيب نفسه إلا وهو أحمق.
قِيلَ لَهُ: فما عيبك؟ قال: كثرة الكلام.

وإن ادعى لنفسه الفضل ولمن سبقه النقص والجهل، فقد ضل ضلالا مبينًا وخسر خسرانًا عظيمًا.
وفي الجملة ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالماً عند الله أو لا يرضى إلا بأن يكون عند أهل الزمان عالمًا؛ فإن رضي بالأول فليكتف بعلم الله فيه.
...
قال وهيب بن ورد: رب عالم يقول له الناس: عالم، وهو معدود عند الله من الجاهلين.
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم "إن أول من تسعر به النار ثلاثة: أحدهم من قرأ القرآن وتعلم العِلْم ليقال هو قارئ أو هو عالم، ويقال له: قد قيل ذلك، ثم أمر به فيسحب عَلَى وجهه حتي ألقي في النار".

فإن لم تقنع نفسه بذلك حتى تصل درجة الحكم بين الناس، حيث كان أهل الزمان لا يعظمون من لم يكن كذلك ولا يلتفتون إِلَيْهِ، فقد استبدل الَّذِي هو أدنى بالذي هو خير وانتقل من درجة العُلَمَاء إِلَى درجة الظلمة.
ولهذا قال بعض السَّلف لما أريد عَلَى القضاء فأباه: إِنَّمَا تعلمت العِلْم لأحشر به مع الأنبياء لا مع الملوك؛ فإن العُلَمَاء يحشرون مع الأنبياء والقضاة يحشرون مع الملوك.
ولابد للمؤمن من صبر قليل حتى يصل به إِلَى راحة طويلة، فإن جزع ولم يصبر فهو كما قال ابن المبارك: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله ينشد:

 

يا نفس ما هي إلا صبر أيام ***كان مدتها أضغاث أحلام
يا نفس جوري عن الدُّنْيَا مبادرة ***وخل عنها فإن العيش قدام

 

فنسأل الله تعالى علماً نافعًا، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع.
اللهم إنا نعوذ بك من هؤلاء الأربع، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى
تم النشر (تم تعديلها)

 

وقال رحمه الله أي ابن رجب [في مشابهة علماء السوء من المسلمين بأهل الكتاب] المصدر السابق 37/3
 

(ليتدبر ما ذم به الله أهل الكتاب من قسوة القلوب بعد إتيانهم الكتاب، ومشاهدتهم الآيات، كإحياء القتيل المضروب ببعض البقرة، ثم نهينا عن التشبه بهم في ذلك فقيل لنا: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16].
وبين في موضع آخر سبب قسوة قلوبهم، فَقَالَ سبحانه: {
فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13] فأخبر أن قسوة قلوبهم كان عقوبة لهم عَلَى نقضهم ميثاق الله، وهو مخالفتهم لأمره وارتكابهم لنهيه بعد أن أخذت عليهم مواثيق الله وعهوده ألا تفعلوا ذلك.
ثم قال تعالى: {
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} [المائدة: 13] فذكر أن قسوة قلوبهم أوجبت لهم خصلتين مذمومتين:
إحداهما: تحريف الكلم من بعد مواضعه.
والثانية: نسيانهم حظًّا مما ذكروا به، والمراد تركهم وإهمالهم نصيبًا مما ذكروا به من الحكمة والموعظة الحسنة، فنسوا ذلك وتركوا العمل به وأهملوه.
وهذان الأمران موجودان في الذين فسدوا من علمائنا، لمشابهتهم لأهل الكتاب.
أحدهما: تحريف الكلم، فإن من تفقه لغير العمل يقسو قلبه فلا يشتغل بالعمل؛ بل بتحريف الكلم وصرف ألفاظ الكتاب والسنة عن مواضعها،

والتلطف في ذلك بأنواع الحيل اللطيفة من حملها عَلَى مجازات اللغة المستبعدة ونحو ذلك.
والطعن في ألفاظ السنن حيث لم يمكنهم الطعن في ألفاظ الكتاب. ويذمون من تمسك بالنصوص وأجراها عَلَى ما يفهم منها ويسمونه جاهلا أو حشوبًا.

وهذا يوجد في المتكلمين في أصول الديانات، وفي فقهاء الرأي وفي صوفية الفلاسفة والمتكلمين.
والثاني: نسيان حظ مما ذكروا به من العِلْم النافع فلا تتعظ قلوبهم؛ بل يذمون من تعلم ما يبكيه ويرق به قلبه ويسمونه قاصًّا.
ونقل أهل الرأي في كتبهم عن بعض شيوخهم: أن ثمرات العلوم تدل عَلَى شرفها؛ فمن اشتغل بالتفسير فغايته أن يقص عَلَى الناس ويذكرهم، ومن اشتغل برأيهم وعلمهم فإنَّه يفتي ويقضي ويحكم ويدرس، وهؤلاء لهم نصيب من الذين: {
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7].
والحامل لهم عَلَى هذا شدة محبتهم للدنيا وعلوها.
ولو أنهم زهدوا في الدُّنْيَا ورغبوا في الآخرة، ونصحوا أنفسهم وعباد الله لتمسكوا بما أنزل الله عَلَى رسوله، وألزموا الناس بذلك، فكان الناس حينئذ أكثرهم لا يخرجون عن التقوى، فكان يكفيهم ما في نصوص الكتاب والسنة، ومن خرج منهم عنهما كان قليلاً، فكان الله يقيض من يفهم من معاني النصوص ما يرد به الخارج عنها إِلَى الرجوع إليها، ويستغني بذلك عما ولدوه من الفروع الباطلة، والحيل المحرمة التي بسببها فتحت أبواب الربا وغيره من المحرمّات، واستحلت محارم الله بأدنى الحيل كما فعل أهل الكتاب.

وهدى الله الذين آمنو لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إِلَى صراط مستقيم.
وصلي الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إِلَى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل)

كتب في آخر الرسالة:
يلوح الخط في القرطاس دهرًا ***وكاتبه رميم في التراب
خرجت من التراب بغير ذنب ***وعدت مع الذنوب إِلَى التراب
حشرنا الله في زمرة أوليائه في دار كرامته بمنه وكرمه آمين.

 

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

 

أين هؤلاء من هؤلاء؟!

عن ابن مُحيريز أنه قال:
-("
إني أحدثكم فلا تقولوا حدثنا ابن محيريز، فإني أخشى-وفي حديث أبي زرعة: أخاف-أن يصرعني ذلك يوم القيامة مصرعا يسوءني"
-"
كفى بالمرء شرًّا أن يُشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا"
-دخل ابن محيريز حانوتًا بدابق، وهو يريد أن يشتري ثوبًا، فقال رجل لصحاب الحانوت: "هذا ابن محيريز فأحسن بيعه،
فغضب ابن محيريز وخرج، وقال إنما أريد أن نشتري بأموالنا لسنا نشتري بديننا")

 تاريخ دمشق، بتصرف 18/33-19

قال الذهبي في ترجمة: (عبد الله بن محيريز * (ع) ابن جنادة بن وهب، الإمام، الفقيه، القُدوة الرباني، أبو محيريز القرشي، الجمحي، المكي.... وكان من العلماء العاملين، ومن سادة التابعين.) السير 494/4

-قال  أيوب السختيانى "ذُكرتُ وما أحبُّ أن أُذْكر" إكمال تهذيب الكمال للمغلطاي 324/2، وفي غيره.

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

 


قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في "شرح رياض الصالحين" 6-344-345، عند شرحه لحديث "أبي هريرة-رضي الله عنه-"في ذكر أول من يقضى عليه يوم القيامة وهم ثلاثة أصناف:
متعلم، ومقاتل، ومتصدق، فالمتعلم تعلم العلم وعلم القرآن وعلم ثم إن الله سبحانه وتعالى أتى به إليه سبحانه وتعالى يوم القيامة فعرفه الله نعمته فعرفها وأقر واعترف، فسأله ماذا صنعت؟ أي في شكر هذه النعمة، فقال: تعلمت العلم وقرأت القرآن فيك، فقال الله له: كذبت، ولكن تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فليس لله، بل لأجل الرياء، ثم أمر به فسحب على وجهه في النار. وهذا دليلٌ على أنه يجب على طالب العلم في طلب العلم أن يخلص نيته لله عزَّ وجلَّ وألا يبالي أقال الناس أنه عالم أو شيخ أو أستاذ أو مجتهد أو ما أشبه ذلك.
 لا يهمه هذا الأمر، لا يهمه إلا رضا الله عز وجل وحفظ الشريعة وتعليمها ورفع الجهل عن نفسه ورفع الجهل عن عباد الله حتى يكتب من الذين أنعم الله عليهم.

{وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}. وأما من تعلم لغير ذلك، ليقال إنه عالم وإنه مجتهد وإنه علامة وما أشبه ذلك من الألقاب فهذا عمله حابط والعياذ بالله، وهو أول من يقضى عليه ويسحب على وجهه في النار ويُكذب يوم القيامة ويُوبّخ."

 

 

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

 


مَنْ كَرِهَ الشُّهْرَةَ وَالْمَعْرِفَةَ

-عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: " كَانَ إِبْرَاهِيمُ لاَ يَبْتَدِئُ الْحَدِيثَ حَتَّى يُسْأَلَ "
-كَانَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ الْجُعْفِيُّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانُوا مُعْجَبِينَ بِهِ،
فَكَانَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ فَيُحَدِّثُهُمَا، فَإِذَا كَثُرُوا قَامَ وَتَرَكَهُمْ "
-عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: "
قِيلَ لَهُ حِينَ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ - رضي الله عنه -: لَوْ قَعَدْتَ فَعَلَّمْتَ النَّاسَ السُّنَّةَ. فَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ يُوطَأَ عَقِبِي؟ ! "
-كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ
إِذَا مَشَى مَعَهُ الرَّجُلُ قَامَ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ قَضَاهَا، وَإِنْ عَادَ يَمْشِي مَعَهُ قَامَ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ "
-عَنِ الْهَيْثَمِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: أَنَّهُ رَأَى نَاساً يَتْبَعُونَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: - فَأُرَاهُ - قَالَ: " نَهَاهُمْ، وَقَالَ:
إِنَّ صَنِيعَكُمْ هَذَا أَوْ مَشْيَكُمْ هَذَا مَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ
-عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ: " شَاوَرْتُ مُحَمَّداً فِي بِنَاءٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبْنِيَهُ فِي الْكَلاَّءِ، قَالَ: فَأَشَارَ عَلَيَّ، وَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَسَاسَ الْبِنَاءِ فَآذِنِّي حَتَّى أَجِئ مَعَكَ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَمَشَى مَعَهُ فَقَامَ، فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ ، قَالَ: لاَ. قَالَ: أَمَّا لاَ فَاذْهَبْ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَنْتَ أَيْضاً فَاذْهَبْ. قَالَ: فَذَهَبْتُ حَتَّى خَالَفْتُ الطَّرِيقَ"
 -عَنْ نُسَيْرٍ : "
أَنَّ الرَّبِيعَ كَانَ إِذَا أَتَوْهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكُمْ. يَعْنِى أَصْحَابَهُ "
-عَنْ رَجَاءٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ - رضي الله عنه - فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَهُوَ سَاكِتٌ،
فَقِيلَ لَهُ: أَلاَ تُحَدِّثُ أَصْحَابَكَ. قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَقُولَ لَهُمْ مَا لاَ أَفْعَلُ "
-عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: "
وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْ عِلْمِي كَفَافاً لاَ لِي وَلاَ عَلَيَّ "
-ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أُمَيٍّ قَالَ: مَشَوْا خَلْفَ عَلِيٍّ - رضي الله عنه- فَقَالَ: "
عَنِّي خَفْقَ نِعَالِكُمْ فَإِنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِقُلُوبِ نَوْكَى* الرِّجَالِ"
-عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: "
إِنَّ خَفْقَ النِّعَالِ حَوْلَ **الرَّجَالِ قَلَّمَا يُلَبِّثُ الْحَمْقَى "
عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: "
كَانَ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ قَامَ فَتَنَحَّى "

* الحمقى، جمع أنوك. (النهاية 5/ 129).
** رجاله ثقات، وقوله: (قل ماتلبث الحمقى) أي: أن تتأثر فيصيبها التيه والغرور، انظر قول علي - رضي الله عنه - المتقدم.

مسند الإمام الدارمي تحقيق د/مرزوق

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

 

أين هؤلاء من هؤلاء؟!

( ..قَالَ مَالِكٌ وَجَّهَ إلَيَّ الرَّشِيدُ أَنْ أُحَدِّثَهُ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ الْعِلْمَ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي. فَصَارَ إلَى مَنْزِلِي فَاسْتَنَدَ مَعِي عَلَى الْجِدَارِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ مِنْ إجْلَالِ اللَّهِ إجْلَالَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، فَقَامَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيَّ قَالَ فَقَالَ بَعْدَ مُدَّةٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَوَاضَعْنَا لِعِلْمِكِ فَانْتَفَعْنَا بِهِ، وَتَوَاضَعَ لَنَا عِلْمُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَلَمْ نَنْتَفِعْ بِهِ.

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْمَهْدِيَّ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَاجًّا جَاءَهُ مَالِكُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ ابْنَهُ مُوسَى الْهَادِي وَهَارُونَ الرَّشِيدَ أَنْ يَسْمَعَا مِنْهُ فَطَلَبَاهُ إلَيْهِمَا فَامْتَنَعَ فَعَاتَبَهُ الْمَهْدِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ لِلْعِلْمِ نَضَارَةً يُؤْتَى أَهْلُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: الْعِلْمُ أَهْلٌ أَنْ يُوَقَّرَ وَيُؤْتَى أَهْلُهُ، فَأَمَرَهُمَا وَالِدُهُمَا بِالْمَصِيرِ إلَيْهِ، فَسَأَلَهُ مُؤَدِّبُهُمَا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ: إنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ يَقْرَءُونَ عَلَى الْعَالِمِ كَمَا يَقْرَأُ الصِّبْيَانُ عَلَى الْمُعَلِّمِ، فَإِذَا أَخْطَئُوا أَفْتَاهُمْ، فَرَجَعُوا إلَى الْخَلِيفَةِ فَعَاتَبَهُ الْمَهْدِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ سَمِعْنَا هَذَا الْعِلْمَ مِنْ رِجَالٍ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَابْنُ هُرْمُزَ، وَمِنْ بَعْدِهِمْ أَبُو الزِّنَادِ وَرَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ شِهَابٍ كُلُّ هَؤُلَاءِ يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْرَءُونَ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: فِي هَؤُلَاءِ قُدْوَةٌ، صِيرُوا إلَيْهِ فَاقْرَءُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا.

وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ طَلَبُوهُ لِمَا عِنْدَ اللَّهِ لَهَابَهُمْ النَّاسُ وَلَكِنْ طَلَبُوا بِهِ الدُّنْيَا فَهَانُوا عَلَى النَّاسِ وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا زَالَ الْعِلْمُ عَزِيزًا حَتَّى حُمِلَ إلَى أَبْوَابِ الْمُلُوكِ وَأَخَذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا فَنَزَعَ اللَّهُ الْحَلَاوَةَ مِنْ
قُلُوبِهِمْ وَمَنَعَهُمْ الْعَمَلَ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَصُونَ الْعِلْمَ وَلَا يَبْذُلُهُ وَلَا يَحْمِلُهُ إلَى النَّاسِ خُصُوصًا إلَى الْأُمَرَاءِ، وَرُوِيَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ أَنْشَدَ لِنَفْسِهِ:

يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَا ***رَأَوْا رَجُلًا عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَمَا
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمْ هَانَ عِنْدَهُمْ ***وَمَنْ لَزِمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا
وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ الْعِلْمِ إنْ كَانَ كُلَّمَا ***بَدَا طَمَعٌ صَيَّرْتُهُ لِي سُلَّمَا
وَمَا كُلُّ بَرْقٍ لَاحَ لِي يَسْتَفِزُّنِي ***وَلَا كُلُّ مَنْ فِي الْأَرْضِ أَرْضَاهُ مُنْعِمَا
إذَا قِيلَ هَذَا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى ***وَلَكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحْتَمِلُ الظَّمَا
وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ الْعِلْمِ مُهْجَتِي ***لِأَخْدِمَ مَنْ لَاقَيْتُ لَكِنْ لِأُخْدَمَا
أَأَشْقَى بِهِ غَرْسًا وَأَجْنِيهِ ذِلَّةً ***إذًا فَاتِّبَاعُ الْجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُمْ ***وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَا
وَلَكِنْ أَذَلُّوهُ فَهَانَ وَدَنَّسُوا ***مُحَيَّاهُ بِالْأَطْمَاعِ حَتَّى تَجَهَّمَا

وَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ إلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْحُضُورَ إلَيْهِ لِأَجْلِ مَسْأَلَةٍ وَقَعَتْ لَهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ حَمَّادُ إنَّا أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ وَهُمْ لَا يَأْتُونَ أَحَدًا، فَإِنْ وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فَأْتِنَا فَاسْأَلْنَا عَمَّا بَدَا لَكَ. وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ..)

 

"الآداب الشرعية" لابن مفلح   55:53/2

تم التعديل بواسطة خالد المنصوري

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×
×
  • اضف...