اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
أبو عمار علي الشمري

تعارض الجرح والتعديل وأثره في التعامل مع الفتنة التي ترتبت على كلام الشيخ محمد بن هادي وفقه الله/بقلم عبيد الشمري

Recommended Posts

تعارض الجرح والتعديل وأثره في التعامل مع الفتنة التي ترتبت على كلام الشيخ محمد بن هادي وفقه الله

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

أما بعد : فلا ريب أن علم الجرح والتعديل علم جليل القدر عظيم الفائدة فبه حماية الدين وصيانة العقيدة والشريعة ، ولهذا أولى العلماء هذا العلم الشريف عناية كبيرة واهتموا به اهتماما عظيما وألفوا في بيان أصوله وقواعده المؤلفات النافعة التي ضبطت وجمعت مهمات مسائله .

وما حدث من فتن منهجية مظلمة في الآونة الأخيرة جعلت السلفيين يتيقنون من حاجتهم الماسة لضبط القواعد والأصول السلفية والعلمية لكي يتسلحوا للوقوف في وجه هذه الفتن المدلهمة التي يرقق بعضها بعضا . فما إن تماثلت جراح السلفيين للشفاء من جراء فتنة الحلبي وعبد اللطيف الكردي وأمثالهم وما أثاروه على السلفيين من قواعدهم المريضة وفهومهم السقيمة ومن ذلك تخبطاتهم وتخليطاتهم في مسائل الجرح والتعديل واستهانتهم بأقوال علماء الجرح والتعديل وقولهم إنها اجتهادية وغير ملزمة ولا الزام في قبولها ، مما تسبب في انجراف كثير من السلفيين ورائهم ممن لا علم عنده ولا رسوخ بقواعد العلم . وقد قام كثير من أهل العلم وطلبته برد هذه المقالة وبيان بطلانها.

فإذا بنا اليوم نفجأ بهذه الفتنة الجديدة التي جرت على السلفيين شرا مستطيرا ، فلما تكلم الشيخ محمد بن هادي في نقد وتبديع مجموعة كبيرة من طلبة العلم السلفيين من طلاب الشيخ ربيع والشيخ عبيد الجابري فقوبل هذا النقد المؤلم بتزكيات من الشيخ ربيع والشيخ عبيد تضمنت دفاعا قويا عن المنتقدين وبينت هذه التزكيات أن النقد المذكور لا وجه له ولا دليل عليه ولا يكفي لإدانة المذكورين وأن المذكورين معروفون عند أهل العلم بسلفيتهم واستقامة منهجهم فلا يزحزحون عن ذلك إلا بأدلة واضحة وكافية تصلح للطعن فيهم وأيد هذا مؤخرا الشيخ حسن بن عبد الوهاب البنا حفظه الله ، فلما حصل هذا كثر الكلام هنا وهناك وتخبط الكثيرون في تقرير المسائل والأصول واعتقد بعض من لم تنضبط عنده قواعد علم الجرح والتعديل أن كل نقد أو جرح يجب قبوله تمسكا منهم بقاعدة (الجرح مقدم على التعديل ) واعتقدوا أن القاعدة على إطلاقها ولم يفرقوا بين الجرح الصادر بشأن المجهولين وبين الجرح الصادر بشأن من ثبتت عدالتهم وعرفوا بسلامة المنهج وكذا لم يفرقوا بين الجرح المبني على الأدلة الكافية وبين من ليس كذلك ، فقد ترتب على هذا الفهم والتطبيق الخاطئ لهذه القاعدة نتائج خطيرة فرقت السلفيين هنا وهناك ، فوقعت الفتنة فصار كثير من السلفيين يلقبون اخوانهم بالصعافقة في البلاد الجزائرية والمغربية وفي مصر وفي الخليج والعراق وغيرها من البلدان ويتبادلون الشتائم والطعونات بل أن الأمر تعدى إلى أكثر من ذلك وهو الوقيعة في أهل العلم وانتقاصهم بعبارات نابية ومشينة فحسبنا الله ونعم الوكيل .

فلذلك وجب على أهل العلم وطلبته أن يبينوا المراد من هذه القاعدة ويوضحوا التطبيق الصحيح لها كي لا تختلط الأمور ويرجع من يريد الحق إلى الجادة الصحيحة وتنحسر الفتنة .        

ولا ريب من أنه لا يجوز لكل أحد أن يتجرأ لإطلاق الأحكام تجريحا أو تعديلا إلا المختصون العارفون بهذا الشأن هذا أولا وكذلك يجب أن يعلم أنه ليس كل جرح يؤثر في المجروح ولو كان صادرا من عالم معروف ولهذا لم يقبل العلماء كثيرا من الأقوال في نقد الرجال لما وجودوها مخالفة لأصول هذه الصنعة ومن ذلك :

أولا : لم يقبل الأئمة كلام الأقران بعضهم في بعض لما تبين أن الحامل عليه هو الحسد والمنافسة والغضب ومثاله كلام ابن أبي ذئب في الإمام مالك وكلام الإمام مالك في محمد بن اسحاق صاحب السيرة .

ثانيا :  ولم يقبلوا الكلام فيمن اشتهرت إمامته واستفاضت عدالته ومثاله كلام ابن معين في الشافعي .

ثالثا : ولم يقبلوا جرح من أفرط في الجرح ومثاله كلام أبي نعيم وعفان

رابعا : وكذا لم يقبلوا الجرح الذي أقام المعدل الدليل على خطأه أو عدم كفايته فإن قواعد هذا العلم الشريف تقضي بعدم اعتباره  وهذا الأخير هو الذي سيتركز عليه الكلام أكثر لتعلقه المسيس بهذه الفتنة الحاصلة ، فمن المعلوم أن من قواعد هذا العلم الشريف أن الجرح المبهم لا يقبل إذا عارضه تعديل إلا إذا كان الجرح مفسرا.

ولكن كلامنا هنا فيما إذا أثبت المعدل خطأ قول الجارح أو عدم كفايته فالجرح مردود وغير مؤثر . وتحت هذا المبحث فوائد مهمة .

وقبل الاسترسال في الكلام يجب التنبيه إلى مسألة مهمة وهي في بيان أن الجرح المبهم غير المفسر له حالتان :

الأولى : إذا كان في مجهول لم تثبت عدالته قبل الجرح مبهما من غير ذكر سببه إذا صدر من عارف بأسبابه .

قال الحافظ في لسان الميزان (212/1) : فأما من جهل حاله ولم يعلم فيه سوى قول إمام من أئمة الحديث: إنه ضعيف ، أو متروك ، أو ساقط ، أو لاَ يُحْتَجُّ به , أو نحو ذلك فإن القول قوله ، وَلا نطالبه بتفسير ذلك إذ لو فسره وكان غير قادح لمنعتنا جهالة حال ذلك الرجل من الاحتجاج به كيف وقد ضعف. فوجه قولهم : إن الجرح لا يقبل إلا مفسرا هو في من اختلف في توثيقه وتجريحه .

الحالة الثانية : إذا كان الجرح في من ثبتت عدالته فإنه لا يقبل إلا إذا كان مفسرا ، وهذه الحالة هي المتعلقة بمسألتنا هذه وفيما يلي نقولات عن أهل العلم في بيان ذلك :

قال الحافظ ابن حجر في النزهة (139):

والجَرْحُ مُقَدَّمٌ عَلى التَّعْديلِ  وأَطلقَ ذلك جماعةٌ  ولكنَّ محلَّهُ إِن صَدَرَ مُبَيَّناً مِن عَارِفٍ بأَسْبَابِهِ لأنَّه إِنْ كانَ غيرَ مفسَّرٍ لم يَقْدَحْ فيمَنْ ثبَتَتْ عدالَتُه ، وإِنْ صدَرَ مِن غيرِ عارفٍ بالأسبابِ لم يُعْتَبَرْ بهِ أيضاً . (( فإن خلا المجروح عن التعديل قُبِلَ الجرح فيه مجملاً غير مبين السبب إذا صدر من عارف )). 

قال السيوطي في التدريب(362/1) :

 واختار شيخ الإسلام تفصيلا حسنا، فإن كان من جرح مجملا، قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن، لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنا من كان إلا مفسرا ; لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا من اعتبروا حاله في دينه، ثم في حديثه، وتفقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينقض حكم أحدهم إلا بأمر صريح، وإن خلا عن التعديل قبل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف ; لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجرح فيه، أولى من إهماله.

وقال المعلمي في التنكيل (265/1) : وفي (فتح المغيث) للسخاوي ص 130 عن محمد بن نصر المروزي: «كل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحه»

وقال الحافظ العراقي في شرح الألفية (335/1) :

268... وَصَحَّحُوا قَبُوْلَ تَعْدِيْلٍ بِلاَ ... ذِكْرٍ لأسْبَابٍ لَهُ، أنْ تَثْقُلاَ

269... وَلَمْ يَرَوْا قَبُوْلَ جَرْحٍ أُبْهِمَا ... لِلْخُلْفِ في أسبَابِهِ، وَرُبَّمَا

270...اسْتُفْسِرَ الجَرْحُ فَلَمْ يَقْدَحْ، كَمَا ... فَسَّرَهُ شُعْبَةُ بِالرَّكْضِ فَمَا

ثم قال في شرحها :

وأما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا مبين السبب؛ لأن الجرح يحصل بأمر واحد، فلا يشق ذكره؛ ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح. فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحا، وليس بجرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه، ليظهر أهو قادح أم لا؟

ويدل على أن الجرح لا يقبل غير مفسر، أنه ربما استفسر الجارح، فذكر ما ليس بجرح.

فقد روى الخطيب بإسناده إلى محمد بن جعفر المدائني، قال: قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون، فتركت حديثه.

وقولي في آخر البيت: (فما) ، أي: فماذا يلزم من ركضه على برذون. وروى بن أبي حاتم، عن يحيى بن سعيد، قال: أتى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتا فتركه. قال بن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: يعني أنه سمع قراءة بألحان فكره السماع منه من أجل ذلك. هكذا قال أبو حاتم في تفسير الصوت. وقد روى الخطيب بإسناده إلى وهب بن جرير، قال: قال شعبة: أتيت منزل المنهال بن عمرو فسمعت منه صوت الطنبور، فرجعت. فقيل له: فهلا سألت عنه أن لا يعلم هو. وروينا عن شعبة قال: قلت للحكم بن عتيبة: لم لم ترو عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام. وقال محمد بن حميد الرازي: حدثنا جرير قال: رأيت سماك بن حرب يبول قائما، فلم أكتب عنه. وقد عقد الخطيب لهذا بابا في " الكفاية ". انتهى

وترجم البيهقي باب : لا يقبل الجرح فيمن ثبتت عدالته إلا بأن نقف على ما يجرح به ".

وقال الصنعاني في توضيح الأفكار(108/2):

والقسم الثاني: ما أفاده قوله "وأما إن بين" الجارح "السبب" الذي جرح به "نظرنا في ذلك السبب وفي العدل الذي ادعى عليه ونظرنا أي الجوائز" الأمور الجائز وقوعها في حقه "أقرب" للحكم به "فإن اقتضت القرائن والأمارات والعادة والحالة من العداوة ونحوها أن الجارح واهم في جرحه" بجعله ما ليس بجارح جارحا "أو كاذب" في جرحه "أو غاضب" على من جرحه "رجح له التغضب عند سورته" بفتح المهملة وسكون الواو شدته "قرينة ضعيفة فقال بمقتضاها ونحو ذلك قدمنا التعديل" لعدم نهوض القادح على رفعه.

إلى أن قال :

"ومن أمثلة ذلك على كثرتها قول مالك" الإمام المعروف "في محمد بن اسحق" صاحب السيرة "إنه دجال من الدجاجلة" هو مقول قول مالك "أي كذاب" قال يحيى بن آدم ثنا ابن إدريس قال كنت عند مالك فقيل له إن ابن اسحق قال اعرضوا على حديث مالك فأنا بيطاره فقال مالك انظروا إلى دجال الدجاجلة ذكره الذهبي في الميزان "فإن من هو في مرتبة مالك في الثقة" من الأئمة "قد أثنوا على محمد بن اسحق" قال الذهبي في الميزان وثقة غير واحد ووهاه آخرون كالدارقطني وهو صالح الحديث ماله عندي ذنب إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنقطعة المنكرة والأشعار المكذوبة قال ابن معين ثقة وليس بحجة وقال علي بن المديني حديثه عندي صحيح وقال يحيى بن كثير سمعت شعبة يقول ابن اسحق أمير المؤمنين في الحديث...ثم قال :

"ولكن حال الغضب مع العداوة في الدين يقع فيها مثل هذا إما لمجرد غلبة الطبع أو لمجرد أدنى تأويل" وعلى كل تقدير فلا يقبل ولا يعمل به لأن الجرح إخبار عن حكم شرعي وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم الحاكم وهو غضبان والأصح عدم صحة حكمه في حال غضبه كما قررناه في سبل السلام.

تنبيه : وقد تقدم أن الأئمة لم يقبلوا جرح من أفرط فيه ولهذا قال العلامة عبد الرحمن المعلمي في مقدمة الجرح والتعديل (ص:ج )

" وقد كان من أكابر المحدثين وأجلهم من يتكلم في الرواة فلا يعول عليه ولا يلتفت إليه" .

قال الإمام علي المديني وهو من أئمة هذا الشأن :

" أبو نعيم وعفان صدوقان ولا أقبل كلامهما في الرجال هؤلاء لا يدعون أحداً إلا وقعوا فيه " .

أبو نعيم وعفان من الأجلة والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال ومع ذلك لا نكاد نجد في كتب الفن نقل شيء من كلامهما " .

قال الشيخ  ربيع : فهذا أبو نعيم على فضله وجلالته وثناء الإمام أحمد وغيره عليه لا يقبل منه جرح ولا تعديل وأنت ترى أن جرحه هنا في العقيدة فلم يقبله لا يحيى بن معين ولا ابن المديني ولا غيرهما وكذلك عفان بن مسلم -رحمه الله- على فضله ودينه وعلمه لم يقبل أئمة النقد منه جرحاً ولا تعديلاً ويشير كلام المعلمي إلى أن لهما نظراء .انتهى

فائدة :  حول صحيح مسلم تبين أن الجرح لا يؤثر إذا تبين خطأه .

فلما تكلم الإمام أبو زرعة في صحيح مسلم بين الإمام مسلم خطأ النقد فلم يؤثر ذلك شيئا في مكانة الصحيح .

وذلك فيما ذكره الزركشي في النكت على ابن الصلاح (346/3):

حيث قال :

قال أبو عثمان سعيد بن عمرو سمعت أبا زرعة الرازي - وقد ذكر له كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم - فقال هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا فيه شيئا يتشرفون به وألفوا كتبا لم يسبقوا إليها ليقيموا لأنفسهم رئاسة قبل وقتها وأتاه ذات يوم وأنا شاهد رجل بكتاب الصحيح رواية مسلم فجعل ينظر فيه فإذا هو قد حدث عن أسباط بن نصر فقال أبو زرعة ما أبعد هذا من الصحيح يدخل في كتابه أسباط بن نصر ثم رأى فيه قطن بن نسير فقال لي هذا أطم من الأول قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت جعلها عن أنس ثم نظر وقال يروي عن أحمد بن عيسى في كتاب الصحيح قال لي أبو زرعة ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد بن عيسى وأشار أبو زرعة إلى لسانه - كأنه يقول الكذب ثم قال لي يحدث عن هؤلاء ويترك محمد بن عجلان ونظراءه قال ورأيته يذم من وضع هذا الكتاب فلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه فقال لي مسلم إنما قلت صحيح وإنما أدخلت من حديث اسباط بن نصر وقطن بن نسير وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول فأقتصر على الأول وأصل الحديث معروف من رواية الثقات .

فائدة  : حول صحيح البخاري تبين أن الراوي إذا عدله وزكاه إمام مشهور من أئمة هذا الشأن لا يؤثر فيه تجريح من جرحه حتى يقيم البرهان على ذلك الجرح .

قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح (384/1) :

الفصل التاسع في سياق أسماء من طعن فيه من رجال هذا الكتاب

ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام فلا يقبل إلا مبين السبب مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا أو في ضبطه لخبر بعينه لأن الأسباب الحاملة للأئمة على الجرح متفاوتة منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح .

ثم سرد الحافظ بن حجر أمثلة كثيرة على جرح بعض رجال الصحيح وبين عدم تأثيرها ونذكر بعضها للفائدة :

أحمد بن صالح المصري أبو جعفر بن الطبري أحد أئمة الحديث الحفاظ المتقنين الجامعين بين الفقه والحديث أكثر عنه البخاري وأبو داود واعتمده الذهلي في كثير من أحاديث أهل الحجاز ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فيما نقله عنه البخاري وعلي بن المديني وبن نمير والعجلي وأبو حاتم الرازي وآخرون وأما النسائي فكان سيء الرأي فيه ذكره مرة فقال ليس بثقة ولا مأمون  ... قال أبو جعفر العقيلي كان أحمد بن صالح لا يحدث أحدا حتى يسأل عنه فلما أن قدم النسائي مصر جاء إليه وقد صحب قوما من أهل الحديث لا يرضاهم أحمد فأبى أن يحدثه فذهب النسائي فجمع الأحاديث التي وهم فيها أحمد وشرع يشنع عليه وما ضره ذلك شيئا وأحمد بن صالح إمام ثقة قال الخليلي اتفق الحفاظ على أن كلامه فيه تحامل وهو كما قاله وروى البخاري في الصحيح أيضا عن رجل عنه وكذا الترمذي .

أحمد بن عبد الملك بن واقد الحراني وقد ينسب إلى جده قال بن نمير تركت حديثه لقول أهل بلده وقال الميموني قلت لأحمد إن أهل حران يسيئون الثناء عليه فقال أهل حران قل أن يرضوا عن إنسان هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له قلت فأفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله وهو غير قادح وقد قال أبو حاتم كان من أهل الصدق والإتقان روى عنه أحمد في مسنده والبخاري في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديث شورك فيها عن حماد بن زيد وروى له النسائي وبن ماجة .

 أحمد بن عيسى التستري المصري عاب أبو زرعة على مسلم تخريج حديثه ولم يبين سبب ذلك وقد احتج به النسائي مع تعنته وقال الخطيب لم أر لمن تكلم فيه حجة توجب ترك الاحتجاج .

بشر بن السري أبو عمرو البصري الأفوه سكن مكة قال البخاري كان صاحب مواعظ فلقب الأفوه وقال أحمد كان متقنا للحديث عجبا ثم تكلم في الرؤية في الآخرة فوثب به الحميدي فاعتذر فلم يقبل منه وقال بن معين رأيته بمكة يستقبل البيت ويدعو على قوم يرمونه برأي جهم ووثقه هو وعبد الرحمن بن مهدي والعجلي وعمرو بن علي والدارقطني وقال إنما وجدوا عليه في أمر المذهب فحلف واعتذر من ذلك وقال بن عدي له أفراد وغرائب عن الثوري وهو ثقة في نفسه لا بأس به .انتهى

هذا وإن من أعظم الأمور التي تخبط فيها فالح الحربي ومن تبعه من الحدادية أنهم يجرحون السلفيين بما لا يعد جرحا عند العلماء  وقد رد عليه الشيخ ربيع ذلك كما في نصيحته لفالح الحربي من المجموع (151/9) حيث قال حفظه الله مخاطبا فالح الحربي :

ثانياً- قال السائل :" لأنهم قد يقولون قد يجرح الشيخ بما لا يعتبر جرحاً عند غيره ؟

فقلتم عفا الله عنكم:" لا لا هذه من قاعدتهم أعوذ بالله هذه قاعدة ظالمة قاعدة ضللت الأمة هذه قاعدتهم هذه قاعدة ابتدعوها هم ".

أقول : سامحك الله هذه قاعدة أئمة السنة والحديث وليست بظالمة بل هي من صميم العدل الذي جاء به الإسلام لأن العالم قد يخطئ في الجرح أو في التعديل فيصحح أخوه خطأه في هذا أو هذا .

وقد يجرح العالم بغير جارح فيرد العلماء النقاد جرحه إنصافاً لمن وقع عليه هذا الجرح وقد مرت بك الأمثلة.

نعم إذا كان الجارح من العلماء الأمناء العارفين بأسباب الجرح والتعديل والمعترض جاهل أو صاحب هوى فلا عبرة باعتراضه. انتهى

فمما سبق من كلام أهل العلم يتبين لنا جليا أن المعدل إذا أقام الحجة على خطأ الجرح لم يقبل الجرح ولو كان صادر من عالم معروف .

الخلاصة :

فتلخص لدينا التعامل الصحيح مع الخلاف الذي حصل بين الشيخ ربيع والشيخ عبيد من جهة وبين الشيخ محمد بن هادي من جهة وهو كالآتي:

أولا : أن نقد الشيخ محمد لهؤلاء المذكورين تضمن تبديعا لهم وهذا أمر زائد على التخطئة والتحذير، والاخراج من السلفية يحتاج إلى أدلة تثبت أنهم خالفوا أصول المنهج السلفي ولو في مسألة واحدة أما ما يذكر أن بعضهم وقع في الكذب أو أن بعضهم ضعيف في العلم أو وقوع أحدهم في سالف أمره ببعض الذنوب وبعضها من قبيل زلة اللسان أو صدرت من غفلة أو أمور تراجعوا عنها أو اختلاف في وجهات النظر أو أمور لم تثبت فهذه كلها ليست من الأمور التي يبدع بها المسلم فكان الواجب مناصحتهم فيها قبل التشهير والتحذير والتبديع ، ولو كان الأمر متعلقا بشخص أو اثنين لهان الخطب ولكنه شمل أكثر من (14) شخص .

ثانيا : لقد علمنا مما نشر حول الموضوع أن هذا التبديع لم يسبق بنصيحة من الشيخ محمد لهؤلاء رغم مطالبتهم له مسبقا بإسداء النصيحة ولم يحصل شيء من ذلك ولما طلب منه أن يجلس معهم في مقام الأب المعلم وهذا بعد كلامه فيهم قال : لن أجلس معهم في الأرض ولا في السماء ،  وقال هؤلاء ليسوا بسلفيين.

ثالثا : نحن لا ننكر أن المذكورين وقعت منهم بعض الأخطاء فمن يسلم من الخطأ ، ولكن أخطاءهم لا تنهض لتبديعم أو التشهير بهم ، ثم إنهم لما بينت لهم بعض الأخطاء تراجعوا عنها  .

رابعا : إن هذا التبديع قابله تزكية قوية وتعديل من الشيخ ربيع والشيخ عبيد بعد مطالبتهم للشيخ محمد بتقديم الأدلة التي تدين المذكورين ولم يبين الشيخ محمد حتى الآن شيئا من ذلك أما ما قدمه أولا فلم يعده الشيخ ربيع والشيخ عبيد شيئا وكذا الشيخ عبدالله البخاري والشيخ حسن عبد الوهاب البنا  .

خامسا : لقد ترتب على كلام الشيخ محمد شرخ كبير بين السلفيين وصدع في صفهم مما فرق السلفيين في العالم فأين مفسدة السكوت عن هؤلاء من هذا الفساد الذي حصل هذا إذا سلمنا أن السكوت عنهم مفسدة فكان الواجب مراعاة المصالح والمفاسد فإنكار المفسدة إذا كان يترتب عليه مفاسد أعظم وجب تركه وأي فساد أعظم من تفرقة السلفيين فما زالت جراحنا تنزف وجسدنا مثخن بالطعنات ( وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع السنان المهند ) ألا يكفي السلفيين ما فعل بهم الحلبي وعبد اللطيف الكردي .

 فلا يسعنا نحن السلفيين إلا القول بذلك تمسكا منا بالقواعد العلمية والأصول السلفية من غير تعصب منا لقول عالم من العلماء فالعلماء وإن كانوا أحباءنا فالحق أحب إلينا من الرجال وكما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه كلمته المشهورة ( اعرف الحق تعرف أهله ) وفي نفس الوقت نوجه نصيحة لجميع اخواننا السلفيين أن يتركوا التناحر والتراشق بينهم بالكلام المشين وأن يتقوا الله في أعراض المسلمين وخاصة أهل العلم منهم ويحذروا الوقيعة فيهم وأن يدعوا للمخطئ منهم بالهداية والتوفيق للرجوع إلى الحق .

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطئنا واغفر لنا ولعلمائنا وتجاوز عنا واجمع كلمتنا وألف بين قلوبنا وصلي اللهم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

كتبه : عبيد الشمري  في الثاني من ذي الحجةِ من عام 1439

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×
×
  • اضف...