اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
محمود الزوبعي

النور البادي في رد القواعد المحدثة التي ظهرت في فتنة د. محمد بن هادي.

Recommended Posts

بسم الله الرحمن الرحيم

النور البادي

في رد القواعد المحدثة التي ظهرت في فتنة د. محمد بن هادي.

الرد على قاعدة: التثبت من أخبار الثقات.

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

ففي كل فتنة تمر, تظهر لنا قواعد وأصول جديدة تخالف قواعد وأصول أهل السنة والجماعة, الغاية منها ضرب المنهج السلفي وترويج المناهج الضالة المنحرفة, فمنذ أن خرج الخوارج في صدر الإسلام, وتبعهم الجهمية والقدرية والمرجئة والمعتزلة, وهلم جرا الى الفرق المعاصرة, مثل الإخوان المسلمين, وجماعة التبليغ, والقطبية, والسرورية,  وغيرهم, نجد أن كل فرقة لها أصولها وقواعدها الخاصة بها, والتي خالفت بها أصول الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة.

مع أن أصول الفرق الضالة تتجدد وتتلون وتتطور لتروج على الناس, وقد تتداخل الأصول فتجد الأصل الواحد مشتركا بين عدة فرق.

وقد رد العلماء قديما وحديثا على هذه الأصول الفاسدة, وبينوا زيفها ومخالفتها للأدلة الشرعية .

ونحن في هذه الأيام نمر بفتنة كبيرة, هي فتنة د. محمد بن هادي المدخلي رده الله إلى الصواب, وهي فتنة عظيمة فرقت السلفيين في كل العالم , وبدأت تظهر أصول وقواعد جديدة أو قواعد قديمة ألبست ثيابا جديدة.

ومن هذه القواعد القديمة الجديدة قاعدة (التثبت من أخبار الثقات) ولو سميت هذه القاعدة بـقاعدة (التشكيك في أخبار الثقات) لكانت أحق بها وأهلها.

فأصحاب هذه القاعدة لا يريدون التثبت من الأخبار, إنما يريدون التشكيك بالأخبار الثابتة, بغية ردها, لأنها لا توافق أهوائهم وفيها نقد لهم ولمتبوعيهم, وهذا الأمر ظاهر لمن سبر أحوال القوم وعرف مقاصدهم.

قال الشيخ ربيع حفظه الله في مقاله (التثبت في الشريعة الإسلامية/2): ( والحقيقة أن الرجل يتلاعب وليس قصده التثبت الشرعي قصده المحاماة بالباطل وإثارة الفتن والشغب في أوساط السلفيين وإسقاط علمائهم). أهـ

وهل يكون التثبت إلا من الأخبار المشكوك في ثبوتها؟, أما الأخبار الثابتة ورواتها الثقات, فكيف يكون التثبت منها؟, مع أنها ثابتة, هل هذه إلا سفسطة, المقصود منها التشكيك بما لا شك فيه, وكما يقال: (من الصعب توضيح الواضح).

وهذه القاعدة مخالفة لكتاب الله تعالى ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم ولما عليه علماء المسلمين, و لما جرى عليه العمل, منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا.

فمن الأدلة على فسادها من كتاب الله قوله تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (/الحجرات6)}

قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسيره: (الواجب عند خبر الفاسق، التثبت والتبين، فإن دلت الدلائل والقرائن على صدقه، عمل به وصدق، وإن دلت على كذبه، كذب، ولم يعمل به، ففيه دليل، على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب، مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه كما ذكرنا). أهـ

وقال تعالى :{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} التوبة.

قال الشيخ ربيع حفظه الله في مقاله (التثبت في الشريعة الإسلامية/2): (ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية). أهـ

وأصحاب هذه القاعدة الباطلة يريدون أن نجعل خبر الثقة مثل خبر الفاسق, وهذا التأصيل مخالف لما أمر الله جل وعلا به كما هو واضح.

أما الأدلة من السنة على فساد هذه القاعدة:

فهي ما  تواتر من  قوله وفعله عليه الصلاة والسلام, فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث رسله الى أقطار الأرض, معلمين وأمراء ورسل, فيبلغون الناس كلام الله وكلام رسوله -عليه الصلاة والسلام-, وتقوم الحجة على الناس بذلك, كما بعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما إلى اليمن, ومصعب بن عمير رضي الله عنه  إلى المدينة قبل الهجرة, وأرسل رسله إلى ملوك الأرض مثل هرقل وكسرى والنجاشي والمقوقس وغيرهم , ولو كان خبر الثقة لا تقوم به الحجة لأنه غير مقبول أو أنه ظني الثبوت أو لابد من التثبت منه , لكان لابد من أمر زائد يؤكد صدق هؤلاء الرسل, وهذا خلاف الواقع, فقد قامت بهم الحجة على الناس, وتم بذلك تبليغ رسالة الله إلى من أٌرسلوا إليهم.

وقد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما أمره ربه جل وعلا به, قال تعالى:{ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)} المائدة.

وحاشاه عليه الصلاة والسلام أن يتأخر عما أمره به ربه سبحانه وتعالى.

 

قال ابن قدامة رحمه الله في (روضة الناظر 1/313 – 326): (فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا  فهو قول الجمهور,

خلافًا لأكثر القدرية وبعض أهل الظاهر, ولنا دليلان قاطعان:

أحدهما: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على قبوله,

فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها...). أهـ

وذكر رحمه الله عدة أحاديث فيها عمل الصحابة رضي الله عنهم بخبر الواحد دون أن يعترض عليهم أحد.

ثم قال رحمه الله: (والدليل الثاني: ما تواتر من إنفاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات وتبليغ الرسالة, ومن المعلوم,  أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به). أهـ

فثبت بطلان هذه القاعدة من كتاب الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أما فساد هذه القاعدة عند علماء الأمة قديما وحديثا.

فهو أمر متواتر معلوم بالضرورة, حيث لا تجد عندهم نزاعا في قبول خبر الثقة ولا تجد خلافا معتبرا في ذلك.

حتى لو قال الشيخ المحدث: (ما حدثت فلانا), وكان الراوي ثقة, فإنهم لا يسقطون حديثه, بل يحملون ذلك على أن الشيخ حدث ونسي, وعقدوا لذلك باب من حدث ونسي.

قال ابن الصلاح رحمه الله في(معرفة أنواع علوم الحديث /237): ( وَقَدْ رَوَى كَثيرٌ مِنَ الأكَابِرِ أحادِيْثَ نَسَوْها بعدَ ما حُدِّثُوا بها عَمَّنْ سَمِعَها منهُمْ، فكَانَ أحَدُهُمْ يقُولُ: حدَّثَنِي فلاَنٌ عَنِّي عَنْ فلانٍ بكذا وكذا, وجَمَعَ الحافِظُ الخطيبُ ذلكَ في كِتَابِ (أخْبَارِ مَنْ حَدَّثَ ونَسِيَ)). أهـ

 

وقال السخاوي رحمه الله في (شرح الفية الحديث 2/87):

(وقد صنف الدارقطني، ثم الخطيب: (من حدث ونسي)، وفيه ما يدل على تقوية المذهب الأول الصحيح - قبول رواية الفرع حتى لو أنكرها الأصل-; لكون كثير منهم حدث بأحاديث، ثم لما عرضت عليه لم يتذكرها، لكن لاعتمادهم على الرواة عنهم صاروا يروونها عن الذي رواها عنهم عن أنفسهم.

وقال أيضا رحمه الله في (شرح الألفية (2/86)):(فإن عدالة الفرع تقتضي صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافيه، فالمثبت الجازم مقدم على النافي، خصوصا الشاك). أهـ

أقول: هذا هو الإنصاف والعدل, وهذا هو المنهج العلمي الصحيح, فإن الثقة الصادق لا يكذب, ولكن قد ينسى الشيخ حديثه.

ويظهر بذلك فساد مسلك من يطلب التثبت في أخبار الثقات,    ومع هذا التثبت فإذا خالفت الأخبار مذهبهم ردوها بأدنى الحيل, فإذا وافقت مذهبهم قبلوها على أي حال.

وقال الذهبي رحمه الله في (من تُكُلِّمَ فيه وهو موثق أو صالح الحديث /22):(الثقة العارف إذا قال: إن الحديث صحيح عنده وجزم بذلك، ولم يكن له في التصحيح قاعدة معلومة الفساد، وجب قبول حديثه بالأدلة العقلية والسمعية الدالة على قبول خبر الواحد، وليس ذلك بتقليدٍ له، بل عمل بمقتضى ما أوجبه الله تعالى من قبول أخبار الثقات). أهـ

وقال ابن الوزير رحمه الله في (الروض الباسم 2/135):

(متى فرضنا أنّ المعدّل ثقة مأمون, وأخبرنا خبراً جازماً بعدالة رجل آخر فإنّه يجب قبول قوله, لأنّه خبر ثقة معروف بالعدالة, فوجب قبوله كسائر أخبار الثقات). أهـ

وقال الشيخ ربيع حفظه الله في (كلمة مفرغة وهي ضمن مقالات الشيخ ربيع/ 21):(وقبول أخبار الثقات أمر ضروري لابد منه). أهـ

وقال أيضا حفظه الله في (حقيقة المنهج الواسع عند أبي الحسن /2):(ومنها- قاعدة التثبت التي لا يقصد بها التثبت المشروع وإنما يقصد بها رد الحق وإسقاط أهله من علماء السنة والمنهج السلفي فمهما كثر عددهم وتطابقت فتاواهم من غير توافق ومهما أقاموا من البراهين فإن هذا الأصل كفيل بإسقاطهم على كثرتهم وقوة حججهم وبراهينهم فأبو الحسن لا يؤمن بأخبار الثقات وفتاواهم مهما كثروا حتى يرى بعينه ويسمع بأذنه وهذا التثبت يشبه تثبت اليهود إذ قالوا لنبي الله موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وما شاكل ذلك من تعنت أعداء الرسل عليهم الصلاة والسلام ولقد قال تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذّب بالصدق إذ جاءه), ونحن لا نكفر هؤلاء الجهلة مع تخلقهم بهذه الأخلاق الرديئة التي جعلوها أصولاً). أهـ

 أقول: ثم أمثال هؤلاء حتى لو أتيتهم بالحجة والبرهان, فإنهم لا يقبلون الحق, لما أشرب في قلوبهم من الهوى.

قال الله تعالى: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)} الأنعام.

وقال الله تعالى: { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)} الحجر.

 ونحن لا نكفرهم كما قال الشيخ ربيع  حفظه الله, بل نذكر هذا من باب المشابهة في رد الحق, وكما يقول العلماء: (من فسد من علماءنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى).

وقال الشيخ ربيع حفظه الله في (جناية أبي الحسن على الأصول السلفية /3):(أبو الحسن يسير على منهج عدنان وغيره من أهل الباطل في رد الحق بدعوى أنه يأخذ بأصل التثبت فيقول: (أنا لا أقبل الكلام في أي شخص سواءً كان هذا الكلام في كتاب أو سمعته في شريط حتى أسمعه من الشخص المتكلم فيه أو اقرأه في كتابه)، ويرد فتاوى وأحكام العلماء الثقات القائمة على الأدلة بهذا الأسلوب الفاسد حتى لو سمع المتكلم أو قرأه من كتابه، ثم يقبل كلام من لعله مجهول أو فاسق أو كاذب، والحق أنَّ تثبته المزعوم إنما هو لرد الحق لا من أجل الوصول إليه، ولا لرد الباطل). أهـ

أقول: وهذه القاعدة من أخطر القواعد على الشريعة الإسلامية, لما فيها من رد الحق والتشكيك بأهل الصدق, وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان لما تحتويه هذه القاعدة من شر.

ولقد عمل بها ونظَّر لها أهل الكلام, من الجهمية, وأذنابهم من المعتزلة, والأشاعرة, وغيرهم, الذين طعنوا في أحاديث الصفات, وإن كانت مروية بأقوى الأسانيد ومسلسلة بالأئمة الحفاظ المتقنين, ودونت في أصح الكتب, فزعموا أنها أحاديث آحاد, وأنها ظنية الثبوت, لا تفيد العلم, إنما تفيد الظن, وزعموا أن العقيدة لا تؤخذ إلا مما هو قطعي الثبوت, فردوا معظم الأحاديث الثابتة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-, في الصحيحين والسنن والمسانيد والمصنفات, التي وصلت الينا بالأسانيد الصحيحة, والتي اتفقت الأمة على قبولها, فأسقطوا هذا الكم العظيم من السنة الصحيحة, ليعطلوا صفات الرب جل وعلا, ثم نظروا في النصوص المتواترة –قطعية الثبوت- فوجدوا فيها من إثبات الصفات ما يخالف مذهب التعطيل, فردوها أيضا أو حرفوها, وزعموا أنها ظنية الدلالة.

قال الشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله في (الصفات الإلهية/29):(ولهذا نرى أن عبارة القوم ينقض آخرُها أولَها، إذ لا معنى لكونها قطعية الثبوت ظنية الدلالة إلا رفض النصوص بهذا الأسلوب المخدِّر، هذا ما نفهمه من تلك العبارة التقليدية التي يرددها بعض علماء الكلام، وبعض الأصوليين الذين تأثروا بعلم الكلام، وهي قولهم: (إن الأدلة اللفظية قطعية الثبوت ظنية الدلالة)). أهـ

وزعموا أنه لابد من أن تعرض النصوص على العقل, فما أقره العقل قالوا به, وما رده العقل وجب تأويله, وادعوا أن العقائد لا تؤخذ إلا من الأدلة العقلية والمقدمات المنطقية, فضلوا وأضلوا معهم خلقا كثيرا.

ثم أتى عدنان عرعور, والمغراوي, وأبو الحسن المأربي, وزعموا كما زعم المتكلمون, أن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن, وكما يقال: (لكل قوم وارث).

وأضافوا أمرا آخر, وهو أنه لابد من التثبت من أخبار الثقات, فلا يعملون بخبر ولا يصدقونه, وإن كان رواته من اصدق الناس, إلا بعدما يتثبتوا منه, بأن يسمعونه بأنفسهم من المتكلم, أو يقرأونه في كتابه, وأرادوا بذلك رد الأحكام الثابتة عن الأئمة الأعلام, في أبواب الجرح والتعديل والحُكم على الفرق والرجال بما يناسب أحوالهم, فهم يدورون ويدندنون حول هذه الأبواب.

وقد رد عليهم الشيخ ربيع حفظه الله في عدة رسائل منها: (انقضاض الشهب السلفية على أوكار عدنان الخلفية, وموقف أبي الحسن من أخبار الأحاد, والتنكيل بما في لجاج أبي الحسن من الأباطيل, وتنبيه أبي الحسن إلى القول بالتي هي أحسن, وإعانة أبي الحسن على الرجوع بالتي هي أحسن).

وأبو الحسن وسلفه وخلفه, ممن سار على هذه القاعدة الباطلة, لهم دعاوى وحيل متنوعة في رد كلام العلماء, تطبيقا لقاعدة التثبت عندهم.

فتارة يدَّعون أن العلماء لم يطلعوا على آخر أقوال المُتَكَلَّم فيه, وهو قد رجع عن قوله, كما زعم ذلك أتباع سيد قطب.

وتارة يدَّعون أن أحكام العلماء على الرجال اجتهادية, كما زعم ذلك الحلبي, وادعى الحلبي أيضا أنه لابد من الإجماع لقبول جرح العالم.

وتارة يدَّعون أن العلماء بنوا أحكامهم على أخبار النمامين والجواسيس, كما قال ذلك عبد اللطيف الكردي.

وظهرت هذه الأيام مقولة أن العلماء يؤثر عليهم من حولهم, كما قال ذلك د. محمد بن هادي ومتعصبته.

وكل هذه الدعاوى باطلة, وهي خلاف الواقع, فإن العلماء لا يقبلون كلام كل من هب ودب, إنما يقبلون كلام من هو معروف عندهم بالصدق والأمانة, وهم أهل الخبرة والدراية والمعرفة بأحوال الرجال, فلا يحكمون على أحد ويجرحونه إلا بعد سبر حاله, ومناصحته, حتى إذا خالف أصول أهل السنة ولو أصلا واحدا, وأصرَّ ولم يرجع عن ذلك مع البيان له, يحكمون عليه بما يناسب حاله.

وقد سئل الشيخ العثيمين - رحمه الله- عن قواعد عرعور فأبطلها, ومما جاء في الأسئلة (نقلا عن كتاب الشيخ ربيع (انقضاض الشهب السلفية على أوكار عدنان الخلفية/53) :

(يشترط بعض الناس في جرح أهل البدع وغيرهم أن يثبت الجرح بأدلة قطعية الثبوت).

فأجاب ـ حفظه الله-: (هذا ليس بصحيح). أهـ

وقد سئل الشيخ الفوزان - حفظه الله- في (الكلمة الختامية لدورة الإمام مالك السلفية بدولة السنغال): السؤال الأتي: (ما نصيحتكم لمن يطعن في بطانة العلماء وحواشيهم, ويقول: (إن العلماء يؤثر فيهم بطانتهم وحواشيهم), هل هذا الكلام صحيح؟).

فأجاب: (هذا الكلام باطل, العلماء المعتبرون لا يؤثر فيهم التشكيك والتضليل, ولا يتأثرون بطلابهم ومن يجتمع إليهم, وإنما العكس, طلابهم يتأثرون بهم, وكل من حضر إليهم يتأثر بهم, فهذا الكلام الذي يتهم طلبة العلم بأنهم يضللون العلماء ويغوونهم, هذا كلام باطل وتثبيط من الشيطان)). أهـ

لكن أهل الزيغ والانحراف يريدون رد الأحكام الثابتة  بالشبهات الواهية, ويسمون ذلك تثبتا.

وهذا المسلك الخطير ليس له نظير عند عامة أهل العلم, فكتب الرجال والجرح والتعديل, وما فيها من الروايات وأخبار الثقات, - فلان ضعيف وفلان ثبت وفلان قدري وفلان من أهل السنة -, تلقتها الأمة بالقبول, واحتجوا بها, ولم يردَّ أحد هذه الأحكام والأخبار الواردة عن الثقات, بحجة التثبت , بل قبلوها مسلَّمة وبنوا الأحكام على الأحاديث صحة وضعفا, بنوها على هذه الروايات الصحيحة.

لكن أبو الحسن ومن على شاكلته زعموا أنهم يريدون التثبت من أخبار الثقات في أبواب الجرح والتعديل, وإنما أرادوا في الحقيقة نسف كلام العلماء العارفين بأحوال الرجال ورد كلامهم في رؤوس أهل الضلال والبدع.

ثم أتى بعدهم محمد بن هادي بأصول جديدة تطويرا لهذه القاعدة.

فقال عن العلماء: (محاطون بالصعافقة ولا يدرون ما يدور حولهم ).

وقال عن طلاب العلم: (صعافقة كذابون), وحذر منهم وقال: (لا تسمعوا لهم ولا تقبلوا نقلهم), فأصَّل لأتباعه أصولا تفوق أصول من قبله, من دعاة التثبت المزعوم, فعند ابن هادي لا يمكن التثبت أصلا, فكل الأخبار والأحكام مردودة, فالعلماء مغلوبون على أمرهم محاط بهم ومؤثر عليهم لا يدرون ما يدور حولهم إلا ما ينقله لهم هؤلاء الصعافقة.

وطبَّق هذا بنفسه, حيث رد حكم الشيخ ربيع في أدلته المزعومة, وقال: (سأعرضها على العقلاء من ذرية آدم)!!!.

أما طلاب العلم فأسقط عدالتهم, واتهمهم بالكذب والجهل, فهم عنده ليسوا أهلا ليتثبت من أخبارهم أصلا, وسار متعصبته على هذه الأصول الفاسدة, فمن لم يكن معهم مؤيدا لظلمهم فهو صعفوق كذاب, حتى لو سبقت فيه تزكيات كبار العلماء, وإن كان له جهود طيبة في الدعوة الى الله والدفاع عن السنة, فكل ذلك لا يحميه من النبز بالصعفقة.

وينشرون قوائم فيها أسماء الصعافقة كما يزعمون, ولقد قرأت منها قائمة فيها أسماء صعافقة العراق زعموا, فيذكرون أسماء من لم يعرفوا عنهم شيئا, ولم يصدر منهم كلام أصلا, لكن المتعصبة يسيرون على قاعدة (من لم يكن معي فهو ضدي).

أما تثبتهم الذي ينادون به, فهو عدم قبولهم نقلا ولا حكما, حتى يسمعوا أو يقرأوا بأنفسهم, وهذا الأمر مشتهر عنهم, فالمتتبع لكلامهم ومنشوراتهم وردودهم يعرف ذلك بجلاء.

ولقد وقعت لي معهم حادثة حول هذا التثبت, وذلك أني زرت الشيخ ربيعا حفظه الله في رمضان الماضي, مع مجموعة من الإخوة, وسلمنا عليه وسمعنا منه نصائح طيبة وخرجنا.

فنشرت أسطرا يسيرة, ذكرت فيها الزيارة وأن الشيخ بصحة جيدة وسأل عن حال الدعوة عندنا, وذكرت بعض النصائح التي سمعتها.

فعلَّق بعضهم بقوله: (ما هو الدليل على كلامك هذا؟).

والله لقد استغربت من هذا الأسلوب, فليس في الكلام شيء جديد غير عادي, ولا سؤال عن حال شخص.

قلت: (يا أخي كان معي مجموعة من الأخوة, ولا أعرف ما هو الدليل الذي تريده).

فبدأ يتطاول على ويتهمني بالكذب, وأشياء لا أريد أن أذكرها.

أقول هذا على سبيل المثال, وإلا فالقوم يلهجون بالتثبت, ولا أظنهم يعرفون ما يريدون.

وعلى مذهبهم هذا لا يمكن لأحد أن يقول سمعت العالم الفلاني يقول كذا, ولا أوصى بكذا, ولا ينقل خبرا ولا فائدة , إلا أن يكون قد وثق ذلك بالصوت أو بالخط لمن ينقل عنه, ولابد من معرفة الخط والصوت, إلى غير ذلك من السفسطة التي تمجها أسماع وعقول بني آدم, وكيف يمكن التثبت وهم لا يثقون بنقل أحد أصلا, ولا يقبلون حكما إلا ممن هو معهم, ينصر ظلمهم وباطلهم.

فحتى لو ثبت عندهم كلام العالم, وحتى لو لم يكونوا قد اتهموه بأنه محاط بمن يؤثر عليه, حتى لو سلم من هذا, لردوا كلامه بالتأويل الفاسد, كما حصل مع كلام الشيخ الفوزان حفظه الله, حيث طعنوا بالناقل للكلام بما طعنوه فيه, ثم قال أحدهم حتى لو ثبت كلام الفوزان فمعناه غيرما فهمتموه منه, وسيأتي إن شاء الله ذكر هذه المسألة.

ومما يدل على تعصبهم وأنهم لا يريدون التثبت المشروع, أننا نلاحظ أن كثيرا منهم يكتب بأسماء مستعارة, فهم مجهولون عينا وحالا, ومع ذلك فالمتعصبة يطيرون بهذه الكتابات ويفرحون بها, ثم يؤصلون ويتعبون أنفسهم في التفتيش ليستدلوا على قبول كلام هؤلاء المجاهيل, والمثير للسخرية أن الذي يدافع عن كلام المجاهيل, مجهول هو أيضا, ومن العجيب أن د. محمد بن هادي نفسه قرَّض لأحد هؤلاء المجاهيل!, فحقيقة حال القوم أنه مادام المتكلِّم ينصر مذهبهم فليكن ما يكن فهو الثقة الثبت, ومن خالفهم فحكمه وخبره مردود, ولو كان إمام الجرح والتعديل.

ومن المؤسف حقا أن هذه القاعدة الباطلة ظهرت على ألسِنَة بعض من كان ينكرها ويرد عليها بالأمس, فسبحان مقلب القلوب, وكما قال حذيفة رضي الله عنه: (البلية كل البلية أن تعرف ما كنت تنكر وتنكر ما كنت تعرف).

وخلاصة ما عندهم, وما طبقوه من السفسطة لرد كلام العلماء أو طلاب العلم الآتي:

أولا: لمَّا تكلم الشيخ ربيع حفظه الله وحذر من ابن هادي, قالوا: (محاط بالصعافقة ولا يدري ما يدور حوله وهم يؤثرون عليه).

ثانيا: ولما كتب حفظه الله مقالا بعنوان: ( تعليقات على طعونات الشيخ محمد بن هادي في أناس أبرياء مما يصفهم به) قالوا: (هذا المقال ليس له وليس هذا أسلوبه) , فلمَّا قال  بصوته:(اتقوا الله والمقال لي) قالوا: (هذا من تأثير الصعافقة).

ثالثا: لما قال الشيخ ربيع حفظه الله: (لقد قرأت أدلة ابن هادي حرفا حرفا فما وجدت فيها أدنى دليل).

قالوا: (الأدلة موجودة لكن الشيخ لم يفهمها) !!!.

رابعا: ولما تكلم الشيخ عبيد الجابري حفظه الله وحذر من ابن هادي, قالوا: (أخذوه معهم وأحاطوا به كما يحيط السوار بالمعصم فلا يرى إلا من خلالهم).

خامسا: ولما تكلم الشيخ صالح الفوزان حفظه الله وقال عن محمد بن هادي: (اتركوه ولا تنشغلوا به...) كما نقل ذلك الشيخ عبدالله الظفيري وفقه الله, قالوا: (لا نقبل كلام الفوزان حتى نسمعه بصوته).

سادسا: وقال أحد متعصبة ابن هادي - وكلامه منشور على شبكات التواصل – قال: (حتى لو ثبت النقل عن الشيخ الفوزان فالمقصود من كلام الفوزان أي اتركوا الكلام في محمد بن هادي لأن الكلام فيه يضركم...الخ).

فانظر كيف وافقوا أهل الكلام في هذا الأسلوب, وهو رد الأخبار ما وجدوا الى ذلك سبيلا, أو تحريف ما لم يستطيعوا رده.

سابعا: وردوا كلام الشيخ عبدالله البخاري حفظه الله وقالوا  عنه: (كبير الصعافقة وطباخ الفتن)

ثامنا: ولما تكلم الشيخ حسن بن عبد الوهاب البنا وفقه الله وكتب البيان المعلوم, قالوا: (هذا البيان ليس له إنما هو للشيخ علي الوصيفي أصالة أما الشيخ حسن البنا فهو تبع).

تاسعا: وإن تكلم طلبة العلم الذين وثقهم العلماء, ونقلوا لهم كلام العلماء , قالوا: (هؤلاء صعافقة لا نقبل أخبارهم).

عاشرا: احتجاج د. محمد بكلام الهولندي بأن الشيخ عرفات ظَلَمَه وتسبب بإعفائه من إدارة المركز.

ذكر هذا النقل عن الهولندي متوجعا له طاعنا في الشيخ عرفات.

فلمَّا قال الهولندي: (أنا ما قلت لمحمد بن هادي هذا الكلام) ونفى هذا بشدة.

قذفه د.محمد وقال: (العاهر العربيد صاحب الحانات والخمارات) ولم يقبل كلامه, والقصة معروفة.

أقول: هل سمعتم بمثل هذه السفسطة من قبل؟ وهل رأيتم إلى أي درجة وصل القوم؟, لقد ردوا أخبار وأحكام العلماء الأثبات وطلبة العلم الثقات بما تتلاشى عنده قاعدة أبي الحسن المأربي في التثبت من أخبار الثقات.

فحقيقة الأمر عند ابن هادي ومتعصبته - وكما مرَّ التنبيه عليه-, أن النقل أو الحكم الثابت ما كان مؤيدا لمنهجهم الجديد, وكل من رد عليهم وخالفهم فنقله وحكمه غير ثابت.

وخطورة هذه القاعدة تكمن في الآتي:

أولا: أن فيها ردا للشريعة بأجمعها, فهذه كتب السنة كلها نقلها الينا رواة الحديث عن مثلهم فيقول الراوي حدثنا فلان عن فلان الى أن يصل بالسند الى منتهاه , فتقبل أخبار العدول الثقات, وترد أخبار الضعفاء والمتروكين,  ويتوقف في أخبار المجهولين إلى أن يتبين حالهم, ثم يلحقون بأحد القسمين .

وهذه القاعدة تهدم كل الأحاديث الصحيحة, والسبب هو التوقف في حال رواتها وهم الثقات الجهابذة, ومعاملتهم معاملة المجهولين.

فعلى هذه القاعدة الباطلة لا نقبل حديثا ولا شرحا لحديث ولا تفسيرا لآية ولا جرحا ولا توثيقا ولا تصحيحا ولا تضعيفا ...الخ, إلا بعد التثبت من حملتها, حتى ولو كنا نعرفهم من الثقات الجهابذة, فلا أدري كيف نتثبت؟ وقد ثبت أنهم ثقات وكما يقولون: (من المحال تحصيل الحاصل).

ثانيا: تفضي هذه القاعدة الباطلة إلى اختلاط الحق بالباطل, وأهل السنة بأهل الأهواء والبدع, والمناهج الصحيحة بالمناهج الباطلة, لأنها تهدم كلام العلماء النقاد حراس الشريعة علماء الجرح والتعديل, قديما وحديثا, وتفتح الباب على مصراعيه لكل صاحب هوى ليُدخِل في دين الله ما شاء, وقد أَمِنَ من النقد والجرح.

فلا حول ولا قوة إلا بالله, كيف يهدم هؤلاء الجهلة شرع الله من حيث لا يعلمون, ناهيك عن الزنادقة والمندسين الذين يتحينون الفرص للطعن في هذه الشريعة الغراء.

ثالثا: أما الأصول التي أضافها د. محمد بن هادي لهذه القاعدة, فكفيلة لإسقاط العلماء وطلاب العلم بالتهم الجاهزة والظلم والافتراء, وبدون ذكر أدلة على ما يتهمون به أهل العلم.

رابعا: وكذلك تفتح الباب للجهال لإسقاط السلفيين بما يجمعونه من الثرثرة, فيزعمون أنها أدلة, مقتدين بذلك بمن أصَّل هذه الأصول.

خامسا: سقوط هيبة العلماء في نفوس العامة, وذلك أن هؤلاء الجهال يجمعون الأخطاء وزلات اللسان وسبق اللسان والقلم, ثم يشعونها بين الناس مستدلين بها على جهل أو انحراف من وقع فيها.

فالواجب على كل من عنده القدرة على البيان, أن يحذر من هذه القواعد الباطلة, ويكشف زيفيها, ويبين خطرها وما تفضي إليه من النتائج المرة, فإن الدفاع عن دين الله وكشف زيف المنحرفين وبيان قواعدهم وأصولهم الباطلة والرد على أهل الأهواء من أعظم الجهاد في سبيل الله.

نسأل الله أن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن, وأن يرزقنا الاستقامة على الكتاب والسنة, إنه ولي ذلك والقادر عليه.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

كتبه

أبو حسام محمود اليوسف الزوبعي

19/محرم/1440

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×