اذهب الي المحتوي
  • Sahab
  • Blackcurrant
  • Watermelon
  • Strawberry
  • Orange
  • Banana
  • Apple
  • Emerald
  • Chocolate
  • Charcoal
نورس الهاشمي

القلب الحي يكون صاحبه حياً فيه حياء يمنعه عن القبائح

Recommended Posts

 

القلب الحي يكون صاحبه حياً فيه حياء يمنعه عن القبائح

 

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا إله إلا اللَّه إله الأولين والآخرين ، الذي لا فوز إلا في طاعته القائل في كتابه العزيز : ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأحْيَيْنَاه ) ، والصلاة والسلام على إمام المتقين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

فقد حذرنا الله عزوجل من الركون الى الدنيا وعدم الإغترار بها وزخرفها ،  وأنها دنيا زائلة وفانية وسيفنى كل شيء ، فإذا كان هذا حالها و أنها ستفنى ، فلم أيها العبد ركنت اليها واستمتعت بزينتها و جعلت شغلك الشاغل الإعتناء بتنعم الجسد، وتبحث عما يتنعم جسدك  من افضل المآكل والمشارب والمساكن ، وهذا حال أهل الدنيا يتعب من أجل تنعم وحياة الجسد، و آثروا الدنيا على الآخرة ، و هذا حال من جعل الدنيا في قلبه وقدمها على الآخرة.

قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا} أي: تقدمونها على أمر الآخرة، وتبدونها على ما فيه نفعهم وصلاحهم في معاشهم ومعادهم، {والآخرة خير وأبقى} أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، فإن الدنيا دنية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبا، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد؟!. " تفسير ابن كثير" ( 8/ 382).

 

 من قدم الدنيا على الآخرة أمثل هذا حالهم سيكونوا سعداء؟!

و انظر الى المثل الذي ضربه الله لنا  وبين فيه حال الدنيا ، قال تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } . سورة الكهف.

 

قال العلامة السعدي رحمه الله : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا ولمن قام بوراثته بعده تبعا: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار. وأن مثل هذه الحياة الدنيا، كمثل المطر، ينزل على الأرض، فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين، وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين، إذ أصبحت هشيما تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه، إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالح، أو سيئ أعماله، هنالك يعض الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العود إلى الدنيا، لا ليستكمل الشهوات، بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات، فالعاقل الجازم الموفق، يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه: قدري أنك قد مت، ولا بد أن تموتي، فأي: الحالتين تختارين؟ الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل، لدار أكلها دائم وظلها، وفيها ما [ ص 479 ] تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين؟ فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه. " تفسير السعدي" ( 478).

 

و قال تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ.

 

قال الشوكاني رحمه الله: قَوْلُهُ: ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أَيْ: ذَلِكَ الْمَذْكُورُ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ وَلَا يَبْقَى، وَفِيهِ تَزْهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغِيبٌ في الآخرة. " فتح القدير للشوكاني" ( 1/ 371).

 

و قال تعالى: ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) .

قال القرطبي : فيه مسألتان: الأولى- قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو) أي لقصر مدتها كما قال:

ألا إنما الدنيا كأحلام نائم ... وما خير عيش لا يكون بدائم

تأمل إذا ما نلت بالأمس لذة ... فأفنيتها هل أنت إلا كحالم

وقال آخر:

فاعمل على مهل فإنك ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان

فكان ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكان ما هو كائن قد كانا «1»

وقيل: المعنى متاع الحياة الدنيا لعب ولهو، أي الذي يشتهونه في الدنيا لا عاقبة له، فهو بمنزلة اللعب واللهو. ونظر سليمان بن عبد الملك في المرآة فقال: أنا الملك الشاب، فقالت له جارية له:

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان

ليس فيما بدا لنا منك عيب ... كان «2» في الناس غير أنك فاني

 

وقيل: معنى (لعب ولهو) باطل وغرور، كما قال: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) «3»] آل عمران: 185] فالمقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم:" إن هي إلا حياتنا الدنيا". واللعب معروف، والتلعابة الكثير اللعب، والملعب مكان اللعب، يقال: لعب يلعب. واللهو أيضا معروف، وكل ما شغلك فقد ألهاك، ولهوت من اللهو، وقيل: أصله الصرف عن الشيء، من قولهم: لهيت عنه، قال المهدوي: وفيه بعد، لأن الذي معناه الصرف لامه ياء بدليل قولهم: لهيان، ولام الأول واو.

الثانية- ليس من اللهو واللعب ما كان من أمور الآخرة، فإن حقيقة اللعب ما لا ينتفع به واللهو ما يلتهى به، وما كان مرادا للآخرة خارج عنهما، وذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة «4» لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها. " تفسير القرطبي" ( 6/ 414).

 

فالدار الآخرة هي دار باقية، والعاقل الفطن عمل لها، وجعل كل أنواع الملاذ في طاعة الله ، وما رزقه الله من نعمة إلا شكر الله على ذلك ، لأنه علم هذه النعم من الله، فالجنة أعدها الله لعباده المتقين، و فيها ما فيها من النعيم، فالمؤمن هو الذي يحرص على اصلاح  قلبه ، و يحرص على تنعم القلب ، والمؤمن يعلم ان السعادة هي سعادة القلب بالتوحيد و ذكر الله عزوجل  وكل خير.

 

قال  تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة .

 

قال ابن القيم رحمه الله : ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة وحصلوا علي الحياة الطيبة فى الدارين فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة هو النعيم علي الحقيقة ولا نسبة لنعيم البدن إليه

فقد قال بعض من ذاق هذه اللذة لو علم الملوك وأبناء ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف

وقال آخر إنه يمر بالقلب أوقات أقول فيها إن أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيب

وقال الآخر إن فى الدنيا جنة هى في الدنيا كالجنة في الآخرة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. " الجواب الكافي" ( ص 84).

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن القلب الحي يكون صاحبه حيا فيه حياء يمنعه عن القبائح فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الإيمان وقال الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق فإن الحي يدفع ما يؤذيه بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحا والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف الرطوبة الحياة فإذا كان وقحا يابسا صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه وامتناعه من القبح كالأرض اليابسة لا يؤثر فيه وطء الأقدام بخلاف الأرض الخضر ولهذا كان الحيي يظهر عليه التأثر بالقبح وله إرادة تمنعه عن فعل القبيح بخلاف الوقح والذي ليس بحيي فإنه لا حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك. " أمراض القلوب" ( 13).

 

وقال ابن القيم رحمه الله: فالقلب الصحيح : هو الذي همه كله في الله وحبه كله له وقصده له وبدنه له وأعماله له ونومه له ويقظته له وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه : الخلوة به آثر عنده من الخلطة إلا حيث تكون الخلطة أحب إليه وأرضى له قرة عينه به وطمأنينته وسكونه إليه فهو كلما وجد من نفسه التفاتا إلى غيره تلا عليها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية [ ] فهو يردد عليها الخطاب بذلك ليسمعه من ربه يوم لقائه فينصبغ القلب بين يدي إلهه ومعبوده الحق بصبغة العبودية فتصير العبودية صفة له وذوقا لا تكلفا فيأتي بها توددا وتحببا وتقربا كما يأتي المحب المقيم في محبة محبوبه بخدمته وقضاء أشغاله فكلما عرض له أمر من ربه أو نهي أحس من قلبه ناطقا ينطق لبيك وسعديك إني سامع مطيع ممتثل ولك علي المنة في ذلك والحمد فيه عائد إليك

 وإذا أصابه قدر وجد من قلبه ناطقا يقول أنا عبدك ومسكينك وفقيرك وأنا عبدك الفقير العاجز الضعيف المسكين وأنت ربي العزيز الرحيم لا صبر لي إن لم تصبرني ولا قوة لي إن لم تحملني وتقوني لا ملجأ لي منك إلا إليك ولا مستعان لي إلا بك ولا انصراف لي عن بابك ولا مذهب لي عنك. " اغاثة اللهفان"  ( 1/ 73).

 وقال ايضاً:

 فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله وفهم عنه وأذعن وانقاد لتوحيده ومتابعة ما بعث به رسوله وآله . " اجتماع الجيوش الاسلامية " ( 7).

 

وقال أيضاً : القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل ولا إرادة للحق وكراهة للباطل بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما وكذلك وصف سبحانه كتابه ووحيه بأنه روح لحصول حياة القلب به فيكون القلب حيا ويزداد حياة بروح الوحي فيحصل له حياة على حياة ونور على نور نور الوحي على نور الفطرة قال يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده وقال وكذلك. " شفاء العليل" ( 104).

 

بلا شك ان العاقل يختار العمل للدار الآخرة، و فيها ما فيها من النعيم ، وأعظم نعيم هو النظر الى رب العالمين.

و كتب : نورس أبو عبدالرحمن

 25 جماد 2 ، 1440 ه

 

شارك هذه المشاركة


الرابط الخاص بالمشاركة
مشاركة المحتوى على مواقع أخرى

من فضلك قم بتسجيل الدخول حتى تتمكن من المشاركة فى المنتدى

.



سجل دخولك الان

×
×
  • اضف...