صالح الفوزان : استدرك عمراً قد أضعت أوله.

لنفتش كتاب أعمالنا كيف أمليناه فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه، وإن كان شراً تبنا إلى الله واستغفرناه، كم يتمنى المرء تمام شهره، وهو يعلم أن ذلك يَنْقصُ من عمره، وأنها مراحل يقطعها من سفره، وصفحات يطويها من دفتره، وخطوات يمشيها إلى قبره، فهل يفرح بذلك إلا من استعد للقدوم على ربه بامتثال أمره، ألم تروا إلى هذه الشمس كل يوم تطلع وتغرب، ففي طلوعها ثم غروبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما هي طلوع ثم غروب، ألم تروا إلى هذه الأعوام تتجدد عاماً بعد عام، فأنتم تودعون عاماً شهيداً عليكم وتستقبلون عاماً جديداً مقبلاً إليكم، فبماذا تودعون العام الماضي وتستقبلون العام الجديد، فليقف كل منا مع نفسه محاسباً ماذا أسفت في عامي الماضي، فإن كان خيراً ازداد وإن يكن غير ذلك أقلع وأناب، فإنما تمحي السيئة الحسنة، قال – صلى الله عليه وسلم -: “وأتبع السيئة الحسنة تمحها” ليحاسب كل منا نفسه عن فرائض الإسلام وأدائها، عن حقوق المخلوقين والتخلص منها، عن أمواله التي جمعها من أين وجاءت وكيف ينفقها؟ حاسبوا أنفسكم اليوم فأنتم أقدر على العلاج منكم غداً؛ فإنكم لا تدرون ما يأتي به الغد، حاسبوها في ختام عامكم وفي جميع أيامكم؛ فإنها خزائنكم التي تحفظ لكم أعمالكم، وعمّا قريب تفتح لكم فترون ما أودعتم فيها؛ روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب فقال: “أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا نهايتكم.

إن المؤمن بين مخافتين: أجل مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت”، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: “إنكم تغدون وتروحون إلى أجل غيّب عنكم عمله؛ فإن استطعتم ألا يمضي هذا الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا”.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته: “أيها الناس حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبواز. وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله. {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } [الحاقة: 18].

لنتذكر بانقضاء العام انقضاء العمر، وبسرعة مرور الأيام قرب الموت، وبتغير الأحوال زوال الدنيا وحلول الآخرة؛ فكم ولد في هذا العام من مولود، وكم مات فيه من حي، وكم استغنى فيه من فقير، وافتقر من غني، وكم عز فيه من ذليل، وذل فيه من عزيز؟ {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)} [آل عمران: 26 – 27]. راجع نفسك على أي شيء قبل أن تطوي صحائف هذا العام؟ فلعله لم يبق من عمرك إلا ساعات أو أيام. فاستدرك عمراً قد أضعت أوله؛ فإن عمر المؤمن لا قيمة له قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك” هكذا أوصانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم باغتنام هذه الخمس قبل حلول اضدادها؛ ففي الشباب قوة وعزيمة، فإذا هرم الإنسان وشاب ضعفت قوته وفترت عزيمته. وفي الصحة نشاط وانبساط؛ فإذا مرض الإنسان انحط نشاطه وضاقت نفسه وثقلت عليه الأعمال. وفي الغنى راحة وفراغ فإذا افتقر الإنسان اشتغل بطلب العيش لنفسه ولعياله.

وفي الحياة ميدان فسيح لصالح الأعمال، فإذا “مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له”. فاستدركوا ما فات بالتوبة، واستقبلوا ما بقي بالعمل الصالح. فإن إقامتكم في هذه الدنيا محدودة وأيامكم معدودة وأعمالكم مشهودة.

 

نقل / أم عبد الصمد السلفية – منبر الأخوات العام – شبكة سحاب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

 اقصى عدد حروف للتعليق

التعليقات ( 22 )
  • يقول أبو محمد طاهر الجزائري:

    بارك الله في شيخنا

  • يقول يحي محمد بيلو:

    جزى الله الشيخ خير جزائه على هذا التنبيه الذي ينبغي لكل من شهده أن يجعله نصب عينيه و يراجعه ويتمعّنه لأنه مهم جدًا، وبارك الله فيكم.

  • يقول يوسف السلفي:

    جزاكم الله خيرا

  • يقول ابو عبد الحمن هيثم عبد الله:

    جزاكم الله خيرا

  • يقول مروان العاني:

    اللهم بارك بعمر الشيخ في طاعتك ونشر العلم

  • يقول مروان العاني:

    اللهم احفظ الشيخ صالح وأطل عمره بكل خير ونفع الله به العالم الاسلامي

  • يقول صالح بن علي آل صبيح:

    ماشاء الله تبارك الله.

    حفظ الله الشيخ صالح وأطال في عمره على طاعته

  • يقول محمد إسحاق:

    بارك الله فيكم

  • يقول علي بن عمران:

    ان المومن بين مخافتين حديث ضعيف

  • يقول ابوصالح الليبي:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    جزئ الله بقية السلف خيرا ونفع بعلمه ونسأل الله تعالى أن نكون من من يسمعون الكلام ويتبعون احسن.

  • يقول أبوالهمام عبدالقادر النمر:

    جزاكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم الله خيرا على نقل هذه الكلمات والعظات

  • يقول أبوالهمام:

    كلمات مؤثرة لمن أراد النجاة

  • يقول توفيق:

    جزاكم الله خيرا

  • يقول بلقاسم الغريسي:

    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا

  • يقول التاجوري:

    جزاكم الله خيرا

  • يقول سليم صلاح:

    جزاكم الله خيرا على هذه الكلمات المؤثره*

  • يقول سليم صلاح:

    جزاكم الله خيرا على هذه الكلمات

  • يقول ابوالعز لبليبي:

    حفظ الله بقية السلف وكل علمائنا ورحم امواتهم

  • يقول المنتصرة بالله:

    جزاك الله خير وبارك فيك .موعظة بليغة

  • يقول المنتصرة بالله:

    جزاك الله خير على هذه الموعظة وبارك فيك اخت الاسلام .

  • يقول تغوه ابو ابراهيم الاندونيسي:

    هذه خطبة جميلة , انقلها الى اللغة الاندونيسية وسألقيها في منابر الجمعة في بلدى, بارك الله للشيخ صالح , وسلامي على جميع الإخوة السلفيين

    • يقول أبو محمد طاهر الجزائري:

      السلام عليكم و رحمة الله
      بارك الله فيك أخي و وفقك لما يحبه و يرضاه

  • 294

    المقالات

    5810

    التعليقات